الآية ٥٣ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٥٣ من سورة النور

۞ وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُل لَّا تُقْسِمُوا۟ ۖ طَاعَةٌۭ مَّعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ٥٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٣ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٣ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن أهل النفاق ، الذين كانوا يحلفون للرسول صلى الله عليه وسلم لئن أمرهم بالخروج [ في الغزو ] قال الله تعالى : ( قل لا تقسموا ) أي : لا تحلفوا .

وقوله : ( طاعة معروفة ) قيل : معناه طاعتكم طاعة معروفة ، أي : قد علمت طاعتكم ، إنما هي قول لا فعل معه ، وكلما حلفتم كذبتم ، كما قال تعالى : ( يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) [ التوبة : 96 ] ، وقال تعالى : ( اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ) [ المنافقون : 2 ] ، فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه ، كما قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ) [ الحشر : 11 ، 12 ] 50 وقيل : المعنى في قوله : ( طاعة معروفة ) أي : ليكن أمركم طاعة معروفة ، أي : بالمعروف من غير حلف ولا إقسام ، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف ، فكونوا أنتم مثلهم .

( إن الله خبير بما تعملون ) أي : هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي ، فالحلف وإظهار الطاعة - والباطن بخلافه ، وإن راج على المخلوق - فالخالق ، تعالى ، يعلم السر وأخفى ، لا يروج عليه شيء من التدليس ، بل هو خبير بضمائر عباده ، وإن أظهروا خلافها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله وحكم رسوله، إذ دعوا إليه ( بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ) يقول: أغلظ أيمانهم وأشدّها( لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ ) يا محمد بالخروج إلى جهاد عدوك وعدو المؤمنين ( لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا ) لا تحلفوا، فإن هذه ( طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ) منكم فيها التكذيب.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ( قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ) قال: قد عرفت طاعتكم إلي أنكم تكذبون ( إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) يقول: إن الله ذو خبرة بما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو خلافكم أمرهما، أو غير ذلك من أموركم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم بكل ذلك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملونقوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم عاد إلى ذكر المنافقين ، فإنه لما بين كراهتهم لحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - أتوه فقالوا : والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا وأموالنا لخرجنا ، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا ؛ فنزلت هذه الآية .

أي وأقسموا بالله أنهم يخرجون معك في المستأنف ويطيعون .

جهد أيمانهم أي طاقة ما قدروا أن يحلفوا .

وقال مقاتل : من حلف بالله فقد أجهد في اليمين .

وقد مضى في ( الأنعام ) بيان هذا .

و ( جهد ) منصوب على مذهب المصدر تقديره : إقساما بليغا .

قل لا تقسموا وتم الكلام .

طاعة معروفة أولى بكم من أيمانكم ؛ أو ليكن منكم طاعة معروفة ، وقول معروف بإخلاص القلب ، ولا حاجة إلى اليمين .

وقال مجاهد : المعنى قد عرفت طاعتكم وهي الكذب والتكذيب ؛ أي المعروف منكم الكذب دون الإخلاص .

إن الله خبير بما تعملون من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حالة المتخلفين عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد من المنافقين، ومن في قلوبهم مرض وضعف إيمان أنهم يقسمون بالله، { لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ ْ} فيما يستقبل، أو لئن نصصت عليهم حين خرجت { لَيَخْرُجُنَّ ْ} والمعنى الأول أولى.

قال الله -رادا عليهم-: { قُلْ لَا تُقْسِمُوا ْ} أي: لا نحتاج إلى إقسامكم ولا إلى أعذاركم، فإن الله قد نبأنا من أخباركم، وطاعتكم معروفة، لا تخفى علينا، قد كنا نعرف منكم التثاقل والكسل من غير عذر، فلا وجه لعذركم وقسمكم، إنما يحتاج إلى ذلك، من كان أمره محتملا، وحاله مشتبهة، فهذا ربما يفيده العذر براءة، وأما أنتم فكلا ولما، وإنما ينتظر بكم ويخاف عليكم حلول بأس الله ونقمته، ولهذا توعدهم بقوله: { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ْ} فيجازيكم عليها أتم الجزاء

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) جهد اليمين أن يحلف بالله ، ولا حلف فوق الحلف بالله ، ( لئن أمرتهم ليخرجن ) وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أينما كنت نكن معك ، لئن خرجت خرجنا ، وإن أقمت أقمنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ، فقال تعالى : ( قل ) لهم ( لا تقسموا ) لا تحلفوا ، وقد تم الكلام ، ثم قال : ( طاعة معروفة ) أي : هذه طاعة بالقول وباللسان دون الاعتقاد ، وهي معروفة أي : أمر عرف منكم أنكم تكذبون وتقولون ما لا تفعلون ، هذا معنى قول مجاهد رضي الله عنه .

وقيل : معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل .

وقال مقاتل بن سليمان : لتكن منكم طاعة معروفة .

( إن الله خبير بما تعملون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأقسموا بالله جهد إيمانهم» غايتها «لئن أمرتهم» بالجهاد «ليخرجنَّ قل» لهم «لا تقسموا طاعة معروفة» للنبي خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه «إن الله خبير بما تعلمون» من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأقسم المنافقون بالله تعالى غاية اجتهادهم في الأيمان المغلَّظة: لئن أمرتنا - أيها الرسول - بالخروج للجهاد معك لنخرجن، قل لهم: لا تحلفوا كذبًا، فطاعتكم معروفة بأنها باللسان فحسب، إن الله خبير بما تعملونه، وسيجازيكم عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم عادت السورة الكريمة إلى استكمال الحديث عن المنافقين ، فقال - تعالى - ( وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ) .والجهد : الوسع والطاقة ، من جهد نفسه يجهدها - بفتح الهاء فيهما - إذا اجتهد فى الشىء ، وبذل فيه أقصى وسعه .أى : وأقسم هؤلاء المنافقون بالأيمان الموثقة بأشد وسائل التوثيق ، بأنهم متى أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج معه للجهاد ليخرجن سراعا تلبية لأمره .وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم ردا كله تهكم وسخرية بهم ، بسبب كذبهم فيقول : ( قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ) .أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل السخرية والزجر ، لا تقسموا على ما تقولون ، فإن طاعتكم معروف أمرها ، ومفروغ منها ، فهى طاعة باللسان فقط .

أما الفعل فيكذبها .وذلك كما تقول لمن اشتهر بالكذب : لا تحلف لى على صدقك ، فأمرك معروف لا يحتاج إلى قسم أو دليل .ثم عقب - سبحانه - على هذه السخرية منهم بقوله : ( إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) أى : إن الله - تعالى - مطلع اطلاعا تاما على ظواهركم وبواطنكم فلا يحتاج منكم إلى قسم أو توكيد لأقوالكم ، وقد علم - سبحانه - أنكم كاذبون فى حلفكم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين وما قالوه وما فعلوه أتبعه بذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن ﴿ قَوْلَ المؤمنين ﴾ بالرفع، والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسماً لكان أوغلهما في التعريف و ﴿ أَن يَقُولُواْ ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف ﴿ قَوْلَ المؤمنين ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين ﴾ معناه كذلك يجب أن يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعاً وطاعة، ومعنى ﴿ سَمِعْنَا ﴾ أجبنا على تأويل قول المسلمين سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب، ثم قال: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ أي فيما ساءه وسره ﴿ وَيَخْشَ الله ﴾ فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي ﴿ وَيَتَّقْهِ ﴾ فيما بقي من عمره ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون ﴾ وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه.

أما قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ فقال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين، ثم قال لما بين الله تعالى كراهية المنافقين لحكم رسول الله، فقالوا والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، ثم إنه تعالى أمر رسوله أن ينهاهم عن هذا القسم بقوله: ﴿ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ ﴾ ولو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهي عنه لأن من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى عنه، وإذا ثبت ذلك ثبت أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه لا يكون إلا قبيحاً.

أما قوله: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ فهو إما خبر مبتدأ محذوف، أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا أيمان كاذبة، أو مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه، وقيل معناه دعوا القسم ولا تغتروا به وعليكم طاعة معروفة فتمسكوا بها.

وقرأ اليزيدي ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ بالنصب على معنى أطيعوا طاعة (الله) ﴿ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي بصير لا يخفى عليه شيء من سرائركم، وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم.

أما قوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ ﴾ فاعلم أنه تعالى صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات، وهو أبلغ في تبكيتهم ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ يعني إن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من تبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم من الطاعة ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ ﴾ أي تصيبوا الحق وإن عصيتموه فما على الرسول إلا البلاغ المبين، والبلاغ بمعنى التبليغ، والمبين الواضح، والموضح لما بكم إليه الحاجة، وعن نافع أنه قرأ ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ ﴾ بفتح الحاء والتخفيف أي فعليه إثم ما حمل من المعصية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

جهد يمينه: مستعار من جهد نفسه: إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدّتها ووكادتها.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قال بالله، فقد جهد يمينه.

وأصل: أقسم جهد اليمين: أقسم يجهد اليمين جهداً، فحذف الفعل وقدّم المصدر فوضع موضعه مضافاً إلى المفعول كقوله: ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ [محمد: 4] وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قال: جاهدين أيمانهم.

و ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: أمركم والذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشكّ فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو طاعتكم طاعة معروفة، بأنها القول دون الفعل.

أو طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأَيمان الكاذبة.

وقرأ اليزيدي: ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالنصب على معنى: أطيعوا طاعة ﴿ إِنَّ الله خَبِيرٌ ﴾ يعلم ما في ضمائركم ولا يخفى عليه شيء من سرائركم، وأنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ إنْكارٌ لِلِامْتِناعِ عَنْ حُكْمِهِ.

﴿ لَئِنْ أمَرْتَهُمْ ﴾ بِالخُرُوجِ عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ.

﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ جَوابٌ لِـ ( أقْسَمُوا ) عَلى الحِكايَةِ.

﴿ قُلْ لا تُقْسِمُوا ﴾ عَلى الكَذِبِ.

﴿ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا اليَمِينُ عَلى الطّاعَةِ النِّفاقِيَّةِ المُنْكَرَةِ.

( أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ) أمْثَلُ مِنها أوْ لِتَكُنْ طاعَةً، وقُرِئَتْ بِالنَّصْبِ عَلى أطِيعُوا طاعَةً.

﴿ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سَرائِرُكم.

﴿ قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ أمْرٌ بِتَبْلِيغِ ما خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى الحِكايَةِ مُبالَغَةً في تَبْكِيتِهِمْ.

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى مُحَمَّدٍ  .

﴿ ما حُمِّلَ ﴾ مِنَ التَّبْلِيغِ.

﴿ وَعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ ﴾ مِنَ الِامْتِثالِ.

﴿ وَإنْ تُطِيعُوهُ ﴾ في حُكْمِهِ.

﴿ تَهْتَدُوا ﴾ إلى الحَقِّ.

﴿ وَما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ التَّبْلِيغُ المُوَضِّحُ لِما كُلِّفْتُمْ بِهِ، وقَدْ أدّى وإنَّما بَقِيَ ﴿ ما حُمِّلْتُمْ ﴾ فَإنْ أدَّيْتُمْ فَلَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَعَلَيْكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم} أي حلف المنافقون بالله جهد اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودهم وجهد يمينه مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها وذلك إذا بالغٍ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قال بالله فقد جهد يمينه وأصل أقسم جهد اليمين أقسم بجهد اليمين جهداً فجذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه مضافاً إلى المفعول كقوله فضرب الرقاب وحكم هذا المنصوب حكم الحال كأنه قال جاهدين أيمانهم {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} أي لئن أمرنا محمد بالخروج إلى الغزو لغزونا أو بالخروج من ديارنا لخرجنا {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ} لا تحلفوا كاذبين لأنه معصية {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة مبتدأ محذوف

الخبر أو خبر مبتدأ محذوف أي الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب كطاعة الخلص من المؤمنين لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها {إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} يعلم ما في ضمائركم ولا يخفى عليه شئ من سرائركم وانه

النور ٥٥ - ٥٤)

فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أكاذِيبِ الكَفَرَةِ المُنافِقِينَ مُؤَكِّدًا بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ فَهو عَوْدٌ عَلى بَدْءٍ، والقَسَمُ الحَلْفُ وأصْلُهُ مِنَ القَسامَةِ وهي أيْمانٌ تُقْسَمُ عَلى مُتَّهَمِينَ بِقَتْلٍ حَسْبَما بَيَّنَ في كُتُبِ الفِقْهِ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِكُلِّ حَلْفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ، وجُمْلَةُ ذَلِكَ الفِعْلِ مَعَ فاعِلِهِ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ أيْ حَلَفُوا بِهِ تَعالى يُجْهِدُونَ أيْمانَهم جُهْدًا أوْ جاهِدِينَ أيْمانَهُمْ، ومَعْنى جُهْدِ اليَمِينِ بُلُوغُ غايَتِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِن قَوْلِهِمْ: جُهْدُ نَفْسِهِ إذا بَلَغَ أقْصى وُسْعِها وطاقَتِها، والمُرادُ أقْسَمُوا بِالغَيْنِ أقْصى مَراتِبِ اليَمِينِ في الشِّدَّةِ والوَكادَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا لَأقْسَمُوا أيْ أقْسَمُوا أقْسامَ اجْتِهادٍ في اليَمِينِ، قالَ مُقاتِلٌ: مَن حَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى فَقَدِ اجْتَهَدَ في اليَمِينِ.

والظّاهِرُ هُنا أنَّهم غَلَّظُوا الأيْمانَ وشَدَّدُوها ولَمْ يَكْتَفُوا بِقَوْلِ واللَّهِ ﴿ لَئِنْ أمَرْتَهُمْ ﴾ أيْ بِالخُرُوجِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ والمُرادُ بِهَذا الخُرُوجِ الخُرُوجُ لِلْجِهادِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الخُرُوجُ مِنَ الأمْوالِ.

وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ جَوابٌ لَأقْسَمُوا وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلَيْهِ وهي حِكايَةٌ بِالمَعْنى والأصْلُ لَنَخْرُجُنَّ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ، وقِيلَ الأصْلُ لَخَرَجْنا إلّا أنَّهُ أُرِيدَ حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ فَعَبَّرَ بِذَلِكَ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ المُعْتَبَرَ زَمانُ الحُكْمِ هو مُسْتَقْبَلٌ ﴿ قُلْ ﴾ أيْ رَدًّا عَلَيْهِمْ وزَجْرًا لَهم عَنِ التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ الأيْمانِ وإظْهارًا لِعَدَمِ القَبُولِ لِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيها لا ﴿ تُقْسِمُوا ﴾ عَلى ما يُنَبِّئُ عَنْهُ كَلامُكم مِنَ الطّاعَةِ ﴿ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ طاعَتِكم طاعَةٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تُقْسِمُوا عَلى ما تَدْعُونَ مِنَ الطّاعَةِ لِأنَّ طاعَتَكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِأنَّها واقِعَةٌ بِاللِّسانِ فَقَطْ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ مِنَ القَلْبِ لا يَجْهَلُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ المَطْلُوبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مَعْلُومَةٌ لا يَشُكُّ فِيها كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ ﴿ طاعَةٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ طاعَةٍ مَعْرُوفَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن قِسْمِكم.

واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ لِتَكُنْ طاعَةً مَعْرُوفَةً مِنكُمْ، وضَعَّفَ الكُلُّ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ المُقامُ والأخِيرُ بِأنَّ فِيهِ حَذْفُ الفِعْلِ في غَيْرِ مَوْضِعِ الحَذْفِ.

وقالَ البَقاعِيُّ: لا تَقْدِيرَ في الكَلامِ ( وطاعَةٌ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ مَعْرُوفَةٌ ﴾ وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ أنَّها أُرِيدَ بِها الحَقِيقَةَ فَتَعُمُّ والعُمُومُ مِنَ المُسَوِّغاتِ، ولَمْ تَعْرِفْ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ تَعْرِيفَها لِلْعَهْدِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ لا تُقْسِمُوا فَإنَّ الطّاعَةَ مَعْرُوفَةٌ مِنكم ومِن غَيْرِكم لا تُخْفى فَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ العَبْدَ وإنِ اجْتَهَدَ في إخْفاءِ الطّاعَةِ لا بُدَّ وأنْ يَظْهَرَ سُبْحانَهُ مَخايِلَها عَلى شَمائِلِهِ، وكَذا المَعْصِيَةُ فَلا فائِدَةَ في إظْهارِ ما يُخالِفُ الواقِعَ، وفي الأحادِيثِ ما يَشْهَدُ لِما ذُكِرَ، فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ جُنْدُبٍ «ما أسَرَّ عَبْدٌ سَرِيرَةً إلّا ألْبَسُهُ اللَّهُ تَعالى رِداءَها» ورَوى الحاكِمُ وقالَ صَحِيحُ الإسْنادِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: ««لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِإنْسانٍ كائِنًا مَن كانَ»» وهَذا المَعْنى عَلى ما قِيلَ حَسَنٌ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ «طاعَةً مَعْرُوفَةً» بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ تُطِيعُونَ طاعَةً مَعْرُوفَةً نَفاقِيَّةً، وقِيلَ أطِيعُوا طاعَةً مَعْرُوفَةً حَقِيقِيَّةً وطاعَةً بِمَعْنى إطاعَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا  ﴾ ﴿ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَظْهَرُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُؤَكِّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ وما تُضْمِرُونَهُ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ والعَزِيمَةِ عَلى مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِها مِن فُنُونِ الشَّرِّ والفَسادِ والمُرادُ الوَعِيدُ بِأنَّهُ تَعالى مُجازِيهِمْ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِنها نِفاقُهُمْ، وفي الإرْشادِ أنَّ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ بِأنَّ طاعَتَهم طاعَةٌ نِفاقِيَّةٌ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَدارَ شُهْرَةِ أمْرِها فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ إخْبارُهُ تَعالى بِذَلِكَ ووَعِيدٌ لَهم بِالمُجازاةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يطع الله في الفرائض، ويطع الرسول في السنن.

وَيَخْشَ اللَّهَ فيما مضى وَيَتَّقْهِ فيما يستقبل فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ أي الناجون.

وروي عن ابن عباس  عن النبيّ  في قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيوحده، وَرَسُولَهُ فيصدقه بالرسالة، يخشى الله فيما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما بقي من عمره، فَأُولئِكَ هم الفائزون، يعني: الناجين من العذاب آمنين عند سكرات الموت.

قال: فلما نزلت هذه الآية أقبل عثمان إلى النبيّ  وقال: يا رسول الله إن شئت لأخرجن من أرضي ولأدفعنها إليه، وحلف على ذلك، فمدحه الله تعالى بذلك فقال عز وجل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يعني: حلفوا بالله، وإذا حلفوا بالله كان ذلك جهد اليمين.

لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَ من الأموال.

قال الله تعالى للنبي  : قُلْ لا تُقْسِمُوا يعني: لا تحلفوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ يعني: هذه منكم طاعة معروفة وقال القتبي: ومعناه، هذه طاعة معروفة لا طاعة نفاق، فكأن فيه مضمراً، لأن بعض الناس منافقون، فأخبر أن هذه طاعة ليس فيها نفاق.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يعني: في السر والعلانية.

ثم قال عز وجل قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يعني: أطيعوا الله في الفرائض، وأطيعوا الرسول في السنن.

فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أعرضوا عن الطاعة لله والرسول فَإِنَّما عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ يعني: ما أمر بتبليغ الرسالة وليس عليه من وزركم شيء، وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ يعني: ما أمرتم والإثم عليكم إذا تركتم الإجابة وَإِنْ تُطِيعُوهُ يعني: النبيّ  تَهْتَدُوا من الضلالة.

ثم قال: وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وفي الآية مضمر، فكأنه يقول: وإن تعصوه وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ يعني: ليس عليه إلا التبليغ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ الآية آية اعتبار، والدابة: كُلُّ ما دَبَّ من جميع الحيوان، وقوله: مِنْ ماءٍ قال الجمهور: يعني أنَّ خلْقَةَ كُلِّ حيوان فيها ماء كما خُلِقَ آدمُ من الماء والطين، وقال النقاش: أراد منيَّ «١» الذكورِ، والمشي على البطن:

للحَيَّاتِ، والحُوتِ، والدُّودِ، وغيره، وعلى رجلين: للإنسان، والطَّيْرِ إذا مشى، وعلى أربع لسائر الحيوان، وفي مصحف أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي «٢» عَلَى أَكْثَرَ» فعَمَّمَ بهذه الزيادة جميعَ الحيوان.

وقوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ يَعُمُّ كل ما نصب الله تعالى من آية.

وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ يعني المنافقين رُوِيَ أَنَّ رجلاً من المنافقين اسمه بشر دعاه يهوديّ إلى التحاكم عند النّبيّ صلى الله عليه وسلّم وكان المنافق مُبْطِلاً، فَأبى، ودعا اليهودِيَّ إلى كعب بن الأشرف، فنزلت هذه الآية، فيه، والحيف: المَيْلُ.

وقوله سبحانه: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ ...

الآية المعنى: إنَّما كان الواجب أنْ يقوله المؤمنون إذا دُعُوا إلى حكم الله ورسوله- سمعنا وأطعنا.

٤٠ ب وقولُهُ سبحانه: وَمَنْ يُطِعِ/ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ قال الغزاليُّ في «المنهاج» : التقوى في القرآن تُطْلَقُ على ثلاثة أشياء:

أحدها: بمعنى الخشية والهيبة قال الله عز وجل: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: ٤١] .

وقال سبحانه: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] .

والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] .

قال ابن عباس: أطيعوا الله حَقَّ طاعته، وقال مجاهد: هو أنْ يُطَاع فلا يُعْصَى، وأنْ يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأنْ يُشْكَرَ فلا يُكْفَرَ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَ في هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ما نَزَلَ مِن بَيانِ كَراهَتِهِمْ لِحُكْمِ اللَّهِ، قالُوا لِلنَّبِيِّ  : واللَّهِ لَوْ أمَرْتَنا أنْ نَخْرُجَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا ونِسائِنا لَخَرَجْنا، فَكَيْفَ لا نَرْضى حُكْمَكَ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وَقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ  ﴾ ، ﴿ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ ﴾ مِن أمْوالِهِمْ ودِيارِهِمْ، وقِيلَ: لَيَخْرُجُنَّ إلى الجِهادِ ﴿ قُلْ لا تُقْسِمُوا ﴾ هَذا تَمامُ الكَلامِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أمْثَلُ مِن قَسَمِكُمُ الَّذِي لا تُصَدِّقُونَ فِيهِ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُ: الضَّمِيرُ فِيها: لِتَكُنْ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ، أيْ: صَحِيحَةٌ لا نِفاقَ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ هَذا خِطابٌ لَهم، والمَعْنى: فَإنْ تَتَوَلَّوْا، فَحَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ ومَعْنى التَّوَلِّي: الإعْراضُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ﴿ فَإنَّما عَلَيْهِ ﴾ يَعْنِي: الرَّسُولَ ﴿ ما حُمِّلَ ﴾ مِنَ التَّبْلِيغِ ﴿ وَعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ ﴾ مِنَ الطّاعَةِ؛ وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا مَنسُوحٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُطِيعُوهُ ﴾ يَعْنِي: رَسُولَ اللَّهِ  ﴿ تَهْتَدُوا ﴾ ، وكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: مَن أمَّرَ السُّنَّةِ عَلى نَفْسِهِ قَوْلًا وفِعْلًا، نَطَقَ بِالحِكْمَةِ، ومَن أمَّرَ الهَوى عَلى نَفْسِهِ قَوْلًا وفِعْلًا، نَطَقَ بِالبِدْعَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَسُولَ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "قَوْلَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "قَوْلُ" بِالرَفْعِ، واخْتُلِفَ عَنِ الآخِرَيْنِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: شَرْطُ "كانَ" أنْ يَكُونَ اسْمُها أعْرَفُ مَن خَبَرِها، فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ أقْوى، والمَعْنى: إنَّما كانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَهُ المُؤْمِنُونَ إذا دُعُوا إلى حُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ أنْ يَقُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَـ "كانَ" هَذِهِ لَيْسَتْ إخْبارًا عَنِ الماضِي، وإنَّما كَقَوْلِ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةً أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ  ، وجُعِلَ الدُعاءُ إلى اللهِ مِن حَيْثُ هو إلى شَرْعِهِ ودِينِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَحْكُمْ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيُّ، وخالِدُ بْنُ إلْياسَ، والحَسَنُ: "لِيُحْكَمَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"المُفْلِحُونَ": البالِغُونَ آمالَهم في دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ.

و"جَهْدُ اليَمِينِ" بُلُوغُ الغايَةِ في تَعْقِيدِها، و"لَيَخْرُجُنَ" مَعْناهُ: إلى الغَزْوِ، وهَذِهِ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا حِينَ دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ: أحَدُها النَهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ؛ إذْ عُرِفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والثانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ، طاعَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكُمْ، وفي هَذا الوَجْهُ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ، والثالِثُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ، طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم هو المَطْلُوبُ مِنكُمْ، والرابِعُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تُقْنِعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمِ، طاعَةُ اللهِ مَعْرُوفَةٌ، وشَرْعُهُ وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهِيعٌ لائِحٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تُقْسِمُوا ﴾ ، و ﴿ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ اعْتِراضٌ بَلِيغٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللهَ ﴾ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ وكُلِّ مَن يَسْتَعْلِي عن أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، وقَوْلُهُ: "تَوَلَّوْا" مَعْناهُ: تَتَوَلَّوْا، مَحْذُوفُ التاءِ الواحِدَةِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ ﴾ ، ولَوْ جَعَلْنا "تَوَلَّوْا" فِعْلًا ماضِيًا وقَدَّرْنا في الكَلامِ خُرُوجًا مِن خِطابِ الحاضِرِ إلى ذِكْرِ الغائِبِ لاقْتَضى الكَلامُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَعَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا".

والَّذِي حُمِّلَ رَسُولُ اللهِ  هو التَبْلِيغُ ومُكافَحَةُ الناسِ بِالرِسالَةِ وإعْمالُهُ الجَهْدَ في إنْذارِهِمْ، والَّذِي حُمِّلَ الناسُ هو السَمْعُ والطاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -رِوايَةُ ورْشٍ -: "وَيَتَّقِهِي" بِياءٍ بَعْدَ الهاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو الوَجْهُ، وقَرَأ قالُونَ عن نافِعٍ: "وَيَتَّقِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ لا يَبْلُغُ بِها الياءَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "وَيَتَّقِهْ" جَزْمًا لِلْهاءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "وَيَتَّقْهِ" بِسُكُونِ وكَسْرِ الهاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ ويقولون ءامنا بالله وبالرسول ﴾ [النور: 47].

أتبعت حكاية قولهم ذلك بحكاية قسم أقسموه بالله ليتنصلوا من وصمة أن يكون إعراضهم عن الحكومة عند الرسول صلى الله عليه وسلم فجاءوه فأقسموا إنهم لا يضمرون عصيانه فيما يقضي به فإنه لو أمرهم الرسول بأشق شيء وهو الخروج للقتال لأطاعوه.

قال ابن عطية: وهذه في المنافقين الذين تولوا حين دعوا إلى الله ورسوله.

وقال القرطبي: لما بيّن كراهتهم لحكم النبي أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا لخرجنا ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا.

فنزلت هذه الآية.

وكلام القرطبي يقتضي أنهم ذكروا خروجيْن.

وبذلك يكون من الإيجاز في الآية حذف متعلق الخروج ليشمل ما يطلق عليه لفظ الخروج من حقيقة ومجاز بقرينة ما هو معروف من قصة سبب نزول الآية يومئذٍ، فإنه بسبب خصومة في مال فكان معنى الخروج من المال أسبق في القصد.

واقتصر جمهور المفسرين على أن المراد ليخرجُنّ من أموالهم وديارهم.

واقتصر الطبري على أن المراد ليخرجن إلى الجهاد على اختلاف الرأيين في سبب النزول.

والإقسام: النطق بالقسم، أي اليمين.

وضمير ﴿ أقسموا ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ ويقولون ﴾ [النور: 47].

والتعبير بفعل المضي هنا لأن ذلك شيء وقع وانقضى.

والجَهْد بفتح الجيم وسكون الهاء منتهى الطاقة.

ولذلك يطلق على المشقة كما في حديث بدء الوحي " فغَطْني حتى بلغ منِّي الجَهْد " لأن الأمر الشاق لا يعمل إلا بمنتهى الطاقة.

وهو مصدر «جَهَد» كمنع متعدياً إذا أتعب غيره.

ونَصْبُ ﴿ جهد أيمانهم ﴾ يجوز أن يكون على الحال من ضمير ﴿ أقسموا ﴾ على تأويل المصدر باسم الفاعل كقوله ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ [الأعراف: 187]، أي جاهدين.

والتقدير: جاهدين أنفسهم، أي بالغين بها أقصى الطاقة وهذا على طريقة التجريد.

ومعنى ذلك: أنهم كرّروا الأيمان وعدّدوا عباراتها حتى أتعبوا أنفسهم ليوهموا أنهم صادقون في أيمانهم.

وإضافة ﴿ جهد ﴾ إلى ﴿ أيمانهم ﴾ على هذا الوجه إضافة على معنى (من)، أي جهداً ناشئاً عن أيمانهم.

ويجوز أن يكون ﴿ جهد ﴾ منصوباً على المفعول المطلق الواقع بدلاً من فعله.

والتقدير: جَهَدوا أيمانهم جَهداً.

والفعل المقدر في موضع الحال من ضمير ﴿ أقسموا ﴾ .

والتقدير: أقسموا يَجْهَدون أيمانهم جهداً.

وإضافة ﴿ جهد ﴾ إلى ﴿ أيمانهم ﴾ على هذا الوجه من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ جعلت الأيمان كالشخص الذي له جَهد، ففيه استعارة مكنية، ورمز إلى المشبه به بما هو من روادفه وهو أن أحداً يجهده، أي يستخرج منه طاقته فإن كل إعادة لليمين هي كتكليف لليمين بعمل متكرر كالجهد له، فهذا أيضاً استعارة.

وتقدم الكلام على شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ في سورة العقود (53) وقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية} في سورة الأنعام (109).

وجملة: ﴿ لئن أمرتهم ﴾ الخ بيان لجملة: ﴿ أقسموا ﴾ .

وحذف مفعول ﴿ أمرتهم ﴾ لدلالة قوله: ﴿ ليخرجن ﴾ .

والتقدير: لئن أمرتهم بالخُروج ليَخرُجن.

فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذه الكلمات ذات المَعَاني الكثيرة وهي ﴿ لا تقسموا طاعة معروفة ﴾ .

وذلك كلام موجه لأن نهيهم عن أن يقسموا بعد أن صدر القسم يحتمل أن يكون نهياً عن إعادته لأنهم كانوا بصدد إعادته، بمعنى: لا حاجة بكم إلى تأكيد القسم، أي فإن التأكيد بمنزلة المؤكد في كونه كذباً.

ويحتمل أن يكون النهي مستعملاً في معنى عدم المطالبة بالقسم، أي ما كان لكم أن تقسموا إذ لا حاجة إلى القسم لعدم الشك في أمركم.

ويحتمل أن يكون النهي مستعملاً في التسوية مثل ﴿ اصبروا أوْ لاَ تصْبروا سواء عليكم ﴾ [الطور: 16].

ويحتمل أن يكون النهي مستعملاً في حقيقته والمُقسم عليه محذوف، أي لا تقسموا على الخروج من دياركم وأموالكم فإن الله لا يكلفكم بذلك.

ومقام مواجهة نفاقهم يقتضي أن تكون هذه الاحتمالات مقصودة.

وقوله: ﴿ طاعة معروفة ﴾ كلام أُرسِل مثلاً وتحته معان جمة تختلف باختلاف الاحتمالات المتقدمة في قوله: ﴿ لا تقسموا ﴾ .

وتنكير ﴿ طاعة ﴾ لأن المقصود به نوع الطاعة وليست طاعة معينة فهو من باب: تمرة خير من جَرادة، و ﴿ معروفة ﴾ خبره.

فعلى احتمال أن يكون النهي عن القسم مستعملاً في النهي عن تكريره يكون المعنى من قبيل التهكم، أي لا حرمة للقسم فلا تعيدوه فطاعتكم معروفة، أي معروف وهنها وانتفاؤها.

وعلى احتمال استعمال النهي في عدم المطالبة باليمين يكون المعنى: لماذا تقسمون أفَأنا أشك في حالكم فإن طاعتكم معروفة عندي، أي أعرف عدم وقوعها، والكلام تهكم أيضاً.

وعلى احتمال استعمال النهي في التسوية فالمعنى: قسَمُكُم ونفيُه سواء لأن أيمانكم فاجرة وطاعتكم معروفة.

أو يكون ﴿ طاعة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، أي طاعة معروفة أوْلَى من الأيمان، ويَكون وصف ﴿ معروفة ﴾ مشتقاً من المعرفة بمعنى العلم، أي طاعة تُعلم وتُتحقق أوْلى من الأيمان على طاعة غير واقعةٍ، وهو كالعرفان في قولهم: لا أعرفنك تفعل كذا.

وإن كان النهي مستعملاً في حقيقته فالمعنى: لا تقسموا هذا القسمَ، أي على الخروج من دياركم وأموالكم لأن الله لا يكلفكم الطاعة إلا في معروف، فيكون وصف ﴿ معروفة ﴾ مشتقاً من العرفان، أي عدم النكران كقوله تعالى: ﴿ ولا يعصِينَك في معروف ﴾ [الممتحنة: 12].

وجملة: ﴿ إن الله خبير بما تعملون ﴾ صالحة لتذييل الاحتمالات المتقدمة، وهي تعليل لما قبلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: طاعَةٌ صادِقَةٌ خَيْرٌ مِن أيْمانٍ كاذِبَةٍ.

الثّانِي: قَدْ عُرِفَ نِفاقُكم في الطّاعَةِ فَلا تَتَجَمَّلُوا بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الرَّسُولِ.

﴿ فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ ﴾ أيْ عَلَيْهِ ما حُمِّلَ مِن إبْلاغِكم، وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ مِن طاعَتِهِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ عَلَيْهِ ما حُمِّلَ مِن فَرْضِ جِهادِكم، وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ مِن وِزْرِ عِبادِهِ.

﴿ وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ يَعْنِي إلى الحَقِّ.

﴿ وَما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ يَعْنِي بِالقَوْلِ لِمَن أطاعَ وبِالسَّيْفِ لِمَن عَصى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله لو أمرتنا أن نخرج من أموالنا لخرجنا فأنزل الله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن ﴾ قال: ذلك من شأن الجهاد ﴿ قل لا تقسموا ﴾ قال: يأمرهم أن لا يحلفوا على شيء ﴿ طاعة معروفة ﴾ قال: أمرهم أن يكون منهم طاعة للنبي صلى الله عليه وسلم، من غير أن يقسموا.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ طاعة معروفة ﴾ يقول قد عرفت طاعتكم أي أنكم تكذبون به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين (١) (٢) ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ ﴾ يا محمد ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ إلى الجهاد ومن أموالهم وديارهم (٣) ﴿ قُلْ لَا تُقْسِمُوا ﴾ قال ابن عباس: قل: لا تحلفوا فإنَّ الله لو بلغ منكم (٤) (٥) (٦) (٧) وتمّ الكلام.

ثم قال: ﴿ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ قال مقاتل بن حيان: أمرهم أن لا يحلفوا على شيء، ولكن أمرهم أن تكون منهم طاعة معروفة للنبي -  - من غير أن يقسموا (٨) وقال مقاتل بن سليمان: ﴿ قُلْ ﴾ لهم ﴿ لَا تُقْسِمُوا ﴾ ولكن لتكن (٩) ﴿ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ يعني حسنة [النبي -  - (١٠) وهذا معنى قول الكلبي، يقول: أطيعوه وقوله المعروف من الكلام.

وفسَّر ابن عباس الطاعة المعروفة] (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: تأويله: طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه.

فالخبر مُضمر وهو: "أمثل"، وحذف لأن في الكلام دليلًا (١٣) (١٤) وقال مجاهد: أي هذه طاعة معروفة منكم بالقول دون الاعتقاد.

أي أنَّكم تكذبون فيما تقولون: لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا خرجنا (١٥) وذكر أبو عبيدة هذا الوجه فقال: أي هذه طاعة معروفة (١٦) وعلى هذا معنى المعروفة أنها عرفت منهم، فهم يقولون ولا يفون بما يقولون.

وقيل: طاعة معروفة منكم بالكذب (١٧) (١٨) وقد حصل في ارتفاع الطاعة ثلاثة أقوال (١٩) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل (٢٠) وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بأعمالكم وسرائركم.

قال مقاتل: ثم أمرهم الله بطاعته وطاعة رسوله فقال: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ (٢١) ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ قال الفراء: واجه القوم، ومعناه: فإن تتولَّوا، فهي في موضع جزم، ولو كانت لقوم غير مخاطبين كان فعلاً ماضيًا بمنزلة قولك: فإن قاموا، كما قال ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ  ﴾ هؤلاء غير مخاطبين، والجزاء يصلح فيه فَعَل ويفعل كهذه (٢٢) ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ  ﴾ فهذا يدل على فعلوا.

انتهى كلامه (٢٣) وقد بان بما ذكر أن قوله ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ (٢٤) ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ ، ولو كان قوله: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ من خطاب الرسول معهم لقال: فإنما علي ما حمل.

قال ابن عباس: الذي حمِّل النبي -  - أن يبلغهم، وحملوا أن يطيعوه (٢٥) وقال مقاتل (٢٦) (٢٧) ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ تصيبوا الحق (٢٨) ﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ ليس عليه إلاَّ أن يبلغ ويبين لكم.

(١) "تفسير مقاتل" 2/ 40 ب.

(٢) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ  ﴾ ، و"البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ  ﴾ .

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 40 ب.

(٤) (منكم): ساقطة من (ع).

(٥) في (أ): (لم تبلغوا نعمتي لو كفلكم)، وهي عبارة لا معنى لها.

(٦) في (ع): (بتمنيكم)، وهو خطأ.

(٧) لم أجده.

(٨) رواه ابن أبي حاتم 7/ 59 أ، ب وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 214 ونسبه لابن أبي حاتم.

(٩) في "تفسير مقاتل": ولكن هذه منكم.

(١٠) "تفسير مقاتل" 2/ 40 ب.

(١١) ساقط من (أ).

(١٢) ذكر البغوي 6/ 57، والقرطبي 12/ 296 نحو هذا المعنى ولم ينسباه لأحد.

(١٣) في (أ): (دلالة).

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 51.

(١٥) ذكر الثعلبي 3/ 88 أهذا القول وقال: وهذا معنى قول مجاهد.

اهـ.

وقد رواه بنحوه مختصر الطبري 18/ 157.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 214 بمثل رواية الطبري ونسبه لابن المنذر.

(١٦) هذا معنى ما قاله أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 69، ونصُّه: (طاعة معروفة) مرفوعتان ..

، فرفعتا على ضمير يُرفع به، أو ابتداءً.

(١٧) (بالكذب): ساقطة من (ع).

(١٨) هذا قول الطبري 18/ 157، والثعلبي 3/ 88 ب.

(١٩) هذه الأقوال هي حسب ذكر الواحدي لها: الأول: أن تكون فاعلةً بفعل محذوف، أي: ولتكن طاعةٌ.

الثاني: أنها مبتدأ والخبر محذوف، أي: أمثل أو أولى.

الثالث: أنها خبر مبتدأ مضمر تقديره: هذه طاعة، أو المطلوب طاعة.

وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 144، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 514 - 515، "البيان في غريب إعراب القرآن" للأنباري 2/ 198، "الإملاء" للعكبري 2/ 158 - 159، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 432.

(٢٠) انظر: "الطبري" 18/ 157، الثعلبي 3/ 88 أ.

(٢١) "تفسير مقاتل" 2/ 40 ب.

(٢٢) في (ظ): (هذه)، وفي (ع): (بهذه).

(٢٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 258 مع تقديم وتأخير وتصرف في بعض العبارات.

(٢٤) (تولوا) ساقط من (ظ).

(٢٥) ذكره القرطبي 12/ 296 عن ابن عباس وغيره.

(٢٦) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 40 ب.

(٢٧) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 59 ب عن السدي.

وذكره السيوطيِ في "الدر المنثور" 6/ 214 ونسبه لابن أبي حاتم.

(٢٨) "الطبرى" 18/ 158.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَقْسَمُواْ ﴾ أي حلفوا، والضمير للمنافقين ﴿ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ أي بالغوا في اليمين وأكدوها ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ يعني إلى الغزو ﴿ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ ﴾ نهى عن اليمين الكاذبة لأنه قد عرف أنهم يحلفون على الباطل ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ مبتدأ وخيره محذوف أي طاعة معروفة أمثل وأولى بكم، أو خبر مبتدأ محذوف أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا يشك فيها ﴿ عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ ﴾ يعني تبليغ الراسلة ﴿ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ يعني السمع والطاعة واتباع الشريعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويتقه ﴾ بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد.

وأبو عمرو طريق الهاشمي.

بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف.

الباقون ﴿ ويتقهى ﴾ بالإشباع ﴿ فإن تولوا ﴾ بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ كما استخلف ﴾ مجهولاً: أبو بكر وعمار ﴿ وليبدلنهم ﴾ خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة: ابن عامر وحمزة ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الآخرون بالرفع ﴿ لبعض شأنهم ﴾ بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام.

﴿ يرجعون ﴾ مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب.

الوقوف: ﴿ وأطعنا ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ ليخرجن ﴾ ط ﴿ لا تقسموا ﴾ ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول ﴿ معروفة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ ما حملتم ﴾ ط ﴿ تهتدوا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ص ﴿ أمنا ﴾ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مرات ﴾ ط أي متى كذا وكذا ﴿ العشاء ﴾ قف عند من قرأ ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالرفع أي هو ثلاث ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بعدهن ﴾ ط أي هو طوافون ﴿ على بعض ﴾ ص ﴿ الآيات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ بزينة ﴾ ط ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ صديقكم ﴾ ط ﴿ أشتاتاً ﴾ ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم ﴿ طيبة ﴾ ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يستأذنوه ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ لهم الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بعضاً ﴾ ط ﴿ لو إذا ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ بما عملوا ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق.

وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى.

قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف ﴿ أن يقولوا ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.

قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و ﴿ أن يقولوا ﴾ يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا  ﴾ فلا سبيل إلى تنكيره.

ومعنى ﴿ كان ﴾ صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة.

عن ابن عباس ﴿ ومن يطع الله ﴾ في فرائضه ﴿ ورسوله ﴾ في سننه ﴿ ويخش الله ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ ويتقه ﴾ فيما يستقبل من عمره ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله  للعمل بها.

ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة.

قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه.

وقوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل.

ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب.

ومعنى ﴿ فإن تولوا ﴾ فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين.

وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة.

وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.

وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ﴿ ليستخلفنهم ﴾ أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة.

﴿ وليمكنن ﴾ لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام.

وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله  فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومحل ﴿ يعبدونني ﴾ نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟

فقال: ﴿ يعبدونني ﴾ وعلى الوجهين فقوله ﴿ لا يشركون ﴾ بدل من ﴿ يعبدونني ﴾ أو بيان لها.

وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله  والإخلاص له.

﴿ ومن كفر ﴾ بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في الفسق.

قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله ﴿ منكم ﴾ للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية.

واعترض بأن قوله ﴿ منكم ﴾ لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي  ؟

والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟

وقيل: إن في قوله ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله  "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً" ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ معطوف على ﴿ أطيعوا ﴾ وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد.

من قرأ ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة فمفعولاه ﴿ معجزين في الأرض ﴾ أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ﴿ ومأواهم ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار.

وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال ﴿ ليستأذنكم ﴾ قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال.

وظاهر قوله ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده.

وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه.

ثم إنه هل يشكل الإماء؟

فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها.

عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين.

ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب.

ومنهم من قال للوجوب.

ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله ﴿ لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين.

قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله ﴿ غير بيوتكم ﴾ لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله ﴿ منكم ﴾ أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة.

إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.

ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمن قرأ ﴿ ثلاث ﴾ بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ﴿ ثلاث مرات ﴾ ظرف ويجوز أن يكون ﴿ ثلاث مرات ﴾ مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ﴿ ثلاث عورات ﴾ تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً.

وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع.

قال جار الله: إذا رفعت ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.

ثم بين وجع العذر بقوله ﴿ طوّافون عليكم ﴾ وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه.

وارتفع ﴿ بعضكم ﴾ بالإبتداء وخبره ﴿ على بعض ﴾ أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون.

وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن.

يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله  وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن.

ثم انطلق معه إلى النبي  فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.

ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,.

ومعنى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ﴾ الآية.

ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟

اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي  يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه.

وعن بعض السلف ويروى عن علي  أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** فسما وأدرك خمسة الأشبار وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء.

وإنما ختم هذه الآية بقوله ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ وقبلها وبعدها ﴿ لكم الآيات ﴾ لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة ﴿ من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ إلى آخرها ومثلهما في قوله ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين  ويبين الله لكم الآيات  ﴾ يعني حد الزانيين وحد القاذف.

وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد  بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه.

﴿ والله عليم ﴾ بمصالح العباد ﴿ حكيم ﴾ في أوامره ونواهية.

ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و ﴿ القواعد ﴾ وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار.

وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ أن يضعن جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله  بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه.

وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها".

والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء.

واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال.

وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.

وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح.

ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة.

ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.

قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.

وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.

قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا.

والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم.

وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟

قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك.

فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.

قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة.

وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج.

ثم إنه  عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله ﴿ من بيوتكم ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟

والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء.

وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه.

وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة.

وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه.

الحادي عشر قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو.

وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة.

وعن جعفر الصادق بن محمد  : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.

قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.

احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه  أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه.

فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه.

واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان.

فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل.

وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله  "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه  ﴾ وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة.

وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله  ﴾ وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق.

وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.

وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا ﴾ وانتصب قوله ﴿ جميعاً أو اشتاتاً ﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.

والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به.

ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل.

وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم.

وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب.

وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج.

ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي من البيوت المذكورة لتأكلوا ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب ﴿ تحية ﴾ بـ ﴿ سلموا ﴾ نحو "قعدت جلوساً" ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده.

ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب.

"عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي  أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟

قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.

قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين" .

قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله  ﴿ وإنما المؤمنون ﴾ الآية.

والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله  بغير إذنه ﴿ إذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ وهو الذي يجمع له الناس.

فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً.

قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها.

وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.

وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول  ويشعب عليه رأيه.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان.

وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً.

قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.

ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.

وفي قوله ﴿ لبعض شأنهم ﴾ دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن.

وفي قوله ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ دلالة على أنه  فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه.

وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله ﴿ لم أذنت لهم  ﴾ وفي قوله ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله  في الاستئذان.

ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول ﴾ اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين.

هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض.

وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.

والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا.

وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض.

وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه.

قال مقاتل: هذا في الخطبة.

وقال مجاهد: في صف القتال.

وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.

ومعنى ﴿ قد يعلم ﴾ يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك  ﴾ يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار.

وعن جعفر بن محمد  : الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر.

وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا.

واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر.

ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا.

ثم بين كما قدرته وعمله بقوله ﴿ ألا أن لله ﴾ الخ.

تأكيد الوجوب الحذر.

قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ﴿ ما أنتم عليه ويوم يرجعون ﴾ كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق.

وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين.

والفاء في قوله ﴿ فينبئهم ﴾ لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك ﴿ وربك فكبر  ﴾ .

التأويل: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ﴿ ويخشى ﴾ الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال ﴿ لئن أمرتهم بالخروج ﴾ عن غير الله ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالفعل دون القول ﴿ ليستخلفنهم ﴾ ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل.

﴿ وليمكنن ﴾ كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي  وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الشرك الخفي ﴿ أمنا يعبدونني ﴾ بالإخلاص ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ من مطالب الدنيا والآخرة ﴿ ليستأذنكم ﴾ المريدون الذين هم تحت تصرفكم ﴿ والذين لم يبلغوا ﴾ أوان الشيخوخة ﴿ ثلاث مرات ﴾ في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان.

﴿ والقواعد ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث.

فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

وفي قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس  ﴾ وفي قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب.

قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى.

﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي بلغتم منزلاً من المنازل ﴿ فسلموا ﴾ أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ﴿ أن تصيبهم فتنة ﴾ من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ...

﴾ الآية؛ قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعض أهل التأويل - ابن عباس وغيره -: إنه وقعت بين علي بن أبي طالب وبين عثمان -  - خصومة في أرض اشتراها عثمان من علي، فاختصما إلى رسول الله  في تلك، فقضى لعلي على عثمان، وألزمه الأرض، فقال قوم لعثمان: إنه ابن عمه وأكرم عليه فقضى عليك له، أو نحو هذا من الكلام، فنزل في قوم عثمان ذلك ...

إلى آخر ما ذكر.

لكن هذا بعيد؛ إذ لا يحتمل أن يكون عثمان أو قومه يخطر ببالهم في رسول الله ما ذكر.

وقال بعضهم: نزل هذا في بشر المنافق، وذلك أن رجلا من اليهود كان بينه وبين بشر خصومة، وأن اليهودي دعا بشراً إلى رسول الله، ودعاه بشر إلى كعب بن الأشرف، فقال: إن محمداً يحيف علينا، أو نحوه من الكلام؛ فنزل هذا؛ لكنا لا نعلم أنه فيمن نزل سوى أن فيه بياناً أنها إنما نزلت في المنافقين.

وفي ظاهر الآية دلالة أنهم علموا أن رسول الله لا يقضي إلا بالحق؛ ألا ترى أنه ذكر في آخره: ﴿ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ مسرعين مطيعين، ولو كان عندهم أنه يقضي بالجور لكانوا لا يأتونه للقضاء، وإن كان الحق لهم مخافة الجور والظلم عليهم، لكن ما ذكر في سياق هذا يمنع هذا التأويل.

وقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ في هذا من الدلالة أن عندهم أنه لا يقضي بالحق لهم، وأنه يجور؛ حيث قال: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ إن كان على هذا الوصف فهو يخاف جوره وحيفه، إلا أن تجعل الآية في فرق من المنافقين: فرقة منهم عرفوا أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم كان في قلوبهم مرض، وفرقة ارتابوا، وفرقة خافوا جوره، وهم كانوا فرقاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ  ﴾ ومنهم من قال: كذا، ومنهم من قال: كذا.

أو أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ أي: وإن يكن لهم القضاء بالحق أتوه مذعنين؛ أي: إذا عرفوا أنه يقضي لهم لا محالة أتوه، وإلا لا يأتونه، فإن كان على هذا، فما ذكر على سياقه من المرض والارتياب والخوف في الحيف فمستقيم.

على هذين الوجهين يحتمل أن يخرج تأويل الآية، وأما على غير ذلك فإنا لا نعلم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ لأن من ارتاب، أو شك في رسالته، أو خاف جوره وحيفه فهو كافر، ليس بمؤمن.

وفي قوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ ﴾ يخرج على وجهين وإن كان ظاهره حرف شك: أحدهما: على الإيجاب والتحقيق، أي: في قلوبهم مرض وارتابوا وخافوا على ما ذكرنا في حرف الاستفهام أنه في الظاهر، وإن كان استفهاماً فهو في التحقيق علم وإيجاب؛ أي: قد علمت ورأيت ونحوه؛ لما لا يجوز الاستفهام منه، فعلى ذلك هذا.

والثاني: ما ذكرنا أنه في فرق: فرقة عرفت أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم ارتابت، وفرقة منهم خافت جوره وظلمه.

قال القتبي: قوله: ﴿ مُذْعِنِينَ ﴾ أي: خاضعين.

وقال أبو عوسجة: مسرعين، مطيعين؛ يقال: ناقة مذعان: أي سريعة، ونوق مذاعين، والحيف: الجور، حاف يحيف حيفاً فهو حائف.

وقوله: ﴿ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ يحتمل إضافة الدعاء إلى الله وجهين: أحدهما: دعوا إلى كتاب الله وإلى رسوله: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً  ﴾ .

والثاني: إضافته إلى الله هي إضافة إلى رسوله، كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ  ﴾ جعل طاعة الرسول طاعة لله؛ فعلى ذلك جائز أن يراد بإضافة الدعاء إلى الله دعاء إلى رسول الله، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ لا يحتمل أن يكونوا يخافون حيف الله وجوره، لكن إنما يخافون جور رسوله أو كتابه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قد ذكرنا إضافة الدعاء إلى الله في قصّة المنافقين ونعتهم، فعلى ذلك في نعت المؤمنين.

وقوله: ﴿ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ يحتمل قوله: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ أي: سمعنا الدعاء وأطعنا الأمر.

ويحتمل: سمعنا: أجبنا وأطعنا الأمر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ ليس على حقيقة القول منهم والنطق به، ولكن إخبار من الله -  - عما هم عليه واعتقدوا به؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل اعتقاده طاعة الله وطاعة رسوله، فيكون كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً  ﴾ هذا أخبار عما أطعموهم، ليس أنهم قالوا باللسان: إنما نطعمكم لكذا، ولكن إخبار عما في قلوبهم، فعلى ذلك الأوّل.

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ المفلح هو الذي يظفر بحاجته دنيوية وأخروية؛ يقال: فلان أفلح: أي: ظفر بحاجته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَيَخْشَ ٱللَّهَ ﴾ أي: يخشى الله على ما مضى من ذنوبه ويتقيه فيما بقي من عمره.

أو يخشى الله على ما يكون منه من التقصير والتفريط ويتقي ذلك وكل معصية الله ومخالفته ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون ﴾ وفي حرف ابن مسعود وأبيّ وحفصة (فأولئك هم المؤمنون) فهما واحد.

وقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ قال بعضهم: كل يمين بالله فهي جهد اليمين؛ لأنهم من عاداتهم أنهم كانوا لا يحلفون بالله إلا في العظيم من الأمر والخطير، فأمّا الأمر الدون فإنما يحلفون بغيره، فيكون على هذا كل يمين بالله فهو جهد اليمين.

ويحتمل أن يكونوا حلفوا بيمين غليظة شديدة على ما يغلظ الناس في أيمانهم ربّما، فسمي ذلك جهد اليمين.

أو أن يكون جهد اليمين ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ هو جهد أيمانهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ ﴾ يحتمل وجوهاً: لئن أمرتهم ليخرجن من أرضهم التي تخاصموا إليه فيها؛ أي: ليخرجن ويسلمونها إلى خصمهم.

ويحتمل: لئن أمرتهم ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ من جميع أملاكهم وما تحويه أيديهم، تعظيماً لأمرك وإجلالا، فكيف لا يتبعون لقضائك وينقادون لحكمك.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ من المدينة بعيالاتهم وجميع حواشيهم إلى بلدة أخرى.

وقال بعضهم: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ أي: أمرتهم أن يخرجوا في الجهاد ليخرجن؛ لأنهم كانوا يتخلّفون.

ثم أمر رسوله أن ينهاهم عن القسم الذي أقسموا فقال: ﴿ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: لا تقسموا؛ فإن الله لو بلغ منكم الجهد لهم تبلغوه، ثم قال: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ يقول: أطيعوه وقولوا له المعروف.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ ﴾ تم الكلام، ثم قال: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ .

وفي هذا الكلام حذف؛ للإيجاز يستدل بظاهره عليه؛ كأن القوم كانوا ينافقون ويحلفون في الظاهر على ما يضمرون خلافه، فقيل لهم: لا تقسموا هي طاعة معروفة صحيحة لا نفاق فيها، لا طاعة فيها نفاق.

وقال بعضهم: لا تحلفوا، ولتكن هذه منكم للنبيّ طاعة معروفة حسنة.

وقال بعضهم: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ يقول: طاعة يعرف أنها طاعة بالقول والعمل، لا تكونوا كاذبين فيها بالقول دون العمل، وبعضه قريب من بعض: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ فلا تقسموا.

وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنهم كانوا يسرون ويضمرون فيما بينهم التولي والإعراض عن حكمه، ثم أخبرهم بذلك؛ فعلموا أنه بالله عرف ذلك.

وقوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ أي: فإن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ قال: فإنما على النبي ما أمر بتبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم وأمرتم من الطاعة لله ورسوله.

ويحتمل: فأنما عليه أداء ما حمل من الفرائض، وعليكم أداء ما حملتم وأمرتم من الفرائض.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ ﴾ أي: لا يسأل هو، ولا يؤاخذ بما عليكم، ولا تسألون أنتم ولا تؤاخذون - أيضاً - بما عليه؛ إنما يسأل كل عما عليه؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ ﴾ لا شك أنهم إن أطاعوه اهتدوا ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وحلف المنافقون بالله أقصى أيمانهم المغلظة التي يستطيعون الحلف بها: لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجُن، قل لهم -أيها الرسول-: لا تحلفوا، فكذبكم معروف وطاعتكم المزعومة معروفة، والله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم مهما أخفيتموها.

من فوائد الآيات تنوّع المخلوقات دليل على قدرة الله.

من صفات المنافقين الإعراض عن حكم الله إلا إن كان الحكم في صالحهم، ومن صفاتهم مرض القلب والشك، وسوء الظن بالله.

طاعة الله ورسوله والخوف من الله من أسباب الفوز في الدارين.

الحلف على الكذب سلوك معروف عند المنافقين.

<div class="verse-tafsir" id="91.LDo76"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل