الآية ٨٣ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٨٣ من سورة يس

فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٣ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٣ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) أي : تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم ، الذي بيده مقاليد السماوات والأرض ، وإليه يرجع الأمر كله ، وله الخلق والأمر ، وإليه ترجع العباد يوم القيامة ، فيجازي كل عامل بعمله ، وهو العادل المتفضل .

ومعنى قوله : ( فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ) كقوله عز وجل : ( قل من بيده ملكوت كل شيء ) [ المؤمنون : 88 ] ، وكقوله تعالى : ( تبارك الذي بيده الملك ) [ الملك : 1 ] ، فالملك والملكوت واحد في المعنى ، كرحمة ورحموت ، ورهبة ورهبوت ، وجبر وجبروت .

ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجساد والملكوت هو عالم الأرواح ، والأول هو الصحيح ، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم .

قال الإمام أحمد : حدثنا حماد ، عن عبد الملك بن عمير ، حدثني ابن عم لحذيفة ، عن حذيفة - وهو ابن اليمان - رضي الله عنه ، قال : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فقرأ السبع الطول في سبع ركعات ، وكان إذا رفع رأسه من الركوع قال : " سمع الله لمن حمده " .

ثم قال : " الحمد لذي ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة " وكان ركوعه مثل قيامه ، وسجوده مثل ركوعه ، فأنصرف وقد كادت تنكسر رجلاي .

وقد روى أبو داود ، والترمذي في الشمائل ، والنسائي ، من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي حمزة - مولى الأنصار - عن رجل من بني عبس ، عن حذيفة ; أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل ، وكان يقول : " الله أكبر - ثلاثا - ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة " .

ثم استفتح فقرأ البقرة ، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه ، وكان يقول في ركوعه : " سبحان ربي العظيم " .

ثم رفع رأسه من الركوع ، فكان قيامه نحوا من ] ركوعه ، يقول : " لربي الحمد " .

ثم سجد ، فكان سجوده نحوا من ] قيامه ، وكان يقول في سجوده : " سبحان ربي الأعلى " .

ثم رفع رأسه من السجود ، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده ، وكان يقول : " رب ، اغفر لي ، رب اغفر لي " .

فصلى أربع ركعات ، فقرأ فيهن البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة - أو الأنعام شك شعبة - هذا لفظ أبي داود .

وقال النسائي : " أبو حمزة عندنا : طلحة بن يزيد ، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة " .

كذا قال .

والأشبه أن يكون ابن عم حذيفة ، كما تقدم في رواية الإمام أحمد ، [ والله أعلم ] .

فأما رواية صلة بن زفر ، عن حذيفة ، فإنها في صحيح مسلم ، ولكن ليس فيها ذكر الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة .

وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، حدثني معاوية بن صالح ، عن عمرو بن قيس ، عن عاصم بن حميد ، عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة ، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل ، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ .

قال : ثم ركع بقدر قيامه ، يقول في ركوعه : " سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة " .

ثم سجد بقدر قيامه ، ثم قال في سجوده مثل ذلك ، ثم قام فقرأ بآل عمران ، ثم قرأ سورة سورة .

ورواه الترمذي في الشمائل ، والنسائي ، من حديث معاوية بن صالح ، به .

] آخر تفسير سورة " يس " ولله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) يقول تعالى ذكره: فتنـزيه الذي بيده ملك كل شيء وخزائنه.

وقوله ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يقول: وإليه تردون وتصيرون بعد مماتكم.

آخر تفسير سورة يس

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء نزه نفسه تعالى عن العجز والشرك .

وملكوت وملكوتي في كلام العرب بمعنى ملك .

والعرب تقول : جبروتي خير من رحموتي .

وقال سعيد عن قتادة : " ملكوت كل شيء " مفاتح كل شيء .

وقرأ طلحة بن مصرف وإبراهيم التيمي والأعمش " ملكة " ، وهو بمعنى ملكوت إلا أنه خلاف المصحف .

وإليه ترجعون أي : تردون وتصيرون بعد مماتكم .

وقراءة العامة بالتاء على الخطاب .

وقرأ السلمي وزر بن حبيش وأصحاب عبد الله " يرجعون " بالياء على الخبر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } وهذا دليل سادس، فإنه تعالى هو الملك المالك لكل شيء، الذي جميع ما سكن في العالم العلوي والسفلي ملك له، وعبيد مسخرون ومدبرون، يتصرف فيهم بأقداره الحكمية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية.فإعادته إياهم بعد موتهم، لينفذ فيهم حكم الجزاء، من تمام ملكه، ولهذا قال: { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } من غير امتراء ولا شك، لتواتر البراهين القاطعة والأدلة الساطعة على ذلك.

فتبارك الذي جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور.

تم تفسير سورة يس، فللّه [تعالى] الحمد كما ينبغي لجلاله، وله الثناء كما يليق بكماله، وله المجد كما تستدعيه عظمته وكبرياؤه، وصلى اللّه على محمد وآله وسلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو الطاهر الزيادي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، حدثنا علي بن الحسين الدرابجردي ، حدثنا عبد الله بن عثمان ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان - وليس بالنهدي - عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اقرؤوا على موتاكم سورة يس " .

ورواه محمد بن العلاء عن ابن المبارك ، وقال : عن أبي عثمان - وليس بالنهدي - عن أبيه عن معقل بن يسار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فسبحان الذي بيده ملكوت» مُلك زيدت الواو والتاء للمبالغة، أي القدرة على «كل شيء وإليه ترجعون» تردُّون في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فتنزه الله تعالى وتقدس عن العجز والشرك، فهو المالك لكل شيء، المتصرف في شؤون خلقه بلا منازع أو ممانع، وقد ظهرت دلائل قدرته، وتمام نعمته، وإليه تُرجعون للحساب والجزاء.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما تقررت الوحدانية والإعادة وأنكروها وقالوا: بأن غير الله آلهة، قال تعالى وتنزه عن الشريك: ﴿ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْءٍ ﴾ وكل شيء ملكه فكيف يكون المملوك للمالك شريكاً، وقالوا: بأن الإعادة لا تكون، فقال: ﴿ وإليه ترجعون ﴾ رداً عليهم في الأمرين، وقد ذكرنا ما يتعلق بالنحو في قوله: سبحان، أي سبحوا تسبيح الذي أو سبح من في السموات والأرض تسبيح الذي ﴿ فسبحان ﴾ علم للتسبيح، والتسبيح هو التنزيه، والملكوت مبالغة في الملك كالرحموت والرهبوت، وهو فعلول أو فعلوت فيه كلام، ومن قال هو فعلول جعلوه ملحقاً به.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس».

وقال الغزالي فيه: إن ذلك لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر، والحشر مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه، فجعله قلب القرآن لذلك، واستحسنه فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى سمعته يترحم عليه بسبب هذا الكلام.

ويمكن أن يقال بأن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة بأقوى البراهين فابتداؤها بيان الرسالة بقوله: ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين  ﴾ ودليلها ما قدمه عليها بقوله: ﴿ والقرءان الحكيم  ﴾ وما أخره عنها بقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً  ﴾ وانتهاؤها بيان الوحدانية والحشر بقوله: ﴿ فسبحان الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ إشارة إلى التوحيد، وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ إشارة إلى الحشر، وليس في هذه السورة إلا هذه الأصول الثلاثة ودلائله وثوابه، ومن حصل من القرآن هذا القدر فقد حصل نصيب قلبه وهو التصديق الذي بالجنان.

وأما وظيفة اللسان التي هي القول، فكما في قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً  ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ بالقول الثابت  ﴾ ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى  ﴾ ﴿ وَإِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب  ﴾ إلى غير هذه مما في غير هذه السورة ووظيفة الأركان وهو العمل، كما في قوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا  وَلَا تَقْتُلُوا ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا  ﴾ وقوله: ﴿ واعملوا صالحا  ﴾ وأيضاً مما في غير هذه السورة، فلما لم يكن فيها إلا أعمال القلب لا غير سماها قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى تلقين يس لمن دنا منه الموت، وقراءتها عند رأسه، لأن في ذلك الوقت يكون اللسان ضعيف القوة، والأعضاء الظاهرة ساقطة البنية، لكن القلب يكون قد أقبل على الله ورجع عن كل ما سواه، فيقرأ عند رأسه ما يزاد به قوة قلبه، ويشتد تصديقه بالأصول الثلاثة وهي شفاء له وأشرار كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلمها إلا الله ورسوله، وما ذكرناه ظن لانقطع به، ونرجو الله أن يرحمنا وهو أرحم الراحمين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قبح الله عزّ وجلّ إنكارهم البعث تقبيحاً لا ترى أعجب منه وأبلغ، ودلّ على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادي، وتوغله في الخسّة وتغلغله في القحة، حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخسّ شيء وأمهنه، وهو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، ثم عجب من حاله بأن يتصدّى مثله على مهانة أصله ودناءة أوّله لمخاصمة الجبار، وشرز صفحته لمجادلته، ويركب متن الباطل ويلج، ويمحك ويقول: من يقدر على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به، وهو كونه منشأ من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات، وهي المكابرة التي لا مطمح وراءها، وروى: أن جماعة من كفار قريش منهم أبيّ بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاصي بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك، فقال لهم أبيّ: ألا ترون إلى ما يقول محمد، إنّ الله يبعث الأموات، ثم قال: واللات والعزّى لأصيرنّ إليه ولأخصمنه، وأخذ عظماً بالياً فجعل يفته بيده وهو يقول: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ، قال صلى الله عليه وسلم: «نعم ويبعثك ويدخلك جهنم» وقيل: معنى قوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق قادر على الخصام، مبين: معرب عما في نفسه فصيح، كما قال تعالى: ﴿ أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: 18] .

فإن قلت: لم سمى قوله: ﴿ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾ مثلاً؟

قلت: لما دلّ عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهي إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى.

أو لما فيه من التشبيه، لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى، فإذا قيل: من يحيي العظام على طريق الإنكار لأن يكون ذلك مما يوصف الله تعالى بكونه قادراً عليه، كان تعجيزاً لله وتشبيهاً له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه.

والرميم: اسم لما بلي من العظام غير صفة، كالرمة والرفات، فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبر المؤنث؟

ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام ويقول: إن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها.

وأما أصحاب أبي حنيفة فهي عندهم طاهرة، وكذلك الشعر والعصب، ويزعمون أنّ الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت، ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردّها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حيّ حساس ﴿ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ يعلم كيف يخلق، لا يتعاظمه شيء من خلق المنشآت والمعادات ومن أجناسها وأنواعها وجلائلها ودقائقها.

ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر، مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي يوري بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار، وفي أمثالهم: في كل شجر نار.

واستمجد المرخ والعفار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان، يفطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر، على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب.

قالوا: ولذلك تتخذ منه كذينقات القصارين.

قرئ: ﴿ الأخضر ﴾ على اللفظ.

وقرئ: ﴿ الخضراء ﴾ على المعنى: ونحوه قوله تعالى: ﴿ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون فشاربون عَلَيْهِ مِنَ الحميم ﴾ [الواقعة: 54] .

من قدر على خلق السموات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسي أقدر، وفي معناه قوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ﴾ [غافر: 57] .

وقرئ: ﴿ يقدر ﴾ وقوله: ﴿ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ﴾ يحتمل معنيين: أن يخلق مثلهم في الصغر والقماءة بالإضافة إلى السموات والأرض أو أن يعيدهم؛ لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به ﴿ وَهُوَ الخلاق ﴾ الكثير المخلوقات ﴿ العليم ﴾ الكثير المعلومات.

وقرئ: ﴿ الخالق ﴾ ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ ﴾ إنما شأنه ﴿ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً ﴾ إذا دعاه داعي حكمة إلى تكوينه ولا صارف ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن ﴾ أن يكونه من غير توقف ﴿ فَيَكُونُ ﴾ فيحدث، أي: فهو كائن موجود لا محالة.

فإن قلت: ما حقيقة قوله: ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ؟

قلت: هو مجاز من الكلام وتمثيل، لأنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات، وأنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع.

فإن قلت: فما وجه القراءتين في فيكون؟

قلت: أما الرفع فلأنها جملة من مبتدأ وخبر؛ لأن تقديرها: فهو يكون، معطوفة على مثلها، وهي أمره أن يقول له كن.

وأما النصب فللعطف على يقول، والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئاً مما تقدر عليه، من المباشرة بمحال القدرة، واستعمال الآلات، وما يتبع ذلك من المشقة والتعب واللغوب إنما أمره وهو القادر العالم لذاته أن يخلص داعيه إلى الفعل، فيتكون فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة؟

﴿ فسبحان ﴾ تنزيه له مما وصفه به المشركون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْء ﴾ هو مالك كل شيء والمتصرف فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته.

وقرئ: ﴿ ملكة كل شيء ﴾ وملك كل شيء.

والمعنى واحد ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ بضم التاء وفتحها.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كنت لا أعلم ما روي في فضائل ياس وقراءتها كيف خصت، بذلك، فإذا أنه لهذه الآية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ لكل شيء قلباً، وإن قلب القرآن ياس، من قرأ ياس يريد بها وجه الله، غفر الله تعالى له، وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة ياس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً يصلون عليه ويستغفرون له، ويشهدون غسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ ياس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يحييه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة يشربها وهو على فراشه، فيقبض ملك الموت روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان» وقال عليه الصلاة والسلام: «إن في القرآن سورة يشفع لقارئها ويغفر لمستمعها ألا وهي سورة ياس» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ تَنْزِيهٌ عَمّا ضَرَبُوا لَهُ، وتَعْجِيبٌ عَمّا قالُوا فِيهِ مُعَلَّلًا بِكَوْنِهِ مالِكًا لِلْأمْرِ كُلِّهِ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُقِرِّينَ والمُنْكِرِينَ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ التّاءِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ لا أعْلَمُ ما رُوِيَ في فَضْلِ يس كَيْفَ خُصَّتْ بِهِ فَإذا أنَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ.

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا وقَلْبَ القُرْآنِ يس، وأيُّما مُسْلِمٍ قَرَأها يُرِيدُ بِها وجْهَ اللَّهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما قَرَأ القُرْآنَ اثْنَتَيْنِ وعِشْرِينَ مَرَّةً، وأيُّما مُسْلِمٍ قُرِئَ عِنْدَهُ إذا نَزَلَ بِهِ مَلَكُ المَوْتِ سُورَةُ يس نَزَلَ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنها عَشْرَةُ أمْلاكٍ يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفًا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، ويَشْهَدُونَ غَسْلَهُ ويُشَيِّعُونَ جِنازَتَهُ ويُصَلُّونَ عَلَيْهِ ويَشْهَدُونَ دَفْنَهُ، وأيُّما مُسْلِمٍ قَرَأ يس وهو في سَكَراتِ المَوْتِ لَمْ يَقْبِضْ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَهُ حَتّى يَجِيئَهُ رِضْوانُ بِشَرْبَةٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَبُها وهو عَلى فِراشِهِ، فَيَقْبِضُ رُوحَهُ وهو رَيّانُ، ويَمْكُثُ في قَبْرِهِ وهو رَيّانُ، ولا يَحْتاجُ إلى حَوْضٍ مِن حِياضِ الأنْبِياءِ حَتّى يَدْخُلَ الجَنَّةَ وهو رَيّانُ» .

( تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ طَبْعُ الجُزْءِ الرّابِعِ مِن تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ في مَطابِعِ دارِ إحْياءِ التُّراثِ العَرَبِيِّ- بَيْرُوتُ الزّاهِرَةُ، أدامَها اللَّهُ لَطَبْعِ المَزِيدِ مِنَ الكُتُبِ النّافِعَةِ، وآخِرُ دَعْوانا أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيُّ العَظِيم

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فسبحان} تنزيه مما وصفه به المشركون وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا {الذى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ} أي ملك كل شيء وزيادة الواو والتاء للمبالغة يعني هو مالك كل شيء {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تعادون بعد الموت بلا فوت ترجعون يعقوب قال عليه الصلاة والسلام إن لكل شيء قلباً وإن قلب القرآن يس من قرأ يس يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة وقال عليه السلام من قرأ يس أمام حاجته قضيت له وقال عليه السلام من قرأها إن كان جائعاً أشبعه الله وإن كان ظمآن أرواه الله وإن كان عرياناً ألبسه الله وإن كان خائفاً أمنه الله وإن كان مستوحشاً آنسه الله وإن كان فقيراً أغناه الله وإن كان في السجن أخرجه الله وإن كان أسيراً خلصه الله وإن كان ضالاً هداه الله وإن كان مديوناً قضى الله دينه من خزائنه وتدعى الدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة والله اعلم

سورة الصافات مكية وهى مائة واحدى أو اثنتان وثمانون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِمّا وصَفُوهُ بِهِ تَعالى وتَعْجِيبٌ عَمّا قالُوا في شَأْنِهِ عِزَّ شَأْنُهُ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ أيْ إذا عُلِمَ ذَلِكَ فَسُبْحانَ، أوْ سَبَبِيَّةٌ، لِأنَّ ما قَبْلُ سَبَبٌ لِتَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ، والمَلَكُوتُ مُبالَغَةٌ في المُلْكِ كالرَّحَمُوتِ والرَّهَبُوتِ فَهو المُلْكُ التّامُّ، وفي تَعْلِيقِ ”سُبْحانَ“ بِما في حَيِّزِهِ إيماءٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ تَعالى مالِكًا لِلْمُلْكِ كُلِّهِ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَضٍ لِلتَّسْبِيحِ، وفُسِّرَ المَلَكُوتُ أيْضًا بِعالَمِ الأمْرِ والغَيْبِ، فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ قِيلَ لِاخْتِصاصِ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ بِخِلافِ عالَمِ الشَّهادَةِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ ”مَلَكَةُ“ عَلى وزْنِ شَجَرَةٍ أيْ بِيَدِهِ ضَبْطُ كُلِّ شَيْءٍ، وقُرِئَ ”مَمْلَكَةُ“ عَلى وزْنِ مَفْعَلَةٍ، وقُرِئَ ”مُلْكُ“.

﴿ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ لا إلى غَيْرِهِ تَعالى وهَذا وعْدٌ لِلْمُقِرِّينَ ووَعِيدٌ لِلْمُنْكِرِينَ فالخِطابُ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، وقِيلَ هو وعِيدٌ فَقَطْ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ لا غَيْرَ تَوْبِيخًا لَهم ولِذا عَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ وهو وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا غَضَبًا عَظِيمًا.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”تَرْجِعُونَ“ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

هَذا ما لُخِّصَ مِن كَلامِهِمْ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ وفِيها دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى المَعادِ الجُسْمانِيِّ وإيماءٌ إلى دَفْعِ بَعْضِ الشُّبَهِ عَنْهُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن مُهِمّاتِ مَسائِلِ الدِّينِ وحَيْثُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ مِن أمْرِهِ ما لَهُ كانَتْ عِنْدَ أجِلَّةِ العُلَماءِ الصُّدُورِ قَلْبَ القُرْآنِ لا بَأْسَ بِأنْ يُذْكَرَ في إتْمامِ الكَلامِ فِيها ما لِلْعُلَماءِ في تَحْقِيقِ أمْرِ ذَلِكَ، فَأقُولُ طالِبًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - التَّوْفِيقَ إلى القَوْلِ المَقْبُولِ: اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا في أنَّ الإنْسانَ ما هُوَ؟

فَقِيلَ: هو هَذا الهَيْكَلُ المَحْسُوسُ مَعَ أجْزاءٍ سارِيَةٍ فِيهِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الفَحْمِ، وهي جِسْمٌ لَطِيفٌ نُورانِيٌّ مُخالِفٌ بِالحَقِيقَةِ والماهِيَّةِ لِلْأجْسامِ الَّتِي مِنها ائْتَلَفَ هَذا الهَيْكَلُ، وإنْ كانَ لِسَرَيانِهِ فِيهِ بِشِبْهِهِ صُورَةٌ، ولا نَعْلَمُ حَقِيقَةَ هَذا الجِسْمِ وهو الرُّوحُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ عِنْدَ مُعْظَمِ السَّلَفِ الصّالِحِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ البَدَنِ عَلاقَةٌ يُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ وهو بُخارٌ لَطِيفٌ، إذا فَسَدَ وخَرَجَ عَنِ الصَّلاحِيَّةِ لِأنْ يَكُونُ عَلاقَةً تَخْرُجُ الرُّوحُ عَنِ البَدَنِ خُرُوجًا اضْطِرارِيًّا وتَزُولُ الحَياةُ، وما دامَ باقِيًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَصْلُحُ بِهِ لِأنْ يَكُونُ عَلاقَةً تَبْقى الرُّوحُ والحَياةُ، وهَذا الجِسْمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ عَلى ما قالَ الإمامُ القُرْطُبِيُّ في التَّذْكِرَةِ مِمّا لَهُ أوَّلٌ ولَيْسَ لَهُ آخِرٌ؛، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَفْنى وإنْ فارَقَ البَدَنَ المَحْسُوسَ، وذَكَرَ فِيها أنَّ مَن قالَ إنَّهُ يَفْنى فَهو مُلْحِدٌ، وقِيلَ هو هَذا الهَيْكَلُ المَحْسُوسُ مَعَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي هي جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ بَلْ هو الإنْسانُ حَقِيقَةً عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وإلى إثْباتٍ هَذا الجَوْهَرِ ذَهَبَ الحَلِيمِيُّ والغَزالِيُّ والرّاغِبُ وأبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ ومَعْمَرٌ مِن قُدَماءِ المُعْتَزِلَةِ وجُمْهُورُ مُتَأخَّرِي الإمامِيَّةِ وكَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وهو الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ ولَيْسَتْ داخِلَةً البَدَنَ ولا خارِجَةً عَنْهُ فَنِسْبَتُها إلَيْهِ نِسْبَةُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى العالَمِ وهي بَعْدَ حُدُوثِها الزَّمانِيِّ عِنْدَهم لا تَفْنى أيْضًا.

ورَدَّ هَذا المَذْهَبَ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وكَما اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ اخْتَلَفُوا في أنَّ البَدَنَ هَلْ يَتَفَرَّقُ بَعْدَ المَوْتِ فَقَطْ أمْ يَتَفَرَّقُ وتُعْدَمُ ذاتُهُ؟

بِكُلٍّ قالَ بَعْضٌ، ولَعَلَّ مَن قالَ بِالثّانِي اسْتَثْنى عَجْبَ الذَّنَبَ لِصِحَّةِ خَبَرِ اسْتِثْنائِهِ مِنَ البِلى، وكُلُّ هَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ اتَّفَقُوا عَلى القَوْلِ بِالحَشْرِ الجُسْمانِيِّ إلّا أنَّ مِنهم مَن قالَ بِالحَشْرِ الجُسْمانِيِّ فَقَطْ بِمَعْنى أنَّهُ لا يُحْشَرُ إلّا جِسْمٌ؛ إذْ لَيْسَ وراءَ الجِسْمِ عِنْدَهم جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ يُسَمّى بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ، ومِنهم مَن قالَ بِالحَشْرِ الجُسْمانِيِّ والحَشْرِ الرُّوحانِيِّ مَعًا بِمَعْنى أنَّهُ يُحْشَرُ الجِسْمُ مُتَعَلِّقًا بِهِ أمْرٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ وكُلٌّ مِن أصْحابِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مِنهم مَن يَقُولُ بِأنَّ البَدَنَ إذا تَفَرَّقَ تُجْمَعُ أجْزاؤُهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْحَشْرِ، وتَقُومُ فِيها الرُّوحُ أوْ تَتَعَلَّقُ كَما في الدُّنْيا، بَلِ القِيامُ أوِ التَّعَلُّقُ هُناكَ أتَمُّ إذْ لا انْقِطاعَ لَهُ أصْلًا بَعْدَ تَحَقُّقِهِ، فالحَشْرُ عِنْدَ هَؤُلاءِ بِجَمْعِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ وعُودِ قِيامِ الرُّوحِ أوْ تُعَلِّقِها إلَيْها، والمُرادُ بِالأجْزاءِ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ وهي أجْزاءُ البَدَنِ حالَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ في الدُّنْيا لا الذَّرَّةُ الَّتِي أُخِذَ عَلَيْها العَهْدُ يَوْمَ ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ كَما قِيلَ: واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى حِفْظِها مِنَ التَّحَلُّلِ والتَّبَدُّلِ وكَذا عَلى حِفْظِها مِن أنْ تَكُونَ أجْزاءَ بَدَنٍ آخَرَ وإنْ تَفَرَّقَتْ في أقْطارِ الأرْضِ واخْتَلَطَتْ بِالعَناصِرِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ يَقْبِضُها المَلَكُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها الأكْلُ، ولا تَخْتَلِطُ بِالتُّرابِ، ولا يَحْصُلُ مِنها نَماءُ نَباتٍ أوْ حَيَوانٍ، وهو مُجَرَّدُ احْتِمالٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ مُخالِفٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ ﴿ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ المَحْشُورَ أجْزاءٌ رَمِيمَةٌ مَخْلُوطَةٌ بِالتُّرابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ هي الأجْزاءُ التُّرابِيَّةُ الَّتِي يَنْثُرُها المَلَكُ في الرَّحِمِ عَلى المَنِيِّ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ وهو لا يَنْثُرُ تُرابًا واحِدًا مَرَّتَيْنِ ويَحْشُرُ البَدَنُ بَعْدَ الجَمْعِ عَلى أكْمَلِ حالاتِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”يُحْشَرُ النّاسُ حُفاةً عُراةً غُرْلًا“، ثُمَّ يُزادُ في أجْسادِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَكُونُ أحَدُهم كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طُولًا وعَرْضًا، وكَذا يُزادُ في أجْسادِ أهْلِ النّارِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَتّى أنَّ سِنَّ أحَدِهِمْ لَتَكُونُ كَجَبَلِ أُحُدٍ، وجاءَ كُلٌّ مِنَ الزِّيادَتَيْنِ في الحَدِيثِ، فالمَقْطُوعُ أوِ المَجْذُوعُ مَثَلًا لا يُحْشَرُ إلّا كامِلًا كَما كانَ قَبْلَ القَطْعِ أوِ الجَذْعِ، ومَن خُلِقَ في الدُّنْيا بِأرْبَعِ أيْدٍ مَثَلًا يُحْشَرُ عَلى ما هو المُعْتادُ المَعْرُوفُ في بَنِي نَوْعِهِ، وكَذا مَن خُلِقَ بِلا يَدٍ أوْ رِجْلٍ مَثَلًا، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ تَعْذِيبُ جَسَدٍ لَمْ يَعْصِ وتَرْكُ تَعْذِيبِ جَسَدٍ عَصى ناشِئٌ عَنْ غَفْلَةٍ عَظِيمَةٍ؛ إذِ المُعَذَّبُ إنَّما هو الرُّوحُ وهو الَّذِي عَصى، ولا يُعْقَلُ العِصْيانُ والتَّعْذِيبُ لِنَفْسِ الجَسَدِ، وحَرْقُهُ بِالنّارِ لَيْسَ تَعْذِيبًا لَهُ نَفْسِهِ، وإلّا لَكانَ حَرْقُ الخَشَبِ تَعْذِيبًا لَهُ؛ بَلْ هو وسِيلَةٌ إلى تَعْذِيبِ الرُّوحِ، وهَذا كَما لَوْ جُعِلَ شَخْصٌ في صُنْدُوقٍ حَدِيدٍ - مَثَلًا - ووُضِعَ في النّارِ، أوْ لُفَّ في ثَوْبٍ وضُرِبَ بِالسِّياطِ حَتّى تَخَرَّقَ الثَّوْبُ، فالرُّوحُ بِمَنزِلَةِ هَذا الشَّخْصِ والجَسَدُ بِمَنزِلَةِ الصُّنْدُوقِ أوِ الثَّوْبِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَياةً لائِقَةً بِهِ لا يَلْزَمُ التَّعْذِيبُ أيْضًا إذْ لَيْسَ كُلُّ حَيٍّ تُؤْلِمُهُ النّارُ، واعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالسَّمَندِ وبِالنَّعامَةِ وكَذا بِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ وحَيّاتِها وعَقارِبِها والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ البَدَنَ يُعْدَمُ لا أنَّهُ تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُهُ فَقَطْ ثُمَّ يُعادُ لِلْحَشْرِ بِعَيْنِهِ، ومِنهم مَن يَقُولُ يُعْدَمُ ثُمَّ يُخْلَقُ يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلُهُ فَتَقُومُ فِيهِ الرُّوحُ أوْ تَتَعَلَّقُ بِهِ.

واسْتُدِلَّ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ ﴿ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ العِظامَ لا تُعْدَمُ ذَواتُها في الخارِجِ ولا يَكادُ يُفْهَمُ مِنَ الرَّمِيمِ أكْثَرُ مِن تَفَرُّقِ الأجْزاءِ، وكَأنَّ المُنْكِرِينَ اسْتَبْعَدُوا جَمْعَها فَأُشِيرُ إلى دَفْعِ اسْتِبْعادِهِمْ بِأنَّ الإنْشاءَ أبْعَدُ، وقَدْ وقَعَ ثُمَّ دُفِعَ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ اخْتِلاطَ الأجْزاءِ بَعْدَ تَفَرُّقِها وُعَوْدِها إلى عَناصِرِها يُوجِبُ عَدَمَ تَمَيُّزِها فَلا يَتَيَسَّرُ جَمْعُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ ثُمَّ أُشِيرَ إلى دَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ الإنْشاءَ كانَ تَدْرِيجِيًّا نُقِلَتْ فِيهِ الأجْزاءُ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ حَتّى حَصَلَ اسْتِعْدادُها لِلْحَياةِ ومُناسَبَتُها لِلرُّوحِ، ولا كَذَلِكَ ما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ فَلا مُناسَبَةَ بَيْنَ الأجْزاءِ الَّتِي تُجْمَعُ وبَيْنَ الرُّوحِ والحَياةِ، فَلا يَلْزَمُ مِن صِحَّةِ الإنْشاءِ صِحَّةُ الحَشْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا ﴾ وحَيْثُ كانَ هَذا مَعْرُوفًا بَيْنَهم يُشاهِدُهُ الكَبِيرُ والصَّغِيرُ مِنهم أشارَ سُبْحانَهُ إلى الدَّفْعِ بِهِ؛ وإلّا فَإنْشاؤُهُ تَعالى لِما يَكُونُ بِالتَّوَلُّدِ مِنَ الحَيَوانِ كالفَأْرِ والذُّبابِ دافِعٌ لِذَلِكَ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ما يَكُونُ قُبَيْلَ السّاعَةِ مِنَ الزَّلازِلِ وإنْزالِ مَطَرٍ كَمَنِيِّ الرِّجالِ ونَحْوِ ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ اسْتِعْدادٍ لِلرُّوحِ في تِلْكَ الأجْزاءِ، وهو مِمّا لا يُحْتاجُ إلى التِزامِهِ، وكَذا اسْتُدِلَّ لِذَلِكَ القَوْلِ بِما أُرْشِدَ إلَيْهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ قالَ ﴿ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى ﴾ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ ﴿ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وفي الأخْبارِ ما يَقْتَضِيهِ أيْضًا، واسْتُدِلَّ لِدَعْوى أنَّ البَدَنَ يُعْدَمُ ذاتًا في القَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ ورُدَّ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّفَرُّقُ هَلاكًا، بَلْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الحالِ في حَدِّ نَفْسِهِ إلّا ذاتَ الواجِبِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ وُجُودَ المُمْكِنِ مُسْتَفادٌ مِنَ الغَيْرِ فَلا وُجُودَ فِيهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الغَيْرِ بِخِلافِ وُجُودِ الواجِبِ تَعالى فَإنَّهُ مِن ذاتِهِ سُبْحانَهُ بَلْ عَيْنُ ذاتِهِ، ويُقالُ نَظِيرُ ذَلِكَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ لَوْ سَلِمَ دُخُولُ البَدَنِ في عُمُومِ ”مَن“، واسْتُدِلَّ لِدَعْوى أنَّهُ يُخْلَقُ يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلُهُ في القَوْلِ الثّالِثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ مِثْلُهم في الصِّغَرِ والقَماةِ عَلى ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ، ولا يُرادُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلَ أبْدانِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا ويُعِيدُ أرْواحَهم إلَيْها إذْ لا يَكادُ يَفْهَمُ هَذا مِنَ الآيَةِ، ولا داعِيَ لِالتِزامِ القَوْلِ بِأنَّ الحَشْرَ بِخَلْقٍ مِثْلِ البَدَنِ السّابِقِ، وإنْ قِيلَ بِأنَّ ذَلِكَ البَدَنَ تُعْدَمُ ذاتُهُ في الخارِجِ.

ومِنَ النّاسِ مَن تَوَهَّمَ وُجُوبَ التِزامِهِ إنْ قِيلَ بِذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ.

واسْتُدِلَّ عَلى الِاسْتِحالَةِ بِأنَّهُ لَوْ أُعِيدَ لَزِمَ تَخَلُّلُ العَدَمِ بَيْنَ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ وهو مُحالٌ.

ورُدَّ بِناءً عَلى أنَّ الوَقْتَ لَيْسَ مِنَ المُشَخَّصاتِ المُعْتَبَرَةِ في الوُجُودِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ التَّخَلُّلَ هاهُنا مُحالٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مَوْجُودًا زَمانًا ثُمَّ زالَ عَنْهُ الوُجُودُ في زَمانٍ آخَرَ، ثُمَّ اتَّصَفَ بِالوُجُودِ في الزَّمانِ الثّالِثِ، وهو في الحَقِيقَةِ تَخَلُّلُ العَدَمِ وقَطْعُ الِاتِّصالِ بَيْنَ زَمانَيِ الوُجُودِ، ولا اسْتِحالَةَ فِيهِ لِوُجُودِ الطَّرَفَيْنِ المُتَغايِرَيْنِ بِالذّاتِ إنَّما المُحالُ تَخَلُّلُ العَدَمِ بَيْنَ ذاتِ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ بِمَعْنى قَطْعِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ بِأنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا ولَمْ يَكُنْ نَفْسُهُ مَوْجُودًا ثُمَّ يُوجِدُ نَفْسَهُ، وهاهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ الشَّيْءَ وُجِدَ مَعَ نَفْسِهِ في الزَّمانِ الأوَّلِ، ثُمَّ اتَّصَفَ مَعَ نَفْسِهِ بِالعَدَمِ في الزَّمانِ الآخَرِ، ثُمَّ اتَّصَفَ بِالوُجُودِ مَعَ نَفْسِهِ في الزَّمانِ الثّالِثِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ قَطْعُ الِاتِّصالِ بَيْنَ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ في زَمانٍ مِنَ الأزْمِنَةِ وهَلْ هَذا إلّا كَلُبْسِ شَخْصٍ ثَوْبًا مُعَيَّنًا ثُمَّ خَلَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ.

واسْتُدِلَّ أيْضًا بِأنَّهُ لَوْ جازَ إعادَةُ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ لَجازَ إعادَتُهُ مَعَ مِثْلِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، واللّازِمُ باطِلٌ لَأنَّ المُتَماثِلَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مُعادًا دُونَ الآخَرِ وذَلِكَ باطِلٌ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّحَكُّمِ والتَّرْجِيحِ بِلا مُرَجِّحِ.

وإمّا أنْ يَكُونا مُعادَيْنِ وهو أيْضًا باطِلٌ مُسْتَلْزِمٌ لِاتِّحادِ الِاثْنَيْنِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُما مُعادًا وهو أيْضًا باطِلٌ مُسْتَلْزَمٌ خِلافَ المَفْرُوضِ إذْ قَدْ فُرِضَ كَوْنُ أحَدِهِما مُعادًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا بِإثْباتِ فِقْدانِ الذّاتِ وبُطْلانِ الهُوِيَّةِ فِيما بَيْنَ الوُجُودَيْنِ السّابِقِ واللّاحِقِ فَإنَّهُ مَدارُ لُزُومِ التَّحَكُّمِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: الشَّيْءُ إذا عُدِمَ في الخارِجِ بَقِيَ في نَفْسِ الأمْرِ بِحَسَبِ وجُودِهِ الذِّهْنِيِّ فَيَحْفَظُ وحْدَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ بِحَسَبِ ذَلِكَ الوُجُودِ كَما لَوْ كانَ مُتَمَيِّزًا ثابِتًا في العَدَمِ ثُبُوتًا مُنْفَكًّا عَنِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ ومُوافِقُوهُمْ، وزَعَمَ أنَّ وحْدَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ في الذِّهْنِ إذْ لا وحْدَةَ بِدُونِ الوُجُودِ ولا وُجُودَ بِدُونِ التَّشَخُّصِ سَواءٌ كانَ وُجُودًا خارِجِيًّا أوْ ذِهْنِيًّا، والهُوِيَّةُ الذِّهْنِيَّةُ إنَّما تَكُونُ مَوْجُودَةً في الذِّهْنِ بِمُشَخَّصاتِها الذِّهْنِيَّةِ وهي بِتِلْكَ المُشَخَّصاتِ لَيْسَتْ هُوِيَّةً خارِجِيَّةً وإلّا لَزِمَ اتِّصافُ الهُوِيَّةِ الخارِجِيَّةِ بِالعَوارِضِ المُخْتَصَّةِ بِالوُجُودِ الذِّهْنِيِّ وهو ضَرُورِيُّ البُطْلانِ بَلْ بِشَرْطِ تَجْرِيدِها عَنْها، وقَوْلُهم بِاتِّحادِها مَعَها بِمَعْنى أنَّها بَعْدَ التَّجْرِيدِ عَيْنُها فَلَيْسَتْ إيّاها مُطْلَقًا بِالفِعْلِ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى تَجْرِيدِ الهُوِيَّةِ عَنْ مُشَخَّصاتِها جَعْلَها خالِيَةً عَنْها في الواقِعِ بَلْ مَعْناهُ قَطْعُ النَّظَرِ عَنْها وعَدَمُ اعْتِبارِها، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ اعْتِبارِها اعْتِبارُ عَدَمِها فَضْلًا عَنْ عَدَمِها في الواقِعِ، وقَطْعُ النَّظَرِ لا يَمْنَعُ مِنَ الِاتِّحادِ في الواقِعِ، والقَوْلُ بِأنَّ قَوْلَنا: هَذا مُعادٌ وهَذا مَبْدَأُ قَضِيَّةٍ شَخْصِيَّةٍ خارِجِيَّةٍ يَتَوَقَّفُ صِدْقُها عَلى وُجُودِ المَوْضُوعِ في الخارِجِ لا ذِهْنِيَّةٍ يَكْفِي في صِدْقِها وُجُودُ المَوْضُوعِ في الذِّهْنِ فَقَطْ، فَلا بُدَّ مِنَ انْحِفاظِ الوَحْدَةِ في الخارِجِ ولا يَكْفِي انْحِفاظُها في الذِّهْنِ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ أنَّ صِدْقَ الحُكْمِ الذِّهْنِيِّ كافٍ في انْدِفاعِ التَّحَكُّمِ.

فَتَدَبَّرْ!

وقِيلَ: كَما أنَّ المَعْدُومَ مَوْجُودٌ في الذِّهْنِ كَذَلِكَ المُبْتَدَأُ المَفْرُوضُ مَوْجُودٌ فِيهِ أيْضًا فَلَيْسَتْ نِسْبَةُ المَوْجُودِ الثّانِي إلى المَعْدُومِ السّابِقِ أوْلى مِن نِسْبَتِهِ إلى المُبْتَدَأِ المَفْرُوضِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بَحْثًا، أمّا عَلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ فَلِأنَّ صُورَةَ المَعْدُومِ السّابِقِ مُرْتَسِمَةٌ في القُوى المُنْطَبِعَةِ لِلْأفْلاكِ عِنْدَهم بِناءً عَلى أنَّ صُوَرَ جَمِيعِ الحَوادِثِ الجُسْمانِيَّةِ مُنْطَبِعَةٌ فِيها بِزَعْمِهِمْ فَلَهُ صُورَةٌ خَيالِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ مَحْفُوظَةُ الوَحْدَةِ الشَّخْصِيَّةِ بَعْدَ عَدَمِهِ بِخِلافِ المُسْتَأْنَفِ فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ تِلْكَ الصُّورَةُ قَبْلَ وُجُودِهِ بِصُورَتِهِ الجُزْئِيَّةِ، فَإذا وُجِدَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الجُزْئِيَّةِ كانَ مُعادًا وإذا وُجِدَ بِالصُّورَةِ الكُلِّيَّةِ كانَ مُسْتَأْنَفًا، وأمّا عَلى مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ فَلِأنَّ لِلْمَعْدُومِ أيْضًا صُورَةٌ جُزْئِيَّةٌ حاصِلَةٌ بِتَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ مِنَ المُوجِدِ تَعالى شَأْنُهُ ولَيْسَ تِلْكَ الصُّورَةُ لِلْمُسْتَأْنَفِ وُجُودُهُ فَإنَّها - وإنْ كانَتْ جُزْئِيَّةً - حَقِيقِيَّةٌ أيْضًا، إلّا أنَّها لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلى تَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ، ولا شَكَّ أنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى تَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ أكْمَلُ مِن غَيْرِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ فَبَيْنَ الصُّورَتَيْنِ تَمايُزٌ واضِحٌ، وإذا انْحَفَظَ وحْدَةُ المَوْجُودِ الخارِجِيِّ بِالصُّورَةِ الجُزْئِيَّةِ الخَيالِيَّةِ لَنا فانْحِفاظُها بِالصُّورَةِ الجُزْئِيَّةِ الحاصِلَةِ لَهُ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ تَعَلُّقِ البَصَرِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، والقَوْلِ بِأنَّ نِسْبَةَ الصُّورَةِ الخَيالِيَّةِ وما هو بِمَنزِلَتِها إلى كُلٍّ مِنَ المُعادِ والمُسْتَأْنَفِ سَواءٌ أيْضًا فَتَكُونُ الوَحْدَةُ المَحْفُوظَةُ نَوْعِيَّةً لا شَخْصِيَّةً يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا تَكُونَ الصُّورَةُ الخَيالِيَّةُ جُزْئِيَّةً بَلْ كُلِّيَّةً، وهو خِلافُ ما صَرَّحُوا.

واسْتُدِلَّ أيْضًا بِأنَّهُ لَوْ جازَ إعادَةُ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ لَما حَصَلَ القَطْعُ بِحُدُوثِ شَيْءٍ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ ما نَعْتَقِدُهُ حادِثًا وُجُودٌ سابِقٌ يُعْدَمُ تارَةً ويُعادُ أُخْرى، واللّازِمُ باطِلٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ التَّجْوِيزَ العَقْلِيَّ لا يُنْكَرُ، إلّا أنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُودِ السّابِقِ، وبِهِ يَحْصُلُ نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ عِلْمِنا بِأنَّ جَبَلَ أُحُدٍ لا يَنْقَلِبُ ذَهَبًا مَعَ تَجْوِيزِ العَقْلِ انْقِلابَهُ، وبِالجُمْلَةِ أدِلَّةُ اسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ غَيْرُ سَلِيمَةٍ مِنَ القَوادِحِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ المُطَوَّلاتِ مِن كُتُبِ الكَلامِ، وقَدْ أُشِيرَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ إلى دَفْعِ شُبْهَةِ عَدَمِ انْحِفاظِ الوَحْدَةِ الشَّخْصِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ مِن هَذِهِ المَذاهِبِ أنَّ الحَشْرَ بِجَمْعِ الأجْزاءِ الأصْلِيَّةِ الباقِيَةِ مِن أوَّلِ العُمْرِ إلى آخِرِهِ، وهي إمّا أجْزاءٌ عُنْصُرِيَّةٌ أكْثَرُها تَرْجِعُ إلى التُّرابِ وتَخْتَلِطُ بِهِ كَما تَخْتَلِطُ سائِرُ الأجْزاءِ بِعَناصِرِهِ، أوْ أجْزاءٌ تُرابِيَّةٌ فَقَطْ عَلى ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ، وهَذا هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ إذْ حَدِيثُ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وتَرَكُّبِ البَدَنِ مِنها - لا سِيَّما حَدِيثَ عُنْصُرِ النّارِ - لَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الشّارِعِ  ولَمْ يُذْكَرْ في كُتُبِ السَّلَفِ بَلْ هو شَيْءٌ ولِعَ فِيهِ الفَلاسِفَةُ، عَلى أنَّ أصْحابَ الفَلْسَفَةِ الجَدِيدَةِ نَسْمَعُهم يُنْكِرُونَ كُرَةَ النّارِ الَّتِي قالَ بِها المُتَقَدِّمُونَ، فالأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ بَعْدَ أنْ تَتَفَرَّقَ وتَصِيرُ تُرابًا يَجْمَعُها اللَّهُ تَعالى حَيْثُ كانَتْ وهو سُبْحانَهُ بِها عَلِيمٌ ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ، وهَذا إنْ ضُمَّ إلَيْهِ القَوْلُ بِإعادَةِ الصُّورَةِ الَّتِي هي جُزْءٌ جَوْهَرِيٌّ مِنَ الجِسْمِ عِنْدَ القائِلِينَ بِتَرَكُّبِهِ مِنها ومِنَ الهَيُولى أوِ العَوارِضِ المُخْتَصَّةِ بِالأنْواعِ الَّتِي هي جُزْءٌ مِن أفْرادِ النَّوْعِ كالصُّورَةِ النَّوْعِيَّةِ الجَوْهَرِيَّةِ كَما هو مَذْهَبُ النّافِينَ لِتَرَكُّبِ الجِسْمِ مِنَ الهَيُولى والصُّورَةِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ - يَتَوَقَّفُ القَوْلُ بِهِ عَلى جَوازِ إعادَةِ المَعْدُومِ، وإذا لَمْ يُضَمَّ إلَيْهِ ذَلِكَ بَلِ اكْتُفِيَ بِالقَوْلِ بِجَمْعِ الأجْزاءِ الأصْلِيَّةِ العُنْصُرِيَّةِ وتَشْكِيلِها بِشَكْلٍ مِثْلِ الشَّكْلِ الأوَّلِ وتَحْلِيَتِها بِعَوارِضَ مُشابِهَةٍ لِلْعَوارِضِ السّابِقَةِ - لَمْ يَتَوَقَّفِ القَوْلُ بِهِ عَلى ذَلِكَ أصْلًا، والمُغايَرَةُ في الشَّكْلِ وعَدَمُ اتِّحادِ العَوارِضِ بِالذّاتِ مِمّا لا يَضُرُّ في كَوْنِ المَحْشُورِ هو المُبْدَأُ شَرْعًا وعُرْفًا، ولا يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ التَّناسُخُ المُصْطَلَحُ كَما لا يَخْفى.

وفي أبْكارِ الأفْكارِ لِلْآمِدِيِّ بَعْدَ التَّفْصِيلِ المُشَبَّعُ بِذِكْرِ الآياتِ والأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى وُقُوعِ المَعادِ الجُسْمانِيِّ: ”والأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ في ذَلِكَ لا يَحْوِيها كِتابٌ، ولا يَحْصُرُها خِطابٌ، وكُلُّها ظاهِرَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى حَشْرِ الأجْسادِ ونَشْرِها، مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلا يَجُوزُ تَرْكُها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، لَكِنْ هَلِ الإعادَةُ لِلْأجْسامِ بِإيجادِها بَعْدَ عَدَمِها؟

أوْ بِتَأْلِيفِ أجْزائِها بَعْدَ تَفَرُّقِها؟

فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، والحَقُّ إمْكانُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ، والسَّمْعُ مُوجِبٌ لِأحَدِهِما مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.

وبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الإعادَةُ لِلْأجْسامِ بِتَأْلِيفِ أجْزائِها بَعْدَ تَفَرُّقِها، فَهَلْ تَجِبُ إعادَةُ عَيْنِ ما تَقَضّى ومَضى مِنَ التَّأْلِيفاتِ في الدُّنْيا؟

أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجُوزُ أنْ يُؤَلِّفَها بِتَأْلِيفٍ آخَرَ؟

فَذَهَبَ أبُو هاشِمٍ إلى المَنعِ مِن إعادَتِها بِتَأْلِيفٍ آخَرَ مَصِيرًا مِنهُ إلى أنَّ جَواهِرَ الأشْخاصِ مُتَماثِلَةٌ؛ وإنَّما يَتَمَيَّزُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ بِتَعْيِينِهِ وتَأْلِيفِهِ الخاصِّ، فَإذا لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ التَّأْلِيفُ الخاصُّ بِهِ فَذَلِكَ الشَّخْصُ لا يَكُونُ هو العائِدُ بَلْ غَيْرُهُ، وهو مُخالِفٌ حِينَئِذٍ لِما ورَدَ بِهِ السَّمْعُ مِن حَشْرِ أجْسادِ النّاسِ عَلى صُوَرِهِمْ، ومَذْهَبُ مَن عَداهُ مِن أهْلِ الحَقِّ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ جائِزٌ عَقْلًا ولا دَلِيلَ عَلى التَّعْيِينِ مِن سَمْعٍ وغَيْرِهِ، وما قِيلَ مِن أنَّ تَعَيُّنَ كُلِّ شَخْصٍ إنَّما هو بِخُصُوصِ تَأْلِيفِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ جازَ أنْ يَكُونَ بِلَوْنِهِ أوْ بَعْضٍ آخَرَ مَعَ التَّأْلِيفِ.

ومَذْهَبُ أبِي هاشِمٍ أنَّهُ لا تَجِبُ إعادَةٌ غَيْرُ التَّأْلِيفِ مِنَ الأعْراضِ، فَما هو جَوابُهُ عَنْ غَيْرِ التَّأْلِيفِ فَهو جَوابُ لَنا في التَّأْلِيفِ، وما ورَدَ مِن حَشْرِ النّاسِ عَلى صُوَرِهِمْ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى إعادَةِ عَيْنِ ما تَقَضّى مِنَ التَّأْلِيفِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ الإعادَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ التَّأْلِيفِ لا عَيْنِهِ“ اهـ.

وزَعَمَ الإمامُ إجْماعَ المُسْلِمِينَ عَلى المَعادِ بِجَمْعِ الَأْجْزائِيَّةِ بَعْدَ افْتِراقِها ولَيْسَ بِذاكَ لِما سَمِعْتَ مِنَ الخِلافِ في كَيْفِيَّتِهِ، وهو مَذْكُورٌ في المَواقِفِ وغَيْرِهِ.

ومَسْألَةُ إعادَةِ الأعْراضِ أكْثَرُ خِلافًا مِن مَسْألَةِ إعادَةِ الجَواهِرِ؛ فَذَهَبَ مُعْظَمُ أهْلِ الحَقِّ إلى جَوازِ إعادَتِها مُطْلَقًا حَتّى أنَّ مِنهم مَن جَوَّزَ إعادَتَها في غَيْرِ مَحالِّها.

والمُعْتَزِلَةُ اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ إعادَةِ ما كانَ مِنها عَلى أُصُولِهِمْ باقِيًا غَيْرَ مُتَوَلِّدٍ، واخْتَلَفُوا في جَوازِ إعادَةِ ما لا بَقاءَ لَهُ كالحَرارَةِ والأصْواتِ والإراداتِ، فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ مِنهم إلى المَنعِ مِن إعادَتِها وجَوَّزَها الأقَلُّونَ كالبَلْخِيِّ وغَيْرِهِ.

وذَهَبَ إلى عَدَمِ جَوازِ إعادَةِ المَعْدُومِ مُطْلَقًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبُو الحَسَنِ البِصْرِيُّ وبَعْضُ الكَرّامِيَّةِ.

ومِنَ النّاسِ مِن خَصَّ المَنعَ فِيما عُدِمَ ذاتًا ووُجُودًا، وجَوَّزَ فِيما عُدِمَ وُجُودًا.

وإلى القَوْلِ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ ذَهَبَ اليَهُودُ والنَّصارى عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الدَّوّانِيُّ؛ لَكِنْ ذَكَرَ الإمامُ في المُحَصَّلِ أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ سِوى نَبِيِّنا  لَمْ يَقُولُوا إلّا بِالمَعادِ الرُّوحانِيِّ.

وقالَ المُحَقِّقُ الطُّوسِيُّ في تَلْخِيصِهِ: أمّا الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى نَبِيِّنا  فالظّاهِرُ مِن كَلامِ أُمَمِهِمْ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَذْكُرِ المَعادَ البَدَنِيَّ، ولا أُنْزِلُ عَلَيْهِ في التَّوْراةِ، لَكِنْ جاءَ ذَلِكَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَهُ كَحِزْقِيلَ وشَعْيا عَلَيْهِما السَّلامُ ولِذا أقَرَّ اليَهُودُ بِهِ، وأمّا الإنْجِيلُ فالأظْهَرُ أنَّ المَذْكُورَ فِيهِ المَعادُ الرُّوحانِيُّ وهو مُخالِفٌ لِما سَمِعْتَ عَنِ الإمامِ، ويُخالِفُهُما ما قالَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في كِتابِهِ المَوْسُومِ بِالمَضْنُونِ بِهِ عَلى غَيْرِ أهْلِهِ مِن أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَمْكُثُونَ في النَّعِيمِ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يَصِيرُونَ مَلائِكَةً وأنَّ أهْلَ النّارِ يَمْكُثُونَ بِها كَذا وأزْيَدَ ثُمَّ يَصِيرُونَ شَياطِينَ، فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ المَعادَ الجُسْمانِيَّ ونَزَلَ عَلَيْهِ في التَّوْراةِ، والحَقُّ أنَّ الأناجِيلَ مَمْلُوءَةٌ مِمّا يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّ الإنْسانَ يُحْشَرُ نَفْسًا وجِسْمًا وأمّا التَّوْراةُ فَلَيْسَ ما ذُكِرَ فِيها عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ عَلى ما نَقَلَ لِي بَعْضُ المُطَّلِعِينَ مِن مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ عَلى ذَلِكَ وأنْكَرَهُ الفَلاسِفَةُ الإلَهِيُّونَ وقالُوا بِالمَعادِ الرُّوحانِيِّ فَقَطْ، وهَذا الإنْكارُ مَبْنِيٌّ إمّا عَلى زَعْمِ اسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ فِيهِ ما فِيهِ أوْ عَلى اسْتِحالَةِ عَدَمِ تَناهِي الأبْعادِ، فَإنَّ مِنهم مَن قالَ: الإنْسانُ قَدِيمٌ بِالنَّوْعِ، والنُّفُوسُ النّاطِقَةُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ كالأبْدانِ فَلَوْ قِيلَ بِالحَشْرِ الجُسْمانِيِّ يَلْزَمُ اجْتِماعُ الأبْدانِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ في الوُجُودِ إذْ لا بُدَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِن بَدَنٍ مُسْتَقِلٍّ فَيَلْزَمُ بُعْدٌ غَيْرُ مُتَناهٍ لِتَجْتَمِعَ فِيهِ تِلْكَ الأبْدانُ غَيْرُ المُتَناهِيَةِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الإنْسانَ أفْرادُهُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والعَناصِرَ مُتَناهِيَةٌ، فَأجْزاؤُها لا تَفِي بِتِلْكَ الأبْدانِ، فَكَيْفَ تُحْشَرُ؟

وتُعُقِّبَ بِأنَّ القِدَمَ النَّوْعِيَّ لِلْإنْسانِ وعَدَمَ التَّناهِي لِأفْرادِهِ مِمّا لا يَتِمُّ لَهم عَلَيْهِ بُرْهانٌ.

وقالَ ابْنُ الكَمالِ: بِناءُ اسْتِحالَةِ الحَشْرِ الجُسْمانِيِّ عَلى اسْتِحالَةِ عَدَمِ تَناهِي الأبْعادِ وهْمٌ سَبَقَ إلَيْهِ وهْمُ بَعْضُ أجِلَّةِ النّاظِرِينَ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما تُوَهِّمَ، فَإنَّ حَشْرَ الأجْسادِ اللّازِمَ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ المَعادِ الجُسْمانِيِّ هو حَشْرُ المُكَلَّفِينَ مِنَ المُطِيعِ المُسْتَحِقِّ لِلثَّوابِ، والعاصِي المُسْتَحِقِّ لِلْعِقابِ، لا حَشْرُ جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ مُكَلَّفًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ، لِأنَّ الأخْبارُ فِيهِ لَمْ تَصِلْ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، ولَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهِ الإجْماعُ وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ المُحَقِّقُ الطُّوسِيُّ في التَّجْرِيدِ حَيْثُ قالَ: والسَّمْعُ دَلَّ عَلَيْهِ ويُتَأوَّلُ في المُكَلَّفِ بِالتَّفْرِيقِ، وقالَ الشّارِحُ: يَعْنِي لا إشْكالَ في غَيْرِ المُكَلَّفِينَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْعَدِمَ بِالكُلِّيَّةِ ولا يُعادُ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَلَّفِينَ فَإنَّهُ يُتَأوَّلُ العَدَمُ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ.

وفِي تَلْخِيصِ المُحَصَّلِ أيْضًا حَيْثُ قالَ: وقالَ القائِلُونَ بِإمْكانِ إعادَةِ المَعْدُومِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْدِمُ المُكَلَّفِينَ ثُمَّ يُعِيدُهُمْ، ونَبَّهَ عَلى ذَلِكَ أيْضًا الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ حَيْثُ قَرَّرَ الخِلافَ في إعادَةِ المُكَلَّفِ، ولا خَفاءَ في أنَّ عَدَمَ تَناهِي جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَناهِي المُكَلَّفِينَ مِنهم لِيَحْتاجَ أمْرُ حَشْرِهم إلى الأبْعادِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ اهـ.

والحَقُّ الطَّعْنُ في قَوْلِهِمْ بِالقِدَمِ النَّوْعِيِّ وعَدَمِ تَناهِي أفْرادِ الإنْسانِ، وبُرْهانُ التَّطْبِيقِ مُتَكَفِّلٌ عِنْدَنا بِإبْطالِ غَيْرِ المُتَناهِي اجْتَمَعَتْ أجْزاؤُهُ في الوُجُودِ أمْ لَمْ تَجْتَمِعْ، تَرَتَّبَتْ أمْ لَمْ تَتَرَتَّبْ، وأمّا قَصْرُ الحَشْرِ عَلى المُكَلَّفِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ المَجانِينِ والصِّغارِ والَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ ونَحْوِهم فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ولَعَلَّها مِن قَبِيلِ المُتَواتِرِ المَعْنَوِيِّ عَلى أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لا داعِيَ إلى عَدَمِ اعْتِبارِها، والقَوْلِ بِخِلافِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى.

وذَهَبَ القُدَماءُ مِنَ الفَلاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ إلى عَدَمِ ثُبُوتِ شَيْءٍ مِنَ الحَشْرِ الجُسْمانِيِّ والحَشْرِ الرُّوحانِيِّ، ويُحْكى ذَلِكَ عَنِ التَّناسُخِيَّةِ ما عَدا اليَهُودَ والتَّناسُخُ عِنْدَهم غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ بَلْ يَقَعُ لِلنَّفْسِ الواحِدَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى ما قِيلَ.

وحُكِيَ عَنْ جالِينُوسَ التَّوَقُّفُ في أمْرِ الحَشْرِ فَإنَّهُ قالَ: لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أنَّ النَّفْسَ هَلْ هي المِزاجُ الَّذِي يَنْعَدِمُ عِنْدَ المَوْتِ فَيَسْتَحِيلُ إعادَتُها أوْ هي جَوْهَرٌ باقٍ بَعْدِ فَسادِ البِنْيَةِ فَيُمْكِنُ المَعادُ، والمُشْرِكُونَ في شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ لِذا تَرى كَلامَهم مُضْطَرِبًا فِيهِ، والمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى وُقُوعِهِ إلّا أنَّهم مُخْتَلِفُونَ كَما سَمِعْتَ في كَيْفِيَّتِهِ وكَذا هم مُخْتَلِفُونَ في وُجُوبِهِ سَمِعًا أوْ عَقْلًا، فَأهْلُ السُّنَّةِ عَلى وُجُوبِهِ سَمْعًا مُطْلَقًا، والمُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّهُ لِلْمُكَلَّفِينَ واجِبٌ عَقْلًا لِوُجُوبِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ عِنْدَهم وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ يَتَوَقَّفُ عَلى الحَشْرِ، وفِيهِ نَظَرٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ عَلى تَقْرِيرِ مِطالِبَ عِلْيَةٍ وتَضَمَّنَتْ أدِلَّةً جَلِيلَةً جَلِيَّةً؛ ألّا تَرى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ عَلى كَوْنِهِ  أكْمَلَ الرُّسُلِ وأنَّ طَرِيقَهُ أوْضَحُ السُّبُلِ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ المَقْصُودَ ما ذُكِرَ بِقَوْلِهِ تَعالى”لتنذر“ إلَخْ ثُمَّ بَيَّنَهُ إجْمالًا أنَّهُ اتِّباعُ الذِّكْرِ وخَشْيَةُ الرَّحْمَنِ بِالغَيْبِ، وتَمَّمَهُ بِضَرْبِ المَثَلِ مُدْمَجًا فِيهِ التَّحْرِيضُ عَلى التَّمَسُّكِ بِحَبَلِ الكِتابِ والمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وتَفْضِيلِهِما عَلى الكُتُبِ والرُّسُلِ، والتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ثانِيًا بِأنَّهُ عِبادَةُ مَن إلَيْهِ الرُّجْعى وحْدَهُ، ثُمَّ أخَذَ في بَيانِ المُقَدِّماتِ بِذِكْرِ الآياتِ وأوْثَرَ مِنها الواضِحاتِ الدّالَّةَ عَلى العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، وضَمَّنَ فِيهِ أنَّ العِبادَةَ شُكْرُ المُنْعِمِ وتَلَقِّي النِّعْمَةِ بِالصَّرْفِ في رِضاهُ، والحَذَرُ مِنَ الرُّكُونِ إلى مَن سِواهُ، ثُمَّ في بَيانِ المُتَمِّمِ بِذِكْرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِما يُنالُ في المَعادِ، وأدْرَجَ فِيهِ حَدِيثَ مَن سَلَكَ ومَن تَرَكَ وذَكَرَ غايَتَهُما، ولَخَّصَ فِيهِ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ عَنْ شائِبَتَيِ الهَوى والرِّياءِ حَيْثُ قَدَّمَ عَلى الأمْرِ بِعِبادَتِهِ تَعالى التَّجَنُّبَ عَنْ عِبادَةِ الشَّيْطانِ، وضَمَّنَ فِيهِ أنَّ أساسَها التَّوْحِيدُ وكَما أنَّهُ ذَكَرَ الآياتِ لِئَلّا يَكُونَ الكَلامُ خَطابِيًّا في المُقَدِّماتِ خَتَمَ بِالبُرْهانِ عَلى الإعادَةِ لِيَكُونَ عَلى مِنوالِهِ في المُتَمِّماتِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ خِتامَ الخاتِمَةِ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ، ولا يَنْقُصُ خَزائِنَهُ عَطاءٌ، وأنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ مَلَكَتِهِ مَن قُرْبُهُ قَبُولٌ أوْ بُعْدُهُ إباءٌ تَحْقِيقًا لِكُلِّ ما سَلَفَ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، ولَمّا كانَ كَلامًا صادِرًا عَنْ مَقامِ العَظَمَةِ والجَلالِ وجَبَ أنْ يُراعى فِيهِ نُكْتَةُ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ لِيَكُونَ إجْمالًا لِتَوْضِيحِ التَّفْصِيلِ كَذا قَرَّرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

* * * ”ومِن بابِ الإشارَةِ“ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ”يس“ إشارَةٌ إلى سِيادَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فالسَّيِّدُ المُتَوَلِّي لِلسَّوادِ أيِ الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ، وهي هاهُنا جَمِيعُ الخَلْقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا سَيِّدَ الخَلْقِ، وتَوْلِيَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ الواسِطَةُ العُظْمى في الإفاضَةِ والإمْدادِ، وفي الخَبَرِ: اللَّهُ تَعالى المُعْطِي وأنا القاسِمُ، فَمَنزِلَتُهُ  مِنَ العالَمِ بِأسْرِهِ بِمَنزِلَةِ القَلْبِ مِنَ البَدَنِ، فَما ألْطَفَ افْتِتاحَ قَلْبِ القُرْآنِ بِقَلْبِ الأكْوانِ!

وفي السِّينِ بَيِّناتُها وزُبُرُها أسْرارٌ لا تُحْصى، وكَذا في مَجْمُوعِ ﴿ يس ﴾ ﴿ والقُرْآنِ ﴾ قَدْ يَكُونُ إشارَةً إلَيْهِ  فَقَدْ ذَكَرَ الصُّوفِيَّةُ أنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الإنْسانِ الكامِلِ، وكَذا الكِتابُ المُبِينُ وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ: أنا القُرْآنُ والسَّبْعُ المَثانِي ورُوحُ الرُّوحِ لا رُوحَ الأوانِي ولا أحَدَ أكْمَلَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وطَبَّقَ بَعْضُهم قِصَّةَ أهْلِ أنْطاكِيَةَ عَلى ما في الأنْفُسِ بِجَعْلِ القَرْيَةِ إشارَةً إلى القَلْبِ، وأصْحابِها إشارَةً إلى النَّفْسِ وصِفاتِها، والِاثْنَيْنِ إشارَةً إلى الخاطِرِ الرَّحْمانِيِّ والإلْهامِ الرَّبّانِيِّ، والثّالِثِ المُعَزَّزِ بِهِ إشارَةً إلى الجَذْبَةِ، والرَّجُلِ الجائِي مِن أقْصى المَدِينَةِ إشارَةً إلى الرُّوحِ، وطُبِّقَ كَثِيرٌ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى هَذا الطِّرْزِ، وقِيلَ: في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ طائِرُكم مَعَكُمْ ﴾ إنَّهُ إشارَةٌ إلى اسْتِعْدادِهِمُ السَّيِّءِ الَّذِي طارَ بِهِمْ عَنْقاءُ مُغْرِبَةٌ: إلى حَيْثُ ألْقَتْ رَحْلَها أمُّ قَشْعَمِ وقِيلَ: في ﴿ أصْحابَ الجَنَّةِ ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ ﴾ ﴿ هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ إنَّهُ إشارَةٌ إلى طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا طَلَبَ الجَنَّةِ؛ ولِذا أضِيفُوا إلَيْها وهم دُونَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى وخاصَّتِهِ الَّذِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى شَيْءٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، فَأُولَئِكَ مَشْغُولُونَ بِلَذائِذِ ما طَلَبُوهُ، وهَؤُلاءِ جُلَساءُ الحَضْرَةِ المَشْغُولُونَ بِمَوْلاهم جَلَّ شَأْنُهُ المُتَنَعِّمُونَ بِوِصالِهِ ومُشاهَدَةِ جَمالِهِ، وفَرِّقِ بَيْنَ الحالَيْنِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ولِذا قِيلَ: أكْثُرُ أهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ فافْهَمِ الإشارَةَ.

والشَّيْطانُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما يُطاعُ ويُذَلُّ لَهُ غَيْرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كائِنًا ما كانَ وعَداوَتُهُ لِما أنَّهُ سَبَبُ الحِجابِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِاكْتِراثُ بِأذى الأعْداءِ والِالتِفاتُ إلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، إذا أوْقَفَهم بَيْنَ يَدَيْهِ.

هَذا، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَحْفَظَنا مِن شَرِّ الأشْرارِ، وأنْ يُنَوِّرَ قُلُوبَنا بِمَعْرِفَتِهِ كَما نَوَّرَ قُلُوبَ عِبادِهِ الأبْرارِ ونُصَلِّي ونُسَلِّمُ عَلى حَبِيبِهِ قَلْبِ جَسَدِ الأعْيانِ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ ما دامَتْ سُورَةُ يس قَلْبَ القُرْآنِ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ روى سفيان، عن الكلبي، عن مجاهد قال: أتى أبيّ بن خلف الجمحي إلى النبيّ  بعظم بالي، قد أتى عليه حين، فقام ففته بيده، ثم قال: يا محمد أتعدنا أنا إذا متنا وكنا مثل هذا بعثنا؟

فأنزل الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ الآية.

وروي عن ابن عباس-  - أنه قال: لما ذكر رسول الله  القرون الماضية أنهم يبعثوا بعد الموت، وأنكم يا أهل مكة معهم، فأخذ أبي بن خلف الجمحي عظماً بالياً، فجعل يفته بيده، ويذروه في الرياح، ويقول: عجباً يا أهل مكة إِنْ محمداً يزعم أنا إذا متنا، وكنا عظاماً بالية مثل هذا العظم، وكنا تراباً، أنا نعاد خلقاً جديداً، وفينا الروح، وذلك ما لا يكون أبداً، فنزل أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ يعني: أولم يعلم هذا الكافر أنا خلقناه أول مرة مِن نُّطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ جدل بالباطل.

ويقال خَصِيمٌ بيَّن الخصومة فيما يخاصم مُبِينٌ أي: بيّن وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا يعني: وصف لنا شبهاً في أمر العظام.

ويقال: وصف لنا بالعجز وَنَسِيَ خَلْقَهُ يعني: وترك ابتداءه حين خلقه من نطفة.

ويقال: ترك النظر في خلق نفسه فلم يعتبر وقالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ يعني: بالية.

والرميم: العظم البالي.

يقال: رمّ العظم إذا بلي.

قال الله تعالى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني: قل يا محمد يحيي العظام الذي خلقها أول مرة يعني: في أول مرة ولم يكن شيئا.

ثم قال عز وجل: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يعني: عَلِيمٌ بخلقهم، وببعثهم.

ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا في البعث فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ يعني: قل يا محمد العظام يحييها الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ قال الكلبي: كل شجرة يقدح منها النار إلا شجرة العناب، فمن ذلك القصارون يدقون عليه فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ يعني: تقدحون.

يعني: فهو الذي يقدر على أن يبعثكم.

ثم قال عز وجل: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وهي أعْظَمُ خلقاً بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ في الآخرة.

والكلام يخرج على لفظ الاستفهام.

ويراد به التقرير.

ثم قال: بَلى هو قادر على ذلك وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ يعني: الباعث الْعَلِيمُ ببعثهم.

قوله عز وجل: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً من أمر البعث وغيره أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ خلقاً.

قرأ ابن عامر والكسائي: فَيَكُونُ بالنصب، وقد ذكرناه في سورة البقرة فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ يعني: خلق كل شيء من البعث وغيره.

ويقال: خزائن كل شيء.

ويقال: له القدرة على كل شيء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بعد الموت، فيجازيكم بأعمالكم.

قال: حدثنا الفقيه أبو الليث رحمه الله.

قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن حمدان، بإسناده عن أبي بن كعب-  - قال: قال رسول الله  «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْباً، وَقَلْبُ القُرْآنِ يس، فَمَنْ قَرَأ يس يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ الله تَعَالَى غُفِرَ لَهُ، وَأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَنْ قَرَأ الْقُرْآن اثْنَتَيْ عَشَرَةَ مَرَّةً.

وَأيُّمَا مُسْلِمٍ قُرِئَتْ عِنْدَهُ سُورَةُ يس حِينَ يَنْزِلُ بِهِ مَلِكُ الْمَوْتِ يَنْزِلُ إلَيْهِ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا عَشَرَةُ أمْلاكٍ يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَيَشْهَدُونَ قَبْضَهُ، وَيَشْهَدُونَ غَسْلَهُ، وَيُشَيِّعُونَ جِنَازَتَهُ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيَشْهَدُونَ دَفْنَهُ.

وَأيُّمَا مُسْلِمٍ مريض قرئ عِنْدَهُ سُورَةُ يس وَهُوَ فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ، لا يَقْبِض مَلَكَ المَوْتِ رُوَحَهُ حَتَّى يَجِيءَ رَضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ بِشُرْبَةٍ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ فَيَشْرَبُهَا وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَقْبِضُ مَلَكُ الْمَوْتِ رُوحَهُ- عَلَيْهِ السَّلامُ- وَهُوَ رَيَّانُ، وَيَدْخَلُ قَبْرَهُ وَهُوَ رَيَّان، وَيَمْكُثُ فِي قَبْرِهِ وَهُوَ رَيَّان، وَيُخْرَجُ مِنَ الْقَبْرِ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُوَ رَيَّان، وَلا يَحْتَاجُ إلَى حَوْضٍ مِنْ حِيَّاضِ الأنْبِيَاءِ- عَلَيْهِمْ السَّلامُ- حَتَّى يُدْخُلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان» والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأوَّاب وعلى آله وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يُحَتَّمَ العذابُ ويَجِبَ الخُلُودُ.

وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا الآيةُ.

مخاطَبةٌ لقريشٍ أيضاً.

وقوله: أَيْدِينا عبارةٌ عَنِ القُدْرةِ، واللَّه تعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ.

وقوله تعالى: فَهُمْ لَها مالِكُونَ تنبيهٌ على النِعْمَةِ.

وقوله: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ أي: يُحْضَرُونَ لهُمْ في الآخِرةِ على معنى التوبيخِ والنِّقْمةِ، وسَمَّى الأصْنَامَ جُنْداً إذْ هُمْ عُدَّةٌ للنِّقْمَة من الكفرة، ثم آنس الله نبيّه- عليه الصلاة والسلام- بقوله: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ وَتَوَعَّدَ الكَفَرَةَ بقوله: إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ.

وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ ...

الآية، والصحيحُ في سببِ نزولِ الآيةِ هو ما رَوَاهُ ابنُ وَهَبْ عَنْ مَالِكٍ وقالهُ ابنُ إسْحَاقٍ وغيرهُ أن أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ جاء بعَظْمٍ/ رَمِيمٍ، فَفَتَّهُ فِي وجه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَحِيَالَهُ، وقَالَ: مَنْ يُحْيِي هذا يا محمد «١» ولابيّ هذا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مقامات ومقالات إلى أن قتله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِيدهِ يومَ أحُدٍ طَعَنَهُ بِحَرْبَةٍ في عنقه.

وقوله: وَنَسِيَ خَلْقَهُ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ نسيانَ الذُّهُولِ، ويحتملُ أنْ يكُونَ نسيانَ التَّرْكِ، والرَّمِيمُ: البالي المُتَفَتِّتُ، وهو الرُّفَاتُ، ثم دلَّهُم سبحانه عَلى الاعْتِبَارِ بالنَّشْأَةِ الأولى، ثم عَقَّبَ تعالى بدليل ثَالثٍ في إيجادِ النَّارِ في العُودِ الأخضر المرتوي ماء، وهذا

هو زِنَادُ العَرَبِ، والنارُ موجودةٌ في كل عودٍ غَيْرَ أَنَّها في المُتَخَلخِلَ المَفْتُوحِ المَسَامِّ أَوْجَدُ، وكذلك هو المَرْخُ والعَفَار، وجمعَ الضميرَ جَمْعَ مَنْ يَعْقِلُ في قوله: مِثْلَهُمْ من حيثُ إن السمواتِ والأَرْضَ متضمِّنةٌ مَنْ يَعْقِلُ من الملائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ هذا تأويلُ جماعةٍ، وقيل:

مِثْلَهُمْ عائدٌ على الناسِ، وبَاقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها عَلى خَمْسَةِ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، أخَذَ عَظْمًا مِنَ البَطْحاءِ فَفَتَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  : أيُحْيِيِ اللَّهُ هَذا بَعْدَ ما أرى؟

فَقالَ: "نَعَمْ، يُمِيتُكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ نارَ جَهَنَّمَ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، جَرى لَهُ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلِ ابْنِ هِشامٍ، وأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ جَرَتْ لَهُ، رَواهُ الضَّحّاكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أُمَّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفِ الجُمَحِيُّ، وهَذِهِ القِصَّةُ جَرَتْ لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ، وعَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.

وَمَعْنى الكَلامِ:التَّعَجُّبُ مِن جَهْلِ هَذا المُخاصِمِ في إنْكارِهِ البَعْثَ؛ والمَعْنى: ألا يَعْلَمَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ فَيَتَفَكَّرُ في بَدْءِ خَلْقِهِ فَيَتْرُكَ خُصُومَتَهُ؟!

وقِيلَ: هَذا تَنْبِيهٌ لَهُ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ حَيْثُ أنْشَأهُ مِن نُطْفَةٍ فَصارَ مُجادِلًا.

﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ بِالعَظْمِ البالِي حِينَ فَتَّهُ بِيَدِهِ، وتَعَجَّبَ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِ ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ أيْ: نَسْيَ خَلْقَنا لَهُ، أيْ: تَرْكُ النَّظَرِ في خَلْقِ نَفْسِهِ إذْ خُلِقَ مِن نُطْفَةٍ ﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ ؟!

أيْ: بالِيَةٍ، يُقالُ: رَمَّ العَظْمَ، إذا بَلِيَ، فَهو رَمِيمٌ، لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ فاعِلِهِ، وكُلُّ مَعْدُولٍ عَنْ وجْهِهِ ووَزَنِهِ فَهو مَصْرُوفٌ عَنْ إعْرابِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا  ﴾ ، فَأسْقَطَ الهاءَ لِأنَّها مَصْرُوفَةٌ عَنْ "باغِيَةٍ"؛ فَقاسَ هَذا الكافِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى بِقُدْرَةِ الخَلْقِ، فَأنْكَرَ إحْياءَ العَظْمِ البالِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في مَقْدُورِ الخَلْقِ.

﴿ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها ﴾ أيِ: ابْتَدَأ خَلْقَها ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ ﴾ مِنَ الِابْتِداءِ والإعادَةِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ .

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرادَ الزَّنُودَ الَّتِي تُورِي بِها الأعْرابُ مِن شَجَرِ المَرْخِ والعِفارِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: "الشَّجَرُ الأخْضَرُ"، ولَمْ يَقِلِ: الشَّجَرُ الخُضْرُ؟

فالجَوابُ: أنَّ الشَّجَرَ جَمْعٌ، وهو يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ  ﴾ ، وقالَ: ﴿ فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ ﴾ .

ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أعْظَمُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ، فَقالَ: ﴿ أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "يَقْدِرُ" بِياءٍ مِن غَيْرِ ألْفٍ ﴿ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴾ ؟!

وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ والمَعْنى: مِن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ العَظِيمِ، قَدَرَ عَلى هَذا اليَسِيرِ.

وقَدْ فَسَّرْنا مَعْنى "أنْ يُخْلَقَ مِثْلَهُمْ" في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٩٩]؛ ثُمَّ أجابَ هَذا الِاسْتِفْهامَ فَقالَ: ﴿ بَلى وهو الخَلاقُ ﴾ يَخْلُقُ خَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَهُوَ الخالِقُ" ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.

والمَلَكُوتُ والمُلْكُ واحِدٌ.

وباقِي السُّورَةِ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ [البَقَرَةِ: ١١٧،٣٢، الأنْعامِ: ٧٥] .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ هَذا تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ عَلى أمْرٍ تَدُلُّ صِحَّتُهُ عَلى جَوازِ بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ وإعادَةِ المَوْتى.

وجُمِعَ الضَمِيرُ جَمْعُ مَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "مِثْلَهُمْ" ﴾ مِن حَيْثُ كانَتا مُتَضَمِّنَتَيْنِ مَن يَعْقِلُ مِنَ المَلائِكَةِ والثَقَلَيْنِ.

هَذا تَأْوِيلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الرُمّانِيُّ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهم مِثالٌ لِلْبَعْثِ، وتَكُونُ الآيَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ الناسِ  ﴾ ، وقَرَأ سَلامُ أبُو المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ، ويَعْقُوبُ، والأعْرَجُ: "وَيَقْدِرُ" عَلى الِاسْتِقْبالِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ" عَلى اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الحَسَنُ: "الخالِقُ".

ورَفَعَ "فَيَكُونُ" عَلى مَعْنى: فَهو يَكُونُ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكِسائِيُّ: [فَيَكُونَ] بِالنَصْبِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَنْصِبُ الكِسائِيُّ إذا لَمْ تَتَقَدَّمْ (أنْ)، ونَصَبَ ابْنُ عامِرٍ وإنْ لَمْ تَتَقَدَّمْ (أنْ)، والنَصْبُ هاهُنا قِراءَةُ ابْنِ مُحُيْصِنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كُنْ" ﴾ أمْرٌ لِلشَّيْءِ المُخْتَرَعِ عِنْدَ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ لا قَبْلَ ذَلِكَ ولا بَعْدَهُ، وإنَّما يُؤْمَرُ تَأْكِيدًا لِلْقُدْرَةِ وإشارَةً بِها، وهَذا أمْرٌ دُونَ حُرُوفٍ ولا أصْواتٍ، بَلْ مِن كَلامِهِ القائِمِ بِالذاتِ.

ثُمَّ نَزَّهَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيهًا عامًّا مُطْلَقًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَلَكُوتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والتَيْمِيُّ: "مَلَكَةُ" ومَعْناهُ: ضَبْطُ كُلِّ شَيْءٍ والقُدْرَةُ عَلَيْهِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ يس والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء فصيحة، أي إذا ظهر كل ما سمعتم من الدلائل على عظيم قدرة الله وتفرده بالإِلهية وأنه يعيدكم بعد الموت فينشأ تنزيهه عن أقوالهم في شأنه المفضية إلى نقص عظمته لأن بيده الملك الأتم لكل موجود.

والملكوت: مبالغة في الملك (بكسر الميم) فإن مادة فعلوت وردت بقلة في اللغة العربية.

من ذلك قولهم: رَهبوت ورحَموت، ومن أقوالهم الشبيهة بالأمثال «رَهبوت خير من رحموت» أي لأن يرهبَك الناسُ خير من أن يرحموك، أي لأن تكونَ عزيزاً يُخشى بأسك خير من أن تكون هيّناً يَرقّ لك الناس، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ في سورة الأنعام } (75).

وجملة ﴿ وإليهِ تُرجعُونَ ﴾ عطف على جملة التسبيح عطفَ الخبر على الإِنشاء فهو مما شملته الفصيحة.

والمعنى: قد اتضح أنكم صائرون إليه غير خارجين من قبضة ملكه وذلك بإعادة خلقكم بعد الموت.

وتقديم ﴿ إليه ﴾ على ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ للاهتمام ورعاية الفاصلة لأنهم لم يكونوا يزعمون أن ثمة رجعة إلى غيره ولكنهم ينكرون المعاد من أصل.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنْ يَأْمُرَ فَيُوجَدَ.

الثّانِي: ما قالَهُ قَتادَةُ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أخَفَّ في الكَلامِ مِن ﴿ كُنْ ﴾ ولا أهْوَنُ عَلى لِسانِ العَرَبِ مِن ذَلِكَ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِأمْرِهِ في السُّرْعَةِ.

﴿ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ.

الثّانِي: مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ إلّا أنَّ فِيهِ مُبالَغَةً.

﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ ويُعاقِبُ المُسِيءَ.

وَرَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا وإنَّ قَلْبَ القُرْآنِ يس، ومَن قَرَأها في لَيْلَةٍ أُعْطِيَ يُسْرَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ومَن قَرَأها في يَوْمٍ أُعْطِيَ يُسْرَ ذَلِكَ اليَوْمَ، وإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُرْفَعُ عَنْهُمُ القُرْآنُ فَلا يَقْرَأُونَ مِنهُ شَيْئًا إلّا طه ويس)» .

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والاسمعيلي في معجمه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، ففته بيده، فقال يا محمد: أيحيي الله هذا بعدما أرى؟

قال: نعم.

يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم.

فنزلت الآيات من آخر يس، ﴿ أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ﴾ إلى آخر السورة» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء عبد الله بن أُبيّ وفي يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكسره بيده، ثم قال: يا محمد كيف يبعثه الله وهو رميم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الله هذا ويميتك، ثم يدخلك جهنم.

قال الله: ﴿ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء أُبيّ بن خلف وفي يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكسره بيده، ثم قال: يا محمد كيف يبعثه الله وهو رميم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبعث الله هذا ويميتك، ثم يدخلك جهنم.

قال الله: ﴿ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء أُبيّ بن خلف الجمحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم نخر فقال: أتعدنا يا محمد إذا بليت عظامنا، فكانت رميماً أن الله باعثنا خلقاً جديداً، ثم جعل يفت العظم ويذره في الريح فيقول: يا محمد من يحيي هذا؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.

يميتك الله، ثم يحييك، ويجعلك في جهنم، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه ﴾ » .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في البعث عن أبي مالك قال: جاء أُبيّ بن خلف بعظم نخرة، فجعل يفته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يحيي العظام وهي رميم؟

فأنزل الله: ﴿ أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ﴾ إلى قوله: ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في أبي جهل بن هشام جاء بعظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذراه فقال: من يحيي العظام وهي رميم؟

فقال الله: يا محمد ﴿ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وضرب لنا مثلاً...

﴾ قال: أُبيّ بن خلف: جاء بعظم فقال: يا محمد أتعدنا انا إذا متنا.

فكنا مثل هذا العظم البالي في يده، ففته وقال: من يحيينا إذا كنا مثل هذا؟

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وضرب لنا مثلاً...

﴾ قال: «نزلت في أُبيّ بن خلف جاء بعظم نخر، فجعل يذره في الريح فقال: أنّى يحيي الله هذا؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم.

يحيي الله هذا، ويدخلك النار» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة ﴾ قال: «نزلت في أُبيّ بن خلف؛ أتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عظم قد دثر، فجعل يفته بين أصابعه ويقول: يا محمد أنت الذي تحدث أن هذا سيحيا بعد ما قد بلى.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.

ليميتن الآخر، ثم ليحيينه، ثم ليدخلنه النار» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: «جاء أُبيّ بن خلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم حائل، فقال: يا محمد أني يحيي الله هذا؟

فأنزل الله: ﴿ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه ﴾ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلقها قبل أن تكون أعجب من إحيائها وقد كانت» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: إن الناس يحاسبون بأعمالهم، ومبعوثون يوم القيامة، أنكروا ذلك انكاراً شديداً.

فعمد أُبيّ بن خلف إلى عظم حائل قد نخر، ففته ثم ذراه في الريح، ثم قال: يا محمد إذا بليت عظامنا إنا لمبعوثون خلقاً جديداً؟

فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من استقباله اياه بالتكذيب والأذى في وجهه وجداً شديداً، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة...

﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً ﴾ يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه.

وفي قوله: ﴿ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر...

﴾ .

قال: هذا مثل قوله: ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ قال: ليس من كلام العرب أهون ولا أخف من ذلك.

فأمر الله كذلك.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم نزه فيها نفسه عن قولهم أنه لا يقدر، فقال: ﴿ فَسُبْحَانَ ﴾ .

قال أبو إسحاق: أي تنزيه من السوء، ومن أن يوصف بغير القدرة (١) ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

قال مقاتل: يعني خلق كل شيء (٢) (٣) وقال الزجاج: أي القدرة على كل شيء (٤) ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: هو يبعثكم بعد موتكم.

وقال عطاء: يريد مصير عبادي إلى (٥) [والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا] (٦) (١) انضر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 124 ب.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 296.

(٣) "تفسير مقاتل" 109 أ.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 296.

(٦) ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ في هذا استدلال على البعث، وتنزيه لله عما نسبه الكفار إليه من العجز عن البعث، فإنهم ما قدروا الله حق قدره، وكل من أنكر البعث فإنما أنكره لجهله بقدرة الله سبحانه وتعالى.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخصمون ﴾ بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله "يختصمون" أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو باشمام الفتحة قليلاً وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثياً.

الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد.

وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد.

﴿ شغل ﴾ بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب.

﴿ فكهون ﴾ وبابه بغير ألف: يزيد.

﴿ ظل ﴾ بضم الظاء وفتح اللام: حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة.

الآخرون: ﴿ ظلال ﴾ جمع ظل ﴿ جبلاً ﴾ بضم الجيم وسكون الباء.

ابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد.

والباقون: بضمتين والتخفيف ﴿ ننكسه ﴾ مشدداً: حمزة وعاصم غير مفضل.

الآخرون: بالتخفيف من النكس.

﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ يقدر ﴾ على صيغة المضارع: يعقوب ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي.

الوقوف: ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أطعمه ﴾ لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم.

وجوز جار الله أن يكون قوله ﴿ إن أنتم ﴾ قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز.

﴿ مبين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يخصمون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ مرقدنا ﴾ ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاكهون ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ هم ﴾ تأكيد الضمير ﴿ أزواجهم ﴾ عطف عليه و ﴿ في ظلال ﴾ ظرف ﴿ فاكهون ﴾ ، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره ﴿ متكئون ﴾ ﴿ يدعون ﴾ ه ج لأنه من المحتمل أن يكون ﴿ سلام ﴾ خبر محذوف اي عليهم سلام يقول قولاً، وأن يكون ﴿ سلام ﴾ بدل ﴿ ما يدعون ﴾ اي لهم ما يتمنون وهو سلام ﴿ سلام ﴾ ط ج لحق الحذف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج لأن التقدير فإنه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اعبدوني ﴾ ج ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في الخلق ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه له ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مالكون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ مشارب ﴾ ه ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ج ﴿ نصرهم ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ قولهم ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه خلقه} ط ﴿ رميم ﴾ ه ﴿ مرة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ توقدون ﴾ ه ﴿ مثلهم ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفاً من تبعته وطمعاً في منفعته وإليه الإشارة بقوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقيناً فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذاً بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض  ﴾ وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.

وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة.

وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة.

وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها.

أو ما بين أيديكم من أمر محمد  فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد لى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله.

أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله ﴿ وإن نشأ نغرقهم ﴾ ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ وجواب "إذا" محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وما تأتيهم ﴾ متعلقاً بما قبله وهو قوله ﴿ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ﴾ .

﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها.

وقوله ﴿ الم يروا ﴾ إلى قوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ اعتراض.

ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟

وفي قوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ إشارة إلى أن الله  قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير.

فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل.

وقوله ﴿ قال الذين كفروا ﴾ دون أن يقول "قالوا" تسجيل عليهم بالكفر.

وقوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا.

وقوله ﴿ أنطعم ﴾ دون "أننفق" إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى.

وقوله ﴿ من لو يشاء الله أطعمه ﴾ كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن اراد أعطى زيداً مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ.

وقوله ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية.

ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على التقاء والإنفاق قائلين ﴿ إن كنتم ﴾ أيها المدّعون للرسالة ﴿ صادقين ﴾ فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله  بقوله ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة ﴾ كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئاً.

وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله ﴿ تأخذهم ﴾ أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله ﴿ وهم يخصمون ﴾ أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون.

وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون.

ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ﴾ وفي قوله ﴿ لا يستطيعون ﴾ دون أن يقول "فلا يوصون" مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.

وفي قوله ﴿ ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج.

وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون.

ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو.

وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟

نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سبباً لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى.

ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل.

وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألماً وأكثر ندماً.

وقوله ﴿ ينسلون ﴾ لا ينافي قوله في موضع آخر ﴿ فإذا هم قيام ينظرون  ﴾ فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم.

ويمكن أن يقال: إن هيئة الانتظار ليست بمنافاة للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه.

وفي "إذا" المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ.

ثم بين أنهم قبل النسلان ﴿ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياماً فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد.

عن مجاهد: للكفار.

هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين.

والظاهر أن ﴿ هذا ﴾ مبتدأ ﴿ وما وعد الرحمن ﴾ إلى آخره خبره، و"ما" مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر.

ويجوز أن يكون "ما" موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه.

وجوّز جار الله أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة للمرقد و ﴿ ما وعد ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم.

وقيل: إن قوله ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ماسمعوا من الرسل فأجابوا به انفسهم، أو أجاب بعضهم بعضاً، ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلاً ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ الآية.

وقد مر نظيره.

ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلاً ﴿ فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون ﴾ أيها الكافرون ﴿ إلا ما كنتم تعملون ﴾ وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم.

أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.

وقوله ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفاً بحرف.

أي لا يترك شيئاً.

ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسناً أو سيئاً.

ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات.

وقوله ﴿ فاكهون ﴾ مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.

وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب.

وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها.

وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار.

وقيل: التزاور.

وقيل: ضيافة الله.

وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم.

والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة.

والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل.

وقيل: أراد اشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله ﴿ وآخر من شكله أزواج  ﴾ قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً  ﴾ وقوله ﴿ على الأرائك متكئون ﴾ دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ.

وقوله ﴿ لهم فيها فاكهة ﴾ إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.

وقوله ﴿ ولهم ما يدّعون ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم.

قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.

وقال جار الله: هو للاتخاذ اي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي.

أي اتخذ لنفسه شواء.

أو هو بمعنى التداعي.

وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب.

وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ.

وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله ﴿ سلام ﴾ يقال لهم ﴿ قولاً من رب رحيم ﴾ أي من جهته بواسطة الملائكة.

وقيل: اراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه.

و ﴿ قولاً ﴾ اي عدة وعلى هذا يكون قوله ﴿ لهم ﴾ للبيان و ﴿ ما يدعون سلام ﴾ مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ﴿ قولاً ﴾ نصباً على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولاً وقد يكون إشارة.

وقال أهل البيان قوله ﴿ وامتازوا ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون.

أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ أو تميزوا في أنفسكم غيظاً وحنقاً فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم ﴿ تكاد تميز من الغيظ  ﴾ أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يُرى.

وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم.

أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك.

وقال صاحب المفتاح: قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله ﴿ فاليوم لا تظلم ﴾ بعد قوله ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ وقد جاء في التفاسير أن قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون.

ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً والجهل عذر فبين الله  أن الأعذار زائلة قائلاً ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ والآية إلى قوله ﴿ أفلم تكونوا تعقلون ﴾ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل  ﴾ وقيل: هو المذكور في قوله ﴿ وإذ خذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ وقيل: هو المبين على لسان الرسل.

ومعنى ﴿ لا تعبدوا ﴾ لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفته الشيطان وعبادة الرحمن.

قال أهل المعاني: التنوين في قوله ﴿ صراط ﴾ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع اي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار.

وفي ذكر الصراط ههنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب آمن.

ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله ﴿ ولقد أضل منكم جبلاً ﴾ وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه.

عن علي  أنه قرأ ﴿ جيلاً ﴾ بياء منقوطة من تحت بنقطتين.

ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ وقوله ﴿ اصلوها ﴾ أمر إهانة وتنكيل نحو ذق.

وفي قوله ﴿ اليوم ﴾ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب.

روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.

وفي الحديث "يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهداً إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل" قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله  إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء.

قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤس.

وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه.

ثم إنه  أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول.

وأيضاً إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالباً كقوله ﴿ وما عملته أيديهم ﴾ ﴿ فبما كسبت ايديكم  ﴾ فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره.

وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعاً.

وههنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم  ﴾ ثم إذا ختم على أفواههم أيضاً في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم.

هذا وقد ذكرنا مراراً أنه  كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس.

وكان للقدرية أن تتمسك بقوله ﴿ يكسبون ﴾ ﴿ يكفرون ﴾ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله ﴿ ولو نشاء لطمسنا ﴾ ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية.

فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلاً ولم يتفكروا في آية.

والطمس محو أثر شق العين.

قال جار الله ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض.

والمعنى لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.

فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا.

أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلى على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها.

عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير.

وقيل: حجارة.

عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم.

والمكان والمكانة واحد أراد مسخاً مجمداً بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم.

وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجاً من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارت عقلية أو حسية غير البصر.

وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلاً.

ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره اصلاً، فنفى أوّلاً استطاعة الصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضاً لأجل المبالغة.

وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً فقال الله  ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ كقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر  ﴾ ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه أن النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان.

وعن بعضهم: طوى العصران ما نشراه مني *** فأبلى جدّتي نشر وطيّ أراني كل يوم في انتقـــــاص *** ولا يبقى على النقصان شيّ وقال آخر: أرى الأيام تتركني وتمضي *** وأوشك أنها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني *** وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الذي قد قال قبلي *** إذا ما مر يوم مر بعضي وحيث بين أصل الوحداينة والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله ﴿ وأن اعبدوني ﴾ وقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن.

وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية.

قال جار الله معنى قوله ﴿ وما ينبغي له ﴾ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي للخط.

وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله  من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له.

قال: وما روي أنه  .

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب وقال: هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.

وقيل: أراد نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿ وما علمناه ﴾ بتعليم القرآن ﴿ الشعر وما ينبغي ﴾ القرآن أن يكون شعراً وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيراً دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجاً وتزييناً فجلَّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه.

وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين باسئر أصناف الكلام حيث قيل ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ونظيره قوله ههنا ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ أي موعظة ﴿ وقرآن مبين ﴾ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل.

أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة.

فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما روي أنه  كان يقرأ قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *** ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار.

ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له فرصة، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق وغزاه.

ويروى أنه  حين قال: هل أنت إلا إصبع دميت *** انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية.

ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق.

وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله  "إن من الشعر لحكمة" وقد مر في تفسير قوله  في آخر الشعراء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ﴾ وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي.

وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟

ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله ﴿ لتنذر ﴾ يا محمد أو لينذر هو أي القرآن ﴿ من كان حياً ﴾ عاقلاً متأملاً.

ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان.

أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل ﴿ هدى للمتقين  ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر  ﴾ وقوله ﴿ ويحق القول ﴾ كقوله في أول السورة ﴿ لقد حق القول ﴾ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى.

ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ﴾ أي من جملة ما عملته ﴿ أيدينا ﴾ فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ وقوله ﴿ فهم لها مالكون ﴾ إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام.

وقوله ﴿ وذللناها لهم ﴾ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: يصرف الصبيّ بكل وجه *** ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي *** فلا غير لديه ولا نكير والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة.

ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر.

يلزمه التكرار.

ثم فصل بعض منافعها بقوله ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة.

وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.

والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب اي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والأسمان.

وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله ﴿ أفلا يشكرون ﴾ زاد في توبيخهم بقوله ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم.

وفي قوله ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم.

وثانيهما اتخذوهم لينصرونهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار.

ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ تأكيداً لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره.

ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسلياً رسوله بقوله ﴿ فلا يحزنك قولهم ﴾ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء في والتهديد.

ثم علل عدم الحزن بقوله ﴿ إنا نعلم ما يسرون ﴾ من النفاق وسائر العقائل الفاسدة ﴿ وما يعلنون ﴾ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد وجوّز جار الله فتح "أن" على تقدير لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلاً من ﴿ قولهم ﴾ والمكسورة مفعولاً لـ ﴿ ـقولهم ﴾ ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ ثم اردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلاً آخر على التوحيد مأخوذاً من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذاً من الآفاق.

وفي قوله ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله ﴿ أو من يُنَشَّؤُاْ في الحلية وهو في الخصام غير مبين  ﴾ فقوله ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله ﴿ فإذا هوخصيم مبين ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح.

وثانيهما قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال للهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه.

وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟

فقال  : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.

قال أهل البيان: سمى قولهم ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ مثلاً لأن إنكار قدرة الله  على إحياء الموتى قصة عجيبة.

وفيه تشبيه الخالق اللقادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال.

والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة.

ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها.

وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب.

وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس.

واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعاً فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر.

ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح إعادة المعدوم عقلاً؟

أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟

أو كقولهم إن إنسانأً إذا نشأ مغتذياً بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته.

فأجاب الله  عن الأول بقوله ﴿ يحييها الذي أنشأها أوّل مرة ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً فإنه يعيده وإن لم يكن شيئاً.

وعن الباقيتين بقوله ﴿ وهو بكل خلق عليم ﴾ فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول.

ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الخضر الذي تنقدح منه النار.

قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر علىالعفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل.

وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين.

قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى  فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها.

ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس.

ثم أثبت ما نفاه مستفهماً للتقرير بقوله ﴿ بل وهو الخلاق ﴾ الكثير الخلق الكامل فيه ﴿ العليم ﴾ بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية.

ثم بين أن إيجاده ليس متوقفاً إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل "البقرة" وغيرها.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء.

وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا.

ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال.

فقوله ﴿ بيده ملكوت كل شيء ﴾ إشارة إلى المبدأ.

وقوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتجية للمقدمات السابقة في السورة.

عن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية.

روي أنه  قال: "إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس" فذكر الإمام الغزالي  أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن.

وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة.

وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأكان.

فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك.

الـتأويل: ﴿ اتقوا ما بين أيديكم ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وما خلفكم ﴾ من نعيم الجنة ولذاتها ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال ﴿ ونفخ في الصور ﴾ إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفى من أجداث أوصاف البشرية ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة.

وللمجالسة اقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين.

قال الله  ﴿ فإذا فرغت  ﴾ أي من تعلقات الكونين ﴿ فانصب  ﴾ لطلب الوصال.

ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي  فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا.

ويحتمل أن يقال: إنهم اليوم أي في الدنيا ف شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رايت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.

ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد.

أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس العصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وتشهد أرجلهم ﴾ في بعض الأخبار المروية أن عبداً لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق  : تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي.

فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة.

﴿ ومن نعمره ننكسه ﴾ إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه.

وفي قوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله  وبتعليمه وإلهامه.

﴿ من الشجر الأخضر ﴾ وهو شجرة البشرية نار المحبة ﴿ توقدون ﴾ مصباح قلوبكم.

وإنما قال النبي  "إن قلب القرآن يس" لأن ذكره  رمز إليه في أول السورة وفي آخرها.

أما الأول فقد مر في تفسير لفظ ﴿ يس ﴾ وأما الثاني فلأن قوله ﴿ فسبحان ﴾ إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحاً، وعلى الرسالة ضمناً، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه  كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على ﴿ يس ﴾ أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

هذا يخرج على الوجهين: إن كان على الأمر بالرؤية والنظر أي: فلير الإنسان ولينظر أن من قدر على خلق الإنسان مبتدأ من نطفة لقادر على إعادته؛ لأن إعادة الشيء في الشاهد أهون وأيسر من ابتدائه؛ إذ قد يحتذى ويصور بعد ما وقع البصر على الشيء ويرى ولا سبيل إلى احتذاء ما لم يروا، ولا تصوير ما لم يعاينوا، احتج الله عليهم بالشيء الظاهر الذي يعلم كل أنه كذلك من غير تفكر ولا تأمل، وإلا الاحتجاج عليهم بالأشياء التي لم يذكر أبلغ وأكثر نحو خلق الإنسان من هذه النطفة على الصورة التي صورها والنسمة التي خلقها فيها ما لو اجتمع حكماء البشر كلهم أن يعرفوا كيفية خلقه منها من تركيب العظم والشعر والعين - البصر - والسمع والعقل وجميع الجوارح - ما قدروا على درك ذلك، أو لو اجتمعوا على أن يعرفوا كيفية غذائهم بالأطعمة والأشربة التي جعلها غذاء لهم، والقوة التي بها يتقوون على كل أمر أن كيف قدر وقسم على السواء في الجوارح كلها؟

والمواد التي ينمون ويزيدون على الاستواء ما لو زاد في بعضها من قوى ذلك الطعام والشراب دون بعض يزداد قوة على بعض، ونحو ذلك من العجائب ما لا سبيل إلى معرفة ذلك ألبتة بعد طول التفكر والتأمل، لكنه احتج بالشيء الظاهر؛ ليدركوه بالبديهة ولا يدركون الآخر إلا بعد التأمل والتدبر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .

أي: جدل بين.

وقوله: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ : ما ذكر من ضرب المثل له: ﴿ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أي: غفل عن القدرة في خلق نفسه ما لو نظر وتفكر لعرف أنه قادر على الإعادة؟!

والثاني: غفل عن الحكمة في الإعادة؟.

والثالث: غفل عن الحكمة في ابتداء خلقه نفسه، ثم يخرج هذا على وجوه: أحدها: أنه لو نظر وتفكر في حق نفسه أنه خلق من نطفة، ثم حول النطفة علقة، وحول العلقة مضغة، وحول المضغة خلقاً وإنساناً تامّاً متقنا، ثم صيره بحيث يأخذ في النقصان بعد ما كان تامّاً، ثم من فعل هذا في الشاهد أن يحكم الشيء ويتقنه ويتمه ثم يهدمه بلا عاقبة تقصد به، كان غير حكيم فعلى ذلك كان ما أحكم الله من الخلق وأتقنه وتممه، ثم جعل ينقض منه ويوهنه، فلو لم يكن إعادته وخلقه ثانياً، كان خارجاً عن الحكمة، فلو نظر في ابتداء خلق نفسه، لعرف أنه يعيده وينشئه ثانياً.

والثاني: لو نظر وتفكر في ابتداء خلق نفسه: أنه كيف دبره في تلك الظلمات الثلاث، وقدره على أحسن تقدير في ذلك، فلو نظر وتفكر أن من قدر على تدبيره وتقديره في الظلمات الثلاث على ما دبره وقدره - قادر على إعادته؛ وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ ، أي: هو أهون في عقولكم وتقديركم أهون من ابتدائه، فإذا قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر وأملك؛ إذ ذلك في عقولكم أهون وأيسر، وإلا ليس في وصف الله  أن شيئاً أهون عليه من شيء، بل الأشياء كلها تحت قوله: ﴿ كُن فَيَكُونُ ﴾ من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، لكنه عبر به؛ لأنه أخف حروف على الألسن وأيسره وأقصر كلام وأوجزه يؤدى به المعنى ويفهم منه المراد.

والثالث: أنه خلق هذه الأشياء والجواهر كلها سوى البشر للبشر ولمنافعهم، فلو لم يكن بعث ولا نشأة أخرى، كان خلق هذه الأشياء لهم عبثاً باطلا.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ أي: غفل عن بدء خلقه إذ بدأ خلقه، إما أن كان من ماء أو تراب؛ فعلى ذلك إذا أفناه يصير ماء أو تراباً فيعيده منه على ما أنشأه منه بدءاً.

ثم في قوله: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ - دلالة نقض قول الباطنية وفساد مذاهبهم؛ حيث قالوا: إن إعادة الخلق وإنشاءه ليس على هذه البنية والصورة التي أنشأها بدءاً، ولكن ينشئ نفساً روحانية على خلاف ما شاهدوها وعاينوها، فالآية تكذبهم وتنقض قولهم؛ حيث قال: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أخبر أنه يحيي العظام التي أنكروا هم إحياءها واستبعدوا ذلك، وعلى ذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ  ﴾ احتج عليهم بعلمهم النشأة الأولى؛ لإنكارهم النشأة الأخرى، فلو كان على خلاف ذلك لم يكن للاحتجاج عليهم بذلك معنى؛ فدل أنه ينشئهم ويعيدهم على الهيئة الأولى.

والثاني: ينقض عليهم قولهم أيضاً حيث قالوا: يوصل إلى معرفة ذلك من الذي يعلمه الرسول ويخبره دون النظر والتفكر والتدبر، فلو كان على ما يقولون، لم يكن لقوله: ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ ، ولا لقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ - معنى؛ فدل أنه قد يوصل إلى معرفة ذلك بالتفكر والنظر، كما يوصل بخبر الرسول الذي قد أظهر صدقه للخلق، فتلزمه الحجة في هذا كما تلزمه في ذلك.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: هو نوع من الشجر يقال: المرخ، كانوا يوقدون منه النار، ويورون منه، وقيل: هو الزيتون الذي يسرج منه.

وتأويله: أن الشجر الأخضر خضرته إنما تكون من الماء، والماء يطفئ النار، والنار تأكل الحطب والخشب، فمن قدر على الجمع بين المتضادين وحفظ كل واحد منهما عن صاحبه مما السبيل منها التنافر والتدافع - لقادر على البعث، وأنه لا يعجزه شيء.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ ﴾ هو ما أنشأ لهم من الشجر يتنزهون به ويتلذذون ما دام أخضر، فإذا أدرك وبلغ ينتفعون بثماره وفواكهه، ثم يصير حطباً يوقدون منه النار ويصطلون، فمن قدر على ما ذكرنا لا يحتمل أن يعجزه شيء، أو من فعل ما ذكر لا يحتمل أن يفعله عبثاً باطلا، فلو كان على ما قاله أولئك الكفرة أن لا بعث ولا نشور، كان فعل ذلك عبثاً باطلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ ﴾ .

يذكر - والله أعلم - أو ليس من قدر على إنشاء السماوات والأرض مبتدأ لا من شيء ولا أصل لا يحتمل أن يعجزه إعادة الخلق وبعثهم.

أو يقول: إن من قدر على خلق السماوات والأرض وما فيها قادر على أن يخلق مثلهم، وخلق المثل إعادة؛ لأنه إنما يكون بعد هلاك الذين أنشأهم وبعد إماتتهم، ويخلق مثلهم مع بقائهم سواهم، وفي ذلك ابتداء خلق وإعادة؛ فيلزمهم الإقرار بالبعث والقدرة على الإعادة.

ثم أخبر عن قدرته فقال: ﴿ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

أي: هو خلق كل شيء من جواهر الأشياء وأفعالهم.

أو هو الخلاق في الدنيا والآخرة، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل العليم ببعثهم، أو العليم بمصالحهم ومعاشهم وما لا يصلح.

أو العليم بأحوالهم وأنفسهم ما ظهر منهم وما بطن وما أسروا وما أعلنوا.

وقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً ﴾ .

يحتمل: إنما حاله إذا أراد شيئاً ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ، قد ذكرنا معنى هذه الآية فيما تقدم أن كل ما كان ويكون أبدً الآبدين إنما يكون بـ ﴿ كُن ﴾ الذي كان من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، إنما هو إخبار عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته، أو إخبار عن خفة ذلك عليه؛ يقول؛ - والله أعلم -: كما لا يثقل عليكم قول: "كُن"؛ فعلى ذلك لا يثقل على الله ابتداء خلق ولا إعادته ولا شيء من ذلك.

ثم نزه نفسه وبرأها وذكر تعاليه عما ظن أولئك من البعث في خلق شيء وبطلانه، فقال: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

أي:  وتبرأ عن أن يكون خلقه على ما ظن أولئك حيث قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ ، ذلك ظن الذين كفروا؛ فكان ظنهم أن لا بعث ولا نشور، ثم أخبر أنه لو لم يكن ذلك، لكان خلق ما ذكر عبثاً باطلا، فقال:  عن أن يلحقه في خلق شيء عبث أو فساد، وكذلك قوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...

﴾ الآية [المؤمنون: 115]، صير خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثاً باطلا.

أو أن يقول: يتعالى أن يثقل عليه إعادة الخلق أو ابتداؤهم، أو يتعالى عن أن يعجزه شيء، والله أعلم.

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ رَمِيمٌ ﴾ أي: بالية، يقال: رم العظم إذا بلي، فهو رميم ورمام؛ كما يقال: رفيت ورفات.

وقوله: ﴿ مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً ﴾ قالا: أراد الوقود التي توري بها الأعراب من شجر المرخ والعفارة.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فتنزه الله وتقدس عما ينسبه إليه المشركون من العجز، فهو الذي له ملك الأشياء كلها يتصرف فيها بما يشاء وبيده مفاتح كل شيء، وإليه وحده ترجعون في الآخرة، فيجازيكم على أعمالكم.

من فوائد الآيات من فضل الله ونعمته على الناس تذليل الأنعام لهم، وتسخيرها لمنافعهم المختلفة.

وفرة الأَدلة العقلية على يوم القيامة وإعراض المشركين عنها.

من صفات الله تعالى أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما يبقى، ويعلم الغيب والشهادة.

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.7 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله