الآية ٤٦ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٤٦ من سورة النور

لَّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍۢ مُّبَيِّنَـٰتٍۢ ۚ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحكم والأمثال البينة المحكمة ، كثيرا جدا ، وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والنهى; ولهذا قال : ( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: لقد أنـزلنا أيها الناس علامات واضحات دالات على طريق الحقّ وسبيل الرشاد ( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) يقول: والله يرشد من يشاء من خلقه بتوفيقه، فيهديه إلى دين الإسلام، وهو الصراط المستقيم والطريق القاصد الذي لا اعوجاج فيه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم تقدم بيانه في غير موضع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لقد رحمنا عبادنا، وأنزلنا إليهم آيات بينات، أي: واضحات الدلالة، على جميع المقاصد الشرعية، والآداب المحمودة، والمعارف الرشيدة، فاتضحت بذلك السبل، وتبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال، فلم يبق أدنى شبهة لمبطل يتعلق بها، ولا أدنى إشكال لمريد الصواب، لأنها تنزيل من كمل علمه، وكملت رحمته، وكمل بيانه، فليس بعد بيانه بيان { لِيَهْلِكَ } بعد ذلك { مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } { وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } ممن سبقت لهم سابقة الحسنى، وقدم الصدق، { إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي: طريق واضح مختصر، موصل إليه، وإلى دار كرامته، متضمن العلم بالحق وإيثاره والعمل به.

عمم البيان التام لجميع الخلق، وخصص بالهداية من يشاء، فهذا فضله وإحسانه، وما فضل الكريم بممنون وذاك عدله، وقطع الحجة للمحتج، والله أعلم حيث يجعل مواقع إحسانه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لقد أنزلنا ) إليك ، ( آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد أنزلنا آيات مبينات» أي بينات هي القرآن «والله يهدي من يشاء إلى صراط» طريق «مستقيم» أي دين الإسلام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد أنزلنا في القرآن علامات واضحات مرشدات إلى الحق.

والله يهدي ويوفق مَن يشاء مِن عباده إلى الطريق المستقيم، وهو الإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ساقت السورة ما ساقت من الأحكام والآداب ومن الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، أتبعت ذلك بالحديث عن طائفة المنافقين ، الذين لم ينتفعوا بآيات الله ، ولم يتأدبوا بأدب المؤمنين .

.

.

فقال - تعالى - : ( لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ .

.

.

) .قوله - سبحانه - : ( مُّبَيِّنَاتٍ ) قرأها بعض القراء السبعة ، بفتح الياء المشددة - بصيغة اسم المفعول - فيكون المعنى : بالله لقد أنزلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم آيات بيناها ووضحناها ، وجعلناها خالية من اللبس والغموض .وقرأها الباقون بكسر الياء المشددة - بصيغة اسم الفاعل - فيكون المعنى : لقد أنزلنا آيات مبينات للأحكام والحدود والآداب التى شرعها الله - تعالى - فعلى هذه القراءة يكون المفعول محذوفا .وقوله - تعالى - : ( والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) أى : والله - تعالى - بفضله وإحسانه يهدى من يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم ، الذى هو طريق الإسلام .

وسبيل الحق والرشاد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الدلائل على الوحدانية وذلك لأنه لما استدل أولاً بأحوال السماء والأرض وثانياً بالآثار العلوية استدل ثالثاً بأحوال الحيوانات، واعلم أن على هذه الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قال الله تعالى: ﴿ الأبصار والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاءٍ ﴾ مع أن كثيراً من الحيوانات غير مخلوقة من الماء؟

أما الملائكة فهم أعظم الحيوانات عدداً وهم مخلوقون من النور، وأما الجن فهم مخلوقون من النار، وخلق الله آدم من التراب لقوله: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ وخلق عيسى من الريح لقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ وأيضاً نرى أن كثيراً من الحيوانات متولد لا عن النطفة والجواب من وجوه: أحدها: وهو الأحسن ما قاله القفال وهو أن قوله: ﴿ مِّن مَّاءٍ ﴾ صلة كل دابة وليس هو من صلة خلق، والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى.

وثانيها: أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما يروى أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور، ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الأصل الأول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه.

وثالثها: أن المراد من الدابة التي تدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك فيخرج عنه الملائكة والجن، ولما كان الغالب جداً من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء، إما لأنها متولدة من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق لفظ الكل تنزيلاً للغالب منزلة الكل.

السؤال الثاني: لم نكر الماء في قوله: ﴿ مِّن مَّاءٍ ﴾ وجاء معرفاً في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حَيّ  ﴾ والجواب: إنما جاء هاهنا منكراً لأن المعنى أنه خلق كل دابة من نوع من الماء يختص بتلك الدابة، وإنما جاء معرفاً في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حَيّ ﴾ لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وهاهنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة.

السؤال الثالث: قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ﴾ ضمير العقلاء وكذلك قوله: ﴿ مَّن ﴾ فلم استعمله في غير العقلاء؟

والجواب: أنه تعالى ذكر ما لا يعقل مع من يعقل وهم الملائكة والإنس والجن فغلب اللفظ اللائق بمن يعقل، لأن جعل الشريف أصلاً والخسيس تبعاً أولى من العكس، ويقال في الكلام: من المقبلان؟

لرجل وبعير.

السؤال الرابع: لم سمى الزحف على البطن مشياً؟

ويبين صحة هذا السؤال أن الصبي قد يوصف بأنه يحبو ولا يقال إنه يمشي وإن زحف على حد ما تزحف الحية والجواب: هذا على سبيل الاستعارة كما قالوا في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر، ويقال فلان لا يتمشى له أمر أو على طريق المشاكلة (لذلك) الزاحف مع الماشين.

السؤال الخامس: أنه لم يستوف القسمة لأنا نجد ما يمشي على أكثر من أربع مثال العناكب والعقارب والرتيلات بل مثل الحيوان الذي له أربعة وأربعون رجلاً الذي يسمى دخال الأذن والجواب: القسم الذي ذكرتم كالنادر فكان ملحقاً بالعدم ولأن الفلاسفة يقرون بأن ما له قوائم كثيرة فاعتماده إذا مشى على أربع جهاته لا غير فكأنه يمشي على أربع، ولأن قوله تعالى: ﴿ يَخْلُقُ الله مَا يَشَاءُ ﴾ كالتنبيه على سائر الأقسام.

السؤال السادس: لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب؟

والجواب: قد قدم ما هو (أعجب) وهو الماشي بغير آله مشى من أجل أو قوائم ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع، واعلم أن قوله: ﴿ يَخْلُقُ الله مَا يَشَاءُ ﴾ تنبيه على أن الحيوانات كما اختلفت بحسب كيفية المشي فكذا هي مختلفة بحسب أمور أخر، فلنذكر هاهنا بعض التقسيمات: التقسيم الأول: الحيوانات قد تشترك في أعضاء وقد تتباين بأعضاء، أما الشركة فمثل اشتراك الإنسان والفرس في أن لهما لحماً وعصباً وعظماً، وأما التباين فإما أن يكون في نفس العضو أو في صفته، أما التباين في نفس العضو فعلى وجهين: أحدهما: أن لا يكون العضو حاصلاً للآخر، وإن كانت أجزاؤه حاصلة للثاني كالفرس والإنسان، فإن الفرس له ذنب والإنسان ليس له ذنب ولكن أجزاء الذنب ليست إلا العظم والعصب واللحم والجلد والشعر، وكل ذلك حاصل للإنسان والثاني: أن لا يكون ذلك العضو حاصلاً للثاني لا بذاته ولا بأجزائه مثل أن للسلحفاة صدفاً يحيط به وليس للإنسان ذلك وكذا للسمك فلوس وللقنفذ شوك وليس شيء منها للإنسان وأما التباين في صفة العضو، فإما أن يكون من باب الكمية أو الكيفية أو الوضع أو الفعل أو الانفعال، أما الذي في الكم، فإما أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة وعين العقاب صغيرة أو بالعدد مثل أن أرجل ضرب من العناكب ستة وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة، والذي في الكيف فكاختلافها في الألوان والأشكال والصلابة واللين، والذي في الوضع فمثل اختلاف وضع ثدي الفيل فإنه يكون قريباً من الصدر وثدي الفرس فإنه عند السرة.

وأما الذي في الفعل فمثل كون أذن الفيل صالحاً للذب مع كونه آلة للسمع وليس كذلك في الإنسان وكون أنفه آلة للقبض دون أنف غيره.

وأما الذي في الانفعال فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير في الضوء وعين الخطاف بخلاف ذلك.

التقسيم الثاني: الحيوان إما أن يكون مائياً بمعنى أن مسكنه الأصلي هو الماء أو أرضياً أو يكون مائياً ثم يصير أرضياً، أما الحيوانات المائية فتغير أحوالها من وجوه: الأول: أنه إما أن يكون مكانه وغذاؤه ونفسه مائياً فله بدل التنفس في الهواء التنشق المائي فهو يقبل الماء إلى باطنه ثم يرده ولا يعيش إذا فارقه، والسمك كله كذلك ومنه ما مكانه وغذاؤه مائي ولكنه يتنفس من الهواء مثل السلحفاة المائية، ومنه ما مكانه وغذاؤه مائي وليس يتنفس ولا يستنشق مثل أصناف من الصدف لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها الوجه الثاني: الحيوانات المائية بعضها مأواها مياه الأنهار الجارية وبعضها مياه البطائح مثل الضفادع وبعضها مأواها مياه البحر الوجه الثالث: منها لجية ومنها شطية ومنها طينية ومنها صخرية الوجه الرابع: الحيوان المنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه وفي السباحة على أجنحته كالسمك ومنه ما يعتمد في السباحة على رجليه كالضفدع ومنه ما يمشي في قعر الماء كالسرطان ومنه ما يزحف مثل ضرب من السمك لا جناح له وكالدود، أما الحيوانات البرية فتغير أحوالها أيضاً من وجهين: الأول: أن منها ما يتنفس من طريق واحد كالفم والخيشوم ومنها ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر من مسامه مثل الزنبور والنحل الثاني: أن الحيوانات الأرضية منها ما له مأوى معلوم، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة واللواتي لها مأوى فبعضها مأواه شق وبعضها حفر وبعضها مأواه قلة رابية وبعضها مأواه وجه الأرض الثالث: الحيوان البري كل طائر منه ذو جناح فإنه يمشي برجليه، ومن جملة ذلك ما مشيه صعب عليه كالخطاف الكبير الأسود والخفاش.

وأما الذي جناحه جلد أو غشاء فقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات الحبشية يطير الرابع: الطير يختلف فبعضها يتعايش معاً كالكراكي وبعضها يؤثر التفرد كالعقاب وجميع الجوارح التي تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاحتيال لتصيد ومنافستها فيه، ومنها ما يتعايش زوجاً ويكون معاً كالقطا، ومنه ما يجتمع تارة وينفرد أخرى والحيوانات المنفردة قد تكون مدنية وقد تكون برية صرفة وقد تكون بستانية والإنسان من بين الحيوان هو الذي لا يمكنه أن يعيش وحده فإن أسباب حياته ومعيشته تلتئم بالمشاركة المدنية والنحل والنمل وبعض الغرانيق يشارك الإنسان في ذلك لكن النحل والكراكي تطيع رئيساً واحداً والنمل له اجتماع ولا رئيس الخامس: الطير منه آكل لحم ومنه لاقط حب ومنه آكل عشب، وقد يكون لبعض الطير طعم معين كالنحل فإن غذاءه زهر والعنكبوت فإن غذاءه الذباب وقد يكون بعضه متفق الطعم أما القسم الثالث: وهو الحيوان الذي يكون تارة مائياً، وأخرى برياً فيقال إنه حيوان يكون في البحر ويعيش فيه ثم إنه يبرز إلى البر ويبقى فيه.

التقسيم الثالث: الحيوان منه ما هو إنسي بالطبع كالإنسان ومنه ما هو إنسي بالمولد كالهرة والفرس ومنه ما هو إنسي بالقسر كالفهد ومنه ما لا يأنس كالنمر والمستأنس بالقسر منه ما يسرع استئناسه ويبقى مستأنساً كالفيل ومنه ما يبطئ كالأسد ويشبه أن يكون من كل نوع صنف إنسي وصنف وحشي حتى من الناس.

التقسيم الرابع: من الحيوان ما هو مصوت ومنه ما لا صوت له وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً إلا الإنسان، وأيضاً لبعض الحيوان شبق يشتد كل وقت كالديك ومنه عفيف له وقت معين.

التقسيم الخامس: بحسب الأخلاق بعض الحيوانات هادئ الطبع قليل الغضب مثل البقرة وبعضه شديد الجهل حاد الغضب كالخنزير البري وبعضها حليم خدوع كالبعير وبعضها رديء الحركات مغتال كالحية وبعضها جريء قوي شهم كبير النفس كريم الطبع كالأسد ومنها قوي مغتال وحشي كالذئب وبعضها محتال مكار رديء الحركات كالثعلب وبعضها غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب وبعضها شديد الكيس مستأنس كالفيل والقرد وبعضها حسود متباه بجماله كالطاووس وبعضها شديد التحفظ كالجمل والحمار.

التقسيم السادس: من الحيوان ما تناسله بأن تلد أنثاه حيواناً وبعضها ما تناسله بأن تلد أنثاه دوداً كالنحل والعنكبوت فإنها تلد دوداً، ثم إن أعضاءه تستكمل بعد وبعضها تناسله بأن تبيض أنثاه بيضاً.

واعلم أن العقول قاصرة عن الإحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على سبيل الكمال، ووجه الاستدلال بها على الصانع ظاهر لأنه لو كان الأمر بتركيب الطبائع الأربع فذلك بالنسبة إلى الكل على السوية فاختصاص كل واحد من هذه الحيوانات بأعضائها وقواها ومقادير أبدانها وأعمارها وأخلاقها لابد وأن يكون بتدبير مدبر قاهر حكيم سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون.

وأحسن كلام في هذا الموضع قوله سبحانه: ﴿ يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء إِنَّ الله على كُلّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ لأنه هو القادر على الكل والعالم بالكل فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات، فأي عقل يقف عليها وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها، بل هو الذي يخلق ما يشاء ولا يمنعه منه مانع ولا دافع.

وأما قوله: ﴿ لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءايات مبينات ﴾ فالأولى حمله على كل الأدلة والعبر، ولما كان القرآن كالمشتمل على كل ذلك صح أن يكون هو المراد.

أما قوله: ﴿ والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ فاستدلال أصحابنا به كما تقدم والجواب: أجاب القاضي عنه بأن المراد يهدي من بلغه حد التكليف دون غيره، أو يكون المراد من أطاعه واستحق الثواب فيهديه إلى الجنة على ما تقدم في نظائره، وجوابنا عن هذا الجواب أيضاً كما تقدم في نظائره، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين ﴾ إشارة إلى القائلين آمنا وأطعنا.

أو إلى الفريق المتولي، فمعناه على الأوّل: إعلام من الله بأنّ جميعهم منتف عنهم الإيمان لا الفريق المتولي وحده.

وعلى الثاني: إعلام بأن الفريق المتولي لم يكن ما سبق لهم من الإيمان إيماناً، إنما كان ادّعاء باللسان من غير مواطأة القلب؛ لأنه لو كان صادراً عن صحة معتقد وطمأنينة نفس لم يتعقبه التولي والإعراض.

والتعريف في قوله: ﴿ بالمؤمنين ﴾ دلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفت: وهم الثابتون المستقيمون على الإيمان، والموصوفون في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ ﴾ [الحجرات: 15] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ ﴾ لِلْحَقائِقِ بِأنْواعِ الدَّلائِلِ.

﴿ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ فِيها والتَّدَبُّرِ لِمَعانِيها.

﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو دِينُ الإسْلامِ المُوَصِّلُ إلى دَرْكِ الحَقِّ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ.

﴿ وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ ﴾ نَزَلَتْ في بِشْرٍ المُنافِقِ خاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعاهُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وهو يَدْعُوهُ إلى النَّبِيِّ  .

وقِيلَ في مُغِيرَةَ بْنِ وائِلٍ خاصَمَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أرْضٍ فَأبى أنْ يُحاكِمَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ وَأطَعْنا ﴾ أيْ وأطَعْناهُما.

﴿ ثُمَّ يَتَوَلّى ﴾ بِالِامْتِناعِ عَنْ قَبُولِ حُكْمِهِ.

﴿ فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِمْ هَذا.

﴿ وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ بِأسْرِهِمْ فَيَكُونُ إعْلامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ جَمِيعَهم وإنْ آمَنُوا بِلِسانِهِمْ لَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم، أوْ إلى الفَرِيقِ مِنهم وسَلَبَ الإيمانَ عَنْهم لِتَوَلِّيهِمْ، والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَرَفْتَهم وهُمُ المُخْلِصُونَ في الإيمانِ والثّابِتُونَ عَلَيْهِ.

﴿ وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ لِيَحْكُمَ النَّبِيُّ  فَإنَّهُ الحاكِمُ ظاهِرًا والمَدْعُوُّ إلَيْهِ، وذُكِرَ اللَّهُ لِتَعْظِيمِهِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ حُكْمَهُ  في الحَقِيقَةِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ ﴾ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهُمُ الإعْراضَ إذا كانَ الحَقُّ عَلَيْهِمْ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّكَ لا تَحْكُمُ لَهم، وهو شَرْحٌ لِلتَّوَلِّي ومُبالَغَةٌ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لقد أنزلنا آيات مبينات والله يَهْدِى مَن يَشَاء} بلطفه ومشيئته {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} إلى دين الإسلام الذي يوصل إلى جنته والآيات لإلزام حجته لما ذكر إنزال الآيات ذكر بعدها افتراق الناس إلى ثلاث فرق فرقة صدقت ظاهراً وكذبت باطناً وهم المنافقون وفرقة صدقت ظاهراً وباطناً وهم المخلصون وفرقة كذبت ظاهراً وباطناً وهم الكافرون على هذا الترتيب وبدأ بالمنافقين فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ ﴾ أيْ لِكُلِّ ما يَلِيقُ بَيانُهُ مِنَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ والأسْرارِ التَّكْوِينِيَّةِ أوْ واضِحاتٍ في أنْفُسِها، وهَذا كالمُقَدَّمَةِ لِما بَعْدَهُ ولِذا لَمْ يَأْتِ بِالعاطِفِ فِيهِ كَما أتى سُبْحانَهُ بِهِ فِيما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا  ﴾ الآيَةُ، ومِنِ اخْتِلافِ المَساقِ يُعْلَمُ وجْهُ ذَكَرِ ( إلَيْكم ) هُناكَ وعَدَمُ ذِكْرِهِ هُنا.

﴿ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتُهُ بِتَوْفِيقِهِ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها والتَّدَبُّرِ لِمَعانِيها ﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ مُوَصِّلٌ إلى حَقِيقَةِ الحَقِّ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ يعني: من ماء الذّكر.

قرأ حمزة والكسائي خالق كل دابة على معنى الإضافة.

وقرأ الباقون خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ على معنى فعل الماضي، ويقال: هذا معطوف على ما سبق.

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ فكأنَّه يقول: يهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء، كما أنه يخلق ما يشاء من الخلق ألواناً.

ثم وصف الخلق فقال تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ مثل الحية ونحو ذلك.

فإن قيل: لا يقال للدواب منهم، وإن هذا اللفظ يستعمل للعقلاء، قيل له: الدابة اسم عام، وهو يقع على ذي روح، فيقع ذلك على العقلاء وغيرهم، فإذا كان هذا اللفظ يقع على العقلاء وغيرهم فذكر بلفظ العقلاء، ولو قال: فمنه كان جائزاً، وينصرف إلى قوله كُلَّ ولكنه لم يقرأ، وإنما قال: يَمْشِي على وَجْهِ المجاز، وإن كان حقيقته المشي بالرِّجل، لأنه جمعه مع الذي يمشي على وجه التبع.

ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ مثل الإنسان ونحوه وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ أي على أربع قوائم مثل الدوابّ وأشباهها، فإن قيل: إيش الحكمة في خلق كل شيء من الماء؟

قيل له: لأن الخلق من الماء أعجب، لأنه ليس شيء من الأشياء أشدّ طوعاً من الماء، لأن الإنسان لو أراد أن يمسكه بيده، أو أراد أن يبني عليه، أو يتخذ منه شيئاً لا يمكنه، والناس يتخذون من سائر الأشياء أنواع الأشياء، قيل: فالله تعالى أخبر أنه يخلق من الماء ألواناً من الخلق، وهو قادر على كل شيء.

ثم قال: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشاءُ يعني: كما يشاء، وكيف يشاء إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخلق وخلقه قَدِيرٌ أي قادر.

قوله عز وجل: لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ قرأ أبو عمرو وعاصم ونافع وابن كثير في رواية أبي بكر: مُبَيِّناتٍ بنصب الياء في جميع القرآن، يعني: مفصلات.

وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر مُبَيِّناتٍ بكسر الياء، يعني: يبين للناس دينهم.

وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي يرشد من كان أهلاً لذلك إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: إلى دين مستقيم وهو دين الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ قال الزَّجَّاجُ «١» وغيره: المعنى: كُلٌّ قد علم [اللهُ] «٢» صَلاَتَهُ وتسْبِيحَهُ.

وقال الحسن «٣» : المعنى: كُلٌّ قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه.

وقالت فرقة: المعنى: كل قد علم صلاةَ اللهِ وتسبيحَ اللهِ اللَّذَيْنِ أمر بهما وهدى إليهما، فهذه إضافة خَلْقٍ إلى خالقٍ، وباقي الآية وعيد، ويُزْجِي معناه: يسوق، والرُّكام، الذي يركب بَعْضُه بعضاً ويتكاثف، والودق: المطر، قال البخارِيُّ: مِنْ خِلالِهِ أي: من بين أضعاف السحاب، انتهى.

وقوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ قيل: ذلك حقيقةٌ، وقد جعل الله في السماء جبالاً من بَرَدٍ، وقالت فرقة: ذلك مجازٌ، وإنَّما أراد وصف كثرته، وهذا كما تقول: عند فلان جبال من مال وجبال من العلم.

قلت: وحَمْلُ اللفظ على حقيقته أولى إنْ لم يمنع من ذلك مانع، ومن كتاب «الفرج بعد الشدة» للقاضي أبي علي التنوخي، أحد الرواة عن أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيِّ والمُخْتَصِّينَ به- قال: أخبرنا أَبو بكر الصوليُّ عن بعض العلماء قال: رأيتُ امرأةً بالبادية، وقد جاء البَرَدُ فذهب بزرعها، فجاء الناس يعزّونها، فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: اللهم أنتَ المَأْمُولُ لأَحْسَنِ الخَلَفِ وبيدك التعويضُ مِمَّا تَلِفَ، فافعل بنا ما أَنْتَ أهله، فإنَّ أرزاقنا عليك وآمالنا مصروفة إليك، قال: فلم أبرحْ حتى مَرَّ رجل من الأَجِلاَّءِ، فحُدِّث بما كان فَوَهَبَ لها خَمْسِمائَةٍ دينارٍ، فأجاب الله دعوتها وفرّج في الحين كربتها، انتهى.

والسنا مقصوراً: الضوءُ، وبالمد: المَجْدُ، والباء في قوله بِالْأَبْصارِ يحتمل أن تكون زائدة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ: بِشْرٌ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ يَهُودِيٍّ حُكُومَةٌ، فَدَعا اليَهُودِيُّ المُنافِقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  لِيَحْكُمَ بَيْنَهُما، فَقالَ المُنافِقُ لِلْيَهُودِيِّ: إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنا !

ولَكِنَّ بَيْنِي وبَيْنَكَ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُنافِقِينَ ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ وَما أُولَئِكَ ﴾ يَعْنِي: المُعْرِضِينَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: إلى كِتابِهِ ﴿ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ الرَّسُولُ ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ ﴾ ومَعْنى الكَلامِ: أنَّهم كانُوا يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ يَحْكُمُ بِالحَقِّ؛ وإنْ كانَ الحَقُّ لَهم عَلى غَيْرِهِمْ، أسْرَعُوا إلى حُكْمِهِ مُذْعِنِينَ، لِثِقَتِهِمْ أنَّهُ يَحْكُمُ لَهم بِالحَقِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: والإذْعانُ في اللُّغَةِ: الإسْراعُ مَعَ الطّاعَةِ، تَقُولُ: قَدْ أذْعَنَ لِي، أيْ: قَدْ طاوَعَنِي لِما كُنْتُ ألْتَمِسُهُ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ: كُفْرٌ ﴿ أمِ ارْتابُوا ﴾ أيْ: شَكُّوا في القُرْآنِ؟

وهَذا اسْتِفْهامُ ذَمٍّ وتَوْبِيخٍ، والمَعْنى: أنَّهم كَذَلِكَ، وإنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في ذَمِّهِمْ، كَما قالَ جَرِيرٌ في المَدْحِ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا [وَأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ] أيْ: أنْتُمْ كَذَلِكَ.

فَأمّا الحَيْفُ، فَهو: المَيْلُ في الحُكْمِ؛ يُقالُ: حافَ في قَضِيَّتِهِ، أيْ: جارَ، ﴿ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ أيْ: لا يَظْلِمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَدًا، بَلْ هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والإعْراضِ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ.

ثُمَّ نَعَتَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ هَذا بِخَبَرٍ ماضٍ، وإنَّما المَعْنى: إنَّما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا.

وقَرَأالحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ: " إنَّما كانَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ " بِضَمِّ اللّامِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي [لَيْلى]: " لِيُحْكَمَ بَيْنَهم " بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الكافِ.

وقالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: سَمِعْنا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأطَعْنا أمْرَهُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ فِيما يَكْرَهُونَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَخْشَ اللَّهَ ﴾ أيْ: فِيما مَضى مِن ذُنُوبِهِ ﴿ وَيَتَّقْهِ ﴾ فِيما بَعْدَ أنْ يَعْصِيَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: " ويَتَّقْهِي " مَوْصُولَةً بِياءٍ.

ورَوى قالُونُ عَنْ نافِعٍ: " ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ " بِكَسْرِ الهاءِ لا يَبْلُغُ بِها الياءَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَتَّقِهِ " جَزْمًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مِن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مِن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مِن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إنَّ اللهُ عَلى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وبِالرَسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ ﴿ أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمِ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ اعْتِبارٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واللهُ خالِقُ كُلِّ" عَلى الإضافَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واللهُ خَلَقَ كُلَّ"، و"الدابَّةُ": كُلُّ مَن يَدِبُّ مِنَ الحَيَوانِ، أيْ يَتَحَرَّكُ مُنْتَقِلًا أمامَهُ قُدُمًا، ويَدْخُلُ فِيهِ الطَيْرُ إذْ قَدْ يَدِبُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .....................

دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الحُوتُ، وفي الحَدِيثِ «دابَّةٌ مِنَ البَحْرِ مِثْلَ الظَرَبِ»، وقَوْلُهُ: "مِن ماءٍ" قالَ النَقاشُ: أرادَ أمْنِيَةَ الذُكُورِ، وقالَ جُمْهُورُ النَظْرَةِ: أرادَ أنَّ خِلْقَةَ كُلِّ حَيَوانٍ أنَّ فِيها ماءً كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ الماءِ والطِينِ، وعَلى هَذا يَتَخَرَّجُ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِلشَّيْخِ الَّذِي سَألَ في غُزاةِ بَدْرٍ: مِمَّنْ أنْتُما؟

فَقالَ النَبِيُّ  : نَحْنُ مِن ماءٍ»، الحَدِيثُ.

والمَشْيُ عَلى البَطْنِ لِلْحَيّاتِ والحُوتِ ونَحْوَهُ مِنَ الدُودِ وغَيْرِهِ، وعَلى الرِجْلَيْنِ لِلْإنْسانِ والطَيْرِ إذا مَشى، والأرْبَعِ لِسائِرِ الحَيَوانِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرٍ"، فَعَمَّ بِهَذِهِ الزِيادَةِ جَمِيعَ الحَيَوانِ، ولَكِنَّهُ قُرْآنٌ لَمْ يُثْبِتْهُ الإجْماعُ، لَكِنْ قالَ النَقاشُ: إنَّما اكْتَفى القَوْلُ بِذِكْرِ ما يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ عن ذِكْرِ ما يَمْشِي عَلى أكْثَرٍ لَأنَّ جَمِيعَ الحَيَوانِ إنَّما اعْتِمادُهُ عَلى أرْبَعٍ، وهي قِوامُ مَشْيِهِ، وكَثْرَةُ الأرْجُلِ في بَعْضِهِ زِيادَةٌ في الخِلْقَةِ لا يَحْتاجُ ذَلِكَ الحَيَوانُ في مَشْيِهِ إلى جَمِيعِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ تِلْكَ الأرْجُلَ الكَثِيرَةَ لَيْسَتْ باطِلًا، بَلْ هي مُحْتاجٌ إلَيْها في تَنَقُّلِ الحَيَوانِ، وفي كُلِّها تَتَحَرَّكُ في تَصَرُّفِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُبَيِّناتٍ ﴾ يَعُمْ كُلَّ ما نَصَبَ اللهُ تَعالى مِن آيَةٍ وصَنَعَهُ لِلْعِبْرَةِ، وكُلَّ ما نَصَّ في كِتابِهِ مِن آيَةِ تَنْبِيهٍ وتَذْكِيرٍ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الآياتِ ثُمْ قَيَّدَ الهِدايَةَ إلَيْها لَأنَّهُ مِن قِبَلِهِ لِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وسَبَبُها فِيما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ اسْمُهُ بِشْرٌ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ خُصُومَةٌ، فَدَعاهُ اليَهُودُ إلى التَحاكم عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  ، وكانَ المُنافِقُ مُبْطِلًا، فَأبى مِن ذَلِكَ ودَعا اليَهُودُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ»، وأسْنَدَ الزَهْراوِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: مَن دَعاهُ خَصْمُهُ إلى حَكَمٍ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهو ظالِمْ.

و"مُذْعِنِينَ" أيْ مُظْهِرِينَ لِلِانْقِيادِ والطاعَةِ، وهم إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ حَيْثُ أيْقَنُوا بِالنَجْحِ، وأمّا إذا طَلَبُوا بِحَقٍّ فَهم عنهُ مُعْرِضُونَ.

ثُمْ وقَّفَهم تَعالى عَلى أسْبابِ فِعْلِهِمْ تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ، أيْ لِيُقِرُّوا بِأحَدٍ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ أو مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، فَهو بَلِيغٌ جِدًّا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ البَيْتُ....................

ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الظالِمُونَ، وقالَ: ﴿ أنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ الرَسُولَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إنَّما يَحْكم بِأمْرِ اللهِ وشَرْعِهِ.

والحَيْفُ: المَيْلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل للدلائل والعبر السالفة وهو نتيجة الاستدلال ولذلك ختم بقوله: ﴿ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ ، أي إن لم يهتد بتلك الآيات أهل الضلالة فذلك لأن الله لم يهدهم لأنه يهدي من يشاء.

والمراد بالآيات هنا آيات القرآن كما يقتضيه فعل ﴿ أنزلنا ﴾ ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما قبلها بعكس قوله السابق ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ﴾ [النور: 34].

ولما كان المقصود من هذا إقامة الحجة دون الامتنان لم يقيد إنزال الآيات بأنه إلى المسلمين كما قيد في قوله تعالى قبله: ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ﴾ [النور: 34] كما تقدم.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء على صيغة اسم المفعول، أي بيَّنها الله ووضحها ببلاغتها وقوة حجتها.

وقرأ الباقون بكسر الياء على صيغة اسم الفاعل، فإسناد التبيين إلى الآيات على هذه القراءة مجاز عقلي لأنها سبب البيان.

والمعنى أن دلائل الحق ظاهرة ولكن الله يقدِّر الهداية إلى الحق لمن يشاء هدايته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَ الخَلْقِ مِن ماءٍ ثُمَّ قُلِبَ إلى النّارِ فَخُلِقَ مِنها الجِنُّ، وإلى النُّورِ فَخُلِقَ مِنها المَلائِكَةُ، وإلى الطِّينِ فَخُلِقَ مِنهُ مَن خُلِقَ وما خُلِقَ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهُ خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ مِن ماءِ النُّطْفَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ﴾ كالحَيَّةِ والحُوتِ.

﴿ وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ﴾ الإنْسانُ والطَّيْرُ.

﴿ وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ ﴾ كالمَواشِي والخَيْلِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يَمْشِي، وَلَمْ يَذْكُرْ ما يَمْشِي عَلى أكْثَرِ مِن أرْبَعٍ لِأنَّهُ كالَّذِي يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ لِأنَّهُ يَعْتَمِدُ في المَشْيِ عَلى أرْبَعٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال: النطفة.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن مغفل أنه قرأ ﴿ والله خالق كل دابة من ماء ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: كل شيء يمشي على أربع إلا الإِنسان، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ ﴾ يعني بن آدم والبهائم والطير لأن ذلك كله يدب ﴿ مِّن مَّآءٍ ﴾ يعني المنيّ، وقيل: الماء الذي في الطين الذي خلق منه آدم وغيره ﴿ على بَطْنِهِ ﴾ كالحيات والحوت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نور السموات ﴾ على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿ كمشكاة ﴾ ممالة: أبو عمرو عن الكسائي ﴿ دريء ﴾ بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال: حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز.

الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿ توقد ﴾ بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وابو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وابو زيد عن المفضل.

الباقون وجبلة ﴿ توقد ﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء: ابن عامر وأبو بكر وحماد: ﴿ سحاب ﴾ ﴿ ظلمات ﴾ على الإضافة: البزي ﴿ سحاب ﴾ بالتنوين ﴿ ظلمات ﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال: القواس وابن فليح.

الباقون بالرفع والتنوين فيهما.

﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: ابن كثير وابو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ يذهب ﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿ خالق كل شيء ﴾ على الإضافة: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خلق ﴾ على لفظ الماضي ﴿ كل ﴾ منصوباً.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مصباح ﴾ ط ﴿ زجاجة ﴾ ط ﴿ غربية ﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿ نار ﴾ ط ﴿ نور ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿ كمكشاة ﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿ يسبح ﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ يسبح ﴾ ﴿ والآصال ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء كأنه قيل: من يسبح؟

فقيل: ﴿ رجال ﴾ أي يسبحه رجال.

ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿ رجال ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ الزكاة ﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿ والأبصار ﴾ ه لا لتعلق اللام.

أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: فلما سقطت النون انكسرت اللام.

﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ط ﴿ حسابه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا للعطف ﴿ سحاب ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ظلمات ﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿ فوق بعض ﴾ ط ﴿ يراها ﴾ ط ﴿ من نور ﴾ ه ﴿ صافات ﴾ ط ﴿ وتسبيحه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ من خلاله ﴾ ج لما قلنا ﴿ عمن يشاء ﴾ ط ﴿ بالأبصار ﴾ ه ط ﴿ والأنهار ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ج ﴿ من ماء ﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿ بطنه ﴾ ج ﴿ رجلين ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ اربع ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مبينات ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مذعنين ﴾ ه ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن أديان الكفر في نهاية الظلمة.

أما الأول فهو قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ما يجاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلهاً لأنه إن كان عرضاً فظاهر، وإن كان جسماً فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا متنقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوهاً: الأول وهو قول ابن عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ ﴿ ويهدي الله لنوره ﴾ والمضاف مغاير للمضاف إليه.

فنظير الاية قولك "زيد كرم وجود" للمبالغة.

الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ ﴿ نور ﴾ بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟

فالأكثرون على أنه الهداية والحق منا قال في آخر الآية ﴿ يهدي الله لنورهه من يشاء ﴾ شبهه بالنور في ظهوره وبيانه.

وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء والعلماء وهو مروي عن أبيّ بن كعب والحسن وابي العالية.

وقيل: هو تدبيره إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر أمورهم تدبيراً حسناً، فهو لهم كالنور الذي يهتدي به في المضايق والمزالق.

وهذا القول اختيار الأصم والزجاج.

وقيل: هو نظمه إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح.

وقد يعبر بالنور عن النظام.

يقال: ما أرى لهذه الأمور نوراً.

الثالث: ما ذهب إليه الحكماء الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصراً يدرك به النور المحسوس الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة العاقلة، ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما لقوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سبباً لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سبباً لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلاً بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة، والحس لا يدرك من الشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى.

وإدراك العقل قد يكون مقدماً على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نوراً فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نوراً، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلاً، فنور البصيرة ايضاً يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نوراً ﴿ والنور الذي أنزلنا  ﴾ والنبي نوراً ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام.

ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ قل نزله روح القدس من ربك  ﴾ فكل الأنوار تنتهي إلى مالا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله  .

والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مراراً وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات.

وأيضاً الوجود نور والعدم ظلمة، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله  ولا كمال فوق كماله، فهو نور الأنوار.

وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا قال  "إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون الفاً.

قال العلماء: الحجب ثلاثة أقسام: حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع.

وأما المحجوبون بالثاني فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء عن الغير نور لأنه من صفات الله  ، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف منهذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير.

وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة.

وقال الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب وأصله من الضوء ومنه الصبح والدريّ فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر اي ابيض متلألئ، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمرّيق أو مكسورها كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه.

وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمزة لأنه ليس في كلام العرب "فعيل".

ومن همزة من القراء فإنما أراد "فعول" على سبوح فاستثقل فرد بعضه غلى الكسر.

والدري من الكواكب هي المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في العظم الأول.

ومعنى ﴿ من شجرة مباركة ﴾ أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة المنافع وهي الزيتون.

عن النبي  "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به فإنها مصحة من الباسور" وقيل: سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم  فقوله ﴿ زيتونة ﴾ بدل من ﴿ شجرة ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام قريب من وسط العمارة ليس على الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية.

وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا مغرب.

وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً لأنها في موضع مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت.

ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، قال  "لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير في مضحى" ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء.

فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه  شبه الهداية وهي الآيات البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.

وإنما اختار هذا التشبيه دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهان التي هي كالظلمات وهداية الله  فيما بينها كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت لم تبق ظلمة أصلاً.

والأمور التي اعتبرها الله  في هذا المثال منها كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون له عن تعرض الرياح.

زعم بعضهم أن في الكلام قلباً والمراد كمصباح في مكشاة والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نوراً.

ومنها كون المصباح متقداً بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس.

ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كما نضج الثمرة ونهاية صفاء ذهنها.

وأما الإمام الغزالي  فإنه يقول: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية.

فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل حيوان، وأوفق مثال لها من عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين والفم.

وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد شيئاً في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة.

كذلك الخيال من طينة العالم السفلي الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحدّ،ولنه إذا صفي وهذب صار موازياً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح.

وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجاً.

وحين كان الحس كالمقدمة للخيال وهي مالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح.

ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان.

وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهى ثمرته على حد محدود أولى أن يسمى مباركاً.

وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ وخامسها القوة القدسية النبوية التي ﴿ يكاد زيها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ .

وأما الشيخ الرئيس أو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية المشهورة.

فالمشكاة هي العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات.

ثم إن كان الانتقال ضعيفاً فهي الشجرة وتسمى فكراً وإن كان قوياً فهي الزيت ويسمى حدساً، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو المصباح ويسمى عقلاً بالفعل، وغياته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلاً مستفاداً.

أما الأول فلأن الملكة نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ونهاية التحصيل.

وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه في الآية بالنار.

وعن مقاتل أنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ أي مثل نور الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد، واشجرة النبوة والرسالة.

وقيل: المشكاة نظير إبراهيم  ، والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ مثل نور من آمن به ﴾ ورأيت في كتب الشيعة عن علي  مرفوعاً للقمر وجهان يضيء بهما أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: على وجه السموات ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وعلى وجه الأرض محمد وعلي نور الأرضين.

وقيل: المشكاة صدر محمد  والزجاجة قلبه، والمصباح ما في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم  ، ﴿ ويوقد من شجرة ﴾ كقوله ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم  ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن إبراهيم لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل الكعبة وهي ما بين المشرق والمغرب ومعنى ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ أن نور محمد يكاد يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب.

وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوريّ يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له وهو المراد من قوله  "اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد نوراً على نور.

قال ابي بن كعب: المؤمن بين اربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل.

فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي ين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

قال الربيع: سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته.

قالت الأشاعرة في قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن هذه الدلائل مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: اراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله ﴿ من يشاء ﴾ الذين بلغهم حد التكليف والهدى محمول على زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق.

لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ذلك بقوله ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله  لما تمكنوا من الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا يعتبر ولا يستدل ولا ينظر.

قوله ﴿ في بيوت ﴾ اعترض أبومسلم على قول من قال إنه يتعلق بـ ﴿ كمشكاة ﴾ و ﴿ بتوقد ﴾ لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة.

وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله ﴿ في بيوت ﴾ أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل ﴿ في بيوت ﴾ صفة ﴿ مصباح ﴾ و ﴿ زجاجة ﴾ أو ﴿ كوكب ﴾ وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل.

وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل: "الذي يصلح لخدمتي رجل" يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد.

وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله ﴿ ومثلاً من الذين خلوا ﴾ اي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة.

واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون.

والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء.

وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه.

وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي.

والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

وقيل: الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما.

وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية.

والأولى العموم.

قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء.

ويحتمل أن يقال: لأنهم أصل والنساء تبع.

واختلفوا في ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ فقيل: نفي الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: ولا ترى الضب فيها ينجحر *** وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين.

وعن الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء.وما الفرق بين التجارة والبيع؟

قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الالهاء.

وقيل: اراد بالتجارة الشراء، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع.

وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده.

وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: هو الصلاة.

ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له.

والتاء في ﴿ إقامة ﴾ عوض من العين الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت.

ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة.

وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة.

وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والبصار تصير زرقاً.

وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما انضج بالنار، ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن اي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل.

قوله ﴿ ليجزيهم ﴾ متعلق بما قبله لفظاً أو معنى يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر.

وقيل: أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها.

قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله  يجزيهم بأحسن الأعمال.

وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة.

ومعنى ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ كقوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ وقوله ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ قد مر تفسيره في "البقرة".

وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاله مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ قال الأزهري: هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبهاً بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب.

وأما الآل فهو ما يتراءى في أول النهار.

وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما.

والقيعة بمعنى اللقاع وهو المستوى من الأرض.

وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار.

والظمآن الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثواباً عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاءً للحياة، فإذا جاءه ولم يجد شيئاً عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته وفراقه الدنيا.

وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ﴿ جاءه ﴾ فأثبت أنه شيء لأن العدم لا يتصور المجيء إليه ثم قال ﴿ لم يجده شيئاً ﴾ فنفى كونه شيئاً؟

والجواب أراد شيئاً نافعاً كما يقال "فلان ما عمل شيئاً" وإن كان قد اجتهد.

أو المراد جاء موضع السراب فلم يجد هناك شيئاً وأراد أنه تخيل أولاً ضباباً وهباء شبه الماء وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول الحكماء.

قوله ﴿ ووجد الله ﴾ أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

وأما المثل الآخر فهو قوله ﴿ أو كظلمات ﴾ وقد يقال معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة وللجيّ العميق الكثير الماء منسوب إلى اللُج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب.

وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله الحسن.

وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه.

وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم.

والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه.

والضمير في ﴿ أخرج ﴾ للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال.

ومعنى ﴿ لم يكد يراها ﴾ لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون  ﴾ قالت الأشاعرة في قوله ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ دلالة على أن الهداية بتخليق الله  وبجعله جملة المعتزلة على منح الألطاف وقد مر أمثال ذلك مراراً.

ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ ألم تر أن الله يسبح له ﴾ وقد مر مثله في سورة "سبحان".

والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة الاستدلال.

ومعنى ﴿ صافات ﴾ أنهن يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل.

وعلى الأول فالضمير في ﴿ صلاته وتسبيحه ﴾ إما لكل أو لله.

والمعنى كل مسبح قد علم صلاته التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهما سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات.

ثم بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ﴿ ولله ملك السموات ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً آخر من الآثار العلوية قائلاً ﴿ الم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ أي يسوقه بالرياح ﴿ ثم يؤلف بينه ﴾ اي بين أجزائه أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق ﴿ فترى الودق ﴾ المطر أو القطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله ﴿ من السماء من جبال فيها من برد ﴾ الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله ﴿ من جبال ﴾ مفعول ﴿ ينزل ﴾ والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ أو كصيب من السماء  ﴾ معنى البرد وأنه بخار يجمد بعدما استحال قطرات ماء.

قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خللقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر.

وقال أهل المعنى: السماء ههنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد بالجبال الكثرة كما يقال "فلان يملك جبالاً من ذهب" ثم بين بقوله ﴿ فيصيب به ﴾ إلى آخر الاية.

أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك بالبرد من يشاء أن يعذبه به أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين من ظلمة التقليد إلى نور البرهان.

ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال علماء المعاني: التنكير في ﴿ ماء ﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة.

وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر.

وإنما عرّف في قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

وعن القفال أن قوله ﴿ من ماء ﴾ صفة ﴿ دابة ﴾ لا صلة خلق.

والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله  واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء.

ثم بين أن اصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء.وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله "فلان لا يتمشى له أمر" وقد يوجد من الدواب ذوات ارجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له اربع وأربعون رجلاً المسمى "دخال الأذن".

وإنما لم يذكرها  لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن.

ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على اربع فقط.

وقيل: إن في قوله  ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفيذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر.

فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة.

ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء.

وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب.

وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها.

ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد.

ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد.

ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان.

ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش.

ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه.

وفي قوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.

وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل اراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله ﴿ ولقد أنزلنا آيات مبينات ﴾ وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله { ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً  ﴾ لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق.

وقوله ﴿ وما أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق المتولي.

وإنما قال ﴿ بالمؤمنين ﴾ معرِّفاً لأنه اراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم.

ويحتمل ان يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الاية الثانية ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم.

ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق.

وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين.

قال جار الله: معنى ﴿ إلى الله ورسوله ﴾ إلى رسول الله  كقولك "أعجبني زيد وعكرمة".

أما سبب نزول الاية.

فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت  ﴾ وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة.

فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا.

فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء.

فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله  فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ.

قوله ﴿ يأتوا إليه ﴾ الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى.

قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته.

ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور وإن كانت متلازمة إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة.

ثم بين بقوله ﴿ بل أولئك هم الظالمون ﴾ أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله  فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم.

التأويل: للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس.

أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿ يكاد زيتها ﴾ وهو عالم الأرواح ﴿ يضيء ﴾ اي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿ نور على نور ﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ وفي قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله  إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى.

وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿ وأَشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وهو مقام "كنت له سمعاً وبصراً" الحديث: ﴿ في بيوت ﴾ هي القلوب ﴿ أذن الله ﴾ أمر واراد ﴿ أن ترفع ﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال "وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" يروى أنه أوحى إلى داود  "فرغ لي بيتاً اسكن فيه" فقال: رب أنت منزه عن البيوت.

فقال: فرغ لي قلبك.

ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم  ﴾ ﴿ ولا بيع ﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿ يخافون يوماً ﴾ هو يوم الفراق ﴿ تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ هو حب الدنيا ﴿ يغشاه موج ﴾ الرياء ﴿ من فوقه موج ﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿ من فوقه سحاب ﴾ الشرك الخفي ﴿ إذا أخرج ﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿ لم يكد يراها ﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل ﴿ يزجى ﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى.

والودق هو مطر التوبة ﴿ يخرج من خلاله ﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه.

ينزل من سماء القلب ﴿ من جبال ﴾ من قساوة ﴿ فيها من برد ﴾ هو برد القهر ﴿ يقلب الله ﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿ والله خلق ﴾ كل ذي روح ﴿ من ماء ﴾ هو روح محمد  كما قال "أول ما خلق الله روحي" ﴿ فمنهم من يمشي ﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿ أفي قلوبهم مرض ﴾ انحراف في الفطرة ﴿ أم ارتابوا ﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿ أم يخافون ﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿ وإليه المآب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ...

﴾ الآية؛ قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعض أهل التأويل - ابن عباس وغيره -: إنه وقعت بين علي بن أبي طالب وبين عثمان -  - خصومة في أرض اشتراها عثمان من علي، فاختصما إلى رسول الله  في تلك، فقضى لعلي على عثمان، وألزمه الأرض، فقال قوم لعثمان: إنه ابن عمه وأكرم عليه فقضى عليك له، أو نحو هذا من الكلام، فنزل في قوم عثمان ذلك ...

إلى آخر ما ذكر.

لكن هذا بعيد؛ إذ لا يحتمل أن يكون عثمان أو قومه يخطر ببالهم في رسول الله ما ذكر.

وقال بعضهم: نزل هذا في بشر المنافق، وذلك أن رجلا من اليهود كان بينه وبين بشر خصومة، وأن اليهودي دعا بشراً إلى رسول الله، ودعاه بشر إلى كعب بن الأشرف، فقال: إن محمداً يحيف علينا، أو نحوه من الكلام؛ فنزل هذا؛ لكنا لا نعلم أنه فيمن نزل سوى أن فيه بياناً أنها إنما نزلت في المنافقين.

وفي ظاهر الآية دلالة أنهم علموا أن رسول الله لا يقضي إلا بالحق؛ ألا ترى أنه ذكر في آخره: ﴿ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ مسرعين مطيعين، ولو كان عندهم أنه يقضي بالجور لكانوا لا يأتونه للقضاء، وإن كان الحق لهم مخافة الجور والظلم عليهم، لكن ما ذكر في سياق هذا يمنع هذا التأويل.

وقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ في هذا من الدلالة أن عندهم أنه لا يقضي بالحق لهم، وأنه يجور؛ حيث قال: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ إن كان على هذا الوصف فهو يخاف جوره وحيفه، إلا أن تجعل الآية في فرق من المنافقين: فرقة منهم عرفوا أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم كان في قلوبهم مرض، وفرقة ارتابوا، وفرقة خافوا جوره، وهم كانوا فرقاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ  ﴾ ومنهم من قال: كذا، ومنهم من قال: كذا.

أو أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ أي: وإن يكن لهم القضاء بالحق أتوه مذعنين؛ أي: إذا عرفوا أنه يقضي لهم لا محالة أتوه، وإلا لا يأتونه، فإن كان على هذا، فما ذكر على سياقه من المرض والارتياب والخوف في الحيف فمستقيم.

على هذين الوجهين يحتمل أن يخرج تأويل الآية، وأما على غير ذلك فإنا لا نعلم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ لأن من ارتاب، أو شك في رسالته، أو خاف جوره وحيفه فهو كافر، ليس بمؤمن.

وفي قوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ ﴾ يخرج على وجهين وإن كان ظاهره حرف شك: أحدهما: على الإيجاب والتحقيق، أي: في قلوبهم مرض وارتابوا وخافوا على ما ذكرنا في حرف الاستفهام أنه في الظاهر، وإن كان استفهاماً فهو في التحقيق علم وإيجاب؛ أي: قد علمت ورأيت ونحوه؛ لما لا يجوز الاستفهام منه، فعلى ذلك هذا.

والثاني: ما ذكرنا أنه في فرق: فرقة عرفت أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم ارتابت، وفرقة منهم خافت جوره وظلمه.

قال القتبي: قوله: ﴿ مُذْعِنِينَ ﴾ أي: خاضعين.

وقال أبو عوسجة: مسرعين، مطيعين؛ يقال: ناقة مذعان: أي سريعة، ونوق مذاعين، والحيف: الجور، حاف يحيف حيفاً فهو حائف.

وقوله: ﴿ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ يحتمل إضافة الدعاء إلى الله وجهين: أحدهما: دعوا إلى كتاب الله وإلى رسوله: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً  ﴾ .

والثاني: إضافته إلى الله هي إضافة إلى رسوله، كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ  ﴾ جعل طاعة الرسول طاعة لله؛ فعلى ذلك جائز أن يراد بإضافة الدعاء إلى الله دعاء إلى رسول الله، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ لا يحتمل أن يكونوا يخافون حيف الله وجوره، لكن إنما يخافون جور رسوله أو كتابه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قد ذكرنا إضافة الدعاء إلى الله في قصّة المنافقين ونعتهم، فعلى ذلك في نعت المؤمنين.

وقوله: ﴿ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ يحتمل قوله: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ أي: سمعنا الدعاء وأطعنا الأمر.

ويحتمل: سمعنا: أجبنا وأطعنا الأمر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ ليس على حقيقة القول منهم والنطق به، ولكن إخبار من الله -  - عما هم عليه واعتقدوا به؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل اعتقاده طاعة الله وطاعة رسوله، فيكون كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً  ﴾ هذا أخبار عما أطعموهم، ليس أنهم قالوا باللسان: إنما نطعمكم لكذا، ولكن إخبار عما في قلوبهم، فعلى ذلك الأوّل.

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ المفلح هو الذي يظفر بحاجته دنيوية وأخروية؛ يقال: فلان أفلح: أي: ظفر بحاجته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَيَخْشَ ٱللَّهَ ﴾ أي: يخشى الله على ما مضى من ذنوبه ويتقيه فيما بقي من عمره.

أو يخشى الله على ما يكون منه من التقصير والتفريط ويتقي ذلك وكل معصية الله ومخالفته ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون ﴾ وفي حرف ابن مسعود وأبيّ وحفصة (فأولئك هم المؤمنون) فهما واحد.

وقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ قال بعضهم: كل يمين بالله فهي جهد اليمين؛ لأنهم من عاداتهم أنهم كانوا لا يحلفون بالله إلا في العظيم من الأمر والخطير، فأمّا الأمر الدون فإنما يحلفون بغيره، فيكون على هذا كل يمين بالله فهو جهد اليمين.

ويحتمل أن يكونوا حلفوا بيمين غليظة شديدة على ما يغلظ الناس في أيمانهم ربّما، فسمي ذلك جهد اليمين.

أو أن يكون جهد اليمين ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ هو جهد أيمانهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ ﴾ يحتمل وجوهاً: لئن أمرتهم ليخرجن من أرضهم التي تخاصموا إليه فيها؛ أي: ليخرجن ويسلمونها إلى خصمهم.

ويحتمل: لئن أمرتهم ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ من جميع أملاكهم وما تحويه أيديهم، تعظيماً لأمرك وإجلالا، فكيف لا يتبعون لقضائك وينقادون لحكمك.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ من المدينة بعيالاتهم وجميع حواشيهم إلى بلدة أخرى.

وقال بعضهم: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ أي: أمرتهم أن يخرجوا في الجهاد ليخرجن؛ لأنهم كانوا يتخلّفون.

ثم أمر رسوله أن ينهاهم عن القسم الذي أقسموا فقال: ﴿ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: لا تقسموا؛ فإن الله لو بلغ منكم الجهد لهم تبلغوه، ثم قال: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ يقول: أطيعوه وقولوا له المعروف.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ ﴾ تم الكلام، ثم قال: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ .

وفي هذا الكلام حذف؛ للإيجاز يستدل بظاهره عليه؛ كأن القوم كانوا ينافقون ويحلفون في الظاهر على ما يضمرون خلافه، فقيل لهم: لا تقسموا هي طاعة معروفة صحيحة لا نفاق فيها، لا طاعة فيها نفاق.

وقال بعضهم: لا تحلفوا، ولتكن هذه منكم للنبيّ طاعة معروفة حسنة.

وقال بعضهم: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ يقول: طاعة يعرف أنها طاعة بالقول والعمل، لا تكونوا كاذبين فيها بالقول دون العمل، وبعضه قريب من بعض: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ فلا تقسموا.

وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنهم كانوا يسرون ويضمرون فيما بينهم التولي والإعراض عن حكمه، ثم أخبرهم بذلك؛ فعلموا أنه بالله عرف ذلك.

وقوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ أي: فإن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ قال: فإنما على النبي ما أمر بتبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم وأمرتم من الطاعة لله ورسوله.

ويحتمل: فأنما عليه أداء ما حمل من الفرائض، وعليكم أداء ما حملتم وأمرتم من الفرائض.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ ﴾ أي: لا يسأل هو، ولا يؤاخذ بما عليكم، ولا تسألون أنتم ولا تؤاخذون - أيضاً - بما عليه؛ إنما يسأل كل عما عليه؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ ﴾ لا شك أنهم إن أطاعوه اهتدوا ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد أنزلنا على محمد  آيات واضحات لا لبس فيها، والله يوفّق من يشاء إلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه، فيوصله ذلك الطريق إلى الجنّة.

<div class="verse-tafsir" id="91.8mx5o"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله