الآية ١٦ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ١٦ من سورة العنكبوت

وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء : أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، والإخلاص له في التقوى ، وطلب الرزق منه وحده لا شريك له ، وتوحيده في الشكر ، فإنه المشكور على النعم ، لا مسدي لها غيره ، فقال لقومه : ( اعبدوا الله واتقوه ) أي : أخلصوا له العبادة والخوف ، ( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) أي : إذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة ، واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضا يا محمد إبراهيم خليل الرحمن، إذ قال لقومه: اعبدوا الله أيها القوم دون غيره من الأوثان والأصنام، فإنه لا إله لكم غيره، (واتقوه) يقول: واتقوا سخطه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ما هو خير لكم مما هو شرّ لكم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ( وإبراهيم ) قال الكسائي : ( وإبراهيم ) منصوب ب ( أنجينا ) يعني أنه معطوف على الهاء .

وأجاز الكسائي أن يكون معطوفا على نوح والمعنى : وأرسلنا إبراهيم وقول ثالث : أن يكون منصوبا بمعنى : واذكر إبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله أي أفردوه [ ص: 309 ] بالعبادة واتقوه أي اتقوا عقابة وعذابه ذلكم خير لكم أي من عبادة الأوثان إن كنتم تعلمون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يذكر تعالى أنه أرسل خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى قومه، يدعوهم إلى الله، فقال [لهم]: { اعْبُدُوا اللَّهَ } أي: وحِّدوه، وأخلصوا له العبادة، وامتثلوا ما أمركم به، { وَاتَّقُوهُ } أن يغضب عليكم، فيعذبكم، وذلك بترك ما يغضبه من المعاصي، { ذَلِكُمْ } أي: عبادة الله وتقواه { خَيْرٌ لَكُمْ } من ترك ذلك، وهذا من باب إطلاق { أفعل التفضيل } بما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فإن ترك عبادة الله، وترك تقواه، لا خير فيه بوجه، وإنما كانت عبادة الله وتقواه خيرا للناس، لأنه لا سبيل إلى نيل كرامته في الدنيا والآخرة إلا بذلك، وكل خير يوجد في الدنيا والآخرة، فإنه من آثار عبادة الله وتقواه.{ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ذلك، فاعلموا الأمور وانظروا ما هو أولى بالإيثار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ) ( وإبراهيم ) أي : وأرسلنا إبراهيم ، ( إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ) أطيعوا الله وخافوه ( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «إبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه» خافوا عقابه «ذلكم خير لكم» مما أنتم عليه من عبادة الأصنام «إن كنتم تعلمون» الخير من غيره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- إبراهيم عليه السلام حين دعا قومه: أن أخلصوا العبادة لله وحده، واتقوا سخطه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ذلكم خير لكم، إن كنتم تعلمون ما هو خير لكم مما هو شر لكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه ، فقال - تعالى - : ( وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله واتقوه .

.

.

) .ولفظ ( إِبْرَاهِيمَ ) منصوب بفعل مضمر .

أى : واذكر - أيها المخاطب - إبراهيم - عليه السلام - وقت أن قال لقومه : اعبدوا الله - تعالى - وحده ، وصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه ( ذلكم ) الذى أمرتكم به من العبادة والتقوى ( خَيْرٌ لَّكُمْ ) من الشكر ، ومن كل شئ فى هذه الحياة ( إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) أى : إن كنتم من ذوى العلم والفهم بما هو خير وبما هو شر .فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - قد بدأ دعوته لقومه يأمرهم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ، وبالخوف من عقابه ، ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إلى قلوبهم ، ببيان أن إيمانهم خير لهم ، ثم ثلث بتهييج عواطفهم نحو العلم النافع ، الذى يتنافى مع الجهل .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما فرغ من الإشارة إلى حكاية نوح ذكر حكاية إبراهيم وفي إبراهيم وجهان من القراءة أحدهما: النصب وهو المشهور، والثاني: الرفع على معنى ومن المرسلين إبراهيم، والأول: فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بفعل غير مذكور وهو معنى اذكر إبراهيم، والثاني: أنه منصوب بمذكور وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا  ﴾ فيكون كأنه قال وأرسلنا إبراهيم، وعلى هذا ففي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ﴾ ظرف أرسلنا أي أرسلنا إبراهيم إذ قال لقومه لكن قوله: ﴿ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله ﴾ دعوة والإرسال يكون قبل الدعوة فكيف يفهم قوله، وأرسلنا إبراهيم حين قال لقومه مع أنه يكون مرسلاً قبله؟

نقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الإرسال أمر يمتد فهو حال قوله لقومه اعبدوا الله كان مرسلاً، وهذا كما يقول القائل وقفنا للأمير إذ خرج من الدار وقد يكون الوقوف قبل الخروج، لكن لما كان الوقوف ممتداً إلى ذلك الوقت صح ذلك الوجه الثاني: هو أن إبراهيم بمجرد هداية الله إياه كان يعلم فساد قول المشركين وكان يهديهم إلى الرشاد قبل الإرسال، ولما كان هو مشتغلاً بالدعاء إلى الإسلام أرسله الله تعالى وقوله: ﴿ اعبدوا الله واتقوه ﴾ إشارة إلى التوحيد لأن التوحيد إثبات الإله ونفي غيره فقوله: ﴿ اعبدوا الله ﴾ إشارة إلى الإثبات، وقوله: ﴿ واتقوه ﴾ إشارة إلى نفي الغير لأن من يشرك مع الملك غيره في ملكه يكون قد أتى بأعظم الجرائم، ويمكن أن يقال: ﴿ اعبدوا الله ﴾ إشارة إلى الإتيان بالواجبات، وقوله: ﴿ واتقوه ﴾ إشارة إلى الامتناع عن المحرمات ويدخل في الأول الاعتراف بالله، وفي الثاني الامتناع من الشرك، ثم قوله: ﴿ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يعني عبادة الله وتقواه خير، والأمر كذلك لأن خلاف عبادة الله تعالى تعطيل وخلاف تقواه تشريك وكلاهما شر عقلاً واعتباراً، أما عقلاً فلأن الممكن لابد له من مؤثر لا يكون ممكناً قطعاً للتسلسل وهو واجب الوجود فلا تعطيل إذ لنا إله، وأما التشريك فبطلانه عقلاً وكون خلافه خيراً وهو أن شريك الواجب إن لم يكن واجباً فكيف يكون شريكاً وإن كان واجباً لزم وجود واجبين فيشتركان في الوجوب ويتباينان في الإلهية، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيلزم التركيب فيهما فلا يكونان واجبين لكونهما مركبين فيلزم التعطيل، وأما اعتباراً فلأن الشرف لن يكون ملكاً أو قريب ملك، لكن الإنسان لا يكون ملكاً للسموات والأرضين فأعلى درجاته أن يكون قريب الملك لكن القربة بالعبادة كما قال تعالى: ﴿ واسجد واقترب  ﴾ .

وقال: لن يتقرب المتقربون إليّ بمثل أداء ما افترضت عليهم وقال: لا يزال العبد يتقرب بالعبادة إلي فالمعطل لا ملك ولا قريب ملك لعدم اعتقاده بملك فلا مرتبة له أصلاً، وأما التشريك فلأن من يكون سيده لا نظير له يكون أعلى رتبة ممن يكون سيده له شركاء خسيسة، فإذن من يقول إن ربي لا يماثله شيء أعلى مرتبة ممن يقول سيدي صنم منحوت عاجز مثله، فثبت أن عبادة الله وتقواه خير وهو خير لكم أي خير للناس إن كانوا يعلمون ما ذكرناه من الدلائل والاعتبارات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

نصب ﴿ إِبْرَاهِيمَ ﴾ بإضمار اذكر، وأبدل عنه ﴿ إِذْ ﴾ بدل الاشتمال؛ لأنّ الأحيان تشتمل على ما فيها.

أو هو معطوف على ﴿ نُوحاً ﴾ وإذ ظرف لأرسلنا، يعني: أرسلناه حين بلغ من السنّ والعلم مبلغاً صلح فيه لأن يعظ قومه وينصحهم ويعرض عليهم الحق ويأمرهم بالعبادة والتقوى وقرأ إبراهيم النخعي وأبو حنيفة رحمهما الله.

(وإبراهيم)، بالرفع على معنى: ومن المرسلين إبراهيم ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يعني: إن كان فيكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم.

أو إن نظرتم بعين الدراية المبصرة دون عين الجهل العمياء: علمتم أنه خير لكم وقرئ: ﴿ تخلقون من خلق ﴾ بمعنى التكثير في خلق.

وتخلقون، من تخلق بمعنى تكذب وتخرص.

وقرئ: ﴿ إفكاً ﴾ ، و فيه وجهان: أن يكون مصدراً، نحو: كذب ولعب.

والإفك: مخفف منه، كالكذب واللعب من أصلهما، وأن يكون صفة على فعل، أي خلقاً إفكا، أي ذا إفك وباطل.

واختلاقهم الإفك: تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله أو شفعاء إليه.

أو سمى الأصنام: إفكا، وعملهم لها ونحتهم: خلقاً للإفك.

فإن قلت: لم نكر الرزق ثم عرفه؟

قلت: لأنه أراد لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق، فابتغوا عند الله الرزق كله.

فإنه هو الرزاق وحده لا يرزق غيره ﴿ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وقرئ: بفتح التاء، فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه، وإن تكذبونني فلا تضرونني بتكذيبكم، فإنّ الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضرّوهم وإنما ضروا أنفسهم، حيث حلّ بهم ما حل بسبب تكذيب الرسل: وأما الرسول فقد تم أمره حين بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشكّ، وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته.

أو: وإن كنت مكذباً فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء أسوة وسلوة حيث كذبوا، وعلى الرسول أن يبلغ وما عليه أن يصدق ولا يكذب، وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾ محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم صلوات الله عليه لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأن قريش بين أوّل قصة إبراهيم وآخرها.

فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم فما المراد بالأمم قبله؟

قلت: قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمّة في معنى أمم جمة مكذبة، ولقد عاش إدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمّة في معنى أمم جمة مكذبة، ولقد عاش إدريس ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء.

وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه، وأعقابهم على التكذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإبْراهِيمَ ﴾ عُطِفَ عَلى ( نُوحًا ) أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمَ.

﴿ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ ظَرْفٌ لَأرْسَلْنا أيْ أرْسَلْناهُ حِينَ كَمُلَ عَقْلُهُ وتَمَّ نَظَرُهُ بِحَيْثُ عَرَفَ الحَقَّ وأمَرَ النّاسَ بِهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ إنْ قُدِّرَ بِاذْكُرْ.

﴿ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الخَيْرَ والشَّرَّ وتُمَيِّزُونَ ما هو خَيْرٌ مِمّا هو شَرٌّ، أوْ كُنْتُمْ تَنْظُرُونَ في الأُمُورِ بِنَظَرِ العِلْمِ دُونَ نَظَرِ الجَهْلِ.

﴿ إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ وتَكْذِبُونَ كَذِبًا في تَسْمِيَتِها آلِهَةً وادِّعاءَ شَفاعَتِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ تَعْمَلُونَها وتَنْحِتُونَها لِلْإفْكِ وهو اسْتِدْلالٌ عَلى شَرارَةِ ما هم عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ زُورٌ وباطِلٌ، وقُرِئَ «تَخْلُقُونَ» مِن خَلَقَ لِلتَّكْثِيرِ و «تُخَلِّقُونَ» مِن تَخَلَّقَ لِلتَّكَلُّفِ، و «إفْكًا» عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالكَذِبِ أوْ نَعْتٌ بِمَعْنى خَلْقًا ذا إفْكٍ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا ﴾ دَلِيلٌ ثانٍ عَلى شَرارَةِ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُجْدِي بِطائِلٍ، و ( رِزْقًا ) يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ بِمَعْنى لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرْزُقُوكم وأنْ يُرادَ المَرْزُوقُ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْمِيمِ.

﴿ فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ﴾ كُلَّهُ فَإنَّهُ المالِكُ لَهُ.

﴿ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ ﴾ مُتَوَسِّلِينَ إلى مَطالِبِكم بِعِبادَتِهِ مُقَيَّدِينَ لِما حَفَّكم مِنَ النِّعَمِ بِشُكْرِهِ، أوْ مُسْتَعِدِّينَ لِلِقائِهِ بِهِما، فَإنَّهُ: ﴿ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإبراهيم} نصب بإضمار اذكر وأبدل عنه {إِذْ قَالَ} بدل اشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أو معطوف على نوح أي وأرسلنا ابراهيم أو ظرف لأرسلنا يعني أرسلناه حين بلغ من السن أو العلم مبلغاً صلح فيه لأن يعظ قومه ويأمرهم بالعبادة

والتقوى وقرأ إبراهيم النخعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما ابراهيم بالرفع على معنى ومن المرسلين إبراهيم {لِقَوْمِهِ اعبدوا الله واتقوه ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ} من الكفر {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} إن كان لكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإبْراهِيمَ ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا ضَيْرَ في اخْتِلافِهِما خَبَرًا وإنْشاءً وإذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ لِأنَّ الأحْيانَ تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيها، وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ إذْ لا تَتَصَرَّفُ فَلا تَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ والبَدَلِيَّةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ إذْ إنْ كانَتْ ظَرْفًا لِما مَضى لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ اذْكُرْ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَقَعُ في الماضِي فَلا يَجُوزُ قُمْ أمْسِ، وإذا خُلِعَتْ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ الماضَوِيَّةِ وتُصُرِّفَ فِيها جازَ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ومَعْمُولًا لِـ اذْكُرْ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأرْسَلْنا إبْراهِيمَ فَإذْ حِينَئِذٍ ظَرْفٌ لِلْإرْسالِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ أرْسَلْناهُ حِينَ تَكامَلَ عَقْلُهُ وقَدَرَ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وتَرَقّى مِن رُتْبَةِ الكَمالِ إلى دَرَجَةِ التَّكْمِيلِ حَيْثُ تَصَدّى لِإرْشادِ الخَلْقِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، وهَذا عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِما أنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ في حَيِّزِ إذْ إنَّما كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما راهَقَ قَبْلَ الإرْسالِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ  ﴾ إلَخْ إذا كانَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ كالنَّصِّ في أنَّ القَوْلَ المَحْكِيَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ الإرْسالِ وفي الحَواشِي السَّعْدِيَّةِ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى دَفْعِ ما عَسى أنْ يُقالَ: الدَّعْوَةُ تَكُونُ بَعْدَ الإرْسالِ والمَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ تَقَدُّمُها عَلَيْهِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الدَّعْوَةِ ما هو نَتِيجَةُ الإرْسالِ بَلْ ما هو نَتِيجَةُ كَمالِ العَقْلِ وتَمامِ النَّظَرِ، مَعَ أنَّ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى تَقَدُّمِها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ فَفي الوَقْتِ سِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَصْدُ هو الدَّلالَةَ عَلى مُبادَرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلِامْتِثالِ اهـ فَتَدَبَّرْ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ، وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِالعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ أنْجَيْناهُ وهو كَما تَرى، والأوْفَقُ بِما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ تَعالى: (وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا) [الأعْرافِ: 85، هُودٍ: 84، العَنْكَبُوتِ: 36] أنْ يَكُونَ النَّصْبُ بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ، والنَّخَعِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وإبْراهِيمُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمُ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ومِمّا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ إبْراهِيمُ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ومِمَّنْ أنْجَيْنا إبْراهِيمُ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ وما بَعْدُ عَلَيْهِ، ويَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ المَحْذُوفُ ﴿ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحْدَهُ ﴿ واتَّقُوهُ ﴾ أنْ تُشْرِكُوا بِهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ العِبادَةِ والتَّقْوى ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِن كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ خَيْرِيَّةٌ أوْ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ الخَيْرِيَّةِ فِيهِ عَلى زَعْمِكُمْ، ويَجُوزُ كَوْنُ خَيْرٌ صِفَةً لا اسْمَ تَفْضِيلٍ ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أيِ الخَيْرَ والشَّرَّ وتُمَيِّزُونَ أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَإنَّ ذَلِكَ كافٍ في الحُكْمِ بِخَيْرِيَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ العِبادَةِ والتَّقْوى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِبْراهِيمَ يعني: وأرسلنا إبراهيم عطفاً على قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً ويقال: معناه واذكر إبراهيم إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ يعني: وحدوا الله عز وجل، وَاتَّقُوهُ يعني: اخشوه ولا تعصوه ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: التوحيد وعبادة الله عز وجل خير من عبادة الأوثان إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

قوله عز وجل: إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً يعني: أصناما وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً يعني: تعملونها بأيديكم، ثم تقولون إنها آلهة، ويقال: تتخذونها آلهة كذباً ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهي الأصنام لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً يعني: لا يقدرون أن يعطوكم مالاً، ولا يقدرون أن يرزقوكم.

ثمّ قال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ يعني: الله عزّ وجل هو الذي يملك رزقكم، فاطلبوا الرزق من الله عز وجل: وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ أي: وحدّوه واشكروا له في النعم، فإن مصيركم إليه وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بعد الممات.

قال الله عزّ وجلّ للنبي  : قل لأهل مكة وَإِنْ تُكَذِّبُوا بما أخبرتكم من قصة نوح وإبراهيم عليهما السلام فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني: كذبوا رسلهم وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ يعني: إلا أن يبلغ الرسالة، ويبين أمر العذاب.

ويقال: إلا أن يبلغ الرسالة، ويبين مراد الرسالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ...

الآية، العطفُ بالفاءِ يقتضي ظاهرُه أنه لَبِثَ هذه المدةَ رسولاً يدعو إلى عبادة الله تعالى، والطُّوفانُ:

العظيمُ الطامي، ويقال ذلك لكل طامٍ خَرَجَ عن العادة من ماء، أو نار، أو موت.

وقوله: وَهُمْ ظالِمُونَ يريد: بالشرك.

ثم ذكر تعالى قصةَ إبراهيم عليه السلام وقومِه، وذلك أيضاً تمثيل لقريش.

وقوله تعالى: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً قال ابن عباس «١» : هو نحت الأصنام.

وقال مجاهد «٢» : هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)

وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...

الآية، هذه الحالةُ هي على ما يظهر مع الأحيان من إحياءِ الأرض، والنبات وإعادته ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور، ثم أمر تعالى نبيّه محمّدا صلى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أن يكون إبراهيم عليه السلام بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج، بالسير في الأرضِ، والنظر في أقطارها، والنَّشْأَةَ الْآخِرَةَ: نشأةُ القيام من القبور.

وقوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ...

الآية، قال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإبْراهِيمَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى نُوحٍ، والمَعْنى: أرْسَلْنا إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ اللَّهِ ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم مِمّا هو شَرٌّ لَكُمْ؛ والمَعْنى: ولَكِنَّكم لا تَعْلَمُونَ.

﴿ إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: " إنَّما " في هَذا المَوْضِعِ حَرْفٌ واحِدٌ، ولَيْسَتْ عَلى مَعْنى " الَّذِي "، وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ مَرْدُودٌ عَلى " إنَّما "، كَقَوْلِكَ: إنَّما تَفْعَلُونَ كَذا، وإنَّما تَفْعَلُونَ كَذا.

وقالَ مُقاتِلٌ: الأوْثانُ: الأصْنامُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: واحِدُها وثَنٌ، وهو ما كانَ مِن حِجارَةٍ أوْ جَصٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " وتَخْتَلِقُونَ " بِزِيادَةِ تاءٍ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَخْتَلِقُونَ كَذِبًا في زَعْمِكم أنَّها آلِهَةٌ.

والثّانِي: تَصْنَعُونَ الأصْنامَ؛ والمَعْنى: تَعْبُدُونَ أصْنامًا أنْتُمْ تَصْنَعُونَها.

ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَرْزُقُوكم ﴿ فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ﴾ أيْ: فاطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُكَذِّبُوا ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ ﴿ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ والمَعْنى: فَأُهْلِكُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أوثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " إبْراهِيمَ " مَعْطُوفًا عَلى " نُوحٍ "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَمِيرِ في "أنْجَيْناهُ"، ويَجُوزُ أنْ يَنْصِبَهُ فِعْلٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إبْراهِيمَ.

وهَذِهِ القِصَّةُ أيْضًا تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، وكانَ نَمْرُوذُ وأهْلُ مَدِينَتِهِ عَبَدَةُ أصْنامٍ، فَدَعاهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، ثُمْ قَرَّرَ لَهم ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَلالِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَخْلُقُونَ إفْكًا"، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْر ، وفُضَيْلٌ: "أفَكا" عَلى وزْنِ (فَعَلَ)، وهو مَصْدَرٌ كالكَذِبِ والضَحِكِ ونَحْوِهِ، واخْتَلَفَ في مَعْنى "تَخْلُقُونَ"، فَقِيلَ: هو نَحْتُ الأصْنامِ وخَلْقُها.

سَمّاها إفْكًا تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ يَفْتَرُونَ بِها الإفْكَ في أنَّها آلِهَةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو اخْتِلاقُ الكَذِبِ في أمْرِ الأوثانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ، وعَوْنُ العُقَيْلِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: "وَتَخَلَّقُونَ إفْكًا" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ اللامِ وفَتْحِها، و"الإفْكُ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- الكَذِبُ.

ثُمْ وقَّفَهم عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِأمْرٍ يَفْهَمُهُ عامَّتُهم وخاصَّتُهُمْ، وهو أمْرُ الرِزْقِ، فَقَرَّرَ أنَّ الأصْنامَ لا تُرْزَقُ، وأمْرُ الخَيْرِ عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وخَصَّصَ الرِزْقَ لِمَكانَتِهِ مِنَ الخَلْقِ، فَهو خَيْرٌ يَدُلُّ عَلى جِنْسِهِ كُلِّهِ.

ويُقالُ: شَكَرْتُ لَكَ، وشَكَرْتُكَ، بِمَعْنًى واحِدٍ.

ثُمْ أخْبَرَهم بِالمَعادِ والحَشْرِ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقل من خبر نوح إلى خبر إبراهيم لمناسبة إنجاء إبراهيم من النار كإنجاء نوح من الماء.

وفيه تنبيه إلى عظم القدرة إذ أنجت من الماء ومن النار.

و ﴿ إبراهيم ﴾ عطف على ﴿ نوحاً ﴾ [العنكبوت: 14].

والتقدير: وأرسلنا إبراهيم.

و ﴿ إذ ﴾ ظرف متعلق ب (أرسلنا) المقدَّر، أي في وقت قوله لقومه ﴿ اعبدوا الله ﴾ الخ وهو أول زمن دعوته.

واقتضى قوله ﴿ اعبدوا الله ﴾ أنهم لم يكونوا عابدين لله أصلاً.

وجملة ﴿ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ تعليل للأمر بعبادة الله.

وقد أجمل الخبر في هذه الجملة وفُصل بقوله ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ إن كنتم تعلمون أدلة اختصاص الله بالإلهية فمفعول العلم محذوف لدلالة ما قبله عليه.

ويجوز جعل فعل ﴿ تعلمون ﴾ منزلاً منزلة اللازم، أي إن كنتم أهل علم ونظر.

وجملة ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ تعليل لجملة ﴿ اعبدوا الله ﴾ .

وقَصْرُهم على عبادة الأوثان يجوز أن يكون قصراً على عبادتهم الأوثان، أي دون أن يعبدوا الله فهو قصر حقيقي إذ كان قوم إبراهيم لا يعبدون الله فالقصر منصب على قوله ﴿ من دون الله ﴾ أي إنما تعبدون غير الله وبذلك يكون ﴿ من دون الله ﴾ حالاً من ﴿ أوثاناً ﴾ ، أي حال كونها معبودة من دون الله، وهذا مقابل قوله ﴿ اعبدوا الله ﴾ دون أن يقول لهم: لا تعبدوا إلا الله؛ لكن قوم إبراهيم قد وصفوا بالشرك في قوله تعالى في سورة [الأنعام: 78] ﴿ قال يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ فهم مثل مشركي العرب، فالقصر منصب على عبادتهم الموصوفة بالوثنية، أي ما تعبدون إلا صُوراً لا إدراك لها، فيكون قصر قلب لإبطال اعتقادهم إلهية تلك الصور كما قال تعالى ﴿ قال أتعبدون ما تنحتون ﴾ [الصافات: 95].

وعلى كلا الوجهين يتخرج معنى قوله ﴿ من دون الله ﴾ فإن ﴿ دون ﴾ يجوز أن تكون بمعنى (غير) فتكون ﴿ من ﴾ زائدة، والمعنى: تعبدون أوثاناً غير الله.

ويجوز أن تكون كلمة ﴿ دون ﴾ اسماً للمكان المباعد فهي إذن مستعارة لمعنى المخالفة فتكون ﴿ من ﴾ ابتدائية، والمعنى: تعبدون أوثاناً موصوفة بأنها مخالفة لصفات الله.

والأوثان: جمع وثن بفتحتين، وهو صورة من حجر أو خشب مجسمة على صورة إنسان أو حيوان.

والوثن أخص من الصنم لأن الصنم يطلق على حجارة غير مصورة مثل أكثر أصنام العرب كصنم ذي الخلصة لخثعم، وكانت أصنام قوم إبراهيم صوراً قال تعالى ﴿ قال أتعبدون ما تنحتون ﴾ [الصافات: 95].

وتقدم وصف أصنامهم في سورة الأنبياء.

و ﴿ تخلُقون ﴾ مضارع خلق الخبر، أي اختلقه، أي كذبه ووضعه، أي وتضعون لها أخباراً ومناقب وأعمالا مكذوبة موهومة.

والإفك: الكذب.

وتقدم في قوله ﴿ إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ﴾ في سورة [النور: 11].

وجملة ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً ﴾ إن كان قوم إبراهيم يعترفون لله تعالى بالإلهية والخلق والرزق ولكنهم يجعلون له شركاء في العبادة ليكونوا لهم شفعاء كحال مشركي العرب تكون الجملة تعليلاً لجملة ﴿ اعبدوا الله واتقوه ﴾ أي هو المستحق للعبادة التي هي شكر على نعمه، وإن كان قومه لا يثبتون إلهية لغير أصنامهم كانت جملة ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله ﴾ مستأنفة ابتدائية إبطالاً لاعتقادهم أن آلهتهم ترزقهم، ويرجح هذا الاحتمال التفريعُ في قوله ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ .

وقد تقدم في سورة الشعراء التردد في حال إشراك قوم إبراهيم وكذلك في سورة الأنبياء.

وتنكير ﴿ رِزقاً ﴾ في سياق النفي يدل على عموم نفي قدرة أصنامهم على كل رزق ولو قليلاً.

وتفريع الأمر بابتغاء الرزق من الله إبطال لظنهم الرزق من أصنامهم أو تذكير بأن الرازق هو الله، فابتغاء الرزق منه يقتضي تخصيصه بالعبادة كما دل عليه عطف ﴿ واعبدوه واشكروا له ﴾ .

وقد سلك إبراهيم مسلك الاستدلال بالنعم الحسية لأن إثباتها أقرب إلى أذهان العموم.

و ﴿ عند ﴾ ظرف مكان وهو مجاز.

شبّه طلب الرزق من الله بالبحث عن شيء في مكان يختص به فاستعير له ﴿ عند ﴾ الدالة على المكان المختص بما يضاف إليه الظرف.

وعُدّي الشكر باللام جرياً على أكثر استعماله في كلام العرب لقصد إفادة ما في اللام من معنى الاختصاص أي الاستحقاق.

ولام التعريف في ﴿ الرزق ﴾ لام الجنس المفيدة للاستغراق بمعونة المقام، أي فاطلبوا كل رزق قلّ أو كثر من الله دون غيره.

والمعرّف بلام الجنس في قوة النكرة فكأنه قيل: فابتغوا عند الله رزقاً، ولذلك لم تكن إعادة لفظ الرزق بالتعريف مقتضية كونه غير الأول، فلا تنطبق هنا قاعدة النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى.

وجملة ﴿ إليه ترجعون ﴾ تعليل للأمر بعبادته وشكره، أي لأنه الذي يجازي على ذلك ثواباً وعلى ضده عقاباً إذ إلى الله لا إلى غيره مرجعكم بعد الموت.

وفي هذا إدماج تعليل بالعبادة بإثبات البعث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِالِانْقِطاعِ إلى الدُّنْيا، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالإعْراضِ عَنْها.

الثّانِي: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِالحِرْصِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالقَناعَةِ.

الثّالِثُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِسُوءِ الخُلُقِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِحُسْنِ الخُلُقِ.

الرّابِعُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِبُغْضِ النّاسِ لَهُ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِحُبِّهِمْ لَهُ.

الخامِسُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِمُتابَعَةِ البِدْعَةِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِمُلازَمَةِ السُّنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ قال: أصناماً ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تصنعون أصناماً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تنحتون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تصنعون كذباً.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كيف يُبْدِئ الله الخلق ثم يعيده ﴾ قال: يبعثه.

وفي قوله: ﴿ فانظروا كيف بدأ الخلق ﴾ قال: خلق السموات والأرض ﴿ ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ﴾ قال: البعث بعد الموت.

وفي قوله: ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ قال: قوم إبراهيم.

وفي قوله: ﴿ فأنجاه الله من النار ﴾ قال: قال كعب ما أحرقت النار منه إلا وثاقه.

وفي قوله: ﴿ قال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ﴾ قال: اتخذوها لثوابها في الحياة الدنيا ﴿ ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ﴾ قال: صارت كل خلة في الدنيا عداوة على أهلها يوم القيامة إلا خلة المتقين.

وفي قوله: ﴿ فآمن له لوط ﴾ قال: فصدقة لوط ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: هاجرا جميعاً من كوثي: وهي من سواد الكوفة إلى الشام.

وفي قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: عافية وعملاً صالحاً وثناء حسناً، فلست تلقى أحداً من أهل الملل إلا يرضى إبراهيم يتولاه.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وتخلقون افكا ﴾ خفيفتين وقرأ ﴿ اوثاناً مودة ﴾ منصوبة منونة ﴿ بينكم ﴾ نصب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جبلة بن سحيم قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن صلاة المريض على العود قال: لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثاناً.

إن استطعت أن تصلي قائماً، وإلا فقاعداً، وإلا فمضطجعاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ النشأة الآخرة ﴾ قال: هي الحياة بعد الموت: وهو النشور.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فآمن له لوط ﴾ قال: صدق لوط إبراهيم عليهما السلام.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: هو إبراهيم عليه السلام القائل إني مهاجر إلى ربي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: إلى حران.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج، مثله.

وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: إلى الشام كان مهاجر.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيهاجر خيار أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط» .

وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: هاجر عثمان إلى الحبشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط» .

وأخرج ابن عساكر والطبراني والحاكم في الكنى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان بين عثمان ورقية وبين لوط من مهاجر» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان كما هاجر لوط إلى إبراهيم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب ﴾ قال: هما ولدا إبراهيم.

وفي قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: إن الله رضي أهل الأديان بدينه، فليس من أهل دين إلا وهم يتولون إبراهيم ويرضون به.

وأخرج ابن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: الثناء.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: الولد الصالح والثناء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ﴾ قال الزجاج: المعنى: وأرسلنا إبراهيم، عطفًا على نوح (١) ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ﴾ قال ابن عباس: أطيعوا الله وخافوه.

وقال مقاتل: وحدوا الله واخشوه ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ يعني: عبادة الله خير لكم من عبادة الأوثان ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ولكنكم لا تعلمون (٢) (٣) (١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 164.

(٢) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(٣) "تنوير المقباس" 333.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً ﴾ يحتمل أن يعود الضمير على السفينة، أو على النجاة، أو على القصة بكاملها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أولم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل ﴿ النشاءة ﴾ بفتح الشين بعدها ألف ممدودة حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ مودّة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالجر على الإضافة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وابو زيد عن المفضل ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالفتح: الشموني والبرجمي.

﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ على الإضافة: حمزة وحفص.

الباقون: ﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ بالفتح ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إنكم ﴾ بهمز واحد ﴿ أينكم ﴾ بهمزة بعدها ياء: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب.

زيد: مثله.

بزيادة مدّة في الثانية: يزيد وقالون كلاهما مثل هذه الثانية أبو عمرو.

والأولى بهمزة واحدة الثانية بهمزتين: ابن عامر وحفص هشام يدخل بينهما مدَّة.

الباقون بهمزتين فيهما ﴿ أئنكم ﴾ كنظائره.

﴿ وللننجينه ﴾ بسكون النون من الإنجاء: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ سيء بهم ﴾ كما ذكر في "هود" و ﴿ منجوك ﴾ من الإنجاء: ابن كثير ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ منزلون ﴾ بالتشديد: ابن عامر و ﴿ ثمود ﴾ غير مصروف في الحالين: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ افكاً ﴾ ط ﴿ واشكروا له ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ج للعطف مع الاختلاف بالإثبات والنفي ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يعيده ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ من يشاء ﴾ ط لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ تقلبون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أوثاناً ﴾ ج لمن قرأ ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ الدنيا ﴾ ج لاختلاف الجملتين والفصل بين تباين الدارين ﴿ بعضاً ﴾ ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقصود ﴿ من ناصرين ﴾ 5 قيل: لا وقف لتعليق الفاء ﴿ لوط ﴾ م لأن قوله ﴿ وقال ﴾ فاعله ﴿ إبراهيم ﴾ ولو وصل لأوهم اتحاد الفاعل ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للابتداء بأن مع واو العطف ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الفاحشة ﴾ ز لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً أو وصفاً ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط لانتهاء الخطاب لابتداء الجواب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بالبشرى ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ القرية ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال التعليل.

﴿ ظالمين ﴾ ه وقد يوصل دلالة على تدارك إبراهيم ﴿ لوطاً ﴾ ط ﴿ بمن فيها ﴾ ج لأن لام التوكيد تقتضي قسماً أي والله لننجينه مع تمام المقصود في التنجية ﴿ إلا امرأته ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً في النظم ولكنه حال المرأة لأن المستثنى مشبه بالمفعول أي يستثنى امرأته كائنة من الغابرين ﴿ ولا تحزن ﴾ ط فصلاً بين البشارتين وتوفيراً للفرح ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ شعيباً ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لأن ﴿ عاداً ﴾ يحتمل أن يكون منصوباً بـ ﴿ ـأخذتهم ﴾ أو بمحذوف أي واذكر وهذا أوجه لأن قوله ﴿ وقد تبين ﴾ حال ولا يحسن أن يكون عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ والأوجه انتصابه بمحذوف وهو "أذكر" أو أهلكنا.

﴿ مساكنهم ﴾ ط لأن التقدير مقدرين وعامله فأخذتهم ﴿ مستبصرين ﴾ ه ج للعطف ﴿ وهامان ﴾ يحتمل عندي الوقف وقيل: لا بناء على أن قوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ حال عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ .

﴿ سابقين ﴾ ه لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ بذنبه ﴾ ط وكذلك ﴿ حاصباً ﴾ ط ﴿ وأخذته الصيحة ﴾ ط ﴿ وخسفنا به الأرض ﴾ ط ﴿ وأغرقنا ﴾ ط لعطف الجمل والوقف أوجه تفصيلاً لأنواع النقم وإمهالاً لفرصة الاعتبار ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ بيتاً ﴾ ط ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن وهن بيت العنكبوت معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه.

التفسير: قوله ﴿ وإبراهيم ﴾ منصوب بمضمر وهو "اذكر".

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل منه بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أي اذكر وقت قوله لقومه، وجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ نوحاً ﴾ فأورد عليه أن الإرسال قبل الدعوة فكيف يكون وقت الدعوة ظرفاً للإرسال؟

وأجيب بأن الإرسال أمر ممتد إلى أوان الدعوة أو المراد أرسلناه حين كان صالحاً لأن يقول لقومه اعبدوا الله خصوه بالعبادة واتقوا مخالفته.

﴿ ذلكم ﴾ الإِخلاص والتقوى ﴿ خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أما العبادة فلأنها غاية الخضوع فلا تصلح إلا لمن هو في غاية الكمال فضلاً عن الجماد، وأما اتقاء خلافه فلأن من قدر على إهلاك الماضين فهو قادر على إهلاك الباقين وتعذيبهم إذا عصوه، فالعاقل من يحذر خلاف القادر.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ أن الذي يعبدونه في غاية الخسة لأنه صنم لا روح له، ولا ظلم أشنع من وضع الأخس موضع الاشرف.

وبين بقوله ﴿ وتخلقون افكاً ﴾ أن الذين يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله كذب وزور، ثم ذكرهم أنهم لا يقدرون على نفع ولا على إيصال رزق أيّ رزق كان.

ثم أشار بقوله ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ إلى أن هذه الهبة والرزق الموعود في قوله ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ يجب أن يطلب من الله فقط، وإذا كان الرزق منه فالشكر يجب أن يكون له.

ثم بين بقوله ﴿ إليه ترجعون ﴾ أن المعاقب والمثيب هو وحده فلا رهبة إلا منه ولا رغبة إلا فيه.

ثم إن قوله ﴿ وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ إلى قوله ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ إن كان اعتراضاً خطاباً لكفار قريش فظاهر، وإن كان تتمة قول إبراهيم فالأمم المتقدمة عليه إما قوم نوح وقوم إدريس وقوم شيث وقوم آدم، وإما قوم نوح وحده.

وعبر عن أمته بالأمم لأنه عاش ألف سنة وأكثر فمضت عليه القرون، وكان كل قرن يوصون من بعدهم من الأبناء أن يكذبوا نوحاً والبلاغ ذكر المسائل والإبانة وإقامة البرهان عليه، وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإلا لم يكن البلاغ مبيناً.

وحين بين التوحيد والرسالة شرع في بيان المعاد فإِن هذه الأصول الثلاثة لا تكاد تنفصل في الذكر الإِلهي فقال ﴿ أولم يروا ﴾ أي ألم يعلموا بالبرهان النير القائم مقام الرؤية ﴿ كيف يبدئ الله الخلق ﴾ ثم يعيده.

أما إبداء الخلق المطلق فلأن المخلوق لا بد له من خالق أوّل تنتهي إليه سلسلة المخلوقات، وأما خلق الإنسان بل كيفيته فإنه كالمشاهد المحسوس فإنا نرى النطفة وقعت في الرحم فدارت عليها الأطوار حتى حصلت خلقاً آخر.

وأما الإعادة فلأنها أهون في القياس العقلي ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ وحين اشار إلى العلم الحدسي الحاصل من غير طلب أمر نبينا  أو حكى إبراهيم قول ربه له ﴿ قل سيروا في الأرض ﴾ أي إن لم يحصل لكم الحدس المذكور فسيروا في أقطار الأرض وتفكروا في كيفية تكوّن المواليد الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان.

حتى يفضى بكم النظر إلى العيان؛ فالآية الأولى إشارة إلى ما هو كالمركوز في الأذهان ولهذا قال بطريق الاستفهام ﴿ أولم يروا ﴾ الآية الثانية أمر بالنظر المؤدي إلى العلم والإيقان على تقدير عدم حضور ذلك البيان والعيان.

وإنما قال أوّلاً ﴿ كيف يبدئ ﴾ بلفظ المستقبل وثانياً ﴿ كيف بدأ ﴾ بلفظ الماضي، لأن العلم الحدسي حاصل في كل حال، وأما العلم الاستقرائي فلا يفيد اليقين إلا فيما شاهد وتتبع فكأنه قيل: إن لم يحصل لكم العلم بأن الله في كل حال موصوف بالإبداء والإعادة فانظروا في أصناف المخلوقات حتى تعرفوا أنه كيف بدأها ثم تستدلوا من ذلك على أنه ينشئها النشأة الثانية، فهذا عطف على المعنى كأنه قال: وانظروا كيف بدأ هذا.

وتكلف جار الله فقال: هو معطوف على جملة قوله ﴿ أولم يروا ﴾ كما قال قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ إخبار على حياله وليس بمعطوف على ﴿ يبدئ ﴾ ثم في إقامة اسم الله مقام الضمير في قوله ﴿ ثم الله ينشئ النشأة ﴾ إشارة إلى أنه لا يقدر على هذه النشأة إلا المعبود الكامل الذات المتصف بالعلم والحياة وبسائر نعوت الجلال.

وحين ذكر دلائل الأنفس والآفاق صرح بالنتيجة الكلية فقال ﴿ إن الله على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ وكذا على التكليف والجزاء تقريره قوله ﴿ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ﴾ يقال: قلب فلان في مكانه إذا اردى.

وفي الآية لطائف منها: أنه قدم التعذيب على الرحمة مع قوله "سبقت رحمتي غضبي" لأن الآية مسوقة لتهديد المكذبين ومع ذلك لم يخل الكلام عن ذكر الرحمة وإنه يؤكد قوله "سبقت رحمتي غضبي" ومنها أنه لم يقل يعذب الكافر ويرحم المؤمن إظهاراً للهيبة الإلهية.

ومنها أنه قال أوّلا ﴿ وإليه ترجعون ﴾ ثم أعاده ههنا لأن التعذيب والرحمة قد يكونان عاجلين وكأنه قال: وإن تأخر ثوابكم وعقابكم فإن إلينا إيابكم وعلينا حسابكم وعندنا يدّخر لكم ذلك فلا تظنوا فواته يؤكده قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ وفيه أن الانقلاب إليه لا منه، وذلك أن الإعجاز إما بالهرب وإما مع الثبات وقد نفى الأول بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ﴾ أي لو هبطتم إلى موضع السمك في الماء أو صعدتم إلى محل السماك في السماء لم تخرجوا من قبضة قدرة الله.

وقدّم الأرض على السماء لأن السماء أبعد وأفسح أي إن هربتم من حكمه وقضائه في الأرض الفسيحة أو في السماء التي هي أفسح منها وأبعد فإنكم لا تفوتون الله، والمراد لا تعجزونه كيفما هبطتم في أعماق الأرض أو علوتم إلى البروج المشيدة الذاهبة في السماء كقوله ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة  ﴾ أو اراد لا تعجزون بلاءه الظاهر في الأرض أو النازل من السماء.

وجوّز بعضهم أن يراد وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا في السماء بحذف الموصول، واقتصر في الشورى على قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض  ﴾ لأنه خطاب للمؤمنين.

ونفى الثاني بقوله ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ لأن الركن الشديد الذي يستند إليه إما وليّ يشفع أو ناصر يدفع، والأول أسهل الطيرقين فلذلك قدم الوليّ على النصير.

ثم خص الوعيد بالكافرين بآياته أي بدلائل الوحداينة وبالكتب والمعجزات.

وفي زيادة قوله ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أن اليأس من الرحمة منحصر فيهم لقوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ ونسبة اليأس إليهم إمّا على سبيل الإخبار عن حالهم يوم القيامة، أو على سبيل وصف الحال، فإن وصف المؤمن أن يكون راجياً خاشياً ونعت الكافر أن لا يخطر بباله خوف ولا رجاء بل يكون خائفاً كما قيل: الخائن خائف.

وجوز في الكشاف أن يكون على طريقة التشبيه كأنه يشبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من رحمة الله.

ولعله ذهب إلى هذا التشبه لأن اليأس من رحمة الله متوقف على الاعتراف بالله وبرحمته والكافر غير معترف بواحد من الأمرين.

ثم بين بتكرير أولئك في قوله ﴿ وأولئك لهم عذاب أليم ﴾ أن كل واحد من الوعيدين لا يوجد إلا فيهم وإن كان الوعيدان متلازمين في الحقيقة.

ثم حكى أن جواب قوم إبراهيم لم يكن إلا أن قالوا فيما بينهم أو قال واحد ورضي به الباقون ﴿ اقتلوه ﴾ بالسيف ونحوه ﴿ أو حرقوه ﴾ بالنار وهذا ليس جواباً في الحقيقة ولكنه كقولهم "عتابك السيف".

وفيه بيان جهالتهم أنهم وضعوا الوعيد موضع الائتمار للنصيحة والإذعان للحق.

ثم بين أنهم اتفقوا على تحريقه فأنجاه من النار.

والقصة مذكورة في سورة الأنبياء.

﴿ إن في ذلك ﴾ الإنجاء ﴿ لآيات ﴾ جمع الآية لعظم تلك الحالة كقوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ أو لأنها مشتملة على أحوال عجيبة كالرمي من المنجنيق من غير أن لحق به ضرر، وكما يروى أن النار صارت عليه روحاً وريحاناً إلى غير ذلك.

وإنما قال في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية  ﴾ ولم يذكر الجعل ههنا لأن الخلاص من مثل تلك النار آية في نفسه، وأما السفينة فقد جعلها الله آية بأن أحدث الطوفان وصانها عن الغرق، ويمكن أن يقال: إن الصون عن النار أعجب من الصون عن الماء فلذلك وحد الآية هناك وجمعها ههنا.

وإنما قال هناك ﴿ آية للعالمين  ﴾ وههنا ﴿ لآيات لقوم يؤمنون ﴾ لأن تلك السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد.

أو نقول: جنس السفينة حصلت بعد ذلك فما بين الناس فكانت آية للعالمين.

وأما تبريد النار فلم يبق من ذلك أثر فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به.

وههنا لطيفة وهي أن الله  جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لغيره وقال ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله سيجعل النار على المؤمن المهتدي برداً وسلاماً.

ثم حكى أنه بعد أن خرج من النار عاد إلى النصيحة والدعاء لقومه إلى التوحيد والإخلاص وذلك قوله ﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة ﴾ قال جار الله: من قرأ بالنصب بغير إضافة أو بإضافة فعلى وجهين: أحدهما التعليل اي لتتوددوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم وائتلافكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب فيكون بينهم نسبة من ذلك.

الوجه الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً على حذف المضاف، أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم واتخذتموها مودودة بينكم.

ومن قرأ بالرفع بإضافة أو بغير إضافة فعلى وجهين أيضاً: أن يكون خبراً لأن على أن ما موصولة والتقدير: إن التي اتخذتموها أوثاناً هي سبب مودة بينكم أو مودودة بينكم.

وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة وعلى هذا فالوقف على ﴿ أوثاناً ﴾ حسن كما مر.

﴿ ثم يوم القيامة ﴾ يقوم بين العبدة وكذا بينهم وبين أوثانهم التباغض والتلاعن نظيره ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً  ﴾ والتحقيق فيه أنهم غلبت عليهم الجسمية ولذاتها فلهذا ألفوا الأصنام ولم تقبل عقولهم موجوداً منزهاً عن الأجسام وخواصها، فلا جرم إذا رفعت الحجب وكشف الغطاء عن عالم الأرواح زالت نسبة الجسمية وظهرت الآلام الروحانية وعذبوا بنار الخسران والحرمان من غير شفعاء ولا أعوان، فلذلك قال ﴿ ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ﴾ وإنما لم يقل ههنا ﴿ وما لكم من دون الله  ﴾ لأن الله لا ينصر الكفار من اهل النار.

وإنما جمع ههنا لأنه أراد في الأول جنس النصير وههنا أراد نفي الناصرين الذين كان أهل الشرك يزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ﴿ فآمن له لوط ﴾ وكان ابن أخي إبراهيم صدقه حين رأى النار لم تحرقه.

قالت العلماء: إن لوطاً آمن برسالة إبراهيم حين رأى المعجزة.

وأما بالوحدانية فآمن حين سمع مقالته إذ لو توقف في الإيمان إلى وقت إظهار المعجزة كان نقصاً في مرتبته وقدحاً في نور باطنه، ألا ترى أن أبا بكر وعلياً أسلما كما عرض النبي  الإسلام عليهما.

﴿ وقال ﴾ إبراهيم ﴿ إني مهاجر ﴾ من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين ولهذا قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان.

وكان معه في هجرته امراته سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة وهاجر معه لوط أيضاً.

ومعنى ﴿ إلى ربي ﴾ أي إلى حيث أمر ربي بالهجرة إليه ومثله قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وعبارة القرآن أدخل في الإخلاص لأن المهاجر إلى حيث أمره الملك قد يهاجر إليه مرة أخرى لغرض نفسه فيصدق أنه مهاجر إلى حيث أمره الملك ولا يصدق أنه مهاجر لأجل الملك ولرضاه.

وفي قوله ﴿ إنه هو العزيز الحكيم ﴾ نوع تهديد لقومه وتصويب لما بدا له من الهجرة بأمر الله.

قال في الكشاف: إنه هو العزيز الذي يمنعني من أعدائي، الحكيم الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي.

ثم ذكر ما أنعم به عليه من الأولاد والأحفاد، ومن جعل النبوة وجنس الكتاب الإلهي فيهم.

وهو التوراة والإنجيل والزبور والفرقان -ولهذا اندرج ذكر إسماعيل في الآية.

ولعل السر في عدم ذكر إسماعيل والتصريح بذكره أن الله  جعل الزمان بعد إبراهيم قسمين: أحدهما زمن إسحاق ويعقوب وذراريهما إلى زمان الفترة، والآخر من محمد  إلى يوم قيام الساعة وهو من ولد إسماعيل فطي ذكر إسماعيل إشارة إلى تأخر زمان دولته والله أعلم.

ثم كرر ذكر النعمة بقوله ﴿ وأتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال أهل التحقيق: إن الله  بدل جميع أحوال إبراهيم  بأضدادها.

لما أراد القوم تعذيبه بالنار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وهاجر فريداً وحيداً فوهب الله له ذريّة طيبة مباركة كما وصفنا، وكان لا مال له فكثر ماله حتى حصل له من المواشي ما علم الله عدده فقط.

يروى أنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس في أعناقها أطواق من ذهب.

وكان خاملاً حتى قال قائلهم ﴿ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم  ﴾ فجعل الله له لسان صدق في الآخرين.

اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ثم بين بقوله ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أن تلك النعمة الدنيوية ولذاتها مقرونة بفلاح الآخرة وصلاحها جعلنا الله  ببركته أهلاً لبعض ذلك وهو المستعان.

قوله ﴿ ولوطا إذ قال ﴾ إعرابه كإعراب قوله ﴿ وإبراهيم إذ قال ﴾ وقد مروالظاهر أن لوطاً يكون قد أمر قومه بالتوحيد والعبادة أوّلاً ثم نهاهم عن الفاحشة ثانياً.

إلا أن الله  قد حكى عنه ما اختص به وبقومه وهو قوله ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ ويحتمل أن يكونوا موحدين إلا أنهم بسبب الإصرار على الفعلة الشنعاء وتحليلها مع وجود النبي  الناهي عنها صاروا في حكم الكفرة.

وإذا كان الزنا فاحشة كما قال ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ مع أن الزنا لا يفضي إلى قطع النسل فاللواطة أولى بكونها فاحشة لتماديها في القبح ولإفضائها إلى انقطاع النسل، ويعلم منه احتياجها إلى الزاجر كالزنا بل أولى ويعلم منه افتقارها إلى الرجم بدليل إمطار الحجارة على أهلها.

ومعنى ﴿ ما سبقكم بها ﴾ أنه لم يأت بمثل هذا الفعل أحد قبلهم أو لم يشتهر به ولم يبالغ فيه أحد وإن ارتكبه بعضهم في الندرة كما يقال: إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، واللئام في اللؤم إذا زاد عليهم.

ومعنى ﴿ تقطعون السبيل ﴾ تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء.

ويجوز أن يكونوا قطاع الطريق والظاهر يشعر به ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ أي تضمون إلى قبح فعلكم قبح الإظهار.

والنادي هو المجلس ما دام فيه الناس.

وعن عائشة: كانوا يتجامعون.

وعن ابن عباس: هو الحذف ومضغ العلك وحل الإزار والفحش في المزاح والسخرية بمن مر بهم ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ﴾ ولم يهددوه بنحو القتل والتخويف كما في قصة إبراهيم، لأن إبراهيم كان يقدح في آلهتهم ويشتمهم بتعديد نقائصهم ﴿ يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً  ﴾ فجعلوا جزاءه شر الجزاء.

وأما لوط فكان ينكر عليهم فعلهم فهددوه بالإخراج أوّلاً ﴿ أخرجوا آل لوط من قريتكم  ﴾ واقترحوا من عذاب الله ثانياً.

ويجوز أن يكون على سبيل الاستهزاء فلا جرم ﴿ قال رب انصرني على القوم المفسدين ﴾ كأنه أيس من توبتهم وإنابتهم ومن أن يلدوا تائباً مطيعاً كما قال نوح ﴿ ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا  ﴾ ولعلهم كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعاً وكرهاً أو بابتداء الفواحش واقتداء من بعدهم بهم.

والبشرى هي البشارة بالولد، والنافلة إسحق ويعقوب، وإضافة ﴿ مهلكو ﴾ إضافة تخفيف لا تعريف لأنه بمعنى الاستقبال أو الحال القريب منه لا الماضي، ولأن المقصود يتضح بذلك لا بوصف الملائكة لمطلق الإهلاك.

والقرية سذوم.

ثم علل الإهلاك بأن الظلم قد استمر فيهم بناء على أن كان للثبوت والاستمرار، ويحتمل أن يكون للزمان الماضي فإن هذا القدر يكفي للتعليل والزائد عليه لا تحتاج الملائكة إلى تقريره بخلاف ما في قصة نوح ﴿ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون  ﴾ فإن ذلك إخبار من الله  ولا يحسن من الكريم أن يعاقب على الجرم السابق إلا بعد تحقق الإصرار والاستمرار.

قال بعضهم: إن تعلق ﴿ البشرى ﴾ بهذا الإنذار هو أنه كان في إهلاك قوم لوط إخلاء الأرض من العباد فقدمت البشارة المذكورة المتضمنة لوجود عباد صالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه.

ثم إن إبراهيم لما سمع إنذار الملائكة أظهر الإشفاق على لوط والحزن له قائلاً ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم ﴾ منك ﴿ بمن فيها ﴾ وأخبروا بحاله وحال قومه.

ومعنى ﴿ من الغابرين ﴾ من الماضين ذكرهم أو ممن يمضي زمانه وبفنى أو من الباقين في المهلكين و ﴿ سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قد مر في "هود" وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ضيق الذرع عبارة عن انقباض الروح فعند ذلك تجتمع أعضاء الإنسان وتقل مساحتها.

فقالت الملائكة ﴿ لا تخف ﴾ علينا ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب التفكر في أمرنا.

وقال أهل البرهان: وإنما قيل ههنا ﴿ ولما أن جاءت ﴾ بزيادة "أن" لأن "لما" تقتضي جواباً وإذا اتصل به "أن" دل على أن الجواب وقع في الحال من غير تراخ في الظاهر كما في هذه السورة وهو قوله ﴿ سيء بهم ﴾ وفي هود اتصل به كلام بعد كلام فطال فلم يحسن دخول "أن" ظاهراً مع أن القصة واحدة.

ثم إن الملائكة قالوا للوط ﴿ إنا منجوك ﴾ بلفظ اسم الفاعل وقالوا لإبراهيم  ﴿ لننجينه ﴾ بلفظ الفعل لأن ذلك ابتداء الوعد وهذا أوان إنجازه فأرادوا أن ذلك الوعد حتم واقع منا كقولك: أنا ميت لضرورة وقوعه ووجوده.

والرجز العذاب الذي يوقع صاحبه في القلق والاضطراب من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، والمراد الحجارة.

وقيل: النار.

وقيل: الخسف.

وعلى هذا يراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من السماء ﴿ ولقد تركنا منها ﴾ أي من القرية ﴿ آية بينة ﴾ هي آثار منازلهم الخربة أو بقية الحجارة أو الماء الأسود أو قصتهم وخبرهم.

وقوله ﴿ القوم ﴾ يتعلق بـ ﴿ تركنا ﴾ أبو بـ ﴿ بينة ﴾ ولزيادة قوله ﴿ بينة ﴾ قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ بخلاف قوله في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية للعالمين  ﴾ لأن الآية لا تتبين إلا لذوي العقول وليس كل من في العالم بذي عقل.

ثم أجمل سائر القصص والرجاء إما على أصله أو بمعنى الخوف.

وعلى الأول قال جار الله: اراد افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب.

أو أمروا الرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالصلاة مثلاً على إرادة الشرط وهو الإسلام.

﴿ فكذبوه ﴾ إنما صح إطلاق التكذيب مع أن ذكره شعيب أمر ونهي، والأمر لكونه طلباً لا يحتمل التصديق والتكذيب، وكذا النهي لأن قول شعيب يتضمن قوله الله واحد والحشر كائن والفساد محرم وكل واحد من هذه خبر.

ومعنى الرجفة والصيحة قد مر في "الأعراف" وفي "هود".

وكذا إنه لم قال مع الرجفة في دارهم على التوحيد، ومع الصيحة في ديارهم على الجمع.

﴿ و ﴾ أهلكنا ﴿ عاداً وثمود وقد تبين لكم ﴾ ذلك الإهلاك ﴿ من ﴾ جهة ﴿ مساكنهم ﴾ إذا نظرتم إليها عند مروركم بها ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ أي عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، وكانوا عارفين بأخبار الرسل أن العذاب نازل بهم ولكنهم لم ينظروا في الدليل ولجوا حتى هلكوا ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ أي أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.

ثم قرر أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الربعة، فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم.

فالحاصب حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر وهو إشارة إلى التعذيب بعنصر النار وأنه لقوم لوط.

والصيحة وهي تموّج شديد في الهواء لمدين.

وثمود.

والخسف لقارون والغرق لقوم نوح وفرعون ﴿ وما كان الله ليظلمهم ﴾ بالإهلاك ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإشراك وقال بعض أهل العرفان: وما كان الله ليضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة ولكنهم وضعوا أنفسهم مع شرفها في عبادة الوثن الذي هو في غاية الخسة فلذلك ضرب لهم المثل بالعنكبوت ونسجه الذي هو عند الناس في غاية الوهن والضعف.

فإن كان تشبيهاً مركباً فظاهر، وإن كان مفرقاً فالمشرك كالعنكبوت واتخاذه الصنم معبوداً وملجاً كاتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً فإنه يصير سبباً لهلاكه ولتنظيف البيت منه كعابد الوثن يقع في النار بسبب عبادته.

وفيه أن العنكبوت كما أنه يصطاد بسبب نسجه الذباب ولكنه لا بقاء له ويتلاشى بأدتنى سبب كذلك الكافر يستفيد بشركه ما هو أقل من جناح بعوضة وهو بعض متاع الدنيا ولكنه كعمله يصير آخر الأمر هباء منثوراً.

ثم عرض على العقول صحة المثل المضروب قائلاً ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ بأنه لا يصلح للبقاء ولا للاتسدفاء ولا للاستظلال ولا للاستكنان والنسج في نفسه إن فرض له فائدة كما أن الصنم في نفسه يمكن أن ينتفع به ولكن اتخاذ النسج بتاً لا شك انه غير مفيد بل مضر كما مر فكذلك عبادة الصنم.

ثم قال ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فحذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأمر دينهم لتابوا وندموا، ولو كانوا يعلمون صحة هذا التشبيه وقد صح أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً العنكبوت.

فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً.

وصاحب الكشاف علق هذا الشرط بما قبله وليس بذاك وقد مر في الوقوف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ﴾ : يذكر هذا النبأ لوجهين: أحدهما: يصبر رسوله على أذى قومه؛ لأنه ذكر أن نوحاً لبث في قومه ألف عام غير خمسين عاما، كان يدعوهم إلى توحيد الله، فلم يجبه إلا نفر من أهله؛ فلم يمنعه من الدعاء إلى دين الله ما أوعدوه من المواعيد حيث قالوا: ﴿ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ  ﴾ ونحو ذلك من المواعيد، فذلك لم يمنعه عن الدعاء؛ ولذلك قال: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثاني: ينقض على المتقشفة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الموعظة إنما لا تنجع في الموعوظين لتفريط الواعظ وترك استعمال نفسه ذلك، فيقال: إن نوحاً قد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلم يجبه إلا نفر؛ فلا يحتمل أن يكون منه تقصير أو تفريط؛ فدل أنها لا تنجع ربما لشقاوة الموعوظ.

وقوله: ﴿ فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ ﴾ : قال بعضهم: هو المطر الشديد.

وجائز أن يكون الطوفان كل بلاء فيه الهلاك.

والطوفان هو ما أرسل عليهم من الماء فأغرقهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فأَنْجَيْناهُ ﴾ أي: نوحاً، ﴿ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ ﴾ أي: من دخل السفينة، ﴿ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ قال بعضهم: جعلها آية: هو أن هلكت كل سفينة كانت، وهي باقية اليوم على ما هي عليه.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً ﴾ لمن بعدهم، فتمنعهم عن تكذيب الرسل والعناد معهم.

قال الزجاج: الاستثناء يخرج على تأكيد ما تقدم من الكلام؛ كذكر الكل على أثر ما تقدم من الكلام، أو كلام نحوه.

وقلنا نحن: إن كان ما تقدم من الذكر كافياً تامّاً، فيخرج الثنيا على أثره مخرج التأكيد لما تقدم؛ نحو قوله: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا  ﴾ ، قوله: ﴿ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ كافٍ تام مفهوم ألاَّ يدخل فيه آل لوط حيث ذكر المجرم؛ إذ آله غير مجرمين، فهو كاف مفهوم لا يحتاج إلى ذكر آل لوط، لكنه ذكر على التأكيد له.

وكذلك قوله: ﴿ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ  ﴾ و ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ  ﴾ ؛ إذا قال: محصنين: يفهم أنهن غير مسافحات ولا متخذات أخدان، لكنه ذكر على التأكيد.

وإذا كان ما تقدم من الكلام محتملا مرسلا، فيخرج ذكر الثنيا مخرج تحصيل المراد منه على إضمار حرف "مِن" فيه؛ كقوله: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ﴾ كأنه قال: فلبث فيهم من ألف سنة تسعمائة وخمسين؛ وكذلك قول الناس لفلان: عليّ عشرة دراهم إلا كذا، كأنه قال: لفلان علي من عشرة دراهم كذا، فهو على التحصيل يخرج ذكره.

وقال بعضهم: الطوفان كل ماء طافٍ فاشٍ من سبيل أو غيره؛ وكذلك الموت الجارف يسمى الطوفان وماء الطوفان، وهو ما ذكر في سورة الأعراف.

وقال بعضهم: هو الغرق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ﴾ : هو نسق على قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ ، وأرسلنا إبراهيم أيضاً إلى قومه.

أو أن يكون نسقاً على قوله: ﴿ فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ ﴾ ، وأنجينا إبراهيم أيضاً حين ألقي في النار.

أو يقال: اذكر إبراهيم إذ قال لقومه: اعبدوا الله.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ : يحتمل في حق الاعتقاد، أي: وحدوا الله.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ : الشرك.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ في حق المعاملة، أي: إليه اصرفوا العبادة، ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ أي: اتقوا عبادة من تعبدون من الأوثان؛ يكون قوله: اتقوا في موضع النهي، أي: اعبدوا الله ووحدوه ولا تعبدوا غيره؛ يكون فيه نهي عن مخالفة ما تقدم من الأمر: افعلوا كذا، واتقوا ما يضاده ويخالفه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي: عبادة الله خير لكم.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ إِن ﴾ إذا كنتم تعلمون: أن ذلك خير لكم، وجائز ذكر (إن) مكان (إذ) في اللغة.

أو يكون صلة قوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾ أي: تخلقون كذبا في تسميتكم الأوثان آلهة معبودين، أي: ليسوا بآلهة ولا معبودين.

أو يقال: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾ ، أي: كذباً في صرف عبادتكم إليها واستحقاق العبادة، أي: لا يستحقون العبادة، إنما المستحق للعبادة دون من تعبدون.

وقال بعضهم: أي: جعلتم كذباً من الآلهة لا حقّاً؛ وهو قريب مما ذكرنا.

ثم بيّن سفههم في صرف العبادة إلى الأصنام وعجزها عمن يعبدها حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ﴾ : يقول - والله أعلم -: إن في الشاهد لا يخدم أحد أحداً إلا لما يأمل من النفع له بالخدمة، أو لسابقة إحسان كان منه إليه، فالأصنام التي تعبدونها لا يملكون أن يرزقوكم ولا ينفعوكم، ولا كان منها إليكم سابقة صنع، فكيف تعبدونها؟!

وقوله: ﴿ فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ ﴾ أي: اعبدوا الله الذي يرزقكم وينفعكم ويملك ذلك لكم، واتركوا عبادة من لا يملك ذلك.

﴿ وَٱعْبُدُوهُ ﴾ : يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما فيما تقدم: التوحيد، والعبادة.

وقوله: ﴿ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ أي: اشكروا له فيما أنعم عليكم.

﴿ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: وإن يكذبوك فيما تخبر من نبأ إبراهيم، فقد كذب أمم من قبلك رسلهم فيما أخبروا عن إبراهيم بعد انتساب كل فريق منهم إليه، وادعائه نحلته ومذهبه.

والثاني: وإن يكذبوك فيما تبلغ إليهم من الرسالة، فقد كذب أمم من قبلك رسلهم في تبليغ الرسالة، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، يبين لهم أنها رسالة ربهم بالحجج والبراهين والآيات، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- قصة إبراهيم حين قال لقومه: اعبدوا الله واتقوا عقابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ذلكم المأمور به خير لكم إن كنتم تعلمون.

<div class="verse-tafsir" id="91.9gaAM"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله