الآية ٣٨ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٣٨ من سورة النور

لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٨ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال هاهنا ( ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ) أي : هؤلاء من الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم .

وقوله : ( ويزيدهم من فضله ) أي : يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم ، كما قال تعالى : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) [ النساء : 40 ] ، وقال تعالى : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) [ الأنعام : 160 ] ، وقال ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) [ البقرة : 245 ] ، وقال ( والله يضاعف لمن يشاء ) [ البقرة : 261 ] كما قال هاهنا : ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) .

وعن ابن مسعود : أنه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدا واحدا ، فكلهم لم يشربه لأنه كان صائما ، فتناوله ابن مسعود وكان مفطرا فشربه ، ثم تلا قوله تعالى ( يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ) ، رواه النسائي ، وابن أبي حاتم ، من حديث الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عنه .

وقال [ ابن أبي حاتم ] أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ، جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق : سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم ، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله .

فيقومون ، وهم قليل ، ثم يحاسب سائر الخلائق " .

وروى الطبراني ، من حديث بقية ، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) [ فاطر : 30 ] قال : ( أجورهم ) يدخلهم الجنة ( ، ويزيدهم من فضله ) ، الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة ، لمن صنع لهم المعروف في الدنيا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ) يقول: فعلوا ذلك، يعني أنهم لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا ربهم؛ مخافة عذابه يوم القيامة، كي يثيبهم الله يوم القيامة بأحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، ويزيدهم على ثوابه إياهم على أحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا من فضله، فَيُفْضل عليهم عن عنده بما أحبّ من كرامته لهم.وقوله: ( وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) يقول تعالى ذكره: يتفضل على من شاء وأراد من طوْله وكرامته، مما لم يستحقه بعمله، ولم يبلغه بطاعته ( بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ، يقول: بغير محاسبة على ما بذل له وأعطاه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ليجزيهم الله أحسن ما عملوا فذكر الجزاء على الحسنات ، ولم يذكر الجزاء على السيئات وإن كان يجازي عليها لأمرين : أحدهما : أنه ترغيب ، فاقتصر على ذكر الرغبة .

الثاني : أنه في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر ؛ فكانت صغائرهم مغفورة .

ويزيدهم من فضله يحتمل وجهين : أحدهما : ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها .

الثاني : ما يتفضل به من غير جزاء .

والله يرزق من يشاء بغير حساب أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه ؛ إذ لا نهاية لعطائه .

وروي أنه لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببناء مسجد قباء ، فحضر عبد الله بن رواحة فقال : يا رسول الله ، قد أفلح من بنى المساجد ؟

قال : نعم ، يابن رواحة قال : وصلى فيها قائما وقاعدا ؟

قال : نعم ، يابن رواحة ، قال : ولم يبت لله إلا ساجدا ؟

قال : نعم ، يابن رواحة كف عن السجع فما أعطي عبد شرا من طلاقة في لسانه ؛ ذكره الماوردي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا } والمراد بأحسن ما عملوا: أعمالهم الحسنة الصالحة، لأنها أحسن ما عملوا، لأنهم يعملون المباحات وغيرها، فالثواب لا يكون إلا على العمل الحسن، كقوله تعالى: { لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ } { وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } زيادة كثيرة عن الجزاء المقابل لأعمالهم، { وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } بل يعطيه من الأجر ما لا يبلغه عمله، بل ولا تبلغه أمنيته، ويعطيه من الأجر بلا عد ولا كيل، وهذا كناية عن كثرته جدا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ) يريد : أنهم اشتغلوا بذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ، أي بأحسن ما عملوا ، يريد : يجزيهم بحسناتهم ، وما كان من مساوئ أعمالهم لا يجزيهم بها ، ( ويزيدهم من فضله ) ما لم يستحقوه بأعمالهم ، ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) ثم ضرب لأعمال الكفار مثلا فقال تعالى :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليجزيهم الله أحسن ما عملوا» أي ثوابه وأحسن بمعنى حسن «ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاءُ بغير حساب» يقال فلان ينفق بغير حساب: أي يوسع كأنه لا يحسب ما ينفقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليعطيهم الله ثواب أحسن أعمالهم، ويزيدهم من فضله بمضاعفة حسناتهم.

والله يرزق مَن يشاء بغير حساب، بل يعطيه مِنَ الأجر ما لا يبلغه عمله، وبلا عدٍّ ولا كيل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملتهم على الإكثار من هذه الطاعات فقال ( لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ ) .أى : إنهم يكثرون من تسبيح الله بالغدو والآصال ، دون أن يشغلهم عن ذلك أى شاغل ، لأنهم يرجون منه - سبحانه - أن يجزيهم أحسن الجزاء على أعمالهم ، وأن يزيدهم من فضله وإحسانه ، بما يليق بكرمه وامتنانه ." والله " - تعالى - " يرزق من يشاء " أن يرزقه " بغير حساب " أى : بدون حدود ، ولا قيود ، وبدون حصر لما يعطيه ، لأن خزائنه لا تنقص ولا تنفد ، حتى يحتاج إلى عد وحساب لما يخرج منها .فالجملة الكريمة تذييل قصد به التقرير للزيادة التى يتطلع إليها هؤلاء الرجال الصالحون ، ووعد منه - عز وجل - بأنه سيرزقهم رزقا يزيد عما يتوقعونه .وبذلك نرى الآيات قد طوفت بنا مع نور الله - عز وجل - ومثلت له بما من شأنه أن يجعل النفوس يشتد استمساكها بالحق الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربه ، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال الأخيار ، الذين يكثرون من طاعة الله - تعالى - فى بيوته التى أمر برفعها ، دون أن يشغلهم عن ذلك شاغل ، وبشرتهم بالعطاء الواسع الذى سيعطيهم الله إياه بفضله وكرمه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله ﴾ يقتضي محذوفاً يكون فيها وذكروا فيه وجوه: أحدها: أن التقدير كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله وهو اختيار كثير من المحققين، اعترض أبو مسلم بن بحر الأصفهاني عليه من وجهين: الأول: أن المقصود من ذكر المصباح المثل وكون المصباح في بيوت أذن الله لا يزيد في هذا المقصود لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضاءة الثاني: أن ما تقدم ذكره فيه وجوه تقتضي كونه واحداً كقوله: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ وقوله: ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ وقوله: ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ وقوله: ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ  ﴾ ولفظ البيوت جمع ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت والجواب عن الأول أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم فكان أضوأ، فكان التمثيل به أتم وأكمل وعن الثاني: أنه لما كان القصد بالمثل هو الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل كمشكاة فيها مصباح في زجاجة تتوقد من الزيت، وتكون الفائدة في ذلك أن ضوأها يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى، ولو أن رجلاً قال الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته لكان وإن ذكره بلفظ الواحد فالمراد النوع فكذا ما ذكره الله سبحانه في هذه الآية.

وثانيها: التقدير توقد من شجرة مباركة في بيوت أذن الله أن ترفع.

وثالثها: وهو قول أبي مسلم أنه راجع إلى قوله: ﴿ وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ أي ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم في بيوت أذن الله أن ترفع، ويكون المراد بالذين خلوا الأنبياء والمؤمنين والبيوت المساجد، وقد اقتص الله أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذكر أماكنهم فسماها محاريب بقوله: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب  ﴾ و ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب  ﴾ فيقول: ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات، وأنزلنا أقاصيص من بعث قبلكم من الأنبياء والمؤمنين في بيوت أذن الله أن ترفع.

ورابعها: قول الجبائي إنه كلام مستأنف لا تعلق له بما تقدم والتقدير صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع.

وخامسها: وهو قول الفراء والزجاج إنه لا حذف في الآية بل فيه تقديم وتأخير كأنه قال يسبح في بيوت أذن الله أن ترفع رجال صفتهم كيت وكيت، وأما قول أبي مسلم فقد اعترض عليه القاضي من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ المراد منه خلا من المكذبين للرسل لتعلقه بما تقدم من الإكراه على الزنا ابتغاء للدنيا فلا يليق ذلك بوصف هذه البيوت لأنها بيوت أذن أن يذكر فيها اسمه الثاني: أن هذه الآية صارت منقطعة عن تلك الآية بما تخلل بينهما من قوله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والأرض  ﴾ وأما قول الجبائي فقيل الإضمار لا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة وعلى التأويل الذي ذكره الفراء والزجاج لا حاجة إليه فلا يجوز المصير إليه فإن قيل على قول الزجاج يتوجه عليه إشكال أيضاً لأن على قوله يصير المعنى في بيوت أذن الله يسبح له فيها فيكون قوله فيها تكراراً من غير فائدة، فلم قلتم إن تحمل هذه الزيادة أولى من تحمل مثل ذلك النقصان؟

قلنا الزيادة لأجل التأكيد كثيرة فكان المصير إليها أولى.

المسألة الثانية: أكثر المفسرين قالوا المراد من قوله: ﴿ فِى بُيُوتٍ ﴾ المساجد وعن عكرمة ﴿ فِى بُيُوتٍ ﴾ قال هي البيوت كلها والأول أولى لوجهين: الأول: أن في البيوت ما لا يمكن أن يوصف بأن الله تعالى أذن أن ترفع الثاني: أنه تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة وذلك لا يليق إلا بالمساجد ثم للقائلين بأن المراد هو المساجد قولان: أحدهما: أن المراد أربع مساجد الكعبة بناها إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، ومسجد المدينة بناه النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء الذي أسس على التقوى بناه النبي صلى الله عليه وسلم وعن الحسن هو بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل والثاني: أن المراد هو جميع المساجد والأول ضعيف لأنه تخصيص بلا دليل فالأول حمل اللفظ على جميع المساجد، قال ابن عباس رضي الله عنهما المساجد بيوت الله في الأرض وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض.

المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد من قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ على أقوال أحدها: المراد من رفعها بناؤها لقوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَىٰهَا  رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت  ﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي المساجد أمر الله أن تبنى.

وثانيها: ترفع أي تعظم وتطهر عن الأنجاس وعن اللغو من الأقوال عن الزجاج.

وثالثها: المراد مجموع الأمرين.

والقول الثاني أولى لأن قوله: ﴿ فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ ﴾ ظاهره أنها كانت بيوتاً قبل الرفع فأذن الله أن ترفع.

المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد من قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه ﴾ فالقول الأول: أنه عام في كل ذكر والثاني: أن يتلى فيها كتابه عن ابن عباس والثالث: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي والأول أولى لعموم اللفظ.

المسألة الخامسة: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ يُسَبّحُ ﴾ بفتح الباء والباقون بكسرها فعلى القراءة الأولى يكون القول ممتداً إلى آخر الظروف الثلاثة أعني له فيها بالغدو والآصال، ثم قال الزجاج ﴿ رِجَالٌ ﴾ مرفوع لأنه لما قال: ﴿ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا ﴾ فكأنه قيل من يسبح؟

فقيل يسبح رجال.

المسألة السادسة: اختلفوا في هذا التسبيح فالأكثرون حملوه على نفس الصلاة، ثم اختلفوا فمنهم من حمله على كل الصلوات الخمس ومنهم من حمله على صلاتي الصبح والعصر فقال كانتا واجبتين في ابتداء الحال ثم زيد فيهما، ومنهم من حمله على التسبيح الذي هو تنزيه الله تعالى عما لا يليق به في ذاته وفعله، واحتج عليه بأن الصلاة والزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهذا الوجه أظهر.

المسألة السابعة: الآصال جمل أُصُل والأصُل جميع أصيل وهو العشي وإنما وجد الغدو لأنه في الأصل مصدر لا يجمع والأصيل اسم جمع، قال صاحب الكشاف بالغدو أي بأوقات الغدو أي بالغدوات وقرئ ﴿ والإيصال ﴾ وهو الدخول في الأصيل يقال آصل كأعتم وأظهر، قال ابن عباس رحمهما الله إن صلاة الضحى لفي كتاب الله تعالى مذكورة وتلا هذه الآية وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه إلا وله عند الله نزل يعد له في الجنة» وفي رواية سهل بن سعد مرفوعًا: «من غدا إلى المسجد وراح ليعلم خيراً أو ليتعلمه كما كمثل المجاهد في سبيل الله يرجع غانماً».

المسألة الثامنة: اختلفوا في قوله تعالى: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة ﴾ فقال بعضهم نفى كونهم تجاراً وباعة أصلاً، وقال بعضهم بل أثبتهم تجاراً وباعة وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم عنها شاغل من ضروب منافع التجارات، وهذا قول الأكثرين، قال الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون، ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء فقاموا بالصلاة والزكاة، وعن سالم نظر إلى قوم من أهل السوق تركوا بياعاتهم وذهبوا إلى الصلاة فقال هم الذين قال تعالى فيهم: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة ﴾ ، وعن ابن مسعود مثله، واعلم أن هذا القول أولى من الأول، لأنه لا يقال إن فلاناً لا تلهيه التجارة عن كيت وكيت إلا وهو تاجر، وإن احتمل الوجه الأول وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لما قال: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة ﴾ دخل فيه البيع فلم أعاد ذكر البيع؟

قلنا الجواب عنه من وجوه: الأول: أن التجارة جنس يدخل تحت أنواع الشراء والبيع إلا أنه سبحانه خص البيع بالذكر لأنه في الإلهاء أدخل، لأن الربح الحاصل في البيع يقين ناجز، والربح الحاصل في الشراء شك مستقبل الثاني: أن البيع يقتضي تبديل العرض بالنقد، والشراء بالعكس والرغبة في تحصيل النقد أكثر من العكس الثالث: قال الفراء: التجارة لأهل الجلب، يقال: اتجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده، والبيع ما باعه على يديه.

السؤال الثاني: لم خص الرجال بالذكر؟

والجواب: لأن النساء لسن من أهل التجارات أو الجماعات.

المسألة التاسعة: اختلفوا في المراد بذكر الله تعالى، فقال قوم: المراد الثناء على الله تعالى والدعوات، وقال آخرون: المراد الصلوات، فإن قيل فما معنى قوله: ﴿ وإقام الصلاة ﴾ ؟

قلنا عنه جوابان: أحدهما: قال ابن عباس رضي الله عنهما المراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها والثاني: يجوز أن يكون قوله: ﴿ وإقام الصلاة ﴾ تفسيراً لذكر الله فهم يذكرون الله قبل الصلاة وفي الصلاة.

المسألة العاشرة: قد ذكرنا في أول تفسير سورة البقرة (3) في قوله: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصلاة ﴾ أن إقام الصلاة هو القيام بحقها على شروطها، والوجه في حذف الهاء ما قاله الزجاج، يقال أقمت الصلاة إقامة وكان الأصل إقواماً، ولكن قلبت الواو ألفاً فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي أقمت الصلاة إقاماً، فأدخلت الهاء عوضاً من المحذوف وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة، قال وهذا إجماع من النحويين.

المسألة الحادية عشرة: اختلفوا في الصلاة فمنهم من قال هي الفرائض، ومنهم من أدخل فيه النقل على ما حكيناه في صلاة الضحى عن ابن عباس، والأول أقرب لأنه إلى التعريف أقرب وكذلك القول في الزكاة أن المراد المفروض لأنه المعروف في الشرع المسمى بذلك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما المراد من الزكاة طاعة الله تعالى والإخلاص، وكذا في قوله: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكواة  ﴾ وقوله: ﴿ مَا زكى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ  ﴾ وقوله: ﴿ تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا  ﴾ وهذا ضعيف لما تقدم ولأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء، وهذا لا يحمل إلا على ما يعطى من حقوق المال.

المسألة الثانية عشرة: أنه سبحانه بين أن هؤلاء الرجال وإن تعبدوا بذكر الله والطاعات فإنهم مع ذلك موصوفون بالوجل والخوف فقال: ﴿ يخافون يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار ﴾ وذلك الخوف إنما كان لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته.

واختلفوا في المراد بتقلب القلوب والأبصار على أقوال: فالقول الأول أن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار لقوله: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر  ﴾ الثاني: أنها تتغير أحوالها فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها لا تفقه وتبصر الأبصار بعد أن كانت لا تبصر، فكأنهم انقلبوا من الشك إلى الظن، ومن الظن إلى اليقين، ومن اليقين إلى المعاينة، لقوله: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مّنْ هذا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ  ﴾ .

الثالث: أن القلوب تتقلب في ذلك اليوم طمعاً في النجابة وحذراً من الهلاك والأبصار تنقلب من أي ناحية يؤمر بهم، أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال؟

ومن أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل؟

والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل، فإنهم قالوا إن أهل الثواب لا خوف عليهم ألبتة في ذلك اليوم، وأهل العقاب لا يرجون العفو، لكنا بينا فساد هذا المذهب غير مرة الرابع: أن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر، والأبصار تصير زرقاً، قال الضحاك: يحشر الكافر وبصره حديد وتزرق عيناه ثم يعمى، ويتقلب القلب من الخوف حيث لا يجد مخلصاً حتى يقع في الحنجرة فهو قوله: ﴿ إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كاظمين  ﴾ .

الخامس: قال الجبائي المراد بتقلب القلوب والأبصار تغير هيئاتهما بسبب ما ينالها من العذاب، فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار ومرة بهيئة ما احترق، قال ويجوز أن يريد به تقلبها على جمر جهنم وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ .

المسألة الثالثة عشرة: قوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله ويثيبهم على أحسن ما عملوا، وفيه وجوه: الأول: المراد بالأحسن الحسنات أجمع، وهي الطاعات فرضها ونفلها، قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم.

الثاني: أنه سبحانه يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشراً إلى سبعمائة الثالث: قال القاضي: المراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم وإنما يجزيهم الله تعالى بأحسن الأعمال، وهذا مستقيم على مذهبه في الإحباط والموازنة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ فالمعنى أنه تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال ولا يقتصر على قدر استحقاقهم بل يزيدهم من فضله على ما ذكره تعالى في سائر الآيات من التضعيف، فإن قيل فهذا يدل على أن لفعل الطاعة أثراً في استحقاق الثواب، لأنه تعالى ميز الجزاء عن الفضل وأنتم لا تقولون بذلك، فإن عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئاً، قلنا نحن نثبت الاستحقاق لكن بالوعد فذاك القدر هو المستحق والزائد عليه هو الفضل ثم قال: ﴿ والله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ نبه به على كمال قدرته وكمال جوده ونفاذ مشيئته وسعة إحسانه، فكان سبحانه لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة، ومع ذلك يكونون في نهاية الخوف، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى بُيُوتٍ ﴾ يتعلق بما قبله.

أي: كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد، كأنه قيل: مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت.

أو بما بعده، وهو يسبح، أي: يسبح له رجال في بيوت.

وفيها تكرير، كقولك: زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف كقوله: ﴿ في تسع آيات ﴾ [النمل: 27] أي سبحوا في بيوت.

والمراد بالإذن: الأمر.

ورفعها: بناؤها، كقوله: ﴿ بناها رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ [النازعات: 27- 28]، ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد ﴾ [البقرة: 127] وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي المساجد، أمر الله أن تبنى، أو تعظيمها والرفع من قدرها.

وعن الحسن رضي الله عنه: ما أمر الله أن ترفع بالبناء، ولكن بالتعظيم ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه ﴾ أوفق له، وهو عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: وأن يتلى فيها كتابه.

وقرئ: ﴿ يسبح ﴾ على البناء للمفعول، ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: ﴿ لَهُ فِيهَا بالغدو ﴾ ، و ﴿ رِجَالٌ ﴾ مرفوع بما دلّ عليه ﴿ يُسَبّحُ ﴾ وهو يسبح له، وتسبح، بالتاء وكسر الباء.

وعن أبي جعفر رضي الله عنه بالتاء وفتح الباء.

ووجهها أن يسند إلى أوقات الغدوّ والآصال على زيادة الباء، وتجعل الأوقات مسبحة.

والمراد ربها، كصيد عليه يومان.

والمراد وحشهما.

والآصال: جمع أصل وهو العشي.

والمعنى: بأوقات الغدوّ، أي: بالغدوات.

وقرئ: ﴿ والإيصال ﴾ وهو الدخول في الأصيل.

يقال: آصل، كأظهر وأعتم.

التجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، فإما أن يريد: لا يشغلهم نوع من هذه الصناعة، ثم خصّ البيع لأنه في الإلهاء أدخل.

من قبل أن التاجر إذا اتجهت له بيعة رابحة وهي طلبته الكلية من صناعته: ألهته ما لا يلهيه شراء شيء يتوقع فيه الربح في الوقت الثاني، لأن هذا يقين وذاك مظنون، وإمّا أن يسمى الشراء تجارة، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع، كما تقول: رزق فلان تجارة رابحة، إذا اتجه له بيع صالح أو شراء.

وقيل: التجارة لأهل الجلب، اتجر فلان في كذا: إذا جلبه.

التاء في إقامة، عوض من العين الساقطة للإعلال، والأصل: ﴿ إقوام ﴾ فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض، فأسقطت، ونحوه: وِأَخْلَفُوكَ عِدَ الأمرِ الَّذِي وَعَدُوا وتقلب القلوب والأبصار: إما أن تتقلب وتتغير في أنفسها: وهو أن تضطرب من الهول والفزع وتشخص، كقوله: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر ﴾ [الأحزاب: 10] .

وإما أن تتقلب أحوالها وتتغير فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها لا تفقه، وتبصر الأبصار بعد أن كانت عمياً لا تبصر ﴿ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي أحسن جزاء أعمالهم، كقوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى ﴾ [يونس: 26] والمعنى يسبحون ويخافون، ليجزيهم ثوابهم مضاعفاً ويزيدهم على الثواب تفضلاً.

وكذلك معنى قوله: ﴿ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26] المثوبة وزيادة عليها من التفضل.

وعطاء الله تعالى: إما تفضل وإما ثواب، وإما عوض ﴿ والله يَرْزُقُ ﴾ ما يتفضل به ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فأما الثواب فله حساب لكونه على حسب الاستحقاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ أيْ كَمِشْكاةٍ في بَعْضِ بُيُوتٍ، أوْ تُوقَدُ في بَعْضِ بُيُوتٍ فَيَكُونُ تَقْيِيدٌ لِلْمُمَثَّلِ بِهِ بِما يَكُونُ تَحْبِيرًا ومُبالَغَةً فِيهِ فَإنَّ قَنادِيلَ المَساجِدِ تَكُونُ أعْظَمَ، أوْ تَمْثِيلًا لِصَلاةِ المُؤْمِنِينَ أوْ أبْدانِهِمْ بِالمَساجِدِ، ولا يُنافِي جَمْعُ البُيُوتِ وحِدَّةَ المِشْكاةِ إذِ المُرادُ بِها ما لَهُ هَذا الوَصْفُ بِلا اعْتِبارِ وحْدَةٍ ولا كَثْرَةٍ أوْ بِما بَعْدَهُ وهو يُسَبِّحُ، وفِيها تَكْرِيرٌ مُؤَكَّدٌ لا بِيُذْكَرُ لِأنَّهُ مِن صِلَةِ أنْ لا فَلا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ مِثْلَ سَبَّحُوا في بُيُوتٍ، والمُرادُ بِها المَساجِدُ لِأنَّ الصِّفَةَ تُلائِمُها.

وقِيلَ المَساجِدُ الثَّلاثَةُ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ.

﴿ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ﴾ بِالبِناءِ أوِ التَّعْظِيمِ.

﴿ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ ﴾ عامٌّ فِيما يَتَضَمَّنُ ذِكْرُهُ حَتّى المُذاكَرَةِ في أفْعالِهِ والمُباحَثَةِ في أحْكامِهِ.

﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ يُنَزِّهُونَهُ أيْ يُصَلُّونَ لَهُ فِيها بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ، والغُدُوُّ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ لِلْوَقْتِ ولِذَلِكَ حَسُنَ اقْتِرانُهُ بِالآصالِ وهو جَمْعُ أصِيلٍ، وقُرِئَ «والإيصالِ» وهو الدُّخُولُ في الأصِيلِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ «يُسَبَّحُ» بِالفَتْحِ عَلى إسْنادِهِ إلى أحَدِ الظُّرُوفِ الثَّلاثَةِ ورَفْعُ رِجالٍ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقُرِئَ ( تُسَبِّحُ ) بِالتّاءِ مَكْسُورًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ ومَفْتُوحًا عَلى إسْنادِهِ إلى أوْقاتِ الغُدُوِّ.

﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ﴾ لا تَشْغَلُهم مُعامَلَةٌ رابِحَةٌ.

﴿ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ مُبالَغَةٌ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ إنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ المُعارِضَةِ، أوْ بِإفْرادِ ما هو الأهَمُّ مِن قِسْمَيِ التِّجارَةِ فَإنَّ الرِّبْحَ يَتَحَقَّقُ بِالبَيْعِ ويُتَوَقَّعُ بِالشِّراءِ، وقِيلَ المُرادُ بِالتِّجارَةِ الشِّراءُ فَإنَّهُ أصْلُها ومَبْدَؤُها، وقِيلَ الجَلْبُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيها ومِنهُ يُقالُ تَجَرَ في كَذا إذا جَلَبَهُ وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهم تُجّارٌ.

﴿ وَإقامِ الصَّلاةِ ﴾ عَوَّضَ فِيهِ الإضافَةَ مِنَ التّاءِ المُعَوِّضَةِ عَنِ العَيْنِ السّاقِطَةِ بِالإعْلالِ كَقَوْلِهِ: وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا ﴿ وَإيتاءِ الزَّكاةِ ﴾ ما يَجِبُ إخْراجُهُ مِنَ المالِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ.

﴿ يَخافُونَ يَوْمًا ﴾ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ والطّاعَةِ.

﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ﴾ تَضْطَرِبُ وتَتَغَيَّرُ مِنَ الهَوْلِ، أوْ تَتَقَلَّبُ أحْوالُها فَتَفْقَهُ القُلُوبُ ما لَمْ تَكُنْ تَفْقَهُ وتُبْصِرُ الأبْصارُ ما لَمْ تَكُنْ تُبْصِرُ، أوْ تَتَقَلَّبُ القُلُوبُ مَعَ تَوَقُّعِ النَّجاةِ وخَوْفِ الهَلاكِ والأبْصارِ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ ويُؤْتى كِتابُهم.

﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُسَبِّحُ أوْ لا تُلْهِيهِمْ أوْ يَخافُونَ.

﴿ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ﴾ أحْسَنَ جَزاءِ ما عَمِلُوا المَوْعُودَ لَهم مِنَ الجَنَّةِ.

﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ أشْياءَ لَمْ يَعِدْهم بِها عَلى أعْمالِهِمْ ولَمْ تَخْطُرْ بِبالِهِمْ.

﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلزِّيادَةِ وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونَفاذِ المَشِيئَةِ وسِعَةِ الإحْسانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} أي يسبحون ويخافون

ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم أي ليجزيهم ثوابهم مضاعفاً ويزيدهم على الثواب الموعود على العمل تفضلاً {والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي يثيب من يشاء ثواباً لا يدخل في حساب الخلق هذه صفات المهتدين بنور الله فأما الذين ضلوا عنه فالمذكورون في قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ بِيُسَبِّحُ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلا تُلْهِيهِمْ أوْ بِيَخافُونَ ولا يَخْفى أنَّ تَعَلُّقَهُ بِأحَدِ المَذْكُورِينَ مُحَوَّجٌ إلى تَأْوِيلٍ، ولَعَلَّ تَعَلُّقَهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما حُكِيَ عَنْهم أوْلى مِن جَمِيعِ ذَلِكَ أيْ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والخَوْفِ مِن غَيْرِ صارِفٍ لَهم عَنْ ذَلِكَ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى ﴿ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ﴾ واللّامُ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِلتَّعْلِيلِ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامُ الصَّيْرُورَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ ومَوْضِعُ الجُمْلَةِ حالٌ والتَّقْدِيرُ يَخافُونَ مُلْهَمِينَ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ وهو كَما تَرى، والجَزاءُ المُقابَلَةُ والمُكافَأةُ عَلى ما يُحْمَدُ ويَتَعَدّى إلى الشَّخْصِ المُجْزِي بِعْنَ قالَ تَعالى: ﴿ لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا  ﴾ وإلى ما فَعَلَهُ ابْتِداءً بِعَلى تَقُولُ جَزَيْتُهُ عَلى فِعْلِهِ وقَدْ يَتَعَدّى إلَيْهِ بِالباءِ فَيُقالُ جِزْيَتُهُ بِفِعْلِهِ وإلى ما وقَعَ في مُقابَلَتِهِ بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ جِزْيَتُهُ كَذا وبِكَذا، والظّاهِرُ أنَّ أحْسَنَ هو ما وقَعَ في المُقابَلَةِ فَيَكُونُ الجَزاءُ قَدْ تَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ لِيَجْزِيَهم أحْسَنَ جَزاءِ عَمَلِهِمْ أوِ الَّذِي عَمِلُوهُ حَسْبَما وعَدَ لَهم بِمُقابَلَةٍ حَسَنَةٍ واحِدَةٍ عَشْرَةَ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ لِيَكُونَ الأحْسَنُ مِن جِنْسِ الجَزاءِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الأحْسَنُ هو الفِعْلُ المُجْزى عَلَيْهِ أوْ بِهِ الشَّخْصُ ولَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ الجارِّ أيْ لِيَجْزِيَهم عَلى أحْسَنِ أوْ بِأحْسَنِ ما عَمِلُوا، وأحْسَنُ العَمَلِ أدْناهُ المَندُوبُ فاحْتَرِزْ بِهِ عَنِ الحَسَنِ وهو المُباحُ إذْ لا جَزاءَ لَهُ ورَجَّحَ الأوَّلَ بِسَلامَتِهِ عَنْ حَذْفِ الجارِّ الَّذِي هو غَيْرُ مَقِيسٍ في مِثْلِ ما نَحْنُ فِيهِ بِخِلافِ حَذْفِ المُضافِ فَإنَّهُ كَثِيرٌ مَقِيسٌ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُضافُ المَحْذُوفُ قَبْلَ «أحْسَنَ» أيْ جَزاءٍ أحْسُنُ ما عَمِلُوا، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِما عَمِلُوا أعَمُّ مِمّا سَبَقَ وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِهِ ﴿ ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ أيْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِأشْياءَ لَمْ تُوعَدْ لَهم بِخُصُوصِيّاتِها أوْ بِمَقادِيرِها ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ كَيْفِيّاتِها ولا كَمِّيَّتِها بَلْ إنَّما وعَدَتْ بِطَرِيقِ الإجْمالِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ  ﴾ وقَوْلُهُ  حِكايَةٌ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ ««أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواعِيدِ الكَرِيمَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فَإنَّهُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِلزِّيادَةِ ووَعْدٌ كَرِيمٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ غَيْرَ أجِزْيَةِ أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْراتِ ما لا يَفِي بِهِ الحِسابُ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَمَّنْ ذُكِرَتْ صِفاتُهُمُ الجَمِيلَةُ كَأنَّهُ قِيلَ واللَّهَ يَرْزُقُهم بِغَيْرِ حِسابٍ، ووَضَعَهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ مَناطَ الرِّزْقِ المَذْكُورِ مَحْضُ مَشِيئَتِهِ تَعالى لا أعْمالَهُمُ المَحْكِيَّةُ كَما أنَّها المَناطُ لِما سَبَقَ مِنَ الهِدايَةِ لِنُورِهِ عَزَّ وجَلَّ ولِلْإيذانِ بِأنَّهم مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَرْزُقَهم كَما أنَّهم مِمَّنْ شاءَ سُبْحانَهُ أنْ يَهْدِيَهم لِنُورِهِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما فَصَلَ مِن أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ فَإنَّ جَمِيعَها مِن آثارِ تِلْكَ الهِدايَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، يعني: ما ذكر من القنديل المضيء هو في المساجد.

ثم وصف المساجد، ويقال: هذا ابتداء القصة، وفيه معنى التقديم، يعني: أذن الله أن ترفع البيوت وهي المساجد أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، يعني: تبنى وتعظم، وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يعني: توحيده.

ويقال: بالأذان والإقامة.

يُسَبِّحُ لَهُ فيها، يعني: يصلي لله في المساجد بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ، يعني: عند الغداة والعشي.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يُسَبِّحُ بنصب الباء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

ثم قال عز وجل: رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ يعني: هم رجال، وقرأ الباقون يُسَبّحُ بكسر الباء، ويكون الفعل للرجال، يعني: يسبح فيها رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ، يعني: لا يشغلهم البيع والشراء عَن ذِكْرِ الله، يعني: عن طاعة الله، وَعَنِ مواقيت الصلاة.

وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ، يعني: عن إتمام الصلاة.

قال بعضهم: نزلت الآية في أصحاب الصفة وأمثالهم الذين تركوا التجارة ولزموا المسجد، وقال بعضهم: هم الذين يتجرون ولا تشغلهم تجارة عن الصلوات في مواقيتها، وهذا أشبه، لأنه قال: وَإِيتاءِ الزَّكاةِ، وأصحاب الصفة وأمثالهم لم يكن عليهم الزكاة، وقال الحسن: رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ.

أما أنهم كانوا يتجرون، ولم تكن تشغلهم تجارة عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.

وروي عن ابن مسعود: «أنه رأى قوماً من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا بياعاتهم، وقاموا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء من الذين» لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

ثم قال: يَخافُونَ يَوْماً يعني: من اليوم الذي تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ يعني: يتردد فيه القلوب والأبصار في الصدر، إن كان كافراً فإنه يبلغ الحناجر من الخوف، وإن كان تقيّاً مؤمناً تقول الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: 103] فيتبيّن ما في قلبه في البصر، وإن كان حزناً فحزن، وإن كان سروراً فسرور، ويقال: تَتَقَلَّبُ يعني: تتحول حالاً بعد حال، مرة يعرفون ومرة لا يعرفون، ويقال: تنقلب يعني: تتحول عما كانت عليه في الدنيا من الشك حين رأى بالمعاينة، فيتحول قلبه وبصره من الشك إلى اليقين.

ثم قال عز وجل: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا يعني: يجزيهم بإحسانهم، ويقال: يجزيهم أحسن وأفضل من أعمالهم وهو الجنة، ويقال: ويجزيهم أكثر من أعمالهم بكل حسنة عشرةً وأضعافاً مضاعفة، ويقال: يجزيه ويغفر له بأحسن أعماله ويبقى سائر أعماله فضلاً.

ثم قال: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي يرزقهم من عطائه وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي يرزقه ولا يحاسبه، ويقال: يرزقه رزقاً لا يدرك حسابه، ويقال: ليس أحد يحاسبه فيما يُعطي، ويقال: بِغَيْرِ حِسابٍ أي من غير حساب، أي من حيث لا يحتسب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومعنى الآية: إنَّ ذلك اليوم لِشِدَّةِ هوله القلوبُ والأبصارُ فيه مضطربةٌ قِلِقَةٌ متقلبة.

/ قلت: ومن «الكلم الفارقية» : سعادة القلبِ إقباله على مقلّبه والعالم بحال مآله ٣٩ ب ومُنْقَلَبهِ، القلوبُ بحارٌ جواهرُها المعارفُ، وسواحلها الألسنة وغواصها الفكرة النافذة، غَوَّاصُ بحر الصُّوَرِ يغوصُ بصورته في طلب مكسبه، والعارِفُ يغوص بمعنى قلبه في بحار غَيْبِ رَبِّهِ، فيلتقط جواهرَ الحكمة ودُرَرَ الدِّرَايَةِ، قلوبُ العارفين كالبحار، تنعقد في أصداف ضمائرهم جواهِرُ المعارف والأسرار، القلوب كالأراضي إلى من أسلمت إليه قلبك بذر فيه ما عنده، أَمَّا مَنْ بذر نفسه ووسواسه العفن المسوس، أو بذر فيه معرفته بالرب المقدس، انتهى.

قلت: فإنْ أردت سلامتك في ذلك اليوم فليكن قلبك الآن مقبلاً على طاعة مولاك فإنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاَّ مَنْ أَتَى الله بقلب سليم.

قال الواحِدِيُّ: تتقلب فيه القلوبُ بين الطمع في النجاة والخوفِ من الهلاك، والأبصارُ تتقلَّبُ في أيِّ ناحية يؤخذ بهم أذاتَ اليمين أم ذاتَ الشمال، ومن أيّ جهة يؤتون كتبهم، انتهى.

لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)

وقوله سبحانه: لِيَجْزِيَهُمُ أي فعلوا ذلك ليجزيهم «أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ» أي: ثواب أحسن ما عملوا، ولمّا ذكره تعالى حالة المؤمنين وتنويره قلوبَهم عَقَّبَ ذلك بذكر الكَفَرَةِ وأعمالهم، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ وهي جمع قاعٍ، والقاع:

المنخفض البساط من الأرض، ويريد ب جاءَهُ: جاء موضعه الذي تَخَيَّلَهُ فيه، ويحتمل أنْ يعودَ الضمير في: جاءَهُ على السراب ثم يكون في الكلام بعد ذلك متروك يَدُلُّ عليه الظاهر تقديره: فكذلك الكافر يومَ القيامة، يَظُنُّ عملَه نافعاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

وقوله: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي بالمجازات والضمير في عِنْدَهُ عائد على العَمَلِ، وباقي الآية وعيد بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " في " مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ كَمِشْكاةٍ ﴾ ، فالمَعْنى: كَمِشْكاةٍ في بُيُوتٍ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها ﴾ فَتَكُونَ فِيها تَكْرِيرًا عَلى التَّوْكِيدِ؛ والمَعْنى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ رِجالٌ في بُيُوتٍ.

فَإنْ قِيلَ: المِشْكاةُ إنَّما تَكُونُ في بَيْتٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الخِطابِ المُتَلَوِّنِ الَّذِي يُفْتَحُ بِالتَّوْحِيدِ ويُخْتَمُ بِالجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ البُيُوتِ، فالمَعْنى: في كُلِّ بَيْتٍ مِشْكاةٌ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالبُيُوتِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: بُيُوتُ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ الحَسَنُ.

فَأمّا ﴿ أذِنَ ﴾ فَمَعَناهُ: أمَرَ.

وفي مَعْنى ﴿ أنْ تُرْفَعَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُعَظَّمَ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنْ تُبْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَوْحِيدُهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُتْلى فِيها كِتابُهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يُسَبِّحُ " بِكَسْرِ الباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِها.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو حَيَوَةَ: " تُسَبِّحُ " بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الباءِ ورَفْعِ الحاءِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّلاةُ.

ثُمَّ في صَلاةِ الغُدُوِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها صَلاةُ الفَجْرِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: صَلاةُ الضُّحى، رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي كِتابِ اللَّهِ، وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ .

وفي صَلاةِ الآصالِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ ﴾ أيْ لا تُشْغِلُهم ﴿ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: التُّجّارُ: الجَلّابُونَ، والباعَةُ: المُقِيمُونَ.

وقالَ الواقِدَيُّ: التِّجارَةُ ها هُنا بِمَعْنى الشِّراءِ.

وَفِي المُرادِ بِذِكْرِ اللَّهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ.

ورَوى سالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ في السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَأغْلَقُوا حَوانِيتَهم ودَخَلُوا المَسْجِدَ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ .

والثّانِي: عَنِ القِيامِ بِحَقِّ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإقامِ الصَّلاةِ ﴾ أيْ: أدائِها لِوَقْتِها وإتْمامِها.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ الصَّلاةَ، فَما مَعْنى إعادَتِها؟

فالجَوابُ: أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم يُقِيمُونَها بِأدائِها في وقْتِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ﴾ في مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَن كانَ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ازْدادَ بَصِيرَةً بِرُؤْيَةِ ما وُعِدَ بِهِ؛ ومَن كانَ قَلْبُهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، رَأى ما يُوقِنُ مَعَهُ بِأمْرِ القِيامَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ القُلُوبَ تَتَقَلَّبُ بَيْنَ الطَّمَعِ في النَّجاةِ والخَوْفِ مِنَ الهَلاكِ، والأبْصارَ تَتَقَلَّبُ، تَنْظُرُ مِن أيْنَ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم، أمِن قِبَلِ اليَمِينِ، أمْ مِن قَبْلِ الشِّمالِ؟

وأيُّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ، أذاتَ اليَمِينِ أمْ ذاتَ الشِّمالِ؟

قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: تَتَقَلَّبُ القُلُوبُ فَتَبْلُغُ إلى الحَناجِرِ، وتَتَقَلَّبُ الأبْصارُ إلى الزَّرَقِ بَعْدَ الكَحَلِ والعَمى بَعْدَ النَّظَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ﴾ المَعْنى: يُسَبِّحُونَ اللَّهَ لِيَجْزِيَهم ﴿ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ﴾ أيْ: لِيَجْزِيَهم بِحَسَناتِهِمْ.

فَأمّا مَساوِئُهم فَلا يَجْزِيهِمْ بِها ﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ ما لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِأعْمالِهِمْ ﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (آلِ عِمْرانَ: ٢٧) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللهُ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ أو كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَجْزِيَهُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلُوا ذَلِكَ، ويَسَّرُوا لِذَلِكَ، ونَحْوَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "يُسَبِّحُ".

وقَوْلُهُ: "أحْسَنَ ما عَمِلُوا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ثَوابَ أحْسَنَ ما عَمِلُوا، ثُمْ وعَدَهم عَزَّ وجَلَّ بِالزِيادَةِ مِن فَضْلِهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهُمْ، فَأهْلُ الجَنَّةِ أبَدًا في مَزِيدٍ، ثُمْ ذَكَرَ أنَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ، ويَخُصُّهُ بِما يَشاءُ مِن رَحْمَتِهِ دُونَ حِسابٍ ولا تَعْدِيدٍ، وكُلُّ تَفَضُّلٍ لِلَّهِ فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، وكُلُّ جَزاءٍ عَلى عَمَلِ فَهو بِحِسابٍ.

ولِما ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حالَةَ الإيمانِ والمُؤْمِنِينَ وتَنْوِيرِهِ قُلُوبَهُمْ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ وأعْمالِهِمْ، فَمَثَّلَ لَها ولَهم تَمْثِيلَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما يَقْتَضِي حالَ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ مِن أنَّها غَيْرُ نافِعَةٍ ولا مُجْدِيَةٍ، والثانِي يَقْتَضِي حالها في الدُنْيا مِن أنَّها في الغايَةِ مِنَ الضَلالِ والغُمَّةِ الَّتِي مَثَّلَها ما ذَكَرَ مِن تَناهِي الظُلْمَةِ في قَوْلِهِ: "أو كَظُلُماتٍ".

و"السَرابُ": ما تَرَقْرَقَ مِنَ الهَواءِ في الهَجِيرِ في فَيافِي الأرْضِ المُنْبَسِطَةِ، وأوهَمَ الناظِرَ إلَيْهِ عَلى البُعْدِ أنَّهُ ماءٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّهُ يَنْسَرِبُ كالماءِ، فَكَذَلِكَ أعْمالُ الكافِرِ، يَظُنُّ في دُنْياهُ أنَّها نافِعَتُهُ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَجِدْها شَيْئًا، فَهي كالسَرابِ الَّذِي يَظُنُّهُ الرائِي العَطْشانُ ماءً، فَإذا قَصَدَهُ وأتْعَبَ نَفْسَهُ بِالوُصُولِ إلَيْهِ لَمْ يَجُدْ شَيْئًا، و"القِيعَةُ": جَمْعُ قاعٍ، كَجارٍ وجِيرَةٍ، والقاعُ: المُنْخَفِضُ البِساطُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  فِي مانِعِ زَكاةِ الأنْعامِ: فَيُبْطَحُ لَها بِقاعٍ قَرْقَرٍ».

وقِيلَ: القِيعَةُ مُفْرِدٌ، وهو بِمَعْنى القاعُ.

وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "بِقِيعاتٍ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ بِخِلافٍ-: "الظَمَآنُ" بِفَتْحِ المِيمِ وطَرْحِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى المِيمِ وتَرَكَ الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ يُرِيدُ: شَيْئًا نافِعًا في العَطَشِ، أو يُرِيدُ: شَيْئًا مَوْجُودًا عَلى العُمُومِ، ويُرِيدُ بِـ "جاءَهُ": جاءَ مَوْضِعَهُ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "جاءَهُ" عَلى السَرابِ، ثُمْ يَكُونُ في الكَلامِ بَعْدَ ذَلِكَ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ يُظَنُّ عَمَلَهُ نافِعًا حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، ويُحْتَمَلُ الضَمِيرُ أنْ يُعُودَ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "أعْمالُهُمْ"، ويَكُونُ تَمامُ المَثَلِ في قَوْلِهِ: "ماءً"، ويَسْتَغْنِي الكَلامُ عن مَتْرُوكٍ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، لَكِنْ يَكُونُ في المَثَلِ إيجازٌ واقْتِضابٌ لِوُضُوحِ المَعْنى المُرادِ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ ﴾ أيْ: بِالمَجازاتِ، والضَمِيرِ في "عِنْدَهُ" عائِدٌ عَلى العِلْمِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، فِيهِ تُوعَدٌ وسُرْعَةُ الحِسابِ مِن حَيْثُ هو بِعِلْمٍ لا تَكَلُّفُ فِيهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "أو كَظُلُماتٍ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "كَسَرابٍ"، وهَذا المِثالُ الأخِيرُ تَضَمَّنَ صِفَةَ أعْمالِهِمْ في الدُنْيا، أيْ إنَّهم مِنَ الضَلالِ ونَحْوَهُ في مِثْلِ هَذِهِ الظُلْمَةِ المُجْتَمِعَةِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ في هَذا المِثالِ أجْزاءً تُقابِلُ أجْزاءً مِنَ المُمَثَّلِ، فَقالَ: الظُلُماتُ: الأعْمالُ الفاسِدَةُ والمُعْتَقَداتُ الباطِلَةُ، والبَحْرُ اللُجِّيُّ: صَدْرُ الكافِرِ وقَلْبُهُ، واللُجِّيُّ مَعْناهُ ذُو اللُجَّةِ وهي مُعْظَمُ الماءِ وغَمْرُهُ، واجْتِماعُ مائِهِ أشَدُّ لِظُلْمَتِهِ، والمَوْجُ هو الضَلالُ أوِ الجَهالَةُ الَّتِي غَمَرَتْ قَلْبَهُ، والفِكْرُ المُعْوَجَّةُ، والسَحابُ هو شَهْوَتُهُ في الكُفْرِ وإعْراضُهُ عَنِ الإيمانِ وما رِينَ بِهِ عَلى قَلْبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ سائِغٌ، وألّا يُقَدَّرَ هَذا التَقابُلُ سائِغٌ.

وقَرَأ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "أو كَظُلُماتٍ" بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "سَحابٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "ظُلُماتٌ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ قَنْبَلٍ -: "سَحابٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "ظُلُماتٍ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "ظُلُماتٍ" الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي بَزَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "سَحابُ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ عَلى "ظُلُماتٍ".

وقَوْلُهُ: ﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ لَفْظٌ يَقْتَضِي مُبالَغَةَ الظُلْمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا اللَفْظِ، هَلْ يَقْتَضِي أنَّ هَذا الرَجُلَ -المُقَدَّرَ في هَذِهِ الأحْوالِ وأخْرَجَ يَدَهُ- رَأى يَدَهُ أو لَمْ يَرَها البَتَّةَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَها جُمْلَةً، وذَلِكَ أنْ "كادَ" مَعْناها قارَبَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يُقارِبْ رُؤْيَتَها، وهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ الرُؤْيَةِ جُمْلَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ رَآها بَعْدَ عُسْرٍ وشِدَّةٍ، وكانَ ألّا يَراها، ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ "كادَ" إذا صَحِبَها حَرْفُ النَفْيِ وجَبَ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، وإذا لَمْ يَصْحَبْها انْتَفى الفِعْلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لازِمْ مَتى كانَ حَرْفُ النَفْيِ بَعْدَ "كادَ" داخِلًا عَلى الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، تَقُولُ: "كادَ زَيْدٌ يَقُومُ" فالقِيامُ مَنفِيٌّ، فَإذا قُلْتَ: "كادَ زَيْدٌ ألّا يَقُومَ" فالقِيامُ واجِبٌ واقِعٌ، وتَقُولَ: "كادَ النَعامُ يَطِيرُ"، فَهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ الطَيَرانِ عنهُ، فَإذا قُلْتَ: "كادَ النَعامُ ألّا يَطِيرَ" وجَبَ الطَيَرانُ لَهُ، فَإذا كانَ حَرْفُ النَفْيِ مَعَ "كادَ" فالأمْرُ مُحْتَمَلٌ، مَرَّةً يُوجِبُ الفِعْلَ، ومَرَّةً يَنْفِيهِ، تَقُولُ: "المَفْلُوجُ لا يَكادُ يَسْكُنُ"، فَهَذا كَلامٌ صَحِيحٌ تَضَمَّنَ نَفْيَ السُكُونِ، وتَقُولُ: "رَجُلٌ مُتَكَلِّمْ لا يَكادُ يَسْكُنُ"، فَهَذا كَلامٌ صَحِيحٌ يَتَضَمَّنُ إيجابَ السُكُونِ بَعْدَ جُهْدٍ ونادِرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ نَفْيٌ مَعَ "كادَ" تَضَمِّنَ وُجُوبَ الذَبْحِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ نَفْيٌ مَعَ "كادَ" يَتَضَمَّنُ في أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ نَفْيَ الرُؤْيَةِ، ولِهَذا ونَحْوَهُ قالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: "إنَّ أفْعالَ المُقارَبَةِ لَها نَحْوٌ آخَرُ" بِمَعْنى أنَّها دَقِيقَةُ التَصَرُّفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ: في الدُنْيا، أيْ: مَن لَمْ يَهْدِهِ اللهُ لَمْ يَهْتَدِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: في الآخِرَةِ، أيْ: مَن لَمْ يَرْحَمْهُ اللهُ ويُنَوِّرْ حالَهَ بِالعَفْوِ والرَحْمَةِ فَلا رَحْمَةَ لَهُ، والأوَّلُ أبْيَنُ وألْيَقُ بِلَفْظِ الآيَةِ، وأيْضًا فَذَلِكَ مُتَلازِمْ، نُورُ الآخِرَةِ إنَّما هو لِمَن نَوَّرَ قَلْبَهُ في الدُنْيا وهُدِيَ، وقَدْ قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ مَن مَرَّ لِآخِرَتِهِ عَلى كُفْرِهِ فَهو غَيْرُ مَرْحُومٍ ولا مَغْفُورٍ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تردد المفسرون في تعلق الجار والمجرور من قوله: ﴿ في بيوت ﴾ الخ.

فقيل قوله: ﴿ في بيوت ﴾ من تمام التمثيل، أي فيكون ﴿ في بيوت ﴾ متعلقاً بشيء مما قبله.

فقيل يتعلق بقوله: ﴿ يوقد ﴾ [النور: 35] أي يوقد المصباح في بيوت.

وقيل هو صفة لمشكاة، أي مشكاة في بيوت وما بينهما اعتراض؛ وإنما جاء بيوت بصيغة الجمع مع أن ﴿ مشكاة ﴾ و ﴿ مصباح ﴾ [النور: 35] مفردان لأن المراد بهما الجنس فتساوى الإفراد والجمع.

ثم قيل: أريد بالبيوت المساجد.

ولا يستقيم ذلك إذ لم يكن في مساجد المسلمين يومئذٍ مصابيح وإنما أحدثت المصابيح في المساجد الإسلامية في خلافة عمر بن الخطاب فقال له علي: نوّر الله مضجعك يا بن الخطاب كما نورت مسجدنا.

وروي أن تميماً الداري أسرج المسجد النبوي بمصابيح جاء بها من الشام ولكن إنما أسلم تميم سنة تسع، أي بعد نزول هذه الآية.

وقيل البيوت مساجد بيت المقدس وكانت يومئذٍ بِيَعاً للنصارى.

ويجوز عندي على هذا الوجه أن يكون المراد بالبيوت صوامع الرهبان وأديرتهم وكانت معروفة في بلاد العرب في طريق الشام يمرون عليها وينزلون عندها في ضيافة رهبانها.

وقد ذكر صاحب «القاموس» عدداً من الأديرة.

ويرجح هذا قوله: ﴿ أن ترفع ﴾ فإن الصوامع كانت مرفوعة والأديرة كانت تبنى على رؤوس الجبال.

أنشد الفراء: لو أبصرت رهبان دَير بالجبل *** لانحدر الرهبان يسعى ويصل والمراد بإذن الله برفعها أنه ألهم متّخذيها أن يجعلوها عالية وكانوا صالحين يقرأون الإنجيل فهو كقوله تعالى: ﴿ لهدمت صوامع وبيع ﴾ إلى قوله: ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ [الحج: 40].

وعبر بالإذن دون الأمر لأن الله لم يأمرهم باتخاذ الأديرة في أصل النصرانية ولكنهم أحدثوها للعون على الانقطاع للعبادة باجتهاد منهم، فلم ينههم الله عن ذلك إذ لا يوجد في أصل الدين ما يقتضي النهي عنها فكانت في قسم المباح، فلما انضم إلى إباحة اتخاذها نية العون على العبادة صارت مرضية لله تعالى.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ [الحديد: 27].

وقد كان اجتهاد أحبار الدين في النصرانية وإلهامُهم دلائل تشريع لهم كما تقتضيه نصوص من الإنجيل.

والمقصد من ذكر هذا على هذه الوجوه زيادة إيضاح المشبه به كقول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم: " فإذا لها كلاليبُ مثلُ حَسَك السَّعدان هل رأيتم حسك السَّعْدان؟

".

وفيه مع ذلك تحسين المشبه به ليسري ذلك إلى تحسين المشبه كما في قول كعب بن زهير: شجت بذي شبَم من ماء محنيَةِ *** صاففٍ بأبطح أضحى وهو مشمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه *** من صوب سارية بيضٌ يعاليل لأن ما ذكر من وصف البيوت وما يجري فيها مما يكسبها حسناً في نفوس المؤمنين.

وتخصيص التسبيح بالرجال لأن الرهبان كانوا رجالاً.

وأريد بالرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله: الرهبان الذين انقطعوا للعبادة وتركوا الشغل بأمور الدنيا، فيكون معنى: ﴿ لا تلهيهم تجارة ولا بيع ﴾ : أنهم لا تجارة لهم ولا بيع من شأنهما أن يلهياهم عن ذكر الله، فهو من باب: على لاحب لا يهتدى بمناره.

والثناء عليهم يومئذٍ لأنهم كانوا على إيمان صحيح إذ لم تبلغهم يومئذٍ دعوة الإسلام ولم تبلغهم إلا بفتوح مشارف الشام بعد غزوة تبوك، وأما كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل فإنه لم يُذع في العامة.

وكان الرهبان يتركون الكوى مفتوحة ليظهر ضوء صوامعهم وقد كان العرب يعرفون صوامع الرهبان وأضواءها في الليل.

قال امرؤ القيس: تُضيء الظلام بالعشيّ كأنها *** منارة مُمْسَى راهب متبتل وقال أيضاً: يضيء سناه أو مصابيح راهب *** أمال السليط بالذبال المفتل السليط: الزيت.

أي صب الزيت على الذبال فهو في تلك الحالة أكثر إضاءة.

وكانوا يهتدون بها في أسفارهم ليلاً.

قال امرؤ القيس: سموت إليها والنجوم كأنها *** مصابيح رهبان تُشب لقُفَّال القفال: جمع قافل وهم الراجعون من أسفارهم.

وقيل: أريد بالرفع الرفع المعنوي وهو التعظيم والتنزيه عن النقائص.

فالإذن حينئذٍ بمعنى الأمر.

وبعد فهذا يبعد عن أغراض القرآن وخاصة المدني منه لأن الثناء على هؤلاء الرجال ثناء جم ومعقب بقوله: ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ﴾ .

والأظهر عندي: أن قوله: ﴿ في بيوت ﴾ ظرف مستقر هو حال من ﴿ نوره ﴾ في قوله ﴿ مثل نوره كمشكاة ﴾ [النور: 35] الخ مشير إلى أن «نور» في قوله: ﴿ مثل نوره ﴾ مراد منه القرآن، فيكون هذا الحال تجريداً للاستعارة التمثيلية بذكر ما يناسب الهيئة المشبهة أعني هيئة تلقي القرآن وقراءته وتدبره بين المسلمين مما أشار إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده " فكان هذا التجريد رجوعاً إلى حقيقة التركيب الدال على الهيئة المشبهة كقول طرفة: وفي الحي أحوى ينفض المَرْد شادف *** مظاهر سِمطي لؤلؤ وزبرجد مع ما في الآية من بيان ما أجمل في لفظ: ﴿ مثل نوره ﴾ وبذلك كانت الآية أبلغ من بيت طرفة لأن الآية جمعت بين تجريد وبيان وبيت طرفة تجريد فقط.

ويجوز أن يكون ﴿ في بيوت ﴾ غير مرتبط بما قبله وأنه مبدأ استئناف ابتدائي وأن المجرور متعلق بقوله: ﴿ يسبح له فيها ﴾ .

وتقديم المجرور للاهتمام بتلك البيوت وللتشويق إلى متعلق المجرور وهو التسبيح وأصحابه.

والتقدير: يسبح لله رجال في بيوت، ويكون قوله: ﴿ فيها ﴾ تأكيداً لقوله: ﴿ في بيوت ﴾ لزيادة الاهتمام بها.

وفي ذلك تنويه بالمساجد وإيقاع الصلاة والذكر فيها كما في الحديث: " صلاة أحدكم في المسجد (أي الجماعة) تفضل صلاته في بيته بسبع وعشرين درجة ".

والمراد بالغدوّ: وقت الغدوّ وهو الصباح لأنه وقت خروج الناس في قضاء شؤونهم.

والآصال: جمع أصيل وهو آخر النهار، وتقدم في آخر الأعراف (205) وفي سورة الرعد (15).

والمراد بالرجال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان مثلهم في التعلق بالمساجد.

وتخصيص التسبيح بالرجال على هذا لأنهم الغالب على المساجد كما في الحديث: «...

ورجلٌ قلبه معلق بالمساجد».

ويجوز عندي أن يكون ﴿ في بيوت ﴾ خبراً مقدماً و ﴿ رجال ﴾ مبتدأ، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله: ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ [النور: 35] فيسأل السائل في نفسه عن تعيين بعض ممن هداه الله لنوره فقيل: رجال في بيوت.

والرجال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والبيوت مساجد المسلمين وغيرها من بيوت الصلاة في أرض الإسلام والمسجد النبوي ومسجد قباء بالمدينة ومسجد جؤاثى بالبحرين.

ومعنى ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ أنهم لا تشغلهم تجارة ولا بيع عن الصلوات وأوقاتها في المساجد.

فليس في الكلام أنهم لا يتجرون ولا يبيعون بالمرة.

والتجارة: جلب السلع للربح في بيعها، والبيع أعم وهو أن يبيع أحد ما يحتاج إلى ثمنه.

وقرأ الجمهور: ﴿ يسبح ﴾ بكسر الموحدة بالبناء للفاعل و ﴿ رجال ﴾ فاعله.

وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتح الموحدة على البناء للمجهول فيكون نائب الفاعل أحد المجرورات الثلاثة وهي ﴿ له فيها بالغدو ﴾ ويكون ﴿ رجال ﴾ فاعلاً بفعل محذوف من جملة هي استئناف.

ودل على المحذوف قوله: ﴿ يسبّح ﴾ كأنه قيل: من يسبحه؟

فقيل: يُسبح له رجال.

على نحو قول نهشل بن حَريّ يرثي أخاه يزيد: لِيُبْكِ يزيدُ ضارعٌ لخصومة *** ومختبطٌ مما تُطيح الطوائح وجملة: ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ وجملة: ﴿ يخافون ﴾ صفتان ل ﴿ رجال ﴾ ، أي لا يشغلهم ذلك عن أداء ما وجب عليهم من خوف الله ﴿ وإقام الصلاة ﴾ الخ وهذا تعريض بالمنافقين.

و ﴿ إقام ﴾ مصدر على وزن الإفعال.

وهو معتل العين فاستحق نقل حركة عينه إلى الساكن الصحيح قبله وانقلاب حرف العلة ألفاً إلا أن الغالب في نظائره أن يقترن آخره بهاء تأنيث نحو إدامة واستقامة.

وجاء مصدر ﴿ إقام ﴾ غير مقترن بالهاء في بعض المواضع كما هنا.

وتقدم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة (3).

وانتصب ﴿ يوماً ﴾ من قوله: ﴿ يخافون يوماً ﴾ على المفعول به لا على الظرف بتقدير مضاف، أي يخافون أهواله.

وتقلّب القلوب والأبصار: اضطرابها عن مواضعها من الخوف والوجل كما يتقلب المرء في مكانه.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ في سورة الأنعام (110).

والمقصود من خوفه: العمل لما فيه الفلاح يومئذٍ كما يدل عليه قوله: ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ﴾ .

ويتعلق قوله: ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ﴾ ب ﴿ يخافون ﴾ ، أي كان خوفهم سبباً للجزاء على أعمالهم الناشئة عن ذلك الخوف.

والزيادة: من فضله هي زيادة أجر الرهبان إن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم حينما تبلغهم دعوته لما في الحديث الصحيح: «أن لهم أجرين» أو هي زيادة فضل الصلاة في المساجد إن كان المراد بالبيوت مساجد الإسلام.

وجملة: ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ تذييل لجملة: ﴿ ليجزيهم الله ﴾ .

وقد حصل التذييل لما في قوله: ﴿ من يشاء ﴾ من العموم، أي وهم ممن يشاء الله لهم الزيادة.

والحساب هنا بمعنى التحديد كما في قوله: ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ في سورة آل عمران (37).

وأما قوله: ﴿ جزاء من ربك عطاء حساباً ﴾ [النبأ: 36] فهو بمعنى التعيين والإعداد للاهتمام بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ في هَذِهِ البُيُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها سائِرُ البُيُوتِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ تُبْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ ﴾ أيْ يَبْنِي.

الثّانِي: أنَّها تُطَهَّرُ مِنَ الأنْجاسِ والمَعاصِي، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنْ تُعَظَّمَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنْ تُرْفَعَ فِيها الحَوائِجُ إلى اللَّهِ.

﴿ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يُتْلى فِيها كِتابُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: تُذْكَرُ فِيها أسْماؤُهُ الحُسْنى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

الثّالِثُ: تَوْحِيدُهُ بِأنْ لا إلَهَ غَيْرُهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَفِيما يَعُودُ إلَيْهِ ذِكْرُ البُيُوتِ الَّتِي أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ.

الثّانِي: إلى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها ﴾ وفي هَذا التَّسْبِيحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَنْزِيهُ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ الغُدُوُّ جَمْعُ غَدْوَةٍ والآصالُ جَمْعُ أصِيلٍ وهي العِشاءُ.

﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: التُّجّارُ هُمُ الجُلّابُ المُسافِرُونَ، والباعَةُ هُمُ المُقِيمُونَ.

﴿ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنْ ذِكْرِهِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى.

الثّانِي: عَنِ الأذانِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي تَقَلُّبَها عَلى حِجْرِ جَهَنَّمَ.

الثّانِي: تَقَلُّبُ أحْوالِها بِأنْ تَلْفَحَها النّارُ ثُمَّ تُنْضِجُها وتَحْرُقُها.

الثّالِثُ: أنَّ تَقَلُّبَ القُلُوبِ وجِيبُها، وتَقَلُّبَ الأبْصارِ النَّظَرُ بِها إلى نَواحِي الأهْوالِ.

الرّابِعُ: أنَّ تَقَلُّبَ القُلُوبِ بُلُوغُها الحَناجِرَ، وتَقَلُّبَ الأبْصارِ الزَّرَقُ بَعْدَ الكُحْلِ، والعَمى بَعْدَ البَصَرِ.

الخامِسُ: أنَّ الكافِرَ بَعْدَ البَعْثِ يَنْقَلِبُ قَلْبُهُ عَلى الكُفْرِ إلى الإيمانِ ويَنْقَلِبُ بَصَرُهُ عَمّا كانَ يَراهُ غَيًّا فَيَراهُ رُشْدًا.

﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ﴾ فَذَكَرَ الجَزاءَ عَلى الحَسَناتِ ولَمْ يَذْكُرِ الجَزاءَ عَلى السَّيِّئاتِ وإنْ كانَ يُجازى عَلَيْها لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَرْغِيبٌ فاقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الرَّغْبَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَكُونُ في صِفَةِ قَوْمٍ لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبائِرُ فَكانَتْ صَغائِرُهم مَغْفُورَةً.

﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يُضاعِفُهُ مِنَ الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها.

الثّانِي: ما يَتَفَضَّلُ بِهِ مِن غَيْرِ جَزاءٍ.

﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِغَيْرِ جَزاءٍ بَلْ يُسْدِيهِ تَفَضُّلًا.

الثّانِي: غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالكِفايَةِ حَتّى يَزِيدَ عَلَيْها.

الثّالِثُ: غَيْرُ قَلِيلٍ ولا مُضَيَّقٍ.

الرّابِعُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ.

وَقِيلَ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِبِناءِ مَسْجِدِ قُباءٍ فَحَضَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أفْلَحَ مَن بَنى المَساجِدا؟

قالَ: (نَعَمْ يا ابْنَ رَواحَةَ قالَ، وصَلّى فِيها قائِمًا وقاعِدًا قالَ: (نَعَمْ يا ابْنَ رَواحَةَ قالَ: ولِمَ يَبِتْ لِلَّهِ إلّا ساجِدًا؟

قالَ: (نَعَمْ يا ابْنَ رَواحَةَ.

كُفَّ عَنِ السَّجْعِ فَما أُعْطِيَ عَبْدٌ شَيْئًا شَرًّا مِن طَلاقَةِ لِسانِهِ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي حميد الساعدي عن أبيه عن جدته أم حميد قالت: قلت يا رسول الله تمنعنا أزواجنا أن نصلي معك، ونحب الصلاة معك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاتكن في بيوتكن أفضل من صلاتكن في حجركن، وصلاتكن في حجركن أفضل من صلاتكن في الجماعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: ما صلت امرأة قط صلاة أفضل من صلاة تصليها في بيتها، إلا أن تصلي عند المسجد الحرام؛ إلا عجوز في منقلبها يعني حقبها.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة «عن رسول الله في قوله تعالى ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ قال: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله» .

وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي سعيد الخدري «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ قال: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ قال: كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون، فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما بأيديهم وقاموا إلى المسجد فصلوا.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ قال: أما والله ولقد كانوا تجاراً، فلم تكن تجارتهم ولا بيعهم يلهيهم عن ذكر الله.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في الآية قال: ضرب الله هذا المثل قوله: ﴿ مثل نوره كمشكاة ﴾ لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا اتجر الناس وأبيعهم، ولمن لم تكن تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ قال: عن شهود الصلاة المكتوبة.

وأخرج الفريابي عن عطاء مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر: انه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ثم دخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود: أنه رأى ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا أمتعتهم، وقاموا إلى الصلاة فقال: هؤلاء الذين قال الله: ﴿ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ قال: هم في أسواقهم يبيعون ويشترون، فإذا جاء وقت الصلاة لم يلههم البيع والشراء عن الصلاة ﴿ يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ قال: تتقلب في الجوف، ولا تقدر تخرج حتى تقع في الحنجرة، فهو قوله: ﴿ إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ﴾ [ غافر: 18] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ يخافون يوماً ﴾ قال يوم القيامة.

وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد عن أبي الدرداء قال: أحب أن أبايع على هذا الدرج، وأربح كل يوم ثلثمائة دينار، وأشهد الصلاة في الجماعة، أما أنا لا أزعم أن ذلك ليس بحلال، ولكنني أحب أن أكون من الذين قال الله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ .

وأخرج هناد بن السري، في الزهد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر؛ فيقوم مناد فينادي: أين الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء؟

فيقومون- وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يعود فينادي أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟

فيقومون- وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب، فيعود فينادي أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟

فيقومون- وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يقوم سائر الناس فيحاسبون» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عقبة بن عامر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: «يجمع الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، فينادي مناد: سيعلم أهل الموقف لمن الكرم اليوم ثلاث مرات، ثم يقول: أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟

ثم يقول: أين الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة؟

إلى آخر الآية.

ثم يقول: أين الحمادون الذين كانوا يحمدون ربهم» .

وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الرب عز وجل سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟

قال: أهل الذكر في المساجد» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم.

أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟

فيقومون فيتخطون رقاب الناس، ثم ينادي مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم.

أين الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟

فيقومون فيتخطون رقاب الناس، ثم ينادي أيضاً فيقول: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم.

أين الحمادون لله على كل حال؟

فيقومون وهم كثير.

ثم تكون التبعة والحساب على من بقي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ اللام تتعلق (١) ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ ﴾ أي: يسبحون له تعالى ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ﴾ (٢) قال مقاتل: يعني الذي (٣) (٤) والمعنى: ليجزيهم بحسناتهم؛ والمراد بالأحسن: جميع الحسنات، وهي موصوفة في مقابلة الذنوب بأنَّها أحسن (٥) قوله تعالى ﴿ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ قال ابن عباس: تفضّلا منه عليهم.

وقال مقاتل: فضلا على أعمالهم (٦) والمعنى أنه يزيدهم ما لا يستحقوه بأعمالهم (٧) ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ مفسر فيما مضى (٨) ثم ذكر الكفّار وضرب المثل لأعمالهم (١) في (أ): (متعلق).

(٢) قال السمين الحلبي في كتابه "الدر المصون" 8/ 411 - بعد حكايته لهذا القول-: ويجوز تعلّقه بمحذوف، أي: فعلوا ذلك ليجزيهم.

اهـ.

وجوَّز أبو البقاء العكبري في "الإملاء" 2/ 156 أن تتعلق اللام بـ"يسبح"، وبـ"لا تلهيهم"، وبـ"يخافون".

واستظهر أبو حيان 6/ 459 تعلّقها بيسبح.

وجعل الزمخشري 3/ 69 اللام متعلقة بيسبح ويخافون، فقال: والمعنى: يسبحون ويخافون ليجزيهم.

(٣) في جميع النسخ: (الذين)، والتصويب من "تفسير مقاتل".

(٤) "تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.

(٥) ذكر الشنقيطي في "تفسير سورة النور" ص 146 وجهًا آخر فقال: أعمال الإنسان منها الحسن وهو المباح وهذا لا يجازى عليه، ومنها الأحسن وهو المندوب والواجب، وهو المراد بقوله: (أحسن ما عملوا).

(٦) "تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.

(٧) هذا قول الثعلبي 3/ 86 ب.

قال الطبري 18/ 148: فيفضل عليهم من عنده بما أحبّ من كرامته لهم.

(٨) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ يعني المساجد، وقيل: بيوت أهل الإيمان من مساجد أو مساكن، والأول أصح، والجار يتعلق بما قبله: أي كمشكاة في بيوت، أو توقد في بيوت، وقيل: بما بعده وهو يسبح، وكرر الجارّ بعد ذلك تأكيداً، وقيل: بمحذوف: أي سبحوا ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ ﴾ ، والمراد بالإذن الأمر، ورفعها بناؤها، وقيل: تعظيمها ﴿ بالغدو والآصال ﴾ أي غدوة وعيشة وقيل: أراد الصبح والعصر وقيل: صلاة الضحى والعصر ﴿ رِجَالٌ ﴾ فاعل ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ على القراءة بكسر الباء، وأما على القراءة بالفتح فهو مرفوع بفعل مضمر يدل عليه الأول ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ﴾ أي لا تشغلهم، ونزلت الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا إليها، والبيع من التجارة، ولكنه خصه بالذكر تجريداً كقوله: ﴿ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68]، أو أراد بالتجارة الشراء ﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار ﴾ أي تضطرب من شدة الهول والخوف، وقيل: تفقه القلوب وتبصر الأبصار بعد العمى، لأن الحقائق تنكشف حنيئذ، والأول أصبح كقوله: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر ﴾ [الأحزاب: 10]، وفي قوله: ﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب ﴾ تجنيس ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ الله ﴾ متعلق بما قبله، أو بفعل من معنى ما قبله ﴿ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ تقديره جزاء أحسن ما عملوا ﴿ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ يعني زيادة على ثواب أعمالهم ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ذكر في البقرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نور السموات ﴾ على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿ كمشكاة ﴾ ممالة: أبو عمرو عن الكسائي ﴿ دريء ﴾ بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال: حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز.

الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿ توقد ﴾ بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وابو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وابو زيد عن المفضل.

الباقون وجبلة ﴿ توقد ﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء: ابن عامر وأبو بكر وحماد: ﴿ سحاب ﴾ ﴿ ظلمات ﴾ على الإضافة: البزي ﴿ سحاب ﴾ بالتنوين ﴿ ظلمات ﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال: القواس وابن فليح.

الباقون بالرفع والتنوين فيهما.

﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: ابن كثير وابو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ يذهب ﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿ خالق كل شيء ﴾ على الإضافة: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خلق ﴾ على لفظ الماضي ﴿ كل ﴾ منصوباً.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مصباح ﴾ ط ﴿ زجاجة ﴾ ط ﴿ غربية ﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿ نار ﴾ ط ﴿ نور ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿ كمكشاة ﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿ يسبح ﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ يسبح ﴾ ﴿ والآصال ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء كأنه قيل: من يسبح؟

فقيل: ﴿ رجال ﴾ أي يسبحه رجال.

ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿ رجال ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ الزكاة ﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿ والأبصار ﴾ ه لا لتعلق اللام.

أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: فلما سقطت النون انكسرت اللام.

﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ط ﴿ حسابه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا للعطف ﴿ سحاب ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ظلمات ﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿ فوق بعض ﴾ ط ﴿ يراها ﴾ ط ﴿ من نور ﴾ ه ﴿ صافات ﴾ ط ﴿ وتسبيحه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ من خلاله ﴾ ج لما قلنا ﴿ عمن يشاء ﴾ ط ﴿ بالأبصار ﴾ ه ط ﴿ والأنهار ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ج ﴿ من ماء ﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿ بطنه ﴾ ج ﴿ رجلين ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ اربع ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مبينات ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مذعنين ﴾ ه ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن أديان الكفر في نهاية الظلمة.

أما الأول فهو قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ما يجاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلهاً لأنه إن كان عرضاً فظاهر، وإن كان جسماً فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا متنقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوهاً: الأول وهو قول ابن عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ ﴿ ويهدي الله لنوره ﴾ والمضاف مغاير للمضاف إليه.

فنظير الاية قولك "زيد كرم وجود" للمبالغة.

الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ ﴿ نور ﴾ بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟

فالأكثرون على أنه الهداية والحق منا قال في آخر الآية ﴿ يهدي الله لنورهه من يشاء ﴾ شبهه بالنور في ظهوره وبيانه.

وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء والعلماء وهو مروي عن أبيّ بن كعب والحسن وابي العالية.

وقيل: هو تدبيره إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر أمورهم تدبيراً حسناً، فهو لهم كالنور الذي يهتدي به في المضايق والمزالق.

وهذا القول اختيار الأصم والزجاج.

وقيل: هو نظمه إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح.

وقد يعبر بالنور عن النظام.

يقال: ما أرى لهذه الأمور نوراً.

الثالث: ما ذهب إليه الحكماء الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصراً يدرك به النور المحسوس الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة العاقلة، ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما لقوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سبباً لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سبباً لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلاً بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة، والحس لا يدرك من الشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى.

وإدراك العقل قد يكون مقدماً على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نوراً فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نوراً، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلاً، فنور البصيرة ايضاً يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نوراً ﴿ والنور الذي أنزلنا  ﴾ والنبي نوراً ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام.

ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ قل نزله روح القدس من ربك  ﴾ فكل الأنوار تنتهي إلى مالا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله  .

والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مراراً وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات.

وأيضاً الوجود نور والعدم ظلمة، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله  ولا كمال فوق كماله، فهو نور الأنوار.

وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا قال  "إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون الفاً.

قال العلماء: الحجب ثلاثة أقسام: حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع.

وأما المحجوبون بالثاني فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء عن الغير نور لأنه من صفات الله  ، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف منهذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير.

وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة.

وقال الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب وأصله من الضوء ومنه الصبح والدريّ فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر اي ابيض متلألئ، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمرّيق أو مكسورها كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه.

وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمزة لأنه ليس في كلام العرب "فعيل".

ومن همزة من القراء فإنما أراد "فعول" على سبوح فاستثقل فرد بعضه غلى الكسر.

والدري من الكواكب هي المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في العظم الأول.

ومعنى ﴿ من شجرة مباركة ﴾ أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة المنافع وهي الزيتون.

عن النبي  "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به فإنها مصحة من الباسور" وقيل: سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم  فقوله ﴿ زيتونة ﴾ بدل من ﴿ شجرة ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام قريب من وسط العمارة ليس على الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية.

وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا مغرب.

وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً لأنها في موضع مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت.

ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، قال  "لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير في مضحى" ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء.

فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه  شبه الهداية وهي الآيات البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.

وإنما اختار هذا التشبيه دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهان التي هي كالظلمات وهداية الله  فيما بينها كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت لم تبق ظلمة أصلاً.

والأمور التي اعتبرها الله  في هذا المثال منها كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون له عن تعرض الرياح.

زعم بعضهم أن في الكلام قلباً والمراد كمصباح في مكشاة والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نوراً.

ومنها كون المصباح متقداً بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس.

ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كما نضج الثمرة ونهاية صفاء ذهنها.

وأما الإمام الغزالي  فإنه يقول: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية.

فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل حيوان، وأوفق مثال لها من عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين والفم.

وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد شيئاً في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة.

كذلك الخيال من طينة العالم السفلي الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحدّ،ولنه إذا صفي وهذب صار موازياً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح.

وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجاً.

وحين كان الحس كالمقدمة للخيال وهي مالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح.

ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان.

وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهى ثمرته على حد محدود أولى أن يسمى مباركاً.

وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ وخامسها القوة القدسية النبوية التي ﴿ يكاد زيها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ .

وأما الشيخ الرئيس أو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية المشهورة.

فالمشكاة هي العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات.

ثم إن كان الانتقال ضعيفاً فهي الشجرة وتسمى فكراً وإن كان قوياً فهي الزيت ويسمى حدساً، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو المصباح ويسمى عقلاً بالفعل، وغياته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلاً مستفاداً.

أما الأول فلأن الملكة نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ونهاية التحصيل.

وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه في الآية بالنار.

وعن مقاتل أنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ أي مثل نور الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد، واشجرة النبوة والرسالة.

وقيل: المشكاة نظير إبراهيم  ، والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ مثل نور من آمن به ﴾ ورأيت في كتب الشيعة عن علي  مرفوعاً للقمر وجهان يضيء بهما أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: على وجه السموات ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وعلى وجه الأرض محمد وعلي نور الأرضين.

وقيل: المشكاة صدر محمد  والزجاجة قلبه، والمصباح ما في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم  ، ﴿ ويوقد من شجرة ﴾ كقوله ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم  ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن إبراهيم لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل الكعبة وهي ما بين المشرق والمغرب ومعنى ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ أن نور محمد يكاد يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب.

وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوريّ يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له وهو المراد من قوله  "اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد نوراً على نور.

قال ابي بن كعب: المؤمن بين اربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل.

فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي ين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

قال الربيع: سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته.

قالت الأشاعرة في قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن هذه الدلائل مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: اراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله ﴿ من يشاء ﴾ الذين بلغهم حد التكليف والهدى محمول على زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق.

لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ذلك بقوله ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله  لما تمكنوا من الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا يعتبر ولا يستدل ولا ينظر.

قوله ﴿ في بيوت ﴾ اعترض أبومسلم على قول من قال إنه يتعلق بـ ﴿ كمشكاة ﴾ و ﴿ بتوقد ﴾ لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة.

وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله ﴿ في بيوت ﴾ أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل ﴿ في بيوت ﴾ صفة ﴿ مصباح ﴾ و ﴿ زجاجة ﴾ أو ﴿ كوكب ﴾ وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل.

وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل: "الذي يصلح لخدمتي رجل" يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد.

وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله ﴿ ومثلاً من الذين خلوا ﴾ اي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة.

واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون.

والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء.

وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه.

وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي.

والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

وقيل: الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما.

وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية.

والأولى العموم.

قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء.

ويحتمل أن يقال: لأنهم أصل والنساء تبع.

واختلفوا في ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ فقيل: نفي الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: ولا ترى الضب فيها ينجحر *** وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين.

وعن الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء.وما الفرق بين التجارة والبيع؟

قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الالهاء.

وقيل: اراد بالتجارة الشراء، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع.

وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده.

وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: هو الصلاة.

ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له.

والتاء في ﴿ إقامة ﴾ عوض من العين الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت.

ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة.

وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة.

وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والبصار تصير زرقاً.

وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما انضج بالنار، ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن اي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل.

قوله ﴿ ليجزيهم ﴾ متعلق بما قبله لفظاً أو معنى يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر.

وقيل: أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها.

قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله  يجزيهم بأحسن الأعمال.

وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة.

ومعنى ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ كقوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ وقوله ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ قد مر تفسيره في "البقرة".

وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاله مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ قال الأزهري: هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبهاً بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب.

وأما الآل فهو ما يتراءى في أول النهار.

وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما.

والقيعة بمعنى اللقاع وهو المستوى من الأرض.

وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار.

والظمآن الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثواباً عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاءً للحياة، فإذا جاءه ولم يجد شيئاً عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته وفراقه الدنيا.

وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ﴿ جاءه ﴾ فأثبت أنه شيء لأن العدم لا يتصور المجيء إليه ثم قال ﴿ لم يجده شيئاً ﴾ فنفى كونه شيئاً؟

والجواب أراد شيئاً نافعاً كما يقال "فلان ما عمل شيئاً" وإن كان قد اجتهد.

أو المراد جاء موضع السراب فلم يجد هناك شيئاً وأراد أنه تخيل أولاً ضباباً وهباء شبه الماء وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول الحكماء.

قوله ﴿ ووجد الله ﴾ أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

وأما المثل الآخر فهو قوله ﴿ أو كظلمات ﴾ وقد يقال معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة وللجيّ العميق الكثير الماء منسوب إلى اللُج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب.

وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله الحسن.

وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه.

وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم.

والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه.

والضمير في ﴿ أخرج ﴾ للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال.

ومعنى ﴿ لم يكد يراها ﴾ لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون  ﴾ قالت الأشاعرة في قوله ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ دلالة على أن الهداية بتخليق الله  وبجعله جملة المعتزلة على منح الألطاف وقد مر أمثال ذلك مراراً.

ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ ألم تر أن الله يسبح له ﴾ وقد مر مثله في سورة "سبحان".

والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة الاستدلال.

ومعنى ﴿ صافات ﴾ أنهن يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل.

وعلى الأول فالضمير في ﴿ صلاته وتسبيحه ﴾ إما لكل أو لله.

والمعنى كل مسبح قد علم صلاته التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهما سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات.

ثم بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ﴿ ولله ملك السموات ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً آخر من الآثار العلوية قائلاً ﴿ الم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ أي يسوقه بالرياح ﴿ ثم يؤلف بينه ﴾ اي بين أجزائه أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق ﴿ فترى الودق ﴾ المطر أو القطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله ﴿ من السماء من جبال فيها من برد ﴾ الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله ﴿ من جبال ﴾ مفعول ﴿ ينزل ﴾ والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ أو كصيب من السماء  ﴾ معنى البرد وأنه بخار يجمد بعدما استحال قطرات ماء.

قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خللقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر.

وقال أهل المعنى: السماء ههنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد بالجبال الكثرة كما يقال "فلان يملك جبالاً من ذهب" ثم بين بقوله ﴿ فيصيب به ﴾ إلى آخر الاية.

أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك بالبرد من يشاء أن يعذبه به أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين من ظلمة التقليد إلى نور البرهان.

ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال علماء المعاني: التنكير في ﴿ ماء ﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة.

وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر.

وإنما عرّف في قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

وعن القفال أن قوله ﴿ من ماء ﴾ صفة ﴿ دابة ﴾ لا صلة خلق.

والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله  واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء.

ثم بين أن اصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء.وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله "فلان لا يتمشى له أمر" وقد يوجد من الدواب ذوات ارجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له اربع وأربعون رجلاً المسمى "دخال الأذن".

وإنما لم يذكرها  لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن.

ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على اربع فقط.

وقيل: إن في قوله  ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفيذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر.

فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة.

ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء.

وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب.

وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها.

ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد.

ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد.

ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان.

ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش.

ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه.

وفي قوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.

وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل اراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله ﴿ ولقد أنزلنا آيات مبينات ﴾ وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله { ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً  ﴾ لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق.

وقوله ﴿ وما أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق المتولي.

وإنما قال ﴿ بالمؤمنين ﴾ معرِّفاً لأنه اراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم.

ويحتمل ان يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الاية الثانية ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم.

ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق.

وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين.

قال جار الله: معنى ﴿ إلى الله ورسوله ﴾ إلى رسول الله  كقولك "أعجبني زيد وعكرمة".

أما سبب نزول الاية.

فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت  ﴾ وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة.

فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا.

فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء.

فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله  فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ.

قوله ﴿ يأتوا إليه ﴾ الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى.

قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته.

ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور وإن كانت متلازمة إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة.

ثم بين بقوله ﴿ بل أولئك هم الظالمون ﴾ أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله  فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم.

التأويل: للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس.

أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿ يكاد زيتها ﴾ وهو عالم الأرواح ﴿ يضيء ﴾ اي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿ نور على نور ﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ وفي قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله  إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى.

وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿ وأَشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وهو مقام "كنت له سمعاً وبصراً" الحديث: ﴿ في بيوت ﴾ هي القلوب ﴿ أذن الله ﴾ أمر واراد ﴿ أن ترفع ﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال "وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" يروى أنه أوحى إلى داود  "فرغ لي بيتاً اسكن فيه" فقال: رب أنت منزه عن البيوت.

فقال: فرغ لي قلبك.

ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم  ﴾ ﴿ ولا بيع ﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿ يخافون يوماً ﴾ هو يوم الفراق ﴿ تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ هو حب الدنيا ﴿ يغشاه موج ﴾ الرياء ﴿ من فوقه موج ﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿ من فوقه سحاب ﴾ الشرك الخفي ﴿ إذا أخرج ﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿ لم يكد يراها ﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل ﴿ يزجى ﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى.

والودق هو مطر التوبة ﴿ يخرج من خلاله ﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه.

ينزل من سماء القلب ﴿ من جبال ﴾ من قساوة ﴿ فيها من برد ﴾ هو برد القهر ﴿ يقلب الله ﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿ والله خلق ﴾ كل ذي روح ﴿ من ماء ﴾ هو روح محمد  كما قال "أول ما خلق الله روحي" ﴿ فمنهم من يمشي ﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿ أفي قلوبهم مرض ﴾ انحراف في الفطرة ﴿ أم ارتابوا ﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿ أم يخافون ﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿ وإليه المآب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ قال بعضهم: الله هادي السماوات والأرض، ثم انقطع الكلام فأخذ في نعت محمد  وما ضرب له من الأمثال، فقال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ ، يقول: نور محمد إذ كان في صلب أبيه ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ أي: كوة - بلغة الحبش - غير نافذة ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ أي: سراج المصباح.

يقول - والله أعلم -: ذلك السراج المضيء ضوؤه ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ ، الزجاجة نعتها الصافية التامة الصفاء، والمشكاة: صلب أبيه عبد الله، والزجاجة وصفاؤها: محمد رسول الله، وطهره من الأدناس والمعاصي، والمصباح: نوره، وصفاؤه: قلب رسول الله  ، وما فيه من الإيمان، والحكمة، والنبوة، ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أي: محمد  ذكره مع أسماء الأنبياء، والرسل في اللوح المحفوظ عند الله في الفضيلة على تلك الأنبياء والرسل عليهم السلام كفضل الكوكب الدري - أي: المضيء، وهي الزهرة - على سائر الكواكب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: استنار نور محمد من نور إبراهيم؛ لأن محمدا على دين إبراهيم وعلى سنته ومنهاجه، فمثل إبراهيم مثل الشجرة المباركة، وأصل محمد من نسل إبراهيم، صلوات الله عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ والزيتونة: المحاسن وطاعة إبراهيم لربه؛ فنفعه الله بحسن طاعته يوم القيامة، وفي غيره من المواطن، كما تنفع الزيتونة أهلها في الدنيا، فهي فاكهة وطعام، وهي إدام وهو الصباغ والدهن والدباغة يعني: زيتونة ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ يقول: إن إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن نصرانيّاً لقول النصارى: هو نصراني يصلي قبلة النصارى من قبل المشرق، ولا يهوديّاً لقول اليهود: إنه كان على ديننا يصلي قبل المغرب ببيت المقدس، يقول الله  : لم يكن كما قال هؤلاء، ولكن كان حنيفاً مسلماً مصليّاً إلى الكعبة، وهي قبلته وإليها حج.

وقوله: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ يقول - والله أعلم -: لو أن إبراهيم لم يكن نبيّاً لأصاب بحسن طاعة الله في الدنيا الفضل مع الأنبياء والرسل في الدنيا والدرجات العلا في الآخرة.

وقوله: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ ؛ لأن محمدا وما جاء به من الدين والكتاب أصل نوره من قبل إبراهيم؛ لأنه على دينه وسنته وكتابه ومنهاجه.

ثم قال: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ الذي جاء [به] محمد  ، وهو النور، وهو القرآن [يهدي إليه] من يشاء ممن سبق [له] في علمه السعادة، ويضل عنه من يشاء ممن سبق له في علمه الشقاء.

ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ يعني: ويصف الله الأمثال للناس؛ ليؤمنوا بالله ويوحدوه ويعرفوا نور نبيه من صنيعه، ويصدقوا بإبراهيم ومحمد - عليهما أفضل الصلوات - أنهما رسولا الرب، وهو تأويل مقاتل.

وقال أهل الكلام: قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: أنار الله لأهل السماوات والأرض، مثل نوره الذي به أنار ما ذكر مثل المشكاة التي ذكر إلى آخره.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: بالله نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ كذا، ولم يقل: مثله، ولو كان النور هو الله على ما قاله قوم وفهموه، لقال: "الله نور السماوات والأرض مثله كذا"، ولم يقل: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ فدل قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ كذا أنه لم يرد بالنور نفسه، ولكن ما ذكرنا أنه به نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أنه لم يرد بالنور ما فهموا، ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ دل أنه ليس على ما فهموه به: أنه نور كسائر الأنوار التي عاينوها ويشاهدوها وهم المشبهة، على هذا يخرج تأويل ابن عباس حيث قال: الله هادي أهل السماوات والأرض.

وقوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أي: مثل نور المؤمن الذي في قلبه مثل مشكاة فيها مصباح؛ لأن المشكاة هي الكوة التي لا منفذ لها يدخل فيها الأنوار، فتكون مظلمة، فإذا جعل فيها المصباح أضاء ذلك كله وأناره حتى لا يبقى فيها ناحية إلا وقد أصابها الضياء والنور، فعلى ذلك القلب، وهو مظلم إذ ليس له منفذ يدخل فيه النور من الخارج، فإذا أنار الله قلبه بإيمانه ظهر ذلك النور وأثره في جميع نواحيه وجوارحه، وهو ما قال: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه"، أخبر أن من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فهذا يدل أن قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ إنما هو مثل نور المؤمن، وعلى ذلك روي في حرف أبي بن كعب أنه قرأ: (مثل نور المؤمن كمشكاة)، وفي حرف ابن مسعود: (مثل نوره في قلب المؤمن).

وقال الحسن: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ قال: مثل القرآن في قلب المؤمن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ كوة ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ ، أو أن يكون قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: به تنجلي الظلمات، وتنكشف الحجب والسواتر؛ إذ النور إنما سمي: نورا؛ لما به تنجلي الظلمات، وتنكشف السواتر، والحجب، لا أنه نور، ألا ترى أنه سمى القرآن: نوراً، والرسول: نورا؛ لما به تنجلي الشبهة والظلمات، وبه ترتفع السواتر والحجب وإن كانا في أنفسهما ليسا بنور سميا: نورا؛ لما ذكرنا من تجلي الأشياء بهما وارتفاع السواتر، فعلى ذلك جائز أن يسمى الله: نورا؛ لما به يكون تجلي الظلمات والشبه، وانكشاف السواتر، وارتفاع الحجب، لا أنه نور.

وقوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ قال بعضهم: مثل نور المؤمن على ما ذكرنا فيما تقدم.

وقال بعضهم: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ في صدر المؤمن.

وقال بعضهم: مثل نور محمد على ما ذكر مقاتل وغيره.

وقال بعضهم: مثل نور القرآن.

وقوله: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال: الكوة التي لا منفذ لها للنور على ما ذكرنا.

وقال بعضهم: موضع الفتيلة من القنديل.

وقال بعضهم: الحدايد التي تعلق بها القنديل.

وقوله: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قال: بعضهم: هي شجرة مصحرة تطلع عليها الشمس إذا طلعت وتغرب عليها إذا غربت، وهو أجود الزيت.

وقال بعضهم: هي شجرة في كنّ لا تطلع عليها الشمس إذا طلعت، ولا تغرب عليها إذا غربت.

وقال بعضهم: ليست شرقية: لا غرب لها، ولا غربية: لا شرق لها، ولكنها شرقية غربية.

فكيفما كان فإنما ذكر الزيت لصفائه وخلوصه؛ فيجب أن يسأل أهله فيقال: أي الزيت أجود وأصفى الذي تصيبه الشمس أو الذي لا تصيبه، أو الذي تصيبه في وقت ولا تصيبه في وقت؟

وقال بعضهم: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هو الله  هادي أهل السماوات وأهل الأرض، كما هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء؛ قالوا: هو زيت كلما مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل الهدى قبل أن يأتيه العلم [فإذا أتاه العلم] ازداد هدى على هدى ونوراً على نور، وعن أبيّ بن كعب قال في قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ : يقول: مثل نور المؤمن، وكذلك يقرؤها: (مثل نور المؤمن) على ما ذكرنا من قبل.

قال: فهو عبد قد جعل القرآن والإيمان في صدره.

قال: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال: المشكاة: صدره ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ : قال: المصباح: القرآن والإيمان الذي جعل في صدره.

قال: ﴿ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ فالزجاجة: قلبه.

قال: ﴿ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ يقول: كوكب مضيء.

﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ قال: الشجرة المباركة أصله، فالمبارك: الإخلاص لله وحده لا يشرك به.

قال: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قال: فمثله كمثل شجرة، جعله كالشجرة فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت: لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير عن أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها، فثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل؛ فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات.

قال: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال: فهو يتقلب في خمسة من النور: كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره النور إلى يوم القيامة إلى الجنة.

قال: ثم ضرب مثل الكافر فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ وهو يحسبه عند الله خيراً فلا يجده، فيدخله الله النار، وقال في آية أخرى له مثلا فقال: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ  ﴾ فهو يتقلب في ظلمات.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: بنوره يهتدي من في السماوات ومن في الأرض على ما ذكرناه ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ في قلب المؤمن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ وهي الكوة غير النافذة على ما ذكرنا ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ أي: سراج ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ : مضيء، أي: منسوب إلى الدرّ؛ وهو قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ : الكوة التي تكون في الحائظ؛ ومثال جماعته: الكوة، و ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ : مثل لسانه وصدره وقلبه ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ ﴾ قال: يكاد محمد يبين للناس وإن لم ينطق.

وعن الضحاك بن مزاحم ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ قال: خلقت الكواكب من نار يقال لها: دري؛ فمن ثمة قال: ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ .

وقد ذكرنا قولهم في المشكاة: قال بعضهم: الكوة: التي لا منفذ لها.

وقال بعضهم: الفتيلة.

وقال بعضهم: الفتيلة التي في جوف القنديل نفسه.

وقال بعضهم: القائم في وسط القنديل، وهو موضع الفتيلة.

وقال بعضهم: هي الحدايد التي يعلق بها القنديل.

وأما الزجاجة فهي القنديل.

ثم إن كان قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أي: نور المؤمن، فليس ذلك وصف كل مؤمن ونعته، ولكن وصف المؤمن الذي يجتمع فيه جميع شرائط الإيمان وجميع الأخلاق الحسنة والآداب؛ لأنه وصفه بطهارة نفسه وجسده وقلبه وجميع أعماله وأفعاله؛ لأنه قال: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ ، وهي قلبه ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ وهو صدره الذي في قلبه المصباح والزجاجة وهو الإيمان الذي في صدره، ثم نعت الزجاجة فقال: ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أي: مضيء.

وقال بعضهم: من الدر، فوصف الكل بالضياء والنور وطهارة الداخل منه والخارج ونقاوته، فهو المؤمن الذي يجتمع فيه جميع الشرائط والخصال المحمودة، وأما كل مؤمن فلا يحتمل، وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه ذكر نعت الكافر من بعد وخبثه حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ .

وإن كان وصف محمد، ففيه جميع ما ذكر ونعته، وإن كان القرآن فهو كذلك أيضاً.

وقوله: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ الذي ذكرنا يحتمل المؤمن ويحتمل محمدا ويحتمل إبراهيم في كلهم ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ يحتمل: يهدي الله لنور محمد، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: الإيمان والهدى.

وقال بعضهم: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال: فالزيت نور، والمصباح نور، والقنديل نور، وقال: المؤمن نور، وعمله نور، وكلامه نور.

ويحتمل: قوله: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: بنوره.

وقال بعضهم: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يقول: بنوره أضاء السماوات والأرض على ما ذكرنا: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ يقول: في قلب المؤمن، وهو في حرف ابن مسعود -  -: (في قلب المؤمن)، وهذا مثل ضربه للإيمان والقرآن، والقلب حين يدخله الإيمان والقرآن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ يعني: الكوة، ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ يعني: الإيمان، والقرآن ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ يعني: القلب، والمشكاة: الصدر، فكما دخل هذا المصباح في الزجاجة فأضاء؛ فكذلك أضاء القلب، ثم خرج من الزجاجة، فأضاءت المشكاة، فكذلك أضاء الصدر، ثم نزل الضوء من الكوة، فأضاء البيت، فكذلك نزل النور من الصدر فأضاء الجوف كله؛ فلم يدخله حرام، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ يحتمل ضرب الأمثال لهم وجهين: أحدهما: ضرب لأفعالهم وأقوالهم مثلا؛ ليعرفوا مقاديرها في الحسن والجمال؛ ليعلموا قدرها من الجزاء والثواب، أو ضرب الأمثال لهم للأنفس المكرمين المعظمين المستوجبين كل خير؛ ليرغبوا في مثل ذلك فيستوجبوا ما استوجب أولئك، وكان ضرب مثل الإيمان أو القرآن أو محمداً وما كان على اختلاف ما قالوا بالأنوار التي ضربها - والله أعلم - لما أنه قد أقام الحجج والبراهين على الإيمان والقرآن ومحمد حتى صاروا كالأنوار التي شبههم بها من الحسن والجمال والضياء إليها حتى يعرف حسن هذه الأنوار وبهاءها كل أحد؛ فعلى ذلك المضروب به المثل صار في الحسن والبهاء والضياء بالحجج والبراهين كالأنوار التي لا يخفى حسنها وبهاؤها على أحد، ولا ينكرها إلا معاند ومكابر، وكان مثل الكفر والعناد من القبح والفساد والبطلان كالظلمات التي ذكر بعضها فوق بعض وكالسراب والزبد الذي ذكر حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ ، وكالظلمات التي ذكر حيث قال: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ...

﴾ الآية [النور: 40] ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ .

وقال ابن عباس -  ما -: ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ قال: الأنجم الخمسة دري: زهرة، وعطارد، والمشتري، وبهرام، والزحل.

قال قتادة: الدري: الضخم المنير.

قال الكسائي: من همز "دريء" فهو حسنه وظهوره وارتفاعه، تقول: درأ النجم، وهو فاش ظاهر في كلام العرب، ومن رفع الدال ومن لم يهمز فهو ينسبه إلى الدر، ومنهم من يرفع الدال ويهمز وأظنها لغة.

وقال أبو عمرو بن العلاء: الدري: النجم الذي تراه يتلألأ كأنه يجيء ويذهب.

وقد روي في الخبر عن رسول الله  قال: "إن الرجل من أهل عليين ليشرف على أهل الجنة؛ فتضيء الجنة بوجهه كأنه كوكب دري" ، [و] روي أن أبا بكر وعمر -  ما - لمنهم، وأنعم.

وأيضاً روي دري بالرفع.

وفي خبر آخر عنه: "إن أول زمرة تدخل الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان آدميتان يري مخ سوقهما من وراء اللحم، والذي نفس محمد بيده ما فيها غرب" وقوله: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ اختلف في قراءته: قرأه بعضهم: ﴿ يُوقَدُ ﴾ بالياء ورفعها ونصب القاف، يقول: المصباح يوقد.

ومن قرأها بالتاء ورفع الدال ونصب التاء رده على الزجاجة أراد تتوقد، ثم طرح إحدى التاءين.

ومن قرأ بالتاء ورفعها يعني: الزجاجة التي توقد.

و [قرأ] أهل مكة: (تَوقّد) بنصب التاء وتشديد القاف، يعني: المصباح توقد؛ فلذلك انتصب.

ومن قرأ: ﴿ يُوقَدُ ﴾ يعني: الكوكب أو المصباح.

وقوله: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قد ذكرنا بعض أقاويلهم فيما تقدم، لكنا نزيد فيها شيئاً.

قال قائل: هي شجرة ضاحية من حين تطلع الشمس إلى أن تغرب، ليس لها ظل شرقي ولا غربي، وزيتها أصفى الزيت وأعذبه وأطيبه.

وقال قائل: ليست بشرقية يحوزها المشرق دون المغرب، وليست بغربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها بارزة في صحراء أو في رأس جبل تصيبها الشمس النهار كله، وهو مثل الأول.

وقال الكسائي: ليست بشرقية وحدها، ولا بغربية وحدها ولكنها شرقية وغربية؛ كما تقول: لا آتيك ولا آتي فلاناً، له معنيان: إن شئت كان معناه: لا تأتي واحدا منهما، وإن شئت كان معناه: أنك [لا] تأتيهما معا، ومثله: والله لا آكل ولا يأكل زيد معنيان، وكان يقال: رجل لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ويحب الفتنة: إنه رجل صالح: أما الفتنة فالمال والولد، قال الله  : ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ  ﴾ وهو يرجو الجنة ويخاف النار على ما فسرنا.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ ﴾ يقول: لا تضحى للشمس من أول النهار إلى آخره، ولا غربية عليها ظل من أوّل النهار إلى آخره، ولكنها شرقية وغربية يصيبها الشمس والظل، والعرب تقول: لا خير في شجرة في مضآة، ولا خير في شجرة في مضحاة.

وقائل يقول: لا تطلع الشمس ولا تغرب.

وقائل يقول: هي شجرة بالشام ليست بالمشرق وليست بالمغرب.

والحسن يقول: والله لو كانت هذه الزيتونة في الأرض، لكانت شرقية أو غربية، والله ما هي في الأرض، ولكن هذا مثلٌ ضربه الله  لنوره وهو هذا القرآن.

وأما قوله: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال بعضهم: إيمان المؤمن نور، وعلمه نور، فهو نور على نور.

قال بعضهم: نور النار على نور الزيت، فذلك نور على نور، وهو بجودته يعني: الزيت.

وقال بعضهم: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان إذا اجتمعا لا يكون أحدهما مضيئاً إلا بصاحبه.

وقال بعضهم: ما ذكرنا من نور الإيمان والعلم.

ثم معنى تشبيه ما ذكر بالزيت؛ لأن الزيت أصفى شيء وأطهر وأطيب شيء وأضوأ للسراج، وكل المنافع من الإدام والدواء وغيره [منه]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تعظم، ويرفع قدرها - وهي المساجد - على غيرها من البيوت المسكونة بذكر اسم الله فيها، والتسبيح والتنزيه من الأقذار، والأنجاس، ومن الأمور الدنيوية.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تبنى وتتخذ.

فإن كان التأويل هذا، ففيه الأمر ببناء المساجد واتخاذها.

وإن كان الأول، ففيه الأمر بتعظيم المساجد ورفع قدرها بما ذكر من ذكر الله والتسبيح فيها.

ثم الإذن في هذا الأمر لوجهين: أحدهما: بحق إقامة الجماعات فيها في هذه الصلوات المعروفة؛ إذ الأرض كلها في الأصل جعلت مسجداً؛ حيث قال رسول الله  : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" .

فهي من حق جواز الصلاة مسجد، فيخرج الأمر به مخرج الأمر ببنائها لإقامة الجماعات.

والثاني: أمر بها خصوصاً للمساجد؛ إذ غيرها من البيوت المسكونة إنما اتخذت وبنيت بالإذن والإباحة، فخص المساجد بالإذن ببنائها خصوصاً لها؛ إذ لو كان إذناً على ظاهر ما ذكر، لكان المساجد وغيرها من البيوت سواء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ فإن كان تأويل قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تعظم ويرفع قدرها؛ فيكون قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ ﴾ تفسيرا لذلك التعظيم والقدر الذي أمر، أي: أمر أن تعظم، ويرفع قدرها بذكر اسم الله فيها، وما ذكر من التسبيح.

وإن كان التأويل هو الأمر بالبناء يكون قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ﴾ كذا على الابتداء، أي: أمر أن نبني سويا مساجد، وأمر أن يذكر فيها اسمه، ويسبح له فيها بالغدو والآصال.

ثم اختلف في تلاوة قوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ ﴾ : قرأ بعضهم ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ بنصب الباء.

وقرأ بعضهم ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ بخفض الباء.

فمن قرأها بالنصب صيره على الأول ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ﴾ .

ومن قرأها بالخفض - أعني: خفض الباء - صيره مقطوعاً من الأول مبتدأ به، أي: يسبح له فيها رجال بالغدو والآصال، ثم ابتدأ من قوله: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ﴾ ثم قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ جائز أن يراد بذكر اسمه: الصلاة، وكذلك التسبيح.

ويحتمل أن يريد بذكر اسمه: جميع أنواع الأذكار من الخير.

ويراد بالتسبيح بالغدو والآصال: الصلاة المفروضة.

ثم قال بعضهم: الغدو: صلاة الغداة، والآصال: صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ فيجعل الأصيل عبارة عن هذه الصلوات في أوقاتها.

وقال بعضهم: الآصال: صلاة العصر خاصة، وأما غيرها من الصلوات فإنما عرف لا بهذا ولكن بشيء آخر، والغدو هو صلاة الفجر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ ﴾ ، أي: لا تشغلهم تجارة ولا بيع، ذكر التجارة والبيع، والبيع تجارة، ولكن كان اسم التجارة يجمع كل أنواع التقلب، واسم البيع يقع على خاص، وكذك يقال للذي يجمع أنواع التقلب: تاجر، وللذي يبيع شيئاً خاصّاً: بائع.

أخر أنه لا يشغلهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

ثم جاز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا يشتغلون بالتجارة والبيع، ولكن فرغوا أنفسهم لذكر الله، وإقامة الصلاة، وما ذكر.

وجائز أن يكون يتجرون ويبيعون لكن تجارتهم وبيعهم لا تشغلهم، ولا تمنعهم عن ذكر الله، يكونون أبداً في ذكر الله.

ثم قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل الصلاة.

وقوله: ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ أي: تمام الصلاة بركوعها، وسجودها، وقراءتها، وجميع أسبابها، وشرائطها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ جميع أنواع الأذكار ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ وإقامة الصلاة بنفسها وإيتاء الزكاة.

وقال بعضهم: جائز أن يكون قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ الخطبة ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ صلاة الجمعة؛ لأنه قال: وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً...

﴾ الآية [الجمعة: 11]، وقال: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ  ﴾ وهي الخطبة.

[وهذا القول] غير مسموع من أهل التأويل، ولكنه يحتمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ وهو يوم القيامة يخبر عن شدة هول ذلك اليوم وخوفه إذ لا تثبت القلوب والأبصار فزعاً منه وخوفاً، كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 43]، وكقوله: ﴿ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ يعرفون مرة، ويجهلون تارة، ويعتبرون يومئذ بما لم يعتبروا في الدنيا، ويقرون بما لم يقروا.

وقال بعضهم: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ ﴾ ، حين زالت عن أماكنها من الصدور، فنشبت في حلوقهم عند الحناجر، ثم قال: ﴿ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ أي: تتقلب أبصارهم فيكونون رزقا، وهو قول مقاتل.

وقوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي: يجزيهم الله جزاء إحسانهم، ويكفر عنهم مساويهم، ولا يجزيهم بها كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 16]، وكقوله: ﴿ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ على قدر حسناتهم، ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ قال بعضهم: ليس فوقه ملك يحاسبه فهو لذلك يرزق من يشاء بغير حساب لا يخاف من أحد يحاسبه كقوله ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: يعطيهم بلا حساب يحاسبهم، ويدخلهم الجنة بلا محاسبة.

وجائز أن يكون ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: يعطيهم بلا حساب أضعافاً مضاعفة ما لا يحصى لا على قدر أعمالهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

عملوا ذلك ليثيبهم الله على أعمالهم أحسن ما عملوا، ويزيدهم من فضله جزاء عليها، والله يرزق من يشاء بغير حساب على قدر أعمالهم، بل يعطيهم أضعاف ما عملوا.

<div class="verse-tafsir" id="91.5w2rn"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله