الآية ٣ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٣ من سورة النمل

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 46 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٣ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه ، وعمل بما فيه ، وأقام الصلاة المكتوبة ، وآتى الزكاة المفروضة ، وآمن بالدار الآخرة والبعث بعد الموت ، والجزاء على الأعمال ، خيرها وشرها ، والجنة والنار ، كما قال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) [ فصلت : 44 ] .

وقال : ( لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا )[ مريم : 97 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) يقول: هو هدى وبشرى لمن آمن بها, وأقام الصلاة المفروضة بحدودها.

وقوله : (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) يقول: ويؤدّون الزكاة المفروضة.

وقيل: معناه: ويطهرون أجسادهم من دنس المعاصي.

وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.(وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ )يقول: وهم مع إقامتهم الصلاة, وإيتائهم الزكاة الواجبة, بالمعاد إلى الله بعد الممات يوقنون, فيذلون في طاعة الله, رجاء جزيل ثوابه, وخوف عظيم عقابه, وليسوا كالذين يكذّبون بالبعث, ولا يبالون, أحسنوا أم أساءوا, وأطاعوا أم عصوا, لأنهم إن أحسنوا لم يرجوا ثوابا, وإن أساءوا لم يخافوا عقابا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم وصفهم فقال :الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون وقد مضى في أول ( البقرة ) بيان هذا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ربما قيل: لعله يكثر مدعو الإيمان فهل يقبل من كل أحد ادعى أنه مؤمن ذلك؟

أم لا بد لذلك من دليل؟

وهو الحق فلذلك بين تعالى صفة المؤمنين فقال: ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) فرضها ونفلها فيأتون بأفعالها الظاهرة، من أركانها وشروطها وواجباتها بل ومستحباتها، وأفعالها الباطنة وهو الخشوع الذي روحها ولبها باستحضار قرب الله وتدبر ما يقول المصلي ويفعله.

( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) المفروضة لمستحقيها.

( وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) أي: قد بلغ معهم الإيمان إلى أن وصل إلى درجة اليقين وهو العلم التام الواصل إلى القلب الداعي إلى العمل.

ويقينهم بالآخرة يقتضي كمال سعيهم لها، وحذرهم من أسباب العذاب وموجبات العقاب وهذا أصل كل خير.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذي يقيمون الصلاة» يأتون بها على وجهها «ويؤتون» يعطون «الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون» يعلمونها بالاستدلال وأعيد «هم» لما فصل بينه وبين الخبر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهي آيات ترشد إلى طريق الفوز في الدنيا والآخرة، وتبشر بحسن الثواب للمؤمنين الذين صَدَّقوا بها، واهتدَوْا بهديها، الذين يقيمون الصلوات الخمس كاملة الأركان، مستوفية الشروط، ويؤدون الزكاة المفروضة لمستحقيها، وهم يوقنون بالحياة الآخرة، وما فيها مِن ثواب وعقاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصف - سبحانه - هؤلاء المؤمنين بثلاث صفات جامعة بين خيرى الدنيا والآخرة فقال : ( الذين يُقِيمُونَ الصلاة ) أى : يؤدونهما فى أوقاتها المقدرة لها ، مستوفية لواجباتها وسننها وآدابها وخشوعها .( وَيُؤْتُونَ الزكاة ) التى كلفهم الله - تعالى - بإيتائها ، بإخلاص وطيب نفس .( وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ ) والآخرة تأنيث الآخر .

والمراد بها الدار الآخرة ، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا التى هى الدار الأولى .وقوله : ( يُوقِنُونَ ) من الإيقان .

وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، بحيث لا يطرأ عليه شك ، أو تحون حوله شبهة .

يقال : يقن الماء ، إذا سكن وظهر ما تحته .ويقال : يَقِنْت من هذا الشىء يقَناً ، وأيقنت ، وتيقنت ، واستيقنت ، اعتقدت اعتقاداً جازماً من وجوده أو صحته .أى : وهم بالدار الآخرة وما فيها من حساب وعقاب ، يوقنون إيقاناً قطعيًّا ، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة ، والأوهام الباطلة .قال الجمل : ولما كان إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، مما يتكرر ويتجدد فى أوقاتهما ، أتى بهما فعلين ، ولما كان الإيقان بالآخرة أمراً ثابتاً مطلوباً دوامه ، أتى به جملة اسمية .وجعل خبرها مضارعاً ، للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ وإبانته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن، فالملائكة الناظرون فيه يبينون الكائنات، وإنما نكر الكتاب المبين ليصير مبهماً بالتنكير فيكون أفخم له كقوله: ﴿ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ  ﴾ وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ وكتاب مُّبِينٌ ﴾ بالرفع على تقدير وآيات كتاب مبين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين قوله: ﴿ الرَ تِلْكَ ءايات الكتاب وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ  ﴾ ؟

قلت: لا فرق لأن واو العطف لا تقتضي الترتيب.

أما قوله: ﴿ هُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فهو في محل النصب أو الرفع فالنصب على الحال أي هادية ومبشرة، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة، والرفع على ثلاثة أوجه على معنى هي هدى وبشرى، وعلى البدل من الآيات، وعلى أن يكون خبراً بعد خبر، أي جمعت آياتها آيات الكتاب وأنها هدى وبشرى، واختلفوا في وجه تخصيص الهدى بالمؤمنين على وجهين: الأول: المراد أنه يهديهم إلى الجنة وبشرى لهم كقوله تعالى: ﴿ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صراطا مُّسْتَقِيماً  ﴾ فلهذا اختص به المؤمنون الثاني: المراد بالهدى الدلالة ثم ذكروا في تخصيصه بالمؤمنين وجوهاً: أحدها: أنه إنما خصه بالمؤمنين لأنه ذكر مع الهدى البشرى، والبشرى إنما تكون للمؤمنين.

وثانيها: أن وجه الاختصاص أنهم تمسكوا به فخصهم بالذكر كقوله: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها  ﴾ .

وثالثها: المراد من كونها ﴿ هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أنها زائدة في هداهم، قال تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى  ﴾ .

أما قوله: ﴿ الذين يُقِيمُونَ الصلاة ﴾ فالأقرب أنها الصلوات الخمس لأن التعريف بالألف واللام يقتضي ذلك، وإقامة الصلاة أن يؤتى بها بشرائطها، وكذا القول في الزكاة فإنها هي الواجبة، وإقامتها وضعها في حقها.

أما قوله: ﴿ وَهُم بالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ ففيه سؤال وهو: أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لابد وأن يكونوا متيقنين بالآخرة، فما الوجه من ذكره مرة أخرى؟

جوابه من وجهين: الأول: أن يكون من جملة صلة الموصول، ثم فيه وجهان: الأول: أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، والخبر لأجل العمل به، وأما عرفان الحق فأقسام كثيرة لكن الذي يستفاد منه طريق النجاة معرفة المبدأ، ومعرفة المعاد، وأما الخير الذي يعمل به فأقسام كثيرة وأشرفها قسمان: الطاعة بالنفس والطاعة بالمال فقوله: ﴿ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ إشارة إلى معرفة المبدأ، وقوله: ﴿ يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة ﴾ إشارة إلى الطاعة بالنفس والمال، وقوله: ﴿ وَهُم بالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ إشارة إلى علم المعاد فكأنه سبحانه وتعالى جعل معرفة المبدأ طرفاً أولاً، ومعرفة المعاد طرفاً أخيراً وجعل الطاعة بالنفس والمال متوسطاً بينهما الثاني: أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، منهم من هو جازم بالحشر والنشر، ومنهم من يكون شاكاً فيه إلا أنه يأتي بهذه الطاعات للاحتياط، فيقول إن كنت مصيباً فيها فقد فزت بالسعادة، وإن كنت مخطئاً فيها لم يفتني إلا خيرات قليلة في هذه المدة اليسيرة، فمن يأتي بالصلاة والزكاة على هذا الوجه لم يكن في الحقيقة مهتدياً بالقرآن، أما من كان حازماً بالآخرة كان مهتدياً به، فلهذا السبب ذكر هذا القيد الثاني: أن يجعل قوله: ﴿ وَهُم بالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ جملة اعتراضية كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة، وهذا هو الأقرب ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو ﴿ هُمْ ﴾ حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ طس ﴾ قرئ: بالتفخيم والإمالة، و ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين: إما اللوح، وإبانته: أنه قد خط فيه كل ما هو كائن فهو يبينه للناظرين فيه إبانة.

وإما الصورة.

وإما القرآن، وإبانتهما: أنهما يبينان ما أودعاه من العلوم والحكم والشرائع، وأنّ إعجازهما ظاهر مكشوف، وإضافة الآيات إلى القرآن والكتاب المبين: على سبيل التفخيم لها والتعظيم، لأنّ المضاف إلى العظيم يعظم بالإضافة إليه.

فإن قلت: لم نكر الكتاب المبين؟

قلت: ليبهم بالتنكير فيكون أفخم له، كقوله تعالى: ﴿ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ ﴾ [القمر: 55] .

فإن قلت: ما وجه عطفه على القرآن إذا أريد به القرآن؟

قلت: كما تعطف إحدى الصفتين على الأخرى في نحو قولك: هذا فعل السخي والجواد الكريم، لأنّ القرآن هو المنزل المبارك المصدّق لما بين يديه، فكان حكمه حكم الصفات المستقلة بالمدح، فكأنه قيل: تلك الآيات آيات المنزل المبارك آي كتاب مبين.

وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ وكتابٌ مبينٌ ﴾ بالرفع على تقدير: وآيات كتاب مبين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين قوله: ﴿ الرَ تِلْكَ ءايات الكتاب وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ ﴾ [الحجر: 1] ؟

قلت: لا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقدّم والتأخر، وذلك على ضربين: ضرب جار مجرى التثنية لا يترجح فيه جانب على جانب، وضرب فيه ترجح، فالأول نحو قوله تعالى: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ [البقرة: 58] ، [الأعراف: 161] ، ﴿ وادخلوا الباب سُجَّدًا ﴾ [البقرة: 58] ، [الأعراف: 161] ومنه ما نحن بصدده.

والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم ﴾ [آل عمران: 18] ، ﴿ هُدًى وبشرى ﴾ في محل النصب أو الرفع، فالنصب على الحال، أي: هادية ومبشرة؛ والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة، والرفع على ثلاثة أوجه، على: هي هدى وبشرى، وعلى البدل من الآيات، وعلى أن يكون خبراً بعد خبر، أي: جمعت أنها آيات، وأنها هدى وبشرى.

والمعنى في كونها هدى للمؤمنين: أنها زائدة في هداهم.

قال الله تعالى: ﴿ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ﴾ [التوبة: 124] فإن قلت: ﴿ وَهُم بالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ كيف يتصل بما قبله؟

قلت: يحتمل أن يكون من جملة صلة الموصول، ويحتمل أن تتم الصلة عنده ويكون جملة اعتراضية، كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: هم الموقنون بالآخرة، وهو الوجه.

ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرّر فيها المبتدأ الذي هو ﴿ وَهُمْ ﴾ حتى صار معناها: وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأنّ خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

( 27 سُورَةُ النَّمْلِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثٌ أوْ أرْبَعٌ أوْ خَمْسٌ وتِسْعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ ﴾ الإشارَةُ إلى آيِ السُّورَةِ، والكِتابُ المُبِينُ إمّا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وإبانَتُهُ أنَّهُ خَطَّ فِيهِ ما هو كائِنٌ فَهو يُبَيِّنُهُ لِلنّاظِرِينَ فِيهِ، وتَأْخِيرُهُ بِاعْتِبارِهِ تَعَلَّقَ عِلْمُنا بِهِ وتَقْدِيمُهُ في الحِجْرِ بِاعْتِبارِ الوُجُودِ، أوِ القُرْآنُ وإبانَتُهُ لِما أوْدَعَ فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ، أوْ لِصِحَّتِهِ بِإعْجازِهِ وعَطْفِهِ عَلى القُرْآنِ كَعَطْفِ إحْدى الصِّفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ.

وقُرِئَ و ( كِتابٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ.

﴿ هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ حالانِ مِنَ الـ ( آياتُ ) والعامِلُ فِيهِما مَعْنى الإشارَةِ، أوْ بَدَلانِ مِنها أوْ خَبَرانِ آخَرانِ أوْ خَبَرانِ لِمَحْذُوفٍ.

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ.

﴿ وَهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ مِن تَتِمَّةِ الصِّلَةِ والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ يَقِينِهِمْ وثَباتِهِ وأنَّهُمُ الأوْحَدُونَ فِيهِ، أوْ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ويَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ هُمُ المُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ، فَإنَّ تَحَمُّلَ المَشاقِّ إنَّما يَكُونُ لِخَوْفِ العاقِبَةِ والوُثُوقِ عَلى المُحاسَبَةِ وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلِاخْتِصاصِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)

{الذين يُقِيمُونَ الصلاة} يديمون على فرائضها وسننها {ويؤتون الزكاة} يؤدون زكاة أموالهم {وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ} من جملة صلة الموصول ويحتمل أن تتم الصلة عنده وهو استئناف كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإتياء الزكاة هم الموقنون بالآخرة ويدل عليه أنه عقد جملة اسمية وكرر فيها المبتدأ الذي هو هم حتى صار معناه وما يوقن بالآخرة حتى الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وكُنِّيَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ عَنْ عَمَلِ الصّالِحاتِ مُطْلَقًا، وخُصًّا؛ لِأنَّهُما - عَلى ما قِيلَ - إمّا العِبادَةُ البَدَنِيَّةُ والمالِيَّةُ، والظّاهِرُ أنَّهُ حُمِلَ الزَّكاةُ عَلى الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: كانَ في مَكَّةَ زَكاةٌ مَفْرُوضَةٌ إلّا أنَّها لَمْ تَكُنْ كالزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ بِالمَدِينَةِ، فَلْتُحْمَلْ في الآيَةِ عَلَيْها، وقِيلَ: الزَّكاةُ هُنا بِمَعْنى الطَّهارَةِ مِنَ النَّقائِصِ ومُلازَمَةِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وهو خِلافُ المَشْهُورِ في الزَّكاةِ المَقْرُونَةِ بِالصَّلاةِ، ويُبْعِدُهُ تَعْلِيقُ الإيتاءِ بِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَوْصُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا جِيءَ بِهِ لِلْقَصْدِ إلى تَأْكِيدِ ما وُصِفَ المُؤْمِنُونَ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّ الإيقانَ بِالآخِرَةِ يَسْتَلْزِمُ الخَوْفَ المُسْتَلْزِمَ لِتَحَمُّلِ مَشاقِّ التَّكْلِيفِ فَلا بُدَّ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وقَدْ أُقِيمَ الضَّمِيرُ فِيهِ مَقامَ اسْمِ الإشارَةِ المُفِيدِ لِاكْتِسابِ الخِلافَةِ بِالحُكْمِ بِاعْتِبارِ السَّوابِقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ويَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ هُمُ المُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ، وسَمّى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الِاسْتِئْنافَ اعْتِراضًا، وكَوْنُهُ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَتَعَلَّقُ أحَدُهُما بِالآخَرِ كالمُبْتَدَأِ والخَبَرِ - غَيْرَ مُسَلَّمٍ عِنْدَهُ.

واخْتارَ هَذا الِاحْتِمالَ فَقالَ: إنَّهُ الوَجْهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ عُقِدَ الكَلامُ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً، وكُرِّرَ فِيها المُبْتَدَأُ الَّذِي هو (هُمْ) حَتّى صارَ مَعْناها: وما يُوقِنُ بِالآخِرَةِ حَقَّ الإيقانِ إلّا هَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّ خَوْفَ العاقِبَةِ يَحْمِلُهم عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ، انْتَهى.

وأنْكَرَ ابْنُ المُنِيرِ إفادَةَ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ الِاخْتِصاصَ، وادَّعى أنَّ تَكْرارَ الضَّمِيرِ لِلنَّظَرِيَّةِ لِمَكانِ الفَصْلِ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، والحَقُّ أنَّهُ يُفِيدُ ذَلِكَ - كَما صَرَّحُوا بِهِ - فِي نَحْوِ (هُوَ عُرْفٌ) وكَذا يُفِيدُ التَّأْكِيدَ لِما فِيهِ مِن تَكْرارِ الضَّمِيرِ.

وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ فِيما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ في كَلامِهِ أكْثَرُ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لَمْ يُوقِنْ بِالآخِرَةِ حَقَّ الإيقانِ، ولَعَلَّ جَعْلَ ذَلِكَ دَسِيسَةً مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ بَنى ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ في أصْحابِ الكَبائِرِ، وقَوْلِهِ فِيهِمْ بِالمَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِما اخْتارَهُ في الآيَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى القَوْلِ المَذْكُورِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِما لا يَخْفى، وتَقْدِيمُ (بِالآخِرَةِ) في جَمِيعِ الأوْجُهِ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ كَما في الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كلها مكية، وهي تسعون وأربع آيات مكية قول الله سبحانه وتعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ يعني: هذه الأحكام، ويقال: تلك الآيات التي وعدتم بها، وذلك أنهم وعدوا بالقرآن في كتبهم.

ويقال: آياتُ يعني: العلامات ويقال: جميع أحرف القرآن وَكِتابٍ مُبِينٍ كلاهما واحد، وإنما كرر اللفظ للتأكيد مُبِينٍ يعني: بيّن ما فيه من أمره ونهيه.

ويقال: مبين لأحكام الحلال والحرام.

ثم قال: هُدىً يعني: القرآن هدى وبياناً من الضلالة لمن عمل به.

ويقال هُدىً يعني: هادياً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: ما فيه من الثواب للمؤمنين.

قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وَبُشْرى بإمالة الراء، وقرأ الباقون بالتفخيم، وكلاهما جائز، والإمالة أكثر في كلام العرب، والتفخيم أفصح، وهي لغة أهل الحجاز لِلْمُؤْمِنِينَ، يعني: للمصدقين بالقرآن أنه من الله تعالى.

ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني: يقرون بها ويتمونها وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني: يقرون بها ويعطونها وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ يعني: يصدقون بأنها كائنة.

ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي: لا يصدقون بالبعث بعد الموت زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ يعني: ضلالتهم عقوبة لهم ولما عملوا، ومجازاة لكفرهم زينا لهم سوء أعمالهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ يعني: يترددون فيها، ويتحيرون في ضلالتهم.

قوله عز وجل: أُوْلئِكَ يعني: أهل هذه الصفة الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ يعني: شدة العذاب وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ يعني: الخاسرون بحرمان النجاة، والمنع من الحسنات.

ويقال: هم أخسر من غيرهم.

وقال أهل اللغة: متى ذكر الأخسر مع الألف واللام، فيجوز أن يراد به الأخسر من غيرهم.

وإن لم يذكر غيرهم، وإن ذكر بغير ألف ولام، فلا يجوز أن يراد به أنه أخسر إلا أن يقال هو أخسر من فلان أو من غيره.

قوله عز وجل: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ يعني: لتؤتى بالقرآن، يعني: كقوله وَما يُلَقَّاها [فصلت: 35] يعني: وما يؤتي بها.

ويقال: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ يعني: لتلقن القرآن.

وقال أهل اللغة: تلقى وتلقن بمعنى واحد إذا أخذ وَقُبِلَ من غيره.

ويقال وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ، أي يلقى إليك القرآن وحيا من الله عز وجل.

ثم قال: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ يعني: نزل عليك جبريل من عند حَكِيمٍ عليم في أمره، عَلِيمٍ بأعمال الخلق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الكوكب المنقضّ في أثر مسترقِ السمعِ وكل ما يُقال له «شهابٌ» من المنيرات فعلى التَّشْبِيهِ، والقبسُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يكون اسماً، ويُحْتملُ أن يكونَ صفةً.

وقرأ الجمهورُ بإضافة «شِهَابٍ» إلى «قَبَسٍ» ، وقرأ حَمزَةُ والكِسائِيُّ «١» وعاصمُ بتنوينِ «شِهَابٍ قَبَسٍ» : فَهَذَا على الصِّفَةِ.

ص: وقوله: جاءَها ضميرُ المفعولِ، عائدٌ على النّار، وقيل على الشجرة، انتهى.

وبُورِكَ معناه: قُدِّسَ ونُمِيَ خَيْرُه، والبركة، مختصَّة بالخير.

وقولهِ تعالى: مَنْ فِي النَّارِ قال ابنُ عباس: أرادَ النُّورَ «٢» ، وقال الحسنُ وابنُ عباس: وأراد ب مَنْ حَوْلَها الملائكةٍ وموسى «٣» .

قال ع «٤» : ويُحتمَلُ أن تكونَ مَنْ للملائكةِ لأن ذلكَ النورَ الذي حَسِبَه موسى ناراً لم يخْلُ من ملائكة، وَمَنْ حَوْلَها لموسَى والمَلائِكَةِ المُطِيفينَ بهِ.

وقرأ أُبَيُّ بنُ كعب «٥» «أن بُوركَتِ النَّارُ وَمَنْ حَولَها» .

وقوله تعالى: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هو تنزيهٌ للَّه تعالى مما عساه أن يخطر/ ببال في معنى النِّداءِ من الشَّجَرَةِ، أي: هو منزَّه عن جميع ما تتوّهمه الأوهام ٥١ أوعن التَّشبيهِ والتَّكْيِيفِ، والضميرُ في إِنَّهُ للأمرِ والشأنِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النَّمْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طس ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ، قالَ: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ.

والثّانِي: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: الطّاءُ مِنَ اللَّطِيفِ، والسِّينِ مِنَ السَّمِيعِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكِتابٍ مُبِينٍ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " وكِتابٌ مُبِينٌ " بِالرَّفْعِ فِيهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبُشْرى ﴾ أيْ: بُشْرى بِما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ لِلْمُصَدِّقِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: حَبَّبْنا إلَيْهِمْ قَبِيحَ فِعْلِهِمْ.

وقَدْ بَيَّنّا حَقِيقَةَ التَّزْيِينِ والعَمَهِ في (البَقَرَةِ: ١٥، ٢١٢) .

وسُوءُ العَذابِ: شَدِيدُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ لِأنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ وصارُوا إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُلْقى عَلَيْكَ فَتَتَلَقّاهُ أنْتَ، أيْ: تَأْخُذُهُ.

﴿ إذْ قالَ مُوسى ﴾ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى.

قالَ تَعالى: ﴿ بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا: " بِشِهابٍ " بِالتَّنْوِينِ.

وقَرَأ الباقُونَ عَلى الإضافَةِ غَيْر َمُنَوَّنٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَوَّنَ الشِّهابَ، وجَعَلَ القَبَسَ مِن صِفَةِ الشِّهابِ، وكُلُّ أبْيَضٍ ذِي نُورٍ، فَهو شِهابٌ.

فَأمّا مَن أضافَ، فَقالَ الفَرّاءُ: هَذا مِمّا يُضافُ إلى نَفْسِهِ إذا اخْتَلَفَتِ الأسْماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ  ﴾ .

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشِّهابُ: النّارُ، والقَبَسُ: النّارُ تَقْبِسُ، يُقالُ: قَبَسَتِ النّارُ قَبَسًا، واسْمُ ما قَبَسْتَ: قَبَسٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ، وكانَ الزَّمان شِتاءً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَها ﴾ أيْ: جاءَ مُوسى النّارَ، وإنَّما كانَ نُورًا فاعْتَقَدَهُ نارًا، ﴿ نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: قَدَّسَ مَن في النّارِ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ؛ والمَعْنى: قَدَّسَ مَن ناداهُ مِنَ النّارِ، لا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَحِلُّ في شَيْءٍ.

والثّانِي: أنَّ " مِن " زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: بُورِكَتِ النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: بُورِكَ عَلى مَن في النّارِ، أوْ فِيمَن في النّارِ؛ قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ: بارَكَهُ اللَّهُ، وبارَكَ عَلَيْهِ، وبارَكَ فِيهِ، بِمَعْنًى واحِدٍ، والتَّقْدِيرُ: بُورِكَ مَن في طَلَبِ النّارِ، وهو مُوسى، فَحَذَفَ المُضافَ.

وهَذِهِ تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى بِالبَرَكَةِ، كَما حَيّا إبْراهِيمَ بِالبَرَكَةِ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ  ﴾ .

فَخَرَجَ في قَوْلِهِ: ﴿ بُورِكَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدَّسَ.

والثّانِي: مِنَ البَرَكَةِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن حَوْلَها ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والثّانِي: مُوسى والمَلائِكَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والثّالِثُ: مُوسى؛ فالمَعْنى: بُورِكَ فِيمَن يَطْلُبُها وهو قَرِيبٌ مِنها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَمْلِ قوله عزّ وجلّ: ﴿ طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في كُلِّ السُورِ، وكُلِّ ما قِيلَ مُتَرَتِّبٌ هُنا، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فالأسْماءُ هُنا: لَطِيفٌ وسَمِيعٌ، وكَوْنُها إشارَةً إلى نَوْعِ حُرُوفِ المُعْجَمِ أبْيَنُ الأقْوالِ.

وعَطْفُ "كِتابٍ" عَلى "القُرْآنِ" وهُما لِمُسَمًّى واحِدٍ مِن حَيْثُ هُما صِفَتانِ لِمَعْنَيَيْنِ، فالقُرْآنُ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ، والكِتابُ لِأنَّهُ كَتَبَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكِتابٌ مُبِينٌ" بِالرَفْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ هُدًى وبُشْرى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ هُدًى وبُشْرى.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالأوصافِ الخَلِيقَةِ بِهِمْ.

وإقامَةُ الصَلاةِ: إدامَتُها عَلى وجْهِها.

و"الزَكاةُ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ المَفْرُوضَةِ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ قَدِيمَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَفْرُوضَةَ مِن غَيْرِ تَفْسِيرٍ، وقِيلَ: "الزَكاةُ" هُنا بِمَعْنى الطَهارَةِ مِنَ النَقائِصِ ومُلازِمَةِ مَكارِمِ الأخْلاقِ.

وتَكْرارُ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ لِلتَّأْكِيدِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الكَفَرَةَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، والإشارَةِ إلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَعالى حَتَّمَ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، وحَبَّبَ إلَيْهِمُ الشِرْكَ، وزَيَّنَهُ بِأنْ خَلَقَهُ واخْتَرَعَهُ في نُفُوسِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ اكْتِسابُهم وحِرْصُهم عَلى كُفْرِهِمْ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ الأعْمالُ المُزَيَّنَةُ كُفْرُهم وطُغْيانُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الأعْمالَ المُزَيَّنَةَ هي الشَرِيعَةُ الَّتِي كانَ الواجِبُ أنْ تَكُونَ أعْمالَهُمْ، فَأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى جِهَةِ الذِكْرِ أنَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ زَيَّنَ الدِينَ وبَيَّنَهُ، ورَسَمَ الأعْمالَ والتَوْحِيدَ، لَكِنَّ هَؤُلاءِ "يَعْمَهُونَ"، أيْ: ويَعْرِضُونَ، و"العَمَهُ": الحَيْرَةُ والتَرَدُّدُ في الصَلاةِ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِسُوءِ العَذابِ، فَمَن نالَهُ شَيْءٌ في الدُنْيا بَقِيَ عَلَيْهِ عَذابُ الآخِرَةِ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ عَذابٌ في الدُنْيا كانَ سُوءُ عَذابِهِ في مَوْتِهِ وفِيما بَعْدَهُ، و"الأخْسَرُونَ": جَمْعُ أخْسَرِيٍّ؛ لِأنَّ أفْعَلَ صِفَةٌ، لا يُجْمَعُ إلّا أنْ يُضافَ فَتَقْوى رُتْبَتُهُ في الأسْماءِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ هدى وبشرى ﴾ حالان من ﴿ كتاب بعد وصفه بمبين ﴾ [النمل: 1].

وجعل الحال مصدراً للمبالغة بقوة تسببه في الهدى وتبليغه البشرى للمؤمنين.

فالمعنى: أن الهدى للمؤمنين والبشرى حاصلان منه ومستمران من آياته.

والبشرى: اسم للتبشير، ووصف الكتاب بالهدى والبشرى جار على طريقة المجاز العقلي، وإنما الهادي والمبشر الله أو الرسول بسبب الكتاب.

والعامل في الحال ما في اسم الإشارة من معنى: أُشير، كقوله: ﴿ وهذا بعلي شيخاً ﴾ [هود: 72]، وقد تقدم ما فيه في سورة إبراهيم.

و ﴿ للمؤمنين ﴾ يتنازعه ﴿ هدى وبشرى ﴾ لأن المؤمنين هم الذين انتفعوا بهديه كقوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2].

ووصف المؤمنين بالموصول لتمييزهم عن غيرهم لأنهم عُرفوا يومئذ بإقامة الصلاة وإعطاء الصدقات للفقراء والمساكين، ألا ترى أن الله عرّف الكفار بقوله ﴿ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ﴾ [فصلت: 6، 7]، ولأن في الصلة إيماء إلى وجه بناء الإخبار عنهم بأنهم على هدى من ربّهم ومفلحون.

و ﴿ الزكاة ﴾ : الصدقة لأنها تزكي النفس أو تزكي المال، أي تزيده بركة.

والمراد بالزكاة هنا الصدقة مطلقاً أو صدقة واجبة كانت على المسلمين، وهي مواساة بعضهم بعضاً كما دل عليه قوله في صفة المشركين ﴿ بل لا تكرمون اليتيمَ ولا تحضّون على طعام المسكين ﴾ [الفجر: 17، 18].

وأما الزكاة المقدرة بالنُّصُب والمقادير الواجبة على أموال الأغنياء فإنها فرضت بعد الهجرة فليست مراداً هنا لأن هذه السورة مكية.

وجملة: ﴿ وهم بالأخرة هم يوقنون ﴾ عطف على الصلة وليست من الصلة، ولذلك خولف بين أسلوبها وأسلوب الصلة فأتي له بجملة اسمية اهتماماً بمضمونها لأنه باعث على فعل الخيرات، على أن ضمير ﴿ هم ﴾ الثاني يجوز أن يعتبر ضمير فصل دالاً على القصر، أي ما يوقن بالآخرة إلا هؤلاء.

والقصْر إضافي بالنسبة إلى مجاوريهم من المشركين، وإلا فإن أهل الكتاب يوقنون بالآخرة، إلا أنهم غير مقصود حالهم للمخاطبين من الفريقين.

وتقديم ﴿ بالأخرة ﴾ للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النَّمْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ ﴾ أيْ هَذِهِ آياتُ القُرْآنِ.

﴿ وَكِتابٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ وآياتِ الكِتابِ المُبِينِ، والكِتابُ هو القُرْآنُ، فَجُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ بِأنَّهُ قُرْآنٌ وأنَّهُ كِتابٌ لِأنَّهُ ما يَظْهَرُ بِالكِتابَةِ ويَظْهَرُ بِالقِراءَةِ.

﴿ مُبِينٍ ﴾ لِأنَّهُ يَبِينُ فِيهِ نَهْيُهُ وأمْرُهُ، وحَلالُهُ وحَرامُهُ، ووَعْدُهُ ووَعِيدُهُ.

وَفِي المُضْمَرِ في ﴿ تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ إلى الحُرُوفِ الَّتِي في ﴿ طس ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: إلى جَمِيعِ السُّورَةِ.

﴿ هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هُدًى إلى الجَنَّةِ وبُشْرى بِالثَّوابِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ وبُشْرى بِالجَنَّةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ﴾ يَعْنِي المَفْرُوضَةَ، وفي إقامَتِها وجْهانِ: أحَدُهُما: اسْتِيفاءُ فُرُوضِها وسُنَّتِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: المُحافَظَةُ عَلى مَواقِيتِها، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها زَكاةُ المالِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ والحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّها زَكاةُ الفِطْرِ; قالَهُ الحارِثُ العُكْلِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها طاعَةُ اللَّهِ والإخْلاصُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّها تَطْهِيرُ أجْسادِهِمْ مِن دَنَسِ المَعاصِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم يَعْمَهُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَتَرَدَّدُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَتَمادَوْنَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وأبُو مالِكٍ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّالِثُ: يَلْعَبُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، والأعْمَشُ.

الرّابِعُ: يَتَحَيَّرُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ ومَهْمَهٍ أطْرافُهُ في مَهْمَهٍ أعْمى الهُدى بِالجاهِلِينَ العُمَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَتَأْخُذُ القُرْآنَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لَتُوَفّى القُرْآنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: لَتُلَقَّنُ القُرْآنَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لَتُقَبَّلُ القُرْآنَ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن يَلْقاهُ عِنْدَ نُزُولِهِ.

﴿ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ أيْ مِن عِنْدِ حَكِيمٍ في أمْرِهِ، عَلِيمٍ بِخَلْقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ طس ﴾ قال: هو اسم الله الأعظم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ طس ﴾ قال: هو اسم الله الأعظم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ طس ﴾ قال: هو اسم من أسماء القرآن.

وفي قوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ قال: لا يُقِرّون بها ولا يؤمنون بها ﴿ فهم يعمهون ﴾ قال: في صلاتهم وفي قوله: ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ يقول: تأخذ القرآن من عند ﴿ حكيم عليم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ تحتمل هذه الجملة أن تكون معطوفة، فتكون بقية صلة الذين، أو تكون مستأنفة وتمت الصلة قبلها، ورجح الزمخشري هذا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني آنست ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ بشهاب ﴾ منوناً على أن قبساً وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة: عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس.

الباقون بالإضافة ﴿ من في النار ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وابي حمدون وحمدويه وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد وكذلك في "القصص".

الوقوف: ﴿ طس ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ هدى ﴾ حال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ أو هو مرفوع بدلاً من ﴿ الآيات ﴾ أو خبراً بعد خبر وإن كان التقدير هي هدى به فلك الوقف ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ط تنصيصاً على أن ﴿ أولئك ﴾ مبتدأ مستأنف ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه ﴿ تصطلون ﴾ ﴿ حولها ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه لا للعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء ﴿ عصاك ﴾ ط للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت ﴿ ولم يعقب ﴾ ط لابتداء النداء ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن "إلاّ" إن كان بمعنى "لكن" فالاستدراك يوجب الوصل أيضاً.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وقومه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ج ه للآية والعطف ﴿ وعلواً ﴾ ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي فأغرقناهم ﴿ المفسدين ﴾ ه.

التفسير: تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك مصدق لما بين يديه وكتاب مبين.

فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل كائن، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير.

فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يفخى، ولأن الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما ههنا وبين ما في أول "الحجر".

ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم بالثواب.

قال جار الله: يحتمل أن يكون قوله ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ من تتمة الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل: وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل عليهم متاعب التكاليف.

وأقول: إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم المبتدأ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال، وهذه إشارة إلى وسط.

ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق.

وفيه أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقناً بأحوال المعاد لا شاكاً فيها، آتياً بالطاعات للاحتياط قائلاً: إن كنت مصيباً فيها فقد نلت السعادة وإن كنت مخطئاً فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة.

ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة، وأما المعتزلة فتأولوه بوجوه منها: أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك أعمالهم.

ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات.

ولا ريب أن إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم  ﴾ ملابسة ظاهرة للتزيين.

ومنها أنه أراد زيناً لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك أن بينا لهم حسنه وما لهم فيه من الثواب ﴿ فهم يعمهون ﴾ يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن ﴿ لهم سوء العذاب ﴾ أي القتل والأسر كيوم بدر.

ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من الأخبار العجيبة فقال ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لتؤتاه وتلقنه من عند أيّ حكيم وأيّ عليم.

و ﴿ إذ قال ﴾ منصوب بـ ﴿ عليم ﴾ أو باذكر كأنه قيل: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى العجيبة الشأن.

والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله.

وفي قوله ﴿ سآتيكم ﴾ مع قوله في "طه" و "القصص" ﴿ لعلي آتيكم  ﴾ دليل على أنه كان قوي الرجاء إلا أنه كان يجوّز النقيض، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن أبطأ لبعد المسافة أو غيره.

قالوا: في "أو" دليل على أنه جزم بوجدان أحد الأمرين ثقة بعناية الله  أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة بقوله ﴿ فلما جاءها ﴾ وقد قال في "طه" و"القصص" ﴿ فلما أتاها  ﴾ ﴿ نودي ﴾ لأنه كرر لفظ ﴿ آتيكم ﴾ ههنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق مرة أخرى.

و ﴿ أن ﴾ مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان "قد" في فعلها.

قال جار الله: معنى ﴿ بورك من في النار ﴾ بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص ﴿ نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة  ﴾ وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه.

وقيل: معنى بورك تبارك، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله  مروي عن ابن عباس.

وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله، ومن حولها الملائكة.

وقال الجبائي: ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة وهي الشأم فكانت الشجرة محلاً للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها، ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة.

وقيل: من في النار هو موسى لقربه منها، ومن حولها الملائكة.

وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشأم.

وفي قوله ﴿ وسبحان الله رب العالمين ﴾ تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين.

والهاء في ﴿ إنه ﴾ إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم ﴿ انا ﴾ وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافاً ولا عبثاً.

وقوله ﴿ وألق عصاك ﴾ معطوف على ﴿ بورك ﴾ وكلاهما تفسير ﴿ نودي ﴾ والمعنى: قيل له بورك وألق: ومعنى ﴿ لم يعقب ﴾ لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد الفر.

وإنما اقتصر ههنا على قوله ﴿ لا تخف ﴾ ولم يضف إليه أقبل كما في "القصص" لأنه أراد أن يبني عليه قوله ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون ﴾ وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم.

ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول "البقرة".

وفي الآية لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله ﴿ أني لا يخاف لديّ المرسلون ﴾ إلى أن موسى قد جعل رسولاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ إلا من ظلم ﴾ إلى ما وجد من موسى في حق القبطي، وبقوله ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى ﴿ رب إِنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي  ﴾ وقرئ "الا" بحرف التنبيه.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ ثم بدل ﴾ معطوفاً على ﴿ ظلم ﴾ إلى أن النبي المرسل بدّل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعاً عن الكلام ضائعاً، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفاً أيضاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضاً بسبب غفرانه ورحمته، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: هو البدر إلا أنه البحر زاخر *** وكقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صواباً إن شاء العزيز.

قوله ﴿ وأدخل يدك ﴾ وفي "القصص" ﴿ اسلك يدك  ﴾ موافقة لأضمم ولأن المبالغة في ﴿ أدخل ﴾ أكثر منها في ﴿ أسلك ﴾ لأن سلك لازم ومتعد.

وهناك قال ﴿ فذانك برهانان  ﴾ وههنا قال ﴿ في تسع آيات ﴾ وكان أبلغ في العدد فناسب الأبلغ في اللفظ.

قال النحويون: متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع آيات.

أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن، اذهب إلى فرعون.

وتفسير التسع قد مر في آخر "سبحان" وإنما قال ههنا ﴿ إلى فرعون وقومه ﴾ دون أن يقول ﴿ وملئه  ﴾ كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ههنا بقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ إلى قوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ينبئ عن المدح.

ومعنى ﴿ مبصرة ﴾ ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي، ويجوز أن يكون الإِبصار مجازاً باعتبار إبصار صاحبها وهو كل ذي عقل أو فرعون وقومه.

والواو في ﴿ واستيقنتها ﴾ للحال وقد مضمرة وفي زيادة ﴿ انفسهم ﴾ إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان.

وقوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ أي كبراً وترفعاً مفعول لأجلهما.

وقرئ ﴿ مبصرة ﴾ بفتح الميم نحو "مبخلة" قرأها علي بن السحين وقتادة والله أعلم.

التأويل: طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره ﴿ وكتاب مبين ﴾ فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال ﴿ هدى وبشرى للمؤمنين ﴾ بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين ﴿ زيناً لهم أعمالهم ﴾ الدنيوية النفسانية ﴿ فهم يعمهون ﴾ لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان اصم وأبكم ولهذا قال  "حبك للشيء يعمي ويصم" فيُحب الدنيا صمت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللداني والنطق به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحاً إذا ربح المولى.

وجد أبو زيد في البادية قحفاً مكتوباً عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال: هذا رأس صوفي.

وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي  بقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لا من عند جبريل بل ﴿ من لدن حكيم ﴾ تجلى لقلبك بحكمة القرآن ﴿ عليم ﴾ يعلم حيث يجعل رسالته.

ثم ضرب مثالاً لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة (قال لأهله) وهم النفس وصفاتها ﴿ إني آنست ناراً ﴾ بوادي أيمن السر ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ بتلك النار عن جمود الطبيعة ﴿ فلما جاءها ﴾ على قدمي الشوق وصدق الطلب ﴿ نودي ﴾ من الشجرة الروحانية ﴿ أن بورك من في ﴾ نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴿ ومن حولها ﴾ كالفراش يريد أن يقع فيها و ﴿ ألق ﴾ عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة ﴿ ولى مدبراً ﴾ هارباً إلى الله ﴿ ولم يعقب ﴾ لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي بـ ﴿ لا تخف ﴾ فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والالطاف لا تخاف سوى الله ﴿ إلاَّ من ظلم ﴾ نفسه بالرجوع إلى الغير ﴿ وأدخل ﴾ يد همتك في جيب قناعتك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية من لوث الدارين ﴿ في تسع آيات ﴾ من أسباب هلاك النفس وصفاتها ﴿ فانظر كيف كان عاقبة ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ طسۤ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم تأويل الحروف المعجمة وأقاويل الناس فيها؛ وكذلك الآيات قد ذكرناها.

وقوله: ﴿ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ مُّبِينٍ ﴾ أي: بين واضح؛ لأن (أبان) قد يستعمل في موضع (بان)، يقال: بان وأبان.

ويحتمل: ﴿ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: يبين أنه رسول من الله، أو يبين ما لله عليهم، أو ما لبعضهم على بعض، أو ما لهم وما عليهم.

وقوله: ﴿ هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ هُدًى ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: دعاء؛ كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ أي: داع يدعو الخلق إلى توحيد الله  ؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ هُدًى ﴾ أي: دعاء، يدعوهم إلى توحيد الله  ، فإن كان هذا فهو للناس كافة.

والثاني: جائز أن يريد بالهدى: الهدى الذي هو نقيض الضلال وضده، فهو للمؤمنين خاصة، وإن كان أراد به البيان والدعاء فهو للكل.

وقوله: ﴿ هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: يدعوهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، فإذا آمنوا كان لهم بشرى.

ثم نعت المؤمنين ووصفهم فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ﴾ أي: يقرون بهما ويؤمنون؛ لأن من الناس من كان يؤمن بالله وبرسوله، لكنهم أبوا الإيمان بالصلاة والزكاة؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ .

لا يحتمل أن يأمرهم بحبسهم إلى أن تمضي السنة فتجب الزكاة عليهم فيؤتون، فحينئذ يخلون سبيلهم، ولكن الأمر بحبسهم إلى أن يقروا بها ويؤمنوا، فيخلون عند ذلك سبيلهم.

وكذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ  ﴾ : لا يقبلونها ولا يقرون بها ليس على فعل الإيتاء، فعلى ذلك الأول يحتمل هذا.

والثاني: يحتمل الأمرين جميعاً: القبول والإقرار بها والإيتاء جميعاً، أي: إذا قبلوها وأقروا بها وأعطوها - فحينئذ يستوجبون هذه البشارة التي ذكرت.

وقوله: ﴿ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ : الإيقان بالشيء: هو العمل به من جهة الاستدلال والاجتهاد، والأسباب التي يستفاد بها العلم بالأشياء لا العلم الذاتي؛ ولذلك لا يوصف الله على الإيقان بالشيء ولا يقال: يا موقن؛ لأنه عالم بذاته لا بالأسباب، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ : الأعمال التي هم فيها بما ركب فيهم من الشهوات والأماني.

ويحتمل ﴿ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ الأعمال التي هي عليهم، أي: زين لهم الخيرات والطاعات، لكنهم أبوا أن يأتوا بها؛ فالمعتزلة قالوا بهذا التأويل، وأبوا أن يقولوا بالأول أن يكون من الله تزيين ما هم فيه من الشرك والكفر وأنواع أفعال الكفر؛ إذ أضاف تزيين ذلك إلى الشيطان حيث قال: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ ، وقال: ﴿ ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات، فقالوا: أضاف إلى الشيطان، ولا يجوز أن يضاف إلى الله ذلك بعينه؛ فدل أن الله إنما زين لهم أعمالهم التي عليهم من الإيمان والخيرات، لا الأعمال التي هم فيها.

لكن عندنا يجوز إضافة تزيين أعمالهم التي هم فيها إلى الله من جهة ما ركب فيهم من الشهوات والأماني التي توافق طباعهم وأنفسهم؛ لأن التزيين يقع بنفس الكفر وأفعاله؛ إذ الكفر نفسه ليس بمزين ولا مستحسن، إنما هو شتم رب العالمين، ولكن تزيينه واستحسانه هو موافقة ما يعمل من الأعمال طباعه والجهة التي تضاف إلى الله؛ إذ الجهة التي تضاف إلى الشيطان هو دعاؤه وتمنيه إلى ما يوافق طباعهم؛ فمن هذه الجهة يجوز إضافته إلى الشيطان، والجهة التي تضاف إلى الله هو ما ركب فيهم من الشهوات والأماني وجعل الطباع موافقة لها، وإلا الصدق وجميع الخيريات إنما يكون مزيناً مستحسناً في العقل للعاقبة، والكفر وجميع المعاصي مستقبح في العقل للعاقبة إذا حمد أحدهما وأثيب على فعله، وذم الآخر وعوقب لسوء اختياره.

أو أن يكون إضافة ذلك إلى الله لما خلق أفعالهم وأعمالهم التي عملوها، وأخرجها من العدم إلى الوجود، وهي من هذه الجهة فعله، وهو يرد قولهم في إبائهم خلق أفعال العباد.

وقوله: ﴿ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾ : قيل: يترددون، وأصل العمه: الحيرة، أي: يتحيّرون.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ ﴾ : أي: لهم ما يسوءهم من العذاب في الآخرة؛ لاختيارهم سوء الأفعال في الدنيا.

﴿ وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ ﴾ : الأخسرون والخاسرون واحد.

وجائز أن يقال: ﴿ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ ﴾ للقادة منهم والرؤساء؛ لأنهم ضلوا بأنفسهم وأضلوا غيرهم هم أخسر من الأتباع؛ كقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لتلقى القرآن من الله على يدي رسوله وهو جبريل.

والثاني: جائز أن يكون حكيم عليم هو جبريل نفسه، أي: إنك لتلقى القرآن من لدن جبريل، وهو حكيم يضع الوحي والقرآن حيث أمر بوضعه فيه؛ إذ الحكيم: هو المصيب في فعله الواضع للشيء موضعه، وعليم بما أمر به وأرسل وهو كذلك كان؛ إذ يجوز أن يقال للمخلوق: حكيم عليم؛ ألا ترى إلى قول يوسف: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا جائز، والأول أشبه.

أي: إنك لتأخذ القرآن من لدن حكيم عليم على يدي رسوله جبريل، فما يأخذ من رسوله كأنه يأخذ من عند مرسله؛ إذ الرسول إنما يؤدي كلا مرسله.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ ﴾ يقال: تلقيته: أخذته.

وكذلك قال القتبي: ﴿ لَتُلَقَّى ﴾ أي: لتأخذه.

وقال محمد بن إسحاق: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ ﴾ أي: لتؤتى بالقرآن؛ كقوله: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ  ﴾ أي: وما يؤتيها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين يؤدون الصلاة على أكمل وجه، ويعطون زكاة أموالها بصرفها إلى مصارفها، وموقنون بما في الآخرة من ثواب وعقاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.1r8jO"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 14 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.7 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله