الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٤٥ من سورة يس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٥ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم ، وعدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها ، وما هم يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة : ( وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ) قال مجاهد : من الذنوب .
وقال غيره بالعكس ، ( لعلكم ترحمون ) أي : لعل الله باتقائكم ذلك يرحمكم ويؤمنكم من عذابه .
وتقدير كلامه : أنهم لا يجيبون إلى ذلك ويعرضون عنه .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المشركين بالله، المكذّبين رسوله محمدًا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : احذروا ما مضى بين أيديكم من نقم الله وَمثُلاته بمن حلّ ذلك به من الأمم قبلكم أن يحلّ مثله بكم بشرككم وتكذيبكم رسوله.( وَمَا خَلْفَكُمْ ) &; 20-526 &; يقول: وما بعد هلاككم مما أنتم لاقوه إن هلكتم على كفركم الذي أنتم عليه ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) يقول: ليرحمكم ربكم إن أنتم حذرتم ذلك، واتقيتموه بالتوبة من شرككم والإيمان به، ولزوم طاعته فيما أوجب عليكم من فرائضه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ) : وقائع الله فيمن خلا قبلهم من الأمم وما خلفهم من أمر الساعة.
وكان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ) قال: ما مضى من ذنوبهم ، وهذا القول قريب المعنى من القول الذي قلنا، لأن معناه: اتقوا عقوبة ما بين أيديكم من ذنوبكم، وما خلفكم مما تعملون من الذنوب ولم تعملوه بعد، فذلك بعد تخويف لهم العقاب على كفرهم.
قوله تعالى : وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم قال قتادة : يعني اتقوا ما بين أيديكم أي : من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم ، وما خلفكم من الآخرة .
ابن [ ص: 35 ] عباس وابن جبير ومجاهد : " ما بين أيديكم " ما مضى من الذنوب " وما خلفكم " ما يأتي من الذنوب .
الحسن : " ما بين أيديكم " ما مضى من أجلكم ، " وما خلفكم " ما بقي منه .
وقيل : " ما بين أيديكم " من الدنيا ، " وما خلفكم " من عذاب الآخرة ; قاله سفيان .
وحكى عكس هذا القول الثعلبي عن ابن عباس .
قال : " ما بين أيديكم " من أمر الآخرة وما عملوا لها ، " وما خلفكم " من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها .
وقيل : " ما بين أيديكم " ما ظهر لكم ، " وما خلفكم " ما خفي عنكم .
والجواب محذوف ، والتقدير : إذا قيل لهم ذلك أعرضوا ; دليله قوله بعد : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فاكتفى بهذا عن ذلك .
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } أي: من أحوال البرزخ والقيامة، وما في الدنيا من العقوبات { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أعرضوا عن ذلك، فلم يرفعوا به رأسا، ولو جاءتهم كل آية.
( وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ) قال ابن عباس : " ما بين أيديكم " يعني الآخرة ، فاعملوا لها ، " وما خلفكم " يعني الدنيا ، فاحذروها ، ولا تغتروا بها .
وقيل : " ما بين أيديكم " وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم ، " وما خلفكم " عذاب الآخرة ، وهو قول قتادة ومقاتل .
( لعلكم ترحمون ) والجواب محذوف تقديره : إذا قيل لهم هذا أعرضوا عنه دليله ما بعده .
«وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم» من عذاب الدنيا كغيرهم «وما خلفكم» من عذاب الآخرة «لعلكم ترحمون» أعرضوا.
وإذا قيل للمشركين: احذروا أمر الآخرة وأهوالها وأحوال الدنيا وعقابها؛ رجاء رحمة الله لكم، أعرضوا، ولم يجيبوا إلى ذلك.
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من رد المشركين السيئ على من يدعوهم إلى الخير ، ومن جهالاتهم حيث تعجلوا العذاب الذى لا محيص لهم عنه ، ومن أحوالهم عندقيام الساعة ، فقال - تعالى - :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ .
.
.
) .قوله - تعالى - : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ .
.
.
) حكاية لموقف المشركين من الناصحين لهم ، ويكف أنهم صموا آذانهم عن سماع الآيات التنزيلية ، بعد صممهم عن التفكر فى الآيات التكوينية .أى : وإذا قال قائل لهؤلاء المشركين على سبيل النصح والإِرشاد : ( اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ) أى : احذروا ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر ، وصونوا أنفسكم عن ارتكاب المعاصى التى ارتكبها الظالمون من قبلكم ، فأهلكوا بسببها وأبيدوا ، وآمنوا بالله ورسوله واعملوا العمل الصالح ، لعلكم بسبب ذلك تنالون الرحمة من الله - تعالى - .وجواب " إذ " محذوف دل عليه ما بعده ، والتقدير : إذا قيل لهم ذلك أعرضوا عن الناصح ، واستخفوا به ، وتطاولوا عليه .
وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما عدد الآيات بقوله: ﴿ وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَٰبٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ سُبْحَٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴾ وكانت الآيات تفيد اليقين وتوجب القطع بما قال تعالى ولم تفدهم اليقين، قال فلا أقل من أن يحترزوا عن العذاب فإن من أخبر بوقوع عذاب يتقيه، وإن لم يقطع بصدق قول المخبر احتياطاً فقال تعالى إذا ذكر لهم الدليل القاطع لا يتعرفون به وإذا قيل لهم اتقوا لا يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا مثل العامة الذين يبنون الأمر على الأحوط، ويدل على ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ بحرف التمني أي في ظنكم فإن من يخفى عليه وجه البرهان.
لا يترك طريقة الاحتراز والاحتياط، وجواب قوله: ﴿ إِذَا قِيلَ لَهُمْ اتقوا ﴾ محذوف معناه وإذا قيل لهم ذلك لا يتقون أو يعرضون، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءَايَةٍ مّنْ آيات ربهم ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ وجوه: أحدها: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ﴾ الآخرة فإنهم مستقبلون لها ﴿ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ الدنيا فإنهم تاركون لها.
وثانيها: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُم ﴾ من أنواع العذاب مثل الغرق والحرق، وغيرهما المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ ﴾ وما خلفكم من الموت الطالب لكم إن نجوتم من هذه الأشياء فلا نجاة لكم منه يدل عليه قوله تعالى: ﴿ ومتاعا إلى حِينٍ ﴾ .
وثالثها: ما بين أيديكم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنه حاضر عندكم وما خلفكم من أمر الحشر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والتكذيب بالحشر رحمكم الله وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ مع أن الرحمة واجبة، فيه وجوه ذكرناها مراراً ونزيد هاهنا وجهاً آخر وهو أنه تعالى لما قال: ﴿ اتقوا ﴾ بمعنى أنكم إن لم تقطعوا بناء على البراهين فاتقوا احتياطاً قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ يعني أرباب اليقين يرحمون جزماً وأرباب الاحتياط يرجى أن يرحموا، والحق ما ذكرنا من وجهين: أحدهما: اتقوا راجين الرحمة فإن الله لا يجب عليه شيء وثانيهما: هو أن الاتقاء نظراً إليه أمر يفيد الظن بالرحمة فإن كان يقطع به أحد لأمر من خارج فذلك لا يمنع الرجاء فإن الملك إذا كان في قلبه أن يعطي من يخدمه أكثر من أجرته أضعافاً مضاعفة لكن الخدمة لا تقتضي ذلك، يصح منه أن يقول افعل كذا ولا يبعد أن يصل إليك أجرتك أكثر مما تستحق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض ﴾ [سبأ: 9] وعن مجاهد: ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.
وعن قتادة: ما بين أيديكم من الوقائع التي خلت، يعني من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها، وما خلفكم من أمر الساعة ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ لتكونوا على رجاء رحمه الله.
وجواب إذا محذوف مدلول عليه بقوله: ﴿ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ فكأنه قال: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا.
ثم قال: ودأبهم الإعراض عند كل آية وموعظة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكُمْ ﴾ الوَقائِعَ الَّتِي خَلَتْ أوِ العَذابَ المُعَدَّ في الآخِرَةِ، أوْ نَوازِلَ السَّماءِ ونَوائِبَ الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ أوْ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ أوْ عَكْسِهِ، أوْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُّنُوبِ وما تَأخَّرَ.
﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ لِتَكُونُوا راجِينَ رَحْمَةَ اللَّهِ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ﴾ كَأنَّهُ قالَ وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا العَذابَ أعْرَضُوا لِأنَّهُمُ اعْتادُوهُ وتَمَرَّنُوا عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وما خلفكم} أى ماتقدم من ذنوبكم وما تأخر مما أنتم تعملون من بعد ومن مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها وما خلفكم من أمر الساعة أو فتنة الدنيا وعقوبة الآخرة {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لتكونوا على رجاء رحمة الله وجواب إذا مضمر أي أعرضوا وجاز حذفه لأن قوله
﴿ وإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ الَّتِي كانُوا يُشاهِدُونَها وعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ فِيها أيْ: إذا قِيلَ لِأهْلِ مَكَّةَ بِطَرِيقِ الإنْذارِ بِما نَزَلَ مِنَ الآياتِ أوْ بِغَيْرِهِ ﴿ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: أيْ عَذابَ الأُمَمِ الَّتِي قَبِلَكُمْ، والمُرادُ اتَّقُوا مِثْلَ عَذابِهِمْ ﴿ وما خَلْفَكُمْ ﴾ أيْ عَذابَ الآخِرَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَكْسِ ذَلِكَ، وجاءَ عَنْهُ في رِوايَةٍ أُخْرى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ وما خَلْفَهم ما يَأْتِي مِنها، وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ، وقِيلَ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ نَوازِلُ السَّماءِ وما خَلْفَهم نَوائِبُ الأرْضِ، وقِيلَ ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ المَكارِهُ مِن حَيْثُ يَحْتَسِبُونَ وما خَلْفَهُمُ المَكارِهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وحاصِلُ الأمْرِ عَلى ما قِيلَ اتَّقُوا العَذابَ أوِ اتَّقُوا ما يَتَرَتَّبُ العَذابُ عَلَيْهِ ﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ حالٌ مِن واوِ اتَّقُوا أوْ غايَةٌ لَهُ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا، وفُسِّرَتِ الرَّحْمَةُ بِالإنْجاءِ مِنَ العَذابِ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ ثِقَةٌ بِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ يعني: مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ من أمر الآخرة فاعملوا لها وَما خَلْفَكُمْ من أمر الدنيا فلا تغتروا بها.
وقال مقاتل: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ لكيلا يصيبكم مثل عذاب الأمم الخالية وَما خَلْفَكُمْ يعني: واتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أي: من عذاب الآخرة.
والأول قول الكلبي.
ثم قال: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني: لكي ترحموا فلا تعذبوا وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يعني: مكذبين.
وهذا جواب لقوله عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ الآية.
ثم أخبر عن حال زنادقة الكفار فقال عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ يعني: تصدقوا من المال الذي أعطاكم الله عز وجل: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ على وجه الاستهزاء منهم إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطإ بَيِّنٍ.
قَالَ بعضهم: هذا قول الكفار الذين أمرهم بالنفقة.
وقال بعضهم: هذا قول الله تعالى.
يعني: قل لهم يا محمد: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وروي عن ابن عباس مثل هذا.
ثم قال عز وجل: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني: متى هذا الوعد الذي تعدونا به يوم القيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنا نبعث بعد الموت، فيقول الله تعالى: مَا يَنْظُرُونَ بالعذاب إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يعني: لا حظر لإهلاكهم، فليس إلا صيحة واحدة تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ قرأ عاصم في رواية أبي بكر يَخِصِّمُونَ بكسر الياء والخاء.
وقرأ نافع يَخِصّمُونَ بنصب الياء، وسكون الخاء.
وقرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص وابن عامر في إحدى الروايتين: بنصب الياء، وكسر الخاء.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بنصب الياء والخاء.
وقراءة حمزة يَخِصِّمُونَ بنصب الياء، وجزم الخاء بغير تشديد.
ومعناه: تأخذهم وبعضهم يخصم بعضاً.
ومن قرأ بالتشديد.
فالأصل فيه يختصمون فأدغمت التاء في الصاد، وشددت.
ومن قرأ: بنصب الخاء طرح فتحة التاء على الخاء.
ومن قرأ بكسر الخاء، فلسكونها، وسكون الصاد.
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: لينفخن في الصور، والناس في طرقهم، وأسواقهم، حتى أن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان، فما يرسله واحد منهما، حتى ينفخ في الصور، فيصعق به، وهي التي قال الله تعالى: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: وأخبرني الثقة بإسناده عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ أنه قال: «تقوم الساعة والرَّجُلانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْب، فَلا يَطْوِيَانِهِ، وَلا يَتَبايَعَانِهِ.
وَتَقُومُ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ النَّاقَةَ، فَلا يَصِلُ الإنَاءُ إلَى فِيه.
وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلُوطُ الْحَوْضَ، فَلا يَسْقِيَ فِيهِ» .
ثم قال تعالى: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً يعني: يموتون من ساعتهم بغير وصية، فلا يستطيعون أن يوصوا إلى أهلهم بشيء وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يعني: ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق فأخبر الله تعالى بما يلقون في النفخة الأولى ثم أخبر بما يلقون في النفخة الثانية.
يعني: إذا بعثوا من قبورهم بعد الموت فذلك قوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ من القبور إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ يعني: يخرجون من قبورهم أحياء.
وكان بين النفختين أربعين عاماً في رواية ابن عباس.
وقيل: أكثر من ذلك.
ورفع العذاب عن الكفار بين النفختين.
فكأنهم رقدوا.
فلما بعثوا قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا يعني: من أيقظنا من منامنا.
قال: فيقول لهم الحفظة من الملائكة هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ على ألسنة الرسل وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ بأن البعث حق.
ويقال: إن المؤمنين هم الذين يقولون: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ بأن البعث كائن.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ هذه الآياتُ جعلَها اللَّهُ عز وجل أدلة على قدرته ووجوب الألوهية له، ونَسْلَخُ معناه نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ: فهي اسْتِعارة.
قلت: قال الهروي: قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ أي: نخرجه منه إخراجاً لا يَبْقَى من ضَوْءِ النهار معه شيء، انتهى.
ومُظْلِمُونَ داخلون في الظلام، ومُسْتَقَرِّ الشَّمْسِ: - على ما في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من طريق أبي ذَرٍّ- «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ تَسْجُدُ فِيه كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها» وهو فِي البخاري «١» وفي حديثٍ آخر «أنَّهَا تَسْجُدُ/ في عين حمئة» «٢» ومَنازِلَ منصوبٌ عَلى الظَّرفِ وهي المنازِلُ المعروفةُ عندَ العرَب، وهي ثمانيةٌ وعِشْرُونَ مَنْزِلَةً يَقْطَع القَمَرُ مِنها كلَّ لَيْلَةٍ مَنْزِلَةً، وعَودَتُه هي استهلالُه رَقِيقاً وحينئذ يُشْبه العُرْجُونَ، وُهو الغُصْنُ مِنَ النَّخْلَةِ الذي فيه شَمَارِيخُ التَّمْرِ، فإنَّه يَنْحَنِي وَيَصْفَرُّ إذا قَدِمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيءٍ بِالهلال قاله الحسن «٣» ، والوجود يشهد له، والْقَدِيمِ معناه:
العَتِيقُ الذي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طويل، ويَنْبَغِي هنا مُسْتَعْملَة فيما لا يمكنُ خِلاَفُه لأنها لاَ قُدْرَةَ لَهَا عَلى غَيْرِ ذلك، وال «فلك» فيما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَباسٍ مُتَحَرِّك مستدير كفلكة المغزل فيه جميع الكواكب «٤» ويَسْبَحُونَ معناه: يجرون ويعومون.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" عَلى الجَمْعِ؛ وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" عَلى التَّوْحِيدِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ: في سَفِينَةِ نُوحٍ، فَنَسَبَ الذُّرِّيَّةَ إلى المُخاطَبِينَ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: ذُرِّيَّةُ النّاسِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أيْ: ذُرِّيَّةُ مَن هو مِنهُمْ، فَجَعَلَها ذَرِّيَّةً لَهُمْ، وقَدْ سَبَقَتْهم.
وقالَ غَيْرُهُ: هو حَمْلُ الأنْبِياءِ في أصْلابِ الآَباءِ حِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ: بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وقَدْ ألْجَمَ نَسْرًا وأهْلَهُ الغَرَقُ قالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: الذَّرِّيَّةُ: النَّسْلُ، لِأنَّهم مَن ذَرَأهُمُ اللَّهُ مِنهُمْ، والذُّرِّيَّةُ أيْضًا: الآَباءُ، لِأنَّ الذَّرَّ وقْعَ مِنهُمْ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ ؛ والمَشْحُونُ: المَمْلُوءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِثْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، وهي السُّفُنُ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وأبُو مالِكَ، وأبُو صالِحٍ، والمُرادُ بِهَذا ذِكْرُ مِنَّتِهِ بِأنَّ خَلْقَ الخَشَبِ الَّذِي تُعْمَلُ مِنهُ السُّفُنَ.
والثّانِي: أنَّها الإبِلُ، خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَحْرِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَنِ الحَسَنُ وقَتادَةُ كالقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ﴾ أيْ: لا مُغِيثَ ولا مُجِيرَ ﴿ وَلا هم يُنْقَذُونَ ﴾ أيْ: يَنْجُونَ مِنَ الغَرَقِ، يُقالُ: أنْقَذَهُ واسْتَنْقَذَهُ: إذا خَلَّصَهُ مِنَ المَكْرُوهِ ﴿ إلا رَحْمَةً مِنّا ﴾ المَعْنى: إلّا أنْ نَرْحَمَهم ونُمَتِّعَهم إلى آَجالِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ يَعْنِي الكُفّارُ ﴿ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: "ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ": ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ، "وَما خَلْفَكُمْ": ما يَأْتِي مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: ["ما بَيْنَ أيْدِكُمْ"] ما تَقَدَّمَ مِن عَذابِ اللَّهِ لِلْأُمَمِ، "وَما خَلَفْكُمْ" مِن أمْرِ السّاعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: "ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ" مِنَ الدُّنْيا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِن عَذابِ الآَخِرَةِ.
قالَهُ سُفْيانُ.
والرّابِعُ: "ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ" مِن أمْرِ الآَخِرَةِ، "وَما خَلْفَكُمْ" مِن أمْرِ الدُّنْيا فَلا تَغْتَرُّوا بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ.
﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ.
وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: إذا قِيلَ لَهم هَذا، أعْرَضُوا؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ ﴾ أيْ: مِن دَلالَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ ﴿ وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ ﴾ ﴿ إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ "وَآيَةٌ" مَعْناهُ: عَلامَةٌ ودَلِيلٌ، ورَفْعُها بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها في قَوْلِهِ: "لَهُمْ"، و"أنّا" بَدَلٌ مِن "آيَةٌ"، وفِيهِ نَظَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.
و"الحَمْلُ": مَنعُ الشَيْءِ أنْ يَذْهَبَ سُفْلًا، وذَكَرَ الذُرِّيَّةَ لِضَعْفِهِمْ عَنِ السَفَرِ فالنِعْمَةُ فِيهِمْ أمْكَنُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْمَشُ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، والضَمِيرُ المُتَّصِلُ بِالذُرِّيّاتِ هو ضَمِيرُ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قالَ: ذُرِّيّاتُ جِنْسِهِمْ أو نَوْعِهِمْ، هَذا أصَحُّ ما يَتَّجِهُ في هَذا، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ في هَذا حَتّى قالُوا.
الذُرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ، وهَذا لا يُعْرَفُ لُغَةً.
وأمّا مَعْنى الآيَةِ؛ فَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ، وهو أنْ يُرِيدَ بِالذُرِّيّاتِ المَحْمُولِينَ أصْحابَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ في السَفِينَةِ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ "مِن مِثْلِهِ" ﴾ السُفُنَ المَوْجُودَةَ في جِنْسِ بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإيّاها ٠ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ ، والتَأْوِيلُ الثانِي قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، هو أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ الآيَةُ، السُفُنَ المَوْجُودَةَ في بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَخَلَقْنا لَهُمْ ﴾ الآيَةُ، الإبِلَ وسائِرَ ما يُرْكَبُ، فَتَكُونُ المُماثَلَةُ في أنَّهُ مَرْكُوبٌ مُبَلِّغٌ إلى الأقْطارِ فَقَطْ، ويَعُودُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ عَلى السُفُنِ المَوْجُودَةِ في الناسِ، وأمّا مَن خَلَطَ القَوْلَيْنِ فَجَعَلَ الذُرِّيَّةَ في الفَلَكِ في قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ في سَفِينَتِهِ، وجَعَلَ ﴿ "مِن مِثْلِهِ" ﴾ في الإبِلِ، فَإنَّ هَذا نَظَرٌ فاسِدٌ يَقْطَعُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ ، فَتَأمَّلْهُ.
و"الفُلْكُ" جَمْعٌ، والإفْرادُ عَلى وزْنِهِ، ولَكِنْ لَيْسَتْ حَرَكاتُ الجَمْعِ حَرَكاتُ الإفْرادِ.
و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن مِثْلِهِ" يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، فانْظُرْهُ، ويُقالُ: الإبِلُ مَراكِبُ البَرِّ.
و"الصَرِيخُ" هُنا بِناءُ الفاعِلِ، بِمَعْنى: المُصْرِخِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: صارِخٌ بِمَعْنى مُسْتَغِيثٌ، ومُصْرِخٌ بِمَعْنى مُغِيثٌ، ويَجِيءُ صَرِيخٌ مَرَّةً بِمَعْنى هَذا ومَرَّةً بِمَعْنى هَذا؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فَمَرَّةً: يَجِيءُ مِن صَرَخَ إذا اسْتَغاثَ، ومَرَّةً: يَجِيءُ مِن أصْرَخَ إذا أغاثَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا رَحْمَةً ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصْبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ نَرْحَمَهُمْ، وقالَ الزَجّاجُ: نَصَبَ رَحْمَةً عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِأجْلِ رَحْمَتِنا إيّاهم.
وقَوْلُهُ: "مَتاعًا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "رَحْمَةً"، ﴾ و"إلى حِينٍ" يُرِيدُ إلى آجالِهِمُ المَضْرُوبَةِ لَهم.
والكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ السائِرِينَ في البَحْرِ، ناجِينَ كانُوا أو مُغْرَقِينَ، فَهم بِهَذِهِ لا نَجاةَ لَهم إلّا بِرَحْمَةِ اللهِ ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ﴾ مَرْبُوطًا بِالمُغْرَقِينَ، وقَدْ يَصِحُّ رَبْطُهُ بِهِ، والأوَّلُ أحْسَنُ فَتَأمَّلْ.
ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن عُتُوِّ قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ الآيَةُ.
و"ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ" قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: هو عَذابُ الأُمَمِ الَّذِي قَدْ سَبَقَهم في الزَمَنِ، و"ما خَلْفَهُمْ" هو عَذابُ الآخِرَةِ الَّتِي تَأْتِي مِن بَعْدِهِمْ في الزَمَنِ، وهَذا هو النَظَرُ، وقالَ الحَسَنُ: خُوِّفُوا بِما مَضى مِن ذُنُوبِهِمْ وبِما يَأْتِي مِنها، وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ في المَعْنى؛ لِأنَّ التَخْوِيفَ بِالذَنْبِ إنَّما هو مِن عِقابِهِ والمُجازاةِ عَلَيْهِ.
"ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ" هو الآخِرَةُ، و"ماخَلْفَهُمْ" عَذابُ الأُمَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَجَعَلَ التَرْتِيبَ كَأنَّهم يَسِيرُونَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، ولَمْ يَعْتَبِرْ وُجُودَ الأشْياءِ في الزَمَنِ، وهَذا النَظَرُ يُكْرِهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ ﴾ ، وإنَّما المُطَّرِدُ أنْ يُقاسَ ما بَيْنَ اليَدِ والخَلْفِ بِما يَسُوقُهُ الزَمَنُ، فَتَأمَّلْهُ.
وجَوابُ "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أعْرَضُوا، ويُفَسِّرُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ ، و"الآياتُ" العَلاماتُ والدَلائِلُ.
<div class="verse-tafsir"
تخلص الكلام من عدم انتفاعهم بالآيات الدالة على وحدانية الله إلى عدم انتفاعهم بالأقوال المبلَّغة إليهم في القرآن من الموعظة، والتذكير بما حلّ بالأمم المكذبة أن يصيبهم مثلُ ما أصابهم، وبعدم انتفاعهم بتذكير القرآن إياهم بالأدلة على وحدانية الله، وعلى البعث.
وبناء فعل ﴿ قِيلَ ﴾ للمجهول لظهور أن القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه عن الله تعالى، أي قيل لهم في القرآن.
وما بين الأيدي يراد منه المستقبل، وما هو خلف يراد منه الماضي، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: ﴿ مصدقاً لما بين يديَّ من التوراة ﴾ [آل عمران: 50]، أي ما تقدمني.
وذلك أن أصل هذين التركيبين تمثيلان فتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف إليه بسائر إلى مكان فالذي بين يديه هو ما سيرد هو عليه، والذي من ورائه هو ما خلَّفه خلْفه في سيره، وتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف بسائر، فهو إذا كان بين يدي المضاف إليه فقد سبقه في السير فهو سَابق له وإذا كان خلف المضاف إليه فقد تأخر عنه فهو وارد بعده.
وقد فسرت هذه الآية بالوجهين فقيل: ما بين أيديكم من أمر الآخرة وما خلفكم من أحوال الأمم في الدنيا، وهو عن مجاهد وابن جبير عن ابن عباس.
وقيل: ما بين أيديكم أحوال الأمم في الدنيا وما خلفكم من أحوال الآخرة وهو عن قتادة وسفيان.
ومتى حمل أحد الموصولَين على ما سبق من أحوال الأمم وجب تقدير مضافين قبل ﴿ ما ﴾ الموصولة هما المفعول، أي اتقوا مثلَ أحوال ما بين أيديكم، أو مثل أحوال ما خلفكم، ولا يقدر مضافان في مقابله لأن مَا صْدَق ﴿ ما ﴾ الموصولة فيه حينئذٍ هو عذاب الآخرة فهو مفعول ﴿ اتَّقُوا ﴾ .
وتقدم قوله تعالى: ﴿ فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها ﴾ في سورة البقرة (66).
و (لعلّ) للرجاء، أي ترجى لكم رحمة الله، لأنهم إذا اتقوا حذروا ما يوقع في المتقى فارتكبوا واجتنبوا وبادروا بالتوبة فيما فرط فرضي ربهم عنهم فرحِمهم بالثواب وجنّبهم العقاب.
والكلام في (لعل) الواردة في كلام الله تعالى تقدم عند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ﴾ في سورة البقرة (21).
وجواب ﴿ إذا ﴾ محذوف دل عليه قوله في الجملة المعطوفة ﴿ إلاَّ كَانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ .
فالتقدير هنا: كانوا معرضين.
وجملة ﴿ ما تأتِيهم من ءايَةٍ من ءاياتت ربِهم إلاَّ كانوا عَنها مُعْرِضين ﴾ واقعة موقع التذييل لما قبلها، ففيها تعميم أحوالهم وأحواللِ ما يُبلَّغونه من القرآن؛ فكأنه قيل: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا، والإِعراض دأبهم في كل ما يقال لهم.
والآيات: آيات القرآن التي تنزل فيقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فأطلق على بلوغها إليهم فعل الإِتيان ووصفها بأنها من آيات ربهم للتنويه بالآيات والتشنيع عليهم بالإِعراض عن كلام ربهم كفراً بنعمة خلقه إياهم.
و ﴿ ما ﴾ نافية، والاستثناء من أحوال محذوفة، أي ما تأتيهم آية في حال من أحوالهم إلا كانوا عنها معرضين.
وجملة ﴿ كانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ في موضع الحال.
<div class="verse-tafsir"
أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ: ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ، وما خَلْفَكُمْ: ما يَأْتِي مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ الدُّنْيا، وما خَلْفَكم مِن عَذابِ الآخِرَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ: عَذابُ اللَّهِ لِمَن تَقَدَّمَ مِن عادٍ وثَمُودَ، وما خَلْفَكم مِن أمْرِ السّاعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ: ما ظَهَرَ لَكم، وما خَلْفَكُمْ: ما خَفِيَ عَنْكم.
﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ مَعْناهُ لِكَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا.
وَلِهَذا الكَلامِ جَوابٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا قِيلَ لَهم هَذا أعْرَضُوا عَنْهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مِن آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِن رَسُولٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مِن مُعْجِزٍ، قالَهُ النَّقّاشُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ما أُنْذِرُوا بِهِ مِن زَواجِرِ الآياتِ والعِبَرِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ أُمِرُوا بِإطْعامِ الفُقَراءِ فَقالُوا: ﴿ أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ ﴾ قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الزَّنادِقَةُ أُمِرُوا فَقالُوا ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ جَعَلُوا لِأصْنامِهِمْ في أمْوالِهِمْ سَهْمًا فَلَمّا سَألَهُمُ الفُقَراءُ أجابُوهم بِذَلِكَ، قالَهُ النَّقّاشُ.
وَيَحْتَمِلُ هَذا القَوْلُ مِنهم وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنْكارُهم وُجُوبَ الصَّدَقاتِ في الأمْوالِ.
الثّانِي: إنْكارُهم عَلى إغْناءِ مَن أفْقَرَهُ اللَّهُ تَعالى ومَعُونَةِ مَن لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِمَن أمَرَهم بِالإطْعامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم حِينَ رَدُّوا بِهَذا الجَوابِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ﴾ قال: سفينة نوح عليه السلام، حمل فيها من كل زوجين اثنين ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قال: السفن التي في البحور، والأنهار التي يركب الناس فيها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ﴾ قال: سفينة نوح ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قال: هذه السفن مثل خشبها وصنعتها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قال: هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قال: يعني السفن الصغار، وقال: الحسن رضي الله عنه: هي الابل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ يعني الإِبل خلقها الله تعالى كما رأيت، فهي سفن البر، يحملون عليها، ويركبونها.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قالا: الإِبل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قال: الأنعام.
وفي قوله: ﴿ وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ لا مغيث لهم يستغيثون به.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلا صريخ لهم ﴾ قال: لا مغيث لهم وفي قوله: ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ قال: إلى الموت.
وفي قوله: ﴿ وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم ﴾ قال: من الوقائع التي قد خلت فيمن كان قبلكم، والعقوبات التي أصابت عادا، وثموداً والأمم ﴿ وما خلفكم ﴾ قال: من أمر الساعة.
وفي قوله: ﴿ وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ﴾ .
قال: نزلت في الزنادقة كانوا لا يطعمون فقيراً، فعاب الله ذلك عليه وعيّرهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ﴾ قال، ما مضى وما بقي من الذنوب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ﴾ قال: اليهود تقوله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إسماعيل عن أبي خالد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ﴾ قال: يهود تقوله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ اختلفوا في هذا، فقال مقاتل وقتادة: ما بين أيديكم عذاب الأمم الخالية، وما خلفكم عذاب الآخرة (١) (٢) وقال مجاهد: ما بين أيديكم ما يأتي من الذنوب، وما خلفكم ما مضى منها (٣) (٤) وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لكي ترحموا (٥) وقال أهل المعاني: لتكونوا على رجاء رحمته، وهو قول أبي إسحاق (٦) وذكرنا هذا فيما تقدم أولاً (٧) ﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ ﴾ أي: عبرة ودلالة تدل على صدق محمد - - كاشتقاق (٨) (١) "تفسير مقاتل" 107 ب.
وانظر: "الطبري" 23/ 12، "الماوردي" 5/ 21، "البغوي" 4/ 14.
(٢) انظر: "بحر العلوم" 3/ 101.
(٣) "تفسير مجاهد" ص 535.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 289.
(٥) "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 381، "تفسير مقاتل" 107 ب.
وانظر: "مجمع البيان" 8/ 667.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 306.
(٧) ذكر المؤلف رحمه الله ذلك عند تفسير للآية: 155 من سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ .
(٨) هكذا جاء في النسخ، وهو تصحيف، والصواب: كانشقاق القمر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ الضمير لقريش، وجواب إذا محذوف تقديره: أعرضوا يدل عليه ﴿ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ ، والمراد ب ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ : ذنوبهم المتقدّمة والمتأخرة، وقيل: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ عذاب الأمم المتقدمة، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ عذاب الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يخصمون ﴾ بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله "يختصمون" أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو باشمام الفتحة قليلاً وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثياً.
الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد.
وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد.
﴿ شغل ﴾ بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب.
﴿ فكهون ﴾ وبابه بغير ألف: يزيد.
﴿ ظل ﴾ بضم الظاء وفتح اللام: حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة.
الآخرون: ﴿ ظلال ﴾ جمع ظل ﴿ جبلاً ﴾ بضم الجيم وسكون الباء.
ابن عامر وأبو عمرو.
وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد.
والباقون: بضمتين والتخفيف ﴿ ننكسه ﴾ مشدداً: حمزة وعاصم غير مفضل.
الآخرون: بالتخفيف من النكس.
﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ يقدر ﴾ على صيغة المضارع: يعقوب ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي.
الوقوف: ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أطعمه ﴾ لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم.
وجوز جار الله أن يكون قوله ﴿ إن أنتم ﴾ قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز.
﴿ مبين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يخصمون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ مرقدنا ﴾ ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاكهون ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ هم ﴾ تأكيد الضمير ﴿ أزواجهم ﴾ عطف عليه و ﴿ في ظلال ﴾ ظرف ﴿ فاكهون ﴾ ، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره ﴿ متكئون ﴾ ﴿ يدعون ﴾ ه ج لأنه من المحتمل أن يكون ﴿ سلام ﴾ خبر محذوف اي عليهم سلام يقول قولاً، وأن يكون ﴿ سلام ﴾ بدل ﴿ ما يدعون ﴾ اي لهم ما يتمنون وهو سلام ﴿ سلام ﴾ ط ج لحق الحذف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج لأن التقدير فإنه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اعبدوني ﴾ ج ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في الخلق ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه له ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مالكون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ مشارب ﴾ ه ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ج ﴿ نصرهم ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ قولهم ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه خلقه} ط ﴿ رميم ﴾ ه ﴿ مرة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ توقدون ﴾ ه ﴿ مثلهم ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفاً من تبعته وطمعاً في منفعته وإليه الإشارة بقوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقيناً فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذاً بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ﴾ وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.
وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة.
وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة.
وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها.
أو ما بين أيديكم من أمر محمد فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد لى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله.
أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله ﴿ وإن نشأ نغرقهم ﴾ ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ وجواب "إذا" محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية.
ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وما تأتيهم ﴾ متعلقاً بما قبله وهو قوله ﴿ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ﴾ .
﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها.
وقوله ﴿ الم يروا ﴾ إلى قوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ اعتراض.
ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟
وفي قوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ إشارة إلى أن الله قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير.
فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل.
وقوله ﴿ قال الذين كفروا ﴾ دون أن يقول "قالوا" تسجيل عليهم بالكفر.
وقوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا.
وقوله ﴿ أنطعم ﴾ دون "أننفق" إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى.
وقوله ﴿ من لو يشاء الله أطعمه ﴾ كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن اراد أعطى زيداً مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ.
وقوله ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية.
ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على التقاء والإنفاق قائلين ﴿ إن كنتم ﴾ أيها المدّعون للرسالة ﴿ صادقين ﴾ فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله بقوله ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة ﴾ كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئاً.
وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله ﴿ تأخذهم ﴾ أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله ﴿ وهم يخصمون ﴾ أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون.
وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون.
ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ﴾ وفي قوله ﴿ لا يستطيعون ﴾ دون أن يقول "فلا يوصون" مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.
وفي قوله ﴿ ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج.
وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون.
ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو.
وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟
نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سبباً لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى.
ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل.
وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألماً وأكثر ندماً.
وقوله ﴿ ينسلون ﴾ لا ينافي قوله في موضع آخر ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم.
ويمكن أن يقال: إن هيئة الانتظار ليست بمنافاة للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه.
وفي "إذا" المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ.
ثم بين أنهم قبل النسلان ﴿ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياماً فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد.
عن مجاهد: للكفار.
هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين.
والظاهر أن ﴿ هذا ﴾ مبتدأ ﴿ وما وعد الرحمن ﴾ إلى آخره خبره، و"ما" مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر.
ويجوز أن يكون "ما" موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة للمرقد و ﴿ ما وعد ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم.
وقيل: إن قوله ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ماسمعوا من الرسل فأجابوا به انفسهم، أو أجاب بعضهم بعضاً، ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلاً ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ الآية.
وقد مر نظيره.
ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلاً ﴿ فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون ﴾ أيها الكافرون ﴿ إلا ما كنتم تعملون ﴾ وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم.
أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.
وقوله ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفاً بحرف.
أي لا يترك شيئاً.
ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسناً أو سيئاً.
ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات.
وقوله ﴿ فاكهون ﴾ مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.
وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب.
وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها.
وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار.
وقيل: التزاور.
وقيل: ضيافة الله.
وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم.
والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة.
والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل.
وقيل: أراد اشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ وقوله ﴿ على الأرائك متكئون ﴾ دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ.
وقوله ﴿ لهم فيها فاكهة ﴾ إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.
وقوله ﴿ ولهم ما يدّعون ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم.
قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.
وقال جار الله: هو للاتخاذ اي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي.
أي اتخذ لنفسه شواء.
أو هو بمعنى التداعي.
وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب.
وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ.
وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله ﴿ سلام ﴾ يقال لهم ﴿ قولاً من رب رحيم ﴾ أي من جهته بواسطة الملائكة.
وقيل: اراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه.
و ﴿ قولاً ﴾ اي عدة وعلى هذا يكون قوله ﴿ لهم ﴾ للبيان و ﴿ ما يدعون سلام ﴾ مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ﴿ قولاً ﴾ نصباً على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولاً وقد يكون إشارة.
وقال أهل البيان قوله ﴿ وامتازوا ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون.
أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ أو تميزوا في أنفسكم غيظاً وحنقاً فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يُرى.
وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم.
أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك.
وقال صاحب المفتاح: قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله ﴿ فاليوم لا تظلم ﴾ بعد قوله ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ وقد جاء في التفاسير أن قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون.
ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً والجهل عذر فبين الله أن الأعذار زائلة قائلاً ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ والآية إلى قوله ﴿ أفلم تكونوا تعقلون ﴾ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ﴾ وقيل: هو المذكور في قوله ﴿ وإذ خذ ربك من بني آدم من ظهورهم ﴾ وقيل: هو المبين على لسان الرسل.
ومعنى ﴿ لا تعبدوا ﴾ لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفته الشيطان وعبادة الرحمن.
قال أهل المعاني: التنوين في قوله ﴿ صراط ﴾ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع اي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار.
وفي ذكر الصراط ههنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب آمن.
ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله ﴿ ولقد أضل منكم جبلاً ﴾ وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه.
عن علي أنه قرأ ﴿ جيلاً ﴾ بياء منقوطة من تحت بنقطتين.
ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ وقوله ﴿ اصلوها ﴾ أمر إهانة وتنكيل نحو ذق.
وفي قوله ﴿ اليوم ﴾ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب.
روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.
وفي الحديث "يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهداً إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل" قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء.
قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤس.
وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه.
ثم إنه أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول.
وأيضاً إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالباً كقوله ﴿ وما عملته أيديهم ﴾ ﴿ فبما كسبت ايديكم ﴾ فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره.
وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعاً.
وههنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ ثم إذا ختم على أفواههم أيضاً في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم.
هذا وقد ذكرنا مراراً أنه كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس.
وكان للقدرية أن تتمسك بقوله ﴿ يكسبون ﴾ ﴿ يكفرون ﴾ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله ﴿ ولو نشاء لطمسنا ﴾ ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية.
فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلاً ولم يتفكروا في آية.
والطمس محو أثر شق العين.
قال جار الله ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض.
والمعنى لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.
فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا.
أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلى على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها.
عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير.
وقيل: حجارة.
عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم.
والمكان والمكانة واحد أراد مسخاً مجمداً بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم.
وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجاً من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارت عقلية أو حسية غير البصر.
وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلاً.
ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره اصلاً، فنفى أوّلاً استطاعة الصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضاً لأجل المبالغة.
وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً فقال الله ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ كقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه أن النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان.
وعن بعضهم: طوى العصران ما نشراه مني *** فأبلى جدّتي نشر وطيّ أراني كل يوم في انتقـــــاص *** ولا يبقى على النقصان شيّ وقال آخر: أرى الأيام تتركني وتمضي *** وأوشك أنها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني *** وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الذي قد قال قبلي *** إذا ما مر يوم مر بعضي وحيث بين أصل الوحداينة والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله ﴿ وأن اعبدوني ﴾ وقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن.
وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية.
قال جار الله معنى قوله ﴿ وما ينبغي له ﴾ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي للخط.
وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له.
قال: وما روي أنه .
أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب وقال: هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.
وقيل: أراد نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿ وما علمناه ﴾ بتعليم القرآن ﴿ الشعر وما ينبغي ﴾ القرآن أن يكون شعراً وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيراً دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجاً وتزييناً فجلَّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه.
وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين باسئر أصناف الكلام حيث قيل ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ ونظيره قوله ههنا ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ أي موعظة ﴿ وقرآن مبين ﴾ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل.
أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة.
فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما روي أنه كان يقرأ قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *** ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار.
ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له فرصة، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق وغزاه.
ويروى أنه حين قال: هل أنت إلا إصبع دميت *** انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية.
ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق.
وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله "إن من الشعر لحكمة" وقد مر في تفسير قوله في آخر الشعراء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي.
وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟
ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله ﴿ لتنذر ﴾ يا محمد أو لينذر هو أي القرآن ﴿ من كان حياً ﴾ عاقلاً متأملاً.
ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان.
أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل ﴿ هدى للمتقين ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر ﴾ وقوله ﴿ ويحق القول ﴾ كقوله في أول السورة ﴿ لقد حق القول ﴾ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى.
ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ﴾ أي من جملة ما عملته ﴿ أيدينا ﴾ فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ وقوله ﴿ فهم لها مالكون ﴾ إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام.
وقوله ﴿ وذللناها لهم ﴾ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: يصرف الصبيّ بكل وجه *** ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي *** فلا غير لديه ولا نكير والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة.
ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر.
يلزمه التكرار.
ثم فصل بعض منافعها بقوله ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة.
وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.
والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب اي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والأسمان.
وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله ﴿ أفلا يشكرون ﴾ زاد في توبيخهم بقوله ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم.
وفي قوله ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم.
وثانيهما اتخذوهم لينصرونهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار.
ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ تأكيداً لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره.
ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسلياً رسوله بقوله ﴿ فلا يحزنك قولهم ﴾ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء في والتهديد.
ثم علل عدم الحزن بقوله ﴿ إنا نعلم ما يسرون ﴾ من النفاق وسائر العقائل الفاسدة ﴿ وما يعلنون ﴾ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد وجوّز جار الله فتح "أن" على تقدير لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلاً من ﴿ قولهم ﴾ والمكسورة مفعولاً لـ ﴿ ـقولهم ﴾ ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ ثم اردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلاً آخر على التوحيد مأخوذاً من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذاً من الآفاق.
وفي قوله ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله ﴿ أو من يُنَشَّؤُاْ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ﴾ فقوله ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله ﴿ فإذا هوخصيم مبين ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح.
وثانيهما قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال للهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه.
وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟
فقال : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.
قال أهل البيان: سمى قولهم ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ مثلاً لأن إنكار قدرة الله على إحياء الموتى قصة عجيبة.
وفيه تشبيه الخالق اللقادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال.
والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة.
ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله ﴿ إن رحمة الله قريب ﴾ وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب.
وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس.
واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعاً فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر.
ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح إعادة المعدوم عقلاً؟
أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟
أو كقولهم إن إنسانأً إذا نشأ مغتذياً بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته.
فأجاب الله عن الأول بقوله ﴿ يحييها الذي أنشأها أوّل مرة ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً فإنه يعيده وإن لم يكن شيئاً.
وعن الباقيتين بقوله ﴿ وهو بكل خلق عليم ﴾ فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول.
ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الخضر الذي تنقدح منه النار.
قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر علىالعفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل.
وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين.
قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها.
ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس.
ثم أثبت ما نفاه مستفهماً للتقرير بقوله ﴿ بل وهو الخلاق ﴾ الكثير الخلق الكامل فيه ﴿ العليم ﴾ بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية.
ثم بين أن إيجاده ليس متوقفاً إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل "البقرة" وغيرها.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء.
وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا.
ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال.
فقوله ﴿ بيده ملكوت كل شيء ﴾ إشارة إلى المبدأ.
وقوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتجية للمقدمات السابقة في السورة.
عن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية.
روي أنه قال: "إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس" فذكر الإمام الغزالي أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن.
وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة.
وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأكان.
فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك.
الـتأويل: ﴿ اتقوا ما بين أيديكم ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وما خلفكم ﴾ من نعيم الجنة ولذاتها ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال ﴿ ونفخ في الصور ﴾ إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفى من أجداث أوصاف البشرية ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة.
وللمجالسة اقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين.
قال الله ﴿ فإذا فرغت ﴾ أي من تعلقات الكونين ﴿ فانصب ﴾ لطلب الوصال.
ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا.
ويحتمل أن يقال: إنهم اليوم أي في الدنيا ف شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رايت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.
ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد.
أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس العصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ ﴿ وتشهد أرجلهم ﴾ في بعض الأخبار المروية أن عبداً لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق : تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي.
فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة.
﴿ ومن نعمره ننكسه ﴾ إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه.
وفي قوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله وبتعليمه وإلهامه.
﴿ من الشجر الأخضر ﴾ وهو شجرة البشرية نار المحبة ﴿ توقدون ﴾ مصباح قلوبكم.
وإنما قال النبي "إن قلب القرآن يس" لأن ذكره رمز إليه في أول السورة وفي آخرها.
أما الأول فقد مر في تفسير لفظ ﴿ يس ﴾ وأما الثاني فلأن قوله ﴿ فسبحان ﴾ إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحاً، وعلى الرسالة ضمناً، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على ﴿ يس ﴾ أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.
قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ : قال قائلون: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ﴾ : ما كان من عقوبات الله ووقائعه فيمن كان قبلكم من عنادهم في آياته وتكذيبهم رسله، يقول: اتقوا ذلك واحذروا نزوله عليكم، فسمى: بين أيديهم؛ لأنه مضى بين أيديهم، وما خلفهم من أمر الساعة وعذابها سمى: خلفا؛ لأنه بعد ورائهم غير مأتي، يقول: احذروا ذلك.
وقال قائلون: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ﴾ هي عقوبات الآخرة هي بين أيديهم ستأتي بهم وستنزل، ﴿ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ ما مضى من العقوبات التي نزلت بمن كان قبلكم؛ فصار ذلك وراءً وخلفاً، يقول: احذروا ذلك.
وجائز أن يكون غير هذا يقول - والله أعلم -: احذروا ذنوبكم التي عملتم ومعاصيكم التي عصيتم في الدنيا، واحذروا أيضاً ما تسنون أيضاً لمن بعدكم؛ كقوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ : ما قدمت: ما عمل هو، وما أخرت ما سن لغيره من بعد.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ .
أي: إذا فعلتم ذلك استوجبتم الرحمة بفضله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - في قوم خاصة اعتادوا العناد والمكابرة في رد الآيات والإعراض عنها؛ لما كان سؤالهم الآيات تعنتاً لا سؤال استرشاد، ولو كان سؤالهم سؤال استرشاد، لكان قد أنزل لهم من الآيات وأتاهم ما يلزمهم قبولها والتمسك بها.
ثم الإعراض والعناد يكون بوجهين: أحدهما: يعرض عنها؛ لما لم تقع له؛ لترك التأمل والنظر فيها.
والثاني: يعرض عنها إعراض عناد بعد التحقيق والتيقن والعلم بأنها آيات، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَنفِقُواْ ﴾ أي: صلة الأرحام والقرابات على حقيقة الإنفاق.
ويحتمل: أن اقبلوا الإنفاق وهو الزكاة بقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ﴾ الآية [فصلت: 6-7] أي: لا يقبلون الإيتاء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ ﴾ .
بهذا قالت المعتزلة في قولهم: إن الله لا يفعل إلا ما هو أصلح له في الدين، يقولون: لو كان الإنفاق والرزق أصلح لهم في الدين لرزقهم الله على ما رزقنا.
فيقال للمعتزلة: أمره إياهم بالإنفاق على من ذكر لا يخلو من أن يكون النفقة لهم والرزق أصلح في الدين، ثم لم يرزقهم ولم يوسع عليهم، وإما أن يكون المنع أصلح لهم وترك الإنفاق: فإن كان الأول فقد ترك فعل ما هو أصلح في الدين، أو الثاني، فقد أمر هؤلاء بفعل ما هو ليس بأصلح، فكيفما كان، ففيه دلالة أن ليس على الله حفظ الأصلح للخلق في الدين، إنما عليه فعل ما توجبه الحكمة وحفظ ما يكون حكمة، وهؤلاء لم ينظروا إلى ما توجبه الحكمة، وفي الحكمة الامتحان والابتلاء: هذا بالسعة وهذا بالشدة والضيق؛ ثم أوجب على من وسع عليه في فضول ماله حقّاً لهذا الفقير والمضيق عليه، وبين ذلك الحق، وبيّن قدره وحدّه، ليتأدى بذلك شكره، وضيق على هذا، يطلب منه الصبر على ذلك إن منع هذا حقه، وإلا لم يسبق ممن وسع عليه ما يستوجب به تلك النعمة والسعة، ولا ممن ضيق عليه ما يستوجب ذلك، ولكن محنة يمتحنهم بها: هذا بالشدة والضيق، وهذا بالسعة والكثرة، هذا مأمور بالشكر وأداء ما أوجب عليه في ماله، وهذا بالصبر على حاجته إن منع حقه؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن نبي الله أنه قال: "لو شاء الله لجعلكم أغنياء لا فقير فيكم، ولو شاء الله لجعلكم فقراء لا يغنى عنكم شيئاً، لكنه ابتلى بعضهم ببعض لينظر كيف عطف [الغني] وكيف صبر الفقير" وقوله: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .
قال بعضهم: هذا قول الكفرة للمؤمنين، لم يكتفوا بذلك القول الذي قالوه، ولكن نسبوهم إلى الضلال والجهل.
وقال بعضهم: هذا القول من الله جواب لهم، لقولهم: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
ليس بصلة على ما تقدم من الكلام، كأنهم خوفوا بترك الإنفاق بالعذاب، فقالوا عند ذلك: ﴿ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
ثم قال: ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ .
أي: ما ينظرون لإيمانهم إلا ذلك الوقت، يقول - والله أعلم -: إنهم إذا بلغوا ذلك الوقت وعاينوا ذلك، فعند ذلك يؤمنون، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ لقوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ .
وقوله: ﴿ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴾ .
يخبر عن سرعة قيام الساعة وغفلة أهلها عنها؛ كقوله: ﴿ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً ﴾ أي: فجأة، وهم لا يشعرون، وعلى ذلك روي في بعض الأخبار عن نبي الله قال: "تقوم الساعة والرجلان يتبايعان الثوب، فلا يقومانه حتى تقوم الساعة" وعن أبي هريرة - - في قوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فقال: "تقوم الساعة والناس في أسواقهم يحلبون اللقاح، ويذرعون الثياب، ويتبايعون وهم في حاجاتهم" ، وعن الزبير بن العوام - -: "أن الرجلين ليتبايعان إذ نادى مناد: قد قامت الساعة" ونحوه.
وقوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴾ .
أي: وصية؛ وكذلك ذكر في حرف حفصة وأبي، أي: فلا يستطيعون وصية.
وقوله: ﴿ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴾ .
يحتمل ما ذكرنا أن الساعة تقوم وهم على ما كانوا عليه من قبل في البياعات والخصومات والمنازعة وعلى ذلك جاءت.
ويحتمل ﴿ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴾ أي: يختصمون في الساعة والبعث أنها لا تقوم ولا تكون؛ لأنهم كانوا [ينكرونها]، ودل قوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أن استطاعة الفعل تكون مع الفعل لا تتقدم الفعل؛ لأنها لو كانت تتقدم، لكانوا يستطيعون التوصية والرجوع إلى أهلهم إذا قامت بهم؛ دل هذا على أنها لا تتقدم الفعل، لكنها تقارنه وتجامعه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإذا قيل لهؤلاء المشركين المعرضين عن الإيمان: احذروا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة وشدائدها، واحذروا الدنيا المُدْبِرَة رجاء أن يمن الله عليكم برحمته؛ لم يمتثلوا لذلك، بل أعرضوا عنه غير مبالين به.
<div class="verse-tafsir" id="91.j8nYm"