الآية ٦٧ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٦٧ من سورة العنكبوت

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًۭا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ممتنا على قريش فيما أحلهم من حرمه ، الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والبادي ، ومن دخله كان آمنا ، فهم في أمن عظيم ، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا ، كما قال تعالى : ( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) [ قريش : 1 - 4 ] .

وقوله : ( أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ) أي : أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به ، وعبدوا معه [ غيره من ] الأصنام والأنداد ، و ( بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ) [ إبراهيم : 28 ] ، وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله ، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله ، وألا يشركوا به ، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره ، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين ظهرهم ; ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم ، وقتل من قتل منهم ببدر ، وصارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين ، ففتح الله على رسوله مكة ، وأرغم آنافهم وأذل رقابهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ) يقول تعالى ذكره، مذكرا هؤلاء المشركين من قريش، القائلين: لولا أنـزل عليه آية من ربه، نِعْمَتَه عليهم التي خصهم بها دون سائر الناس غيرهم، مع كفرهم بنعمته وإشراكهم في عبادته الآلهة والأنداد: أولم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من نعمتنا عليهم، دون سائر عبادنا، فيشكرونا على ذلك، وينـزجروا عن كفرهم بنا، وإشراكهم ما لا ينفعنا، ولا يضرّهم في عبادتنا أنا جعلنا بلدهم حرما، حرّمنا على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، آمنا يأمن فيه من سكنه، فأوى إليه من السباء، والخوف، والحرام الذي لا يأمنه غيرهم من الناس، ( وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) يقول: وتُسْلَب الناس من حولهم قتلا وسباء.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، في قوله: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) قال: كان لهم في ذلك آية، أن الناس يُغزَون ويُتَخَطَّفون وهم آمنون.

وقوله: ( أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ) يقول: أفبالشرك بالله يقرّون بألوهة الأوثان بأن يصدّقوا، وبنعمة الله التي خصهم بها من أن جعل بلدهم حرما آمنا يكفرون، يعني بقوله: (يكفرون): يجحدون.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُون ): أي بالشرك ( وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ): أي يجحدون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا قال عبد الرحمن بن زيد : هي مكة وهم قريش أمنهم الله تعالى فيها .

ويتخطف الناس من حولهم قال الضحاك : يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا والخطف الأخذ بسرعة وقد مضى في ( القصص ) وغيرها فأذكرهم الله عز وجل هذه النعمة ; ليذعنوا له بالطاعة ; أي جعلت لهم حرما آمنا أمنوا فيه من السبي والغارة والقتل .

وخلصتهم في البر كما خلصتهم في البحر فصاروا يشركون في البر ولا يشركون في البحر !

فهذا تعجب من تناقض أحوالهم .

أفبالباطل يؤمنون قال قتادة : أفبالشرك .

وقال يحيى بن سلام : أفبإبليس .

وبنعمة الله يكفرون قال ابن عباس : أفبعافية الله .

وقال ابن شجرة : أفبعطاء الله وإحسانه وقال ابن سلام : أفبما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم .[ ص: 336 ] من الهدى .

وحكى النقاش : أفبإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف يكفرون ؟

وهذا تعجب وإنكار خرج مخرج الاستفهام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم امتن عليهم بحرمه الآمن، وأنهم أهله في أمن وسعة ورزق، والناس من حولهم يتخطفون ويخافون، أفلا يعبدون الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.{ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ } وهو ما هم عليه من الشرك، والأقوال، والأفعال الباطلة.

{ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ } هم { يَكْفُرُونَ } فأين ذهبت عقولهم، وانسلخت أحلامهم حيث آثروا الضلال على الهدى، والباطل على الحق، والشقاء على السعادة، وحيث كانوا أظلم الخلق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) يعني العرب ، يسبي بعضهم بعضا ، وأهل مكة آمنون ) ( أفبالباطل ) بالأصنام والشيطان ( يؤمنون وبنعمة الله ) بمحمد والإسلام ) ( يكفرون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أَو لم يروْا» يعلموا «أنَّا جعلنا» بلدهم مكة «حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم» قتلاً وسبياً دونهم «أفبالباطل» الصنم «يؤمنون وبنعمة الله يكفرون» بإشراكهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولم يشاهد كفار "مكة" أن الله جعل "مكة" لهم حَرَمًا آمنًا يأمن فيه أهله على أنفسهم وأموالهم، والناسُ مِن حولهم خارج الحرم، يُتَخَطَّفون غير آمنين؟

أفبالشرك يؤمنون، وبنعمة الله التي خصَّهم بها يكفرون، فلا يعبدونه وحده دون سواه؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن ، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين ، فقال : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ) .أى : أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فهيا ، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بدلهم مكة حرماً آمناً ، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم ، والحال أن الناس من حرولهم يقتل بعضهم بعضاً ، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة .

والتخطف : الأخذ بسرعة .قال صاحب الكشاف : كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً ، ويتغورون ، ويتناهبون ، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب ، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أفبالباطل يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ ) للتعجب من حالهم ، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى : أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق يكفرون .فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره ، من تعجب وتوبيخ وتقريع .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

التفسير ظاهر، وإنما الدقيق وجه تعلق الآية بما قبلها، فنقول الإنسان في البحر يكون على أخوف ما يكون وفي بيته يكون على آمن ما يكون لا سيما إذا كان بيته في بلد حصين فلما ذكر الله المشركين حالهم عند الخوف الشديد ورأوا أنفسهم في تلك الحالة راجعة إلى الله تعالى ذكرهم حالهم عند الأمن العظيم وهي كونهم في مكة فإنها مدينتهم وبلدهم وفيها سكناهم ومولدهم، وهي حصين بحصن الله حيث كل من حولها يمتنع من قتال من حصل فيها، والحصول فيها يدفع الشرور عن النفوس ويكفها يعني أنكم في أخوف ما كنتم دعوتم الله وفي آمن ما حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض لأن دعاءكم في ذلك الوقت على سبيل الإخلاص ما كان إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير فهذه النعمة العظيمة التي حصلت وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله كيف تكفرون بها؟

والأصنام التي قطعتم في حال الخوف أن لا أمن منها كيف آمنتم بها في حال الأمن؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارّون آمنون فيها، لا يغزون ولا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله هذه النعمة الخاصة عليهم، ووبخهم بأنهم يؤمنون بالباطل الذي هم عليه، ومثل هذه النعمة المكشوفة الظاهرة وغيرها من النعم التي لا يقدر عليها إلا الله وحده مكفورة عندهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ.

﴿ أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ﴾ أيْ جَعَلْنا بَلَدَهم مَصُونًا عَنِ النَّهْبِ والتَّعَدِّي آمِنًا أهْلُهُ عَنِ القَتْلِ والسَّبْيِ.

﴿ وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ﴾ يُخْتَلَسُونَ قَتْلًا وسَبْيًا إذْ كانَتِ العَرَبُ حَوْلَهُ في تَغاوُرٍ وتَناهُبٍ.

﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أبْعَدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ المَكْشُوفَةِ وغَيْرِها مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ يُؤْمِنُونَ بِالصَّنَمِ أوِ الشَّيْطانِ.

﴿ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ حَيْثُ أشْرَكُوا بِهِ غَيْرَهُ وتَقْدِيمُ الصِّلَتَيْنِ لِلِاهْتِمامِ أوِ الِاخْتِصاصِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ.

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بِأنْ زَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا.

﴿ أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ أوِ الكِتابَ، وفي ( لَمّا ) تَسْفِيهٌ لَهم بِأنْ لَمْ يَتَوافَقُوا ولَمْ يَتَأمَّلُوا قَطُّ حِينَ جاءَهم بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ أوَّلَ ما سَمِعُوهُ.

﴿ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِثَوائِهِمْ كَقَوْلِهِ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا أيْ ألا يَسْتَوْجِبُونَ الثَّواءَ فِيها وقَدِ افْتَرَوْا مِثْلَ هَذا الكَذِبِ عَلى اللَّهِ وكَذَّبُوا بِالحَقِّ مِثْلَ هَذا التَّكْذِيبِ، أوْ لِاجْتِرائِهِمْ أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ﴿ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ حَتّى اجْتَرَءُوا مِثْلَ هَذِهِ الجَراءَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أي أهل مكة {إِنَّا جَعَلْنَا} بلدهم {حَرَماً} ممنوعاً مصوناً {آمناً} يأمن داخله {ويتخطف الناس من حولهم} يستلبون قتلا وسبيا

{أفبالباطل يؤمنون} أى بالشيطان والأصنام {وبنعمة الله يكفرون} أى بمحمد

العنكبوت (٦٩ - ٦٨)

الروم (٣ - ١)

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين {

سورة الروم بسم الله الرحمن الرحيم

عليه السلام والإسلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ ألَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُشاهِدُوا ﴿ أنّا جَعَلْنا ﴾ أيْ بَلَدَهم ﴿ حَرَمًا ﴾ مَكانًا حُرِّمَ فِيهِ كَثِيرٌ مِمّا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ في غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ ﴿ آمِنًا ﴾ أهْلُهُ عَمّا يَسُوءُهم مِنَ السَّبْيِ والقَتْلِ عَلى أنَّ أمْنَهُ كِنايَةٌ عَنْ أمْنِ أهْلِهِ، أوْ عَلى أنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ أوْ عَلى أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا، وتَخْصِيصُ أهْلِ مَكَّةَ، وأنَّ أمْنَ كُلِّ مَن فِيهِ حَتّى الطُّيُورِ والوُحُوشِ لِأنَّ المَقْصُودَ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ، ولِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ في حَقِّهِمْ.

وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما يَمْنَعُنا أنْ نَدْخُلَ في دِينِكَ إلّا مَخافَةُ أنْ يَتَخَطَّفَنا النّاسُ لِقِلَّتِنا، والعَرَبُ أكْثَرُ مِنّا، فَمَتى بَلَغَهم أنّا قَدْ دَخَلْنا في دِينِكَ اخْتُطِفْنا، فَكُلُّنا أكَلَةُ رَأْسٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ﴾ ﴿ ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ﴾ » يُخْتَلَسُونَ مِن حَوْلِهِمْ قَتْلًا وسَبْيًا، إذا كانَتِ العَرَبُ حَوْلَهُ في تَغاوُرٍ وتَناهُبٍ.

والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ، أيْ وهم يُتَخَطَّفُ إلَخْ، ﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أنَّ أبَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، أوْ أبَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ المَكْشُوفَةِ وغَيْرِها بِالصَّنَمِ، وقِيلَ: بِالشَّيْطانِ يُؤْمِنُونَ، ﴿ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ وهي المُسْتَوْجِبَةُ لِلشُّكْرِ حَيْثُ يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ سُبْحانَهُ، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِها، لِأنَّها مَصَبُّ الإنْكارِ أوْ لِلِاخْتِصاصِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، لِأنَّ الإيمانَ إذا لَمْ يَكُنْ خاصًّا لا يُعْتَدُّ بِهِ، ولِأنَّ كُفْرانَ غَيْرِ نِعْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِجَنْبِ كُفْرانِها لا يُعَدُّ كُفْرانًا.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ «تُؤْمِنُونَ» و«تَكْفُرُونَ» بِتاءِ الخِطابِ فِيهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ يعني: باطل وَلَعِبٌ كلعب الصبيان، ولهو كلهو الشبان.

ويقال: فرح لا يبقى للخلق ولا يبقى فيها إلا العمل الصالح.

روى أبو هريرة عن النبيّ  أنه قال: «إن الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاها أو عالماً أو متعلماً» وروي عن النبيّ  أنه مرّ بسخلة ميتة فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ للدُّنْيَا على الله أهْوَنُ مِنْ هذه السَّخْلَةِ عَلَى أَهْلِهَا» وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ يعني: هي دار الحياة لا موت فيها لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني: لو كانوا يصدقون بثواب الله عز وجل.

ثم قال: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ يعني: في السفن دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: موحدين وتركوا دعاء أصنامهم، ويعلمون أنه لا يجيبهم أحد إلا الله تعالى.

فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يعني: إلى القرار إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ به.

قوله عز وجل: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ يعني: ما أعطيناهم من النّعم وَلِيَتَمَتَّعُوا قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر ونافع في رواية ورش: وَلِيَتَمَتَّعُوا بكسر اللام، وقرأ الباقون بالجزم.

فمن قرأ بالكسر، فمعناه: لكي يتمتعوا، لأن الكلام عطف على ما قبله يعني: يشركون لكي يكفروا، ولكي يتمتعوا في الدنيا.

ومن قرأ بالجزم فهو على معنى التهديد والتوبيخ بلفظ الأمر، وتشهد له قراءة أبيَّ كان يقرأ تمتعوا فسوف تعلمون ومعناه وليتمتعوا، يعني: وليعيشوا فسوف يعلمون إذا نزل بهم العذاب.

ثم قال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا يعني: أو لم يعلموا ليعتبروا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ يعني: يختلس الناس فيقتلون ويسبون وهم آمنون يأكلون رزقي ويعبدون غيري، فكيف أسلط عليهم إذا أسلموا.

أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ يعني: أفبالشيطان يصدقون أن لي شريكاً.

ويقال: أفبالأصنام يؤمنون وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ يعني: ويخالق هذه النعمة ورسوله يجحدون.

ثم قال عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن معه شريكاً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ يعني: بالقرآن لَمَّا جاءَهُ أي حين جاءه أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ أي مقاما للكافرين كما قال فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: 7] .

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا يعني: رغبوا في طاعتنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا يعني: لنعرفنهم طريقنا، ويقال: معناه لنرشدنهم طريق الجنة وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ يعني: في العون لهم ويقال: والذين عملوا بما علموا لنوفقنهم لما لم يعلموا، - والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١) [الجزء الثالث] (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ثم خاطب تعالى في أمر الكفار وإقامة الحجة عليهم، بأَنهم إن سُئِلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة، لم يكن لهم إلا التسليم بأنها لله تعالى، ويُؤْفَكُونَ معناه:

يصرفون.

وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨)

وقوله تعالى: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وصفَ اللهُ تعالى الدنيا في هذه الآيةِ بأنها لهوٌ ولعب، أي: ما كان منها لغير وجه الله تعالى وأما مَا كان للَّه تعالى فهو من الآخرة، وأما أمورُ الدنيا التي هي زائدة على الضروري الذي به قِوَامُ العَيْشِ، والقوةُ على الطاعات فإنما هي لهو ولعب، وتأملْ ذلك في الملابِس والمطاعِم، والأقوال، والمكتسبات، وغير ذلك، وانظر أن حالةَ الغني والفقير من الأمور الضرورية واحدة:

كالتنفسِ في الهواء، وسد الجوع، وستر العورة، وتَوَقِّي الحر والبرد هذه عظم أمر العيش والْحَيَوانُ والْحَياةُ بمعنًى، والمعَنى: لا موت فيها، قاله مجاهد وهو حسن «١» ، ويقال: أصله: حييان فأبدلت إحداهما واواً لاجتماع المِثْلَين.

ثم وقَفَهُمْ تعالى على حالهم في البحر عند الخوف العظيم ونسيانهم عند ذلك للأصنام، وغيرها، على ما تقدم بيانه في غير هذا الموضع: ولِيَكْفُرُوا نصبٌ ب «لام كي» ثم عدَّد تعالى على كَفَرَةِ قريش نعمتَه عليهم في الحَرَمِ و «المثوى» : موضع الإقامة، وألفاظ هذه الآية في غايةِ الاقْتِضَابِ والإيجاز وجمع المعاني.

ثم ذكر تعالى حالَ أوليائه والمجاهدين فيه.

وقوله: فِينا معناه: في مرضاتنا وبغيةِ ثوابِنا.

قال السدي وغيره: نزلت هذه الآيةُ قبل فَرضِ «٢» القتال.

قال ع «٣» : فهي/ قَبْلَ الجهادِ العَرْفي وإنما هو جِهَاد عامُّ في دين الله وطلب ٦٤ ب مرضاته.

قال الحسن بن أبي الحسن «١» : الآيةُ في العُبَّادِ.

وقال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما علموا «٢» .

وقال أبو سليمان الدَّارانيُّ: ليس الجهادُ في هذه الآية قتالَ العدو فقط بل هو نَصْرُ الدِّين والردُّ على المبطلينَ وقمعُ الظالمينَ وأعظمُه الأمر بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ، ومنه مجاهدةُ النفوسِ في طاعة الله عز وجل وهو الجهاد الأكبر قاله الحسن «٣» وغيره، وفيه حديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم «رَجَعْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الأَكْبَرِ» «٤» و «السُّبل» هنا يحتملُ أن تكونَ طُرَقَ الجنةِ ومَسَالِكَهَا، ويحتملُ أن تكونَ سبلَ الأعمال المؤَدِّيَةِ إلى الجنةِ، قال يوسف بن أسباط: هي إصلاح النيّة في الأعمال، وحب التَزَيُّدِ والتَفَهُّمِ، وهو أن يُجَازَى العبدُ عَلى حَسَنَةٍ بازدياد حسنةٍ وبعلمٍ يَنْقَدِحُ مِن عِلْمٍ متقدمٍ.

قال ص: وَالَّذِينَ جاهَدُوا: مبتدأ خبرُه القسمُ المحذوفُ، وجوابُه وهو:

لَنَهْدِيَنَّهُمْ، انتهى.

وقال الثعلبي: قال سهل بن عبد الله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا في إقامة السنة لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبل الجنة انتهى.

واللام في قوله لَمَعَ لام تأكيد.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ يَعْنِي كَفّارَ مَكَّةَ ﴿ أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (القَصَصِ: ٧٥) ﴿ وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ﴾ أيْ: أنَّ العَرَبَ يَسْبِي بَعْضُهم بَعْضًا وأهْلُ مَكَّةَ آمِنُونَ ﴿ أفَبِالباطِلِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الشِّرْكُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: الأصْنامُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " تُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ تَكْفُرُونَ " بِالتّاءِ فِيهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا والإسْلامَ؛ وقِيلَ: بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ أطْعَمَهم وآمَنُهم ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ أيْ: زَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا وأنَّهُ أمَرَ بِالفَواحِشِ ﴿ أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا والقُرْآنَ ﴿ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ ؟!

وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا [وَأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ] ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ﴾ أيْ: قاتَلُوا أعْداءَنا لِأجْلِنا ﴿ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ أيْ: لَنُوَفِّقَنَّهم لِإصابَةِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمَةِ؛ وقِيلَ: لَنَزِيدَنَّهم هِدايَةً ﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالمُحْسِنِينَ: المُوَحِّدِينَ؛ وقالَ غَيْرُهُ: يُرِيدُ المُجاهِدِينَ.

وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: مَنِ اعْتاصَتْ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ، فَلْيَسْألْ أهْلَ الثُّغُورِ عَنْها، لِقَوْلِهِ: ﴿ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ ﴾ وصَفَ اللهُ تَعالى الدُنْيا في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّها لَهْوٌ ولَعِبٌ، أيْ: ما كانَ مِنها لِغَيْرِ وجْهِ اللهِ تَعالى، فَإنَّ ما كانَ لِلَّهِ تَعالى فَهو مِنَ الآخِرَةِ، وأمّا أُمُورُ الدُنْيا الَّتِي هي زائِدَةٌ عَلى الضَرُورِيِّ الَّذِي بِهِ قِوامُ العَيْشِ والقُوَّةِ عَلى الطاعاتِ فَإنَّما هو لَهْوٌ ولَعِبٌ، وتَأمَّلْ ذَلِكَ في المَلابِسِ والمَطاعِمْ والمَشارِبِ والأقْوالِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وانْظُرْ إلى حاجَةِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ في الأُمُورِ الضَرُورِيَّةِ فَإنَّها واحِدَةٌ، كالتَنَفُّسِ في الهَواءِ، وسَدِّ الجُوعِ، وسَتْرِ العَوْرَةِ، وتَوَقِّي الحَرِّ والبَرْدِ، وهَذِهِ كُلُّها عِظَمُ أمْرِ العَيْشِ.

و"الحَيَوانُ" والحَياةُ بِمَعْنًى، وهو عِنْدُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ مَصْدَرٌ كالهَيَمانِ ونَحْوِهِ، والمَعْنى: لا مَوْتَ فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو حَسَنٌ.

وأصْلُهُ: حَيَيانُ، فَأُبْدِلَتْ إحْداهُما واوًا لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.

ثُمْ وقَّفَهم تَعالى عَلى حالِهِمْ في البَحْرِ عِنْدَ الخَوْفِ العَظِيمِ، فَإنَّ كُلَّ بَشَرٍ يَنْسى كُلَّ صَنَمٍ وغَيْرِهِ، ويَتَمَسَّكُ بِالدُعاءِ والرَغْبَةِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا هم يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ إلى ذِكْرِ أصْنامِهِمْ وتَعْظِيمِها، وقَوْلُهُ: ﴿ لِيَكْفُرُوا ﴾ نُصِبَ بِلامِ كَيْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ: "وَلِيَتَمَتَّعُوا" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَلِتَتَمَتَّعُوا" بِسُكُونِ اللامِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ الَّتِي هي لِلْوَعِيدِ والتَهْدِيدِ، والواوُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ لا عاطِفَةٌ فِعْلًا عَلى فِعْلٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ"، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَلَسَوْفَ" بِاللامِ.

ثُمْ عَدَّدَ تَعالى عَلى كَفَرَةِ قُرَيْشٍ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في الحَرَمِ في أنَّهُ جَعَلَهُ لَهم آمِنًا لا خَوْفَ فِيهِ مِن أحْوالِ العَرَبِ وعاداتِهِمْ وسُوءِ أفْعالِهِمْ مِنَ القَتْلِ وأخْذِ الأمْوالِ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ هو "التَخَطُّفُ" الَّذِي كانَ الناسُ بِسَبِيلِهِ، ثُمْ قَرَّرَهم -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى إيمانِهِمْ بِالباطِلِ وكُفْرِهِمْ بِاللهِ وبِنِعْمَتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وكَذَلِكَ "يَكْفُرُونَ"، وقَرَأهُما بِالتاءِ مِن فَوْقٍ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا تذكير خاص لأهل مكة وإنما خُصُّوا من بين المشركين من العرب لأن أهل مكة قدوة لجميع القبائل؛ ألا ترى أن أكثر قبائل العرب كانوا ينتظرون ماذا يكون من أهل مكة فلما اسلم أهل مكة يومَ الفتح أقبلت وفود القبائل معلنة إسلامهم.

والجملة معطوفة على جملة ﴿ فإِذَا رَكبوا فِي الفُلك دَعُوا الله ﴾ [العنكبوت: 65] باعتبار ما اشتملت عليه تلك الجملة من تقريعهم على كفران نعم الله تعهالى، ولذلك عقبت هذه الجملة بقولة ﴿ وبنعمة الله يكفرون ﴾ والاستفهام إِ، كاري، وجعلت نعمة أمن بلدهم كالشيء المشاهد فأنكر عليهم عدم رؤيته، فقوله ﴿ أنا جعلنا حرماً آمناً ﴾ مفعول ﴿ يَرُوا ﴾ ومعنى هذه الآية يعلم مما تقدم عند الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا إنْ نَتَّبِعْ الهُدَى معَكَ نُتخَطَّفْ من أرْضِنَا أوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حرَماً آمِناً ﴾ في سورة [القصص: 57]، وقد كان أهل مكة في بحبوحة من الأمن وكان غيرهم من القبائل حول مكة وما بعدُ منها يغزو بعضهم بعضاً ويتغاورون ويتناهون، وأهل مكة آمنون لا يعدو عليهم أحد مع قتلهم، فذكرهم الله هذه النعمة عليهم والباطل: هو الشرك كما تقدم عند قوله تعالى ﴿ والذين آمنوا بالباطل ﴾ في هذه السورة العنكبوت [52].

و(نِعْمَةَ الله) المراد بها الجنس الذي منه إنجاؤهم من الغرق وما عداه من النِعم المحسوسة المعروفة، ومن النِعم الخفية التي لو تأملوا لأدركوا عظمها، ومنها نعمة الرسالة المحمدية.

والمضارع في المواضع الثلاثة دال على تجدّد الفعل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ﴾ قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: هي مَكَّةُ وهم قُرَيْشٌ أمَّنَهُمُ اللَّهُ بِها.

﴿ وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَسْبِي بَعْضُهم بَعْضًا فَأذْكَرَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ لِيُذْعِنُوا لَهُ بِالطّاعَةِ.

﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أفَبِالشِّرْكِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: بِإبْلِيسَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِعافِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِعَطاءِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ  مِنَ الهُدى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الرّابِعُ: بِإطْعامِهِمْ مِن جُوعٍ وأمْنِهِمْ مِن خَوْفٍ، حَكاهُ النَّقّاشُ، وهَذا تَعَجُّبٌ وإنْكارٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بِأنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا أوْ ولَدًا.

﴿ أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: بِالقُرْآنِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ مَثْوًى ﴾ أيْ مُسْتَقَرًّا.

قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قاتَلُوا المُشْرِكِينَ طائِعِينَ لَنا.

الثّانِي: جاهَدُوا أنْفُسَهم في هَواها خَوْفًا مِنّا.

الثّالِثُ: اجْتَهَدُوا في العَمَلِ بِالطّاعَةِ والكَفِّ عَنِ المَعْصِيَةِ رَغْبَةً في ثَوابِنا وحَذَرًا مِن عِقابِنا.

الرّابِعُ: جاهَدُوا أنْفُسَهم في التَّوْبَةِ مِن ذُنُوبِهِمْ.

﴿ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الطَّرِيقَ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: نُوَفِّقُهم لِدِينِ الحَقِّ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ يَهْدِيهِمْ لِما لا يَعْلَمُونَ، قالَهُ عَبّاسٌ أبُو أحْمَدَ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ لَنُخَلِّصَنَّ نِيّاتِهِمْ وصَدَقاتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ وصِيامَهم، قالَهُ يُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ.

﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ في العَوْنِ لَهم، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا...

﴾ قال: قد كان لهم في ذلك آية، إن الناس يغزون ويتخطفون وهم آمنون ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ أي بالمشرك ﴿ وبنعمة الله يكفرون ﴾ أي يجحدون.

وأخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم قالوا: يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا، والعرب أكثر منا، فمتى بلغهم أنا قد دخلنا في دينك اختطفنا فكنا أكلة رأس.

فأنزل الله: ﴿ أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ﴾ ذكرنا تفسيره ونزوله في سورة: القصص (١) (٢) ﴿ وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ يريد: العرب يسبي بعضهم بعضًا، وأهلُ مكة آمنون (٣) (٤) ﴿ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني: الشيطان (٥) (٦) ﴿ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ ﴾ قال مقاتل: ﴿ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ ﴾ ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)  ﴾ ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾ (٧) (٨) (١) أشار إلى هذه الإحالة: مقاتل 75 ب.

سورة القصص الآية 57.

(٢) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3082، عن الضحاك.

(٣) أخرجه ابن جرير 21/ 14، عن قتادة، بنحوه.

(٤) "تفسير مقاتل" 75 ب.

(٥) "تفسير مقاتل" 75 ب.

(٦) "تنوير المقباس" 338.

(٧) "تفسير مقاتل" 75 ب.

(٨) "تنوير المقباس" 338، بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ﴾ الضمير لكفار قريش، والحرم الآمن: مكة، لأنها كانت لا تغير عليها العرب كما تغير على سائر البلاد، ولا ينتهك أحد حرمتها ﴿ وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ عبارة عما يصيب غير أهل مكة من القتال أو أخذ الأموال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما يدعون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ آية ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه.

﴿ ويقول ﴾ بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بفتح الياء والوقف للجميع بالياء لا غير ﴿ ارضي ﴾ بفتح الياء ابن عامر ﴿ يرجعون ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم.

الباقون: بضم التاء الفوقانية وفتح الجيم ﴿ لنثوينهم ﴾ بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون: بفتح الياء التحتانية الموحدة.

وتشديد الواو ﴿ وليتمتعوا ﴾ بسكون اللام: ابن كثير وقالون وحمزة وعلي وخلف ﴿ سبلنا ﴾ بسكون الباء: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للناس ﴾ ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى الخصوص ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ ما تصنعون ﴾ ه ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ إليك الكتاب ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ج فصلاً بين حال الفريقين مع اتفاق الجملتين ﴿ يؤمن به ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ والأرض ﴾ ﴿ بالله ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المحيطة ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ قف بناء على أن التقدير هم الذين أو أعني الذين ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ رزقها ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة ﴿ وإياكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالاً متمماً للمعنى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ لا للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لتمام المقول ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ ولعب ﴾ ط ﴿ الحيوان ﴾ ط لأن الشرط غير معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ الذين ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد وقف عليه ﴿ آتيناهم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليتمتعوا ﴾ بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام ﴿ ليكفروا ﴾ للأمر عطف هذه عليها فلم يقف ﴿ وليتمتعوا ﴾ لا لاستئناف التهديد ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من حولهم ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ جاءه ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه.

التفسير: هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً هذا على تقدير كون "ما" نافية و"من" زائدة، ويجوز أن تكون استفهاماً نصباً بـ ﴿ يدعون ﴾ أو بمعنى الذي و "من" للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله يعلمه.

وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة.

وفيه ايضاً تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم.

ثم إن الجهلة من قريش كانوا يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل بالبعوضة.

قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكرياً دقيقاً فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة.

والمثل مما يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولاحقة يعرف بها تناسب مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء.

وحين أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصاً فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك من غبر ووصف سبيل أهل الاباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ينبغي أن لا يورث شكاً في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر.

وإنما قال ههنا ﴿ لآية للمؤمنين ﴾ مع قوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض...

ليقولن الله ﴾ وقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار  ﴾ إلى قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ لأن المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله ﴿ بالحق ﴾ والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامة.

وإنما وحد الآية ههنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو  واحد لا شريك له.

وفي قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين  كثرة.

وحيث قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله  بقوله ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا قال ﴿ اتل ﴾ ولم يقل "اتل عليهم" لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا لتسلية قلب النبي  .

أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور.

وأيضاً فيه من العبر والمواعظ ما يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض يستلذه النظر ساعة فساعة.

وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وأقامة الصلاة معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي  كأنه قيل له: إذا تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك وساطة بين الطرفين، فإن لم يتصل الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق إلى الخالق.

والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمراً عليها.

وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وافضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فقال بعض المفسرين: اراد بالصلاة القرآن وفيه النهي عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحاً كاملاً لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة قد يكون كذلك كالنوم وغيره.

والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفاً في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من الخشوع وغيره مرعية.

فقد روي عن ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً" .

"وروي أن رسول الله  قيل له: إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل.

فقال: إن صلاته لتردعه" "وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك للنبي  فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب" .

وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح.

واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوباً فاخراً فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس القتوى كيف لا يتجنب الفواحش.

وإيضاً الصلاة توجب القرب من الله  كما قال ﴿ واسجد واقترب  ﴾ ومقرِّب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب الملك الحقيقي؟

وأيضاً من دخل في خدمة الملك فأعطاه منصباً له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة وحقوقها من أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟

وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مراراً، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر.

واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان.

وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال ﴿ ونذر الظالمين فيها جثياً  ﴾ فالمصلي إذا قال "الله" نفى التعطيل وإذا قال "أكبر" نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال ﴿ بسم الله ﴾ نفى التعطيل، وإذا قال ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا ﴿ الحمد لله ﴾ خلاف التعطيل، وقوله ﴿ رب العالمين ﴾ خلاف التشريك وفي قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ نفي التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ وفي قوله ﴿ اهدنا الصراط ﴾ نفى التعطيل لأن المعطل لا مقصد له.

وفي قوله ﴿ المستقيم ﴾ نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط.

وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة "الله" وآخرها "الله".

ثم إن الله  كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد  ، فقل بعد ذكري: أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه.

ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغه سلامي كما هو دأب المسافرين ﴿ ولذكر الله ﴾ أي الصلاة ﴿ أكبر ﴾ من غيرها من الطاعات.

وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر.

وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة.

وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة.

﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك.

وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد ان يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني.

قال بعض المفسرين: أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية.

وقيل: إلاّ الذين اشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله.

والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد  فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولاً بالأحسن، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ إلى آخر الاية.

وعن النبي  "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم" .

ثم ذكر دليلاً قياسياً فقال ﴿ وكذلك ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ اي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية.

﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم عبد الله بن سلام وأضرابه ﴿ ومن هؤلاء ﴾ اي من اهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي  وقيل: الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب الأشرف وأصحابه.

واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب في مال الصغير.

فإذا قيل له: لم؟

قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما.

فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال فضل عن الحاجة.

فالله  ذكر أولاً التمسك بقوله ﴿ وكذلك أنزلنا ﴾ ثم ذكر الجامع بقوله ﴿ وما كنت تتلو ﴾ الآية.

وفي قوله ﴿ بيمينك ﴾ زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً.

ومعنى ﴿ إذا لارتاب ﴾ لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب ﴿ المبطلون ﴾ من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئاً كاتباً أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام الله، وإذا كان أمياً فلا مجال لهذا الوهم.

أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب اليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال.

ثم أكد إزالة ريبهم بقوله ﴿ بل هو ﴾ يعني القرآن ﴿ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة "صدورهم أناجيلهم" ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم.

سماهم أولاً كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع.

ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغولهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكماً أو حقيقة.

ولما بين الدليل من جانب النبي  ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب وهو أن يقول ﴿ إنما الآيات عند الله ﴾ ووجههأنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وادريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة.

وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي.

ثم قال ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.

والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟

﴿ إن في ذلك ﴾ المتلو على وجه الأرضين ﴿ لرحمة ﴾ من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ ﴿ وذكرى ﴾ ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان.

وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه  بكلام منصف وهو قوله ﴿ كفى بالله بيني وبينكم شهيداً ﴾ وقال في آخر سورة الرعد ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ﴾ ثم هددهم بقوله ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله ﴾ وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه.

﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله  بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.

ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟

فنزلت ﴿ قل كفى ﴾ الآية.

فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟

قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد  وقطعوا بأنها ليست من عند الله بل من تلقاء محمد  فيلزمهم أن يقولوا: إن محمداً هو الله فيكون إيماناً بالباطل وكفراً بالله.

قلت: ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم.

ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيباً فنزلت ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ﴾ هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة.

وقوله ﴿ وهم لايشعرون ﴾ تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم اصلاً.

ثم كرر قوله ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ تعجباً منهم وتعجيباً، فإن من توعد بأمر يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك.

وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصاً إذا كان الموعد لا يخلف الميعاد ويقدر على كل ما اراد.

وقوله ﴿ لمحيطة ﴾ بمعنى الاستقبال أي ستحبط بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم في الدنيا، أو مجازاً لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة بهم.

والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر اي ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ كان كيت وكيت.

وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل "ومن تحتهم" كما قال ﴿ من فوقهم ﴾ لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الراس أو من موضع آخر.

وأما الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل.

ويجوز أن يكون زيادة الأرجل تصويراً لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها.

وقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من اهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال ﴿ يا عبادي ﴾ فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ فقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ صفة موضحة.

وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة.

ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو ارفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله  "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد" .

واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير.

والفاء في قوله ﴿ فإياي ﴾ للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي ﴿ فاعبدوني ﴾ ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله ﴿ وإياي فارهبون  ﴾ فصار حاصل المعنى: إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فاخلصوها لي في غيرها.

والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله ﴿ يا عبادي ﴾ الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة.

ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أي إن الذي تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطراراً فمن اراد أن لا يموت ابداً فليمت اختياراً فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار.

ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار.

وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله ﴿ نعم أجر العالمين ﴾ بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم تعلمون ﴾ وقوله ﴿ لنبوئنهم ﴾ أَ لننزلنهم ﴿ من الجنة ﴾ عوالي ومن قرأ بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازماً وأثوى غيره متعدياً إلى واحد.

فانتصاب ﴿ غرفاً ﴾ إمات بنزع الخافض، وإما لتضمين الإِثواء معنى التبوئة والإِنزال، وإما التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم.

ثم مدح ﴿ الذين صبروا ﴾ على المكاره في الحال.

﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيما يحتاجون إليه في الاستقبال.

وكل واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن.

والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه لا يصلح للاعتماد عليه.

ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال الدواب.

وقال المفسرون: لما أمر رسول الله  من اسلم بمكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف اقدم بلدة ليست لي فيها معيشة فنزلت ﴿ وكاين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ عن الحسن اي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق ﴿ الله يرزقها ﴾ بإيجاد غذائها وهدايتها إليه.

ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها وهيأها لذلك.

﴿ وإياكم ﴾ بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها اختياراً وقهراً، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلاً والراكع الساجد غير متوكل.

عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإِنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا أنه ينساها.

وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع.

وإذا كان أكثر الحيوان على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟!

﴿ وهو السميع ﴾ لدعاء طلبة الرزق ﴿ العليم ﴾ بطوياتهم ومقادير حاجاتهم.

ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟

فإن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق الذرات وإليه اشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة البسط والقبض في ذلك الباب.

ومعنى ﴿ يقدر ﴾ يضيق فالضمير في ﴿ له ﴾ إما للشخص المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء.

وفي قوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله إليه من غير تأخير إن شاء.

ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إِحياء الأرض الميتة بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله.

ثم قال ﴿ قل الحمد لله ﴾ وهو كلام مستقل على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً.

وفيه أن العالم إذا لم يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ وقال جار الله: اراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: "الحمد لله" ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم.

واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله  أمر الدنيا وعظم أمر الاخرة ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا.

قال أهل العلم: الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك.

ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض أمور الآخرة لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاهٍ وحين كان الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم اللعب هناك لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد.

ولما كان المذكور ههنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله ﴿ وما هذه الحياة الدنيا ﴾ وقال في الأنعام ﴿ وما الحياة الدنيا  ﴾ وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو.

ويحتمل أن يقال: إنه  قدم اللعب على اللهو في موضعين من "الأنعام" وكذلك في القتال ويقال لها "سورة محمد"  وفي "الحديد".

وقدم اللهو على اللعب في "الأعراف" و"العنكبوت".

فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب.

"تنبيه" ما ذكر في الحديد ﴿ اعلموا أَنما الحياة الدنيا لعب  ﴾ كلعب الصبيان ﴿ ولهو  ﴾ كلهو الشبان و ﴿ زينة  ﴾ كزينة النسوان ﴿ وتفاخر  ﴾ كتفاخر الإخوان ﴿ وتكاثر  ﴾ كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين.

وأما هذه السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون غلى المقصود اقرب.

ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله ﴿ وللدار الآخرة خير  ﴾ ولما كان ههنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة.

ولا يخفى ما في التركيب من أنواع المبالغة من جهة "إن" ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان بتحريك العين وهو مصدر "حيي" بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو.

ولو كانا واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه "حييان" بياءين قلبت الثانية واواً على منوال حيوة في اسم رجل.

ولأن المبالغة ههنا أزيد مما في الأنعام قال ههنا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهنالك ﴿ أفلا تعقلون  ﴾ لأن المعلوم أكثر مقمدة من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك ﴾ إلى أن المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها.

ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن تقابل بالشكر لا بالكفر فقال ﴿ أولم يروا ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "القصص".

ثم ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم.

فمن وضع شيئاً في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا الله شريكاً مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم منهم.

وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب كان ظالماً، فمن كذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟

وفي قوله ﴿ لما جاءه ﴾ إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت، وهذا أيضاً نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم.

وفي قوله ﴿ اليس ﴾ معنيان بعد كون الاستفهام للتقرير.

فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على مثل هذه الجرأة؟

وإن اريد نفي الاستقبال فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟

وقيل: هو من الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن الذي كذب النبي.

ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب للنبي فهو كقوله ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ ثم ختم السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو الشيطان الجني والإنسي ﴿ فينا ﴾ أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصاً ﴿ لنهدينهم ﴾ سبيل الجنة أو سبيل الخير بإعطاء ميزد اللطاف والتوفيق.

وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من واهب الصور الجسمانية والعقلية.

وقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ أي بالنصر والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، فكأنه  أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث.

فأشار إلى الناقصين بقوله ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله ﴿ والذين جاهدوا ﴾ وإلى اصحاب الحدس وصفاء الضمير بقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ﴾ فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا.

والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة.

﴿ ولذكر الله ﴾ في إزالة مرض القلب ﴿ أكبر ﴾ من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب.

فلاذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً.

﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ﴿ ولا تجادلوا ﴾ يا ارباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ من العلوم الباطنة ﴿ وأنزل إليكم ﴾ من العلوم الظاهرة ﴿ وكذلك ﴾ اي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر ﴿ أنزلنا عليكم ﴾ الكشوف والمعارف ﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ وهم أرباب القلوب يصدقون به، ﴿ ومن هؤلاء ﴾ العلماء الظاهريين من يؤمن به ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا الذين ﴾ يشترون الحق بالباطل ﴿ وما كنت تتلو ﴾ وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي  ، ولذلك قال ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب.

سأل موسى  : إلهي أين أطلبك؟

فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي.

ثم اشار بقوله ﴿ وما يجحد ﴾ إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا ﴿ لولا أنزل عليه آية ﴾ وذلك لعمى عيون قلوبهم.

ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه ﴿ وإن جهنم ﴾ الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة ﴿ لمحيطة ﴾ بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ وهو الحرص والشره والشهوة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ يا عبادي ﴾ أن أرض حضرة جلالي ﴿ واسعة ﴾ فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ بالإضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار ﴿ لنبوئنكم ﴾ من جنة الوصال غرفاً من المعارف ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ الذين صبروا ﴾ في الباية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح ﴿ وكأين من دابة ﴾ شخص كالدابة ﴿ لا تحمل ﴾ النظر عن ﴿ رزقها ﴾ لضعف نفسها عن التوكل ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ﴿ ليقولن الله ﴾ لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ بإصابته النور ﴿ ويقدر ﴾ بأخطائه ﴿ إن الله عليم ﴾ باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحاينة ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب ﴿ لهي الحيوان ﴾ لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث "إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي" قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر.

ثم بين بقوله ﴿ فإذا ركبوا ﴾ أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ الآية، على المعتزلة في قولهم: إن على الله الأصلح لهم في الدين؛ لأنه أخبر أنهم أخلصوا الدين لله إذا ركبوا في الفلك، ولا شك أن ذلك أصلح لهم في الدين، فلما لم يبقهم على تلك الحال ليكونوا على ذلك الإخلاص؛ بل أخرجهم منها فعادوا إلى ما كانوا فدل ذلك أن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدين.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ ﴾ قوله: ﴿ لِيَكْفُرُواْ ﴾ أي: أنجاهم ليكونوا على ما علم منهم أنهم يكونون، وقد علم أنه يكون منهم الكفر، فأنجاهم إلى البر؛ ليكون منهم ما قد علم أنه يكون ويختارون، وكأن إخلاصهم الدعاء في الفلك لم يكن إخلاص اختيار، ولكن إخلاص دفع البلاء عن أنفسهم؛ إذ لو كان ذلك إخلاص اختيار، لا دفع البلاء لكانوا لا يتركون ذلك في الأحوال كلها، فهذه الآية وإن كانت في أهل الكفر، ففي ذلك - أيضاً - توبيخ لأهل الإسلام؛ لأنهم لا يقومون بالشكر لله وإخلاص العبادة له في حال السعة والنعمة كما يكونون في حال الضيق والشدة، فينبههم ليكونوا في الأحوال كلها مخلصين العمل لله شاكرين له؛ لئلا يكون عملهم على حرف وجهة كعمل أهل النفاق، وكعمل أولئك الكفرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ قيل: يكذبون.

وقيل: يعدلون.

وقيل: يؤفكون: يؤفنون ويحمقون، والمأفون: الأحمق، والأفن: الحمق.

وقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ ﴾ أي: سوف يعلمون صدقي في قولي، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه كما عادوا إلى ما كانوا عليه إذ أنجاهم من الأهوال التي ابتلوا بها؛ أي: سوف يعلمون ما أوعدهم الرسل.

وفي قولهم: ﴿ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ وجه آخر: وهو أن يقال: ما هذه المحاسن والأعمال [التي] تعملون وتعدون محاسن وصلاحاً في هذه الدنيا إلا لهو ولعب؛ لما لا تبقى ولا تنتفعون بها إلا ما ابتغي بها وجه الله والدار الآخرة، وهو ما قال: ﴿ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ ﴾ أي: هي الباقية الدائمة ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون ﴾ .

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ﴾ قد ذكرنا في غير موضع: أن الاستفهام من الله يخرج مخرج الإلزام والإيجاب، أو يخرج مخرج الخبر، لا على حقيقة الاستفهام؛ لأنه عالم بذاته، يعلم ما في باطنهم وظاهرهم، وما يسرون وما يعلنون، بما كان ويكون، لا يستفهم عباده شيئاً، ولكنه يخرج على ما ذكرنا على الخبر، أو على الإلزام والإيجاب؛ فالخبر كأنه يقول: قد رأوا وعلموا أن الله جعل الحرم مأمناً لهم يأمنون فيه، وكان الناس حولهم يتخطفون ويخافون، والإلزام والإيجاب أن يقول لهم: اعلموا أن الله جعل لكم الحرم مأمناً تأمنون فيه والناس من حولكم على خوف يسلبون ويُسْبَوْنَ ويقتلون.

ثم يخرج تذكيره إياهم هذا على وجهين: أحدهما: أن الله قد جعل لكم الحرم مأمناً تأمنون فيه؛ لتعظيمكم حرم الله وبيته، والناس حولكم على خوف، وأنتم تشاركون من حولكم في الدين، فكيف تخافون الاختطاف والاستلاب إذا دنتم بدينه واتبعتم رسوله، فإذا آمنكم بكونكم في حرم الله وتعظيمكم بيته، ودفع عنكم الاستلاب والاختطاف، فكيف تخافون ذلك إذا دنتم بدينه واتبعتم أمره؟!

بل الأمن والسعة إذا دنتم بدينه واتبعتم أمره أكثر وأحق؛ فكأنهم إنما تركوا اتباع دينه خوفاً من الاختطاف؛ كقولهم: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ  ﴾ فقال لهم: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ .

أو يذكر هذا لهم: أنه قد أمنكم وصرف عنكم مع عبادتكم الأصنام وصرفكم الشكر إليها عند كل مكروه وسوء بكونكم في مجاورة بيته وحرمه، فإذا صرفتم العبادة إليه وشكرتم نعمه - أحق أن يؤمنكم ويوسع عليكم نعمه ويدفع عنكم ما لم يدفع عمن حولكم، وأنتم شركاؤهم في عبادة الأصنام واتخاذهم إياها آلهة.

على هذا يخرج، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: بما أوحى إليكم إبليس من الباطل تؤمنون، وهو ما أوحى إليهم: أن هؤلاء شفعاؤكم عند الله وعبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 121].

وقوله: ﴿ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ أي: بما أوحى إليكم محمد من الله تكفرون.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: بالشرك يؤمنون ﴿ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ أي: بتوحيد الله يكفرون.

أو أن تكون النعمة - هاهنا - هي القرآن، أو ما ذكرنا، وهو محمد  .

وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على وجهين: على الخبر مرة، وعلى الإيجاب تارة والإلزام: [أي]: اعلموا أن ليس أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله.

وعلى الخبر: أي: قد علمتم أن ليس أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله؛ إذ قد عرفتم بعقولكم قبح الافتراء والكذب فيما بينكم، فلا كذب ولا افتراء أوحش أو أقبح من الافتراء على الله، فكيف افتريتم عليه وهو أوحش وأقبح؟!.

وقوله: ﴿ أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل: ﴿ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ ﴾ برسول الله، أو بالقرآن الذي عجزوا عن إتيان مثله، أو بالتوحيد، أو كذب بالحق الذي ظهر حقه وصدقه لما جاءه.

وقوله: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ﴾ كأنه يقول: اعلم أن جهنم مثوى للكافرين؛ يذكره على التصبّر على أذاهم، والتسلي له بما كان يضيق صدره لمكان تركهم الإيمان والإياس منهم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ أي: ليس من أجهد نفسه في طلب الدنيا والعمل لها إلا لهواً ولعباً، وأما من أجهد نفسه لله وطلب مرضاته فهو حق وله دار الحياة التي لا موت فيها ولا انقطاع.

ويشبه أن يكون على الابتداء لا على الصلة بالأول؛ يقول: والذين جاهدوا أنفسهم في هواها وشهواتها وأمانيها حقيقة ابتغاء مرضات الله وطلب الهداية والدين وسبيله ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ذكر السبل - هاهنا - لما سبق ذكر الجماعة، يقول: الذين جاهدوا فينا لنهدينهم كلا سبيلا فيكون سبلا للكل، وأما قوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ أن السبل على الإطلاق على غير تقدم ذكر من الهدى، أو شيء من الإضافة إلى الله - هي سبل الشيطان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ في التوفيق لهم في الإحسان والأعمال الصالحة.

أو مع المحسنين في النصر لهم والمعونة لهم مع أعدائهم.

أو مع المحسنين يحفظهم ويتولاهم.

ثم لم يفهم أحد من الخلق من قوله: ﴿ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ و ﴿ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ما يفهم من الخلق وذوي الأجسام والجثات، فكيف فهم بعض الناس من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ و ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ و ﴿ يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ  ﴾ في كذا ما يفهم من استواء الخلق ومجيئهم وإتيانهم؟!

ليعلم أن فهم ذلك على ما يفهم من الخلق بعيدٌ محال، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أَوَلم ير هؤلاء الجاحدون لنعمة الله عليهم حين نجاهم الله من الغرق نعمة أخرى؛ هي أنا جعلنا لهم حرمًا يأمنون فيه على دمائهم وأموالهم، على حين أن غيرهم تُشَنّ عليهم الغارات، فيُقْتلون ويُؤسرون وتُسْبى نساؤهم وذراريهم، وتُنْهب أموالهم، أفبالباطل من آلهتهم المزعومة يؤمنون، وبنعمة الله عليهم يكفرون، فلا يشكرونها لله؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.7XnkR"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله