الآية ٢٩ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٢٩ من سورة لقمان

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّۭ يَجْرِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه ( يولج الليل في النهار ) بمعنى : يأخذ منه في النهار ، فيطول ذلك ويقصر هذا ، وهذا يكون زمن الصيف يطول النهار إلى الغاية ، ثم يسرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار ، وهذا يكون في زمن الشتاء ، ( وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى ) قيل : إلى غاية محدودة .

وقيل : إلى يوم القيامة .

وكلا المعنيين صحيح ، ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر ، رضي الله عنه ، الذي في الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا ذر ، أتدري أين تذهب هذه الشمس ؟

" .

قلت : الله ورسوله أعلم .

قال : " فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها : ارجعي من حيث جئت " .

وقال ابن أبي الحاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو صالح ، حدثنا يحيى بن أيوب ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس أنه قال : الشمس بمنزلة الساقية ، تجري بالنهار في السماء في فلكها ، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها ، قال : وكذلك القمر .

إسناده صحيح .

وقوله : ( وأن الله بما تعملون خبير ) ، كقوله : ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض ) [ الحج : 70 ] .

ومعنى هذا : أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء ، كقوله : ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) [ الطلاق : 12 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) يقول تعالى ذكره: (ألَمْ تَرَ) يا محمد بعينك (أنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ) يقول: يزيد من نقصان ساعات الليل في ساعات النهار (وَيُولجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) يقول: يزيد ما نقص من ساعات النهار في ساعات اللَّيل.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ) نقصان الليل في زيادة النهار (وَيُولجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) نقصان النهار في زيادة الليل.

وقوله: (وَسَخَّر الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَل مُسَمًّى) يقول تعالى ذكره : وسخر الشمس والقمر لمصالح خلقه ومنافعهم، (كلٌّ يجري) يقول: كلّ ذلك يجري بأمره إلى وقت معلوم، وأجل محدود إذا بلغه كوّرت الشمس والقمر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) يقول: لذلك كله وقت وحد معلوم، لا يجاوزه ولا يعدوه.

وقوله: (وَأنَّ اللهَ بمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) يقول: وإن الله بأعمالكم أيها الناس من خير أو شرّ ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميع ذلك، وخرج هذا الكلام خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنيّ به المشركون، وذلك &; 20-155 &; أنه تعالى ذكره: نبه بقوله: ( أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) على موضع حجته من جهل عظمته، وأشرك في عبادته معه غيره، يدلّ على ذلك قوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل تقدم في ( الحج وآل عمران ) وسخر الشمس والقمر أي ذللهما بالطلوع والأفول تقديرا للآجال وإتماما للمنافع .

كل يجري إلى أجل مسمى قال الحسن : إلى يوم القيامة .

قتادة : إلى وقته في طلوعه وأفوله لا يعدوه ولا يقصر عنه .

وأن الله بما تعملون خبير أي من قدر على هذه الأشياء فلا بد من أن يكون عالما بها ، والعالم بها عالم بأعمالكم .

وقراءة العامة تعملون بالتاء على الخطاب .

وقرأ السلمي ونصر بن عاصم والدوري عن أبي عمرو بالياء على الخبر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا فيه أيضا، انفراده بالتصرف والتدبير، وسعة تصرفه بإيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، أي: إدخال أحدهما على الآخر، فإذا دخل أحدهما، ذهب الآخر.وتسخيره للشمس والقمر، يجريان بتدبير ونظام، لم يختل منذ خلقهما، ليقيم بذلك من مصالح العباد ومنافعهم، في دينهم ودنياهم، ما به يعتبرون وينتفعون.و { كُلّ } منهما { يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } إذا جاء ذلك الأجل، انقطع جريانهما، وتعطل سلطانهما، وذلك في يوم القيامة، حين تكور الشمس، ويخسف القمر، وتنتهي دار الدنيا، وتبتدئ الدار الآخرة.{ وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من خير وشر { خَبِيرٌ } لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على تلك الأعمال، بالثواب للمطيعين، والعقاب للعاصين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم ترَ» تعلم يا مخاطب «أن الله يُولج» يدخل «الليل في النهار ويولج النهار» يدخله «في الليل» فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر «وسخَّر الشمس والقمر كلُّ» منهما «يجري» في فلكه «إلى أجل مسمى» هو يوم القيامة «وأن الله بما تعملون خبير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تر أن الله يأخذ من ساعات الليل، فيطول النهار، ويقصر الليل، ويأخذ من ساعات النهار، فيطول الليل، ويقصر النهار، وذلَّل لكم الشمس والقمر، يجري كل منهما في مداره إلى أجل معلوم محدد، وأن الله مُطَّلع على كل أعمال الخلق مِن خير أو شر، لا يخفى عليه منها شيء؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - الناس بجانب من مظاهر قدرته ونعمه عليهم ، لكى يخلصوا له العبادة والطاعة ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ .

.

.

كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) .والاستفهام فى قوله - سبحانه - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار .

.

.

) للتقرير .

والخطاب لكل من يصلح له ليعتبر ويتعظ ، ويخلص العبادة لله - تعالى - .وقوله ( يُولِجُ ) من الإِيلاج بمعنى الإِدخال .

يقال : ولج فلان منزله ، إذا دخله .

.

ثم استعير لزيادة زمان النهار فى الليل وعكسه ، بحسب المطالع .أى : لقد رأيت وشاهدت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - ، يدخل الليل فى النهار ، ويدخل النهار فى الليل ، ويزيد فى أحدهما وينقص من الآخر ، على حسب مشيئته وحكمته .

.وأنه - سبحانه - ( وَسَخَّرَ الشمس والقمر ) أى : ذللهما وجعلهما لمنفعة الناس ومصلحتهم ، كما جعلهما يسيران هما والليل والنهار ، بنظام بديع لا يتخلف .وقوله : ( كُلٌّ يجري إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) كل من الشمس والقمر يجريان فى مدارهما بنظام ثابت محكم ، إلى الوقت الذى حدده - سبحانه - لنهاية سيرهما ، وهو يوم القيامة .

قال ابن كثير : قوله : ( إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) قيل : إلى غاية محدودة .وقيل : إلى يوم القيامة ، وكلا المعنيين صحيح .

ويستشهد للقول الأول بحديث أبى ذر الذى فى الصحيحين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا ذر ، أتدرى أين تذهب هذه الشمس؟

قلت : الله ورسوله أعلم .

قال : فإنهما تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأذن ربهما ، فيوشك أن يقال لها : ارجعى من حيث جئت " .وقال الجمل : قوله : ( ; إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) قاله هنا بلفظ ( إلى ) ، وفى سورتى فاطر والزمر ، بلفظ " لأجل ، لأن ما هنا وقع بين آيتين دالتين على غاية ما ينتهى إليه الخلق ، وهما قوله : ( مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ .

.

.

) الآية .

وقوله ( اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً ) الدالة على الانتهاء ، وما فى فاطر والزمر خال من ذلك .

إذ ما فى فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهائه ، وما فى الزمر ذكر ما ابتدائه ، فناسب ذكر اللام ، والمعنى يرى كل كما ذكر لبلوغ أجل مسمى .وجملة ( وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) معطوفة على قوله : ( تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ ) أى : لقد علمت أن الله - تعالى - قد فعل ذلك ، وأنه سبحانه - خبير ومطلع على كل عمل تعملونه - أيها الناس - دون أن يخفى عليه شئ منها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يحتمل أن يقال: إن وجه الترتيب هو أن الله تعالى لما قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السموات وَمَا فِي الأرض  ﴾ على وجه العموم ذكر منها بعض ما هو فيهما على وجه الخصوص بقوله: ﴿ يُولِجُ اليل فِي النهار ﴾ وقوله: ﴿ وَسَخَّرَ الشمس والقمر ﴾ إشارة إلى ما في السموات، وقوله بعد هذا: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِى فِي البحر بِنِعْمَتِ الله  ﴾ إشارة إلى ما في الأرض.

ويحتمل أن يقال إن وجهه هو أن الله تعالى لما ذكر البعث وكان من الناس من يقول: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر  ﴾ والدهر هو الليالي والأيام، قال الله تعالى هذه الليالي والأيام التي تنسبون إليها الموت والحياة هي بقدرة الله تعالى فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ اليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي اليل ﴾ ثم إن قائلاً لو قال إن ذلك اختلاف مسير الشمس تارة تكون القوس التي هي فوق الأرض أكثر من التي تحت الأرض فيكون الليل أقصر والنهار أطول وتارة تكون بالعكس وتارة يتساويان فيتساويان فقال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ الشمس والقمر ﴾ يعني إن كنتم لا تعترفون بأن هذه الأشياء كلها في أوائلها من الله فلابد من الاعتراف بأنها بأسرها عائدة إلى الله تعالى، فالآجال إن كانت بالمدد والمدد بسير الكواكب فسير الكواكب ليس إلا بالله وقدرته، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: إيلاج الليل في النهار يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقال المراد إيلاج الليل في زمان النهار أي يجعل في الزمان الذي كان فيه النهار الليل، وذلك لأن الليل إذا كان مثلاً اثنتي عشرة ساعة ثم يطول يصير الليل موجوداً في زمان كان فيه النهار وثانيهما: أن يقال المراد إيلاج زمان الليل في النهار أي يجعل زمان الليل في النهار وذلك لأن الليل إذا كان كما ذكرنا اثنتي عشرة ساعة إذا قصر صار زمان الليل موجوداً في النهار ولا يمكن غير هذا لأن إيلاج الليل في النهار محال الوجود فما ذكرنا من الإضمار لابد منه لكن الأول أولى لأن الليل والنهار أفعال والأفعال في الأزمنة لأن الزمان ظرف فقولنا الليل في زمان النهار أقرب من قولنا زمان الليل في النهار لأن الثاني يجعل الظرف مظروفاً.

إذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى: ﴿ يُولِجُ اليل فِي النهار ﴾ أي يوجده في وقت كان فيه النهار والله تعالى قدم إيجاد الليل على إيجاد النهار في كثير من المواضع كما في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ وقوله: ﴿ واختلاف اليل والنهار  ﴾ ومن جنسه قوله: ﴿ خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ وهذا إشارة إلى مسألة حكمية، وهي أن الظلمة قد يظن بها أنها عدم النور والليل عدم النور والليل عدم النهار والحياة عدم الموت وليس كذلك إذ في الأزل لم يكن نهار ولا نور ولا حياة لممكن ولا يمكن أن يقال كان فيه موت أو ظلمة أو ليل فهذه الأمور كالأعمى والأصم فالعمى والصمم ليس مجرد عدم البصر وعدم السمع إذ الحجر والشجر لا بصر لهما ولا سمع ولا يقال لشيء منهما إنه أصم أو أعمى إذا علم هذا فنقول ما يتحقق فيه العمى والصمم لابد من أن يكون فيه اقتضاء لخلافهما وإلا لما كان يقال له أعمى وأصم وما يكون فيه اقتضاء شيء، ويترتب عليه مقتضاه لا تطلب النفس له سبباً، لأن من يرى المتعيش في السوق، لا يقول لم دخل السوق وما يثبت على خلاف المقتضى تطلب النفس له سبباً، كمن يرى ملكاً في السوق يقول لم دخل، فإذن سبب العمى والصمم يطلبه كل واحد فيقول لم صار فلان أعمى ولا يقول لم صار فلان بصيراً، وإذا كان كذلك قدم الله تعالى ما تطلب النفس سببه وهو الليل الذي هو على وزان العمى والظلمة والموت لكون كل واحد طالباً سببه ثم ذكر بعده الأمر الآخر.

المسألة الثانية: قال: ﴿ يُولِجُ ﴾ بصيغة المستقبل وقال في الشمس والقمر سخر بصيغة الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل فصل بل كل يوم وتسخير الشمس والقمر أمر مستمر كما قال تعالى: ﴿ حتى عَادَ كالعرجون القديم  ﴾ .

المسألة الثالثة: قدم الشمس على القمر مع تقدم الليل الذي فيه سلطان القمر على النهار الذي فيه سلطان الشمس لما بينا أن تقديم الليل كان لأن الأنفس تطلب سببه أكثر مما تطلب سبب النهار، وهاهنا كذلك، لأن الشمس لما كانت أكبر وأعظم كانت أعجب، والنفس تطلب سبب الأمر العجيب أكثر مما تطلب سبب الأمر الذي لا يكون عجيباً.

المسألة الرابعة: ما تعلق قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ بما تقدم؟

نقول لما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أن ما يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى على الله.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه الأكثرون، وكأنه ترك الخطاب مع غيره، لأن من هو غيره من الكفار لا فائدة للخطاب معهم لإصرارهم، ومن هو غيره من المؤمنين فهم مؤتمرون بأمر النبي عليه الصلاة والسلام ناظرون إليه الوجه الثاني: أن يقال المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولا يعين أحداً فيقول لجمع عظيم: يا مسكين إلى الله مصيرك، فمن نصيرك، ولماذا تقصيرك.

فقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ يكون خطاباً من ذلك القبيل أي يا أيها الغافل ألم تر هذا الأمر الواضح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كل واحد من الشمس والقمر يجري في فلكه، ويقطعه إلى وقت معلوم: الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهر.

وعن الحسن: الأجل المسمى: يوم القيامة.

لأنه لا ينقطع جريهما إلا حينئذٍ.

دلّ أيضاً بالليل والنهار وتعاقبهما وزيادتهما ونقصانهما وجرى النيرين في فلكيهما كل ذلك على تقدير وحساب.

وبإحاطته بجميع أعمال الخلق: على عظم قدرته وحكمته.

فإن قلت: يجري لأجل مسمى، ويجري إلى أجل مسمى: أهو من تعاقب الحرفين؟

قلت: كلا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العطن.

ولكن المعنيين: أعني الانتهاء والاختصاص كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأنّ قولك يجري إلى أجل مسمى: معناه يبلغه وينتهي إليه.

وقولك: يجري لأجل مسمى: تريد يجري لإدراك أجل مسمى، تجعل الجري مختصاً بإدراك أجل مسمى.

ألا ترى أن جري الشمس مختص بآخر السنة.

وجري القمر مختص بآخر الشهر.

فكلا المعنيين غير ناب به موضعه ﴿ ذلك ﴾ الذي وصف من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون.

فكيف بالجماد الذي تدعونه من دون الله، إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت إلهيته.

وأنّ من دونه باطل الإلهية ﴿ وَأَنَّ الله هُوَ العلى ﴾ الشأن ﴿ الكبير ﴾ السلطان.

أو ذلك الذي أوحى إليك من هذه الآيات بسبب بيان أنّ الله هو الحق، وأنّ إلها غيره باطل، وأنّ الله هو العليّ الكبير عن أن يشرك به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها إذْ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لِأنَّهُ يَكْفِي لِوُجُودِ الكُلِّ تَعَلُّقُ إرادَتِهِ الواجِبَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ الذّاتِيَّةِ كَما قالَ ( إنَّما أمْرُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .

﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ ﴿ بَصِيرٌ ﴾ يُبْصِرُ كُلَّ مُبْصِرٍ لا يَشْغَلُهُ إدْراكُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ فَكَذَلِكَ الخَلْقُ.

﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي ﴾ كُلٌّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ يَجْرِي في فَلَكِهِ.

﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ إلى مُنْتَهى مَعْلُومِ الشَّمْسِ إلى آخِرِ السَّنَةِ والقَمَرِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ.

وَقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أنَّ الـ ( أجَلٍ ) ها هُنا مُنْتَهى الجَرْيِ وثَمَّةَ غَرَضُهُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا وكِلا المَعْنَيَيْنِ حاصِلٌ في الغاياتِ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ عالِمٌ بِكُنْهِهِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِي ذُكِرَ مِن سِعَةِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ وعَجائِبِ الصُّنْعِ واخْتِصاصِ البارِي بِها.

﴿ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ الثّابِتُ في ذاتِهِ الواجِبُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوِ الثّابِتُ إلَهِيَّتُهُ.

( وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) الباطِلُ المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ لِأنَّهُ لا يُوجِدُ ولا يَتَّصِفُ إلّا بِجَعْلِهِ أوِ الباطِلُ إلَهِيَّتُهُ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ بِالياءِ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ مُتَرَفِّعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ومُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)

{ألم تر أن الله يولج الليل فِى النهار} يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار إذا أقبل الليل {وَيُولِجُ النهار فِى الليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر} لمنافع العباد {كُلٌّ} أي كل واحد من الشمس والقمر {يَجْرِى} في فلكه ويقطعه {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} إلى يوم القيامة أو إلى وقت معلوم الشمس إلى آخر السنة والقمر إلى آخر الشهر {وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وبالياء عياش دل أيضاً بتعاقب الليل والنهار وزيادتهما ونقصانهما وجرى النيرين

لقمان (٣٣ - ٣٠)

في فلكيهما على تقدير وحساب وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم قدرته وكمال حكمته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ قِيلَ: خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ  ، وقِيلَ: عامٌّ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، وهو الأوْفَقُ لِما سَبَقَ، وما لَحِقَ، أيْ ألَمْ تَعْلَمْ.

﴿ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ أيْ يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنها في الآخَرِ، ويُضِيفُهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ، فَيَتَفاوَتُ بِذَلِكَ حالُهُ زِيادَةً ونُقْصانًا، وعَدَلَ عَنْ يُولِجُ أحَدَ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَدَّمَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ لِمُناسَبَتِهِ لِعالَمِ الإمْكانِ المُظْلِمِ مِن حَيْثُ إمْكانُهُ الذّاتِيِّ، وفي بَعْضِ الآثارِ: «كانَ العالَمُ في ظُلْمَةِ فَرْشِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ،» وهَذا الإيلاجُ إنَّما هو في هَذا العالَمِ لَيْسَ عِنْدَ رَبِّكَ صَباحٌ ولا مَساءٌ، وقَدَّمَ الشَّمْسَ عَلى القَمَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ مَعَ تَقْدِيمِ اللَّيْلِ الَّذِي فِيهِ سُلْطانُ القَمَرِ عَلى النَّهارِ الَّذِي فِيهِ سُلْطانُ الشَّمْسِ لِأنَّها كالمَبْدَإ لِلْقَمَرِ، ولِأنَّ تَسْخِيرَها لِغايَةِ عِظَمِها أعْظَمُ مِن تَسْخِيرِ القَمَرِ، وأيْضًا آثارُ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ أعْظَمُ مِن آثارِ تَسْخِيرِهِ، وقالَ الإمامُ في تَعْلِيلِ تَقْدِيمِ كُلٍّ عَلى ما قُدِّمَ عَلَيْهِ: لِأنَّ الأنْفُسَ تَطْلُبُ سَبَبَ المُقَدَّمِ أكْثَرَ مِمّا تَطْلُبُ سَبَبَ المُؤَخَّرِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِما بَيَّنَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى لا سِيَّما إذا صَحَّ أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن ضِياءِ الشَّمْسِ، وعُطِفَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( سَخَّرَ ) عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( يُولِجُ )، والِاخْتِلافُ بَيْنَهُما صِيغَةٌ لِما أنَّ إيلاجَ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ مُتَجَدِّدٌ في كُلِّ حِينٍ، وأمّا التَّسْخِيرُ فَأمْرٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ، ولا تَجَدُّدَ، وإنَّما التَّعَدُّدُ، والتَّجَدُّدُ في آثارِهِ كَما يُشِيرُ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلٌّ )، ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿ يَجْرِي ﴾ يَسِيرُ سَيْرًا سَرِيعًا مُسْتَمِرًّا ﴿ إلى أجَلٍ ﴾ أيْ مُنْتَهًى لِلْجَرْيِ ﴿ مُسَمًّى ﴾ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَهُ لِذَلِكَ، وهو كَما قالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّهُ لا يَنْقَطِعُ جَرْيُ النَّيِّرَيْنِ وتَبْطُلُ حَرَكَتُهُما إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَرْيَ هو هَذِهِ الحَرَكَةُ الَّتِي يُشاهِدُها كُلُّ ذِي بَصَرٍ مِن أهْلِ المَعْمُورَةِ، وهي عِنْدَ الفَلاسِفَةِ بِواسِطَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ، فَإنَّ حَرَكَتَهُ كَذَلِكَ، وبِها حَرَكَةُ سائِرِ الأفْلاكِ، وما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، ويُسَمّى حَرَكَةَ الكُلِّ، والحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ، والحَرَكَةَ السَّرِيعَةَ، والحَرَكَةَ الأُولى، والحَرَكَةَ عَلى خِلافِ التَّوالِي، والحَرَكَةَ الشَّرْقِيَّةَ، وبَعْضُهم يُسَمِّيها الحَرَكَةَ الغَرْبِيَّةَ، وقِيلَ: ما يَعُمُّ هَذِهِ الحَرَكَةَ وحَرَكَتَهُما الخاصَّةَ بِهِما، وهي حَرَكَتُهُما بِواسِطَةِ فَلَكَيْهِما عَلى التَّوالِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وهي لِلْقَمَرِ أسْرَعُ مِنها لِلشَّمْسِ، ولَيْسَ في العَقْلِ الصَّرِيحِ والنَّقْلِ الصَّحِيحِ ما يَأْبى إثْباتَ هاتَيْنِ الحَرَكَتَيْنِ لِكُلٍّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ العارِفِ، ومُنْتَهى هَذا الجَرْيِ العامِّ لِهاتَيْنِ الحَرَكَتَيْنِ يَوْمُ القِيامَةِ أيْضًا، والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الخِطابِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِبَيانِ الواقِعِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ، وعَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِهِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَإنَّ جَرْيَهُما إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن جُمْلَةِ ما في حَيِّزِ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ جَرْيُهُما عِبارَةٌ عَنْ حَرَكَتِهِما الخاصَّةِ بِهِما، والأجَلُ المُسَمّى لِجَرْيِ الشَّمْسِ آخِرُ السَّنَةِ المُسَمّاةِ بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، وهي زَمانُ مُفارَقَةِ الشَّمْسِ أيَّةَ نُقْطَةٍ تُفْرَضُ مِن فَلَكِ البُرُوجِ إلى عَوْدِها إلَيْها بِحَرَكَتِها الخاصَّةِ، وجَعَلُوا ابْتِداءَها مِن حِينِ حُلُولِ الشَّمْسِ رَأْسَ الحَمَلِ، ومُدَّتُها عِنْدَ بَعْضٍ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، ورُبْعُ يَوْمٍ كَذَلِكَ، وعِنْدَ بَطْلَيْمُوسَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، وخَمْسُ ساعاتٍ وخَمْسَةٌ وخَمْسُونَ دَقِيقَةً واثْنَتا عَشْرَةَ ثانِيَةً، وعِنْدَ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا، وخَمْسُ ساعاتٍ وسِتٌّ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً، وأرْبَعٌ وعِشْرُونَ ثانِيَةً، وعِنْدَ الحَكِيمِ مُحْيِي الدِّينِ الكَسْرُ الزّائِدُ خَمْسُ ساعاتٍ ودَقِيقَةٌ، وبِالرَّصْدِ الجَدِيدِ الَّذِي تَوَلّاهُ الطُّوسِيُّ بِمَراغَةَ خَمْسُ ساعاتٍ وتِسْعٌ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً، ووُجِدَ بِرَصْدِ سَمَرْقَنْدَ أزْيَدَ مِن هَذا بِرُبْعِ دَقِيقَةٍ، وأمّا الِاصْطِلاحِيَّةُ فاعْتَبَرَها بَعْضٌ كالرُّومِ والأقْدَمِينَ مِنَ الفُرْسِ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً وسِتُّونَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، ورُبْعَ يَوْمٍ كَذَلِكَ، وأخَذَ الكَسْرُ رُبْعًا تامًّا إلّا أنَّ الرُّومَ يَجْعَلُونَ ثَلاثَ سِنِينَ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً وسِتِّينَ، ويَكْبِسُونَ في الرّابِعَةِ بِيَوْمٍ، والفُرْسُ كانُوا يَكْسِبُونَ في مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً بِشَهْرٍ، واعْتَبَرَها بَعْضٌ آخَرُ كالقِبْطِ، والمُسْتَعْمِلِينَ لِتارِيخِ الفُرْسِ مِنَ المُحْدَثِينَ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، وأُسْقِطَ الكَسْرُ رَأْسًا، ولِجَرْيِ القَمَرِ آخِرَ الشَّهْرِ القَمَرِيِّ الحَقِيقِيِّ وهو زَمانُ مُفارَقَةِ القَمَرِ، أيْ وضْعٌ يُعَرَّضُ لَهُ مِنَ الشَّمْسِ إلى عَوْدِهِ إلَيْهِ، وجَعَلُوا ابْتِداءَهُ مِنَ اجْتِماعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وزَمانَ ما بَيْنَ الِاجْتِماعَيْنِ المُتَتالِيَيْنِ (كط لا ن) مِنَ الأيّامِ ودَقائِقِها وثَوانِيها تَقْرِيبًا، وأمّا الشَّهْرُ الغَيْرُ الحَقِيقِيُّ فالمُعْتَبَرُ فِيهِ الهِلالُ ويَخْتَلِفُ زَمانُ ما بَيْنَ الهِلالَيْنِ، كَما هو مَعْرُوفٌ.

قِيلَ: وعَلى هَذا فالجُمْلَةُ بَيانٌ لِحُكْمِ تَسْخِيرِهِما، أوْ تَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ إيلاجِ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ جَرَيانِ الشَّمْسِ عَلى مَداراتِها اليَوْمِيَّةِ، فَكُلَّما كانَ جَرَيانُها مُتَوَجِّهًا إلى سَمْتِ الرَّأْسِ تَزْدادُ القَوْسُ الَّتِي فَوْقَ الأرْضِ كِبَرًا، فَيَزْدادُ النَّهارُ طُولًا بِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزاءِ اللَّيْلِ إلَيْهِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَدارَ الَّذِي هو أقْرَبُ المَداراتِ إلى سَمْتِ الرَّأْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها إلى رَأْسِ السَّرَطانِ، ثُمَّ تَرْجِعُ مُتَوَجِّهَةً إلى التَّباعُدِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ، فَلا تَزالُ القِسِيُّ الَّتِي فَوْقَ الأرْضِ تَزْدادُ صِغَرًا، فَيَزْدادُ النَّهارُ قِصَرًا بِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزائِهِ إلى اللَّيْلِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَدارَ الَّذِي هو أبْعَدُ المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها رَأْسَ الجَدْيِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِجَرَيانِ القَمَرِ في الإيلاجِ، فالتَّعَرُّضُ لَهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ يُبْعِدُ هَذا الوَجْهَ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ جَرْيِهِما عِبارَةً عَنْ حَرَكَتِهِما الخاصَّةِ بِهِما أنْ يُجْعَلَ الأجَلُ المُسَمّى عِبارَةً عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ يُجْعَلَ عِبارَةً عَنْ آخِرِ السَّنَةِ والشَّهْرِ المَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ العَرَبِ فَتَأمَّلْ، وجَرى يَتَعَدّى بِإلى تارَةً وبِاللّامِ أُخْرى، وتَعْدِيَتُهُ بِالأوَّلِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَجْرُورِ غايَةً، وبِالثّانِي بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ غَرَضًا، فَتَكُونُ اللّامُ لامَ تَعْلِيلٍ، أوْ عاقِبَةٍ، وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ لِلِاخْتِصاصِ، ولِكُلٍّ وجْهٌ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُ اخْتِصاصِ هَذا المَقامِ بِإلى وغَيْرِهِ بِاللّامِ.

وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صُدِّرَتْ بِالتَّعْجِيبِ فَناسَبَ التَّطْوِيلُ، وهو كَما تَرى فَتَدَبَّرْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ ﴾ إلَخْ، داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ عَلى تَقْدِيرِي خُصُوصَ الخِطابِ وعُمُومَهُ، فَإنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ والتَّدْبِيرِ اللّائِقِ لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِجَلائِلِ أعْمالِهِ ودَقائِقِها، وقَرَأ عَيّاشٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «بِما يَعْمَلُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن عبادة خلقه الْحَمِيدُ في فعاله.

ويقال: حميد أي: محمود.

يعني: يحمد ويشكر.

قوله عز وجل: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآية.

قال قتادة: ذلك أن المشركين قالوا: هذا كلام يوشك أن ينفد وينقطع.

فنزل قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ الآية.

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن اليهود أعداء الله.

سألوا رسول الله  عن الروح فنزل قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) [الإسراء: 85] قالوا: كيف تقول هذا وأنت تزعم أن من أوتي الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كثيراً.

فكيف يجتمع علم قليل وخير كثير؟

فنزل وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ يقول: لو أن الشجر تبرى وتجعل أقلاماً وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ تكون كلها مداداً، يكتب بها علم الله عز وجل، لانكسرت الأقلام، ولنفد المداد، ولم ينفد علم الله تعالى.

فما أعطاكم الله من العلم قليل فيما عنده من العلم.

قرأ أبو عمرو: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ بنصب الراء.

وقرأ الباقون: بالضم.

فمن قرأ بالنصب نصبه.

لأنّ معناه: ولو أن ما فى الارض وأن البحر يمده.

ومن قرأ بالضم: فهو على الاستئناف وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ يعني: أمد إلى كل بحر مثله ما نفدت مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ يعني: علمه وعجائبه.

ويقال: معاني كلمات الله.

لأن لكل آية ولكل كلمة من المعاني ما لا يدرك ولا يحصى.

ويقال: مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ لأن كلمات الله لا تدرك ما تكلم به في الأزل سبحانه وتعالى.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عزيز بالنعمة على الكافر، حكيم حكم أنه ليس لعلمه غاية، وأن العلم للخلق غاية.

ثم قال عز وجل: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ قال مقاتل: نزلت في أبي بن خلف وابني أسد منبه ونبيه كلاهما ابني أسد قالوا: إن الله عز وجل خلقنا أطواراً، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم يقول: إنه بعث في ساعة واحدة، فقال الله عزَّ وَجَلَّ: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أيها الناس جميعاً.

يقال: هاهنا مضمر.

فكأنه يقول: إلا كخلق نفس واحدة، وكبعث نفس واحدة.

ويقال: معناه قدرته على بعث الخلق أجمعين، وعلى خلق الخلق أجمعين، كقدرته على خلق نفس واحدة.

ويقال: كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: إلا كخلق آدم  .

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بَصِيرٌ بهم.

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني: انتقاص كل واحد منها بصاحبه.

ويقال: يدخل الليل في النهار، والنهار في الليل وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ذللهما لبني آدم كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: يجريان في السماء إلى يوم القيامة، وهو الأجل المسمى.

ويقال: يجري كل واحد منهما إلى أجله في الغروب، حتى ينتهى إلى وقت نهايته وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

روي عن أبي عمرو في إحدى الروايتين أنه قرأ يعلمون بالياء بلفظ المغايبة.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: ذلِكَ يعني: هذا الذي ذكر من صنع الله عز وجل بالنهار والليل والشمس والقمر بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ يعني: ليعلموا أن الله هو الحق وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ يعني: من الآلهة لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء من ذلك يعني: لا تنفعهم عبادتها.

قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: وإنما يَدْعُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة لهم.

ثم عظّم نفسه فقال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يعني: ليعلموا أن الله هو الرفيع الكبير.

يعني: العظيم، وهو الذي يعظم ويحمد.

ثم بيّن قدرته فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ يعني: السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ أي: برحمة الله لمنفعة الخلق لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ يعني: من علامات وحدانيته.

ويقال: من عجائبه.

إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: إن الذي ترون في البحر لَآياتٍ يعني: لعبارات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ على أمر الله عز وجل عند البلاء.

ويقال: الذي يصبر في الأحوال كلها، شكورا لله عز وجل في نعمه.

ويقال: لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يعني: لكل مؤمن موحد.

وإنما وصفه بأفضل خصلتين في المؤمن، لأن أفضل خصال المؤمن: الصبر والشكر.

والصبار هو للمبالغة في الصبر.

والشكور على ميزان فعول هو للمبالغة في الشكر.

وروي عن قتادة أنه قال: إن أحب العباد إلى الله من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

فأعلم الله عز وجل أن المتفكر المعتبر في خلق السموات والأرض هو الصبار والشكور.

قوله عز وجل: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ يعني: أتاهم موج، كما يقال: من غشي سدد السلطان يجلس ويقم.

ويقال: علاهم.

ويقال: غطاهم موج كالظلل يعني: كالسحاب.

ويقال: كالجبال، وهو جمع ظلة.

يعني: يأتيهم الموج بعضه فوق بعض وله سواد لكثرته.

دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: أخلصوا له بالدعوة فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يعني: إلى القرار فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ يعني: فمنهم من يؤمن، ومنهم من يكفر ولا يؤمن.

ثم ذكر المشرك الذي ينقض العهد فقال تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا يعني: لا يترك العهد إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ يعني: غدار بالعهد.

كفور لله عز وجل في نعمه.

وقال القتبي: الختر أقبح الغدر.

كَفُورٍ على ميزان فعول.

وإنما يذكر هذا اللفظ إذا صار عادة له كما يقال: ظلوم.

وقد ذكر الكافر بأقبح خصلتين فيه، كما ذكر المؤمن بأحسن خصلتين فيه وهو قوله: صَبَّارٍ شَكُورٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: لأنه كله ب «كن فيكون» ، قاله مجاهد «١» .

وقوله تعالى: كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يريد: القيامة.

وقوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ يحتمل أن يريدَ ما تحملَه السفنُ من الطَّعامِ والأرزاقِ والتجاراتِ، فالباء: للإلْزَاقِ، ويحتمل أن يريدَ بالريحِ وتسخيرِ الله البحرَ ونحوَ هذا، فالباءُ باءُ السببِ.

وذكر تعالى من صفات المؤمن الصبَّارَ والشَّكُورَ لأنهما عُظْمُ أخلاقه، الصبرُ على الطاعاتِ وعلى النوائبِ، وعن الشهواتِ، والشكرُ على الضراءِ والسراءِ.

وقال الشعبي: الصبرُ نصفُ الإيمانِ والشكرُ نصفُه الآخرُ، واليقينُ الإيمان «٢» كله.

و «غَشِي» غطَّى أو قارَب، والظُّلَلِ: السحابُ.

وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ.

قال الحسن: منهم مؤمن «٣» يعرف حق الله في هذه النعم، والختَّار القبيحُ «٤» الغَدْرِ، وذلك أن مِنَن الله على العباد كأنها عهود ومِنَنٌ يلزمَ عنها أداء شكرها، والعبادةُ لمسديها، فمن كفر ذلك وجحد به، فكأنه ختر وخان، قال الحسن: الختار هو الغدار «٥» .

وكَفُورٍ: بناء مبالغة.

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ...

الآية يَجْزِي مَعْنَاه يَقْضي، والمعنى: لا ينفعه بشيء، وقرأ الجمهور: «الغَرور» «٦» : - بفتح

الغَيْنِ- وهو الشيطانُ قاله مجاهد «١» وغيره، واعلم أيها الأخ أنّ مَنْ فَهِمَ كَلامَ رَبِّه وَرُزِقَ التوفيقَ لم يَنْخَدِعْ بغُرورِ الدنيا وزخرفها الفاني بَل يَصْرِفُ هِمَّتَه بالكُلِّيَةِ إلى التزود لآخرته ساعياً في مَرْضَاةِ ربه، وأنَّ مَنْ أيقنَ أنَّ اللهَ يطلبُه صَدَقَ الطلبَ إليه، كما قاله الإمام العارفُ بالله ابن عطاء الله.

وإنه لا بد لبناءِ هذا الوجودِ أن تَنْهَدِمَ دعائمُه وأن تسلب كرائِمهُ، فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى، قد أشرق نورُه وظهرت تباشيرُه، فَصَدَفَ عن هذه الدار مُغْضِياً، وأعرض عَنها مولياً، فلم يتخذْها وطناً، ولا جعلها/ ٦٩ أسكنا بل أنْهَضَ الهمَّةَ فيها إلى اللهِ تعالى وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِيناً به في القدومِ عليه، فما زالت مطيةُ عَزْمِهِ لا يَقِرُّ قرارُها.

دائما تَسْيَارُهَا، إلى أن أناخَتْ بِحَضْرَةِ القُدَسِ، وبساطِ الإنْسِ، انتهى.

وَرَوَيْنَا في «جامع الترمذي» عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أغبط أوليائي عندي المؤمن خَفِيفٌ الحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرَّ، وَكَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ لاَ يُشَارُ إلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ على ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَضَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ نَوَائِحُهُ قَلَّ تراثه» ، قال أبو عيسى: وبهذا الإسنادِ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء «٢» مَكَّةَ ذَهَباً، قُلْتُ: لاَ، يَا رَبِّ، ولكن أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً، أَوْ قَالَ: ثَلاَثاً أَوْ نَحْوَ هذا، فَإذَا جُعْتُ، تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ، وَإذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ» «٣» .

قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي الباب عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، انتهى.

والغُرُورُ: التَّطْمِيعُ بما لا يَحْصُلُ.

وقال ابن جُبَيْرٍ: معنى الآية: أن تَعملَ المعصيةَ وتَتَمَنَّى المغفرة «٤» ، وفي الحديثِ الصحيح: عنه صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ تعالى وتلا الآية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ...

إلى آخرها» «٥» .

قال أبو حيَّان: بِأَيِّ أَرْضٍ: - الباء ظَرْفِيةٌ والجملة في موضع نصب- ب تَدْرِي.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ في آخَرِينَ مِن قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنَّ اللَّهَ خَلَقَنا أطْوارًا: نُطْفَةً، عَلَقَةً، مُضْغَةً، عِظامًا، لَحْمًا، ثُمَّ تَزْعُمُ أنّا نُبْعَثُ خَلْقًا جَدِيدًا جَمِيعًا في ساعَةٍ واحِدَةٍ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ومَعْناها: ما خَلْقُكم أيُّها النّاسُ جَمِيعًا في القُدْرَةِ إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، ولا بَعْثُكم جَمِيعًا في القُدْرَةِ إلّا كَبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [آلِ عِمْرانَ: ٢٧، الرَّعْدِ: ٢، الحَجِّ: ٦٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن نِعَمِهِ جَرَيانُ الفُلْكِ ﴿ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ ﴾ أيْ: لِيُرِيَكم مِن صَنْعَتِهِ عَجائِبَهُ في البَحْرِ، وابْتِغاءِ الرِّزْقِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: لِكُلِّ صَبُورٍ عَلى أمْرِ اللَّهِ ﴿ شَكُورٍ ﴾ في نِعَمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا غَشِيَهُمْ ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: هو عامٌّ في الكُفّارِ والمُسْلِمِينَ ﴿ مَوْجٌ كالظُّلَلِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهي جَمْعُ ظُلَّةٍ، يُرادُ أنْ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، فَلَهُ سَوادٌ مِن كَثْرَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا [يُونُسَ: ٢٢]؛ والمَعْنى أنَّهم لا يَذْكُرُونَ أصْنامَهم في شَدائِدِهِمْ إنَّما يَذْكُرُونَ اللَّهَ وحْدَهُ.

وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ لَمّا هَرَبَ يَوْمَ الفَتْحِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَكِبَ البَحْرَ فَأصابَتْهم رِيحٌ عاصِفٌ، فَقالَ أهْلُ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا، فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا هاهُنا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: ما هَذا الَّذِي تَقُولُونَ؟

فَقالُوا: هَذا مَكانٌ لا يَنْفَعُ فِيهِ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: هَذا إلَهُ مُحَمَّدٍ الَّذِي كانَ يَدْعُونا إلَيْهِ، لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ إلّا الإخْلاصُ ما يُنْجِينِي في البِرِّ غَيْرُهُ، ارْجِعُوا بِنا، فَرَجَعَ فَأسْلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُؤْمِنٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مُقْتَصِدٌ في قَوْلِهِ، وهو كافِرٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

يَعْنِي أنَّهُ يَعْتَرِفُ بِأنَّ اللَّهَ وحْدَهُ القادِرُ عَلى إنْجائِهِ وإنْ كانَ مُضْمِرًا لِلشِّرْكِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العادِلُ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ في البَحْرِ مِنَ التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا " الخَتّارُ " فَقالَ الحَسَنُ: هو الغَدّارُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخَتْرُ: أقْبَحُ الغَدْرِ وأشَدُّهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ خُوطِبَ بِهِ النَبِيُّ  والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ العالَمِ، وهَذِهِ عَبْرَةٌ تَدُلُّ عَلى الخالِقِ المُخْتَرِعِ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ بِتَدَرُّجٍ، والنَهارُ كَذَلِكَ، فَما قَصُرَ مِن أحَدِهِما زادَ في الآخَرِ، ثُمَّ بِالعَكْسِ يَنْقَسِمُ بِحِكْمَةٍ بارِئِ العالَمِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

و"يُولِجُ" مَعْناهُ: يُدْخِلُ، و"الأجَلُ المُسَمّى": القِيامَةُ الَّتِي تُنْتَقَضُ فِيها هَذِهِ البِنْيَةُ وتُكَوَّرُ الشَمْسُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرُو "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ ﴾ ، الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى هَذِهِ العِبْرَةِ وما جَرى مَجْراها، ومَعْنى ﴿ هُوَ الحَقُّ ﴾ أيْ: صِفَةُ الأُلُوهِيَّةِ لَهُ حَقٌّ، فَيَحْسُنُ في القَوْلِ تَقْدِيرُ "ذُو"، وكَذَلِكَ البابُ مَتى أُخْبِرَ بِمَصْدَرٍ عن عَيْنٍ، فالتَقْدِيرُ: ذُو كَذا، و"حَقٌّ" مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ وهَذا كَثِيرٌ.

ومَتى قُلْتُ: كَذا وكَذا حَقٌّ، فَإنَّما مَعْناهُ: اتِّصافُ كَذا بِكَذا حَقٌّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ ما يَدْعُونَ ﴾ يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ الأصْنامَ، وتَكُونُ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، ويَكُونُ الإخْبارُ عنها بِالباطِلِ عَلى نَحْوِ ما قَدَّمْناهُ في "الحَقُّ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، كَأنَّهُ قالَ: وأنَّ دُعاءَكم آلِهَةً مِن دُونِهِ الباطِلُ، أيِ الفِعْلِ الَّذِي لا يُؤَدِّي إلى الغايَةِ المَطْلُوبَةِ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ: "يَدْعُونَ" بِالياءِ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأهْلُ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو:.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استدلال على ما تضمنته الآية قبلَها من كون الخلق الثاني وهو البعث في متناول قدرة الله تعالى بأنه قادر على تغيير أحوال ما هو أعظم حالاً من الإنسان، وذلك بتغيير أحوال الأرض وأُفقها بين ليل ونهار في كل يوم وليلة تغييراً يشبه طُروّ الموت على الحياة في دخول الليل في النهار، وطروّ الحياة على الموت في دخول النهار على الليل، وبأنه قادر على أعظم من ذلك بما سخره من سير الشمس والقمر.

فهذا الاستدلال على إمكان البعث بقياس التمثيل بإمكان ما هو أعظم منه من شؤون المخلوقات بعد أن استدل عليه بالقياس الكلي الذي اقتضاه قوله ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ [لقمان: 28] من إحاطة العلم الإلهي بالمعلومات المقتضي إحاطة قدرته بالممكنات لأنها جزئيات المعلومات وفرعٌ عنها.

والخطاب لغير معين، والمقصود به المشركون بقرينة ﴿ وأن الله بما تعملون خبير ﴾ .

والرؤية علْمية، والاستفهام لإنكار عدم الرؤية بتنزيل العالمين منزلة غير عالمين لعدم انتفاعهم بعلمهم.

والإيلاج: الإدخال.

وهو هنا تمثيل لتعاقب الظلمة والضياء بولوج أحدهما في الآخر كقوله ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ [يس: 37].

وتقدم الكلام على نظيره في قوله ﴿ تُولج الليل في النهار ﴾ أول سورة آل عمران (27)، وقوله ﴿ ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ﴾ الآية في سورة الحج (61) مع اختلاف الغرضين.

والابتداء بالليل لأن أمره أعجب كيف تغشَى ظُلمته تلك الأنوار النهارية، والجمع بين إيلاج الليل وإيلاج النهار لتشخيص تمام القدرة بحيث لا تُلازم عملاً متماثلاً.

والكلام على تسخير الشمس والقمر مضى في سورة الأعراف.

وتنوين ﴿ كلٌّ ﴾ هو المسمى تنوين العوض عن المضاف إليه، والتقدير: كلٌّ من الشمس والقمر يجري إلى أجل.

والجري: المشي السريع؛ استعير لانتقال الشمس في فلكها وانتقال الأرض حول الشمس وانتقال القمر حول الأرض، تشبيهاً بالمشي السريع لأجل شسوع المسافات التي تقطع في خلال ذلك.

وزيادة قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ للإشارة إلى أن لهذا النظام الشمسي أمداً يعلمه الله فإذا انتهى ذلك الأمد بطل ذلك التحرك والتنقل، وهو الوقت الذي يؤذن بانقراض العالم؛ فهذا تذكير بوقت البعث.

فيجوز أن يكون ﴿ إلى أجل ﴾ ظرفاً لغواً متعلقاً بفعل ﴿ يجري، ﴾ أي: ينتهي جريه، أي سيره عند أجل معيَّن عند الله لانتهاء سيرهما.

ويجوز أن يكون ﴿ إلى أجل ﴾ متعلقاً بفعل ﴿ سَخَّر ﴾ أي: جعل نظام تسخير الشمس والقمر منتهياً عند أجل مقدّر.

وحرف ﴿ إلى ﴾ على التقديرين للانتهاء.

وليست ﴿ إلى ﴾ بمعنى اللام عند صاحب «الكشاف» هنا خلافاً لابن مالك وابن هشام، وسيأتي بيان ذلك عند قوله تعالى ﴿ وسخّر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ في سورة فاطر (13).

﴿ وأن الله بما تعملون خبير ﴾ عطف على ﴿ أن الله يولج الليل في النهار ﴾ ، فهو داخل في الاستفهام الإنكاري بتنزيل العالم منزلة غيره لعدم جريه على موجَب العلم، فهم يعلمون أن الله خبير بما يعملون ولا يَجرون على ما يقتضيه هذا العلم في شيء من أحوالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَأْخُذُ الصَّيْفَ مِنَ الشِّتاءِ ويَأْخُذُ الشِّتاءَ مِنَ الصَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَنْقُصُ مِنَ النَّهارِ لِيَجْعَلَهُ في اللَّيْلِ ويَنْقُصُ مِنَ اللَّيْلِ لِيَجْعَلَهُ في النَّهارِ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: يُسْلِكُ الظُّلْمَةَ مَسالِكَ الضِّياءِ ويُسْلِكُ الضِّياءَ مَسالِكَ الظُّلْمَةِ فَيَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، قالَهُابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ يُدْخِلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ في ضَوْءِ النَّهارِ إذا أقْبَلَ، ويُدْخِلُ ضَوْءَ النَّهارِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إذا أقْبَلَ، فَيَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما داخِلًا في الآخَرِ.

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ أيْ ذَلَّلَهُما بِالطُّلُوعِ والأُفُولِ تَقْدِيرًا لِلْآجالِ وإتْمامًا لِلْمَنافِعِ.

﴿ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلى وقْتِهِ في طُلُوعِهِ وأُفُولِهِ لا يَعْدُوهُ ولا يُقَصِّرُ عَنْهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّانِي: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ يَعْنِي بِما تَعْمَلُونَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّانِي: أنَّ الحَقَّ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ هو القاضِي بِالحَقِّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ طاعَةَ اللَّهِ حَقٌّ.

﴿ وَأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الشَّيْطانُ هو الباطِلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: ما أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ أيِ العَلِيُّ في مَكانَتِهِ الكَبِيرُ في سُلْطانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ﴾ قال: يقول له كن فيكون.

القليل والكثير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ﴾ يقول: إنما خلق الله الناس كلهم وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها.

وفي قوله: ﴿ ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ﴾ قال: نقصان الليل زيادة النهار ﴿ ويولج النهار في الليل ﴾ نقصان النهار زيادة في الليل ﴿ كل يجري إلى أجل مسمى ﴾ لذلك كله وقت واحد معلوم، لا يعدوه ولا يقصر دونه.

وفي قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ قال: إن أحب عباد الله إليه الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

وفي قوله: ﴿ وإذا غشيهم موج كالظلل ﴾ قال: كالسحاب وفي قوله: ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ﴾ قال: غدار بذمته، كفور بربه.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمنهم مقتصد ﴾ قال: في القول وهو كافر ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ﴾ قال: غدار ﴿ كفور ﴾ قال: كافر.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ختار ﴾ قال: جحاد.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ كل ختار كفور ﴾ قال: الجبار.

الغدار.

الظلوم.

الغشوم.

﴿ الكفور ﴾ الذي يغطي النعمة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: لقد علمت واستيقنت ذات نفسها ** بأن لا تخاف الدهر صرمي ولا ختري وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل ختار ﴾ قال: الذي يغدر بعهده ﴿ كفور ﴾ قال: بربه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: هو الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: أن تعمل بالمعصية وتتمنى المغفرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُولِجُ الليل فِي النهار ﴾ أي يدخل كلاً منهما في الآخر بما يزيد في أحدهما وينقص من الآخر، أو بإدخال ظلمة الليل على ضوء النهار وإدخال ضوء النهار على ظلمة الليل ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ يعني يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نعمه ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ والبحر ﴾ بالنصب: أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم "أن" الآخرون: بالرفع حملاً على محل "أن" ومعمولها ﴿ وأن ما يدعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب ﴿ وينزل الغيث ﴾ التشديد: ابو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم.

الوقوف: ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ منير ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ الوثقى ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ كلمات الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ز لأن قوله ﴿ كل ﴾ مبتدأ مع عطف "أن" على "أن" الأولى ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ الباطل ﴾ لا ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ من آياته ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عن ولده ﴾ لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظاً مع صدق الاتصال معنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ قف للفصل بين الموعظتين ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الغيث ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب ﴿ الأرحام ﴾ ط لابتداء الجملة المنفية التي فيها استفهام ﴿ غداً ﴾ ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون الاكتفاء بضميرها ﴿ تموت ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة ايضاً، ولو كانت تعبداً محضاً للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية.

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين  ﴾ الآية ومعنى ﴿ اسبغ ﴾ أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها.

والباطنة مالا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلاً.

ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهراً، والباطنة إمداد الملائكة.

وعن الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم.

وقيل: النفس.

ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول "الحج".

ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلاً ﴿ أولو كان ﴾ إلخ.

ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟

ثم اراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال ﴿ ومن يسلم وجهه إلى الله ﴾ وهو نظير قوله في "البقرة" ﴿ بلى من أسلم وجهه لله  ﴾ والفرق أن معناه مع "إلى" يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ يمتعهم ﴾ الآية.

كقوله في البقرة ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره  ﴾ وغلظ العذاب شدته.

ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر "العنكبوت" مثله إلا أنه قال في آخره ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ وذلك أنه زاد هناك قوله ﴿ وسخر الشمس والقمر  ﴾ فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس.

ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق.

وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال ﴿ ولو أن ما في الأرض ﴾ الاية.

عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة.

وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد.

وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر.

ويجوز أن تكون الجملة حالاً واللام في البحر للجنس.

وجعل جنس البحار ممدوداً بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيراً من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله قوله  "المؤمن يأكل في معاً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" أراد الأكل الكثير.

وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً، فهي تصب فيه مدادها ابداً صباً لا ينقطع.

قلت: جعله الأبحر سبعة تقديراً ينافي قوله "أبدا لا ينقطع" وإنما لم يجعل للأقلام مداداً لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم.

وإنما لم يقل:كلم الله" على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه؟

وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة "كن" وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف.

ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة.

ثم أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء.

ثم أعاد طرفاً من دلائل قدرته مع تذكير بعض نعمه قائلاً ﴿ الم تر ﴾ وقد مر نظيره في "الحج" إلى قوله ﴿ الكبير ﴾ وقوله ههنا ﴿ يجري إلى أجل مسمى ﴾ وقوله في "فاطر" و"الزمر" ﴿ لأجل مسمى  ﴾ يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايراً، لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر.

وعن الحسن: هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ.

والثاني معناه اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا.

ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن هذه الآية صدِّرت بالتعجيب فناسب التطويل.

والمشار إليه بذلك هو ما وصف من عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق.

قال بعضهم ﴿ العلي ﴾ إشارة إلى كونه تماماً وهو أن حصل له كما ينبغي أن يكون له.

و ﴿ الكبير ﴾ إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه.

ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية.

ومعنى ﴿ بنعمته ﴾ بإحسانه ورحمته أو بالريح الطيبة التي هي بأمر الله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإجراء ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ في السراء.

ووجه المناسبة أن كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في الأفعال والأوامر ومنه قوله  "الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر" .

ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول كالجبال المتلاصقة.

وإنما قال ههنا.

﴿ فمنهم مقتصد ﴾ وقد قال فيما قبل ﴿ إذا هم يشركون  ﴾ لأنه ذكر ههنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله اثر في الخيال فيخفض شيئاً من غلو الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطاً في الإخلاص أيضاً لا غالياً فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.

والختر أشد الغدر ومنه قولهم "لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر".

والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه.

والكفور طباق الشكور.

وحين بيَّن الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة.

ومعنى ﴿ لا يجزي ﴾ لا يقضي كما مر في أول "البقرة".

وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، فكأنه قال: لا يجزي فيه ﴿ والد عن ولده ﴾ شيئاً من الآلام ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ﴾ من أسباب الإهانة.

قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية إسمية لأجل التوكيد.

وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا لآبائهم الكفرة وفي توسيط "هو" مزيد تأكيد.

وفي لفظ ﴿ المولود ﴾ دون أن قول "ولا ولد" تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضاً بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه.

وقيل: إنما أوردت الثانية إسمية لأن الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي شفقة لا وجوباً ﴿ إن وعد الله ﴾ بمجيء ذلك اليوم ﴿ حق ﴾ أو وعده بعدم جزاء الوالد عن الولد وبالعكس حق.

و ﴿ الغرور ﴾ بناء مبالغة وهو الشيطان اي لا ينبغي أن تغرنكم الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة.

روي عن النبي  "مفاتيح الغيب خمس" وتلا قوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ إلى آخرها.

وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر واشار إليه بالأصابع الخمس.

فاستفتى العلماء في ذلك فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.

قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم النشور، وإنما المراد أنه  حذر الناس من يوم القيامة.

كان لقائل أن يقول: متى الساعة؟

فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مراراً وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى.

ثم إنه كأنه قال: أيها السائل إن لك شيئاً أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فلا تعلم ﴿ ماذا تكسب غداً ﴾ مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟

والسر في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانة هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول "طه"، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره.

والسر في إخفاء الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف ابداً مشغول السر بالله معتمداً عليه في اسباب الرزق وغيره.

روي أن ملك الموت مر على سليمان  فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه.

فقال الرجل: من هذا؟

قال: ملك الموت.

فقال: كأنه يريدني.

وسأل سليمان أن يحمله على الريح إلى بلاد الهند ففعل.

ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن اقبض روحه بالهند وهو عندك.

قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرئ ﴿ بآية أرض ﴾ والأفصح عدم تأنيثه.

التأويل: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ﴾ هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام العلوية والسفلية، البسطية والمركبة.

وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها.

وتسخير ما في أرض النفوس من اضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها.

﴿ ثم نضطرهم ﴾ لفساد استعدادهم ﴿ تجري في البحر بنعمة الله ﴾ سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة في بحر الحققة لإِراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أخبر رسوله أنك لو سألتهم من خلق السماوات والأرض يقولون ذلك ويجيبونك: الله خلقهم.

ثم يخرج قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ على أثر إقرارهم له بالتوحيد له والتفرد بالخلق على وجهين: أحدهما: أمر رسوله بالحمد له؛ لما لا يحتاج إلى إقامة الحجة على وحدانية الله وربوبيته سوى إقرارهم؛ إذ قد أقروا له بالوحدانية فيما ذكر؛ فعلى ذلك يلزمهم ذلك في كل شيء، دق أو جل؛ فيقع الأمر بالحمد على ذلك.

أو يأمر رسوله بالحمد له؛ لما أنجاه وخلصه وسلمه عما ابتلوا هم وفتنوا من التكذيب وعبادة الأصنام بعد إقرارهم بالوحدانية له والألوهية؛ فحمده على إفضاله عليه ورحمته وعصمته له بين أولئك الكفرة.

على هذين الوجهين يخرج تأويل أمر الحمد على أثر ما ذكر، والله أعلم.

ويكون قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ مقطوعاً مفصولا من قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ؛ إذ لو لم يجعل مفصولا منه، لخرج الأمر بالحمد له في الظاهر على ما لا يعلم أولئك، وذلك لا يصلح.

ثم قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما ذكرنا: أنه نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا به من نحو البصر والسمع واللسان ونحوه؛ فعلى ذلك العلم.

والثاني: لا يعلمون؛ لما تركوا النظر والتفكر في أسباب العلم.

أو أن يكون قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : أن عبادتهم الأصنام لا تقربهم إلى الله زلفى ولا تشفع لهم؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تزلفهم إلى الله، ورجاء أن يكونوا لهم شفعاء عند الله بقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

أو أن يكونوا لم يعلموا بجزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا - في الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .

كأنه يخبرهم ويذكر[هم]: أن ما يأمرهم به وينهاهم عنه، وما يمتحنهم من جميع أنواع المحن لا لحاجة نفسه أو لدفع المضرة عن نفسه؛ ولكن لحاجة أنفس الممتحنين ولمنفعتهم ولدفع المضرة عنهم؛ إذ من بلغ ملكه وغناه وسلطانه المبلغ الذي ذكر حتى كان له جميع ما في السماوات والأرض - لا يحتمل أن يأمر الخلق وينهى أو يمتحن لحاجة نفسه؛ ولكن لحاجة الخلق في جر المنفعة ولدفع المضرة.

أو يذكرهم نعمه عليهم؛ ليتأدى به شكره، حيث سخر لهم ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما، وحقيقة ملك ذلك كله له.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ : الغني بذاته لا يعجزه شيء، أو غني عمن استغنى عنه، ﴿ ٱلْحَمِيدُ ﴾ ، قيل: أهل أن يحمد ويشكر بذاته.

وقيل: حميد في فعاله وصنائعه، ويكون الحميد بمعنى: الحامد، ويكون بمعنى: المحمود، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : لا يحتمل أن يكون ذكر هذا الكلام ابتداء من غير أمر أو سؤال أو خطاب سبق من القوم حتى ذكر هذا، لكنا ما نعلم ما سبب ذلك؟

وما قصته؟

وما أمره؟

حتى أنزل هذا، لكن ابن عباس -  - يقول: إن اليهود - أعداء الله - سألوا رسول الله  عن الروح وما هو؟

فنزل: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  ﴾ أي: من علم ربي، لا علم لي به، وتلا قوله: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ ، أي: يسيراً في علم الله، فلما قرأ عليهم هذه الآية قالوا: كيف تزعم هذا وأنت تزعم أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؛ فكيف يجتمع هذا: علم قليل وخير كثير؟!

قال: فنزل ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ﴾ ، يقول: تبرى الشجرة أقلاماً، والبحر يمده سبعة أبحر؛ فتكون كلها مداداً يكتب بها علم الله لانكسرت الأقلام، ولنفذ المداد ولم ينفذ علم الله، فما أعطاكم من العلم قليل فيما عنده من العلم كثير فيما عندكم، إلى هذا يذهب أكثرهم.

ولكن غير هذا كأنه أشبه بسبب نزوله وذكره، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا في قوله: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أنه بلغ ملكه وسلطانه ما لو صار ما ذكر من الأشجار كلها أقلاما والبحار كلها مدادا، فكتب بها أسماء خلقه وملكه وسلطانه لنفذ ذلك كله، ولم ينفذ خلقه ولم يبلغوا غاية ذلك.

أو ذكر هذا لهذا القرآن؛ لقول كان من الكفرة في قلته في نفسه وصغر ما كتب هو فيه أن يقولوا: كيف يسع في هذا المقدار علم الكتب السالفة المتقدمة، وهي أوقار وهو جزء؟!

فيخبر - والله أعلم -: أنه جمع في هذا من المعاني والعلم والحكمة ما لو فسره وبين ما أودع فيه وضمنه، ما لو جعل ما في الأرض من الشجر أقلاماً والبحار مداداً، فكتب ما أودع فيه وضمنه - لنفذ ذلك كله ولم ينفذ ما جمع فيه وضمنه، هذا - والله أعلم -: يشبه أن يكون تأويله وسبب نزوله، والله أعلم بذلك.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: ذكر هذا؛ لأن نفراً من قريش قالوا للنبي: إن الله خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظما، لحماً، ثم تزعم أنا نبعث خلقاً جديداً في ساعة واحدة؟!

فقال الله - عز وجل -: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ ﴾ أيها الناس جميعاً على الله في القدرة إلا كبعث نفس واحدة.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ ، لقولهم الذي قالوه: إنا لا نبعث، ﴿ بَصِيرٌ ﴾ ، بأمر الخلق والبعث.

وجائز أن يكون قال: هذا، لما قد أقروا ببعث نفس واحدة لما انتهى إليهم [من] الأخبار عما كان في الأمم السالفة من الإحياء بعد الممات وتواترت على ذلك، من ذلك قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ  ﴾ ، وكقولهم: - حيث قالوا -: ﴿ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً...

﴾ الآية [النساء: 153]، وكقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ  ﴾ فكأنهم أقروا ببعث هؤلاء لما تواترت عليهم الأخبار بذلك، وأنكروا بعث سائرهم؛ فقال: ما خلقكم ولا بعثكم جميعاً إلا كبعث نفس واحدة: إذا ثبت لواحد ففي الكل كذلك.

أو أن يذكر هذا؛ لأن الأسباب إنما تختلف في الأمور على الخلق وتعسر لخصال ثلاث: إما لعجز، أو لجهل، أو لشغل، فإذا كان الله -  وتعالى - يتعالى عن أن يعجزه شيء، أو يخفى عليه شيء، أو يشغله شيء؛ فصار خلق الكل عليه وبعث الكل كخلق نفس واحدة وكبعث نفس واحدة.

أو أن يذكر [هذا]؛ لأن الواحد والكل والقليل والكثير [و]ما كان وما يكون تحت قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ معبر بكن مترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، لكنه ذكر ﴿ كُنْ ﴾ ؛ لأنه أوجز حرف في كلام العرب وأقصر كلام يترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ : كأنه قد كان من أولئك من قول أو كلام في ذلك؛ حتى قال: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لذلك؛ ﴿ بَصِيرٌ ﴾ عالم لذلك.

أو بصير بأحوال الخلق وبأمورهم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ﴾ .

يذكرهم قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ وفيه دلالة البعث.

أما قدرته: فلما أدخل الليل في النهار والنهار في الليل، ثم حفظهما على حد واحد وعلى ميزان واحد، على غير تفاوت يقع في ذلك ولا تغير؛ فمن قدر على ذلك لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء؛ وكذلك ما ذكر: من تسخير الشمس والقمر، وما يقطعان في يوم واحد وليلة واحدة - مسيرة خمسمائة عام ما لا يتصور ذلك في أوهام الخلق ولا في تقديرهم قطع ذلك المقدار من المسير في مثل تلك المدة.

ودل إنشاء أحدهما وإحداثه بعدما ذهب الآخر برمته وكليته حتى لا يبقى له أثر - على أنه قادر على الإحياء بعد الموت وبعدما ذهب أثره؛ ففي ذلك دلائل من وجوه: أحدها: دلالة قدرته؛ حيث أدخل أحدهما في الآخر، وحفظهما كذلك على حد واحد وتقدير واحد، على غير تغيير وتفاوت يقع في ذلك؛ دل ذلك على قدرته وعلمه وتدبيره.

ودل إنشاء كل واحد منهما بعدما ذهب الآخر على القدرة على البعث.

وقوله: ﴿ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .

إلى الوقت الذي جعل له، لا يتقدم ولا يتأخر.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ، ظاهراً وباطناً هذا وعيد؛ ليكونوا أبداً خائفين حذرين متيقظين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر من خلق الخلق وإنشاء ما ذكر وتسخيره لمن ذلك، وصنعه في الليل والنهار والشمس والقمر وجميع ما ذكر هو صنع الإله الحق المستحق لتسيمة الألوهية والعبادة.

﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ ، من الأصنام مبطلون غير مستحقين تسمية الألوهية والعبادة.

أو هو الحق؛ لأنه هو الذي يسوق إليكم هذه النعم والمنافع، ﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ ﴾ : لا ينفعكم عبادتكم إياها.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم تر أن الله ينقص من الليل ليزيد النهار، وينقص من النهار ليزيد الليل، وقدّر مسار الشمس والقمر؛ إِذْ يجريان كل في مداره إلى أَمَدٍ مُحَدَّد، وأن الله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.13oR5"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الحمد لله