الآية ٤٧ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٤٧ من سورة القصص

وَلَوْلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ) أي : وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة ولتقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم ، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير ، كما قال تعالى بعد ذكره إنزال كتابه المبارك وهو القرآن : ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ) [ الأنعام : 156 ، 157 ] ، وقال : ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) [ النساء : 165 ] ، وقال تعالى : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير ) [ المائدة : 19 ] ، والآيات في هذا كثيرة [ والله أعلم ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) يقول تعالى ذكره: ولولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلتك يا محمد إليهم, لو حلّ بهم بأسنا, أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم, واكتسابهم الآثام, واجترامهم المعاصي: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل أن يحلّ بنا سخطك, وينـزل بنا عذابك فنتبع أدلتك, وآي كتابك الذي تنـزله على رسولك ونكون من المؤمنين بألوهيتك, المصدقين رسولك فيما أمرتنا ونهيتنا, لعاجلناهم العقوبة على شركهم من قبل ما أرسلناك إليهم, ولكنا بعثناك إليهم نذيرا بأسنا على كفرهم, لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

والمصيبة في هذا الموضع: العذاب والنقمة.

ويعني بقوله: ( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) بما اكتسبوا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولولا أن تصيبهم يريد قريشا .

وقيل : اليهود مصيبة أي عقوبة ونقمة .

بما قدمت أيديهم من الكفر والمعاصي وخص الأيدي بالذكر ; لأن الغالب من الكسب إنما يقع بها وجواب ( لولا ) محذوف أي لولا أن يصيبهم عذاب بسبب معاصيهم المتقدمة فيقولوا ربنا لولا أي هلا أرسلت إلينا رسولا لما بعثنا الرسل .

وقيل : لعاجلناهم بالعقوبة .

وبعث الرسل إزاحة لعذر الكفار كما تقدم في ( سبحان ) وآخر ( طه ) .

فنتبع آياتك نصب على جواب التحضيض .

ونكون عطف عليه من المؤمنين من المصدقين .

وقد احتج بهذه الآية من قال : إن العقل يوجب الإيمان والشكر ; لأنه قال : بما قدمت أيديهم وذلك موجب للعقاب ، إذ تقرر الوجوب قبل بعثه الرسل ، وإنما يكون ذلك بالعقل .

قال القشيري : والصحيح أن المحذوف لولا كذا لما احتيج إلى تجديد الرسل ; أي هؤلاء الكفار غير معذورين إذ بلغتهم الشرائع السابقة والدعاء إلى التوحيد ، ولكن تطاول العهد ، فلو عذبناهم فقد يقول قائل منهم : طال العهد بالرسل ، ويظن أن ذلك عذر ولا عذر لهم بعد أن بلغهم خبر الرسل ، ولكن أكملنا إزاحة العذر ، وأكملنا البيان فبعثناك يا محمد إليهم وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبدا إلا بعد إكمال البيان والحجة وبعثة الرسل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من الكفر والمعاصي { فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: فأرسلناك يا محمد، لدفع حجتهم، وقطع مقالتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولولا أن تصيبهم مصيبة ) عقوبة ونقمة ، ( بما قدمت أيديهم ) من الكفر والمعصية ، ( فيقولوا ربنا لولا ) هلا ( أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ) وجواب " لولا " محذوف ، أي : لعاجلناهم بالعقوبة ، يعني : لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم .

وقيل : معناه لما بعثناك إليهم رسولا ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولولا أن تصيبهم مصيبة» عقوبة «بما قدمت أيديهم» من الكفر وغيره «فيقولوا ربنا لولا» هلا «أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك» المرسل بها «ونكون من المؤمنين» وجواب لولا محذوف وما بعده مبتدأ، والمعنى لولا الإصابة المسبب عنها قولهم أو لولا قولهم المسبب عنها لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولولا أن ينزل بهؤلاء الكفار عذاب بسبب كفرهم بربهم، فيقولوا: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل، فنتبع آياتك المنزلة في كتابك، ونكون من المؤمنين بك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أبطل - سبحانه - ما يتعللون به من معاذير فقال : ( ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ) .و ( ولولا ) الأولى : امتناعية ، تدل على امتناع الجواب لوجود الشرط ، وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه ، و " أن " وما فى حيزها فى محل رفع بالابتداء .و ( لولا ) الثانية : تحضيضية ، وجوابها قوله ( فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ .

.

) وجملة ( فَيَقُولُواْ ) عطف على ( أَن تُصِيبَهُم ) ومن جملة ما فى حيز ( لولا ) الأولى .والمعنى : ولولا أن تصيب هؤلاء المشركين ( مُّصِيبَةٌ ) أى عقوبة شديدة .

بسبب اقترافهم الكفر والمعاصى ( فَيَقُولُواْ ) على سبيل التعلل عند نزوزل العقوبة بهم ( رَبَّنَا ) أى : يا ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من عندك ( فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ) الدالة على صدقه ( وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ) به وبما جاء به من آيات من عندك .أى : ولولا قولهم هذا ، وتعللهم بأنهم ما حملهم على الكفر ، إلا عدم مجىء رسول إليهم يبشره وينذرهم .

.

لولا ذلك لما أرسلانك إليهم ، ولكنا أرسلناك إليهم لنقطع حجتهم ، ونزيل تعللهم ، ونثبت لهم أن استمرارهم على كفرهم - بعد إرسالك إليهم ، كان بسبب عنادهم وجحودهم ، واستحواذ الشيطان عليهم .قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - : ( ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ) أى : وأرسلناك إليهم - يا محمد لتقيم عليهم الحجة ، ولتقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بسبب كفرهم ، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير ، كما قال - تعالى - بعد ذكره إنزال كتابه المبارك وهو القرآن : ( أَن تقولوا إِنَّمَآ أُنزِلَ الكتاب على طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّآ أهدى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية سؤالات: السؤال الأول: الجانب موصوف، والغربي صفة، فكيف أضاف الموصوف إلى الصفة؟

الجواب: هذه مسألة خلافية بين النحويين، فعند البصريين لا يجوز إضافة الموصوف إلى الصفة إلا بشرط خاص سنذكره، وعند الكوفيين يجوز ذلك مطلقاً حجة البصريين، أن إضافة الموصوف إلى الصفة تقتضي إضافة الشيء إلى نفسه، وهذا غير جائز فذاك أيضاً غير جائز، بيان الملازمة أنك إذا قلت جاءني زيد الظريف، فلفظ الظريف يدل على شيء معين في نفسه مجهول بحسب هذا اللفظ حصلت له الظرافة، فإذا نصصت على زيد عرفنا أن ذلك الشيء الذي حصلت له الظرافة هو زيد، إذا ثبت هذا، فلو أضفت زيداً إلى الظريف، كنت قد أضفت زيداً إلى زيد، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائزة، فإضافة الموصوف إلى صفته وجب أن لا تجوز، إلا أنه جاء على خلاف هذه القاعدة ألفاظ، وهي قوله تعالى في هذه الآية: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى ﴾ وقوله: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة  ﴾ وقوله: ﴿ حَقُّ اليقين  ﴾ ﴿ وَلَدَارُ الأخرة  ﴾ ويقال صلاة الأولى ومسجد الجامع وبقلة الحمقاء، فقالوا التأويل فيه جانب المكان الغربي ودين الملة القيمة وحق الشيء اليقين ودار الساعة الآخرة وصلاة الساعة الأولى ومسجد المكان الجامع وبقلة الحبة الحمقاء، ثم قالوا في هذه المواضع: المضاف إليه ليس هو النعت، بل المنعوت، إلا أنه حذف المنعوت وأقيم النعت مقامه فهاهنا ينظر إن كان ذلك النعت كالمتعين لذلك المنعوت، حسن ذلك وإلا فلا، ألا ترى أنه ليس لك أن تقول عندي جيد على معنى عندي درهم جيد، ويجوز مررت بالفقيه على معنى مررت بالرجل الفقيه، لأن الفقيه يعلم أنه لا يكون إلا من الناس والجيد قد يكون درهماً وقد يكون غيره، وإذا كان كذلك حسن قوله جانب الغربي، لأن الشيء الموصوف بالغربي الذي يضاف إليه الجانب لا يكون إلا مكاناً أو ما يشبهه، فلا جرم حسنت هذه الإضافة، وكذا القول في البواقي، والله أعلم.

السؤال الثاني: ما معنى قوله: ﴿ إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الأمر ﴾ ؟

الجواب: الجانب الغربي هو المكان الواقع في شق الغرب، وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى عليه السلام من الطور، وكتب الله (له) في الألواح والأمر المقضي إلى موسى عليه السلام الوحي الذي أوحى إليه، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم يقول: وما كنت حاضراً المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى عليه السلام، ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على (الموحى) إليه، (وهي لأن الشاهد لابد وأن يكون حاضراً)، وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات.

السؤال الثالث: لما قال: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الغربى ﴾ ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد لابد أن يكون حاضراً، فما الفائدة في إعادة قوله: ﴿ وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين ﴾ ؟

الجواب: قال ابن عباس رضي الله عنهما: التقدير لم تحضر ذلك الموضع، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك، ولا يشهد ولا يرى.

السؤال الرابع: كيف يتصل قوله: ﴿ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً ﴾ بهذا الكلام ومن أي وجه يكون استدراكاً له؟

الجواب: معنى الآية: ولكنا أنشأنا بعد عهد موسى عليه السلام إلى عهدك قروناً كثيرة فتطاول عليهم العمر وهو القرن الذي أنت فيه، فاندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرفناك أحوال الأنبياء وأحوال موسى، فالحاصل كأنه قال وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب، فإذن هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده.

واعلم أن هذا تنبيه على المعجز كأنه قال إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوتك كما قال: ﴿ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى  ﴾ .

أما قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ فالمعنى ما كنت مقيماً فيه.

وأما قوله: ﴿ تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا ﴾ ففيه وجهان: الأول: قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ﴿ وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ أي أرسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها الثاني: قال الضحاك: يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما كان غيرك ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولاً، فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.

أما قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا ﴾ يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه ﴿ ولكن رَّحْمَةً مّن رَّبِكَ ﴾ أي علمناك رحمة، وقرأ عيسى بن عمر بالرفع أي هي رحمة، وذكر المفسرون في قوله: ﴿ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ وجوهاً أخر أحدها: إذ نادينا أي قلنا لموسى ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيء  ﴾ إلى قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون  ﴾ .

وثانيها: قال ابن عباس إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم: يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني قال وإنما قال الله تعالى ذلك حين اختار موسى عليه السلام سبعين رجلاً لميقات ربه.

وثالثها: قال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال رب أرنيهم قال إنك لن تدركهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم قال بلى يا رب فقال سبحانه يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فأسمعه الله تعالى أصواتهم ثم قال: أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكره ابن عباس.

ورابعها: روى سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا ﴾ قال: «كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخلته الجنة».

أما قوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ ﴾ فالإنذار هو التخويف بالعقاب على المعصية.

واعلم أنه تعالى لما بين قصة موسى عليه السلام قال لرسوله: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى...

وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ...

وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور ﴾ فجمع تعالى بين كل ذلك لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى عليه السلام إذ المراد بقوله: ﴿ إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الأمر ﴾ إنزال التوراة حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً ﴾ أول أمره والمراد ناديناه وسط أمره وهو ليلة المناجاة، ولما بين تعالى أنه عليه السلام لم يكن في هذه الأحوال حاضراً بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين ثم فسر تلك الرحمة بأن قال: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ ﴾ واختلفوا فيه فقال بعضهم لم يبعث إليهم نذير منهم: وقال بعضهم: حجة الأنبياء كانت قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجد تلك الحجة عليهم، وقال بعضهم لا يبعد وقوع الفترة في التكاليف فبعثه الله تعالى تقريراً للتكاليف وإزالة لتلك الفترة.

أما قوله: ﴿ وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ﴾ الآية فقال صاحب الكشاف: (لولا) الأولى امتناعية وجوابها محذوف، والثانية تحضيضية، والفاء في قوله: ﴿ فَيَقُولُواْ ﴾ للعطف، (وفي قوله للعطف).

وفي قوله: ﴿ فَنَتَّبِعَ ﴾ جواب (لولا) لكونها في حكم الأمر من قبل أن الأمر باعث على الفعل، والباعث والمحضض من واد واحد، والمعنى لولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي: هلا أرسلت إلينا رسولاً، محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم، يعني إنما أرسلنا الرسول إزالة لهذا العذر وهو كقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل  ﴾ ﴿ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ  ﴾ ﴿ لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك ﴾ واعلم أنه تعالى لم يقل ولولا أن يقولوا هذا العذر لما أرسلنا، بل قال: ﴿ وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ فَيَقُولُواْ ﴾ هذا العدو لما أرسلنا وإنما قال ذلك لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً وقد عرفوا بطلان دينهم لما قالوا ذلك، بل إنما يقولون ذلك إذا نالهم العقاب فيدل ذلك على أنهم لم يذكروا هذا العذر تأسفاً على كفرهم، بل لأنهم ما أطاقوا وفيه تنبيه على استحكام كفرهم ورسوخه فيهم كقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج الجبائي على وجوب فعل اللطف قال لو لم يجب ذلك لم يكن لهم أن يقولوا: هلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك، إذ من الجائز أن لا يبعث إليهم وإن كانوا لا يختارون الإيمان إلا عنده على قول من خالف في وجوب اللطف كما مر أن الجائز إذا كان في المعلوم لو خلق له لم يمكن إلا أن يفعل ذلك.

المسألة الثانية: احتج الكعبي به على أن الله تعالى يقبل حجة العباد وليس الأمر كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لا يقبل الحجة وظهر بهذا أنه ليس المراد من قوله: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ  ﴾ ما يظنه أهل السنة، وإذا ثبت أنه يقبل الحجة وجب أن لا يكون فعل العبد بخلق الله تعالى وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله تعالى.

المسألة الثالثة: قال القاضي: فيه إبطال القول بالجبر من جهات: إحداها: أن اتباعهم وإيمانهم موقوف على أن يخلق الله ذلك فيهم سواء أرسل الرسول إليهم أم لا وثانيتها: أنه إذا خلق القدرة على ذلك فيهم وجب سواء أرسل الرسول أم لا وثالثتها: إذا أراد ذلك وجب أرسل الرسول إليهم أم لا، فأي فائدة في قولهم هذا لو كانت أفعالهم خلقاً لله تعالى؟

فيقال للقاضي هب أنك نازعت في الخلق والإرادة ولكنك وافقت في العلم فإذا علم الكفر منهم فهل يجب أم لا، فإن لم يجب أمكن أن لا يوجد الكفر مع حصول العلم بالكفر وذلك جمع بين الضدين وإن وجب لزمك ما أوردته علينا، واعلم أن الكلام وإن كان قوياً حسناً إلا أنه إذا توجه عليه النقض الذي لا محيص عنه، فكيف يرضى العاقل بأن يعول عليه؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَوْلاَ ﴾ الأولى امتناعية وجوابها محذوف، والثاني تحضيضية، وإحدى الفاءين للعطف، والأخرى جواب لولا، لكونها في حكم الأمر، من قبل أن الأمر باعث على الفعل، والباعث والمحضض من واد واحد.

والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدّموا من الشرك والمعاصي: هلا أرسلت إلينا رسولاً، محتجين علينا بذلك: لما أرسلنا إليهم، يعني: أن إرسال الرسول إليهم إنما هو ليلزموا الحجة ولا يلزموها، كقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ [النساء: 165] ، ﴿ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ﴾ [المائدة: 19] ، ﴿ لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ ءاياتك ﴾ .

فإن قلت: كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول، لدخول حرف الامتناع عليها دونه؟

قلت: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها، جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها لولا، وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة: وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين: لم يقولوا: ﴿ لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم.

وفي هذا من الشهادة القوية على استحكام كفرهم ورسخوه فيهم ما لا يخفى، كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ [الأنعام: 28] .

ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي: جعل كل عمل معبراً عنه باجتراح الأيدي وتقدم الأيدي وإن كان من أعمال القلوب، وهذا من الاتساع في الكلام وتصيير الأقل تابعاً للأكثر وتغليب الأكثر على الأقل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا ﴾ ( لَوْلا ) الأوْلى امْتِناعِيَّةٌ والثّانِيَةُ تَحْضِيضِيَّةٌ واقِعَةٌ في سِياقِها، لِأنَّها إنَّما أُجِيبَتْ بِالفاءِ تَشْبِيهًا لَها بِالأمْرِ مَفْعُولُ يَقُولُوا المَعْطُوفُ عَلى تُصِيبُهم بِالفاءِ المُعْطِيَةِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ المُنَبَّهَةِ عَلى أنَّ القَوْلَ هو المَقْصُودُ بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْتِفاءِ ما يُجابُ بِهِ، وأنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْهم حَتّى تُلْجِئَهُمُ العُقُوبَةُ والجَوابُ مَحْذُوفٌ والمَعْنى: لَوْلا قَوْلُهم إذا أصابَتْهم عُقُوبَةٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ رَبَّنا هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا يُبَلِّغُنا آياتِكَ فَنَتَّبِعَها ونَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ، ما أرْسَلْناكَ أيْ إنَّما أرْسَلْناكَ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

﴿ فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ المُصَدَّقَ بِنَوْعٍ مِنَ المُعْجِزاتِ.

﴿ وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولولا أن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ} عقوبة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من الكفر والظلم ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي نسبت الأعمال إلى الأيدي وإن كانت من أعمال القلوب تغليباً للأكثر على الأقل {فيقولوا} عند العذاب {رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فنتبع آياتك وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين} لولا الأولى امتناعية وجوابها محذوف والثانية تحضيضية والفاء الأولى للعطف والثانية جواب لولا لكونها في حكم الأمر إذ الأمر باعث على الفعل والباعث والمحضض من وادٍ واحد والفاء تدخل في جواب الأمر والمعنى لولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم يعني أن ارسال الرسول إليهم إنما هو ليلزموا الحجة ولا يلزموها كقوله لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل فإن قلت كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا للقول لدخول لولا الامتناعية عليها دونه قلت القول هوالمقصود بأن يكون سبباً للإرسال ولكن العقوبة لما كانت سبباً للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب الارسال

القصص (٥٣ - ٤٨)

فأدخلت عليها لولا وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السببية ويؤل معناه إلى قولك ولولا فولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ وهي عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ عَذابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ بِما اقْتَرَفُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ويُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ الأعْمالِ وإنْ لَمْ تَصْدُرْ عَنِ الأيْدِي بِاجْتِراحِ الأيْدِي وتَقْدِيمِ الأيْدِي لِما أنَّ أكْثَرَ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِها ﴿ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا ﴾ أيْ هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا مُؤَيَّدًا مِن عِنْدِكَ بِالآياتِ ﴿ فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ﴾ الظّاهِرَةَ عَلى يَدِهِ ﴿ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ 47) بِما جاءَ بِهِ، ولَوْلا الثّانِيَةُ تَحْضِيضِيَّةٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَتَّبِعَ ﴾ جَوابُها ولِكَوْنِ التَّحْضِيضِ طَلَبًا كالأمْرِ أُجِيبَتْ عَلى نَحْوِ ما يُجابُ، وأمّا الأوْلى فامْتِناعِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ لِما أرْسَلْناكَ، والفاءُ في ﴿ فَيَقُولُوا ﴾ عاطِفَةٌ لِيَقُولَ عَلى تُصِيبُهُمْ، والمَقْصُودُ بِالسَّبَبِيَّةِ لِانْتِفاءِ الجَوابِ والرُّكْنُ الأصِيلُ فِيها قَوْلُهم ذَلِكَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ، فالمَعْنى لَوْلا قَوْلُهم إذا عُوقِبُوا بِما اقْتَرَفُوا هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَهُ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِما أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ، وحاصِلُهُ سَبَبِيَّةُ القَوْلِ المَذْكُورِ لِإرْسالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ قَطْعًا لِمَعاذِيرِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ ولَكِنَّ العُقُوبَةَ لَمّا كانَتْ هي السَّبَبَ لِلْقَوْلِ وكانَ وُجُودُهُ بِوُجُودِها جُعِلَتْ كَأنَّها سَبَبُ الإرْسالِ بِواسِطَةِ القَوْلِ فَأُدْخِلَتْ عَلَيْها لَوْلا وجِيءَ بِالقَوْلِ مَعْطُوفًا عَلَيْها بِالفاءِ المُعْطِيَةِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ، ونُكْتَةُ إيثارِ هَذا الأُسْلُوبِ وعَدَمِ جَعْلِ العُقُوبَةِ قَيْدًا مُجَرَّدًا أنَّهم لَوْ لَمْ يُعاقَبُوا مَثَلًا عَلى كُفْرِهِمْ وقَدْ عايَنُوا ما أُلْجِئُوا بِهِ إلى العِلْمِ اليَقِينِ لَمْ يَقُولُوا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، وإنَّما السَّبَبُ في قَوْلِهِمْ هَذا هو العِقابُ لا غَيْرُ لا التَّأسُّفُ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ بِخالِقِهِمْ، وفي هَذا مِنِ الشَّهادَةِ القَوِيَّةِ عَلى اسْتِحْكامِ كُفْرِهِمْ ورُسُوخِهِ فِيهِمْ ما لا يَخْفى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ  ﴾ هَذا ما أرادَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ولَيْسَ في الكَلامِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُ مُضافٍ كَما هو الظّاهِرُ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَراهَةَ أنْ تُصِيبَهم إلَخْ، فالسَّبَبُ لِلْإرْسالِ إنَّما هو كَراهَةُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن إلْزامِ الحُجَّةِ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ، وهَذِهِ الكَراهَةُ مِمّا لا رَيْبَ في تَحَقُّقِها الَّذِي تَقْتَضِيهِ لَوْلا ودَفَعُوا بِهَذا التَّقْدِيرِ لُزُومَ تَحَقُّقِ الإصابَةِ والقَوْلِ المَذْكُورِ وانْتِفاءَ عَدَمِ الإرْسالِ كَما هو مُقْتَضى لَوْلا، وفي ذَلِكَ ما فِيهِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: التَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ لَوْلا لَيْسَتْ كَما قالَ النُّحاةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مَوْجُودٌ أوْ أنَّ جَوابَها مُمْتَنِعٌ والتَّحْرِيرَ في مَعْناها أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مانِعٌ مِن جَوابِها عَكْسَ لَوْ، ثُمَّ المانِعُ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا وقَدْ يَكُونُ مَفْرُوضًا وما في الآيَةِ مِنَ الثّانِي فَلا إشْكالَ فِيها، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ قَوْلَ مَن لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِ رَسُولٌ أنْ عُذِّبَ: رَبِّي لَوْلا أرْسَلْتَ (إلَيَّ) رَسُولًا مِمّا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ وإلّا لَما صَلُحَ لِأنْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإرْسالِ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَقْلَ لا يُغْنِي عَنِ الرَّسُولِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، والكَلامُ فِيهِ كَثِيرٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ يعني: بناحية الجبل الذي كلّم الله تعالى به موسى.

يعني: عن يمين موسى ولولا ذلك: إِذْ نادَيْنا يعني: كلمنا موسى.

ويقال: إِذْ نادَيْنا يعني: أمتك، وذلك أن الله تعالى لما وصف لموسى نعت أمة محمد  ، فأحب موسى أن يراهم، قال الله تعالى لموسى: إنك لن تراهم وإن شئت أسمعتك كلامهم، فأسمعه الله تعالى كلامهم، وقال أبو هريرة  معنى قوله: إِذْ نادَيْنا يعني: «نودوا، يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تدعوني» .

وروى الأعمش عن ابن مدرك عن أبي زرعة قال: رفع الحديث في قوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا- قال: نودي يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتم قبل أن تسألوني.

وعن عمرو بن شعيب قال: سألت النبيّ  عن قوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ما كانَ النِّدَاءُ، وَمَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ؟

قَالَ: كِتَابٌ كَتَبَهُ الله تَعَالَى قَبْل أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ بألْفَيْ عَامٍ وَسِتِّمائَةِ عَامٍ عَلَى ورقة آس، ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى عَرْشِهِ ثُمَّ نَادَى: يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، أعطيتكم قبل أن تسألوني وَغَفَرْتُ لَكُمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَغْفِرُونِي، فَمَنْ لَقِيَنِي مِنْكُمْ يَشْهَدُ أنْ لاَ إله إلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ أَدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ (١) ثم قال: وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن نعمة من ربك حيث اختصصت به.

نصب رَحْمَةً لأن معناه: فعلنا ذلك للرحمة، كقوله: فعلت ذلك ابتغاء الخير، يعني: لابتغاء الخير.

ثم قال: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّا أَتاهُمْ يعني: لم يأتهم مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: لم يأتهم رسول من قبلك، وهم أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا.

قوله عز وجل: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ يعني: عقوبة ونقمة، وفي الآية تقديم ومعناها: لولا أن يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا، فنتبع آياتك، ونكون من المؤمنين، لعذبوا في الدنيا ولأصابتهم مُّصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وهذا هو قول مقاتل.

ويقال: معناه لولا أن يصيبهم عذاب فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لعذبوا في الدنيا، فيكون جوابه مضمراً.

ويقال: معناه لو إني أهلكتهم قبل إرسالي إليك، لقالوا يوم القيامة: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ يقول: لولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسل، فأرسلناك لكي لا يكون لهم حجة عليّ.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أعلمناه، وهو أحدُ ما يَرِد تَحْتَ لفظِ القَضَاءِ مراداً، انتهى من كتاب «تفسير الأفعالَ الواقعة في القرآن» .

و «الثاوي» : المقيم.

وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)

٥٨ أوقوله تعالى: وَما كُنْتَ/ بِجانِبِ الطُّورِ يريدُ وقتَ إنزالِ التوراةِ إلى مُوسَى- عليه السلام- وقوله: إِذْ نادَيْنا رُوِيَ عَنْ أَبِي هريرةَ: أنّه نُودِيَ يَومَئِذٍ مِنَ السَّمَاءِ: «يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، استجبتُ لَكُمْ قَبْلَ أَن تَدْعُونِي، وغفرتُ لكم قبل أن تسألوني» ، فحينئذٍ قال موسى عليه السلام: اللهمَّ اجْعَلْنِي من أمَّةِ محمدٍ، فالمعنى: إذ نادينا بأمرك وأخبرنا بنُبوَّتِك.

وقال الطبريُّ «١» : معنى قوله: إِذْ نادَيْنا: بأن فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ...

الآية [الأعراف: ١٥٦] .

وقوله سبحانه: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ...

الآية، المصيبةُ: عذابٌ في الدُّنْيا على كفرهِم، وجوابُ لَوْلا محذوفٌ يقْتَضِيهِ الكلامُ تَقْدِيرُهُ: لعَاجَلْنَاهُمْ بما يَسْتَحِقُّونَه.

وقال الزجاجُ «٢» : تقديره: لَمَا أرسلنا الرسل.

فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)

وقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يريد القرآن ومحمداً عليه السلام، والمقالةُ التي قَالَتْها قريشٌ: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى كانَتْ من تعليمِ اليهود لهم قالوا لهم: لِمَ لا يأتي بآية باهرةٍ كالعصَا واليدِ، وغير ذلك، فعكسَ الله عليهم قَوْلَهُم، وَوَقَفَهُمْ على أَنهم قد وقَع منهم في تلك الآيات مَا وَقَع من هؤلاء في هذه، فالضميرُ في قوله يَكْفُرُوا لليهود، وقرأ الجمهور: «ساحران» والمراد: موسى وهارون.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى ﴾ يَعْنِي قَوْمَ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرَهم ﴿ بَصائِرَ لِلنّاسِ ﴾ أيْ: لِيُبَصَّرُوا بِهِ ويَهْتَدُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: وما كُنْتَ بِجانِبِ الجَبَلِ الغَرْبِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ ﴾ أيْ: أحْكَمْنا الأمْرَ مَعَهُ بِإرْسالِهِ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ لِذَلِكَ الأمْرِ؛ وفي هَذا بَيانٌ لِصِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا  ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَإ الكُتُبَ، ولَمْ يُشاهِدْ ما جَرى، فَلَوْلا أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ، ما عَلِمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا ﴾ أيْ: خَلَقْنا أُمَمًا مِن بَعْدِ مُوسى ﴿ فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ ﴾ أيْ: طالَ إمْهالُهم فَنَسُوا عَهْدَ اللَّهِ وتَرَكُوا أمْرَهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ عَهِدَ إلى مُوسى وقَوْمِهِ عُهُودًا في أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، وأُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ، فَلَمّا طالَ إمْهالُهم، أعْرَضُوا عَنْ مُراعاةِ العُهُودِ، ﴿ وَما كُنْتَ ثاوِيًا ﴾ أيْ: مُقِيمًا ﴿ فِي أهْلِ مَدْيَنَ ﴾ فَتَعْلَمَ خَبَرَ مُوسى وشُعَيْبَ وابْنَتَيْهِ فَتَتْلُو ذَلِكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ ﴿ وَلَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ﴾ أرْسَلْناكَ إلى أهْلِ مَكَّةَ وأخْبَرْناكَ خَبَرَ المُتَقَدِّمِينَ، ولَوْلا ذَلِكَ ما عَلِمْتَهُ.

﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ ﴾ أيْ: بِناحِيَةِ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى ﴿ إذْ نادَيْنا ﴾ مُوسى وكَلَّمْناهُ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: كانَ هَذا النِّداءُ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، أعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي، وأسْتَجِيبُ لَكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَمْ تُشاهِدْ قَصَصَ الأنْبِياءِ، ولَكِنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ وقَصَصْناها عَلَيْكَ، رَحْمَةً مِن رَبِّكَ.

﴿ وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ ﴾ جَوابُ " لَوْلا " مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَوْلا أنَّهم يَحْتَجُّونَ بِتَرْكِ الإرْسالِ إلَيْهِمْ لَعاجَلْناهم بِالعُقُوبَةِ.

وقِيلَ: لَوْلا ذَلِكَ لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ ومُؤاثَرَةِ الِاحْتِجاجِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إنَّ اللهِ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ "المُصِيبَةُ": عَذابٌ في الدُنْيا عَلى كُفْرِهِمْ.

وجَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَما أرْسَلْنا الرُسُلَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ ﴾ يُرِيدُ: القُرْآنَ ومُحَمَّدًا  ، والمَقالَةُ الَّتِي قالَتْها قُرَيْشٌ: ﴿ لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ﴾ كانَتْ مِن تَعْلِيمِ اليَهُودِ لَهُمْ، قالُوا لَهُمْ، لِمْ لا يَأْتِي بِآيَةٍ باهِرَةٍ كالعَصا واليَدِ ونَتْقِ الجَبَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَعَكَسَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ، ووَقَفَهم عَلى أنَّهم قَدْ وقَعَ مِنهم في تِلْكَ الآياتِ ما وقَعَ مِن هَؤُلاءِ في هَذِهِ، فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَكْفُرُوا ﴾ لِلْيَهُودِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "ساحِرانِ"، والمُرادُ بِهِما مُوسى وهارُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ الحَسَنُ: مُوسى وعِيسى وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُوسى ومُحَمَّدٌ  ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: عِيسى ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ، والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سِحْرانِ"، والمُرادُ بِهِما التَوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَ عِكْرِمَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: التَوْراةُ والفُرْقانُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "سِحْرانِ اظّاهَرا"، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ والضَحّاكِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ ﴿ ما أُوتِيَ مُوسى ﴾ أمْرَ مُحَمَّدٍ -عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ- الَّذِي في التَوْراةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: وما يَطْلُبُونَ بِأنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ما أُوتِيَ مُوسى وهم قَدْ كَفَرُوا -فِي التَكْذِيبِ بِكَ- بِما أُوتِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الإخْبارِ بِكَ، وقُالُوا: إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ﴾ يُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ.

و"تَظاهَرا" مَعْناهُ: تَعاوَنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ حُجَّةٌ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَصْدَعَ بِها، أيْ: أنْتُمْ أيُّها المُكَذِّبُونَ بِهَذِهِ الكُتُبِ الَّتِي قَدْ تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالعِباداتِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، ونَهَتْ عَنِ الكَفْرِ والنَقائِصِ، ووَعَدَ اللهُ تَعالى عَلَيْها الثَوابَ الجَزِيلَ، إنْ كانَ تَكْذِيبَكم لِمَعْنًى فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَهْدِي أكْثَرَ مِن هَدْيِ هَذِهِ أتَّبِعْهُ مَعَكم.

ثُمْ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ﴾ -وَهُوَ قَدْ عَلِمْ أنَّهم لا يَسْتَجِيبُونَ- عَلى مَعْنى الإيضاحِ لِفَسادِ حالِهِمْ، وسِياقُ القِياسِ: "لِأنَّهم مُتَّبِعُونَ لِأهْوائِهِمْ".

ثُمْ عَجِبَ تَعالى مِنَ اتِّباعِ الهَوى بِغَيْرِ هِدايَةٍ ولِغَيْرِ مَقْصِدٍ بَيِّنٍ، وقَرَّرَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ البَيانِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا متصل بقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ﴾ [القصص: 46]، لأن الإنذار يكون بين يدي عذاب.

و ﴿ لولا ﴾ الأولى حرف امتناع لوجود، أي انتفاء جوابها لأجل وجود شرطها وهو حرف يلزم الابتداء فالواقع بعده مبتدأ والخبر عن المبتدأ الواقع بعد ﴿ لولا ﴾ واجب الحذف وهو مقدر بكون عام.

والمبتدأ هنا هو المصدر المنسبك من ﴿ أن ﴾ وفعل ﴿ تصيبهم ﴾ والتقدير: لولا إصابتهم بمصيبة، وقد عقب الفعل المسبوك بمصدر بفعل آخر وهو ﴿ فيقولوا ﴾ ، فوجب أن يدخل هذا الفعل المعطوف في الانسباك بمصدر، وهو معطوف بفاء التعقيب.

فهذا المعطوف هو المقصود مثل قوله تعالى ﴿ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ [البقرة: 282] فالمقصود هو «أن تذكر إحداهما الأخرى».

وإنما حيك نظم الكلام على هذا المنوال ولم يقل: ولولا أن يقولوا ربنا الخ حين تصيبهم مصيبة إلى آخره، لنكتة الاهتمام بالتحذير من إصابة المصيبة فوضعت في موضع المبتدأ دون موضع الظرف لتساوي المبتدأ المقصود من جملة شرط ﴿ لولا ﴾ فيصبح هو وظرفه عمدتين في الكلام، فالتقدير هنا: ولولا إصابتهم بمصيبة يعقبها قولهم ﴿ ربنا لولا أرسلت ﴾ الخ لما عبأنا بإرسالك إليهم لأنهم أهل عناد وتصميم على الكفر.

فجواب ﴿ لولا ﴾ محذوف دل عليه ما تقدم من قوله ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ إلى قوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ [القصص: 44 46]، أي ولكنا أعذرنا إليهم بإرسالك لنقطع معذرتهم.

وجواب ﴿ لولا ﴾ محذوف دل عليه الكلام السابق، أي لولا الرحمة بهم بتذكيرهم وإنذارهم لكانوا مستحقين حلول المصيبة بهم.

و ﴿ لولا ﴾ الثانية حرف تحضيض، أي هلا أرسلت إلينا قبل أن تأخذنا بعذاب فتصلح أحوالنا وأنت غني عن عذابنا.

وانتصب ﴿ فنتبع ﴾ (بأن) مضمرة وجوباً في جواب التحضيض.

وضمير ﴿ تصيبهم ﴾ عائد إلى القوم الذين لم يأتهم نذير من قبل.

والمراد ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ ما سلف من الشرك.

والمصيبة: ما يصيب الإنسان، أي يحل به من الأحوال، وغلب اختصاصها بما يحل بالمرء من العقوبة والأذى.

والباء في ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ للسببية، أي عقوبة كان سببها ما سبق على أعمالهم السيئة.

والمراد بها هنا عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه، وتقدم عند قوله تعالى ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ في سورة [النساء: 62].

وهي ما يجترجونه من الأعمال الفاحشة.

و (ما قدمت أيديهم) ما اعتقدوه من الإشراك وما عملوه من آثار الشرك.

والأيدي مستعار للعقول المكتسبة لعقائد الكفر.

فشبه الاعتقاد القلبي بفعل اليد تشبيه معقول بمحسوس.

وهذه الآية تقتضي أن المشركين يستحقون العقاب بالمصائب في الدنيا ولو لم يأتهم رسول لأن أدلة وحدانية الله مستقرة في الفطرة ومع ذلك فإن رحمة الله أدركتهم فلم يصبهم بالمصائب حتى أرسل إليهم رسولاً.

ومعنى الآية على أصول الأشعري وما بينه أصحاب طريقته مثل القشيري وأبي بكر ابن العربي: أن ذنب الإشراك لا عذر فيه لصاحبه لأن توحيد الله قد دعي إليه الأنبياء والرسل من عهد آدم بحيث لا يعذر بجهله عاقل فإن الله قد وضعه في الفطرة إذ أخذ عهده به على ذرية آدم كما أشار إليه قوله تعالى ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ﴾ كما بيناه في سورة [الأعراف: 172].

ولكن الله يرأف بعباده إذا طالت السنون وانقرضت القرون وصار الناس مظنة الغفلة فيتعهدهم ببعثة الرسل للتذكير بما في الفطرة وليشرعوا لهم ما به صلاح الأمة.

فالمشركون الذين انقرضوا قبل البعثة المحمدية مؤاخذون بشركهم ومعاقبون عليه في الآخرة ولو شاء الله لعاقبهم عليه بالدنيا بالاستئصال ولكن الله أمهلهم، والمشركون الذين جارتهم الرسل ولم يصدقوهم مستحقون عذاب الدنيا زيادة على عذاب الآخرة، قال تعالى ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ﴾ [السجدة: 21].

وأما الفِرَق الذين يُعدّون دليل توحيد الله بالإلهية عقلياً مثل الماتريدية والمعتزلة فمعنى الآية على ظاهره، وهو قول ليس ببعيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ﴾ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  ، وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ ﴿ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُودِيَ يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ اسْتَجَبْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي وأعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

الثّانِي: أنَّهم نُودُوا في أصْلابِ آبائِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِكَ إذا بُعِثْتَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَلَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما نُودِيَ بِهِ مُوسى مِن جانِبِ الطُّورِ مِن ذِكْرِكَ نِعْمَةٌ مِن رَبِّكَ.

الثّانِي: أنَّ إرْسالَكَ نَبِيًّا إلى قَوْمِكَ نِعْمَةٌ مِن رَبِّكَ.

﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي العَرَبَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الهالك في الفترة يقول: رب لم يأتني كتاب ولا رسول.

ثم قرأ هذه الآية ﴿ ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون ﴾ قال: هم أهل الكتاب.

يقول بالكتابين التوراة والفرقان فقال الله: ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ قال: يهود تأمر قريشاً أن تسأل محمداً ﴿ مثل ما أوتي موسى...

من قبل ﴾ يقول الله لمحمد: قل لقريش يقولون لهم ﴿ أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا ﴾ قال: قول يهود لموسى وهارون ﴿ وقالوا إنا بكل كافرون ﴾ قال: يهود تكفر أيضاً بما أوتي محمد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ﴾ قال: من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الطبراني عن ابن الزبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ قالوا ساحران تظاهرا ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ﴿ قالوا ساحران تظاهرا ﴾ قال: موسى وهارون.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ بالألف قال: يعني موسى ومحمداً عليهما السلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ سحران تظاهرا ﴾ قال: هما كتابان.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه ﴿ قالوا ساحران تظاهرا ﴾ يقول: التوراة والفرقان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ قالوا ساحران تظاهرا ﴾ قال: التوراة والفرقان حين صدق كل واحد منهما صاحبه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ ﴿ سحران تظاهرا ﴾ يقول: كتابان التوراة والفرقان.

ألا تراه يقول ﴿ فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: لو كان يريد النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ﴿ فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ﴾ إنما أراد الكتابين.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي رزين رضي الله عنه أنه كان يقرأها ﴿ سحران تظاهرا ﴾ يقول: كتابان التوراة والإِنجيل.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ قالوا سحران تظاهرا ﴾ قال: ذلك اعداء الله اليهود للإِنجيل والقرآن قال: ومن قرأها ﴿ ساحران ﴾ يقول: محمد وعيسى.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الكريم أبي أمية قال: سمعت عكرمة يقول ﴿ سحران ﴾ فذكرت ذلك لمجاهد فقال: كذب العبد قرأتها على ابن عباس ﴿ ساحران ﴾ فلم يُعِبْ علي.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما وهو بين الركن والباب والملتزم وهو متكئ على يدي عكرمة فقلت: أسحران تظاهرا، أم ساحران؟

فقلت ذلك مراراً فقال عكرمة ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ اذهب أيها الرجل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وقالوا إنا بكل كافرون ﴾ يقول: بالتوراة والقرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ وقالوا إنا بكل كافرون ﴾ قال: الذي جاء به موسى، والذي جاء به عيسى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ قال مقاتل: يعني العذاب في الدنيا ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ من المعاصي، يعني: كفار مكة (١) ﴿ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ ﴾ هلا أرسلت إلينا رسولاً (٢) ﴿ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ يعني القرآن ﴿ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ المصدقين بتوحيد الله (٣) ﴿ لَوْلَا ﴾ محذوف؛ تقديره ما ذكرنا (٤) وقال مقاتل في تقدير الجواب: لأصابتهم مصيبة (٥) قال الزجاج: أي: لولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسول، ومواترة الاحتجاج (٦) (١) "تفسير مقاتل" 66 ب.

(٢) "مجار القرآن" لأبي عبيدة 2/ 107.

(٣) "تفسير مقاتل" 66 ب.

(٤) قال الثعلبي 8/ 148 ب: جواب ﴿ لَوْلَا ﴾ محذوف، أي: لعاجلناهم بالعقوبة.

(٥) "تفسير مقاتل" 66 ب.

(٦) هكذا في النسخ الثلاث، وكذا في "معاني القرآن" للزجاج 4/ 147؛ أي: متابعة الاحتجاج.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ﴾ لو هنا حرف امتناع ولولا الثانية عرض وتحضيض، والمعنى لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم نرسل الرسل، وإنما أرسلناهم على وجه الإعذار وإقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا: ﴿ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق ﴾ يعني القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قَالُواْ لولا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى ﴾ يعنون إنزال الكتاب عليه من السماء جملة واحدة، وقلب العصا حية وفلق البحر وشبه ذلك ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ ﴾ هذا ردّ عليهم فيما طلبوه، والمعنى أنهم كفروا بما أوتي موسى فلما آتينا محمداً مثل ذلك لكفروا به، ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ على هذا يتعلق بقوله: ﴿ أُوتِيَ موسى ﴾ ، ويحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ ﴾ ، إن كانت الآية في بني إسرائيل، والأول أحسن ﴿ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ﴾ يعنون موسى وهارون، أو موسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم والضمير في ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ ﴾ وفي ﴿ قَالُواْ ﴾ لكفار قريش وقيل: لآبائهم، وقيل لليهود والأول أظهر وأصح لأنهم المقصودون بالرد عليهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سحران ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ بالتخفيف اتفاقاً ﴿ تجبى إليه ﴾ بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون على التذكير ﴿ يعقلون ﴾ بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير ﴿ ثم هو ﴾ بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون ﴿ تبرأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ العمر ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ آياتنا ﴾ ج لما مر ﴿ مرسلين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ما أوتي موسى ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل ﴿ تظاهرا ﴾ ج للتعجب من عنادهم ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أهواهم ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ﴿ عليكم ﴾ ط لذلك ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ أرضنا ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ معيشتها ﴾ ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ آياتنا ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وزينتها ﴾ ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين ﴿ وأبقى ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ أغوينا ﴾ ج ﴿ غوينا ﴾ ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل ﴿ إليك ﴾ ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ج لجواز تعلق "لو" بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ ﴿ يهتدون ﴾ والوقف على ﴿ لهم ﴾ أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ لا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحين ﴾ ه ﴿ ويختار ﴾ ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد ﴿ الخيرة ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ز لعطف الجمل ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا  فذكر أوّلاً أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب أنواراً للقلوب وإرشاداً لأهل الضلال وسبباً لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي التذكر إلى موسى.

ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه  لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ اي بجانب المكان الواقع في شق الغرب وهو ناحية الشأم التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء.

﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ على ذلك فقد يكون الشخص حاضراً ولا يكون شاهداً ولا مشاهداً.

قال ابن عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى.

ثم قال ﴿ ولكنا أنشأنا ﴾ بعد عهد موسى إلى عهدك ﴿ قروناً فتطاول عليهم العمر ﴾ فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى آخرهم قرناً وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء.

وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوّتك.

ثم فصل ما أجمل فذكر أوّل أمر موسى وبين أنه  لم يكن هناك وهو قوله ﴿ وما كنت ثاوياً ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ وهم شعيب والمؤمنون به ﴿ تتلوا عليهم آياتنا ﴾ قال مقاتل: أي لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا ارسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها.

وقال الضحاك: يقول يا محمد: إنك لم تكن رسولاً إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ في كل زمان رسولاً فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.

ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه.

وعن بعض المفسرين أنه اراد قوله ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها  ﴾ إلى قوله ﴿ المفلحون  ﴾ وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني.

قال: وإنما قال الله  ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه.

وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد  قال: يا رب أرنيهم.

قال: إنك لن تردكهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم.

قال: بلى يا رب.

فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال  : أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس.

وروى سهل بن سعد أن رسول الله  قال في قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: "كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة" .

قوله ﴿ ولكن رحمة ﴾ أي ولكنا علمناك ﴿ رحمة من ربك ﴾ ثم فسر الرحمة بقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة.

وقيل: كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة.

قوله ﴿ ولولا أن تصيبهم ﴾ هي امتناعية وجوابها محذوف.

والفاء في قوله ﴿ فيقولوا ﴾ للعطف على أن تصيبهم، وقوله ﴿ لولا أرسلت ﴾ هي تخصيصية.

والفاء في ﴿ فنتبع ﴾ جواب "لولا"، وذلك أن التخصيص في حكم الأمر لأن كلاً منهما بعث على الفعل.

والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم.

والحاصل أن إرسال الرسول لجل إزالة هذا العذر.

قال اصحاب اليبان: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها "لولا" وجيء بالقول معطوفاً عليها بفاء السببية تنبيهاً على أنهم لو لم يعاقبوا على كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فالسبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا يبان استحكام كفرهم وتصميمهم.

قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت.

وقال الكعبي: فيه دليل على أنه  يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله  .

وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان موقوفاً على خلق الله فأيّ فائدة في قولهم هذا.

ومعارضة الأشاعرة بالعلم والداعي معلومة.

ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا مقصود لهم إلا العناد فقال ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ اي الرسول المصدّق بالكتاب المعجز ﴿ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ من الكتاب المنزل جملة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم يكفروا ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى فقال  : ﴿ أولم يكفروا ﴾ هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك الآيات الباهرة.

والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه  جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر والعنت.

وقال الكلبي: إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول اليهود قالوا: إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر فقال الله  في حقهم ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ﴾ .

وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا أي تعاونا.

وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد  فـ ﴿ قالوا ساحران ﴾ والأظهر أن كفار مكة وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات.

ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال الله تعالى: ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟

فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت.

من قرأ ﴿ ساحران ﴾ بالألف فظاهر، وأما من قرأ ﴿ سحران ﴾ فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو القرآن والتوراة.

وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم اشبه منها بالكتب.

وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوّي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار.

وفي تكرار ﴿ قالوا ﴾ وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة ﴿ وقالوا إنا بكل ﴾ من موسى ومحمد أو بكل من الكتابين ﴿ كافرون ﴾ مرة.

وثانيهما أن يكون قوله ﴿ وقالوا ﴾ معطوفاً على ﴿ أولم يكفروا ﴾ ثم عجزهم بقوله ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ اي مما أنزل على موسى ومما أنزل عليّ.

قال ابن عباس ﴿ فإِن لم يستجيبوا لك ﴾ معناه فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج.

وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما.

وهذا اشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا.

ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم.

وإنما لم يقل "فإن لم يأتوا" لأن قوله ﴿ فأتوا ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى.

وفي قوله ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه ﴾ حال كونه ﴿ بغير هدى من الله ﴾ إشارة إلى فساد طريقة التقليد.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ اي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله  خاصة بالمؤمن.

وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها مالا يحسن إلا بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى  ﴾ والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذراً لهم.

ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله ﴿ ولقد وصلنا ﴾ أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متصلاً بعضه في أثر بعض ليكون ذلك اقرب إلى التذكر والتذكير والتنبيه فإِنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة جديدة.

ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً ووعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً إلى غير ذلك من معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا.

ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى.

وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله ﴾ أي من قبل القرآن ﴿ هم به يؤمنون ﴾ قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام.

وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من ارض الحبشة في السفينة، وثمانية جاؤا من الشام.

وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم.

والتحقيق أن كل من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلاً في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ تعليل للإٍيمان به لأن كونه حقاً من الله يوجب الإيمان به.

وقوله ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوا في كتب الأنبياء من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل وجوده ونزوله.

وفي قوله ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أقوال بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعث ثم اثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.

﴿ ويدرؤن بالحسنة ﴾ وهي الطاعة ﴿ السيئة ﴾ وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى.

يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.

وقال السدي: عاب اليهود عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم.

مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم بالتحمل والتواضع.

وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك ﴿ أعرضوا عنه وقالوا ﴾ لأهل ذلك اللغو ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا نسخ.

ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله.

قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في ابي طالب وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي  : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟

قال: فما تريد يا ابن أخي؟

قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله.

قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند الموت.

وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله  ﴿ وهم ينهون وينأون عنه  ﴾ .

واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله ﴿ وانك لتهدي إلى صراط مستقيم  ﴾ لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة ههنا معلوم.

وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله  حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم ﴿ قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله  : أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ﴿ ومن دخله كان آمناً  ﴾ وبين مزيته بقوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ قالوا: الكل ههنا بمعنى الأكثر.

قلت: يحتمل أن يكون على أصله.

وانتصب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مصدر لأن ﴿ يجبى ﴾ بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله.

وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة.

وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله  مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى.

ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه  احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله  .

وفي الآية دلالة على صحة المحاجة.

لإزالة شبهة المبطلين.

قالت الشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على ايدي الناس وقد اضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن افعال العباد مستندة إلى الله.

ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله.

ثم أجاب عن شبهتهم بحديث آخر مخلوط بالوعيد.

وانتصب ﴿ معيشتها ﴾ بنزع الخافض كقوله ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على أنه ظرف مكان مجازاً كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله فيه.

ومعنى ﴿ إلا قليلاً ﴾ قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة.

ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً.

﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ كقوله ﴿ ولله ميراث السموات والأرض  ﴾ لأنه الباقي بعد فناء خلقه.

ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد  لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟

فقال ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ﴾ اي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها ﴿ رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة.

قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد  خاتم الأنبياء.

وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن.

ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا.

فبين  بقوله ﴿ وما أوتيتم من شيء ﴾ الآية.

أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم.

ونبه على جهلهم بقوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله  ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير.

نظير الاية قوله  "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" .

قال البرهان: إنما السورة "وما أوتيتم" الواو وفي الشورى ﴿ فما أوتيتم  ﴾ بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف.

وإنما زاد في هذه السورة ﴿ وزينتها ﴾ .

لأن المراد ههنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع مالا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة.

وأما في "الشورى" فلم يقصد الاستيعاب بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر الزينة.

ثم زاد البيان المذكور تأكيداً بقوله ﴿ افمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه ﴾ لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا محالة.

وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع الحياة الدنيا يسوّي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟

ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة ﴾ تراخي حال الإِحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن وقته.

وتخصيص لفظ ﴿ المحضرين ﴾ بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن.

قال الله  ﴿ لكنت من المحضرين  ﴾ ﴿ فإنهم لمحضرون  ﴾ ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعاراً به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإِلزام وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة.

قيل: نزلت في النبي  وأبي جهل.

وقيل: في علي وحمزة وأبي جهل.

وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة.

ثم ذكر من وصف القيامة قائلاً ﴿ ويوم يناديهم ﴾ أي فاذكر ذلك اليوم.

ومعنى الاستفهام في ﴿ أين ﴾ التوبيخ والتهكم.

ومفعولا ﴿ تزعمون ﴾ محذوفان تقديره تزعمونهم شركائي.

﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم الشياطين ورؤساء الكفر.

و ﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ الذين أغوينا ﴾ صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر ﴿ أغويناهم ﴾ والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا.

قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضاً أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا.

وقالت المعتزلة: يعنون أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن أغواءنا ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال فيكون كما حكي عن الشيطان ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي  ﴾ ثم قالوا ﴿ تبرأنا إليك ﴾ منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة.

وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى.

وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذاراً ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم وهو قوله: ﴿ وقيل ادعوا شركاءهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ زعم جم غفير من المفسرين أن جواب "لو" محذوف.

فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.

وقيل: اراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئاً ولكنهم صاروا مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئاً فلا جرم ما رأوه.

وقيل: الضمير للأصنام أي كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب.

وقيل: "لو" للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين.

ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.

ومعنى ﴿ عميت عليهم الأنباء ﴾ أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسال بعض الناس بعضاً في المشكلات لأنهم متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال  ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا  ﴾ فما ظنك بضلال أممهم؟!

قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله  وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك.

وكذا القول فيما تقدّم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك فيّ الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية والعذر ظاهراً.

وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي.

والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت.

وزيفه الأشعري بأن الكافر لو اورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً.

ولقائل أن يقول: السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت.

وحين فرغ من توبيخ الكفار وتهديدهم اتبعة ذكر التائبين وأنهم من المفلحين.

و"عسى" من الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب.

ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى وهي قولهم ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ فأجاب الله  عنها بقوله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ لأنه المالك المطلق المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء.

وعلى مذهب المعتزلة هو حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير.

وقوله ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ بيان لقوله ﴿ ويختار ﴾ والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم "محمد خيرة الله من خلقه".

وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على ﴿ ما يشاء ﴾ ثم يقول ﴿ ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، واي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله.

فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك الأفضل لا يحصل فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة.

ثم قولهم "المستحق خير من المتفضل به" ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟

قلت: لقائل أن يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ والغرض أن الخلق والاختيار والإِعزاز والإِذلال والإِهانة والإِجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.

ثم اكد ذلك بقوله ﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم ﴾ من عداوة نبيه ﴿ وما يعلنون ﴾ من مطاوعتهم فيه.

ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية.

و ﴿ لا إله إلا هو ﴾ تقرير لما قبله ﴿ له الحمد في ﴾ الدار ﴿ الأولى ﴾ على نعمه الفائضة على البر والفاجر ﴿ و ﴾ في الدار ﴿ الآخرة ﴾ كقولهم ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن  ﴾ ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف.

قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.

والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس.

قال القاضي: إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر.

وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب.

ولقائل أن يقول: لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف.

ثم بين بقوله ﴿ وله الحكم ﴾ أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم ابيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه.

التأويل: ﴿ ولقد آتينا موسى ﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿ إذ قضينا إلى موسى ﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين  ﴾ وما كنت في عالم الشهادة ﴿ ولكنا أنشأنا قروناً ﴾ في عالم الشهادة ﴿ فتطاول عليهم العمر ﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿ وما كنت ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم.

ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ يعني محمداً.

وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿ لولا أوتي مثل ما أوتي ﴾ لولم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿ بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ﴾ ﴿ الذين آتيناهم ﴾ حقيقة ﴿ الكتاب ﴾ في عالم الأرواح ﴿ من قبل ﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿ هم به يؤمنون ﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ ولذلك قال ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أي في العالمين ﴿ بما صبروا ﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ ويدرؤن ﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ ومما رزقناهم ﴾ من الوجود المجازي ﴿ ينفقون ﴾ في طلب الوجود الحقيقي: ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو طلب ماسوى الله ﴿ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ في طلب الفاني ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح ابداً، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿ أم على قلوب أقفالها  ﴾ وقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً  ﴾ ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ الذين اصابهم رشاش النور ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ﴾ بجذبات الألوهية من ارض الأنانية ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ في مقام الهوية ﴿ يجبى إليه ثمرات ﴾ حقائق ﴿ كل شيء رزقاً ﴾ من العلوم اللدنية ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ذوق العلم اللدني ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً ﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿ إلا قليلاً ﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ اي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿ رسولاً ﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى "تجوّع ترنى تجرد تصل إلي" ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿ فبما أغويتني  ﴾ أي ﴿ أغويناهم ﴾ بتقديريك ﴿ كما أغوينا ﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ ورأوا العذاب ﴾ يعني ﴿ لو كانوا يهتدون ﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ لا ينتظم الجواب، وليس ما ذكر على إثره جواباً له، إلا أن يقال: إن قوله: ﴿ وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ﴾ أي: لم تصبهم مصيبة، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا  ﴾ أي: لم تقولوا: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ  ﴾ أي: لم يمسّهم، وجميع ما ذكر في هذه السورة من ﴿ وَلَوْلاۤ ﴾ كله أنه لم يكن؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ﴾ أي: لم تصبهم مصيبة، ولو أصابتهم مصيبة، وهو العذاب ﴿ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً  ﴾ على هذا يخرج تأويل هذا.

ثم في هذه الآية في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ ﴾ وجهان: أحدهما: على من يقول بأن ليس لله أن يعذبهم بما كان منهم قبل بعث الرسل إليهم لقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ ، وفي الآية بيان أن له أن يعذبهم وإن لم يبعث الرسل؛ لأنه أوعدهم الهلاك، فلو لم يكن له التعذيب والإهلاك لم يكن للإيعاد فائدة؛ فدل أن له الإهلاك في الدنيا والاستئصال، لكنه أخره عنهم؛ فضلا منه ورحمة.

والثاني: على المعتزلة في قولهم الأصلح؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ما أوعدهم أصلح لهم من الترك أو الترك لهم أصلح: فإن كان ما أوعد لهم أصلح فقد تركهم؛ فيكون في تركهم إياهم جائراً على قولهم؛ لأنه لم يفعل ما هو أصلح لهم في الدين.

أو أن يكون الترك لهم أصلح؛ فيكون بما أوعدهم جائرا؛ إذ أوعد بما كان غيره أصلح لهم مما أوعد؛ فدل ما ذكرنا على أن ليس على الله حفظ الأصلح لهم في الدين.

ثم قوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ ليس الكفر نفسه، ولكن العناد والمكابرة مع الكفر؛ لأن عذاب الكفر في الآخرة ليس في الدنيا؛ لأن الله  قد أبقى كثيراً من الكفرة لم يهلكهم ولم يعذبهم في الدنيا، ولكن إنما أهلك واستأصل في الدنيا من عاند وكابر الرسل في الآيات والحجج التي أتوهم بها وأقاموها عليهم على أثر سؤال كان منهم، فعند ذلك أهلكهم واستأصلهم لا بنفس الكفر، ثم مع ما كان له التعذيب قبل بعث الرسل لم يعذبهم، ولكن أخر عنهم إلى أن يبعث الرسل إليهم بالآيات والحجج؛ ليقطع به لجاجهم ومنازعتهم فضلا منه، وإن لم يكن لهم الاحتجاج عليه بقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ الآيات التي تبعث مع الرسل لا يبعث الرسل بالآيات.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ يعنون بالآيات: الرسل أنفسهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ : جائز أن يكون الحق الذي ذكر الرسول نفسه، ويحتمل الحق الكتاب الذي أنزل عليه وآيات.

وقوله: ﴿ قَالُواْ لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ ﴾ : هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: قالوا: هلا أوتي محمد من أنواع النعم من المن والسلوى وغيره من غير تكلف ولا تعب؛ مثل ما أوتي موسى لو كان رسولا على ما يقول.

أو أن يقولوا: لولا أوتي من الآيات الحسيات الظاهرات من نحو اليد والعصا والحجر الذي كان ينفجر منه والغمام، وما ذكر من الضفادع والقمل والدم والطوفان وغير ذلك مثل ما أوتي موسى.

أو أن يقولوا: لولا أوتي محمد القرآن جملة عياناً جهاراً؛ كما أوتي موسى التوراة جملة عياناً جهاراً، والله أعلم بذلك ما عنوا به.

ثم بين الله  وأخبر أنهم إنما يسألون ما سألوه سؤال عناد ومكابرة لا سؤال استرشاد وطلب الحق حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ﴾ أي: لم يكفر هؤلاء الذين سألوك الآيات بما أوتي موسى - يعني: أهل مكة - لأنهم كانوا مشركين لم يؤمنوا برسول قط من قبل.

ويحتمل قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ ﴾ أي: أولم يكفر قوم موسى بعد سؤالهم الآيات إذ أتاهم بها؛ فعلى ذلك هؤلاء يكفرون بما أوتيت.

والأول أشبه.

ثم قالوا: ﴿ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ﴾ ، وقد قرئ: ﴿ ساحران ﴾ بالألف.

وقال بعضهم ساحران: موسى وهارون.

وقال بعضهم: موسى ومحمد.

وقال بعضهم: عيسى ومحمد.

وقوله: ﴿ سِحْرَانِ ﴾ بغير ألف: كتابان، لكنهم اختلفوا: قال بعضهم: التوراة والإنجيل.

وقال بعضهم: الفرقان والتوراة ونحوه.

وقال بعض أهل الأدب: ساحران: أولى وأقرب؛ لأن ذكر التظاهر إنما يكون بين الأنفس لا يكون بين الكتب.

﴿ تَظَاهَرَا ﴾ أي: تعاونا.

وقال بعضهم من أهل الأدب - أيضاً - ﴿ سِحْرَانِ ﴾ بغير ألف أولى؛ لأنه أراد به الكتابين.

ألا ترى أنه طلب منهم بما قالوا إتيان الكتاب حيث قالوا: ﴿ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ ﴾ ردّاً على ما قالوا وطلبوا منه.

لكن نقول نحن: لا نحب أن نختار إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأنه إنما هو خبر أخبر عنهم أنهم قالوا ذلك: فمرة قالوا: ﴿ ساحران ﴾ ، ومرة قالوا: ﴿ سِحْرَانِ ﴾ ، فأخبر على ما قالوا؛ وكذلك قوله: ﴿ سيقولون الله ﴾ بالألف وبغير الألف، لا يختار أحدهما على الآخر؛ لأنه خبر أخبر عنهم على ما كان منهم فهو على ما أخبر، والله أعلم.

وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ ﴾ : قالت اليهود: نأمر قريشاً أن تسأل أن يؤتى محمد مثل ما أوتي موسى يقول الله لرسوله: قل لقريش يقولوا لهم: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ ﴾ يعني: اليهود، وقالوا: ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ قال قول اليهود لموسى وهارون وهو مما ذكرنا قريب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ﴾ ما أوتي موسى على اختلاف ما ذكرنا.

ثم قال: قل يا محمد لقريش أهل مكة: ﴿ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ ﴾ من التوراة والفرقان أو التوراة والإنجيل على اختلاف ما قالوا، ﴿ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في زعمكم أنهما سحران تظاهرا، وأنه مفترى، ائتوا أنتم من عند الله بكتاب أتبعه؛ إلى هذا ذهب أهل التأويل.

ووجه آخر يشبه أن يكون أقرب منه: وهو أن قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ ﴾ ، أي: ائتوا بكتاب من عند الله أنه أمركم بعبادة الأصنام والأوثان؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام دون الله، ويقولون: الله أمرهم بذلك، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وإن عبادتهم إياها تقربهم إلى الله زلفى ونحوه من الكلام، فيقول - والله أعلم -: ائتوا بكتاب من عند الله: أنه أمركم بذلك هو أهدى منهما، أي: أبين منهما وأوضح من هذين؛ لأن هذين إنما جاءا بنهي عبادة غير الله ومنعها دونه، يقول: ائتوا بكتاب هو أهدى وأبين عما جاء منه من هذين، إن كنتم صادقين أن الله أمركم بذلك، ويكون عبادتكم إياها على ما تزعمون، هذا جائز أن يكون أقرب من الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ ﴾ : في إتيان ما تطلب منهم وتسأل من الكتاب، ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ بغير علم، وهم كانوا يعلمون: أنهم إنما يتبعون في عبادة الأصنام وتحريم الحلال وتحليل الحرام - أهواءهم، ويجعلون هواهم هو الإمام؛ إذ لا يؤمنون برسول حتى يكون لهم كتاب.

ثم قال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾ ، أي: لا أحد أضل ﴿ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: من غير بيان من الله - ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ، أي: والله أعلم -: إن الله لا يهدي قوماً يتبعون أهواءهم، لا يتبعون الحجج والبراهين لا يهديهم ما داموا في اتباع هواهم.

أو لا يهدي القوم الذين ظلموا الحجج والبراهين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولولا أن تنالهم عقوبة إلهية بسبب ما هم عليه من الكفر والمعاصي، فيقولوا محتجين بعدم إرسال رسول إليهم: هلَّا بعثت إلينا رسولًا فنتبع آياتك ونعمل بها، ونكون من المؤمنين العاملين بأمر ربهم، لولا ذلك لعاجلناهم بالعقاب، لكنا أخرناه عنهم حتَّى نعذر إليهم ببعث رسول إليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.0qeJ8"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد