الآية ٨٢ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٨٢ من سورة النمل

۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 141 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٢ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٨٢ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق ، يخرج الله لهم دابة من الأرض - قيل : من مكة .

وقيل : من غيرها .

كما سيأتي تفصيله - فتكلم الناس على ذلك .

قال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة - وروي عن علي رضي الله عنه - : تكلمهم كلاما أي : تخاطبهم مخاطبة .

وقال عطاء الخراساني : تكلمهم فتقول لهم : إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون .

ويروى هذا عن علي ، واختاره ابن جرير .

وفي هذا [ القول ] نظر لا يخفى ، والله أعلم .

وقال ابن عباس - في رواية - تجرحهم .

وعنه رواية ، قال : كلا تفعل يعني هذا وهذا ، وهو قول حسن ، ولا منافاة ، والله أعلم .

وقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثار كثيرة ، فلنذكر ما تيسر منها ، والله المستعان : قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن فرات ، عن أبي الطفيل ، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : أشرف علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال : لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج عيسى ابن مريم ، والدجال ، وثلاثة خسوف : خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق - أو : تحشر - الناس ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا " .

وهكذا رواه مسلم وأهل السنن ، من طرق ، عن فرات القزاز ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن حذيفة موقوفا .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

ورواه مسلم أيضا من حديث عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي الطفيل ، عنه مرفوعا .

والله أعلم .

طريق أخرى : قال أبو داود الطيالسي ، عن طلحة بن عمرو ، وجرير بن حازم ، فأما طلحة فقال : أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عمير الليثي : أن أبا الطفيل حدثه ، عن حذيفة بن أسيد الغفاري أبي سريحة ، وأما جرير فقال : عن عبد الله بن عبيد ، عن رجل من آل عبد الله بن مسعود - وحديث طلحة أتم وأحسن - قال : ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدابة فقال : " لها ثلاث خرجات من الدهر ، فتخرج خرجة من أقصى البادية ، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني : مكة - ثم تكمن زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى دون تلك ، فيعلو ذكرها في أهل البادية ، ويدخل ذكرها القرية " يعني : مكة .

- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها : المسجد الحرام ، لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام ، تنفض عن رأسها التراب ، فارفض الناس عنها شتى ومعا ، وبقيت عصابة من المؤمنين ، وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله ، فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري ، وولت في الأرض لا يدركها طالب ، ولا ينجو منها هارب ، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة ، فتأتيه من خلفه فتقول : يا فلان ، الآن تصلي ؟

فيقبل عليها فتسمه في وجهه ، ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال ، ويصطحبون في الأمصار ، يعرف المؤمن من الكافر ، حتى إن المؤمن ليقول : يا كافر ، اقضني حقي .

وحتى إن الكافر ليقول : يا مؤمن ، اقضني حقي " .

ورواه ابن جرير من طريقين ، عن حذيفة بن أسيد موقوفا فالله أعلم .

ورواه من رواية حذيفة بن اليمان مرفوعا ، وأن ذلك في زمان عيسى ابن مريم ، وهو يطوف بالبيت ، ولكن إسناده لا يصح .

حديث آخر : قال مسلم بن الحجاج : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا محمد بن بشر ، عن أبي حيان ، عن أبي زرعة ، عن عبد الله بن عمرو قال : حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا لم أنسه بعد : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى ، وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها ، فالأخرى على إثرها قريبا " .

حديث آخر : روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب - مولى الحرقة - عن أبيه : عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها ، أو الدخان ، أو الدجال ، أو الدابة ، أو خاصة أحدكم ، أو أمر العامة " .

وله من حديث قتادة ، عن الحسن ، عن زياد بن رباح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " بادروا بالأعمال ستا : الدجال ، والدخان ، ودابة الأرض ، وطلوع الشمس من مغربها ، وأمر العامة وخويصة أحدكم " .

حديث آخر : قال ابن ماجة : حدثنا حرملة بن يحيى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث وابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سنان بن سعد ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، ودابة الأرض ، والدجال ، وخويصة أحدكم ، وأمر العامة " .

تفرد به .

حديث آخر : قال أبو داود الطيالسي أيضا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أوس بن خالد ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تخرج دابة الأرض ، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ، عليهما السلام ، فتخطم أنف الكافر بالعصا ، وتجلي وجه المؤمن بالخاتم ، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر " .

ورواه الإمام أحمد ، عن بهز وعفان ويزيد بن هارون ، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة ، به .

وقال : " فتخطم أنف الكافر بالخاتم ، وتجلو وجه المؤمن بالعصا ، حتى إن أهل الخوان الواحد ليجتمعون فيقول هذا : يا مؤمن ، ويقول هذا : يا كافر " .

ورواه ابن ماجة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يونس بن محمد المؤدب ، عن حماد بن سلمة ، به .

حديث آخر : قال ابن ماجة : حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو ، حدثنا أبو تميلة ، حدثنا خالد بن عبيد ، حدثنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : ذهب بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى موضع بالبادية ، قريب من مكة ، فإذا أرض يابسة حولها رمل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تخرج الدابة من هذا الموضع .

فإذا فتر في شبر " .

قال ابن بريدة : فحججت بعد ذلك بسنين ، فأرانا عصا له ، فإذا هو بعصاي هذه ، كذا وكذا .

وقال عبد الرزاق عن معمر ، عن قتادة ; أن ابن عباس قال : هي دابة ذات زغب ، لها أربع قوائم ، تخرج من بعض أودية تهامة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية قال : قال عبد الله : تخرج الدابة من صدع من الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام ، لم يخرج ثلثها .

وقال محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح قال : سئل عبد الله بن عمرو عن الدابة ، فقال : الدابة تخرج من تحت صخرة بجياد ، والله لو كنت معهم - أو لو شئت بعصاي الصخرة التي تخرج الدابة من تحتها .

قيل : فتصنع ماذا يا عبد الله بن عمرو ؟

قال : تستقبل المشرق فتصرخ صرخة تنفذه ، ثم تستقبل الشام فتصرخ صرخة تنفذه ، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ، ثم تستقبل اليمن فتصرخ صرخة تنفذه ، ثم تروح من مكة فتصبح بعسفان .

قيل : ثم ماذا ؟

قال : لا أعلم .

وعن عبد الله بن عمر ، أنه قال : تخرج الدابة ليلة جمع .

ورواه ابن أبي حاتم .

وفي إسناده ابن البيلمان .

وعن وهب بن منبه : أنه حكى من كلام عزير ، عليه السلام ، أنه قال : وتخرج من تحت سدوم دابة تكلم الناس كل يسمعها ، وتضع الحبالى قبل التمام ، ويعود الماء العذب أجاجا ، ويتعادى الأخلاء ، وتحرق الحكمة ، ويرفع العلم ، وتكلم الأرض التي تليها .

وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون ، ويتعبون فيما لا ينالون ، ويعملون فيما لا يأكلون .

رواه ابن أبي حاتم ، عنه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو صالح - كاتب الليث - حدثني معاوية بن صالح ، عن أبي مريم : أنه سمع أبا هريرة ، رضي الله عنه ، يقول : إن الدابة فيها من كل لون ، ما بين قرنيها فرسخ للراكب .

وقال ابن عباس : هي مثل الحربة الضخمة .

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أنه قال : إنها دابة لها ريش وزغب وحافر ، وما لها ذنب ، ولها لحية ، وإنها لتخرج حضر الفرس الجواد ثلاثا ، وما خرج ثلثها .

ورواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن جريج ، عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال : رأسها رأس ثور ، وعينها عين خنزير ، وأذنها أذن فيل ، وقرنها قرن أيل ، وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هر ، وذنبها ذنب كبش ، وقوائمها قوائم بعير ، بين كل مفصلين اثنا [ عشر ] ذراعا ، تخرج معها عصا موسى ، وخاتم سليمان ، فلا يبقى مؤمن إلا نكتت في وجهه بعصا موسى نكتة بيضاء ، فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه ، ولا يبقى كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان ، فتفشو تلك النكتة حتى يسود لها وجهه ، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق : بكم ذا يا مؤمن ، بكم ذا يا كافر ؟

وحتى إن أهل البيت يجلسون على مائدتهم ، فيعرفون مؤمنهم من كافرهم ، ثم تقول لهم الدابة : يا فلان ، أبشر ، أنت من أهل الجنة ، ويا فلان ، أنت من أهل النار .

فذلك قول الله تعالى : ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعًا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (وإذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ) قال: حقّ عليهم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: (وإذا وقع الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ) يقول: إذا وجب القول عليهم.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: (وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ) قال: حقّ العذاب.

قال ابن جُرَيج: القول: العذاب.

*ذكر من قال قولنا في معنى القول.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة: (وإذا وقع القول عَلَيْهِمْ ) والقول: الغضب.

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن هشام, عن حفصة, قالت: سألت أبا العالية, عن قوله: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ) فقال: أوحى الله إلى نوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ قالت: فكأنما كان على وجهي غطاء فكشف.

وقال جماعة من أهل العلم: خروج هذه الدابة التي ذكرها حين لا يأمر الناس بمعروف ولا ينهون عن منكر.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا الأشجعي, عن سفيان, عن عمرو بن قيس, عن عطية العوفي, عن ابن عمر في قوله: ( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ ) قال: هو حين لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر.

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا محمد بن الحسن أبو الحسن, قال: ثنا عمرو بن قيس الملائي, عن عطية, عن ابن عمر, في قوله: ( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ ) قال: ذاك إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن عمرو بن قيس, عن عطية, عن ابن عمر, في قوله: (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) قال: حين لا يأمرون بالمعروف, ولا ينهون عن المنكر.

حدثني محمد بن عمرو المقدسي, قال: ثنا أشعث بن عبد الله السجستاني, قال: ثنا شعبة, عن عطية, في قوله: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تُكَلِّمُهُمْ ) قال: إذا لم يعرفوا معروفا, ولم ينكروا منكرا.

وذُكر أن الأرض التي تخرج منها الدابة مكة.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثني الأشجعي, عن فضيل بن مرزوق, عن عطية, عن ابن عمر, قال: تخرج الدابة من صَدع في الصفا، كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا الحكم بن بشير, قال: ثنا عمرو بن قيس, عن الفرات القزاز, عن عامر بن واثلة أبي الطفيل, عن حُذيفة بن أسيد الغفاري, قال: إن الدابة حين تخرج يراها بعض الناس فيقولون: والله لقد رأينا الدابة, حتى يبلغ ذلك الإمام, فيطلب فلا يقدر على شيء.

قال: ثم تخرج فيراها الناس, فيقولون: والله لقد رأيناها, فيبلغ ذلك الإمام فيطلب فلا يرى شيئا, فيقول: أما إني إذا حدث الذي يذكرها قال: حتى يعدّ فيها القتل, قال: فتخرج, فإذا رآها الناس دخلوا المسجد يصلون, فتجيء إليهم فتقول: الآن تصلون, فتخطم الكافر, وتمسح على جبين المسلم غرّة, قال: فيعيش الناس زمانا يقول هذا: يا مؤمن, وهذا: يا كافر.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عثمان بن مطر, عن واصل مولى أبي عيينة, عن أبي الطفيل, عن حُذيفة, وأبي سفيان, ثنا عن معمر, عن قيس بن سعد, عن أبي الطفيل, عن حُذيفة بن أسيد, في قوله: (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) قال: للدابة ثلاث خرجات: خرجة في بعض البوادي ثم تكمن, وخرجة في بعض القُرى حين يهرَيق فيها الأمراء الدماء, ثم تكمن, فبينا الناس عند أشرف المساجد وأعظمها وأفضلها, إذ ارتفعت بهم الأرض, فانطلق الناس هرابا, وتبقى طائفة من المؤمنين, ويقولون: إنه لا ينجينا من الله شيء, فتخرج عليهم الدابة تجلو وجوههم مثل الكوكب الدرّيّ، ثم تنطلق فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب, وتأتي الرجل يصلي, فتقول: والله ما كنت من أهل الصلاة, فيلتفت إليها فتخطمه, قال: تجلو وجه المؤمن, وتخطم الكافر, قلنا: فما الناس يومئذٍ؟

قال: جيران في الرباع, وشركاء في الأموال, وأصحاب في الأسفار.

حدثني أبو السائب, قال: ثنا ابن فضيل, عن الوليد بن جميع, عن عبد الملك بن المُغيرة, عن عبد الرحمن بن البيلماني, عن ابن عمر: يبيت الناس يسيرون إلى جمع, وتبيت دابة الأرض تسايرهم, فيصبحون وقد خطمتهم من رأسها وذنبها, فما من مؤمن إلا مسحته, ولا من كافر ولا منافق إلا تخبطه.

حدثنا مجاهد بن موسى, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا الخيبري, عن حيان بن عمير, عن حسان بن حمصة, قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: لو شئت لانتعلت بنعليّ هاتين, فلم أمسّ الأرض قاعدا حتى أقف على الأحجار التي تخرج الدابة من بينها, ولكأني بها قد خرجت في عقب ركب من الحاجِّ, قال: فما حججت قطّ إلا خفت تخرج بعقبنا.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي, قال: ثنا أبو أسامة, عن هشام, عن قيس بن سعد, عن عطاء, قال: رأيت عبد الله بن عمرو, وكان منـزله قريبا من الصفا, رفع قدمه وهو قائم, وقال: لو شئت لم أضعها حتى أضعها على المكان الذي تخرج منه الدابة.

حدثنا عصام بن روّاد بن الجراح, قال: ثنا أبي, قال: ثنا سفيان بن سعيد الثوريّ, قال: ثنا منصور بن المعتمر, عن ربعي بن حراش, قال: سمعت حُذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وذكر الدابة, فقال حُذيفة: قلت يا رسول الله, من أين تخرج؟

قال: " مِنْ أَعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللهِ, بَيْنَما عِيسَى يَطُوفُ بالبَيْتِ وَمَعَهُ المُسْلِمُونَ, إذْ تَضْطَرِبُ الأرْضُ تحْتَهُمْ, تَحَرُّكَ القِنْديلِ, وَيَنْشَق الصَّفا ممَّا يَلي المَسْعَى, وَتَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنَ الصَّفا، أوَّلُ ما يَبْدُو رأْسُها، مُلَمَّعَةٌ ذَاتُ وَبَرٍ وَرِيشٍ, لَمْ يُدْرِكْها طالبٌ, وَلَنْ يَفُوتَها هاربٌ, تَسِمُ النَّاسَ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ, أمَّا المُؤْمِنُ فَتَتْرُكُ وَجْهَهُ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرّيّ, وتَكْتُبُ بينَ عَيْنَيْهِ مُؤْمِنٌ , وأمَّا الكافُِر فَتَنْكُتُ بينَ عَيْنَيْهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاء كافِرٌ".

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو الحسين, عن حماد بن سلمة, عن علي بن زيد بن جدعان, عن أوس بن خالد, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسَى, فَتَجْلُو وَجْهَ المُؤْمِنِ بالْعَصَا, وَتَخْتِمُ أنْفَ الكَافِرِ بِالْخَاتَمِ, حَتَّى إنَّ أَهْلَ البَيْتِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هذَا: يا مُؤْمِنُ, وَيَقُولُ هَذَا: يا كافِرُ".

قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: هي دابة ذات زغب وريش, ولها أربع قوائم تخرج من بعض أودية تهامة, قال: قال عبد الله بن عمر: إنها تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء, فتفشو في وجهه, فيسودّ وجهه, وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو في وجه, حتى يبيضّ وجهه, فيجلس أهل البيت على المائدة, فيعرفون المؤمن من الكافر, ويتبايعون في الأسواق, فيعرفون المؤمن من الكافر.

حدثني ابن عبد الرحيم البرقي, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: ثنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب, قالا ثنا ابن الهاد, عن عمر بن الحكم, أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: تخرج الدابة من شعب, فيمسّ رأسها السحاب, ورجلاها في الأرض ما خرجتا, فتمرّ بالإنسان يصلي, فتقول: ما الصلاة من حاجتك فتخطمه.

حدثنا صالح بن مسمار, قال: ثنا ابن أبي فديك, قال: ثنا يزيد بن عياض, عن محمد بن إسحاق, أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو, قال: تخرج دابة الأرض ومعها خاتم سليمان وعصا موسى, فأما الكافر فتختم بين عينيه بخاتم سليمان, وأما المؤمن فتمسح وجهه بعصا موسى فيبيض.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( تُكَلِّمُهُمْ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: ( تُكَلِّمُهُمْ ) بضم التاء وتشديد اللام, بمعنى تخبرهم وتحدثهم, وقرأه أبو زرعة بن عمرو: " تَكْلِمُهُمْ" بفتح التاء وتخفيف اللام بمعنى: تسمهم.

والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) قال: تحدثهم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) وهي في بعض القراءة " تحدثهم " تقول لهم: (أن الناس كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ ).

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس, في قوله: ( تُكَلِّمُهُمْ ) قال: كلامها تنبئهم (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ َ ).

وقوله: (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة والشام: " إنَّ النَّاسَ" بكسر الألف من " إن " على وجه الابتداء بالخبر عن الناس أنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون; وهي وإن كسرت في قراءة هؤلاء فإن الكلام لها متناول.

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة وبعض أهل البصرة: (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا ) بفتح أن بمعنى: تكلمهم بأن الناس, فيكون حينئذ نصب بوقوع الكلام عليها.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مستفيضتان في قراءة الأمصار, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم : اختلف في معنى وقع القول وفي ( الدابة ) فقيل : معنى وقع القول عليهم وجب الغضب عليهم ; قاله قتادة .

وقال مجاهد : أي حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون .

وقال ابن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما : إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم .

وقال عبد الله بن مسعود : ( وقع القول ) يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن .

قال عبد الله : أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع ، قالوا : هذه المصاحف ترفع ، فكيف بما في صدور الرجال ؟

قال : يسرى عليه ليلا فيصبحون منه قفرا ، وينسون لا إله إلا الله ، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم ، وذلك حين يقع القول عليهم .قلت : أسنده أبو بكر البزار قال : حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي قال : حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن ابن لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن أبيه أنه قال : أكثروا من زيارة هذا البيت من قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه ; وأكثروا تلاوة القرآن من قبل أن يرفع ; قالوا : يا أبا عبد الرحمن هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال ؟

قال : فيصبحون فيقولون كنا نتكلم بكلام ونقول قولا .

فيرجعون إلى شعر الجاهلية وأحاديث الجاهلية ، وذلك حين يقع القول عليهم .

وقيل : القول هو قوله تعالى : ولكن حق القول مني لأملأن جهنم فوقوع القول وجوب العقاب على هؤلاء ،[ ص: 217 ] فإذا صاروا إلى حد لا تقبل توبتهم ولا يولد لهم ولد مؤمن فحينئذ تقوم القيامة ; ذكره القشيري .

وقول سادس : قالت حفصة بنت سيرين سألت أبا العالية عن قول الله تعالى : وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم فقال : أوحى الله إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وكأنما كان على وجهي غطاء فكشف .

قال النحاس : وهذا من حسن الجواب ; لأن الناس ممتحنون ومؤخرون لأن فيهم مؤمنين وصالحين ، ومن قد علم الله عز وجل أنه سيؤمن ويتوب ; فلهذا أمهلوا وأمرنا بأخذ الجزية ، فإذا زال هذا وجب القول عليهم ، فصاروا كقوم نوح حين قال الله تعالى : إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن .قلت : وجميع الأقوال عند التأمل ترجع إلى معنى واحد .

والدليل عليه آخر الآية إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون وقرئ : ( أن ) بفتح الهمزة وسيأتي .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض وقد مضى .

واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافا كثيرا قد ذكرناه في كتاب ( التذكرة ) ونذكره هنا إن شاء الله تعالى مستوفى .

فأول الأقوال أنه فصيل ناقة صالح وهو أصحها - والله أعلم - لما ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة فقال : لها ثلاث خرجات من الدهر فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك فيفشو ذكرها في البادية ويدخل ذكرها القرية .

يعني مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب فارفض الناس منها شتى ومعا وتثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول : يا فلان الآن تصلي ؟

فتقبل عليه فتسمه في وجهه ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال ويصطلحون في الأمصار يعرف المؤمن من الكافر حتى إن المؤمن يقول : يا كافر اقض حقي .

وموضع الدليل من هذا الحديث أنه الفصيل قوله : وهي ترغو .

والرغاء [ ص: 218 ] إنما هو للإبل ; وذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب فانفتح له حجر فدخل في جوفه ثم انطبق عليه ، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله عز وجل .

وروي أنها دابة مزغبة شعراء ، ذات قوائم طولها ستون ذراعا ، ويقال إنها الجساسة ; وهو قول عبد الله بن عمر وروي عن ابن عمر أنها على خلقة الآدميين ; وهي في السحاب وقوائمها في الأرض .

وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان .

وذكر الماوردي والثعلبي : رأسها رأس ثور ، وعينها عين خنزير ، وأذنها أذن فيل ، وقرنها قرن أيل ، وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هر ، وذنبها ذنب كبش ، وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعا - الزمخشري : بذراع آدم عليه السلام - ويخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان ، فتنكت في وجه المسلم بعصا موسى نكتة بيضاء فيبيض وجهه ، وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان عليه السلام فيسود وجهه ; قاله ابن الزبير رضي الله عنهما .

وفي كتاب النقاش عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن الدابة الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة .

وحكى الماوردي عن محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن الدابة فقال : أما والله ما لها ذنب وإن لها للحية .

قال الماوردي : وفي هذا القول منه إشارة إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح به .قلت : ولهذا - والله أعلم - قال بعض المتأخرين من المفسرين : إن الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا ، فيهلك من هلك عن بينة : ويحيا من حيي عن بينة .

قال شيخنا الإمام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي في كتاب ( المفهم ) له : وإن ما كان عند هذا القائل الأقرب لقوله تعالى : ( تكلمهم ) وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة ، ولا يكون من العشر الآيات المذكورة في الحديث ; لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير ، فلا آية خاصة بها فلا ينبغي أن تذكر مع العشر ، [ ص: 219 ] وترتقع خصوصية وجودها إذا وقع القول ، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان أو بالعالم أو بالإمام إلى أن يسمى بدابة ; وهذا خروج عن عادة الفصحاء ، وعن تعظيم العلماء ، وليس ذلك دأب العقلاء ; فالأولى ما قاله أهل التفسير ، والله أعلم بحقائق الأمور .قلت : قد رفع الإشكال في هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة فليعتمد عليه ، واختلف من أي موضع تخرج ، فقال عبد الله بن عمر : تخرج من جبل الصفا بمكة ; يتصدع فتخرج منه .

قال عبد الله بن عمرو نحوه وقال : لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت وروي في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الأرض تنشق عن الدابة وعيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون من ناحية المسعى وإنها تخرج من الصفا فتسم بين عيني المؤمن هو مؤمن سمة كأنها كوكب دري وتسم بين عيني الكافر نكتة سوداء : كافر وذكر في الخبر أنها ذات وبر وريش ; ذكره المهدوي .

وعن ابن عباس أنها تخرج من شعب فتمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض لم تخرجا ، وتخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام .

وعن حذيفة : تخرج ثلاث خرجات ; خرجة في بعض البوادي ثم تكمن ، وخرجة في القرى يتقاتل فيها الأمراء حتى تكثر الدماء ، وخرجة من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها وأفضلها الزمخشري : تخرج من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد ; فقوم يهربون ، وقوم يقفون نظارة .

وروي عن قتادة أنها تخرج في تهامة .

وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح عليه السلام .

وقيل : من أرض الطائف ; قال أبو قبيل : ضرب عبد الله بن عمرو أرض الطائف برجله وقال : من هنا تخرج الدابة التي تكلم الناس وقيل : من بعض أودية تهامة ; قاله ابن عباس وقيل : من صخرة من شعب أجياد ; قاله عبد الله بن عمرو .

وقيل : من بحر سدوم ; قاله وهب بن منبه .

ذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة الماوردي في كتابه .

وذكر البغوي أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال : حدثنا علي بن الجعد عن فضيل بن مرزوق الرقاشي الأغر - وسئل عنه يحيى بن معين فقال ثقة - عن [ ص: 220 ] عطية العوفي عن ابن عمر قال : تخرج الدابة من صدع في الكعبة كجري الفرس ثلاثة أيام لا يخرج ثلثها .قلت : فهذه أقوال الصحابة والتابعين في خروج الدابة وصفتها ، وهي ترد قول من قال من المفسرين : إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر وقد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ذكره الماوردي .

تكلمهم بضم التاء وشد اللام المكسورة - من الكلام - قراءة العامة ; يدل عليه قراءة أبي ( تنبئهم ) .

وقال السدي : تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام .

وقيل : تكلمهم بما يسوءهم .

وقيل : تكلمهم بلسان ذلق فتقول بصوت يسمعه من قرب وبعد ( إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) أي بخروجي ; لأن خروجها من الآيات .

وتقول : ألا لعنة الله على الظالمين .

وقرأ أبو زرعة وابن عباس والحسن وأبو رجاء : ( تكلمهم ) بفتح التاء من ( الكلم ) وهو الجرح قال عكرمة : أي تسمهم .

وقال أبو الجوزاء : سألت ابن عباس عن هذه الآية تكلمهم أو ( تكلمهم ) ؟

فقال : هي والله ( تكلمهم ) و ( تكلمهم ) تكلم المؤمن وتكلم الكافر والفاجر أي تجرحه .

وقال أبو حاتم : ( تكلمهم ) كما تقول : تجرحهم ; يذهب إلى أنه تكثير من ( تكلمهم ) .

أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق ويحيى : ( أن ) بالفتح .

وقرأ أهل الحرمين وأهل الشام وأهل البصرة : ( إن ) بكسر الهمزة .

قال النحاس : في المفتوحة قولان وكذا المكسورة ; قال الأخفش : المعنى ( بأن ) وكذا قرأ ابن مسعود ( بأن ) وقال أبو عبيدة : موضعها نصب بوقوع الفعل عليها ; أي تخبرهم أن الناس .

وقرأ الكسائي والفراء : ( إن الناس ) بالكسر على الاستئناف وقال الأخفش : هي بمعنى : تقول : إن الناس ; يعني الكفار بآياتنا لا يوقنون يعني بالقرآن وبمحمد صلي الله عليه وسلم ، وذلك حين لا يقبل الله من كافر إيمانا ولم يبق إلا مؤمنون وكافرون في علم الله قبل خروجها ; والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: إذا وقع على الناس القول الذي حتمه الله وفرض وقته.

{ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً } خارجة { مِنَ الْأَرْضِ } أو دابة من دواب الأرض ليست من السماء.

وهذه الدابة { تُكَلِّمُهُمْ } أي: تكلم العباد أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، أي: لأجل أن الناس ضعف علمهم ويقينهم بآيات الله، فإظهار الله هذه الدابة من آيات الله العجيبة ليبين للناس ما كانوا فيه يمترون.وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث ولم يأت دليل يدل على كيفيتها ولا من أي: نوع هي وإنما دلت الآية الكريمة على أن الله يخرجها للناس وأن هذا التكليم منها خارق للعوائد المألوفة وأنه من الأدلة على صدق ما أخبر الله به في كتابه والله أعلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذا وقع القول عليهم ) وجب العذاب عليهم ، وقال قتادة : إذا غضب الله عليهم ، ( أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ) واختلفوا في كلامها ، فقال السدي : تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام .

وقال بعضهم : كلامها أن تقول لواحد : هذا مؤمن ، وتقول لآخر : هذا كافر .

وقيل كلامها ما قال الله تعالى : ( أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) قال مقاتل تكلمهم بالعربية ، فتقول : إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ، تخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن والبعث .

قرأ أهل الكوفة : " أن الناس " بفتح الألف ، أي : بأن الناس ، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف ، أي : إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون قبل خروجها .

قال ابن عمر : وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر .

وقرأ سعيد بن جبير ، وعاصم الجحدري ، وأبو رجاء العطاردي : " تكلمهم " بفتح التاء وتخفيف اللام من " الكلم " وهو الجرح .

قال أبو الجوزاء : سألت ابن عباس - رضي الله عنهما - عن هذه الآية : " تكلمهم أو تكلمهم " ؟

قال : كل ذلك تفعل ، تكلم المؤمن ، وتكلم الكافر .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني ، أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدجال ، ودابة الأرض ، وخاصة أحدكم ، وأمر العامة " .

أخبرنا إسماعيل بن عبد الله ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أخبرنا مسلم بن الحجاج ، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أخبرنا محمد بن بشر ، عن أبي حيان ، عن أبي زرعة ، عن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا " .

وأخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن فنجويه ، أخبرنا أبو بكر بن خرجة ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي ، أخبرنا هشيم بن حماد ، أخبرنا عمرو بن محمد العبقري ، عن طلحة عن عمرو ، عن عبد الله بن عمير الليثي ، عن أبي سريحة الأنصاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر ، فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية ولا يدخل ذكرها القرية " ، يعني مكة ، " ثم تمكث زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة ، فيفشو ذكرها بالبادية ، ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة - فبينما الناس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله - عز وجل - يعني المسجد الحرام - لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو " كذا قال ابن عمر ، وما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك فارفض الناس عنها وثبتت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله ، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب ، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول : يا فلان الآن تصلي ؟

فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه ، فيتجاور الناس في ديارهم ، ويصطحبون في أسفارهم ، ويشتركون في الأموال ، يعرف الكافر من المؤمن ، فيقال للمؤمن : يا مؤمن ، ويقال للكافر : يا كافر " أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني الحسن بن محمد ، أخبرنا أبو بكر بن مالك القطيعي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، أخبرنا أبي ، حدثنا بهز ، حدثنا حماد ، هو ابن أبي سلمة ، أخبرنا علي بن زيد ، عن أوس بن خالد ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ، فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتختم أنف الكافر بالخاتم ، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر " .

وروي عن علي قال : ليست بدابة لها ذنب ، ولكن لها لحية ، كأنه يشير إلى أنه رجل والأكثرون على أنها دابة .

وروى ابن جريج عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال : رأسها رأس الثور وعينها عين الخنزير ، وأذنها أذن فيل ، وقرنها قرن أيل ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش ، وقوائمها قوائم بعير ، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا ، ومعها عصا موسى ، وخاتم سليمان ، فلا يبقى مؤمن إلا نكتته في مسجده بعصا موسى نكتة بيضاء يضيء بها وجهه ، ولا يبقى كافر إلا نكتت وجهه بخاتم سليمان فيسود بها وجهه ، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق : بكم يا مؤمن ؟

بكم يا كافر ؟

ثم تقول لهم الدابة : يا فلان أنت من أهل الجنة ، ويا فلان أنت من أهل النار ، فذلك قوله - عز وجل - : ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض ) الآية .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني عقيل بن محمد الجرجاني الفقيه ، أخبرنا أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، أخبرنا أبو كريب ، أخبرنا الأشجعي ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن ابن عمر قال : تخرج الدابة من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها .

وبه عن محمد بن جرير الطبري قال : حدثني عصام بن داود بن الجراح ، حدثنا أبي ، حدثنا سفيان بن سعيد ، أخبرنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدابة ، قلت : يا رسول الله من أين تخرج ؟

قال : " من أعظم المساجد حرمة على الله ، بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضرب الأرض تحتهم ، وتنشق الصفا مما يلي المشعر ، وتخرج الدابة من الصفا أول ما يبدر منها رأسها ملمعة ذات وبر وريش ، لن يدركها طالب ولن يفوتها هارب ، تسمي الناس مؤمنا وكافرا ، أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري وتكتب بين عينيه مؤمن ، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء ، وتكتب بين عينيه كافر " .

وروي عن ابن عباس : أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم ، وقال : إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه .

وعن عبد الله بن عمر ، قال : تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها في السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا ، فتمر بالإنسان يصلي فتقول : ما الصلاة من حاجتك ، فتخطمه .

وعن ابن عمر قال : تخرج الدابة ليلة جمع الناس والناس يسيرون إلى منى .

وعن سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " بئس الشعب شعب أجياد " ، مرتين أو ثلاثا ، قيل : ولم ذلك يا رسول الله ؟

قال : " تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين " وقال وهب : وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق الطير ، فتخبر من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا وقع القول عليهم» حق العذاب أن ينزل بهم في جملة الكفار «أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم» أي تكلم الموجودين حين خروجها بالعربية تقول لهم من جملة كلامها عنا «إن الناس» كفار مكة وعلى قراءة فتح همزة إن تقدر الباء بعد تكلمهم «كانوا بآياتنا لا يوقنون» لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب، وبخروجها ينقطع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا يؤمن كافر كما أوْحى الله إلى نوح [أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن].

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا وجب العذاب عليهم؛ لتماديهم في المعاصي والطغيان، وإعراضهم عن شرع الله وحكمه، حتى صاروا من شرار خلقه، أخرجنا لهم من الأرض في آخر الزمان علامة من علامات الساعة الكبرى، وهي "الدابة"، تحدثهم أن الناس المنكرين للبعث كانوا بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم ودينه لا يصدقون ولا يعملون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أخذت السورة الكريمة تسوق فى أواخرها بعض أشراط الساعة وعلاماتها ، وأهوالها ، لكى تعتبر النفوس ، وتخشع لله - تعالى - .

فقال - عز وجل - : ( وَإِذَا وَقَعَ .

.

.

) .قال الإِمام ابن كثير : هذه الدابة تخرج فى آخر الزمان عند فساد الناس ، وتركهم أوامر الله ، وتبديلهم الدين الحق ، يخرج الله لهم دابة من الأرض قيل : من مكة ، وقيل من غيرها .ثم ذكر - رحمه الله - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها : ما رواه مسلم عن حذيفة بن اسيد الغفارى قال : " أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفته ، ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال : لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى بن مريم ، والدجال ، و ثلاثة خسوف : خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن ، تسوق - أو تحشر - الناس ، تبيت معهم حيث باتوا - وتقيل معهم حيث قالوا " .والدابة : اسم لكل حيوان ذى روح ، سواء أكان ذكرا أم أنثى ، عاقلا أم غير عاقل ، من الدبيب وهو فى الأصل : المشى الخفيف ، واختصت فى العرف بذوات القوائم الاربع .والمراد بوقوع القول عليهم : قرب قيام الساعة ، وانتهاء الوقت الذى يقبل فيه الإيمان من الكافر .

أو الذى تنفع فيه التوبة .والمعنى إذا دنا وقت قيام الساعة .

وانتهى الوقت الذى ينفع فيه الإيمان أو التوبة .

.

أخرجنا للناس بقدرتنا وإرادتنا ، دابة من الأرض تكلمهم ، فيفهمون كلامها ، ويعرفون أن موعد قيام الساعة قد اقترب .

و ( أَنَّ الناس ) أى : الكافرين ( كَانُوا بِآيَاتِنَا ) الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ( لاَ يُوقِنُونَ ) بها ، ولا يصدقون أن هناك بعثا وحسابا .فخروج الدالة علامة من علامات الساعة الكبرى ، يخرجها الله - عز وجل - ليعلم الناس قرب انتهاء الدنيا وأن الحساب العادل للمؤمنين والكافرين ، آت لا شك فيه ، وأن التوبة لن تقبل فى هذا الوقت ، لأنها جاءت فى غير وقتها المناسب .وقد ذكر بعض المفسرين أوصافا كثيرة ، منها أن طولها ستون ذارعا وأن رأسها رأس ثور ، وأذنها أذن فيل ، وصدرها صدر اسد .

.

الخ .ونحن نؤمن بأن هناك دابة تخرج فى آخر الزمان ، وأنها تكلم الناس بكيفية يعلمها الله - عز وجل - أمَّا ما يتعلق بالمكان الذى تخرج منه هذه الدابة ، وبالهيئة التى تكون عليها من حيث الطول والقصر ، فنكل ذلك إلى علمه - سبحانه - حيث لم يرد حديث صحيح يعتمد عليه فى بيان ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى بين بالدلائل القاهرة كمال القدرة وكمال العلم، ثم فرع عليهما القول بإمكان الحشر، ثم بين الوجه في كون القرآن معجزاً، ثم فرع عليه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تكلم الآن في مقدمات قيام القيامة، وإنما أخر تعالى الكلام في هذا الباب عن إثبات النبوة، لما أن هذه الأشياء لا يمكن معرفتها إلا بقول النبي الصادق وهذا هو النهاية في جودة الترتيب.

واعلم أنه تعالى ذكر تارة ما يكون كالعلامة لقيام القيامة، وتارة الأمور التي تقع عند قيام القيامة، فذكر أولاً من علامات القيامة دابة الأرض، والناس تكلموا فيها من وجوه: أحدها: في مقدار جسمها، وفي الحديث أن طولها ستون ذراعاً، وروي أيضاً أن رأسها تبلغ السحاب.

وعن أبي هريرة ما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وثانيها: في كيفية خلقتها، فروي أن لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.

وعن ابن جريج في وصفها: رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن إيَّل وصدر أسد ولون نمر وخاصرة (بقرة) وذنب كبش وخف بعير.

وثالثها: في كيفية خروجها عن علي عليه السلام أنه تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.

وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.

ورابعها: في موضع خروجها سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أين تخرج الدابة؟

فقال من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى المسجد الحرام وقيل تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.

وخامسها: في عدد خروجها فروي أنها تخرج ثلاث مرات، تخرج بأقصى اليمن، ثم تكمن، ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً، فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون (نظارة).

واعلم أنه لا دلالة في الكتاب على شيء من هذه الأمور، فإن صح الخبر فيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وإلا لم يلتفت إليه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم ﴾ فالمراد من القول متعلقه وهو ما وعدوا به من قيام الساعة ووقوعه حصوله، والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها، أما دابة الأرض فقد عرفتها.

وأما قوله: ﴿ تُكَلّمُهُمْ ﴾ فقرئ (تكْلِمهم) من الكلم وهو الجرح، روي أن الدابة تخرج من الصفا ومعها عصا موسى عليه السلام وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن بين عينيه بعصا موسى عليه السلام فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه، وتنكت الكافر في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه.

واعلم أنه يجوز أن يكون تكلمهم من الكلم أيضاً على معنى التكثير يقال فلان مكلم، أي مجرح.

وقرأ أبي (تنبئهم)، وقرأ ابن مسعود تكلمهم بأن الناس، والقراءة بإن مكسورة حكاية لقول الدابة ذلك، أو هي حكاية لقول الله تعالى بين به أنه أخرج الدابة لهذه العلة.

فإن قيل إذا كانت حكاية لقول الدابة فكيف يقول (بآياتنا)؟

جوابه: أن قولها حكاية لقول الله تعالى، أو على معنى بآيات ربنا، أو لاختصاصها بالله تعالى أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقال بعض خاصة الملك خيلنا وبلادنا، وإنما هي خيل مولاه وبلاده، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار، أي تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.

وأما قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً مّمَّن يُكَذّبُ بئاياتنا ﴾ فاعلم أن هذا من الأمور الواقعة بعد قيام القيامة، فالفرق بين من الأولى والثانية، أن الأولى للتبعيض، والثانية للتبيين كقوله: ﴿ مِنَ الأوثان  ﴾ .

أما قوله: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ معناه يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار، وهذه عبارة عن كثرة العدد وتباعد أطرافه، كما وصفت جنود سليمان بذلك وقوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بئاياتى ﴾ فهذا وإن احتمل معجزات الرسل كما قاله بعضهم، فالمراد كل الآيات فيدخل فيه سائر الكفار الذين كذبوا بآيات الله أجمع أو بشيء منها.

أما قوله: ﴿ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ فالواو للحال كأنه قال أكذبتم بها، بادي الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها.

أما قوله: ﴿ أمَّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فالمراد لما لم تشتغلوا بذلك العمل المهم، فأي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك؟ا كأنه قال كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل، ثم قال: ﴿ وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم ﴾ يريد أن العذاب الموعود يغشاهم بسبب تكذيبهم بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار كقوله: ﴿ هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ  ﴾ ثم إنه سبحانه بعد أن خوفهم بأحوال القيامة ذكر كلاماً يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا اليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً ﴾ أما وجه دلالته على التوحيد فلما ظهر في العقول أن التقليب من النور إلى الظلمة، ومن الظلمة إلى النور، لا يحصل إلا بقدرة قاهرة عالية.

وأما وجه دلالته على الحشر فلأنه لما ثبتت قدرته تعالى في هذه الصورة على القلب من النور إلى الظلمة وبالعكس، فأي امتناع في ثبوت قدرته على القلب من الحياة إلى الموت مرة، ومن الموت إلى الحياة أخرى.

وأما وجه دلالته على النبوة فلأنه تعالى يقلب الليل والنهار لمنافع المكلفين، وفي بعثة الأنبياء والرسل إلى الخلق منافع عظيمة، فما المانع من بعثتهم إلى الخلق لأجل تحصيل تلك المنافع؟

فقد ثبت أن هذه الكلمة الواحدة كافية في إقامة الدلالة على تصحيح الأصول الثلاثة التي منها منشؤ كفرهم واستحقاقهم العذاب، ثم في الآية سؤالان: السؤال الأول: ما السبب في أن جعل الإبصار للنهار وهو لأهله؟

جوابه: تنبيهاً على كمال هذه الصفة فيه.

السؤال الثاني: لما قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ فلم لم يقل والنهار لتبصروا فيه؟

جوابه: لأن السكون في الليل هو المقصود من الليل، وأما الإبصار في النهار فليس هو المقصود بل هو وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية.

وأما قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ خص المؤمنين بالذكر، وإن كانت أدلة للكل من حيث اختصوا بالقبول والانتفاع على ما تقدم في نظائره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

سمى معنى القول ومؤداه بالقول، وهو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب، ووقوعه: حصوله.

والمراد: مشارفة الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة.

ودابة الأرض: الجساسة.

جاء في الحديث: أنَّ طولَها ستونَ ذراعاً، لا يدركُها طالبٌ، ولا يفوتُها هاربٌ.

وروي: لها أربعٌ قوائمٌ وزغبٌ وريشٌ وجناحان وعن ابن جريج في وصفها: رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن إبل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرّ، وذنب كبش، وخف بعير.

وما بين المفصلين: اثنا عشر ذراعاً بذراع آدم عليه السلام.

وروي: لا تخرج إلا رأسها، ورأسها يبلغ أعنان السماء، أو يبلغ السحاب.

وعن أبي هريرة: فيها من كل لون، وما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وعن الحسن رضي الله عنه: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.

وعن علي رضي الله عنه: أنها تخرج ثلاثة أيام، والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل: من أين تخرج الدابة؟

فقال: «من أعظم المساجدِ حرمةً على اللَّهِ» يعني المسجد الحرام.

وروي: أنها تخرج ثلاث خرجات: تخرج بأقصى اليمن ثم تتمكن، ثم تخرج بالبادية ثم تتكمن دهراً طويلاً، فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله، فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة.

وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية بلسان ذلق فتقول ﴿ أَنَّ الناس كَانُوا بئاياتنا لاَ يُوقِنُونَ ﴾ يعني أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي؛ لأنّ خروجها من الآيات، وتقول: ألا لعنة الله على الظالمين.

وعن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.

وعن ابن عمرو رضي الله عنه: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المشرق، ثم الشام ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.

وروي: تخرج من أجياد.

وروي: بينا عيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم حتى تحرك القنديل، وينشق الصفا مما يلي المسعى، فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده، أو فيما بين عينيه بعصا موسى عليه السلام، فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه أو فتترك وجهه كأنه كوكب درّي، وتكتب بين عينيه: مؤمن: وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتى يسودّ لها وجهه وتكتب بين عينيه: كافر.

وروي: فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم، ثم تقول لهم: يا فلان، أنت من أهل الجنة.

ويا فلان، أنت من أهل النار.

وقرئ: ﴿ تكلمهم ﴾ من الكلم وهو الجرح.

والمراد به: الوسم بالعصا والخاتم.

ويجوز أن يكون تكلمهم من الكلم أيضاً، على معنى التكثير.

يقال: فلان مكلم، أي مجرّح.

ويجوز أن يستدل بالتخفيف على أنّ المراد بالتكليم: التجريح، كما فسر: لنحرقنه، بقراءة عليّ رضي الله عنه: لنحرقنه، وأن يستدل بقراءة أبيّ: تنبئهم.

وبقراءة ابن مسعود: تكلمهم بأنّ الناس، على أنه من الكلام.

والقراءة بإن مكسورة: حكاية لقول الدابة، إما لأنّ الكلام بمعنى القول.

أو بإضمار القول، أي: تقول الدابة ذلك.

أو هي حكاية لقوله تعالى عند ذلك.

فإن قلت: إذا كانت حكاية لقول الدابة فكيف تقول بآياتنا قلت: قولها حكاية لقول الله تعالى.

أو على معنى بآيات ربنا.

أو لاختصاصها بالله وأثرتها عنده، وأنها من خواص خلقه: أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا، وإنما هي خيل مولاه وبلاده.

ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار، أي: تكلمهم بأن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ إذا دَنا وُقُوعُ مَعْناهُ وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ البَعْثِ والعَذابِ.

﴿ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ ﴾ وهي الجَسّاسَةُ رُوِيَ أنَّ طُولَها سِتُّونَ ذِراعًا ولَها أرْبَعُ قَوائِمَ وزَغَبٌ ورِيشٌ وجَناحانِ، لا يَفُوتُها هارِبٌ ولا يُدْرِكُها طالِبٌ.

وَرُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ مِن أيْنَ مَخْرَجُها فَقالَ: مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللَّهِ، يَعْنِي المَسْجِدَ الحَرامَ» .

﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ مِنَ الكَلْمِ إذْ قُرِئَ «تَكْلَمُهم» .

وَرُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَتَنْكُتُ بِالعَصا في مَسْجِدِ المُؤْمِنِ نُكْتَةً بَيْضاءَ فَيَبِيضُّ وجْهُهُ، وبِالخاتَمِ في أنْفِ الكافِرِ نُكْتَةً سَوْداءَ فَيُسَوَّدُ وجْهُهُ.

﴿ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا ﴾ خُرُوجِها وسائِرِ أحْوالِها فَإنَّها مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ القُرْآنُ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ أنَّ النّاسَ بِالفَتْحِ.

﴿ لا يُوقِنُونَ ﴾ لا يَتَيَقَّنُونَ، وهو حِكايَةُ مَعْنى قَوْلِها أوْ حِكايَتُها لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ عِلَّةُ خُرُوجِها، أوْ تَكَلُّمَها عَلى حَذْفِ الجارِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم} سمى معنى القول مؤداه بالقول وهو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب وقوعه حصوله والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مّنَ الأرض تُكَلّمُهُمْ} هي الجساسة في الحديث طولها ستون ذراعاً لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب ولها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان وقيل لها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن إبل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هرة وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية فتقول {أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} أي لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات وتقول ألا لعنة

الله على الظالمين أو تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام أو بأن هذا مؤمن وأن هذا كافر وفتح أن كوفي وسهل على حذف الجار أي تكلمهم بأن وغيرهم كسروا لأن الكلام بمعنى القول أو بإضمار القول أي تقول الدابة ذلك ويكون المعنى بآيات ربنا أو حكاية لقول الله تعالى عند ذلك ثم ذكر قيام الساعة فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ بَيانٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ مِن بَقِيَّةِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ السّاعَةِ ومَبادِيها، والمُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ بِمَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها وبِوُقُوعِهِ قِيامُها وحُصُولُها عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِهِ لِلْإيذانِ بِشِدَّةِ وقْعِها وتَأْثِيرِها، وإسْنادُهُ إلى القَوْلِ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ وُقُوعِها مِن حَيْثُ إنَّها مِصْداقٌ لِلْقَوْلِ النّاطِقِ بِمَجِيئِها، وقَدْ أُرِيدَ بِالوُقُوعِ دُنُوُّهُ واقْتِرابُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتى أمْرُ اللَّهِ ﴾ فَفِيهِ مَجازُ المُشارَفَةِ أيْ إذا دَنا وُقُوعُ مَدْلُولِ القَوْلِ المَذْكُورِ الَّذِي لا يَكادُونَ يَسْمَعُونَهُ ومِصْداقُهُ.

﴿ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ ﴾ وذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، وهو وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا «حِينَ يُتْرَكُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أكْثِرُوا الطَّوافَ بِالبَيْتِ مِن قَبْلِ أنْ يُرْفَعَ ويَنْسى النّاسُ مَكانَهُ وأكْثِرُوا تِلاوَةَ القُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُرْفَعَ، قِيلَ: وكَيْفَ يُرْفَعُ ما في صُدُورِ الرِّجالِ؟

قالَ: يُسَرّى عَلَيْهِمْ لَيْلًا فَيُصْبِحُونَ مِنهُ فَقُراءَ ويَنْسَوْنَ قَوْلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَقَعُونَ في قَوْلِ الجاهِلِيَّةِ وأشْعارِهِمْ فَذَلِكَ حِينَ يَقَعُ القَوْلُ عَلَيْهِمْ»، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ خُرُوجَ الدّابَّةِ حِينَ لا يَبْقى في الأرْضِ خَيْرٌ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَعْدَ مَوْتِ عِيسى والمَهْدِيِّ وأتْباعِهِما عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأخْبارِ ما هو ناطِقٌ بِأنَّها تَخْرُجُ وعِيسى يَطُوفُ بِالبَيْتِ ومَعَهُ المُسْلِمُونَ.

وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: أوَّلُ الآياتِ الرُّومُ والثّانِيَةُ الدَّجّالُ والثّالِثَةُ يَأْجُوحُ ومَأْجُوجُ والرّابِعَةُ عِيسى والخامِسَةُ الدُّخانُ والسّادِسَةُ الدّابَّةُ، وصَوَّبَ السَّفارِينِيُّ أنَّها قَبْلَ الدُّخانِ، والحَقُّ أنَّها تَخْرُجُ وفي النّاسِ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، فالظّاهِرُ أنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الحَقِّ ما أخْرَجَ أحْمَدُ والطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ وتُحَطِّمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخُوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ»» وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ فِيها اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَحَكى أبُو حَيّانَ في البَحْرِ والدُّمَيْرِيُّ في حَياةِ الحَيَوانِ رِوايَةَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَبْثُوثٌ نَوْعُها في الأرْضِ فَلَيْسَتْ دابَّةً واحِدَةً وعَلَيْهِ يُرادُ بِدابَّةِ الجِنْسِ الصّادِقِ بِالمُتَعَدِّدِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّها دابَّةٌ واحِدَةٌ وهو الصَّحِيحُ، فالتَّعْبِيرُ عَنْها بِاسْمِ الجِنْسِ وتَأْكِيدُ إبْهامِهِ بِالتَّنْوِينِ الدّالِّ عَلى التَّفْخِيمِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غَرابَةِ شَأْنِها وخُرُوجِ أوْصافِها عَنْ طَوْرِ البَيانِ ما لا يَخْفى، وعَلى كَوْنِها واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها أيْضًا فَقِيلَ: هي مِنَ الإنْسِ واسْتُؤْنِسَ لَهُ بِما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القَرْظِيُّ قالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنِ الدّابَّةِ فَقالَ: أما واللَّهِ إنَّها لَيْسَتْ بِدابَّةٍ لَها ذَنَبٌ ولَكِنَ لَها لِحْيَةٌ، وفي المِيزانِ لِلذَّهَبِيِّ عَنْ جابِرٍ الجُعْفِيِّ وهو كَذّابٌ- قالَ أبُو حَنِيفَةَ: ما لَقِيتُ أكْذَبَ مِنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: هي مِنَ الإنْسِ وأنَّها عَلِيٌّ نَفْسُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَلى ذَلِكَ جَمَعَ مِن إخْوانِهِ الشِّيعَةِ ولَهم في ذَلِكَ رِواياتٌ: مِنها ما رَواهُ عَلِيُّ بْنُ إبْراهِيمَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: يا أبا اليَقْظانِ آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أفْسَدَتْ قَلْبِي، قالَ عَمّارٌ: وأيَّةُ آيَةٍ هِيَ؟!

فَقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةَ فَأيَّةُ دابَّةٍ هَذِهِ؟

قالَ عَمّارٌ: واللَّهِ ما أجْلِسُ ولا آكُلُ ولا أشْرَبُ حَتّى أُرِيَكَها فَجاءَ عَمّارٌ مَعَ الرَّجُلِ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو يَأْكُلُ تَمْرًا وزُبْدًا فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ هَلُمَّ فَجَلَسَ عَمّارٌ يَأْكُلُ مَعَهُ فَتَعَجَّبَ الرَّجُلُ مِنهُ فَلَمّا قامَ عَمّارٌ قالَ الرَّجُلُ: سُبْحانَ اللَّهِ حَلَفْتَ أنَّكَ لا تَجْلِسُ ولا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ حَتّى تُرِيَنِيها قالَ عَمّارٌ: قَدْ أرَيْتُكَها إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، ورَوى العَيّاشِيُّ هَذِهِ القِصَّةَ بِعَيْنِها عَنْ أبِي ذَرٍّ أيْضًا وكُلُّ ما يَرْوُونَهُ في ذَلِكَ كَذِبٌ صَرِيحٌ، وفِيهِ القَوْلُ بِالرَّجْعَةِ الَّتِي لا يَنْتَهِضُ لَهم عَلَيْها دَلِيلٌ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يُعارِضُ ما ذُكِرَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ النَّزّالِ بْنِ سَبْرَةَ قالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّكَ دابَّةُ الأرْضِ، فَقالَ: واللَّهِ إنَّ لِدابَّةِ الأرْضِ لَرِيشًا وزَغَبًا وما لِي رِيشٌ ولا زَغَبٌ وإنَّ لَها لَحافِرًا وما لِي مِن حافِرٍ وإنَّها لَتَخْرُجُ مِن حَفْرِ الفَرَسِ الجَوادِ ثَلاثًا وما خَرَجَ ثُلُثُها، والمَشْهُورُ- وهو الحَقُّ- أنَّها دابَّةٌ لَيْسَتْ مِن نَوْعِ الإنْسانِ، فَقِيلَ: هي الثُّعْبانُ الَّذِي كانَ في جَوْفِ الكَعْبَةِ واخْتَطَفَتْهُ العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ البَيْتِ الحَرامِ فَمَنَعَهم وأنَّ العُقابَ الَّتِي اخْتَطَفَتْهُ ألْقَتْهُ بِالحَجُونِ فالتَقَمَتْهُ الأرْضُ، وذَكَرَ ذَلِكَ الدُّمَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها غَيْرُها.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ وصَفَ الدّابَّةَ فَقالَ: رَأْسُها رَأْسُ ثَوْرٍ وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ وقَرْنُها قَرْنُ أُيَّلٍ وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرَّةٍ وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ بَيْنَ كُلِّ مَفْصِلَيْنِ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا- زادَ ابْنُ جَرِيرٍ- بِذِراعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ونَقَلَ السَّفارِينِيُّ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: صَوْتُها صَوْتُ حِمارٍ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الدّابَّةُ مُؤَلَّفَةٌ ذاتَ زَغَبٍ ورِيشٍ فِيها مِن ألْوانِ الدَّوابِّ كُلِّها وفِيها مِن كُلِّ أُمَّةٍ سِيما وسِيماها مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أنَّها تَتَكَلَّمُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ وما بَيْنَ قَرْنَيْها فَرْسَخٌ لِلرّاكِبِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لَها عُنُقًا مُشْرِفًا يَراها مَن بِالمَشْرِقِ كَما يَراها مَن بِالمَغْرِبِ ولَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ ومِنقارٌ كَمِنقارِ الطَّيْرِ ذاتَ وبَرٍ وزَغَبٍ، وعَنْ وهْبٍ وجْهُها وجْهُ رَجُلٍ وسائِرُ خَلْقِها كَخَلْقِ الطَّيْرِ، وصَرَّحَ في بَعْضِ الرِّواياتِ بِأنَّ لَها جَناحَيْنِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ طُولَها سِتُّونَ ذِراعًا، واخْتُلِفَ في مَحَلِّ خُرُوجِها فَقِيلَ: المَسْجِدُ الحَرامُ لِما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: ««ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ  الدّابَّةَ فَقالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مِن أيْنَ تَخْرُجُ؟

قالَ: مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةٍ عَلى اللَّهِ تَعالى بَيْنَما عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ ومَعَهُ المُسْلِمُونَ إذْ تَضْطَرِبُ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ تُحَرِّكُ القِنْدِيلَ ويَنْشَقُّ الصَّفا مِمّا يَلِي المَسْجِدَ فَتَخْرُجُ الدّابَّةُ مِنَ الصَّفا أوَّلُ ما يَبْدُو رَأْسُها مُلَمَّعَةٌ ذاتَ وبَرٍ ورِيشٍ لَنْ يُدْرِكَها طالِبٌ ولَنْ يَفُوتَها هارِبٌ تَسِمُ النّاسَ مُؤْمِنًا وكافِرًا: أمّا المُؤْمِنُ فَيَرى وجْهَهُ كَأنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ وتَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُؤْمِنٌ وأمّا الكافِرُ فَتَنْكُتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَةً سَوْداءَ وتَكْتُبُ كافِرٌ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والخَطِيبُ في تالِي التَّلْخِيصِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن جَبَلِ جِيادٍ في أيّامِ التَّشْرِيقِ والنّاسُ بِمِنى.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ مِن جِيادٍ فَيَبْلُغُ صَدْرُها الرُّكْنَ ولَمْ يَخْرُجْ ذَنَبُها بَعْدُ وهي دابَّةٌ ذاتَ وبَرٍ وقَوائِمَ»».

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««ذَهَبَ بِي رَسُولُ اللَّهِ  إلى مَوْضِعٍ بِالبادِيَةِ قَرِيبٍ مِن مَكَّةَ فَإذا أرْضٌ يابِسَةٌ حَوْلَها رَمْلٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن هَذا المَوْضِعِ فَإذا شِبْرٌ في شِبْرٍ»».

وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّها تَخْرُجُ مِن أقْصى البادِيَةِ.

وفي بَعْضٍ مِن مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ.

وفي بَعْضٍ أنَّ لَها ثَلاثَ خُرُجاتٍ في الدَّهْرِ: تَخْرُجُ في أوَّلِ خَرْجَةٍ في أقْصى اليَمَنِ مُنْتَشِرًا ذِكْرُها بِالبادِيَةِ ولا يَدْخُلُ ذِكْرُها القَرْيَةَ يَعْنِي مَكَّةَ، ثُمَّ تَخْرُجُ خَرْجَةً أُخْرى فَيَعْلُو ذِكْرُها في البادِيَةِ ويَدْخُلُ القَرْيَةَ، ثُمَّ بَيْنَما النّاسُ في أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً لَمْ يَرُعْهم إلّا وهي في ناحِيَةِ المَسْجِدِ مِنَ الرُّكْنِ الأسْوَدِ وبابِ بَنِي مَخْزُومٍ فَيَرْفَضُّ النّاسُ عَنْها شَتّى وتَثْبُتُ عِصابَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَرَفُوا أنَّهم لَنْ يَعْجِزُوا اللَّهَ تَعالى فَتَنْفُضُ عَنْ رَأْسِها التُّرابَ فَتَجْلُو عَنْ وُجُوهِهِمْ حَتّى كَأنَّهُمُ الكَواكِبُ الدُّرِّيَّةُ.

واخْتُلِفَ أيْضًا في أنَّها هَلْ تُخْلَقُ يَوْمَ تَخْرُجُ أوْ هي مَخْلُوقَةٌ الآنَ؟

فَقِيلَ: إنَّها تُخْلَقُ يَوْمَ تَخْرُجُ، وقِيلَ: إنَّها مَخْلُوقَةٌ الآنَ لَكِنْ لَمْ تُؤْمَرْ بِالخُرُوجِ.

واسْتُدِلَّ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَعَ الصَّفا بِعَصاهُ وهو مُحْرِمٌ وقالَ: إنَّ الدّابَّةَ لَتَسْمَعُ قَرْعَ عَصايَ هَذِهِ، وعَلَيْهِ مَن يَقُولُ: إنَّها الثُّعْبانُ، ومَن يَقُولُ: إنَّها الجَسّاسَةُ الَّتِي تَتَجَسَّسُ الأخْبارَ لِلدَّجّالِ كَما هو المَرْوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها مَخْلُوقَةٌ في عَهْدِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ «أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُرِيَهُ الدّابَّةَ فَخَرَجَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ تَذْهَبُ في السَّماءِ لا يَرى واحِدٌ مِن طَرَفَيْها فَرَأى عَلَيْهِ السَّلامُ مَنظَرًا فَظِيعًا فَقالَ: يا رَبِّ رُدَّها فَرَدَّها.

وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها إذا خَرَجَتْ تَقْتُلُ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ- وهو ساجِدٌ- وذَلِكَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وتَحَقُّقُ هَلاكِهِ عِنْدَهُ، والأخْبارُ في هَذِهِ الدّابَّةِ كَثِيرَةٌ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا- في ماهِيَّتِها وشَكْلِها ومَحَلِّ خُرُوجِها وعَدَدِ خُرُوجِها ومِقْدارِ ما يَخْرُجُ مِنها وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ وما الَّذِي تَخْرُجُ بِهِ- اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا فاطْرَحْنا ذِكْرَهُ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ اهـ، وهو كَلامُ حَقٍّ وأنا إنَّما نَقَلْتُ بَعْضَ ذَلِكَ دَفْعًا لِشَهْوَةِ مَن يُحِبُّ الِاطِّلاعَ عَلى شَيْءٍ مِن أخْبارِها صِدْقًا كانَ أوْ كَذِبًا، وقَدْ تَصَدّى السَّفارِينِيُّ في كِتابِهِ البُحُورِ الزّاخِرَةِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ بَعْضِ هَذِهِ الأخْبارِ المُتَعارِضَةِ ولا أظُنُّهُ أتى بِشَيْءٍ.

ثُمَّ إنَّ الأخْبارَ المَذْكُورَةَ أقْرَبُها لِلْقَبُولِ الخَبَرُ الَّذِي حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، ومِنَ الأخْبارِ في هَذا البابِ ما صَحَّحَهُ الحاكِمُ وتَصْحِيحُهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ، وقُصارى ما أقُولُ في هَذِهِ الدّابَّةِ أنَّها دابَّةٌ عَظِيمَةٌ ذاتَ قَوائِمَ لَيْسَتْ مِن نَوْعِ الإنْسانِ أصْلًا يُخْرِجُها اللَّهُ تَعالى آخِرَ الزَّمانِ مِنَ الأرْضِ، وفي تَقْيِيدِ إخْراجِها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ نَوْعُ إشارَةٍ عَلى ما قِيلَ: إلى أنَّ خَلْقَها لَيْسَ بِطَرِيقِ التَّوالُدِ بَلْ هو بِطْرِيقِ التَّوَلُّدِ نَحْوَ خَلْقِ الحَشَراتِ.

وقِيلَ: إنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى تَكَوُّنِها في جَوْفِ الأرْضِ فَيَكُونُ في إخْراجِها مِنَ الأرْضِ رَمْزٌ إلى ما يَكُونُ في السّاعَةِ الَّتِي أُخْرِجَتْ هي بَيْنَ يَدَيْها مِن تَشَقُّقِ الأرْضِ وخُرُوجِ النّاسِ مِن جَوْفِها أحْياءً كامِلَةً خِلْقَتُهُمْ، وفي هَذا وما قَبْلَهُ ذَهابٌ إلى تَعَلُّقِ ﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ بِ ﴿ أخْرَجْنا ﴾ وهو الظّاهِرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ دُونَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ”دابَّةً“ أيْ دابَّةً كائِنَةً مِنَ الأرْضِ.

﴿ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ﴾ أيْ تُكَلِّمُهم بِأنَّهم كانُوا لا يَتَيَقَّنُونَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقَةِ بِمَجِيءِ السّاعَةِ ومَبادِيها أوْ بِجَمِيعِ آياتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تِلْكَ الآياتُ، وقِيلَ: بِآياتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خُرُوجُها بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وإضافَةُ الآياتِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِأنَّها حِكايَةٌ مِنهُ تَعالى لِمَعْنى قَوْلِها لا لِعَيْنِ عِبارَتِها.

وقِيلَ: لِأنَّها حِكايَةٌ مِنها لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ: لِاخْتِصاصِها بِهِ تَعالى وأثَرَتِها عِنْدَهُ سُبْحانَهُ كَما يَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ خَيْلُنا وبِلادُنا، وإنَّما الخَيْلُ والبِلادُ لِمَوْلاهُ، وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ بِآياتِ رَبِّنا.

والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ في تُكَلِّمُهم لِلْكَفَرَةِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مُطْلَقًا لا لِلْكَفَرَةِ المُحَدِّثِ عَنْهم فِيما سَبَقَ بِخُصُوصِهِمْ ضَرُورَةَ أنَّهم لَيْسُوا مَوْجُودِينَ عِنْدَ إخْراجِ الدّابَّةِ لِتُكَلِّمُهُمْ، وتَكْلِيمُها إيّاهُمْ- وهم مَوْتى- بَعِيدٌ أوْ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والرَّجْعَةُ الَّتِي يَعْتَقِدُها الشِّيعَةُ لا نَعْتَقِدُها، والآيَةُ الآتِيَةُ لا تَدُلُّ كَما يَزْعُمُونَ عَلَيْها.

ويَسْهُلُ أمْرُ ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مَدارُ الحَدِيثِ عَنْهم سِوى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ بِالآياتِ وإنْكارِ البَعْثِ وذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيهِمْ وفي الكَفَرَةِ المَوْجُودِينَ عِنْدَ إخْراجِ الدّابَّةِ، ومِثْلُهُ ضَمِيرًا- عَلَيْهِمْ.

ولَهُمْ- والمُرادُ بِالنّاسِ الكَفَرَةِ الماضُونَ مُطْلَقًا لا مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ فَقَطْ، والمُرادُ بِإخْبارِها إيّاهم بِذَلِكَ التَّحَسُّرُ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيقانِ بِما قَرُبَ وُقُوعُهُ وظُهُورُ بُطْلانِ ما اعْتَقَدُوهُ فِيهِ ومُؤاخَذَتُهم عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ أشَدَّ مُؤاخَذَةٍ، وفي ذَلِكَ اسْتِدْعاءٌ لِأمْثالِهِمْ إلى تَرْكِ ما هم عَلَيْهِ مِمّا شارَكُوهم بِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ وإنْكارِ البَعْثِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وأمْرُ الإخْبارِ عَلى حالِهِ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ لِلنّاسِ لا لِلْكَفَرَةِ مِنهم خاصَّةً، ويُرادُ بِالنّاسِ إمّا الكَفَرَةُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ، والمُرادُ بِالإخْبارِ التَّنْفِيرُ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ لِيَثْبُتَ المُؤْمِنُ ويَرْتَدِعَ الكافِرُ، وإمّا مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ والمُرادُ بِالإخْبارِ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِمْ بَيْنَ أحِبّائِهِمْ وأعْدائِهِمْ وكانَ بِلِسانِ الدّابَّةِ لِيَكُونَ أبْلَغَ لِما فِيهِ مِن ظُهُورِ خَطَئِهِمْ عِنْدَ ما لا يُظَنُّ إدْراكُهُ لَهُ فَضْلًا عَنِ النُّطْقِ بِهِ وإذاعَتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْنِيعِ، وكانَ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ لِيُرْدِفَهُ بِلا كَثِيرِ فَصْلِ ما يُشْبِهُهُ مِن شَهادَةِ الأعْضاءِ عَلَيْهِمْ وهي أبْعَدُ وُقُوعًا مَعَ تَشْنِيعِ الدّابَّةِ، وفي وُقُوعِها بَعْدَهُ ما يُشْبِهُ التَّرَقِّيَ مِنَ العَظِيمِ إلى الأعْظَمِ، وأيَّدَ كَوْنَ الضَّمائِرِ لِلنّاسِ عَلى الإطْلاقِ وأنَّ المُرادَ بِالنّاسِ المَذْكُورِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ أهْلُ مَكَّةَ ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّ الدّابَّةَ تُخْبِرُ كُلَّ مَن تَراهُ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا بِمُحَمَّدٍ  والقُرْآنِ لا يُوقِنُونَ.

وقِيلَ: ضَمِيرًا- عَلَيْهِمْ.

ولَهُمْ- لِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ المُحَدَّثِ عَنْهم فِيما سَبَقَ، ومَعْنى (لَهُمْ) لِذَمِّهِمْ أوْ نَحْوَهُ، وضَمِيرُ ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ لِلنّاسِ المَوْجُودِينَ عِنْدَ الإخْراجِ أوْ لِلْكَفَرَةِ كَذَلِكَ، والمُرادُ بِالنّاسِ المَذْكُورِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ بِأدْنى تَأمُّلٍ ما هو الأوْلى والأظْهَرُ في الآيَةِ مِنَ الأقْوالِ، وأيًّا ما كانَ فَوَصْفُ النّاسِ بِعَدَمِ الإيقانِ بِالآياتِ مَعَ أنَّهم كانُوا جاحِدِينَ لَها لِلْإيذانِ بِأنَّهُ كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُوقِنُوا بِها ويَقْطَعُوا بِصِحَّتِها، وقَدِ اتَّصَفُوا بِنَقِيضِ ذَلِكَ وكَوْنُ التَّكْلِيمِ مِنَ الكَلامِ هو الظّاهِرُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أبَيٍّ- تُنَبِّؤُهُمْ- وقِراءَةُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ تُحَدِّثُهم.

وقِيلَ: هو مِنَ الكَلْمِ بِمَعْنى الجَرْحِ والتَّفْعِيلُ لِلتَّكْثِيرِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي زُرْعَةَ والجَحْدَرِيِّ وأبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ «تَكْلِمُهُمْ» بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ اللّامِ وقِراءَةُ بَعْضِهِمْ- «تَجْرَحُهُمْ» - مَكانَ تُكَلِّمُهُمْ، وكَأنَّهُ أُرِيدَ بِالجَرْحِ ما هو مُقابِلُ التَّعْدِيلِ، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى مَعْنى التَّشْنِيعِ ورُجُوعِ الضَّمائِرِ عَلَيْهِ إلى الكَفَرَةِ المُحَدَّثِ عَنْهم فِيما سَبَقَ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ النّاسَ ﴾ إلَخْ بِتَقْدِيرِ بِأنَّ النّاسَ، والمَعْنى تُشَنِّعُ عَلَيْهِمْ بِهَذا الكَلامِ، ويُرادُ بِالنّاسِ فِيهِ أُولَئِكَ المُشَنَّعِ عَلَيْهِمْ، وظاهِرُ الآيَةِ وُقُوعُهُ في كَلامِها بِهَذا اللَّفْظِ، ولَعَلَّ فَهْمَ السّامِعِينَ كَوْنَ المُرادِ بِهِ مُشْرِكِي مَكَّةَ وقْتَ التَّشْنِيعِ بِمَعُونَةِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إذْ ذاكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الواقِعُ فِيهِ بَدَلَهُ مُشْرِكِي مَكَّةَ أوْ نَحْوَهُ، لَكِنْ جاءَ في الحِكايَةِ بِلَفْظِ النّاسِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ عَلى ما قِيلَ: الإيماءُ إلى كَثْرَتِهِمْ.

وقِيلَ: الرَّمْزُ إلى مَزِيدِ قُبْحِ عَدَمِ الإيقانِ مِنهُمْ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ وجْهُ العُدُولِ عَنْ- أنَّهُمْ- إلى ﴿ أنَّ النّاسَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ أيْ لِأنَّ النّاسَ إلَخْ، وهو تَعْلِيلٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِجُرْحِها إيّاهُمْ، وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ إلى مُشْرِكِي مَكَّةَ، وجُوِّزَ أنْ تُقَدَّرَ الباءُ عَلى أنَّها سَبَبِيَّةٌ.

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكَلْمِ الجُرْحَ بِمَعْنى الوَسْمِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّها تَسِمُ جَبْهَةَ الكافِرِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها تُحَطِّمُ أنْفَهُ بِعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَعَها، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ بِهِ ما ذُكِرَ لِما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا لَيْسَ ذَلِكَ بِحَدِيثٍ ولا كَلامٍ ولَكِنَّهُ سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ تَعالى، وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هَلْ ما في الآيَةِ تُكَلِّمُهم أوْ تَكْلُمُهُمْ؟

فَقالَ كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ تَجْرَحُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمائِرَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالكَلِمِ الجَرْحُ، والوَسْمُ راجِعَةٌ إلى الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ دُونَ المُحَدَّثِ عَنْهم فِيما سَبَقَ إذْ لا مَعْنى لِوَسْمِها إيّاهُمْ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ الَّذِينَ عادَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ، ولَعَلَّ المَعْنى تَسِمُهم لِأنَّهم كانُوا في عِلْمِنا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ- بِأنْ- وجُعِلَتْ مُؤَيِّدَةً لِكَوْنِ التَّكْلِيمِ مِنَ الكَلامِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى الظّاهِرِ وإلّا فالباءُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ فَتُلائِمُ كَوْنَهُ مِنَ الكَلِمِ بِمَعْنى الجَرْحِ، وقَرَأ بَعْضُ السَّبْعَةِ- إنْ- بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وخَرَجَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ التَّكْلِيمِ مِنَ الكَلامِ مَجْراهُ، أوْ عَلى أنَّ الكَلامَ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِلتَّعْلِيلِ فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ يعني: إذا وجب عليهم العذاب والسخط وذلك حين لا يقبل الله من كافر إيمانه، ولم يبق إلا من يموت كافراً في علم الله تعالى أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ وخروجها من أول أشراط الساعة تُكَلِّمُهُمْ أي تحدّثهم يعني: الدابة التي تكلم الناس بما يسوؤهم.

أَنَّ النَّاسَ قرأ عاصم وحمزة والكسائي أَنَّ بالنصب، وقرأ الباقون بالكسر.

فمن قرأ بالنصب، يكون حكاية قول الدابة، ومعناه: تكلمهم بأن الناس كانُوا بِآياتِنا لاَ يُوقِنُونَ أي: لا يؤمنون بآيات ربهم، وهي خروج الدابة.

ومن قرأ بالكسر يكون بمعنى الابتداء، ويتم الكلام عند قوله: تُكَلِّمُهُمْ ثم يقول الله تعالى: أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ يعني: لا يؤمنون.

قال أبو عبيد حدّثنا هشام عن المغيرة أن أبا زرعة بن عمر وابن عباس، قرءاها تُكَلِّمُهُمْ بنصب التاء، وكسر اللام، وبسكون الكاف، والتخفيف يعني: تسمهم، فيتبين الكافر من المسلم.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: حدثني الثقة عن أبي بكر الواسطي، عن إبراهيم بن يوسف، عن محمد بن الفضل الضبي، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، عن ابن عمر  م قال: «ألا أريكم المكان الذي قال فيه النبي  تخرج الدابة منه، فضرب بعصاه قبل الشق الذي في الصفا وقال: إنها ذات زغب وريش، وإنها لتخرج ثلثها أول ما تخرج، كحضر الفرس الجواد ثلاثة أيام ولياليهن، وإنها لتدخل عليهم، وإنهم ليفرون منها إلى المساجد، فتقول: أترون أن المساجد تنجيكم مني؟

وروى مقاتل قال: تخرج الدابة من الصفا، ولا يخرج إلا رأسها وعنقها، فتبلغ رأسها السحاب، فيراه أهل المشرق والمغرب، ثم تعود إلى مكانها، ثم تزلزل الأرض في ذلك اليوم في ست ساعات، فيمسون خائفين، فإذا أصبحوا جاءهم الصريخ بأن الدجال قد خرج.

وروي عن أبي هريرة أنه قال: «تخرج الدابة ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان عليهما السلام» فتجلو وجه المؤمن بعصا موسى، وتختم وجه الكافر بخاتم سليمان عليهما السلام ثم تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، فترى أهل البيت مجتمعين على خوانهم يقول لهذا: يا كافر، ولهذا: يا مؤمن.

وروى ابن جريج عن أبي الزبير قال: «رأسها رأس ثور، وعيناها عينا خنزير، وأذناها أذنا فيل، وقرناها قرنا أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرة، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين منها اثني عشر ذراعاً بذراع آدم  ، تخرج ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتنكت على وجه المؤمن حتى يبيض، وتختم الكافر بخاتم سليمان حتى يسود، فيعرف المؤمن من الكافر» .

وعن عبد الله بن عمر  أنه قال: «تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء، فتفشو في وجهه حتى يسودّ وجهه وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتغشو في وجهه حتى يبيض، ويتبايعون في الأسواق، فيعرفون المؤمن من الكافر» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

السماءِ هو بالمطر ومن الأرض بالنبات هذا هو مشهور ما يحُسُّه البشرُ، وكم للَّهِ بَعْدُ مِنْ لُطْفٍ خَفِي.

ثم أمرَ تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يُوقِفَهُمْ عَلَى أَنَّ الغَيبَ مِما انفَرَدَ الله بعلمِه ولذلكَ سُمِّي غَيْباً لغيبِه عن المخلوقين.

رُوِيَ: أنَّ هذهِ الآيةَ مِن قوله: قُلْ لاَّ يَعْلَمُ إنما نَزَلَتْ لأَجْلِ سؤالِ الكفّارِ عن السَّاعَةِ الموعودِ بِهَا، فجاءَ بلفظ يَعُمَّ السَّاعَةَ وغيرَها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون إيان يبعثون.

ص: أَيَّانَ اسم استفهامٍ بمعنى: متى، وهي معمولةً ل يُبْعَثُونَ، والجملة في موضع نصب ب يَشْعُرُونَ، انتهى.

وقرأ جمهور القراء: بَلِ ادَّارَكَ أصله: تَدَارَكَ.

وقرأ عاصم «١» في رواية أبي بكر:

«بل ادرك» على وزن افتعل، وهي بمعنى: تَفَاعَلَ.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «بَلْ أَدْرَكَ» وهذه القراءاتُ تحتملُ مَعْنَيَيْن: أحدهما: ادَّرَكَ علمُهم، أي: تَناهى، كما تقول ادَّركَ النباتُ، والمعنى: قد تَنَاهى علمهُم بالآخرة إلى أَن لا يعرفوا لها مقداراً، فيؤمنوا وإنما لهم ظنونٌ كاذبةٌ، أو إلى أن لا يعرفوا لها وقْتاً، والمعنى الثاني: بل ادَّرَكَ بمعنى: يُدْرِك أي أنهم في الآخرة يُدْرِكُ علمُهم وقتَ القيَامَةِ، ويرونَ العذابَ والحقائقَ التي كذَّبوا بها، وأمَّا في الدنيا فلا، وهذا هو تأويل ابن عباس «٢» ، ونحا إليه الزجاج «٣» ، فقوله: فِي الْآخِرَةِ على هذا التأويل: ظَرْفٌ وعلى التأويل الأول:

فِي بمعنى الباء.

ثم وَصَفَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ بأنهم في شكٍ منها، ثم أردف بصِفَةِ هي أبلغُ من الشَّكِ وهي العمى بالجملة عن أمر الآخرة، وعَمُونَ: أصله: (عميون) فعلون كحذرون.

وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، هذه الآية معنَاها واضحٌ مما تَقَدَّمَ في غيرها.

ثم ذكر- تعالى- استعجالَ كفارِ قريشٍ أمْرَ السَّاعَةِ والعذابَ بقولِهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ على معنى التعجيز، ورَدِفَ مَعْنَاه: قَرُبَ وأزِفَ قاله ابن عباس «١» وغيرُه، ولكنَّها عبارةٌ عَما يجيءُ بعدَ الشيء قريباً منه، والهاءُ في غائِبَةٍ للمبَالَغَةِ، أي مَا مِنْ شَيْءٍ في غايةِ الغَيْبِ والخفاءِ إلاَّ فِي كِتَابٍ عِندَ اللهِ وفي مكنونِ علمِه، لا إله إلا هو.

ثم نبّه- ٥٤ ب تعالى- على أنَّ/ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إسرائيل أكثر الأشياءِ التي كان بينهُم اختلافٌ في صِفَتِها، جاء بها القرآن على وجهها، وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كما أنه عمَىً على الكافرين المحتومِ عليهم، ثم سلَّى نبيَّه بقوله: إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى فشبَّهَهُمْ مرةً بالموتى، ومرةً بالصُّمِّ من حيث إنَّ فائدةَ القولِ لهؤلاءِ مَعْدُومَةٌ.

وقرأ حمزة «٢» : «وَمَا أَنتَ تَهْدِي العمي» بفعلٍ مستقبل، ومعنى قوله تعالى وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، أي: إذا انْتَجَزَ وعدُ عذابِهمُ الذي تَضَمَّنَه القولُ الأزلي من الله في ذلك، وهذا بمنزلة قوله تعالى: حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ [الزمر: ٧١] ، فمعنى الآية وإذا أراد اللهُ أن يُنْفذَ في الكافرينَ سَابقَ عِلمِهِ لَهُم من العذابِ أخْرَجَ لهم دابَّةً من الأرض، ورُوِيَ أَن ذلك حين ينقطعُ الخيرُ، ولا يؤمَر بمعروف، ولا يُنْهى عن منكر، ولا يِبْقَى مَنيبٌ ولا تائبٌ،

ووَقَعَ عبارةٌ عن الثبوت واللُّزُوم، وفي الحديث: أن الدابةَ وطلوعَ الشمسِ من المغْرِب مِنْ أولِ الأشراط، وهذه الدَّابَّةُ رُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ من الصَّفَا بمكَّةَ قاله ابن عمر «١» وغيره، وقيل غيرُ هذا.

وقرأ الجمهور «٢» : تُكَلِّمُهُمْ من الكلام.

وقرأ ابن عباس «٣» وغيرُه: تُكَلِّمُهُمْ- بفَتْحِ التاءِ وتخفيفِ اللام-، من الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، وسئل ابن عباس عن هذه الآية «تكلمهم أو تكلمهم» ؟

فقال: كل ذلك، واللهِ تفعلُ: تُكَلِّمُهُمْ وَتَكْلُمُهُمْ، وروي أنها تَمُرُّ على الناسِ فَتَسِمُ الكافرَ فِي جبهتِه وتَزْبُرُهُ وتَشْتُمُه وربما خَطَمَتْه، وَتَمْسَحُ على وجهِ المؤمنِ فتبيضه، ويعرفُ بعدَ ذلكَ الإيمانُ والكفرُ مِن أثرها، وفي الحديث: «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسَى، فَتَجْلُو وُجُوهَ المؤمِنِينَ بالعَصَا وتَخْتِمُ أَنْفَ الكَافِرِ بِالخَاتِمِ، حَتَّى أنَّ النَّاسَ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذا: يَا كَافِرُ» «٤» .

رواه البَزَّار، انتهى من «الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ» .

وقرأ الجمهور: «إنَّ النَّاسَ» - بكسر «إن» .

وقرأ حمزةُ «٥» والكسائيّ وعاصمٌ: «أنَّ» بفتحها.

وفي قراءة عبد الله «٦» : «تُكَلِّمُهُمْ بَأَنَّ» ، وعلى هذه القراءة فيكونُ قوله: أَنَّ النَّاسَ إلى آخرها مِنْ كلامِ الدابَّةِ، وروي ذلك عن ابن عَبَّاس.

ويحتملُ أَنْ يكون من كلام الله تعالى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم فَصارُوا أحْزابًا يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآَنُ بِبَيانِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَلَوْ أخَذُوا بِهِ لَسَلِمُوا.

﴿ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ﴾ يَعْنِي بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ بِحُكْمِهِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " بِحُكْمِهِ " بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَفّارِ فَشَبَّهَهم بِالمَوْتى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ " بِفَتْحِ مِيمِ " يَسْمَعُ "، وضَمِّ مِيمِ " الصُّمِّ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ أيْ: أنَّ الصُّمَّ إذا أدْبَرُوا عَنْكَ ثُمَّ نادَيْتَهم لَمْ يَسْمَعُوا، فَكَذَلِكَ الكافِرُ.

﴿ وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ ﴾ أيْ: [ما أنْتَ] بِمُرْشِدٍ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الهُدى، ﴿ إنْ تُسْمِعُ ﴾ إسْماعُ إفْهامٍ ﴿ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ ﴾ " وقَعَ " بِمَعْنى " وجَبَ " .

وَفِي المُرادِ بِالقَوْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: العَذابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الغَضَبُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: الحُجَّةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

ومَتى ذَلِكَ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ، ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.

والثّانِي: إذا لَمْ يُرْجَ صَلاحُهم، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي العالِيَةِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " عَلَيْهِمْ " إلى الكُفّارِ الَّذِينَ تَخْرُجُ الدّابَّةُ عَلَيْهِمْ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في صِفَةِ الدّابَّةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ، رَواهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذاتُ زَغَبٍ ورِيشٍ لَها أرْبَعُ قَوائِمَ.

والثّانِي: أنَّ رَأْسَها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلَيْنِ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ.

والثّالِثُ: أنَّ وجْهَها وجْهُ رَجُلٍ، وسائِرُ خَلْقِها كَخَلْقِ الطَّيْرِ، قالَهُ وهْبٌ.

والرّابِعُ: أنَّ لَها أرْبَعَ قَوائِمَ وزَغَبًا ورِيشًا وجَناحَيْنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي المَكانِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِنَ الصَّفا.

رَوى حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنِ النَّبِيِّ  [أنَّهُ] قالَ: " «بَيْنَما عِيسى يَطُوفُ بِالبَيْتِ ومَعَهُ المُسْلِمُونَ، تَضْطَرِبُ الأرْضُ تَحْتَهم، ويَنْشَقُّ الصَّفا مِمّا يَلِي المَسْعى، وتَخْرُجُ الدّابَّةُ مِنَ الصَّفا، أوَّلُ ما يَبْدُو مِنها رَأْسُها، مُلْمِعَةً ذاتَ وبَرٍ ورِيشٍ، لَنْ يُدْرِكَها طالِبٌ، ولَنْ يَفُوتَها هارِبٌ» " .

وفي حَدِيثٍ آَخَرَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «طُولُها سِتُّونَ ذِراعًا» "، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ: تَخْرُجُ مِن صَدْعٍ في الصَّفا كَجَرْيِ الفَرَسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وما خَرَجَ ثُلْثُها.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَيَمَسَّ رَأْسَها السَّحابُ ورِجْلاها في الأرْضِ ما خَرَجَتا.

والثّانِي: أنَّها تَخْرُجُ مِن شِعْبِ أجْيادٍ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ.

والثّالِثُ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: مِن بَحْرِ سَدُومَ، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والخامِسُ: أنَّها تَخْرُجُ بِتِهامَةٍ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «تَخْرُجُ الدّابَّةُ مَعَها خاتَمُ سُلَيْمانَ، وعَصا مُوسى، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالعَصا وتُحَطِّمَ أنْفَ الكافِرِ بِالخاتَمِ، حَتّى إنَّ أهْلَ البَيْتِ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هَذا: يا مُؤْمِنُ، ويَقُولُ هَذا: يا كافِرُ "» .

ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «تَسِمُ المُؤْمِنَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وتَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: مُؤْمِنٌ، وتَسِمُ الكافِرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وتَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كافِرٌ، وتَصْرُخُ ثَلاثَ صَرْخاتٍ يَسْمَعُها مِن بَيْنِ الخافِقَيْنِ» " .

وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أُسَيْدٍ: إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَ خَرْجاتٍ، خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي ثُمَّ تَنْكَتِمُ، وخَرْجَةٌ في بَعْضِ القُرى ثُمَّ تَنْكَتِمُ، فَبَيْنَما النّاسُ عِنْدَ أشْرَفِ المَساجِدِ - يَعْنِي المَسْجِدَ الحَرامَ - إذِ ارْتَفَعَتِ الأرْضُ، فانْطَلَقَ النّاسُ هِرابًا، فَلا يُفُوتُونَها، حَتّى إنَّها لَتَأْتِيَ الرَّجُلَ وهو يُصَلِّي، فَنَقُولُ: أتَتَعَوَّذُ بِالصَّلاةِ، واللَّهِ ما كُنْتَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، فَتَخْطِمُهُ، وتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّها تَنْكُتُ في وجْهِ الكافِرِ نُكْتَةً سَوْداءَ فَتَفْشُو في وجْهِهِ، فَيَسُوَدَّ وجْهُهُ وتَنْكُتُ في وجْهِ المُؤْمِنِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ فَتَفْشُو في وجْهِهِ حَتّى يَبِيضَّ وجْهُهُ، فَيَعْرِفُ النّاسُ المُؤْمِنَ والكافِرَ، ولَكَأنِّي بِها قَدْ خَرَجَتْ في عَقِبِ رَكْبٍ مِنَ الحاجِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ، فَهو مِنَ الكَلامِ.

وَفِيما تُكَلِّمُهم بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَقُولُ لَهم: إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: تَقُولُ: هَذا مُؤْمِنٌ، وهَذا كافِرٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والجَحْدَرِيُّ: بِتَسْكِينِ الكافِ وكَسْرِ اللّامِ [وَفَتْحِ التّاءِ]، فَهو مِنَ الكَلِمِ؛ قالَ ثَعْلَبٌ: والمَعْنى: تَجْرَحُهم.

وسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القِراءَتَيْنِ، فَقالَ كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُهُ، تَكَلَّمَ المُؤْمِنُ، وتَكَلَّمَ الفاجِرُ والكافِرُ، أيْ: تَجْرَحُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ النّاسَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وكَسَرَها الباقُونَ؛ فَمَن فَتَحَ أرادَ: تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ، وهَكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ " بِزِيادَةِ باءٍ مَعَ فَتْحِ الهَمْزَةِ؛ ومَن كَسَرَ، فَلِأنَّ مَعْنى " تَكَلِّمُهم ": تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ، والكَلامُ قَوْلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما مِن غائِبَةٍ في السَماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ ﴾ ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُمَّ الدُعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عن ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ الناسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ﴾ التاءُ في "غائِبَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ في غائِبَةِ الغَيْبِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللهِ في مَكْنُونِ عِلْمِهِ، ثُمْ نَبِّهْ تَعالى عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ أخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِأكْثَرِ الأشْياءِ الَّتِي كانَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في صِفَتِها، فَجاءَتْ في القُرْآنِ عَلى وجْهِها، ثُمْ وصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَما أنَّهُ عَمّى عَلى الكافِرِينَ المَحْتُومِ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ كُفْرَهُمُ اسْتَتَبَّ مَعَ قِيامِ الحُجَّةِ ووُضُوحِ الطَرِيقِ، فَكَثُرَ عَماهم بِهَذِهِ الحُجَّةِ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَضاءٍ مِنَ اللهِ تَعالى وحَكْمٌ قَضاهُ فِيهِمْ وبَيْنَهُمْ، ثُمْ أمَرَهم بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، والثِقَةِ بِاللهِ، وبِأنَّهُ عَلى الحَقِّ، أيْ: إنَّكَ الجَدِيرُ بِالنُصْرَةِ والظُهُورِ، ثُمْ سَلّاهُ عنهُمْ، وشَبَّهَهم بِالمَوْتى مِن حَيْثُ الفائِدَةُ بِالقَوْلِ لِهَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مَعْدُومَةٌ، فَشَبَّهَهم مَرَّةً بِالمَوْتى ومَرَّةً بِالصُمْ، قالَ العُلَماءُ: المَيِّتُ مِنَ الأحْياءِ هو الَّذِي يَلْقى اللهَ تَعالى بِكُفْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واحْتَجَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في إنْكارِها أنَّ النَبِيَّ  أسْمَعَ مَوْتى بَدْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ، ونَظَرَتْ هي في الأمْرِ بِقِياسٍ عَقْلِيٍّ، ووَقَفَتْ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ النَبِيَّ  أنَّهُ قالَ: «ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم»، فَيُشَبِّهُ أنَّ قِصَّةَ بَدْرٍ هي خَرْقُ عادَةٍ لِلنَّبِيِّ  في أنْ رَدَّ اللهِ تَعالى إلَيْهِمْ إدْراكًا سَمِعُوا بِهِ مَقالَهُ، ولَوْلا إخْبارُ رَسُولِ اللهِ  بِسَماعِهِمْ لِحَمْلِنا نِداءَهُ إيّاهم عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ عَلى مَن بَقِيَ مِنَ الكَفَرَةِ، وعَلى مَعْنى شِفاءِ صُدُورِ المُسْلِمِينَ مِنهُمْ، وقَدْ عُورِضَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالسَلامِ عَلى القُبُورِ، وبِما رُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ الأرْواحَ تَكُونُ في شَفِيرِ القُبُورِ في أوقاتٍ، قالُوا: فَلَوْ لَمْ يَسْمَعِ المَيِّتُ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُعارِضٍ لِلْآيَةِ؛ لِأنَّ السَلامَ عَلى القُبُورِ إنَّما هو عِبادَةٌ، وعِنْدَ اللهِ الثَوابُ عَلَيْها، وهو تَذْكِيرٌ لِلنَّفْسِ بِحالَةِ المَوْتِ وبِحالَةِ المَوْتى في حَياتِهِمْ، وإنَّ جَوَّزْنا مَعَ هَذا أنَّ الأرْواحَ في وقْتٍ عَلى القُبُورِ، فَإنْ سَمِعَ فَلَيْسَ الرُوحُ بِمَيِّتٍ، وإنَّما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ الأشْخاصُ المَوْجُودَةُ مُفارَقَةً لِأرْواحِها، وفِيها نَقُوُلُ: خُرِقَتِ العادَةُ لِمُحَمَّدٍ  في أهْلِ القَلِيبِ، وذَلِكَ كَنَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في المَوْتى إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ المَكانَ: «إنَّهم يَسْمَعُونَ خَفْقَ النِعالِ».

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَلا يُسْمِعُ" بِالياءِ مِن تَحْتِ "الصُمْ" رَفَعًا، ومَثْلُهُ في الرُومِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تُسْمِعُ" بِالتاءِ "الصُمْ" نَصْبًا.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: "بِهادٍ العُمْيِ" بِتَنْوِينِ الدالِّ ونَصْبِ "العُمْيَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَما أنْتَ تَهْدِي العُمْيَ" بِفِعْلِ مُسْتَقْبَلٍ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ وثّابٍ، وابْنِ يَعْمَرُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "وَما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ".

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ إذا انْتُجِزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الآنَ مِنَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ -أيْ حَتَّمَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ- وقَضاؤُهُ، وهَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ  ﴾ ، فَمَعْنى الآيَةِ: وإذا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَنْفُذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ لَهم مِنَ العَذابِ أخْرَجَ لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عن مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ، كَما أوحى اللهُ تَعالى إلى نُوحٍ: ﴿ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ  ﴾ ، و"وَقَعَ" عِبارَةٌ عَنِ الثُبُوتِ واللُزُومِ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الدابَّةَ وطُلُوعَ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ» -وَلَمْ يُعَيِّنِ الأُولى- وكَذَلِكَ الدَجّالَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الأحادِيثِ والرِواياتِ أنَّ الشَمْسَ آخِرُها؛ لِأنَّ التَوْبَةَ تَنْقَطِعُ مَعَها، ويُعْطِي الحالُ أنَّ الإيمانَ لا يَبْقى إلّا في أفْرادٍ، وعَلَيْهِمْ تَهُبُّ الرِيحُ الَّتِي لا تُبْقِي إيمانًا، وحِينَئِذٍ يَنْفَدُ ويُنْفَخُ في الصُورِ، ونَحْنُ نَرْوِي أنَّ الدابَّةَ تَسِمْ قَوْمًا بِالإيمانِ، ونَجِدُ أنَّ عِيسى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَعْدِلُ بَعْدَ الدَجّالِ، ويُؤْمِنُ الناسُ بِهِ، وهَذِهِ الدابَّةُ رُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ مِن جَبَلِ الصَفا بِمَكَّةَ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرُو -رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ- نَحْوَهُ، وقالَ: لَوْ شِئْتُ أنْ أضَعَ قَدَمِي عَلى مَوْضِعِ خُرُوجِها لَفَعَلْتُ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّها تَخْرُجُ في تِهامَةَ، ورُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الكُوفَةَ مِن حَيْثُ فارَ تَنُّورُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ورَوى بَعْضُهم عن حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ خُرُجاتٍ، ورُوِيَ أنَّها دابَّةٌ مُزَغِّبَةٌ شَعْراءُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها عَلى خِلْقَةِ الآدَمِيِّينَ، وهي في السَحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ، ورُوِيَ أنَّها جَمَعَتْ مِن خَلْقِ كُلِّ حَيَوانٍ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ الزُبَيْرِ نَحْوَهُ، ورُوِيَ أنَّها دابَّةٌ مَبْثُوثٌ نَوْعُها في الأرْضِ، فَهي تَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ وفي كُلِّ قَوْمٍ، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: "دابَّةً" إنَّما هو اسْمُ جِنْسٍ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها الثُعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَتْها العِقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشُ بِناءَ الكَعْبَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُكَلِّمُهُمْ" مِنَ الكَلامِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "تُنْبِيهِمْ"، وفَسَّرَها عِكْرِمَةُ بِـ "تَسِمُهُمْ"، قالَ قَتادَةُ: وفي بَعْضِ القِراءَةِ: "تُحَدِّثُهُمْ"، وقَرَأ أبُو زَرْعَةَ بْنُ عَمْرُو بْنُ جُرَيْجٍ: "تُكَلْمِهُمْ" بِكَسْرِ اللامِ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ذَلِكَ واللهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُهم وتَكْلِمُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ في هَذا أنَّها تَمُرُّ عَلى الناسِ فَتَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرَمِّدُهُ وتَشْتُمُهُ ورُبَّما حَطَّمَتْهُ، ورُبَّما تَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ، ويُعْرَفُ -بَعْدَ ذَلِكَ- الإيمانُ والكُفْرُ مِن قِبَلِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "إنَّ الناسَ" بِكَسْرِ "إنَّ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَعاصِمْ بِفَتْحِ الألِفِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "تُكَلِّمُهم بِأنَّ"، وهَذا تَصْدِيقٌ بالفَتْحِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ أنَّ الناسَ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ مِن كَلامِ الدابَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن كَلامِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا انتقال إلى التذكير بالقيامة وما ادخر لهم من الوعيد.

فهذه الجملة معطوفة على الجمل قبلها عطف قصة على قصة.

ومناسبة ذكرها ما تقدم من قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ إلى قوله ﴿ عن ضلالتهم ﴾ [النمل: 80، 81].

والضمير عائد إلى الموتى والصم والعمي وهم المشركون.

و ﴿ القول ﴾ أريد به أخبار الوعيد التي كذبوها متهكمين باستبطاء وقوعها بقولهم ﴿ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [النمل: 71]، فالتعريف فيه للعهد يفسره المقام.

والوقوع مستعار لحلول وقته وذلك من وقت تهيؤ العالم للفناء إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

والآية تشير إلى شيء من أشراط حلول الوعيد الذي أنذروا به وهو الوعيد الأكبر يعني وعيد البعث، فتشير إلى شيء من أشراط الساعة وهو من خوارق العادات.

والتعبير عن وقوعه بصيغة الماضي لتقريب زمن الحال من المضي، أي أشرف وقوعه، على أن فعل المضي مع (إذا) ينقلب إلى الاستقبال.

والدابة: اسم للحي من غير الإنسان، مشتق من الدبيب، وهو المشي على الأرض وهو من خصائص الأحياء.

وتقدم الكلام على لفظ ﴿ دابة ﴾ في سورة الأنعام (38).

وقد رويت في وصف هذه الدابة ووقت خروجها ومكانه أخبار مضطربة ضعيفة الأسانيد فانظرها في «تفسير القرطبي» وغيره إذ لا طائل في جلبها ونقدها.

وإخراج الدابة من الأرض ليريهم كيف يحي الله الموتى إذ كانوا قد أنكروا البعث.

ولا شك أن كلامها لهم خطاب لهم بحلول الحشر.

وإنما خلق الله الكلام لهم على لسان دابة تحقيراً لهم وتنديماً على إعراضهم عن قبول أبلغ كلام وأوقعه من أشرف إنسان وأفصحه، ليكون لهم خزياً في آخر الدهر يعيرون به في المحشر.

فيقال: هؤلاء الذين أعرضوا عن كلام رسول كريم فخوطبوا على لسان حيوان بهيم.

على نحو ما قيل: استفادة القابل من المبدإ تتوقف على المناسبة بينهما.

وجملة ﴿ إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ تعليل لإظهار هذا الخارق للعادة حيث لم يوقن المشركون بآيات القرآن فجعل ذلك إلجاء لهم حين لا ينفعهم.

وقرأ الجمهور ﴿ إن الناس ﴾ بكسر همزة (إن)، وموقع (إن) في مثل هذا التعليل.

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ أن الناس ﴾ بفتح الهمزة وهي أيضاً للتعليل لأن فتح همزة (أن) يؤذن بتقدير حرف جر وهو باء السببية، أي تكلمهم بحاصل هذا وهو المصدر.

والمعنى: أنها تسجل على الناس وهم المشركون عدم تصديقهم بآيات الله.

وهو تسجيل توبيخ وتنديم لأنهم حينئذ قد وقع القول عليهم ف ﴿ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ﴾ [الأنعام: 158].

وحمل هذه الجملة على أن تكون حكاية لما تكلمهم به الدابة بعيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ ﴿ وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: إذا حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: إذا لَمْ يُؤْمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ويُنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وجَبَ السُّخْطُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.

الرّابِعُ: إذا نَزَلَ العَذابُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الدّابَّةِ فَقالَ: أما واللَّهِ لَها ذَنَبٌ وإنَّ لَها لَلِحْيَةً، وفي هَذا القَوْلِ إشارَةٌ إلى أنَّها مِنَ الإنْسِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ.

الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّها دابَّةٌ مِن دَوابِّ الأرْضِ، واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في صِفَتِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها دابَّةٌ ذاتُ زَغَبٍ ورِيشٍ لَها أرْبَعُ قَوائِمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها دابَّةٌ ذاتُ وبَرٍ تُناغِي السَّماءَ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها دابَّةٌ رَأْسُها رَأْسُ ثَوْرِ وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ وأُذُنُها أُذُنُ فِيلِ وقَرْنُها قَرْنُ آيِلٍ وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةِ وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مَفْصِلَيْنِ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا تَخْرُجُ مَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ فَتَنْكُتُ في وجْهِ المُسْلِمِ بِعَصا مُوسى نُكْتَةً بَيْضاءَ وتَنْكُتُ في وجْهِ الكافِرِ بِخاتَمِ سُلَيْمانَ فَيَسْوَدُّ وجْهُهُ، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

الثّالِثُ: مِنَ الصَّفا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الرّابِعُ: مِن بَحْرِ سَدُومَ، قالَهُ ابْنُ مُنَبِّهٍ.

وَفِي ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ قِراءَتانِ: الشّاذَّةُ مِنهُما: ( تَسِمُهم ) بِفَتْحِ التّاءِ، وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: تَسِمُهم في وُجُوهِهِمْ بِالبَياضِ في وجْهِ المُؤْمِنِ، وبِالسَّوادِ في وجْهِ الكافِرِ حَتّى يَتَنادى النّاسُ في أسْواقِهِمْ يا مُؤْمِنُ يا كافِرُ، وقَدْ رَوى أبُو أُمامَةَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ النّاسَ عَلى خَراطِيمِهِمْ» .

الثّانِي: مَعْناهُ تَجْرَحُهم وهَذا مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ والمُنافِقِ، وجَرْحُهُ إظْهارُ كُفْرِهِ ونِفاقِهِ ومِنهُ جَرْحُ الشُّهُودِ بِالتَّفْسِيقِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: وعَلَيْها الجُمْهُورُ ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ مِنَ الكَلامِ، وحَكى قَتادَةُ أنَّها في بَعْضِ القِراءَةِ: ﴿ تُنَبِّئُهُمْ ﴾ وحَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّها في بَعْضِ القِراءَةِ: ( تُحَدِّثُهم ) .

وَفِي كَلامِها عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ كَلامَها ظُهُورُ الآياتِ مِنها مِن غَيْرِ نُطْقٍ ولا لَفْظٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كَلامٌ مَنطُوقٌ بِهِ.

فَعَلى هَذا فِيما تُكُلِّمَ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تُكَلِّمُهم بِأنَّ هَذا مُؤْمِنٌ وهَذا كافِرٌ.

الثّانِي: تُكَلِّمُهم بِما قالَهُ اللَّهُ ﴿ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ﴾ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَطاءٌ.

وَحَكى ابْنُ البَيْلَمانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الدّابَّةَ تَخْرُجُ لَيْلَةَ جَمْعٍ وهي لَيْلَةُ النَّحْرِ والنّاسُ يَسِيرُونَ إلى مِنًى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد في الفتن وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله: ﴿ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ﴾ قال: إذا لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ﴾ قال: ذاك حين لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر.

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ﴾ قال: «إذا تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وجب السخط عليهم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ قال: إذا وجب القول عليهم ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ﴾ قال: وهي في بعض القراءة تحدثهم تقول لهم ﴿ إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن حفصة بنت سيرين قالت: سألت أبا العالية عن قوله: ﴿ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ﴾ ما وقوع القول عليهم؟

فقال: ﴿ أوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ﴾ [ هود: 36] قالت: فكأنما كشف عن وجهي شيئاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: أكثروا الطواف بالبيت قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه، وأكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع.

قيل: وكيف يرفع ما في صدور الرجال؟

قال: يسري عليهم ليلاً فيصبحون منه قفراً وينسون قول لا إله إلا الله، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم.

فذلك حين يقع القول عليهم.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وقع القول عليهم ﴾ قال: حق عليهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ دابة من الأرض تكلمهم ﴾ قال: تحدثهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ تكلمهم ﴾ قال: كلامها تنبئهم ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي داود ونفيع الأعمى قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ﴾ قال: كل ذلك والله يفعل تكلم المؤمن، وتكلم الكافر.

تجرحه.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ دابة من الأرض تكلمهم ﴾ مشددة من الكلام ﴿ أن الناس ﴾ بنصب الألف.

وأخرج نعيم بن حماد وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان الوعد الذي قال الله: ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ﴾ قال: ليس ذلك حديثاً ولا كلاماً، ولكنه سمة تسم من أمرها الله به.

فيكون خروجها من الصفا ليلة منى، فيصبحون بين رأسها وذنبها لا يدحض داحض، ولا يخرج خارج، حتى إذا فرغت مما أمرها الله فهلك من هلك، ونجا من نجا، كان أول خطوة تضعها بانطاكية» .

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمر وقال: ﴿ الدابة ﴾ زغباء ذات وبر وريش.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ﴿ الدابة ﴾ ذات وبر وريش مؤلفة فيها من كل لون، لها أربع قوائم تخرج بعقب من الحاج.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: إن دابة الأرض ذات وبر تناغي السماء.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن: أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يريه الدابة.

فخرجت ثلاثة أيام ولياليهن تذهب في السماء لا يرى واحد من طرفها قال: فرأى منظراً فظيعاً فقال: رب ردها.

فردها.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يجتمع أهل بيت على الإِناء الواحد، فيعرفون مؤمنيهم من كفارهم.

قالوا: كيف ذاك؟

قال: إن الدابة تخرج وهي ذامة للناس تمسح كل إنسان على مسجده.

فاما المؤمن فتكون نكتة بيضاء.

فتفشو في وجهه حتى يبيض لها وجهه، وأما الكافر فتكون نكتة سوداء فتفشو في وجهه حتى يسود لها وجهه.

حتى أنهم ليتبايعون في أسواقهم فيقولون: كيف تبيع هذا يا مؤمن؟

وكيف تبيع هذا يا كافر؟

فما يرد بعضهم على بعض.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: تخرج الدابة بأجياد مما يلي الصفا.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد من طريق سماك عن إبراهيم قال: تخرج الدابة من مكة.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو قال: تخرج الدابة فيفزع الناس إلى الصلاة، فتأتي الرجل وهو يصلي فتقول: طوّل ما شئت أن تطوّل فوالله لأخطمنك.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تخرج الدابة يوم تخرج وهي ذات عصب وريش تكلم الناس فتنقط في وجه المؤمن نقطة بيضاء فيبيض وجهه، وتنقط في وجه الكافر نقطة سوداء فيسود وجهه، فيتبايعون في الأسواق بعد ذلك.

بم تبيع هذا يا مؤمن، وبم تبيع هذا يا كافر، ثم يخرج الدجال وهو أعور على عينه ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن وكافر» .

وأخرج أحمد وسمويه وابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل الدابة فيقال: ممن اشتريت؟

فيقال: من الرجل المخطم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تخرج دابة الأرض ولها ثلاث خرجات.

فأول خرجة منها بأرض البادية.

والثانية في أعظم المساجد وأشرفها وأكرمها، ولها عنق مشرف يراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب، ولها وجه كوجه انسان، ومنقار كمنقار الطير، ذات وبرٍ وزغب، معها عصا موسى، وخاتم سليمان بن داود تنادي بأعلى صوتها: ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: يا رسول الله وما بعد؟

قال: هنات وهنات، ثم خصب وريف حتى الساعة» .

وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد أراه رفعه قال: «تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة، فبينما هم قعود بربو الأرض، فبينما هم كذلك إذ تصدعت قال ابن عيينة: تخرج حين يسري الإِمام من جمع.

وإنما جعل سابق بالحاج ليخبر الناس أن الدابة لم تخرج» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه قال: ألا أريكم المكان الذي قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن دابة الأرض تخرج منه.

فضرب بعصاه قبل الشق الذي في الصفا.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بين يدي الساعة الدجال، والدابة، ويأجوج ومأجوج، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: الدابة تخرج من أجياد.

وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة فقال حذيفة: يا رسول الله من أين تخرج؟

قال من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض من تحتهم تحرك القنديل، وتشق الصفا مما يلي المسعى وتخرج الدابة من الصفا، أوّل ما يبدو رأسها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب، ولن يفوتها هارب، تسم الناس مؤمن وكافر، أما المؤمن فيرى وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه مؤمن.

وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء كافر» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن عمرو أنه قال وهو يومئذ بمكة: لو شئت لأخذت سيتي هاتين ثم مشيت حتى أدخل الوادي التي تخرج منه دابة الأرض، وإنها تخرج وهي آية للناس، تلقى المؤمن فتسمه في وجهه واكية فيبيض لها وجهه، وتسم الكافر واكية فيسوّد لها وجهه، وهي دابة ذات زغب وريش فتقول ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس: أن دابة الأرض تخرج من بعض أودية تهامة، ذات زغب وريش لها أربع قوائم، فتنكت بين عيني المؤمن نكتة يبيض لها وجهه، وتنكت بين عيني الكافر نكتة يسود بها وجهه.

وأخرج أحمد والطيالسي وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم، وتخطم أنف الكافر بالعصا، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر» .

وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة فقال: «لها ثلاث خرجات من الدهر.

فتخرج خرجة بأقصى اليمن، فينشر ذكرها بالبادية في أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية- يعني مكة- ثم تكمن زماناً طويلاً ثم تخرج خرجة أخرى دون تلك فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية- يعني مكة- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها، المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، وتنفض عن رأسها التراب فارفض الناس عنها شتى، وبقيت عصابة من المؤمنين ثم عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فبدأت بهم، فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى أن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن تصلي.

فيقبل عليها فتسمه في وجهه، ثم ينطلق ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر حتى أن المؤمن ليقول: يا كافر أقضني حقي، وحتى أن الكافر ليقول: يا مؤمن أقضني حقي» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم: بئس الشعب جياد مرتين أو ثلاثاً قالوا: وبم ذاك يا رسول الله؟

قال: تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات فيسمعها من بين الخافقين» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم «تخرج دابة الأرض من جياد فيبلغ صدرها الركن ولم يخرج ذنبها بعد قال: وهي دابة ذات وبر وقوائم» .

وأخرج البخاري في تاريخه وابن ماجة وابن مردويه عن بريدة قال: ذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع بالبادية قريب من مكة فإذا أرض يابسة حولها رمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تخرج الدابة من هذا الموضع فإذا شبر في شبر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن النزال بن سبرة قال: قيل لعلي بن أبي طالب: إن ناساً يزعمون أنك دابة الأرض فقال: والله إن لدابة الأرض ريشاً وزغباً، وما لي ريش ولا زغب، وإن لها لحافر وما لي من حافر، وإنها لتخرج حضر الفرس الجواد ثلاثاً، وما خرج ثلثاها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: تخرج الدابة ليلة جمع والناس يسيرون إلى منى، فتحملهم بين نحرها وذنبها، فلا يبقى منافق إلا خطمته، وتمسح المؤمن، فيصبحون وهم بشر من الدجال.

وأخرج ابن أبي شيبة والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عمر قال: تخرج الدابة من جبل جياد في أيام التشريق والناس بمنى قال: فلذلك جاء سائق الحاج بخبر سلامة الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إن الدابة فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: تخرج الدابة من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام لم يخرج ثلثها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: تخرج الدابة من تحت صخرة بجياد تستقبل المشرق، فتصرخ صرخة ثم تستقبل الشام، فتصرخ صرخة منفذة، ثم تروح من مكة فتصبح بعسفان قيل: ثم ماذا؟

قال: لا أعلم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: الدابة مؤلفة ذات زغب وريش فيها من ألوان الدواب كلها، وفيها من كل أمة سيما.

وسيماها من هذه الأمة أنها تتكلم بلسان عربي مبين، تكلمهم بكلامها.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين منها اثنا عشر ذراعاً.

تخرج معها عصا موسى، وخاتم سليمان، ولا يبقى كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان فتفشو تلك النكتة حتى يسود لها وجهه؛ حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق: بكم ذا يا مؤمن، وبكم ذا يا كافر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن صدقة بن مزيد قال: تجيء الدابة إلى الرجل وهو قائم يصلي في المسجد، فتكتب بين عينيه: كذاب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: تخرج الدابة مرتين قبل يوم القيامة حتى يضرب فيها رجال، ثم تخرج الثالثة عند أعظم مساجدكم، فتأتي القوم وهم مجتمعون عند رجل فتقول: ما يجمعكم عند عدو الله؟

فيبتدرون فتسم المؤمن حتى أن الرجلين ليتبايعان فيقول هذا: خذ يا مؤمن، ويقول هذا: خذ يا كافر.

وأخرج نعيم بن حماد في الفتن عن عمرو بن العاص قال: تخرج الدابة من شعب بالأجياد، رأسها تمس به السحاب وما خرجت رجلها من الأرض، تأتي الرجل وهو يصلي فتقول: ما الصلاة من حاجتك..

ما هذا إلا تعوذ أو رياء، فتخطمه.

وأخرج نعيم عن وهب بن منبه قال: أول الآيات الروم، ثم الدجال، والثالثة يأجوج ومأجوج، والرابعة عيسى، والخامسة الدخان، والسادسة الدابة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ (١) قال ابن عباس: حق العذاب عليهم (٢) (٣) (٤) قال الفراء معناه: وجب السَّخَط عليهم.

وذكرنا وقع بمعنى: وجب (٥) ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴾ (٦) والمعنى: حق ووجب أن ينزل بهم ما قال الله، وحكم به من عذابه وسخطه عليهم.

والكناية في: ﴿ عَلَيْهِمُ ﴾ للكفار الذين تخرج عليهم الدابة، وجازت الكناية عنهم؛ لأن ذكر الكفار قد سبق، وهؤلاء من جنس أولئك.

وقوله: ﴿ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عمر وعطية: وذلك حين لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر (٧) وروي عن حفصة بنت سيرين (٨) ﴿ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ  ﴾ (٩) قال مخلد بن الحسين (١٠) (١١) (١٢) قال ابن عمر: وتخرج الدابة من صَدْع في الصفا (١٣) (١٤) قوله تعالى: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ \[قال مقاتل: تكلمهم\] (١٥) (١٦) فتقول: ﴿ أَنَّ النَّاسَ ﴾ يعني: أهل مكة (١٧) ﴿ كَانُوا بِآيَاتِنَا ﴾ قال ابن عباس: بالبعث (١٨) ﴿ لَا يُوقِنُونَ ﴾ وقيل: تُخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن.

واختلف في قوله: ﴿ أَنَّ النَّاسَ ﴾ فقرئ بالفتح والكسر (١٩) (٢٠) ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ تقول لهم: ﴿ إِنَّ النَّاسَ ﴾ والكلام قول، فكأن القول قد ظهر (٢١) وقال مقاتل والكلبي في قوله: ﴿ بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ﴾ يعني: بخروج الدابة؛ لأن خروجها من آيات الله (٢٢) قال مقاتل: هذا قول الدابة ﴿ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا ﴾ بخروجي لا يوقنون (٢٣) (١) خروج الدابة علامة من علامات الساعة الكبرى التي ذكرها النبي -  -، عندما اطلع على أصحابه وهم يتذاكرون، فقال: "ما تذاكرون؟

" قالوا: نذكر الساعة.

قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم عليهما السلام، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".

أخرجه مسلم 4/ 2225، كتاب الفتن، رقم 2901، والترمذي 4/ 414، كتاب الفتن، رقم 2183.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 13، وابن أبي حاتم 9/ 2922، كلاهما عن مجاهد.

(٣) "تفسير مقاتل" 62 أ.

(٤) "تفسير مجاهد" 2/ 475، و"تفسير الهواري" 3/ 265.

وأخرج ابن جرير 20/ 13، عن قتادة: وجب القول عليهم.

(٥) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ  ﴾ : يقال: وقع القول والحكم إذا وجب، ومنه قوله: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ  ﴾ معناه: إذا وجب، ومثله: ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ  ﴾ أي: أصابهم ونزل بهم، وأصله من الوقوع بالأرض؛ يقال: وقع بالأرض مطر، ووقعت الإبل إذا بركت.

(٦) "معاني القرآن" 2/ 300، دون قوله: وذكرنا وقع بمعنى.

وذكره الثعلبي 8/ 135 أ، ولم ينسبه وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2922، عن مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿ وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ قال: السخط.

وقال ابن قتيبة: وجبت الحجة.

"غريب القرآن" 327.

(٧) أخرجه عبد الرزاق 2/ 85، وابن أبي حاتم 9/ 2921، كلاهما عن عطية بن سعد عن ابن عمر.

وأخرجه ابن جرير 20/ 14، عن ابن عمر، وعطية.

وكذا الثعلبي 8/ 135 أ.

(٨) حفصة بنت سيرين، أم الهذيل الفقهية، الأنصارية، البصرية، ثقة، روت عن أم عطية، وأم الرائح، وعن مولاها أنس بن مالك، وعن أبي العالية، وروى عنها أخوها محمد، وقتادة، وأيوب، وابن عون، وغيرهم.

ماتت بعد المائة.

"سير أعلام النبلاء" 4/ 507، و"تقريب التهذيب" 1349.

(٩) أخرجه عبد الرزاق 2/ 83 وابن جرير 20/ 13.

وابن أبي حاتم 9/ 2922.

وليس في أسانيد الثلاثة مخلد بن الحسين.

(١٠) مَخْلَد بن الحُسين، الأزدي، أبو محمد البصري، ثقة فاضل، حدث عن موسى بن عقبة، وهشام بن حسان، ويونس بن زيد، والأوزاعي، وغيرهم، وحدث عنه: الحسن بن الربيع، وموسى بن أيوب، وغيرهم.

ت: 191هـ "سير أعلام النبلاء" 9/ 236، وتقريب التهذيب 927.

(١١) هكذا في نسخة: ج، وفي: أ، ب: رأي.

(١٢) ذكر نحو هذا النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 221.

ولم يذكر قول مخلد بن الحسين.

وهذا مثال على نقل الواحدي عن النحاس.

(١٣) أخرجه ابن جرير 20/ 14.

وابن أبي حاتم 9/ 2925.

والثعلبي 8/ 136 أ.

قال مقاتل 62 أ: تخرج من الصفا الذي بمكة.

(١٤) أخرج ذلك عبد الرزاق 2/ 84، عن حذيفة بن اليمان، وإبراهيم النخعي.

وابن جرير 20/ 14، عن حذيفة، وعبد الله بن عمرو.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2925، عن عبد الله بن عمرو، ولا تعارض بين القولين، فإن الصفا من أرض مكة، والله أعلم.

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).

(١٦) "تفسير مقاتل" 62 أ.

واقتصر عليه الواحدي في "الوسيط" 3/ 385، و"الوجيز" 809.

وتخصيص مقاتل كلامها باللغة العربية؛ لأنه قيد الناس بأهل مكة.

وظاهر الآية أعم من ذلك.

وممن ذهب إلى أن المراد في الآية تحدثهم، ولم يقيده بلغة: السمرقندي 2/ 505.

أخرج ابن جرير.

20/ 16 وابن أبي حاتم 93/ 2926، عن ابن عباس، من طريق == علي بن أبي طلحة: تحدثهم.

وكذا عن قتادة.

وذكر ابن جرير قراءة: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ ونسبها لأبي زرعة بن عمرو، ثم قال: والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك ما عليه عامة قراء الأمصار.

ولعل من هذا جَزَمَ ابن كثير 6/ 210، أن القول بأن الدابة تكلمهم فتقول لهم: ﴿ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ﴾ ؛ اختيار ابن جرير، ثم قال ابن كثير بعد ذلك: وفي هذا القول نظر لا يخفى.

والله أعلم.

وقال ابن عباس في رواية: تجرحهم.

وعنه رواية: قال: كلا؛ تفعل يعني: هذا وهذا، وهو قول حسن، ولا منافاة، والله أعلم.

ونسب قراءة: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ ابنُ خالويه وابنُ جني لابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدري وأبي زرعة.

"الشواذ" لابن خالويه 112، و"المحتسب" 2/ 144.

ويشهد لهذا القراءة قول النبي -  -: "تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير، فيقال: ممن اشتريته، فيقول: من أحد المخرطمين".

أخرجه الإمام أحمد 8/ 307، رقم: 22371.

والبغوي في "مسند ابن الجعد" 427، رقم: 2919.

وذكره الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 1/ 576، رقم: 322.

فتلخص من هذا أن الدابة تفعل هذا وهذا، ولا معارضة.

والله أعلم.

(١٧) جعل الهواري 3/ 266، لفظ الناس عامًا في المشركين كلهم، وهو أولى.

(١٨) بالبعث.

في نسخة (ج).

(١٩) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، بالكسر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالفتح.

"السبعة في القراءات" 487، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406 ، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 164.

(٢٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 300، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 651.

و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406.

وفيه وجه آخر ذكره أبو عبيد: موضعها نصب بوقوع الفعل عليها، أي: تخبرهم أن الناس.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 222.

(٢١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 300.

و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406.

قال أبو حاتم: من قرأ بفتح ﴿ أَن ﴾ فالوقف على ﴿ لَا يُوقِنُونَ ﴾ ومن كسر ﴿ إِنَّ ﴾ فالوقف على ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ وهو من الكلام.

"معاني القراءات" للأزهري 2/ 247.

(٢٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 135 أ، ولم ينسبه.

و"تنوير المقباس" 322.

(٢٣) "تفسير مقاتل" 62 ب.

وقد أطال الثعلبي 8/ 135 أ، في ذكر الأخبار الواردة في شأن الدابة مما لا دليل عليه، وقد أحسن الواحدي في إعراضه عنها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم ﴾ أي إذا حان وقت عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله في ذلك وهو قضاؤه، والمعنى إذا قربت الساعة أخرجنا لهم دابة من الأرض، وخروج الدابة من أشراط الساعة، ورُوي أنها تخرج من المسجد الحرام، وقيل: من الصفا، وأن طولها ستون ذراعاً، وقيل: هي الجساسة التي وردت في الحديث ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ قيل: تكلمهم ببطلان الأديان كلها إلا دين الإسلام، وقيل: تقول لهم: ألا لعنة الله على الظالمين، وروي أنها تسم الكافر وتخطم أنفه وتسوِّده، وتبيض وجه المؤمن ﴿ أَنَّ الناس ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو ابتداء كلام، ومن قرأ بالفتح فهو مفعول تكلمهم: أي تقول لهم إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، أو مفعول من أجله تقديره تكلمهم، لأن الناس لا يوقنون ثم حذفت اللام، ويحتمل قوله: ﴿ لاَ يُوقِنُونَ ﴾ بخروج الدابة، ولا يوقنون بالآخرة وأمور الدين، وهذا أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أيذا ﴾ ﴿ أينا ﴾ بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد.

مثله ولكن بالمد: ابو عمرو وزيد ﴿ أيذا ﴾ بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة ﴿ إنا ﴾ بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل ﴿ إذا ﴾ من غير همزة الاستفهام ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة ﴿ إنا ﴾ بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم.

﴿ ولا يسمع ﴾ بفتح الياء التحتانية ﴿ الصم ﴾ بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في "الروم".

الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ ﴿ وما أنت تهدي ﴾ على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في "الروم" حمزة.

الباقون ﴿ بهادي ﴾ على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصوراً على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل.

الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام.

﴿ فزع ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الوقوف: ﴿ لمخرجون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بمقول الكفار ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ بحكمه ﴾ ج تعظيماً للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين ﴿ العليم ﴾ ه ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى اي إذا كان الحكم لله فأسرع اتوكل ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ تكلمهم ﴾ ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ السحاب ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ خير منها ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء ﴿ آمنون ﴾ ه لا لعطف جملتي الشرط ﴿ في النار ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ز للعارض وطول الكلام مع العطف ﴿ المسلمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ القرآن ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ فتعرفونها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً عند الحس.

قال النحويون: العامل في "إذا" ما دل عليه ﴿ أئنا لمخرجون ﴾ وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة.

وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد "أن" واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في "إذا" و "أن" جميعاً إنكار على إنكار.

والضمير في "أنا" لهم ولآبائهم جميعاً وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله ﴿ لقد وعدنا ﴾ وبيان المتشابه فليدّكر.

ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة.

ولم تؤنث "كان" لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم.

والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم اياماً كان؛ فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع.

ومعنى قوله ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ الآية.

قد مر في آخر "النحل".

وفي هذه الآي تسلية لرسول الله  على ما كان يناله من قومه.

ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم ﴿ عسى أن يكون ﴾ وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون.

وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال ﴿ ردف لكم بعض الذي ﴾ دون أن يقول "ردف لكم الذي".

واللام زائدة للتأكيد كالباء في ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو أريد أزف لكم ودنا لكم يتضمن فعل يتعدى بالام ومعناه تبعكم ولحقكم.

وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلاً في الدنيا فلهذا ذكر البعض.

ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيتسعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن.

ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم مايخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله  ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك.

ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالرواية في قولهم "ويل للشاعر من راوية السوء" كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة.

ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه  أمياً، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم.

ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمة أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فيما يريد ﴿ العليم ﴾ بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم.

ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم.

وقوله ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبراً وهداه عن الضلالة كقولك "سقاه عن العيمة".

ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته ﴿ فهم مسلمون ﴾ أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية.

ثم هدد المكلفين بذكر طرف من اشراط الساعة وما بعدها فقال ﴿ وإذا وقع القول ﴾ اي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه ﴿ عليهم ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض ﴾ وهي الجساسة.

وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه: أحدها في مقدار جسمها.

فقيل: إن طولها ستون ذراعاً.

وقيل: إن راسها يبلغ السحاب.

وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.

وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً.

وثالثها في كيفية خروجها؛ عن علي  أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.

وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.

ورابعها مكان خروجها، "سئل النبي  من أين تخرج الدابة؟

فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله" يعني المسجد الحرام.

وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.

وخامسها في عدد خروجها؛ روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة.

وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات.

ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت ﴿ بآياتنا ﴾ أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا.

وإنما هي خيل مولاه وبلاده.

عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.

وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.

روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه "مؤمن" وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه "كافر".

وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار.

وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.

ثم ذكر طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة قائلاً ﴿ ويوم ﴾ أي واذكر يوم ﴿ نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ ممن يكذب ﴾ هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة.

وقد مر معنى قوله ﴿ فهم يوزعون ﴾ في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار.

وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.

والواو في قوله ﴿ ولم تحيطوا ﴾ للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب.

ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه.

قال جار الله: ﴿ أمّاذا كنتم تعملون ﴾ للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك.

وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله.

وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟

لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل.

قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله ﴿ ووقع القول عليهم ﴾ أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار.

ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال ﴿ ألم يروا ﴾ الآية.

ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق ايضاً منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟

ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في "يونس".

والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.

ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ وقد تقدم تفسيره في "طه" و"المؤمنين".

وقوله ﴿ ففزع ﴾ كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة.

وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

وقيل: هم الشهداء.

وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش.

وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ ففزع ﴾ موافقة لقوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وفي "الزمر" قال ﴿ فصعق  ﴾ لأن معناه فمات وقد سبق ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون  ﴾ .

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين أذلاء.

وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية.

وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.

قال أهل المناظرة: إن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً، فأخبر الله  أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد.

﴿ وهي تمرّ مرّ السحاب ﴾ قال جار الله ﴿ صنع الله ﴾ من المصادر المؤكدة كقوله "وعد الله" إلا أن مؤكدة محذوف وهو الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب.

قلت: لا يبعد أن يكون الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ هو "اذكر" مقدراً، ويكون ﴿ صنع الله ﴾ مصدراً مؤكداً لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله.

قال القاضي عبد الجبار: في قوله ﴿ أتقن كل شيء ﴾ دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه.

وأجيب بأن الاية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات.

قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ وإذا كان خبيراً بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم.

ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ إلى آخر الآيتين.

وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعروفة والإخلاص فلا جزاء لها سوء الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلاً لذلك.

وقيل: المراد فله خير حاصل منها.

وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم.

وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلداً.

ثم وعد المحسنين أمراً آخر وهو قوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وآمن يعدّى بالجار وبنفسه.

والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون.

وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين.

وقوله ﴿ هل تجزون ﴾ الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول.

ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها: عبادة الرب  .

ثم وصف الرب بأمرين احترازاً من ارباب أهل الشرك أولهما كونه رباً لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله.

وفيه نوع منة عليهم كقوله ﴿ حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم  ﴾ وثانيهما عام وهو قوله ﴿ وله كل شيء ﴾ ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه.

ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه اي أتباعه وقد قام رسول الله  بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء وبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار.

ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.

قاله الحسن.

وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا.

﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ ولكنه من وراء جزاء العاملين.

التأويل: ﴿ قل سيروا ﴾ في أرض البشرية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ﴾ لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال ﴿ وما من غائبة ﴾ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ وهو علم الله  أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال ﴿ إن ربك يقضي بينهم ﴾ اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا  إلى مقام المحبة.

فاتبعوني يحببكم الله ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق هذا المقام.

﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ في دعوة الخلق إلى الله ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية ﴿ أخرجنا لهم ﴾ من تحت أرض البشرية ﴿ دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل.

﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة ﴿ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون ﴾ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله "من عرف الله كل لسانه" ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ﴾ جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل.

﴿ ويوم ينفخ ﴾ إسرافيل المحبة في صور القلب ﴿ ففزع ﴾ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية ﴿ إلا من شاء الله ﴾ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب.

وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة ﴿ إلا من شاء الله ﴾ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية ﴿ وترى ﴾ جبال الأشخاص ﴿ جامدة ﴾ على حالها ﴿ وهي تمر ﴾ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق ﴿ مر السحاب ﴾ ﴿ رب هذه البلدة ﴾ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ دون أن يقول "في قلوب الناس" ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قوله: ﴿ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ مقطوع من قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ ؛ كأنه قال: ﴿ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: يبين لهم، ثم قال على الاستئناف: ﴿ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .

وقال بعضهم: لا، ولكن هو موصول بعضه ببعض؛ ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ ﴾ أي: يبين على بني إسرائيل أكثر ما اختلفوا فيه.

فإن كان على ما يقول هذا، فهم بأنفسهم يبينون الاختلاف الذي هم فيه لا يحتاج إلى أن يبين القرآن الذي هم فيه يختلفون؛ إذ هم يبينون ما اختلفوا فيه.

ولكن تأويله - والله أعلم - إن هذا القرآن يبين لهم الحكم في أكثر ما يختلفون، أو يبين لهم الحق في أكثر ما يختلفون فيه.

وفي ظاهر الآية أنه يبين لهم أكثر الذي هم فيه يختلفون: أنه قد بقي شيء مما اختلفوا فيه لم يبين لهم؛ حيث قال: ﴿ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ، لكن قوله: ﴿ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أي: يبين لهم ما فيه نص القرآن، ولم يبين لهم ما فيه دليل القرآن، أو يبين لهم ما فيه نص القرآن ولم يبين ما فيه سنة القرآن ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ أي: القرآن الذي ذكر، ﴿ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ أي: هدى ورحمة، أي: هدى من الضلالة لمن اتبعه في الدنيا وعمل به، ورحمة في دفع العذاب عنهم في الآخرة، فيكون هو هدى ورحمة لمن آمن به.

وقوله: ﴿ إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ ﴾ : حكمه: هو عدله؛ كأنه يقول: إن ربك يقضي بينهم بعدله، لا يجور ولا يظلم في الحكم والقضاء.

﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : الذي لا يخفى عليه شيء؛ عزيز بذاته عالم بذاته.

وقوله: ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: توكل على الله واعتمد عليه، ولا تخف مكرهم وما يريدون ويقصدون أن يكيدوا بك؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ ﴾ ؛ لأن معك حججا وبراهين، وليس مع أولئك حجج وبراهين، وإن كان كل منهم يقول: إنا على الحق، فأنت على الحق المبين لا هم؛ لأن معك حججا وبراهين؛ فالذي أنت عليه حق، وإن الذي هم عليه باطل ليس بحق.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: "بلغنا أن رسول الله  نادى يوم بدر: يا فلان ويا فلان - وهم قتلى بعدما أمر أن يجمعوا في قليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟!

ألم تكذبوا نبيكم وتكفروا بربكم وتقطعوا أرحامكم" ؟!

فأنزل الله هذه الآية: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

لكن عندنا أن الله  سمى الكافر: ميتاً في غير آي من القرآن؛ لما لم يجهدوا أنفسهم في عبادة الله ولا استعملوها في طاعته، فهم كالموتى، وسماهم: صما؛ لما لم يسمعوا الحق ولم يقبلوه، وسماهم: بكما؛ لما لم ينطقوا بالحق ولا تكلموا به، وسماهم: عميا؛ لما لم يبصروا الحق، وسماهم: موتى؛ لما لم يستعملوا أيديهم في الحق؛ فنفى عنهم هذه الحواس لما لم ينتفعوا بهذه الحواس، ولا استعملوها فيما أنشئت وخلقت وإن كانت لهم هذه الحواس؛ فعلى ذلك سماهم: موتى وهلكى، وفي موضع آخر شبههم بالأنعام وأخبر أنهم أضل؛ لما لم يستعملوا أنفسهم فيما أنشئت هي له، ولم ينتفعوا بها.

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ : أخبر أنه لا يقدر على أن يسمع الصم إذا ولوا مدبرين، ولا يقدر أن يسمع الصم وإن أتوا مقبلين ولو يولوا؟

قيل: معناه - والله أعلم - أنهم صاروا صما لا ينتفعون بما سمعوا لإعراضهم وترك إمكان النظر فيه، ولو أقبلوا إليه لانتفعوا به، فيصير مسمعا لهم؛ يخبر عن شدة تعنتهم ومكابرتهم أنهم كالصم المدبرين، لا يمكن إسماعهم بحال ولا تفهيمهم وإن جهد، وأما الصم المقبلون فإنهم قد يمكن إسماعهم وتفهيمهم بجهد بالإشارة والإيماء، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ ﴾ ، وفي بعض القراءات: ﴿ وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم ﴾ ، هذا يدل أن ليس كل الهدى البيان على ما قالت المعتزلة؛ لأنه لو كان الهدى كله بياناً في جميع المواضع على ما قالوا هم، لكان رسول الله  يقدر أن يبين للكفار عن ضلالتهم، وقد بين لهم، ثم أخبر رسوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ ﴾ ، فدل هذا أن عند الله هداية ولطفاً إذا سألوه وطلبوا منه ذلك وأعطاهم لاهتدوا به وآمنوا، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم.

وقوله: ﴿ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ﴾ أي: ما تسمع إلا أهل الإيمان بالآيات وأهل الإسلام منهم، فأما أهل العناد والمكابرة فلا.

وقوله: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم ﴾ أي: إذا وقعت الحجة عليهم ولزمت فكذبوها أخرجنا لهم دابة.

وقال بعضهم: وإذا وقعت السخطة والغضب عليهم أخرجنا لهم دابة.

وقال قائلون: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم ﴾ ، أي: إذا بلغوا في الكفر حدّاً يعلم الله أنهم لا يؤمنون أبداً بعد ذلك ﴿ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً ﴾ ، لكن قد ذكرنا في غير موضع: أن هذا لا يصح ولا يجوز؛ إذ الله - عز وجل - لم يزل عالماً بما كان ويكون منهم أبد الآبدين، فليس علمه بأحوالهم بما يكون منهم إذا بلغوا ذلك الحدّ، بل لم يزل عالماً بما يكون منهم، وهذا الحرف الذي يقول القائل يومئ إلى أنه إنما يعلم ذلك منهم إذا بلغوا ذلك الحدّ وقبل ذلك لا، فهو قبيح.

وقول من قال: إذا وقعت الحجة عليهم؛ فهو لا يحتمل أيضاً؛ لأن الحجة قد كانت قامت قبل ذلك الوقت، وليست تقوم الحجة عليهم في ذلك الوقت.

فيكون التأويل أحد وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من وقوع العذاب، ووجوب العقوبة والسخطة عليهم؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ  ﴾ أي: العذاب وجب عليهم.

والثاني: أي: إذا أتى وقت خروج الدابة التي وعدنا لهم أنها تخرج، أخرجناها لهم في ذلك الوقت، أي: لا يتقدم خروجها عن الوقت الموعود ولا يتأخر؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ ، وهكذا كل شيء جعل الله لظهور ذلك وكونه وقتاً لا يتقدم ولا يتأخر ذلك الوقت؛ هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية.

وقوله: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ ﴾ : قراءة العامة بالتشديد: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ من التكليم والتحديث؛ وكذلك في بعض الحروف: ﴿ تحدثهم وتنبئهم ﴾ ، وقد قرئ: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ بالتخفيف وهو من الجراحة، وهو ما ذكر في الأخبار والقصص أن الدابة إذا خرجت تجرح الكافر، وتسمه بسمة وعلامة، حتى يعرف الكافر من المؤمن فيقال: يا مؤمن ويا كافر.

وسئل ابن عباس عن ذلك؟

فقال: "تكلم المؤمن وتحدثه، وتجرح الكافر"، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ ﴾ ؛ اختلف في تلاوته، وتأويله: ﴿ أَنَّ ٱلنَّاسَ ﴾ بنصب الألف، و ﴿ أَنَّ ٱلنَّاسَ ﴾ بكسرها، فمن قرأ بالنصب: ﴿ أَنَّ ٱلنَّاسَ ﴾ جعل ذلك القول من الدابة، ثم يخرج على وجهين: أحدهما: تقول الدابة: إن الناس كانوا بي وبخروجي لما وعدوا لا يوقنون أني أخرج، فهأنذا خرجت.

والثاني: أنها تخبر عن الله وتنبئ أن الناس كانوا بالدابة وبغيرها من الآيات لا يوقنون.

ومن قرأ بالخفض ﴿ إِنَّ ﴾ يجعل ذلك القول من الله ابتداءَ إخبارٍ: أنهم كانوا لا يزالون لا يوقنون.

وفي خروج الدابة أعظم آيات في إثبات رسالة رسول الله ونبوته؛ لأنه أخبر أنها تخرج في وقت كذا؛ فتخرج على ما أخبر في ذلك الوقت على الوصف الذي وصف؛ فتدلهم على صدقه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا وجب العذاب وثبت عليهم لإصرارهم على كفرهم ومعاصيهم، وبقي شرار الناس، أخرجنا لهم عند اقتراب الساعة علامة من علاماتها الكبرى، وهي دابة من الأرض تكلمهم بما يفهمون أن الناس كانوا بآياتنا المنزلة على نبينا لا يصدقون.

<div class="verse-tafsir" id="91.kMOPY"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.5 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الله أكبر