تفسير الآية ٨٠ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٨٠ من سورة القصص

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّـٰبِرُونَ ٨٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨٠ من سورة القصص من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨٠ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم : ( ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ) أي : جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون .

[ كما في الحديث الصحيح : يقول الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، واقرؤوا إن شئتم : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) [ السجدة : 17 ] .

وقوله : ( ولا يلقاها إلا الصابرون ) : قال السدي : وما يلقى الجنة إلا الصابرون .

كأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم .

قال ابن جرير : وما يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا ، الراغبون في الدار الآخرة .

وكأنه جعل ذلك مقطوعا من كلام أولئك ، وجعله من كلام الله عز وجل وإخباره بذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ (80) يقول تعالى ذكره: وقال الذين أوتوا العلم بالله, حين رأوا قارون خارجا عليهم في زينته, للذين قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون: ويلكم اتقوا الله وأطيعوه, فثواب الله وجزاؤه لمن آمن به وبرسله, وعمل بما جاءت به رسله من صالحات الأعمال في الآخرة, خير مما أوتي قارون من زينته وماله لقارون.

وقوله: ( وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ ) يقول: ولا يلقاها: أي ولا يوفَّق لقيل هذه الكلمة, وهي قوله: ( ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ) والهاء والألف كناية عن الكلمة.

وقال: ( إِلا الصَّابِرُونَ ) يعني بذلك: الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا, وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على لذّات الدنيا وشهواتها, فجدّوا في طاعة الله, ورفضوا الحياة الدنيا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال الذين أوتوا العلم ويلكم وهم أحبار بني إسرائيل قالوا للذين تمنوا مكانه ويلكم ثواب الله خير يعني الجنة .

لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون أي لا يؤتى الأعمال الصالحة أو لا يؤتى الجنة في الآخرة إلا الصابرون على طاعة الله وجاز ضميرها لأنها المعنية بقوله : ثواب الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } الذين عرفوا حقائق الأشياء، ونظروا إلى باطن الدنيا، حين نظر أولئك إلى ظاهرها: { وَيْلَكُمْ } متوجعين مما تمنوا لأنفسهم، راثين لحالهم، منكرين لمقالهم: { ثَوَابُ اللَّهِ } العاجل، من لذة العبادة ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه.

والآجل من الجنة وما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { خَيْرٌ } من هذا الذي تمنيتم ورغبتم فيه، فهذه حقيقة الأمر، ولكن ما كل من يعلم ذلك يؤثر الأعلى على الأدنى، فما يُلَقَّى ذلك ويوفق له { إِلَّا الصَّابِرُونَ } الذين حبسوا أنفسهم على طاعة اللّه، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وصبروا على جواذب الدنيا وشهواتها، أن تشغلهم عن ربهم، وأن تحول بينهم وبين ما خلقوا له، فهؤلاء الذين يؤثرون ثواب اللّه على الدنيا الفانية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقال الذين أوتوا العلم ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يعني الأحبار من بني إسرائيل .

وقال مقاتل : أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة ، قالوا للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون في الدنيا : ( ويلكم ثواب الله خير ) يعني ما عند الله من الثواب والجزاء خير ) ( لمن آمن ) وصدق بتوحيد الله ) ( وعمل صالحا ) مما أوتي قارون في الدنيا ( ولا يلقاها إلا الصابرون ) قال مقاتل : لا يؤتاها ، يعني الأعمال الصالحة .

وقال الكلبي لا يعطاها في الآخرة .

وقيل : لا يؤتى هذه الكلمة وهي قوله : " ويلكم ثواب الله خير " إلا الصابرون على طاعة الله وعن زينة الدنيا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال» لهم «الذين أوتوا العلم» بما وعد الله في الآخرة «ويلكم» كلمة زجر «ثواب الله» في الآخرة بالجنة «خير لمن آمن وعمل صالحاً» مما أوتي قارون في الدنيا «ولا يلقاها» أي الجنة المثاب بها «إلا الصابرون» على الطاعة وعن المعصية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال الذين أوتوا العلم بالله وشرعه وعرفوا حقائق الأمور للذين قالوا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون: ويلكم اتقوا الله وأطيعوه، ثوابُ الله لمن آمن به وبرسله، وعمل الأعمال الصالحة، خيرٌ مما أوتي قارون، ولا يَتَقَبَّل هذه النصيحة ويوفَّق إليها ويعمل بها إلا مَن يجاهد نفسه، ويصبر على طاعة ربه، ويجتنب معاصيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد حكى القرآن ذلك عنهم فقال : ( وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصابرون ) .وكلمة ( وَيْلَكُمْ ) أصلها الدعاء بالهلاك ، وهى منصوبة بمقدر .

أى : ألزمكم الله الويل .ثم استعملت فى الزجر والتعنيف والحض على ترك ما هو قبيح ، وهذا الاستعمال هو المراد هنا .أى : وقال الذين أوتوا العلم النافع من قوم قارون .

لمن يريدون الحياة الدنيا : كفوا عن قولكم هذا ، واتركوا الرغبة فى أن تكونوا مثله ، فإن ( ثَوَابُ الله ) فى الاخرة ( خَيْرٌ ) مما تمنيتموه ، وهذا الثواب إنما هو ( لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ) فلا تتمنوا عرض الدنيا الزائل .وهذه الثوبة العظمة التى أعدها الله - تعالى - لمن آمن وعمل صالحا ( وَلاَ يُلَقَّاهَآ ) أى : لا يظفر بها ، ولا يوفق للعمل لها ( إِلاَّ الصابرون ) على طاعة الله - تعالى - وعلى ترك المعاصى والشهوات .قال صاحب الكشاف : والراجع فى ( وَلاَ يُلَقَّاهَآ ) للكلمة التى تكلم بها العلماء ، أو للثواب ، لأه فى معنى المثوبة أو الجن أو للسيرة والطريقة وهى الإيمان والعمل الصالح .ثم جاءت بعد ذلك العقوبة لقارون ، بعد أن تجاوز الحدود فى البغى والفخر والإفساد فى الأرض.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن نص القرآن يدل على أن قارون كان من قوم موسى عليه السلام، وظاهر ذلك يدل على أنه كان ممن قد أمن به ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة، قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى عليه السلام، لأنه كان قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى، وموسى بن عمران بن قاهث بن لاوى وقال محمد بن إسحاق إنه كان عم موسى عليه السلام، لأن موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث وقارون بن يصهر بن قاهث.

وعن ابن عباس أنه كان ابن خالته، ثم قيل إنه كان يسمى المنور لحسن صورته وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، إلا أنه نافق كما نافق السامري.

أما قوله: ﴿ فبغى عَلَيْهِمْ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه بغى بسبب ماله، وبغيه أنه استخف بالفقراء ولم يرع لهم حق الإيمان ولا عظمهم مع كثرة أمواله والثاني: أنه من الظلم، قيل ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم الثالث: قال القفال: بغى عليهم، أي طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده الرابع: قال الضحاك: طغى عليهم واستطال عليهم فلم يوفقهم في أمر الخامس: قال ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم وسخط عليهم السادس: قال شهر بن حوشب: بغيه عليهم أنه زاد عليهم في الثياب شبراً، وهذا يعود إلى التكبر السابع: قال الكلبي: بغيه عليهم أنه حسد هرون على الحبورة، يروى أن موسى عليه السلام لما قطع البحر وأغرق الله تعالى فرعون جعل الحبورة لهرون، فحصلت له النبوة والحبورة وكان صاحب القربان والمذبح، وكان لموسى الرسالة، فوجد قارون من ذلك في نفسه، فقال يا موسى لك الرسالة، ولهرون الحبورة، ولست في شيء ولا أصبر أنا على هذا، فقال موسى عليه السلام: والله ما صنعت ذلك لهرون ولكن الله جعله له، فقال والله لا أصدقك أبداً حتى تأتيني بآية أعرف بها أن الله جعل ذلك لهرون، قال فأمر موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل أن يجئ كل رجل منهم بعصاه، فجاءوا بها، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له، وكان ذلك بأمر الله تعالى، فدعا ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هرون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون أما ترى ما صنع الله لهرون!

فقال والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثير، وولى هرون الحبورة والمذبح والقربان، فكان بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هرون فيضعها في المذبح وتنزل النار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى عليه السلام ولا يجالسه، وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان قارون من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام الله تعالى».

أما قوله: ﴿ إِنَّ قارون كَانَ مِن قَوْمِ موسى فبغى عَلَيْهِمْ أُوْلِى القوة ﴾ ففيه أبحاث: الأول: قال الكعبي: ألستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف الله مال قارون إلى نفسه بقوله: ﴿ وَءاتَيْنَاهُ ﴾ وأجاب بأنه لا حجة في أنه كان حراماً، ويجوز أن من تقدمه من الملوك جمعوا وكنزوا فظفر قارون بذلك، وكان هذا الظفر طريق التملك، أو وصل إليه بالإرث من جهات، ثم بالتكسب من جهة المضاربات وغيرها وكان الكل محتملاً.

البحث الثاني: المفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به، وقيل هي الخزائن وقياس واحدها مفتح بفتح الميم، ويقال ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله، والعصبة الجماعة الكثيرة والعصابة مثلها، فالعشرة عصبة بدليل قوله تعالى في إخوة يوسف عليه السلام: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ  ﴾ وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم.

إذا عرفت معنى الألفاظ فنقول: هاهنا قولان أحدهما: أن المراد بالمفاتح المفاتيح وهي التي يفتح بها الباب، قالوا كانت مفاتيحه من جلود الإبل وكل مفتاح مثل إصبع، وكان لكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب قارون حملت المفاتيح على ستين بغلاً، ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين: الأول: أن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح الثاني: أن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض، فلا يجوز أن يكون لها مفاتيح والجواب: عن الأول أن المال إذا كان من جنس العروض، لا من جنس النقد جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد، وأيضاً فهذا الذي يقال إن تلك المفاتيح بلغت ستين حملاً، ليس مذكوراً في القرآن فلا تقبل هذه الرواية، وتفسير القرآن أن تلك المفاتيح كانت كثيرة، وكان كل واحد منها معيناً لشيء آخر، فكان يثقل على العصبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها، وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد، وعن الثاني أن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق القول الثاني: وهو اختيار ابن عباس والحسن أن تحمل المفاتح على نفس المال وهذا أبين وعن الشبهة أبعد.

قال ابن عباس: كانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء، وكانت خزائنه أربعمائة ألف فيحمل كل رجل عشرة آلاف القول الثالث: وهو اختيار أبي مسلم: أن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب  ﴾ والمراد آتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أولي القوة والهداية، أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها والقائمين عليها أن يحفظوها، ثم إنه تعالى بين أنه كان في قومه من وعظه بأمور أحدها: قوله: ﴿ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين ﴾ والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة أصلاً، وقال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها، فأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح بها وما أحسن ما قال المتنبي: أشد الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى: ﴿ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم  ﴾ قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركاً، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى.

وثانيها: قوله: ﴿ وابتغ فِيمَا ءاتَاكَ الله الدار الأخرة ﴾ والظاهر أنه كان مقراً بالآخرة، والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة ويسلك طريقة التواضع.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ﴾ وفيه وجوه: أحدها: لعله كان مستغرق الهم في طلب الدنيا فلأجل ذلك ما كان يتفرغ للتنعم والالتذاذ فنهاه الواعظ عن ذلك.

وثانيها: لما أمره الواعظ بصرف المال إلى الآخرة بين له بهذا الكلام أنه لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة.

وثالثها: المراد منه الإنفاق في طاعة الله فإن ذلك هو نصيب المرء من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب قال عليه السلام: «فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار».

ورابعها: قوله: ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ لما أمره بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر، وإنما قال: ﴿ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ تنبيهاً على قوله: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ  ﴾ .

وخامسها: قوله: ﴿ وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض ﴾ والمراد ما كان عليه من الظلم والبغي وقيل إن هذا القائل هو موسى عليه السلام، وقال آخرون بل مؤمنو قومه، وكيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما لو قيل لم يكن عليه مزيد، لكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه بكفر النعمة فقال: إنما أوتيته على علم عندي وفيه وجوه: أحدها: قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك.

وثانيها: قال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى عليه السلام أنزل عليه علم الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وكالب ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضة والنحاس فيجعله ذهباً.

وثالثها: أراد به علمه بوجوه المكاسب والتجارات.

ورابعها: أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِى ﴾ أي الله أعطاني ذلك مع كونه عالماً بي وبأحوالي فلو لم يكن ذلك مصلحة لما فعل وقوله: ﴿ عِندِى ﴾ أي عندي أن الأمر كذلك، كما يقول المفتى عندي أن الأمر كذلك أي مذهبي واعتقادي ذلك، ثم أجاب الله تعالى عن كلامه بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ وفيه وجهان: الأول: يجوز أن يكون هذا إثباتاً لعلمه بأن الله تعالى قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى لأنه قد قرأه في التوراة وأخبر به موسى عليه السلام وسمعه من حفاظ التواريخ كأنه قيل له: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته الثاني: يجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك كأنه لما قال أوتيته على علم عندي فتصلف بالعلم وتعظم به، قيل أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه، ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين؟.

أما قوله: ﴿ وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ فالمعنى أكثر جمعاً للمال أو أكثر جماعة وعدداً، وحاصل الجواب أن اغتراره بماله وقوته وجموعه من الخطأ العظيم، وأنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافاً.

فأما قوله: ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ﴾ فالمراد أن الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها، لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة به إلى السؤال، فإن قيل كيف الجمع بينه وبين قوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ قلنا يحمل ذلك على وقتين على ما قررناه، وذكر أبو مسلم وجهاً آخر فقال: السؤال قد يكون للمحاسبة، وقد يكون للتقرير والتبكيت، وقد يكون للاستعتاب، وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ  ﴾ ﴿ هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ  وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى زِينَتِهِ ﴾ قال الحسن: في الحمرة والصفرة.

وقيل: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيه.

وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية، بيض عليهنّ الحلي والديباج.

وقيل: في تسعين ألفاً عليهم المعصفرات، وهو أوّل يوم رؤي فيه المعصفر: كان المتمنون قوماً مسلمين وإنما تمنوه على سبيل الرغبة في اليسار والاستغناء كما هو عادة البشر.

وعن قتادة: تمنوه ليتقربوا به إلى الله وينفقوه في سبل الخير.

وقيل: كانوا قوماً كفاراً.

الغابط: هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه.

والحاسد: هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه فمن الغبطة قوله تعالى: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون ﴾ ومن الحسد قوله: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْض ﴾ [النساء: 32] وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟

فقال: «لا إلا كما يضر العضاه.......

الخبط» والحظ: الجدّ، وهو البخت والدولة: وصفوه بأنه رجل مجدود مبخوت، يقال: فلان ذو حظ، وحظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ وجدود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ ﴾ كَما قِيلَ إنَّهُ خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْهِ الأُرْجُوانُ وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ.

﴿ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ عَلى ما هو عادَةُ النّاسِ مِنَ الرَّغْبَةِ.

﴿ يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ ﴾ تَمَنَّوْا مِثْلَهُ لا عَيْنَهُ حَذَرًا عَنِ الحَسَدِ.

﴿ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ مِنَ الدُّنْيا.

﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ بِأحْوالِ الآخِرَةِ لِلْمُتَمَنِّينَ.

﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ دُعاءٌ بِالهَلاكِ اسْتُعْمِلَ لِلزَّجْرِ عَمّا لا يُرْتَضى.

﴿ ثَوابُ اللَّهِ ﴾ في الآخِرَةِ.

﴿ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ مِمّا أُوتِيَ قارُونُ بَلْ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها.

﴿ وَلا يُلَقّاها ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي تَكَلَمَ بِها العُلَماءُ أوْ لِلْـ ﴿ ثَوابُ ﴾ ، فَإنَّهُ بِمَعْنى المَثُوبَةِ أوِ الجَنَّةِ أوْ لِلْإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ فَإنَّهُما في مَعْنى السِّيرَةِ والطَّرِيقَةِ.

﴿ إلا الصّابِرُونَ ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)

{وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم} بالثواب والعقاب وفناء الدنيا وبقاء

العقبى لغابطي قارون {وَيْلَكُمْ} أصل ويلك الدعاء بالهلاك ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرضى وفي التبيان في الحرب القرآن هو مفعول فعل محذوف أي ألزمكم الله ويلكم {ثواب الله خير لمن آمن وَعَمِلَ صالحا وَلاَ يُلَقَّاهَا} أي لا يلقن هذه الكلمة وهي ثواب الله خير {إِلاَّ الصابرون} على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ أيْ بِأحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما يَنْبَغِي ومِنهم يُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما لَمْ يُوصَفُوا بِإرادَةِ ثَوابِ الآخِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِلْمَ بِأحْوالِ النَّشْأتَيْنِ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنِ الأُولى والإقْبالَ عَلى الأُخْرى حَتْمًا، وأنَّ تَمَنِّيَ المُتَمَنِّينَ لَيْسَ إلّا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِما كَما يَنْبَغِي.

وقِيلَ: المُرادُ بِالعِلْمِ مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ التَّوَكُّلِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الأخْبارِ، وما تَقَدَّمَ أوْلى ﴿ ويْلَكُمْ ﴾ دُعاءٌ بِالهَلاكِ بِحَسَبِ الأصْلِ ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في الزَّجْرِ عَمّا لا يُرْتَضى، والمُرادُ بِهِ هُنا الزَّجْرُ عَنِ التَّمَنِّي وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مِن مَعْناهُ ﴿ ثَوابُ اللَّهِ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ خَيْرٌ ﴾ مِمّا تَتَمَنَّوْنَهُ ﴿ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ فَلا يَلِيقُ بِكم أنْ تَتَمَنَّوْهُ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِثَوابِهِ عَزَّ وجَلَّ، هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُتَمَنِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ أوْ فَآمِنُوا لِتَفُوزُوا بِثَوابِهِ تَعالى الَّذِي هو خَيْرٌ مِن ذَلِكَ، وتَقْدِيرُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ ما تَتَمَنَّوْهُ لِاقْتِضاءِ المَقامِ إيّاهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامًّا ويَدْخُلَ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أيْ خَيْرٌ مِنِ الدُّنْيا وما فِيها ﴿ ولا يُلَقّاها ﴾ أيْ هَذِهِ المَقالَةَ أوِ الكَلِمَةَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها العُلَماءُ، والمُرادُ بِها المَعْنى اللُّغَوِيُّ أوِ الثَّوابُ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بِمَعْنى المَثُوبَةِ أوِ الجَنَّةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الثَّوابِ، وقِيلَ: الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، والتَّأْنِيثُ والإفْرادُ بِاعْتِبارِ أنَّهُما بِمَعْنى السِّيرَةِ أوِ الطَّرِيقَةِ، ومَعْنى تَلَقِّيها إمّا فَهْمُها أوِ التَّوْفِيقُ لِلْعَمَلِ بِها ﴿ إلا الصّابِرُونَ ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي والشَّهَواتِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِالصّابِرِينَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ المُتَّصِفُونَ بِالصَّبْرِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى يعني: من بني إسرائيل.

ويقال: كان ابن عم موسى فَبَغى عَلَيْهِمْ يعني: تطاول وتكبر على بني إسرائيل، وكان فرعون قد ملكه على بني إسرائيل حين كانوا بمصر، فلما قطع موسى البحر ببني إسرائيل ومعه قارون، وأغرق الله تعالى فرعون وجنوده، ورجع موسى  ببني إسرائيل إلى أرض مصر وسكنوا ديارهم كما قال في رواية أُخرى وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: 59] وجعلت الحبورة لهارون، وهو الرأس الذي يقرّب القربان.

فقال قارون لموسى: لك النبوة ولهارون الحبورة والمذبح، وأنا لست في ذلك من شيء.

فقال له موسى: أنا لم أفعل ذلك، ولكن الله تعالى فعل ذلك.

فقال له قارون: لا أصدقك على هذا، واعتزل قارون ومن تبعه من بني إسرائيل، وكان كثير المال والتبع.

وروي عن الحسن أنه قال: إنّ أول من شرف الشرف قارون، لما بنى داره وفرغ منها، وشرفها وصنع للناس طعاماً سبعة أيام، يجمعهم كل يوم ويطعمهم.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «لما أمر الله تعالى موسى بالزكاة قال لقارون: إن الله تعالى أمرني أن آخذ من مالك الزكاة، فأعط من كل مائتي درهم خمسة دراهم، فلم يرض بذلك ثمّ قال له: اعط من كل مائتي درهم درهماً، فلم يرض بذلك، فقال له: اعط من كل ألف درهم درهماً، فلم يرض بذلك.

وقال لبني إسرائيل: إن موسى لم يرض حتى تناول أموالكم، فما ترون؟

قالوا: رأينا لرأيك تبع.

قال: فإني أرى أن ترموه فتهلكوه، فبعثوا إلى امرأة زانية، فأعطوه حكما على أن ترميه بنفسها، ثم أتوه في جماعة بني إسرائيل فقالوا: يا موسى، ما على من يسرق من الحرز؟

قال: تقطع يده.

قالوا: وإن كنت أنت؟

قال: وإن كنت أنا.

قالوا: وما على الزاني إذا زنى؟

قال: يرجم.

قالوا: وإن كنت أنت؟

قال: وإن كنت أنا.

قالوا: فأنت قد زنيت.

قال: أنا، وجزع من ذلك، فأرسلوا إلى المرأة، فلما جاءت وعظها وعظم عليها موسى الحلف بالله، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التَّورَاة على موسى إلا صدقت.

قالت: أما إذا حلفتني، فإني أشهد أنك بريء، وإنك رسول الله.

وقالت: أرسلوا إليَّ فأعطوني حكمي على أن أرميك بنفسي.

قال: فخرّ موسى  لله ساجداً يبكي، فأوحى الله تعالى إليه: ما يبكيك؟

قد أمرت الأرض أن تطيعك، فأمرها بما شئت.

فقال موسى: خذيهم، فأخذتهم» .

وفي رواية الحسن: خرج موسى  مغضبا، فدعا الله عز وجل، وقال: عبدك قارون الذي عبد غيرك وجحدك، فأوحى الله تعالى إلى موسى: إني قد أمرت الأرض بأن تطيعك، فجاء موسى حتى دخل إلى قارون حين اجتمع الناس في داره.

فقال: يا عدو الله كذبتني في كلام له غيظ، حتى غضب قارون وأقبل عليه بكلام شديد، وهّم به.

فلما رأى موسى ذلك قال: يا أرض خذيهم.

قال: وكان قارون على فرش على سرير مرتفع في السماء، فأخذت الأرض أقدامهم، وغاب سريره ومجلسه، وقد دخل من الدار في الأرض مثل ما أخذت منهم على قدرها، فأقبل موسى يوبخهم ويغلظ لهم المقالة.

فلما رأى القوم ما نزل بهم، عرفوا أن هذا الأمر ليس لهم به قوة، فنادوا: يا موسى ارحمنا وكف عنا، وجعلوا يتضرعون إليه ويطلبون رضاه، وهو لا يزداد إلا غضباً وتوبيخاً لهم ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، فجعلوا يتضرعون إليه ويسألونه، وهو يوبخهم.

ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أوساطهم، وكانت الأرض تأخذ من الدار كل مرة مثل ما تأخذ منهم، وهم يتضرعون في ذلك إلى موسى ويسألونه.

ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى آباطهم، فمدوا أيديهم إلى وجه الأرض رجاء أن يمتنعوا بها.

ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، فلم يبق على وجه الأرض منهم شيء إلا رؤوسهم، ولم يبق من الدار إلا شرفها.

وقال قارون: يا موسى أنشدك بالله وبالرحم.

فقال: يا أرض خذيهم، فاستوت الأرض عليهم وعلى الدار.

فانطلق موسى وهو فرح بذلك، فأوحى الله تعالى إليه، يا موسى يتضرع إليك عبادي، ودعوك وسألوك فلم ترحمهم، أما وعزتي وجلالي لو أنهم دعوني، واستغاثوا بي لرحمتهم، ولكن تركوا أن يجعلوا رغبتهم ورجاءهم إلي، وجعلوها إليك، فتركتهم فذلك قوله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ يعني: تطاول على بني إسرائيل، وعلى موسى وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ يعني: من المال مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ يعني: خزائنه لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ قال مقاتل: العصبة من العشرة إلى الأربعين، فإذا كانوا أربعين فهم أولو قوة.

يقول: لتعجز العصبة أولو القوة عن حمل مفاتيح الخزائن.

وقال أهل اللغة: ناء به الحمل إذا أثقله.

وقال القتبي: تنوء بالعصبة، أي تميل بها العصبة، إذا حملتها من ثقلها، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: «العصبة في هذا الموضع أربعون رجلاً، وخزائنه كانت أربعمائة ألف، يحمل كل رجل عشرة آلاف ويقال مَفاتِحَهُ يعني: مفاتيح خزائنه يحملها أربعون رجلاً.

ويقال: أربعون بغلاً.

وروى وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال: كان مفاتيح كنوز قارون من جلد، كل مفتاح مثل الإصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حمل المفاتيح على ستين بغلاً، كل بغل أغر محجل إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ يعني: بني إسرائيل لاَ تَفْرَحْ يعني: لا تفخر بما أوتيت من الأموال.

ويقال: لا تفرح بكثرة المال إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ يعني: المرحين المفاخرين.

ويقال: البطرين ويقال: لا تَفْرَحْ أي: لا تأشر، والأشر: أشد الفرح الذي يخالطه حرص شديد حتى يبطر، يعني: يطغى وقالوا له: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ يعني: اطلب مما أعطاك الله تعالى من الأموال والخير الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا يعني: لا تترك حظك من الدنيا أن تعمل لآخرتك وَأَحْسِنْ العطية من الصدقة والخير كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ يعني: أعط الناس كما أعطاك الله.

ويقال: أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ يعني: أنفقه في طاعة الله تعالى، ولا تنفقه في معصية الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ المنفقين في المعصية- وقوله: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي: لا تضيع عمرك فإنه نصيبك من الدنيا (١) يقول الله تعالى: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً من الأموال منهم: نمرود وغيره وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ يعني: لا يسأل الكافرون عن ذنوبهم، لأن كل كافر يعرف بسيماه، وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية وقيل: لا يسأل الكافرون يوم القيامة عن ذنوبهم سؤال النجاة، بل يسألون سؤال العذاب والمناقشة.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لِسُلَيْمَانَ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ-: يَا بُنَيَّ، لاَ تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، يَدَعُ الرَّجُلُ فَقِيراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «١» ، انتهى.

وابتغاء الفضل: هو بالمَشي والتصرُّفِ.

وقوله تعالى: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: عُدُوْلَ الأممِ وأخيارَهَا، فيشهدوْنَ على الأمم بخيرِها وشرِّها، فيحقُّ العذابُ عَلى مَنْ شُهِدَ عليه بالكُفْرِ، وقيل له: على جهة الإعذار في المحاورة: هاتُوا بُرْهانَكُمْ، ومن هذه الآيةِ انْتُزِعَ قولُ القاضِي عند إرادة الحكم: أبقيت لك حجة.

إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)

وقوله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ ...

الآية، كان قارونُ مِنْ قرابةِ مُوسى: ممن آمن بموسى وحَفظَ/ التوراةَ وكَانَ عند مُوْسَى عليه السلام مِنْ عُبَّادِ ٥٩ ب الْمُؤمِنين، ثم إنَّ الله أضَلَّهُ وبَغَى عَلى قَوْمِهِ بأَنْوَاعِ البَغْيِ مِنْ ذلكَ كُفْرُهُ بموسَى.

وقال الثَّعْلَبِيُّ: قال ابن المسيب: كانَ قارونُ عامِلاً لِفِرْعونَ عَلى بني إسرائيل ممنْ يبغي عليهم ويظلُمهم.

قال قتادةُ: بَغَى عليهم بِكَثْرَةِ مالِهِ وولدِه «٢» ، انتهى.

ت: وما ذَكَرَهُ ابنُ المسيب، هو الذي يَصِحُّ في النظر لمتُأَمِّلِ الآية، ولولا الإطالة

لَبَيَّنْتُ وَجْهَ ذَلِكَ، والمَفاتِحُ ظاهِرُها: أنها التي يُفْتَحُ بِها، ويحتمل أنْ يُرِيدَ بها: الخزائنَ والأوعيةَ الكبارَ قاله الضحاك «١» لأنَّ المِفْتَحُ في كلام العرب الخزانة، وأمّا قوله:

لَتَنُوأُ فمعناه: تَنْهَضُ بتحامل واشتدادِ، قال كثير من المفسرين: إنَّ المرادَ: أن العُصْبةَ تَنُوءُ بالمفَاتِح المُثْقِلةِ لها فَقُلِبَ.

قلت: وقال عريب الأندلسي في كتاب «الأَنواء» : له نَوْءُ كذا معناه: مثله منه:

لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ، انتهى، وهو حَسَنٌ إنْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ.

وقالَ الدَّاوُودِيُّ عن ابن عباسٍ:

لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ يقولُ تَثْقُلُ وكذا قال الواحديُّ، انتهى.

واخْتُلِفَ في العصبة:

كمْ هُمْ؟

فقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ- رضي الله عنه-: ثَلاثَةُ «٢» ، وقال قتادةُ: هم من العشرة إلى الأربعين «٣» ، قال البخاريُّ «٤» : يقال: الفَرِحينَ المَرِحينَ.

قال الغَزَالِيُّ في «الإحْيَاءِ» : الفَرَحُ بالدنيا والتَّنَعُّمُ بِهَا سُمٌّ قَاتِلٌ يَسْرِي في العُرُوقِ فَيُخْرِجُ مِن القَلْبِ الخوفَ والحَزَنَ وذِكْرَ الموتِ وأهوالَ القيامة وهذا هو موتُ القلبِ والعياذُ باللهِ، فأولوا الحَزْم من أربابِ القلوبِ جَرَّبُوا قلوبَهم في حال الفَرَحِ بمُوَاتَاةِ الدنيا، وعلموا أن النَّجَاةَ في الحُزْنِ الدائم، والتباعُدِ من أسبابِ الفَرَح، والبَطَرِ فقَطَّعُوا النَّفْسَ عن ملاذِّها وعَوَّدُوها الصَّبْرَ عَنْ شَهَوَاتِها حَلالِها وحَرَامِهَا، وعلموا أن حلالَها حِسَابٌ وهُوَ نَوْعُ عذابٍ، وَمَنْ نُوقِشَ الحساب عُذِّبَ، فَخَلَّصُوا أَنْفُسَهُمْ من عَذابِهَا، وَتَوَصَّلُوا إلى الحرّية والملكِ في الدنيا والآخرة بالخلاص من أسْرِ الشهواتِ وَرقِّها، والأنْسِ بِذِكْرِ اللهِ تعَالَى والاشْتِغَالِ بِطَاعَتِه، انتهى.

قال ابن الحاجِّ في «المَدْخَلِ» : قال يَمَنُ بن رزق- رحمه الله تعالى-: وأنا أُوصيكَ بأن تُطِيلَ النظرَ في مِرْآةِ الفِكْرَةِ مَعَ كثرةِ الخَلَوَاتِ، حَتَّى يُرِيَكَ شَيْنَ المَعْصِيَةِ وَقُبْحِهَا، فَيَدْعُوكَ ذَلِكَ النَّظَرُ إلى تَركها، ثم قال يمن بن رزق: ولاَ تَفْرَحَنَّ بِكَثْرَةِ العَمل مع قلةِ الحزْنِ، واغْتَنِمْ قليلَ العَمَلِ مَعَ الحزنِ، فإن قليلَ حُزْنِ الآخرةِ الدَّائِمِ فِي القلبِ يَنْفِي كُلَّ سُرُورِ ألفْتَهُ من سرورِ الدنيا، وقليلَ سرورِ الدنيا في القلب ينفي عنك «٥» جميع حزن

الآخِرَة.

والحزنُ لا يصلُ إلى القلبِ إلاَّ مع تَيَقُّظِهِ وَتَيَقُّظُهُ حَيَاتهُ، وسرورُ الدُّنيا لِغَيْرِ الآخرةِ لا يصلُ إلى القلب إلا مع غَفْلَتِه وغفلةُ القَلْبِ مَوتُه، وعلامةُ ثَبَاتِ اليقِينِ في القَلْبِ اسْتِدَامَةِ الحُزْن فِيهِ.

وقال- رحمه الله-: اعْلَمْ أني لم أجدْ شَيئاً أبلَغَ في الزُّهد في الدنيا من ثباتِ حزْن الآخرة في القلب، وعلامَةُ ثباتِ حُزْنِ الآخِرةِ في القلبِ أَنْسُ العبدِ بالوَحْدَةِ، انتهى.

وقولهم له: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا.

قال ابن عباس والجمهور: معناه: لا تُضَيِّعْ عُمْرَكَ في أَلاَّ تعمل عملاً صالحاً في دنياك إذ الآخرة إنّما يُعْمَلُ لَهَا في الدنيا، فنصيبُ الإنسانِ عمرُه وعملَه الصالحُ فيها فينبغي/ أن لا يُهْمِلَه.

وحكى الثعلبيّ أنه قيل: أرادوا بنصيبه الكفَنَ.

قال: ع «١» : وهذا كلُّه وعْظٌ متَّصِلٌ ونحو هذا قولُ الشاعر: [الطويل]

نَصِيبُكَ مِمَّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّه ...

رِدَاءَانِ تلوى فِيهِمَا وَحَنُوطِ «٢»

وقال ابن العربي في «أحكامه «٣» » : وفي معنى النصيبِ ثلاثة أقوال: الأولُ: لا تَنْس حظَّكَ من الدنيا، أي: لا تَغْفَلْ أنْ تَعْمَلَ في الدنيا للآخرة، الثاني: أمْسِك مَا يَبْلُغَكَ فذلك حظُّ الدنيا، وأنْفِقِ الفَضْلَ فذلكَ حظُّ الآخرة، الثالث: لاَ تَغْفَلْ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ، انتهى.

وقولهُم: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أمرٌ بِصِلةِ المساكينِ وذَوِي الحاجَاتِ.

ص: كَما أَحْسَنَ: - الكاف للتشبيهِ أو للتعليل-، انتهى.

وقول قارون: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قال الجمهور: ادَّعَى أنَّ عندَه علماً استوجَبَ به أن يكونَ صاحبَ ذلك المالِ، ثم اخْتَلَفُوا في ذلك العلم، فقال ابن المسيب: أراد علم الكيمياء «٤» .

وقال أبو سليمان الداراني: أراد العلم بالتجارة ووجوهِ تثميرِ المال، وقيل غير هذا.

وقوله تعالى: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ.

قال محمد بن كعب: هو كلامٌ متصِلٌ بمعنى ما قبلَه، والضميرُ في ذُنُوبِهِمُ عائدٌ على مَنْ أُهْلِكَ مِن القرون، أي: أهْلِكوا وَلَمْ يُسْئَلْ غَيرُهم بَعْدَهُمْ عن ذنوبهم، أي: كل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: في ثِيابٍ حُمْرٍ وصُفْرٍ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها سُرْجٌ أحْمَرُ مِن أُرْجُوانٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ مُقاتِلٍ، وثَلاثَمِائَةُ وصِيفَةٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والزِّينَةُ عَلى بِغالٍ بِيضٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: الأُرْجُوانُ في اللُّغَةِ: صَبْغٌ أحْمَرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذُو حَظٍّ ﴾ أيْ: لَذُو نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.

[وَقَوْلُهُ]: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الأحْبارَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ بِما وعَدَ اللَّهُ في الآخِرَةِ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ما أُوتِيَ [قارُونُ] ﴿ وَيْلَكم ثَوابُ اللَّهِ ﴾ أيْ: ما عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ ﴿ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ ﴾ مِمّا أُعْطِيَ قارُونُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُلَقّاها ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا يُوَفَّقُ لَها ويُرْزَقُها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ولا يَلْقاها " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ.

وفي المُشارِ إلَيْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الأعْمالُ الصّالِحَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها الجَنَّةُ، والمَعْنى: لا يُعْطاها في الآخِرَةِ إلّا الصّابِرُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّها الكَلِمَةُ الَّتِي قالُوها، وهي قَوْلُهم: ﴿ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ مِن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ القائِلُ قارُونُ.

لَمّا وعَظَهُ قَوْمُهُ ونَدَبُوهُ إلى اتِّقاءِ اللهِ تَعالى في المالِ الَّذِي أعْطاهُ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِ، أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، وقالَ لَهم عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ والرَوَغانِ عَمّا ألْزَمُوهُ فِيهِ: ﴿ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ ، ولِكَلامِهِ هَذا وجْهانِ يَحْمِلُهُما، وبِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: فَقالَ الجُمْهُورُ مِنهُمْ: إنَّهُ ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَعِيمُ لَهُ وكَذَلِكَ المالُ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في العِلْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ، ما هُوَ؟

فَقالَ بَعْضُهُمْ: عِلْمُ التَوْراةِ وحِفْظُها، قالُوا: وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً ورِياءً، وقالَأبُو سُلَيْمانَ الدارانِيُّ: أرادَ العِلْمَ بِالتِجاراتِ ووُجُوهِ تَمْيِيزِ المالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وبِسَعْيِي، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: أرادَ عِلْمَ الكِيمْياءِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّما أرادَ: أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ تَعالى وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمْ جُعِلَ قَوْلُهُ: " عِنْدِي " كَما تَقُولُ: "فِي مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ مَعًا فَقَدْ نَبَّهَ القُرْآنُ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ، وعارِضَ مَنزَعَهُ بِأنَّ مِن مَعْلُوماتِ الناسِ المُتَحَقِّقَةِ عِنْدَهم أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ والقُرُونِ والمُلُوكِ مَن هو أشَدُّ مِن قارُونَ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا، إمّا لِلْمالِ أو لِلْحاشِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَعْلَمْ ﴾ يُرَجِّحُ أنَّ قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُسْألُ عن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ .

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِمَعْنى ما قَبْلَهُ، والضَمِيرُ في "ذُنُوبِهِمْ" عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: أُهْلِكُوا ولَمْ يُسْألْ غَيْرُهم بَعْدَهم عن ذُنُوبِهِمْ، أيْ: كُلُّ أحَدٍ إنَّما يُسْألُ ويُعاقَبُ بِحَسْبِ ما يَخُصُّهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ عن حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعْناهُ أنَّ المُجْرِمِينَ لا يُسْألُونَ عن ذُنُوبِهِمْ، أيْ أنَّ المَلائِكَةَ لا تَسْألُ عن ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَوادِ والتَشْوِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي آياتِ اللهِ ما يَقْتَضِي أنَّ الناسَ يَوْمَ القِيامَةِ يُسْألُونَ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وفِيهِ آياتٌ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُسْألُ أحَدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآياتُ الَّتِي تُوجِبُ السُؤالَ إنَّما يُرِيدُ بِها أسْئِلَةَ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ، والَّذِي يَنْفِيهِ يُرادُ بِهِ أسْئِلَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى جِهَةِ الحاجَةِ إلى عِلْمِ ذَلِكَ مِنَ المَسْؤُولِينَ، أيْ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِمْ مُحِيطٌ، وسُؤالُ التَوْبِيخِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قارُونَ خَرَجَ عَلى قَوْمِهِ وقَدْ أظْهَرَ قُدْرَتَهُ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُنْيا، قالَ جابِرٌ ومُجاهِدٌ: خَرَجَ في ثِيابٍ حُمْرٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَرَجَ هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ، وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في تَحْدِيدِ زِينَةِ قارُونَ وتَعْيِينِها -مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ- فاخْتَصَرَتْهُ.

وباقِي الآيَةِ في اغْتِرارِ الجَهَلَةِ والأغْمارِ مِنَ الناسِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ عطف على جملة ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ [القصص: 79] فهي مشاركة لها في معناها لأن ما تشتمل عليه خرجة قارون ما تدل عليه ملامحه من فتنة ببهرجته وبزته دالة على قلة اعتداده بثواب الله وعلى تمحضه للإقبال على لذائذ الدنيا ومفاخرها الباطلة ففي كلام ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ تنبيه على ذلك وإزالة لما تستجلبه حالة قارون من نفوس المبتلين بزخارف الدنيا.

و (ويل) اسم للهلاك وسوء الحال، وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ في سورة البقرة (79).

ويستعمل لفظ (ويل) في التعجب المشوب بالزجر، فليس ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ داعين بالويل على الذين يريدون الحياة الدنيا لأن المناسب لمقام الموعظة لين الخطاب ليكون أعون على الاتعاظ، ولكنهم يتعجبون من تعلق نفوس أولئك بزينة الحياة الدنيا واغتباطهم بحال قارون دون اهتمام بثواب الله الذي يستطيعون تحصيله بالإقبال على العمل بالدين والعمل النافع وهم يعلمون أن قارون غير متخلق بالفضائل الدينية.

وتقديم المسند إليه في قوله ﴿ ثواب الله خير ﴾ ليتمكن الخبر في ذهن السامعين لأن الابتداء بما يدل على الثواب المضاف إلى أوسع الكرماء كرماً مما تستشرف إليه النفس.

وعدل عن الإضمار إلى الموصولية في قوله ﴿ لمن آمن وعمل صالحاً ﴾ دون: خير لكم، لما في الإظهار من الإشارة إلى أن ثواب الله إنما يناله المؤمنون الذين يعملون الصالحات وأنه على حسب صحة الإيمان ووفرة العمل، مع ما في الموصول من الشمول لمن كان منهم كذلك ولغيرهم ممن لم يحضر ذلك المقاموَعَمِلَ صالحا وَلاَ يُلَقَّاهَآ.

يجوز أن تكون الواو للعطف فهي من كلام ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ ، أمروا الذين فتنهم حال قارون بأن يصبروا على حرمانهم مما فيه قارون.

ويجوز أن تكون الواو اعتراضية والجملة معترضة من جانب الله تعالى علّم بها عباده فضيلة الصبر.

وضمير ﴿ يلقاها ﴾ عائد إلى مفهوم من الكلام يجري على التأنيث، أي الخصلة وهي ثواب الله أو السيرة القويمة، وهي سيرة الإيمان والعمل الصالح.

والتلقية: جعل الشيء لاقياً، أي مجتمعاً مع شيء آخر.

وتقدم عند قوله تعالى ﴿ ويلقون فيها تحية وسلاماً ﴾ في سورة الفرقان (75).

وهو مستعمل في الإعطاء على طريقة الاستعارة، أي لا يعطى تلك الخصلة أو السيرة إلا الصابرون؛ لأن الصبر وسيلة لنوال الأمور العظيمة لاحتياج السعي لها إلى تجلد لما يعرض في خلاله من مصاعب وعقبات كأداء فإن لم يكن المرء متخلقاً بالصبر خارت عزيمته فترك ذاك لذاك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في حَشَمِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: في تَبَعِهِ في سَبْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ وكانَ أوَّلَ يَوْمٍ رُؤِيَتْ فِيهِ المُعَصْفَراتُ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، قالَ أبُو لَبابَةَ: أوَّلُ مَن صَبَغَ بِالسَّوادِ قارُونُ.

الثّالِثُ: خَرَجَ في جِوارٍ بِيضٍ عَلى بِغالٍ بِيضٍ بِسُرُوجٍ مِن ذَهَبٍ عَلى قُطُفِ أُرْجُوانٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ ﴾ تَمَنَّوْا مالَهُ رَغْبَةً في الدُّنْيا.

﴿ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَذُو دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: لَذُو جِدِّ عَظِيمٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن جعل الله عليكم الليل سرمداً ﴾ قال: دائماً.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سرمداً ﴾ قال: دائماً لا ينقطع.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ سرمداً إلى يوم القيامة ﴾ قال: دائماً ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ قال.

بنهار.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ قال: في الليل ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ قال: في النهار.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونزعنا من كل أمة شهيداً ﴾ قال: رسولاً ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ قال: هاتوا حجتكم بما كنتم تعبدون وتقولون.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ونزعنا من كل أمة شهيداً ﴾ قال: شهيدها: نبيها.

ليشهد عليها أنه قد بلغ رسالات ربه ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ قال: بَيّنَتَكُمْ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وضلّ عنهم ﴾ في القيامة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ يكذبون في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ قال ابن عباس: يريد الأحبار من بني إسرائيل (١) وقال مقاتل: ﴿ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ بما وعد الله في الآخرة؛ قالوا للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ ﴾ ما عند الله من الثواب والجزاء ﴿ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ ﴾ صدَّق بتوحيد الله ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ وقام بالفرائض.

أي: إن ذلك خير مما أعطي قارون في الدنيا (٢) ﴿ وَلَا يُلَقَّاهَا ﴾ [قال مقاتل: لا يؤتاها يعني: الأعمال الصالحة (٣) ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ وقال الكلبي:] (٤) ﴿ إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾ على أمر الله، يعني: الجنة (٥) ﴿ ثَوَابُ اللَّهِ ﴾ وقال الزجاج: ولا يُلقى هذه الكلمة، يعني قولهم: ﴿ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ (٦) ﴿ إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾ على طاعة الله، وعن زينة الدنيا (٧) وقال ابن قتيبة: ولا يوفق لها ولا يُرزقَها (٨) ﴿ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ ﴿ إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾ (٩) (١) ذكره عنه ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 243.

(٢) "تفسير مقاتل" 69 أ.

(٣) "تفسير مقاتل" 69 أ.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).

(٥) "تنوير المقباس" 331.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 156.

(٧) ذكره بنصه الثعلبي 8/ 153 أ.

(٨) "غريب القرآن" لابن قتيبة 336، وهو قول أبي عبيدة "مجاز القرآن" 2/ 111.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 311.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة ﴾ أي اقصد الآخرة بما أعطاك الله من المال، وذلك بفعل الحسنات والصدقات ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ﴾ أي لا تضيع حظك من دنياك وتمتع بها مع عملك إنما هو بما يعمل فيها من الخير، فالكلام على هذا وعظ، وعلى الأول إباحة للتمتع بالدنيا لئلا ينفر عن قبول الموعظة ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ أي أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بالغنى قال: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي ﴾ لما وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الردل عليهم، والروغان عما ألزموه من الموعظة، والمعنى: أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له بسبب علم عندي استجوبته به، اختلف في هذا العلم فقيل: إنه علم الكيمياء وقيل: التجارب للأمور والمعرفة بالمكاسب، وقيل: حفظه التوراة وهذا بعيد، لأنه كان كافراً، قيل: المعنى إنما أوتيته على علم من الله وتخصيص خصني به، ثم جعل قوله عندي كما تقول في ظني واعتقادي ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون ﴾ هذا ردّ عليه في اغتراره بالدنيا وكثرة جمعه للمال أو جمعه للخدم، والأول أظهر.

﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ﴾ في معناه قولان: أحدهما أنه متصل بما قبله، والضمير في ذنوبهم يعود على القرون المتقدمة، والمجرمون من بعدهم أي: لا يسأل المجرمون عن ذنوب من تقدمهم من الأمم الهالكة؛ لأن كل أحد إنما يسأل عن ذنوبه خاصة، والثاني: أنه إخبار عن حال المجرمين في الآخرة؛ وأنهم لا يسألون عن ذنوبهم؛ لكونهم يدخلون النار من غير حساب، والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويسألون عنها لقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: 92-93] وأن هذا السؤال المنفي السؤال على وجه الاختبار وطلب التعريف، لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه؛ لكن يسألون على وجه التوبيخ، وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة، فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه فهو على وجه الاستخبار والتعريف، ومنه قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ [الرحمن: 39].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سحران ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ بالتخفيف اتفاقاً ﴿ تجبى إليه ﴾ بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون على التذكير ﴿ يعقلون ﴾ بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير ﴿ ثم هو ﴾ بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون ﴿ تبرأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ العمر ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ آياتنا ﴾ ج لما مر ﴿ مرسلين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ما أوتي موسى ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل ﴿ تظاهرا ﴾ ج للتعجب من عنادهم ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أهواهم ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ﴿ عليكم ﴾ ط لذلك ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ أرضنا ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ معيشتها ﴾ ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ آياتنا ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وزينتها ﴾ ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين ﴿ وأبقى ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ أغوينا ﴾ ج ﴿ غوينا ﴾ ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل ﴿ إليك ﴾ ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ج لجواز تعلق "لو" بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ ﴿ يهتدون ﴾ والوقف على ﴿ لهم ﴾ أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ لا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحين ﴾ ه ﴿ ويختار ﴾ ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد ﴿ الخيرة ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ز لعطف الجمل ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا  فذكر أوّلاً أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب أنواراً للقلوب وإرشاداً لأهل الضلال وسبباً لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي التذكر إلى موسى.

ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه  لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ اي بجانب المكان الواقع في شق الغرب وهو ناحية الشأم التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء.

﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ على ذلك فقد يكون الشخص حاضراً ولا يكون شاهداً ولا مشاهداً.

قال ابن عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى.

ثم قال ﴿ ولكنا أنشأنا ﴾ بعد عهد موسى إلى عهدك ﴿ قروناً فتطاول عليهم العمر ﴾ فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى آخرهم قرناً وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء.

وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوّتك.

ثم فصل ما أجمل فذكر أوّل أمر موسى وبين أنه  لم يكن هناك وهو قوله ﴿ وما كنت ثاوياً ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ وهم شعيب والمؤمنون به ﴿ تتلوا عليهم آياتنا ﴾ قال مقاتل: أي لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا ارسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها.

وقال الضحاك: يقول يا محمد: إنك لم تكن رسولاً إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ في كل زمان رسولاً فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.

ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه.

وعن بعض المفسرين أنه اراد قوله ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها  ﴾ إلى قوله ﴿ المفلحون  ﴾ وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني.

قال: وإنما قال الله  ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه.

وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد  قال: يا رب أرنيهم.

قال: إنك لن تردكهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم.

قال: بلى يا رب.

فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال  : أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس.

وروى سهل بن سعد أن رسول الله  قال في قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: "كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة" .

قوله ﴿ ولكن رحمة ﴾ أي ولكنا علمناك ﴿ رحمة من ربك ﴾ ثم فسر الرحمة بقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة.

وقيل: كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة.

قوله ﴿ ولولا أن تصيبهم ﴾ هي امتناعية وجوابها محذوف.

والفاء في قوله ﴿ فيقولوا ﴾ للعطف على أن تصيبهم، وقوله ﴿ لولا أرسلت ﴾ هي تخصيصية.

والفاء في ﴿ فنتبع ﴾ جواب "لولا"، وذلك أن التخصيص في حكم الأمر لأن كلاً منهما بعث على الفعل.

والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم.

والحاصل أن إرسال الرسول لجل إزالة هذا العذر.

قال اصحاب اليبان: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها "لولا" وجيء بالقول معطوفاً عليها بفاء السببية تنبيهاً على أنهم لو لم يعاقبوا على كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فالسبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا يبان استحكام كفرهم وتصميمهم.

قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت.

وقال الكعبي: فيه دليل على أنه  يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله  .

وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان موقوفاً على خلق الله فأيّ فائدة في قولهم هذا.

ومعارضة الأشاعرة بالعلم والداعي معلومة.

ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا مقصود لهم إلا العناد فقال ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ اي الرسول المصدّق بالكتاب المعجز ﴿ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ من الكتاب المنزل جملة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم يكفروا ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى فقال  : ﴿ أولم يكفروا ﴾ هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك الآيات الباهرة.

والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه  جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر والعنت.

وقال الكلبي: إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول اليهود قالوا: إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر فقال الله  في حقهم ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ﴾ .

وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا أي تعاونا.

وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد  فـ ﴿ قالوا ساحران ﴾ والأظهر أن كفار مكة وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات.

ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال الله تعالى: ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟

فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت.

من قرأ ﴿ ساحران ﴾ بالألف فظاهر، وأما من قرأ ﴿ سحران ﴾ فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو القرآن والتوراة.

وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم اشبه منها بالكتب.

وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوّي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار.

وفي تكرار ﴿ قالوا ﴾ وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة ﴿ وقالوا إنا بكل ﴾ من موسى ومحمد أو بكل من الكتابين ﴿ كافرون ﴾ مرة.

وثانيهما أن يكون قوله ﴿ وقالوا ﴾ معطوفاً على ﴿ أولم يكفروا ﴾ ثم عجزهم بقوله ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ اي مما أنزل على موسى ومما أنزل عليّ.

قال ابن عباس ﴿ فإِن لم يستجيبوا لك ﴾ معناه فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج.

وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما.

وهذا اشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا.

ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم.

وإنما لم يقل "فإن لم يأتوا" لأن قوله ﴿ فأتوا ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى.

وفي قوله ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه ﴾ حال كونه ﴿ بغير هدى من الله ﴾ إشارة إلى فساد طريقة التقليد.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ اي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله  خاصة بالمؤمن.

وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها مالا يحسن إلا بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى  ﴾ والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذراً لهم.

ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله ﴿ ولقد وصلنا ﴾ أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متصلاً بعضه في أثر بعض ليكون ذلك اقرب إلى التذكر والتذكير والتنبيه فإِنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة جديدة.

ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً ووعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً إلى غير ذلك من معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا.

ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى.

وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله ﴾ أي من قبل القرآن ﴿ هم به يؤمنون ﴾ قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام.

وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من ارض الحبشة في السفينة، وثمانية جاؤا من الشام.

وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم.

والتحقيق أن كل من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلاً في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ تعليل للإٍيمان به لأن كونه حقاً من الله يوجب الإيمان به.

وقوله ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوا في كتب الأنبياء من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل وجوده ونزوله.

وفي قوله ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أقوال بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعث ثم اثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.

﴿ ويدرؤن بالحسنة ﴾ وهي الطاعة ﴿ السيئة ﴾ وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى.

يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.

وقال السدي: عاب اليهود عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم.

مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم بالتحمل والتواضع.

وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك ﴿ أعرضوا عنه وقالوا ﴾ لأهل ذلك اللغو ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا نسخ.

ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله.

قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في ابي طالب وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي  : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟

قال: فما تريد يا ابن أخي؟

قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله.

قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند الموت.

وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله  ﴿ وهم ينهون وينأون عنه  ﴾ .

واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله ﴿ وانك لتهدي إلى صراط مستقيم  ﴾ لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة ههنا معلوم.

وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله  حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم ﴿ قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله  : أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ﴿ ومن دخله كان آمناً  ﴾ وبين مزيته بقوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ قالوا: الكل ههنا بمعنى الأكثر.

قلت: يحتمل أن يكون على أصله.

وانتصب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مصدر لأن ﴿ يجبى ﴾ بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله.

وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة.

وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله  مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى.

ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه  احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله  .

وفي الآية دلالة على صحة المحاجة.

لإزالة شبهة المبطلين.

قالت الشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على ايدي الناس وقد اضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن افعال العباد مستندة إلى الله.

ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله.

ثم أجاب عن شبهتهم بحديث آخر مخلوط بالوعيد.

وانتصب ﴿ معيشتها ﴾ بنزع الخافض كقوله ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على أنه ظرف مكان مجازاً كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله فيه.

ومعنى ﴿ إلا قليلاً ﴾ قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة.

ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً.

﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ كقوله ﴿ ولله ميراث السموات والأرض  ﴾ لأنه الباقي بعد فناء خلقه.

ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد  لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟

فقال ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ﴾ اي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها ﴿ رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة.

قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد  خاتم الأنبياء.

وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن.

ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا.

فبين  بقوله ﴿ وما أوتيتم من شيء ﴾ الآية.

أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم.

ونبه على جهلهم بقوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله  ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير.

نظير الاية قوله  "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" .

قال البرهان: إنما السورة "وما أوتيتم" الواو وفي الشورى ﴿ فما أوتيتم  ﴾ بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف.

وإنما زاد في هذه السورة ﴿ وزينتها ﴾ .

لأن المراد ههنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع مالا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة.

وأما في "الشورى" فلم يقصد الاستيعاب بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر الزينة.

ثم زاد البيان المذكور تأكيداً بقوله ﴿ افمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه ﴾ لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا محالة.

وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع الحياة الدنيا يسوّي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟

ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة ﴾ تراخي حال الإِحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن وقته.

وتخصيص لفظ ﴿ المحضرين ﴾ بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن.

قال الله  ﴿ لكنت من المحضرين  ﴾ ﴿ فإنهم لمحضرون  ﴾ ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعاراً به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإِلزام وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة.

قيل: نزلت في النبي  وأبي جهل.

وقيل: في علي وحمزة وأبي جهل.

وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة.

ثم ذكر من وصف القيامة قائلاً ﴿ ويوم يناديهم ﴾ أي فاذكر ذلك اليوم.

ومعنى الاستفهام في ﴿ أين ﴾ التوبيخ والتهكم.

ومفعولا ﴿ تزعمون ﴾ محذوفان تقديره تزعمونهم شركائي.

﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم الشياطين ورؤساء الكفر.

و ﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ الذين أغوينا ﴾ صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر ﴿ أغويناهم ﴾ والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا.

قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضاً أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا.

وقالت المعتزلة: يعنون أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن أغواءنا ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال فيكون كما حكي عن الشيطان ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي  ﴾ ثم قالوا ﴿ تبرأنا إليك ﴾ منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة.

وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى.

وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذاراً ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم وهو قوله: ﴿ وقيل ادعوا شركاءهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ زعم جم غفير من المفسرين أن جواب "لو" محذوف.

فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.

وقيل: اراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئاً ولكنهم صاروا مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئاً فلا جرم ما رأوه.

وقيل: الضمير للأصنام أي كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب.

وقيل: "لو" للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين.

ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.

ومعنى ﴿ عميت عليهم الأنباء ﴾ أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسال بعض الناس بعضاً في المشكلات لأنهم متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال  ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا  ﴾ فما ظنك بضلال أممهم؟!

قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله  وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك.

وكذا القول فيما تقدّم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك فيّ الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية والعذر ظاهراً.

وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي.

والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت.

وزيفه الأشعري بأن الكافر لو اورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً.

ولقائل أن يقول: السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت.

وحين فرغ من توبيخ الكفار وتهديدهم اتبعة ذكر التائبين وأنهم من المفلحين.

و"عسى" من الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب.

ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى وهي قولهم ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ فأجاب الله  عنها بقوله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ لأنه المالك المطلق المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء.

وعلى مذهب المعتزلة هو حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير.

وقوله ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ بيان لقوله ﴿ ويختار ﴾ والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم "محمد خيرة الله من خلقه".

وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على ﴿ ما يشاء ﴾ ثم يقول ﴿ ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، واي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله.

فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك الأفضل لا يحصل فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة.

ثم قولهم "المستحق خير من المتفضل به" ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟

قلت: لقائل أن يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ والغرض أن الخلق والاختيار والإِعزاز والإِذلال والإِهانة والإِجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.

ثم اكد ذلك بقوله ﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم ﴾ من عداوة نبيه ﴿ وما يعلنون ﴾ من مطاوعتهم فيه.

ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية.

و ﴿ لا إله إلا هو ﴾ تقرير لما قبله ﴿ له الحمد في ﴾ الدار ﴿ الأولى ﴾ على نعمه الفائضة على البر والفاجر ﴿ و ﴾ في الدار ﴿ الآخرة ﴾ كقولهم ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن  ﴾ ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف.

قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.

والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس.

قال القاضي: إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر.

وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب.

ولقائل أن يقول: لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف.

ثم بين بقوله ﴿ وله الحكم ﴾ أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم ابيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه.

التأويل: ﴿ ولقد آتينا موسى ﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿ إذ قضينا إلى موسى ﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين  ﴾ وما كنت في عالم الشهادة ﴿ ولكنا أنشأنا قروناً ﴾ في عالم الشهادة ﴿ فتطاول عليهم العمر ﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿ وما كنت ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم.

ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ يعني محمداً.

وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿ لولا أوتي مثل ما أوتي ﴾ لولم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿ بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ﴾ ﴿ الذين آتيناهم ﴾ حقيقة ﴿ الكتاب ﴾ في عالم الأرواح ﴿ من قبل ﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿ هم به يؤمنون ﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ ولذلك قال ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أي في العالمين ﴿ بما صبروا ﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ ويدرؤن ﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ ومما رزقناهم ﴾ من الوجود المجازي ﴿ ينفقون ﴾ في طلب الوجود الحقيقي: ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو طلب ماسوى الله ﴿ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ في طلب الفاني ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح ابداً، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿ أم على قلوب أقفالها  ﴾ وقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً  ﴾ ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ الذين اصابهم رشاش النور ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ﴾ بجذبات الألوهية من ارض الأنانية ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ في مقام الهوية ﴿ يجبى إليه ثمرات ﴾ حقائق ﴿ كل شيء رزقاً ﴾ من العلوم اللدنية ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ذوق العلم اللدني ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً ﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿ إلا قليلاً ﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ اي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿ رسولاً ﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى "تجوّع ترنى تجرد تصل إلي" ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿ فبما أغويتني  ﴾ أي ﴿ أغويناهم ﴾ بتقديريك ﴿ كما أغوينا ﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ ورأوا العذاب ﴾ يعني ﴿ لو كانوا يهتدون ﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ : قد ذكرناه.

وهذه الآيات التي يكررها ويعيدها مرة بعد مرة من قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ  ﴾ ، وأمثال ذلك مما يكثر على علم منه أنهم لا يصدقونها، ولا يقبلونها ولا يستمعون إليها وإن كررت وأعيدت غير مرة؛ فهو - والله أعلم - يخرج على وجهين: أحدهما: لزوم الحجة لما مكنوا من الاستماع والسماع، وإن كانوا لا يستمعون إليها.

والثاني: يكون فيه عظة للمؤمنين من وجوه: أحدها: ليشكروا على ما عصموا من عبادة غير الله، ووفقوا [إلى] عبادة الله المستحق لها؛ ليعرفوا عظيم نعمة الله عليهم.

والثاني: ليحذروا عاقبتهم في الرجوع إلى ما هو عليه أولئك الكفرة، على ما حذر الرسل والأنبياء وأولو العصمة عاقبتهم في الرجوع إلى ذلك؛ كقول إبراهيم: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، وأمثاله كثير.

والثالث: خوف المعاملة لئلا يعاملوا هم في العمل كما عامل أولئك في الاعتقاد؛ لأن المؤمنين وإن خالفوا هم أولئك الكفرة في الاعتقاد في إشراك غيره في العبادة فربما يوافقونهم في العمل، فكررت هذه الأنباء والآيات عليهم وأعيدت مرة بعد مرة، وإن كان أولئك لا يستمعون إليها للوجوه التي ذكرنا.

والرابع: كررت غير مرة لما لعلهم لا يقبلون في وقت ويقبلون في وقت، فيقولون: لو كررت وأعيدت لقبلنا، فكررت وأعيدت لئلا يقولوا بأنها لو أعيدت وكررت لقبلناها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ : قيل: شهيدها رسولها؛ كقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ...

﴾ الآية [النساء: 41]، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً  ﴾ ونحوه، سمي: شهيداً؛ لأنه شهد على ما عملوا، وحضر ما كان منهم - والله أعلم - من التكذيب والقبول والرد.

﴿ فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ : في تسميتكم الأصنام: آلهة، أو في استحقاقها العبادة، أو في زعمكم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ونحو ذلك، يقول: هاتوا برهانكم وحجتكم على ما زعمتم.

وقوله: ﴿ فَعَلِمُوۤاْ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ ﴾ : هذا أيضاً يحتمل وجوهاً: أحدها: علموا أن الألوهية والربوبية لله.

أو علموا أن الشفاعة لله لا للأصنام التي عبدوها ليكونوا شفعاء لهم عند الله؛ كقوله: ﴿ قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً  ﴾ .

أو أن يكون: أن الحق الذي عليهم وهي العبادة لله.

أو أن يكون ما جاء به الرسل من الحق إنما جاءوا به من عند الله.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ أي: ضل عنهم ما كانوا يأملون من عبادتهم تلك الأصنام من الشفاعة والزلفى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال الذين أعطوا العلم حين رأوا قارون في زينته وسمعوا ما تمناه أصحابه: ويلكم!

ثواب الله في الآخرة، وما أعده من النعيم لمن آمن به وعمل عملًا صالحًا، خيرٌ مما أُعْطِي قارون من زهرة الدنيا، ولا يوفق لقول هذه الكلمة والعمل بما تقتضيه إلا الصابرون الذين يصبرون على إيثار ما عند الله من ثواب على ما في الدنيا من متاع زائل.

<div class="verse-tafsir" id="91.J4gNz"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده