الآية ١٣ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ١٣ من سورة العنكبوت

وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًۭا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْـَٔلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 57 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) : إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة ، أنهم يوم القيامة يحملون أوزار أنفسهم ، وأوزارا أخر بسبب من أضلوا من الناس ، من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئا ، كما قال تعالى : ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ) [ النحل : 25 ] .

وفي الصحيح : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة ، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا " وفي الصحيح : " ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ; لأنه أول من سن القتل " .

وقوله : ( وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) أي : يكذبون ويختلقون من البهتان .

وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا فقال : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة ، حدثنا عثمان بن حفص بن أبي العالية ، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة ، رضي الله عنه ، قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغ ما أرسل به ، ثم قال : " إياكم والظلم ، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول : وعزتي لا يجوزني اليوم ظلم !

ثم ينادي مناد فيقول : أين فلان ابن فلان ؟

فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال ، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الله الرحمن عز وجل ثم يأمر المنادي فينادي من كانت له تباعة - أو : ظلامة - عند فلان ابن فلان ، فهلم .

فيقبلون حتى يجتمعوا قياما بين يدي الرحمن ، فيقول الرحمن : اقضوا عن عبدي .

فيقولون : كيف نقضي عنه ؟

فيقول لهم : خذوا لهم من حسناته .

فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى له حسنة ، وقد بقي من أصحاب الظلامات ، فيقول : اقضوا عن عبدي .

فيقولون : لم يبق له حسنة .

فيقول : خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه " .

ثم نزع النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية الكريمة : ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) .

وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، حدثنا أبو بشر الحذاء ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن معاذ بن جبل ، رضي الله عنه ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا معاذ ، إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه ، حتى عن كحل عينيه ، وعن فتات الطينة بإصبعيه ، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك الله منك " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) يقول تعالى ذكره: وليحملنّ هؤلاء المشركون بالله القائلون للذين آمنوا به اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم أوزار أنفسهم وآثامها، وأوزار من أضلوا وصدّوا عن سبيل الله مع أوزارهم، وليسألن يوم القيامة عما كانوا يكذّبونهم في الدنيا بوعدهم إياهم الأباطيل، وقيلهم لهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم فيفترون الكذب بذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ ) أي أوزارهم ( وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ) يقول: أوزار من أضلوا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ) .

وقرأ قوله: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ قال: فهذا قوله: ( وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم يعني ما يحمل عليهم من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم .

روي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في ( آل عمران ) .

قال أبو أمامة الباهلي : يؤتى بالرجل يوم القيامة وهو كثير الحسنات فلا يزال يقتص منه حتى تفنى حسناته ثم يطالب فيقول الله عز وجل اقتصوا من عبدي فتقول الملائكة ما بقيت له حسنات فيقول خذوا من سيئات المظلوم فاجعلوا عليه ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم .

وقال قتادة : من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء .

ونظيره قوله [ ص: 305 ] تعالى : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم .

ونظير هذا قوله عليه السلام : من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء روي من حديث أبي هريرة وغيره وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم : من دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور من اتبعه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها وعمل بها بعده فعليه مثل أوزار من عمل بها ممن اتبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا .قلت : هذا مرسل وهو معنى حديث أبي هريرة خرجه مسلم .

ونص حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإن له مثل أوزار من اتبعه ولا ينقص من أوزرهم شيئا ، وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فإن له مثل أجور من اتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئا خرجه ابن ماجه في السنن وفي الباب عن أبي جحيفة وجرير .

وقد قيل : إن المراد أعوان الظلمة وقيل أصحاب البدع إذا اتبعوا عليها .

وقيل : محدثو السنن الحادثة إذا عمل بها من بعدهم والمعنى متقارب والحديث يجمع ذلك كله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ } أي: أثقال ذنوبهم التي عملوها { وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ } وهي الذنوب التي بسببهم ومن جرائهم، فالذنب الذي فعله التابع [لكل من التابع]، والمتبوع حصته منه، هذا لأنه فعله وباشره، والمتبوع [لأنه] تسبب في فعله ودعا إليه، كما أن الحسنة إذا فعلها التابع له أجرها بالمباشرة، وللداعي أجره بالتسبب.

{ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } من الشر وتزيينه، [وقولهم] { وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وليحملن أثقالهم ) أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم ( وأثقالا مع أثقالهم ) أي : أوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله مع أوزارهم .

نظيره قوله - عز وجل - : " ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم " ( النحل - 25 ) .

( وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) سؤال توبيخ وتقريع .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وليحملن أثقالهم) أوزارهم (وأثقالاً مع أثقالهم) بقولهم للمؤمنين "اتبعوا سبيلنا" وإضلالهم مقلديهم (وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون) يكذبون على الله سؤال توبيخ واللام في الفعلين لام قسم، وحذف فاعلهما الواو ونون الرفع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وليحملَنَّ هؤلاء المشركون أوزار أنفسهم وآثامها، وأوزار مَن أضلوا وصدُّوا عن سبيل الله مع أوزارهم، دون أن ينقص من أوزار تابعيهم شيء، وليُسألُنَّ يوم القيامة عما كانوا يختلقونه من الأكاذيب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن الأمر على عكس ما زعموه فقال : ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ) .

أى : ليس الأمر - كما زعموا من أنهم يحملون خطايا المؤمنين ، بل الحق أن أئمة الكفر هؤلاء سيحملون خطاياهم كاملة غير منقصوة ، وسيحملون فوقها خطايا أخرى ، هى خطايا تسببهم فى إضلال غيرهم ، وصرفه عن الطريق الحق .وعبر عن الخطايا بالأثقال ، للإِشعار بغاية ثقلها ، وفداحة حملها ، وعظم العذاب الذى يترتب عليها .( وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القيامة ) سؤال تأنيب وتوبيخ ( عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) أى : عما كانوا يختلقونه فى الدنيا من أكاذيب ، وأباطيل ، أدت بهم إلى سوء المصير .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ) قال الإِمام ابن كثير : وفى الصحيح : " من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة ، كان عليه من الإِثم ، مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة ، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الذي كانوا يفترونه يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: كان قولهم: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خطاياكم  ﴾ صادراً لاعتقادهم أن لا خطيئة في الكفر، ثم يوم القيامة يظهر لهم خلاف ذلك فيسألون عن ذلك الافتراء.

وثانيها: أن قولهم: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خطاياكم ﴾ كان عن اعتقاد أن لا حشر، فإذا جاء يوم القيامة ظهر لهم خلاف ذلك فيسألون ويقال لهم أما قلتم أن لا حشر.

وثالثها: أنهم لما قالوا إن تتبعونا نحمل يوم القيامة خطاياكم، يقال لهم فاحملوا خطاياهم فلا يحملون فيسألون ويقال لهم لم افتريتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أمروهم باتباع سبيلهم وهي طريقتهم التي كانوا عليها في دينهم، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم فعطف الأمر على الأمر، وأرادوا: ليجتمع هذان الأمران في الحصول أن تتبعوا سبيلنا وأن نحمل خطاياكم.

والمعنى: تعليق الحمل بالاتباع، وهذا قول صناديد قريش: كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم، فإن عسى كان ذلك فإنا نتحمل عنكم الإثم.

ونرى في المتسمين بالإسلام من يستنّ بأولئك فيقول لصاحبه- إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب بعض العظائم: افعل هذا وإثمه في عنقي.

وكم من مغرور بمثل هذا الضمان من ضعفة العامّة وجهلتهم- ومنه ما يحكى أنّ أبا جعفر المنصور رفع إليه بعض أهل الحشو حوائجه، فلما قضاها قال: يا أمير المؤمنين، بقيت الحاجة العظمى.

قال: وما هي؟

قال شفاعتك يوم القيامة، فقال له عمرو بن عبيد رحمه الله: إياك وهؤلاء، فإنهم قطاع الطريق في المأمن.

فإن قلت: كيف سماهم كاذبين، وإنما ضمنوا شيئاً علم الله أنهم لا يقدرون على الوفاء به، وضامن ما لا يعلم اقتداره على الوفاء به، لا يسمى كاذباً لا حين ضمن ولا حين عجز، لأنه في الحالين لا يدخل تحت حدّ الكاذب وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه؟

قلت: شبه الله حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به، فكان ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر، عنه.

ويجوز أن يريد أنهم كاذبون، لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه، كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ ﴾ أي أثقال أنفسهم ﴿ وَأَثْقَالاً ﴾ يعني أثّقالا أخر غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها، وهي أثقال الذين كانوا سبباً في ضلالهم ﴿ وَلَيُسْئَلُنَّ ﴾ سؤال تقريع ﴿ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ أي يختلقون من الأكاذيب والأباطيل.

وقرئ: ﴿ من خطيآتهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ﴾ الَّذِي نَسْلُكُهُ في دِينِنا.

﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ﴾ إنْ كانَ ذَلِكَ خَطِيئَةً أوْ إنْ كانَ بَعْثٌ ومُؤاخَذَةٌ، وإنَّما أمَرُوا أنْفُسَهم بِالحَمْلِ عاطِفِينَ عَلى أمْرِهِمْ بِالِاتِّباعِ مُبالَغَةً في تَعْلِيقِ الحَمْلِ بِالِاتِّباعِ والوَعْدِ بِتَخْفِيفِ الأوْزارِ عَنْهم إنْ كانَتْ تَشْجِيعًا لَهم عَلَيْهِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ رَدَّ عَلَيْهِمْ وكَذَّبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ مِنِ الأُولى لِلتَّبْيِينِ والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ والتَّقْدِيرُ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطاياهم.

﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ ﴾ أثْقالَ ما اقْتَرَفَتْهُ أنْفُسُهم.

﴿ وَأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ وأثْقالًا أُخَرَ مَعَها لِما تَسَبَّبُوا لَهُ بِالإضْلالِ والحَمْلِ عَلى المَعاصِي مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أثْقالِ مَن تَبِعَهم شَيْءٌ.

﴿ وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَبْكِيتٍ.

﴿ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي أضَلُّوا بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} أي أثقال أنفسهم يعني أوزارهم بسب كفرهم {وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} أي أثقالاً أخر غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها وهي أثقال الذين كانوا سبباً في ضلالهم وهو كما قال لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يضلونهم بغير علم

{وليسألن يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} يختلقون من الأكاذيب والأباطيل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ ﴾ بَيانٌ لِما يَسْتَتْبِعُهُ قَوْلُهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ مِنَ المَضَرَّةِ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ بَيانِ عَدَمِ مَنفَعَتِهِ لِمُخاطِبِيهِمْ أصْلًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الخَطايا بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ ثِقَلِها وكَوْنِها فادِحَةً، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ وبِاللَّهِ لَيَحْمِلُنَّ أثْقالَ أنْفُسِهِمْ كامِلَةً ﴿ وأثْقالا ﴾ أُخَرَ ﴿ مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ وهي أثْقالُ ما تَسَبَّبُوا بِالإضْلالِ والحَمْلِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أثْقالِ مَن أضَلُّوهُ شَيْءٌ ما.

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««أيُّما داعٍ دَعا إلى هَدْيٍ فاتَّبَعَ عَلَيْهِ وعَمِلَ بِهِ فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ولا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا وأيُّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتَّبَعَ عَلَيْها وعَمِلَ بِها فَعَلَيْهِ مِثْلُ أوْزارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ولا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا»» قالَ عَوْنٌ: وكانَ الحَسَنُ يَقْرَأُ عَلَيْها ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ، ولِلْإشارَةِ إلى اسْتِقْلالِ أثْقالِ أنْفُسِهِمْ وأنَّها نَهَضَتْهم واسْتَفْرَغَتْ جَهْدَهم وأنَّ الأثْقالَ الأُخَرَ كالعِلاوَةِ عَلَيْها اخْتِيرَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى أنْ يُقالَ ولْيَحْمِلُنَّ أثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ.

﴿ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَبْكِيتٍ ﴿ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أيْ يَخْتَلِقُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كَذِبُهم هَذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: جحدوا وأنكروا لِلَّذِينَ آمَنُوا وذلك: أن أبا سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن شيبة، قالوا لعمر بن الخطاب  : وخباب بن الأرت، وأناس آخرين من المسلمين: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا يعني: ديننا الذي نحن عليه، واكفروا بمحمد  ودينه وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ يعني: نحن الكفلاء لكم بكل تبعة من الله عز وجل تصيبكم، وأهل مكة شهداء علينا.

يقول الله عز وجل: وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: لا يقدرون أن يحملوا خطاياهم، يعني: وبال خطاياهم عنهم، ولا يدفعون عنهم، لأنهم لو استطاعوا أن يدفعوا لدفعوا عن أنفسهم إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في مقالتهم.

ثم قال عز وجل: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ يعني: أوزار أنفسهم يكون في عنقهم، وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ يعني: يحملون أوزار الذين يضلونهم من غير أن ينقص من أوزار العاملين من شيء، وهذا كقوله عز وجل: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: 25] وهذا كما روي في الخبر «من سن سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» ثمّ قال: وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: عما يقولون من الكذب.

قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً يدعوهم إلى الإسلام، ويحذرهم وينذرهم، فأبوا أن يجيبوه فكذبوه فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ يعني: الغرق وَهُمْ ظالِمُونَ وقال القتبي: الطوفان، المطر الشديد، وكذلك الموت إذا كثر.

وقال مقاتل: الطوفان يعني: ما طغى فوق كل شيء.

وقال بعض أهل اللغة: هذا الاشتقاق غير صحيح، لأنه لو كان هذا لقال: طغوان، لأنه يقال: طغى يطغو.

وقال بعضهم: هذا على وجه القلب، كما يقال: جذب وجبذ.

ويقال: أصله من الطوف، يعني: سال وطاف في الأرض.

وقال الزجاج: الطوفان من كل شيء ما كان كثيراً كالقتل الذريع الكثير يسمى طوفانا.

ثم قال عز وجل: فَأَنْجَيْناهُ يعني: نوحاً  وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ من الغرق وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ يعني: جعلنا السفينة عبرة لمن بعدهم، وقد بقيت السفينة على الجودي إلى وقت قريب من وقت خروج النبيّ  ، فكان ذلك علامة وعبرة لمن رآها، ولمن لم يرها، لأن الخبر قد بلغه.

ويقال: رسم السفينة التي بقيت بين الخلق وقت نوح، وتجري في البحر علامة للعالمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ورده إلى أمه.

الحديث في كتب السيرة، وباقي الآية بيِّن.

ثم كرر تعالى التمثيلَ بحالة المؤْمنين العاملين ليحركَ النفوس إلى نيل مراتبهم.

٦١ ب قال الثعلبي: قوله تعالى: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ/ أي: في زُمْرَتهم.

وقال محمد بن جرير «١» : في مدخل الصالحين: وهو الجنة.

وقيل: فِي بمعنى: «مع» و «الصالحون» : هم الأنبياء والأولياء، انتهى.

وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ إلى قوله: الْمُنافِقِينَ، نزلت في المتخلفين عن الهجرة المتقدِّم ذكرهم قاله ابن عباس «٢» .

ثم قررهم تعالى على علمه بما في صدورهم، أي: لو كان يقينُهم تامّاً وإسلامُهم خالصاً لما توقَّفُوا ساعة ولَرَكِبُوا كلَّ هول إلى هجرتهم ودار نبيهم.

وقوله تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ هنا انتهى المدني من هذه السورة.

وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ...

الآية، رُوِيَ: أن قائلَ هذه المقالةِ هو: الوليد بن المغيرة، وقيل: بل كانت شائعة من كفار قريش لاتباع النبي صلى الله عليه وسلّم.

وقوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ ...

الآية، لأنه يلْحق كل داع إلى ضلالة كفل منها حسبما صرّح به الحديث المشهور «٣» .

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ﴾ يَعْنُونَ: دِينَنا.

قالَ مُجاهِدٌ: هَذا قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالُوا لَهُمْ: لا نَبْعَثُ نَحْنُ ولا أنْتُمْ فاتَّبِعُونا، فَإنْ كانَ عَلَيْكم شَيْءٌ فَهو عَلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، يَعْنِي: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم.

وقالَ الأخْفَشُ: كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: " ولِنَحْمِلْ " بِكَسْرِ اللّامِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الواوُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: لِنَحْمِلْ خَطاياكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ أيْ: فِيما ضَمِنُوا مِن حَمْلِ خَطاياهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ ﴾ أيْ: أوْزارَ أنْفُسِهِمْ ﴿ وَأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ، وهي أوْزارُ الَّذِينَ أضَلُّوهُمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ ﴿ وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ ﴿ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: عَنْ قَوْلِهِمْ: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهم ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُوفانُ وهم ظالِمُونَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ شائِعَةً مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، قالُوا لِأتْباعِ النَبِيِّ  : ادْخُلُوا في أمْرِنا، وأقِرُّوا بِآلِهَتِنا واعْبُدُوها، ونَحْنُ لِيَقِينِنا أنَّهُ لا بَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ ولا رُجُوعَ نَضْمَنُ لَكم حَمْلَ خَطاياكُمْ، ونَحْمِلُها عنكم فِيما دَعَوْناكم إلَيْهِ إنْ كانَ في ذَلِكَ دَرْكٌ كَما تَزْعُمُونَ أنْتُمْ، وقَوْلُهُمْ: "وَلْنَحْمِلْ" إخْبارٌ أنَّهم يَحْمِلُونَ خَطاياهم عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالنَقْلِ، ولَكِنَّهم أخْرَجُوهُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّها أوجَبُ وأشَدُّ تَأْكِيدًا في نَفْسِ السامِعِ مِنَ المَجازاتِ، وهَذا نَحْوُ قالَ الشاعِرُ: فَقُلْتُ ادْعِي وأدْعُ فَإنَّ أنْدى لِصَوْتٍ أنْ يُنادِيَ داعِيانِ وَلِكَوْنِهِ خَبَرًا حَسُنَ تَكْذِيبُهم فِيهِ، فَأخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ باطِلٌ، وأنَّهم لَوْ فَعَلُوهُ لَمْ يُتَحَمَّلْ عن أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ المُغْتَرِّينَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن خَطاياهُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلْنَحْمِلْ" بِجَزْمِ اللامِ، وقَرَأ عِيسى ونُوحٌ القارِي: "وَلِنَحْمِلْ" بِكَسْرِ اللامِ.

وقَرَأ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ: "مِن خَطَيِهِمْ" بِكَسْرِ الياءِ وفَتْحِ الطاءِ، وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "مِن خَطِيئاتِهِمْ" بِكَسْرِ الطاءِ وهَمْزَةٍ وتاءٍ بَعْدَ الألِفِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: الحَمْلُ هو مِنَ الحَمالَةِ لا مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن أُولَئِكَ الكَفَرَةِ أنَّهم يَحْمِلُونَ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ، أيْ: أثْقالًا مِن كُفْرِهِمُ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ ويَتَلَبَّسُونَ بِهِ، ﴿ وَأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ يُرِيدُ: ما يَلْحَقُهم مِن أعْوانِهِمْ وأتْباعِهِمْ، فَإنَّهُ يَلْحَقُ بِكُلِّ داعٍ إلى ضَلالَةٍ كِفْلٌ مِنها حَسَبَ الحَدِيثِ المَشْهُورِ، «أيُّما داعٍ إلى هُدًى فاتُّبِعَ عَلَيْهِ فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أجْرِهِمْ شَيْئًا، وأيُّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ».....

الحَدِيثُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما كانَتْ مَعَ أثْقالِهِمْ لِكَوْنِها بِسَبَبِ غَيْرِهِمْ وعن غَيْرِ كُفْرٍ تَلْبَّسُوهُ، فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ أثْقالِهِمْ، ولَمْ يَنْسِبْها إلى غَيْرِهِمْ، بَلْ جَعَلَها في رُتْبَةٍ أُخْرى فَقَطْ، فَهم فِيها إنَّما يَزِرُونَ بِوِزْرِ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ يَتَرَتَّبُ حَمْلُ أثْقالِ الغَيْرِ بِما ورَدَ عَنِ النَبِيِّ  : «فَإنْ لَمْ يَبْقَ لِلظّالِمْ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فاطَّرَحَ فَطُرِحَ عَلَيْهِ».

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَيُسْئَلُنَّ" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، لا عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِعْلامِ، و"يَفْتَرُونَ" مَعْناهُ: يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكُفْرِ ودَعْوى الصاحِبَةِ والوَلَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا ﴾ الآيَةُ.

قِصَّةٌ فِيها تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  عَمّا تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ قَبْلَها مِن تَعَنُّتِ قَوْمِهِ، وفِتْنَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفِيها وعِيدٌ لَهم بِتَمْثِيلِ أمْرِهِمْ بِأمْرِ قَوْمِ نُوحٍ، والواوُ في قَوْلِهِ "وَلَقَدْ" عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ، والقَسَمُ فِيها بِعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أرْسَلْنا"، "فَلَبِثَ"، هَذا العَطْفُ بِالفاءِ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُ لَبِثَ هَذِهِ المُدَّةَ رَسُولًا يَدْعُو، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُدَّةُ المَذْكُورَةُ مُدَّةَ إقامَتِهِ، مِن لَدُنْ مَوْلِدِهِ إلى غَرَقِ قَوْمِهِ، وأمّا عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ فاخْتُلِفَ في سِنِّهِ الَّتِي بُعِثَ عِنْدَها، فَقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقالَ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ: ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسُونَ، ولِذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وفاتُهُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ غَرَقِ قَوْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ، وَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عُمِّرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسِينَ عامًا، وأنَّهُ عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةٍ.

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَأخَذَهُمُ الطُوفانُ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أخَذَ قَوْمَهُ فَقَطْ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غَرِقَ في الطُوفانِ طائِفَةٌ مِنَ الأرْضِ وهي المُخْتَصَّةُ بِقَوْمِ نُوحٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -هِيَ الجُمْهُورُ-: إنَّما غَرِقَتِ المَعْمُورَةُ كُلُّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو ظاهِرُ الأمْرِ؛ لِاتِّخاذِهِ السَفِينَةَ، ولِبَعْثِهِ الطَيْرَ تَرْتادُ زَوالَ الماءِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَلائِلِ، وبَقِيَ أنْ يُعْتَرَضَ هَذا بِأنْ يُقالَ: كَيْفَ غَرِقَ الجَمِيعُ والرِسالَةُ إلى البَعْضِ؟

فالوَجْهُ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّ اخْتِصاصَ نَبِيٍّ بِأُمَّةٍ لَيْسَ هو بِألّا يَهْدِيَ غَيْرَها، ولا يَدْعُوَها إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى، وإنَّما هو بِألّا يَأْخُذَ بِقَتْلِ غَيْرِها، ولا يَبُثَّ العِباداتِ فِيهِمْ، ولَمْ يَكُنِ الناسُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرِينَ بِحُكْمِ القُرْبِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلا مَحالَةَ أنَّ دُعاءَهُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى قَدْ كانَ بَلَغَ الكُلَّ، فَنالَهُمُ الغَرَقُ لِإعْراضِهِمْ وتَمادِيهِمْ.

و"الطُوفانُ": العَظِيمُ الطامِّي، ويُقالُ ذَلِكَ لِكُلِّ طامٍّ خَرَجَ عَنِ العادَةِ مِن ماءٍ أو نارٍ أو مَوْتٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أفْناهم طُوفانُ مَوْتٍ جارِفٌ و"طُوفانٌ" وزْنُهُ فُعْلانٌ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: طافَ يَطُوفُ إذا عَمَّ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الماءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم ظالِمُونَ ﴾ يُرِيدُ: بِالشِرْكِ.

وَ " أصْحابَ السَفِينَةِ " تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ الخِلافُ في عَدَدِهِمْ، وهم بَنُوهُ وقَوْمٌ آمَنُوا، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَجَعَلْناها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى السَفِينَةِ، و"الآيَةُ" هُنا العِبْرَةُ والعَلامَةُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في شِدَّةِ بَطْشِهِ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها آيَةً عَلى الجُودِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد أن كذبهم في قولهم ﴿ ولنحمل خطاياكم ﴾ [العنكبوت: 12] وكشف كيدهم بالمسلمين عطف عليه ما أفاد أنهم غير ناجين من حمل تبعات لأقوام آخرين وهم الأقوام الذين أضلوهم وسوَّلوا لهم الشرك والبهتان على وجه التأكيد بحملهم ذلك.

فذِكر الحمل تمثيل.

والأثقال مجاز عن الذنوب والتبعات.

وهو تمثيل للشقاء والعناء يوم القيامة بحال الذي يحمل متاعه وهو موقر به فيزاد حمل أمتعة أناس آخرين.

وقد علم من مقام المقابلة أن هذا حمل تثقيل وزيادة في العذاب وليس حملاً يدفع التبعة عن المحمول عنه، وأن الأثقال المحمولة مع أثقالهم هي ذنوب الذين أضلوهم وليس من بينها شيء من ذنوب المسلمين لأن المسلمين سالمون من تضليل المشركين بما كشف الله لهم من بهتانهم.

وجملة ﴿ وليسألُنّ يوم القيامة عما كانون يفترون ﴾ تذييل جامع لمؤاخذتهم بجميع ما اختلقوه من الإفك والتضليل سواء ما أضلوا به أتباعهم وما حاولوا به بتضليل المسلمين فلم يقعوا في أشراكهم، وقد شمل ذلك كله لفظ الافتراء، كما عبر عن محاولتهم تغرير المسلمين بأنهم فيه كاذبون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أعْوانُ الظَّلَمَةِ.

الثّانِي: أنَّهم أصْحابُ البِدَعِ إذا اتُّبِعُوا عَلَيْها.

الثّالِثُ: أنَّهم مُحْدِثُو السُّنَنِ الجائِرَةِ إذا عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ قال: قول كفار قريش بمكة لمن آمن منهم قالوا: لا نبعث نحن ولا أنتم، فاتبعونا فإن كان عليكم شيء فعلينا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ هم القادة من الكفار ﴿ للذين آمنوا ﴾ لمن آمن من الاتباع ﴿ اتبعوا سبيلنا ﴾ ديننا، واتركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما هم بحاملين ﴾ قال: بفاعلين ﴿ وليحملن أثقالهم ﴾ قال: أوزارهم ﴿ وأثقالا مع أثقالهم ﴾ قال: أوزار من أضلوا.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن ابن الحنفية رضي الله عنه قال: كان أبو جهل وصناديد قريش يتلقون الناس إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون، يقولون: إنه يحرم الخمر، ويحرم الزنا، ويحرم ما كانت تصنع العرب، فارجعوا فنحن نحمل أوزاركم.

فنزلت هذه الآية ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ قال: هي مثل التي في النحل ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم ﴾ [ النحل: 25] .

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ قال: حملهم ذنوب أنفسهم، وذنوب من اطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن اطاعهم من العذاب شيئاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، وأيما داع دعا إلى ضلالة فأتبع عليها وعمل بها فعليه مثل أوزار الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً» قال عون: وكان الحسن رضي الله عنه مما يقرأ عليها ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم..

﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي امامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اياكم والظلم فإن الله يقول يوم القيامة: وعزتي لا يجيزني اليوم ظلم، ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان ابن فلان؟

فيأتي فيتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم، ثم يقوم بين يدي الرحمن، ثم يأمر المنادي ينادي: من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان ابن فلان فهلم، فيقومون حتى يجتمعوا قياماً بين يدي الرحمن فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي فيقولون: كيف نقضي عنه؟

فيقول: خذوا له من حسناته.

فلا يزالون يأخذون منها حتى لا تبقى منها حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات فيقول: اقضوا عن عبدي فيقولون: لم يبق له حسنة فيقول: خذوا من سيئاته، فاحملوها عليه، ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ » .

وأخرج أحمد عن حذيفة رضي الله عنه قال: سأل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك القوم، ثم إن رجلاً أعطاه، فأعطى القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «من سن خيراً فاستن به كان له أجره ومن أجور من تبعهم غير منتقص من أجورهم شيئاً، ومن أسن شراً فاستن به كان عليه وزره ومن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئاً» .

وأخرج الترمذي وحسنه وابن مردويه عن أبي هريرة وأبي الدرداء قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيروا سبق المفردون.

قيل: يا رسول الله ومن المفردون؟

قال: الذين يهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافاً» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ ﴾ قال مقاتل: أوزارهم التي عملوها ﴿ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ وأوزارهم لقولهم للمؤمنين: ﴿ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ﴾ (١) ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ قاله مقاتل وابن عباس ومجاهد (٢) قال قتادة في هذه الآية: من دعا قومًا إلى ضلالة فعليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا (٣)  -: "ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (٤) وقوله: ﴿ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ قال أبو إسحاق: ذلك سؤال توبيخ لا سؤال إعلام (٥) وقوله: ﴿ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يقولون على الله الكذب (٦) وقال مقاتل: يعني قولهم: نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله (٧) (١) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 135، عن ابن زيد، وفيه ذكر آية النحل.

وذكره مقاتل 71 ب، دون ذكر آية النحل.

(٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 96، وابن أبي حاتم 9/ 3040.

وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" (337).

(٤) الحديث أخرجه مسلم 2/ 704، كتاب: الزكاة، رقم الحديث (1017)، وله قصة ذكرها جرير بن عبد الله -  - قال: كنا عند رسول الله -  - في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله -  - لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ إلي قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  ﴾ والآية التي في الحشر: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كله تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله -  - يتهلل كأنه مُذهَبة، فقال رسول الله -  -: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".

وأخرجه مختصرًا الترمذي 5/ 42، كتاب: العلم، رقم (2675)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وأخرجه بسنده الثعلبي 8/ 157 ب، من حديث جرير بن عبد الله -  -.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 162.

(٦) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3040.

(٧) "تفسير مقاتل" 71 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اتبعوا سَبِيلَنَا ﴾ أي قال الكافر للمؤمنين: اكفروا كما كفرنا، ونحمل نحن عنكم الإثم والعقاب إن كان، وروي أن قائل هذه المقالة الوليد بن المغيرة حكاه المهدوي، وقولهم: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾ : حزاء قولهم: ﴿ اتبعوا سَبِيلَنَا ﴾ ، ولكنهم ذكروه على وجه الأمر للمبالغة، ولما كان معنى الخبر صحة تكذيبهم فيه أخبره الله أنهم كاذبون: أي لا يحملون أوزار هؤلاء، بل يحملون أوزار أنفسهم وأوزار أتباعهم من الكفار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ الم ﴾ كوفي.

﴿ لا يفتنون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يسبقونا ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ج ﴿ لآت ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ فلا تطعهما ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ كعذاب الله ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنافقين ﴾ ه ﴿ خطاياكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ مع أثقالهم ﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين.

﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عاماً ﴾ ط لحق الحذف اي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿ الطوفان ﴾ ط ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما قال في خواتيم السور المتقدمة ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد  ﴾ أي إلى مكة ظاهراً ظافراً، وكان في ذلك الرد من احتمال مشاق الحوادث ما كان قال بعده ﴿ ألم أحسب الناس ﴾ إلى قوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ بالجهاد أو نقول: لما أمر بالدعاء إلى الدين القويم في قوله ﴿ وادع إلى ربك  ﴾ وكان دونه من المتاعب وأعباء الرسالة مالا يخفى، بدا السورة بما يهوّن على النفس بعض ذلك.

وايضاً لما بين أن كل هالك له رجوع إليه، ردّ على منكري الحشر بأن الأمر ليس على ما حسبوه ولكنهم يكلفون في دار الدنيا ثم يرجعون إلى مقام الجزاء والحساب.

قال أهل البرهان: وقوع الاستفهام بعد "ألم" يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها من السور.

وفي تصدير السورة بأمثال هذه الحروف تنبيه للمخاطب وإيقاظ له من سنة الغفلة كما يقدم لذلك كلام له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع وكن لي.

ولا يقدم إلا إذا كان في الحديث شأن وبالخطاب اهتمام، ولهذا ورد بعد هذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن الذي لا يخفى غناؤه والاهتمام بشأنه كقوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب  ﴾ ﴿ المص كتاب أنزل إليك  ﴾ ﴿ يس والقرآن  ﴾ ﴿ ص والقرآن  ﴾ ﴿ الم تنزيل الكتاب  ﴾ إلا ثلاث سور: ﴿ كهيعص  ﴾ ﴿ الم أحسب الناس ﴾ } { ﴿ الم غلبت الروم  ﴾ ولا يخفى أن ما بعد حروف التهجي فيها من الأمور العظام التي يحق أن ينبه عليها بيانه في هذه السورة أن القرآن ثقله وعبؤة بما فيه من التكاليف، وبيانه في سورة مريم ظاهر، لأن خلق الولد فيما بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر معجز.

وكذا الإخبار عن غلبة الروم قبل وقوعها.

ومعنى الآية راجع إلى أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإِيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف.

واختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة.

وقيل: نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون.

وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله  : سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة.

قال جار الله: مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا.

قال: والترك بمعنى التصيير.

فقوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ حال سدّ مسدّ ثاني مفعوليه.

وقال آخرون: تقديره أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن ﴿ قالوا آمنا ﴾ وأقول: إن من خواص "أن" مع الفعل و"أن" مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ههنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرناه من المعنيين قوله  في موضع آخر ﴿ أم حسبتم أن تتركوا  ﴾ والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس.

والتحقي أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة لله.

فإذا قال باللسان: آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلا بدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بدلا له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن.

فمعنى الآية: أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك؟

أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات؟

ثم مثل حال هؤلاء بحال السلف منهم قائلاً ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ أراد كذلك فعل الله بمن قبلهم لم يتركهم بمجرد قولهم "آمنا"، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات.

وقوله ﴿ فليعلمن الله ﴾ كقوله ﴿ وليعلم الله  ﴾ وقد مر تحقيقه في "آل عمران".

والحاصل أن التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم، وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين.

وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل: فليرين الله وليظهرن الله.

وقيل: فليميزن، وجوز جار الله أن يكون وعداً ووعيداً كأنه قال: وليبينن الذي صدقوا وليعاقبن الكاذبين.

قال الإمام فخر الدين الرازي: في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه، فقال في حق الأوّلين ﴿ الذين صدقوا ﴾ بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد، وقال في حق الآخرين ﴿ وليعلمن الكاذبين ﴾ بالصيغة المنبئة عن الثبات.

وإنما قال ﴿ يوم ينفع الصادقين صدقهم  ﴾ بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين بخلاف أوائل الإِسلام.

ثم بين بقوله ﴿ أم حسب الذين ﴾ الخ.

أن من كلف بشيء ولم يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا  ﴾ والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال، والتعجيل في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال.

ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ والمخصوص محذوف و"ما" موصولة أو مبهمة والتقدير: بئس الذي يحكمون حكمهم هذا، وبئس حكماً يحكمونه حكمهم هذا.

وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن التكاليف إرشادات وإلا يعاد عليها ترغيب وترهيب ولا يوجب من الله تعذيب.

واعلم أن أصول الدين ثلاثة: معرفة المبدأ وأشار إليه بقوله ﴿ آمنا ﴾ ، ومعرفة الوسط وهو إرسال الرسل.

وإيضاح السبل وإليه أشار بقوله ﴿ وهم لا يفتنون ولقد فتنا ﴾ ومعرفة المعاد إما للأشقياء وهو قوله ﴿ الم أحسب ﴾ الآية وإما للسعداء وهو قوله ﴿ من كان يرجو ﴾ أي يأمل ﴿ لقاء ﴾ جزاء ﴿ الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن أراد بالأجل الموت ففيه إشارة إلى بقاء النفس بعد فراق البدن، فلولا البقاء لما حصل اللقاء كقولك: من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل.

فإِنه لا يفهم منه إلا إيصال الخير بوصوله.

ومثله: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب.

إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.

ويحتمل أن يراد بالأجل الوقت المضروب للحشر.

وقيل: يرجو بمعنى يخاف من قول الهذلي: إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها *** ﴿ وهو السميع ﴾ لأقوال العباد صدقوا أم كذبوا ﴿ العليم ﴾ بنياتهم وطوياتهم وبسائر أعمالهم فيجازيهم بالمسموع ما لا أذن سمعت، وبالمرئي مالا عين رأت وبالنيات مالا خطر على قلب بشر.

ثم بين بقوله ﴿ ومن جاهد ﴾ الآية.

أن فائدة التكاليف والمجاهدات إنما ترجع إلى المكلف والله غني عن كل ذلك.

قال المتكلمون من الأشاعرة: في الآية دلالة على ان رعاية الأصلح لا تجب على الله وإلا كان مستكملاً بذلك، وأن أفعاله لا تعلل بغرض لأن ذلك خلاف الغني، وأنه ليس في مكان وإلا لزم افتقاره، وأنه ليس قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم لأن القدرة والعلم غيره فيلزم افتقاره.

ويمكن أن يجاب عن الأول بأن وجوب صدور الأصلح عنه لمقتضى الحكمة لا يوجب الاستكمال.

وعن الثاني بأن استتباع الفائدة لا يوجب افتقار المفيد.

وعن الثالث أن استصحاب المكان غير الافتقار إليه.

وعن الرابع أن العالم هو ما يغاير ذات الله مع صفاته.

وفي الآية بشارة من وجه وإنذار من وجه آخر، وذلك أن الاستغناء عن الكل يوجب غناه عن تعذيب كل فاجر كما أنه يمكن أن يهلك كل صالح ولا شيء عليه إلا أنه رجح جانب البشارة بقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله  وقال رسول الله  تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله  عنه.

وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح.

ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف.

يقال: فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع.

ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله.

ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله  .

وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر.

ثم إنه  ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين: تكفير السيئات والجزاء بالأحسن.

فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها.

وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ لنكفرن ﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله.

أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم: إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم.

وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي ابوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن.

أو يقال: ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وحين بين حسن التكاليف ووقوعها وذكر ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها اشار بقوله ﴿ ووصينا الإنسان ﴾ الآية إلى أنه لا دافع لهذه السيرة ولا مانع لهذه الطريقة فإن الإنسان إذا انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمروه بالمعصية لا يجوز اتباعهم فكيف غيره؟

ومنه يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومعنى ﴿ وصينا ﴾ أمرنا كما مر في قوله ﴿ ووصى بها إبراهيم  ﴾ وقوله ﴿ بوالديه ﴾ أي بتعهدهما ورعاية حقوقهما، وعلى هذا ينتصب ﴿ حسناً ﴾ بمضمر يدل عليه ما قبله أي أولهما حسناً أو افعل بهما حسناً كأنه قال: قلنا له ذلك وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ إلى آخره فلو وقف على قوله ﴿ بوالديه ﴾ حسن ويجوز أن يراد وصيناه بإيتاء والديه حسناً وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ وقوله ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ كقوله ﴿ ما لم ينزل به عليكم سلطاناً  ﴾ أي لا معلوم ليتعلق العلم به.

وإذا كان التقليد في الإيمان قبيحاً فكيف يكون حال التقليد في الكفر.

وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا ارادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله فإذا نفيا طاعة الله في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله مطلقاً، ويلزم منه عدم لزوم طاعة الوالدين بأمر الله، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل.

فطاعة الوالدين في اتخاذ الشرك بالله من الممتنعات.

وفي قوله ﴿ إليّ مرجعكم ﴾ ترغيب في رعاية حقوق الوالدين وترهيب عن عقوقهما وإن كانا كافرين إلا في الدعاء إلى الشرك.

وفيه أن المجازي للمؤمن والمشرك إذا كان هو الله وحده فلا ينبغي أن يعق الوالدين لأجل كفرهما.

وفي قوله ﴿ فأنبئكم ﴾ دليل على أنه  عالم بالخفيات لا يعزب عنه شيء.

يروى أن سعد بن أبي وقاص الزهري حين اسلم قالت أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد.

وكان أحب ولدها إليها فابى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فنزلت هذه الآية، فأمر رسول الله  سعداً أن يداريها ويرضيها بالإحسان.

ثم أكد جزاء من آمن وعمل صالحاً بتكرير قوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ﴾ اي في زمرتهم ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ قال الحكماء: أي في المجردين الذين لا كون لهم ولا فساد فيدخل فيه العلويات عندهم.

ثم بين حال أهل النفاق بعد تقرير حال أهل الكفر والوفاق فقال ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ يعني أنا والمؤمنون حقاً آمنا ادّعى أن إيمانه كإِيمانهم فأخبر أن إيمانه لا تحقيق له بدليل قوله ﴿ فإذا أوذي في الله ﴾ اي في سبيله ودينه ﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ قال جار الله: أي جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وهذا على التوهم أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفاً وهذا في الواقع.

وقيل: جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله.

وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى تردّدوا في الأمر وقالوا: إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس، وذلك أنهم كانوا يمسهم أذى من الكفار، وإن تركنا الإِيمان نتعرض لما توعدنا به محمد فاختاروا الاحتراز عن التعرض العاجل ونافقوا.

وإنما قال ﴿ فتنة الناس ﴾ ولم يقل "عذاب الناس" لأن فعل العبد ابتلاء من الله.

وليس في الاية منع من إظهار كلمة الكفر إكراهاً، وإنما المنع من إظهارها مع مواطأة القلب التي كانوا عليها.

ومما يؤكد تذبذبهم قوله ﴿ ولئن جاء نصر من ربك ﴾ ويلزمه الغنيمة غالباً ﴿ ليقولن إنا كنا معكم ﴾ يعني دأب المنافق أنه إذا رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر من الكفر، وإن كان النصر للمؤمن أضمر ما أضمر وأظهر المعية وادّعى التبعية.

وفي تخصيص اسم الرب بالمقام إشارة إلى أن التوبة والرحمة هي التي أوجبت النصر.

ثم أخبر أنه  أعلم بما في صدور العالمين منهم بما في صدورهم، لأنه خبير بما بأنفسهم كما هي وهم لا يعرفون نفوسهم كما هي، فالتلبيس لا يفيد المنافق بالنسبة إلى الله شيئاً لأنه لا يجوز عليه الالتباس دليله قوله ﴿ وليعلمنّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين ﴾ وفيه وعد للمؤمنين ووعيد للمنافقين.

اعتبر أمر القلب ههنا وهو في المؤمن التصديق، وفي المنافق النفاق، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول: الله غير موجود، أو الله أكثر من واحد.

وفي المؤمن الصدق لأنه يقول: الله واحد.

وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها وكان للكافر أن يقول للمؤمن لم تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا، وكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه، وإن كان فيه خطيئة فعلينا، اشار إلى جميع ذلك قوله ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ أرادوا وليجتمع هذا الأمران في الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم، نظيره "ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء" وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد قريش.

كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فإِن عسى كان جزاء ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم.

وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ارتكاب بعض المآثم فيقول: افعل هذا وإثمه عليّ، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان.

ثم أخبر الله  عنهم بأنهم لا يحملون شيئاً من خطاياهم، ولا ريب أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم الله عليهم بأنهم كاذبون.

ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف.

ولا حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف.

أما الجمع بين قوله ﴿ وما هم بحاملين ﴾ وبين قوله ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ فهو أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه، والإثبات يرجع إلى انهم يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما قال عليه الصلاة والسلام "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء" قال ﴿ وليسئلن ﴾ سؤال تقريع ﴿ يوم القيمة عما كانوا يفترون ﴾ من أنه لا حشر، وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين.

ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له: إن نوحاً لبث الف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون؟

سؤال: ما الفائدة في قوله ﴿ ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴾ دون أن يقول: تسعمائة وخمسين.

الجواب: لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب.

فإن من قال: عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً.

فإذا قال: إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم.

وأيضاً المقصود تثبيت النبي  ، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض.

وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام.

قال بعض الأطباء: العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة.

فاعترضوا عليهم بعمر نوح  وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا: عمر نوح الفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين.

وعن وهب أنه عاش ألفاً واربعمائة سنة.

ويمكن أن يقال: إنهم ارادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم.

ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال  "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل.

وفي قوله ﴿ وهم ظالمون ﴾ دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم.

والضمير في قوله ﴿ وجعلناها ﴾ إما للحادثة أو للقصة أو للسفينة.

وأعاجيب هذه القصة وأحوال السفينة وأهوالها قد تقدّمت مراراً ولا ريب أنها آيات يجب أن يستدل بها على موجدها.

التأويل: أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بالطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿ أحسب الناس ﴾ أي الناسون من أهل البطالة أن يتركوار بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه.

فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال: إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿ أم حسب الذين ﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿ أن يسبقونا ﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام.

﴿ ساء ما يحكمون ﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات.

﴿ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظر إلى جمالنا ﴿ وهو السميع ﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين.

ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الإمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿ لنكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ ولنجزينهم ﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الاشباح كما قال عيسى  : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.

فهو احق برعاية الحقوق منهما.

﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح.

والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله.

﴿ وقال الذين كفروا ﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿ اتبعوا سبيلنا ﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ ولنحمل خطاياكم ﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿ وما هم بحاملين ﴾ شيئاً ﴿ من خطاياهم ﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: ناس مؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم وأموالهم افتتنوا، فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة.

ثم قال: ﴿ وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾ : وذلك عَلَمُ المنافق.

ومنهم من يقول: نزلت الآية فيمن حقق الإيمان سرّاً وعلانية، إلا أنه عذب لأجل إيمانه بالله وبرسوله؛ فترك الإيمان وكفر؛ فعلى تأويل هذا يحتمل قوله: ﴿ وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر على القطع من الأول والابتداء منه من صنيع المنافقين وخبرهم، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ أي: جعل فتنة الناس وتعذيبهم إياه في إعطاء ما سألوه - وهو الكفر - كعذاب الله في إعطاء ما سأل من أهل الكفر وهو الإيمان؛ لأن أهل الكفر إذا نزل بهم عذاب الله أو اشتد بهم خوف نزوله عليهم أعطوا الله ما سألهم من الإيمان والتوحيد، وهو ما قال: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ .

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن جعل فتنة الناس في ترك الإيمان كعذاب الله في ذلك، أي: جعل العذاب الذي من الناس كأنه من الله جاء فترك الإيمان.

وقوله: ﴿ أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : فإن كانت الآية فيمن حقق الإيمان بالله سرا وعلانية، فيخرج هذا على التعيير له في ترك الإيمان بما عذب به؛ لأنه كان يقدر أن يظهر الكفر لهم باللسان؛ فيدفع العذاب عن نفسه، ويكون في الحقيقة في السر مؤمناً على ما ذكر: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ  ﴾ .

وإن كانت الآية في المنافقين، فيقول: كيف أسررتم الكفر والخلاف له في القلب، وأنتم تعلمون أن الله عالم بما في صدور العالمين؟!

فيخبر رسوله بما أضمروا وأسرّوا من الخلاف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ : قد ذكرنا تأويل هذا: أن يعلم كائناً ما قد علم أنه سيكون، ويعلم موجوداً ظاهراً ما قد علم أنه يوجد ويظهر.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾ : كأنهم قالوا ذلك لهم بعدما عجزوا عن الطعن في الحجج والآيات ما يوجب شبهة فيما عند الناس، وبعدما انقطعوا عن اللجاج فيها والاحتجاج عليها، فلما عجزوا عن ذلك كله فعند ذلك اشتغلوا بما ذكر وقالوا للمؤمنين ما ذكر.

﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا ﴾ أي: ديننا، ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾ يقولون - والله أعلم -: اتبعوا سبيلنا فإنه صواب، فإن أصابكم خطأ أو أخطأتم في الاتباع له فإنا نحمل خطاياكم.

وقال بعضهم: قالوا لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، وإن كان عليكم شيء فهو علينا؛ وهو قريب من الأول.

أو أن يقولوا لهم: اتبعوا سبيلنا؛ فإن الله أمرنا به، فإن أخطأتم في ذلك فإنا نحمل خطاياكم أو نحوه، فهذا القول منهم متناقض؛ لأنهم ذكروا أنهم كانوا يخطئون في الاتباع لهم دينهم، إلا أن يريدوا بذلك ما ذكرنا.

والثاني: إنما كانوا يضمنون ويحملون خطاياهم لا بإذن من له الطلب في الخطايا، ولكن بإذن من عليه ذلك، وذلك لا يصلح الضمان بإذن من عليه.

ثم أخبر أنهم لا يحملون ذلك حيث قال: ﴿ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ فيما يذكرون من حمل خطاياهم، أي: لا يقدرون على حملها.

أو كاذبون في الدعاء إلى اتباع سبيلهم.

أو كاذبون أن الله أمرهم بذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ : يحملون أوزارهم بضلال أنفسهم، وأثقالا بإضلال غيرهم ودعائهم إليه، كقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ ، وذكر في خبر أن نبي الله  قال: "ما من داع دعا إلى هدى فاتبع عليه إلا كان له مثل أجور من اتبعه، ولا ينقص من أجورهم شيء" وقوله: ﴿ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ : قال بعضهم: افتراؤهم: اتخاذهم الأصنام آلهة؛ إذ يكون الافتراء في الفعل والقول جميعاً.

وجائز أن يكون افتراؤهم ما ذكروا من حمل خطئهم أو ما قالوا: إن الله أمرهم بذلك، أو تسميتهم الأصنام التي عبدوها آلهة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وليحملنّ هؤلاء المشركون الداعون إلى باطلهم ذنوبهم التي اقترفوها، وليحملنّ ذنوب من اتبع دعوتهم دون أن ينقص من ذنوب التابعين لهم شيء، وليسألن يوم القيامة عما كانوا يختلقونه في الدنيا من الأباطيل.

<div class="verse-tafsir" id="91.7BrqZ"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله