الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٦٩ من سورة الزمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦٩ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) أي : أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق ، تبارك وتعالى ، للخلائق لفصل القضاء ، ( ووضع الكتاب ) قال قتادة : كتاب الأعمال ، ( وجيء بالنبيين ) قال ابن عباس : يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات الله إليهم ، ( والشهداء ) أي : الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر ، ( وقضي بينهم بالحق ) أي : بالعدل ( وهم لا يظلمون ) قال الله [ تعالى ] : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) [ الأنبياء : 47 ] ، وقال [ الله ] تعالى : ( وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) [ النساء : 40 ] ، ولهذا قال :
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) يقول تعالى ذكره: فأضاءت الأرض بنور ربها, يقال: أشرقت الشمس.
إذا صفت وأضاءت, وأشرقت: إذا طلعت, وذلك حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين خلقه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر.
قال.
ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) قال: فما يتضارون في نوره إلا كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه.
حدثنا محمد, قال ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) قال: أضاءت.
وقوله ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) يعني.
كتاب أعمالهم لمحاسبتهم ومجازاتهم.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال ثنا سعيد, عن قتادة ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) قال: كتب أعمالهم.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) قال: الحساب.
وقوله: ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ) يقول: وجيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم, وردت عليهم في الدنيا, حين أتتهم رسالة الله، والشهداء, يعني بالشهداء: أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , ويستشهدهم ربهم على الرسل, فيما ذكرت من تبليغها رسالة الله التي أرسلهم بها ربهم إلى أممها, إذ جحدت أممهم أن يكونوا أبلغوهم رسالة الله, والشهداء: جمع شهيد, وهذا نظير قول الله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .
وقيل: عنى بقوله: ( الشُّهَدَاءِ ) : الذين قتلوا في سبيل الله، وليس لما قالوا من ذلك في هذا الموضع كبير معنى, لأن عقيب قوله: ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ) , وفي ذلك دليل واضح على صحة ما قلنا من أنه إنما دعى بالنبيين والشهداء للقضاء بين الأنبياء وأممها, وأن الشهداء إنما هي جمع شهيد, الذين يشهدون للأنبياء على أممهم كما ذكرنا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ) فإنهم ليشهدون للرسل بتبليغ الرسالة, وبتكذيب الأمم إياهم.
* ذكر من قال ما حكينا قوله من القول الآخر: حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ) : الذين استشهدوا في طاعة الله.
وقوله: ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ) يقول تعالى ذكره: وقضي بين النبيين وأممها بالحقّ, وقضاؤه بينهم بالحقّ, أن لا يحمل على أحد ذنب غيره, ولا يعاقب نفسا إلا بما كسبت.
قوله تعالى : وأشرقت الأرض بنور ربها إشراقها إضاءتها ، يقال : أشرقت الشمس إذا أضاءت وشرقت إذا طلعت .
ومعنى : بنور ربها بعدل ربها ، قاله الحسن وغيره .
وقال الضحاك : بحكم ربها ، والمعنى واحد ، أي : أنارت وأضاءت بعدل الله وقضائه بالحق بين عباده .
والظلم ظلمات والعدل نور .
وقيل : إن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به .
وقال ابن عباس : النور المذكور هاهنا ليس من نور الشمس والقمر ، بل هو نور يخلقه الله فيضيء به الأرض .
وروي أن الأرض يومئذ من فضة تشرق بنور الله تعالى حين يأتي لفصل القضاء .
والمعنى أنها أشرقت بنور خلقه الله تعالى ، فأضاف النور إليه على حد إضافة الملك إلى المالك .
وقيل : إنه اليوم الذي يقضي فيه بين خلقه ; لأنه نهار لا ليل معه .
وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير : " وأشرقت الأرض " على ما لم يسم فاعله ، وهي قراءة على التفسير .
وقد ضل قوم هاهنا فتوهموا أن الله - عز وجل - من جنس النور والضياء المحسوس ، وهو متعال عن مشابهة المحسوسات ، بل هو منور السماوات والأرض ، فمنه كل نور خلقا وإنشاء .
وقال أبو جعفر النحاس : وقوله - عز وجل - : وأشرقت الأرض بنور ربها يبين هذا الحديث [ ص: 252 ] المرفوع من طرق كثيرة صحاح تنظرون إلى الله - عز وجل - لا تضامون في رؤيته وهو يروى على أربعة أوجه : لا تضامون ، ولا تضارون ، ولا تضامون ، ولا تضارون ، فمعنى " لا تضامون " : لا يلحقكم ضيم كما يلحقكم في الدنيا في النظر إلى الملوك .
و " لا تضارون " : لا يلحقكم ضير .
و " لا تضامون " : لا ينضم بعضكم إلى بعض ليسأله أن يريه .
و " لا تضارون " لا يخالف بعضكم بعضا .
يقال : ضاره مضارة وضرارا أي : خالفه .قوله تعالى : ووضع الكتاب قال ابن عباس : يريد اللوح المحفوظ .
وقال قتادة : يريد الكتاب والصحف التي فيها أعمال بني آدم ، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله .
وجيء بالنبيين أي جيء بهم فسألهم عما أجابتهم به أممهم .
والشهداء الذين شهدوا على الأمم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس وقيل : المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله ، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله ، قاله السدي .
قال ابن زيد : هم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم .
قال الله تعالى : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد فالسائق يسوقها إلى الحساب ، والشهيد يشهد عليها ، وهو الملك الموكل بالإنسان على ما يأتي بيانه في [ ق ] .وقضي بينهم بالحق أي بالصدق والعدل .
وهم لا يظلمون قال سعيد بن جبير : لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم .
{ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا } علم من هذا، أن الأنوار الموجودة تذهب يوم القيامة وتضحمل، وهو كذلك، فإن اللّه أخبر أن الشمس تكور، والقمر يخسف، والنجوم تندثر، ويكون الناس في ظلمة، فتشرق عند ذلك الأرض بنور ربها، عندما يتجلى وينزل للفصل بينهم، وذلك اليوم يجعل اللّه للخلق قوة، وينشئهم نشأة يَقْوَوْنَ على أن لا يحرقهم نوره، ويتمكنون أيضا من رؤيته، وإلا، فنوره تعالى عظيم، لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.{ وَوُضِعَ الْكِتَابُ } أي: كتاب الأعمال وديوانه، وضع ونشر، ليقرأ ما فيه من الحسنات والسيئات، كما قال تعالى: { وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } ويقال للعامل من تمام العدل والإنصاف: { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } { وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ } ليسألوا عن التبليغ، وعن أممهم، ويشهدوا عليهم.
{ وَالشُّهَدَاءِ } من الملائكة، والأعضاء والأرض.
{ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ } أي: العدل التام والقسط العظيم، لأنه حساب صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة، ومن هو محيط بكل شيء، وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ، محيط بكل ما عملوه، والحفظة الكرام، والذين لا يعصون ربهم، قد كتبت عليهم ما عملوه، وأعدل الشهداء قد شهدوا على ذلك الحكم، فحكم بذلك من يعلم مقادير الأعمال ومقادير استحقاقها للثواب والعقاب.
قوله عز وجل : ( وأشرقت الأرض ) أضاءت ، ( بنور ربها ) بنور خالقها ، وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه ، فما يتضارون في نوره كما لا يتضارون في الشمس في اليوم الصحو .
وقال الحسن والسدي : بعدل ربها ، وأراد بالأرض عرصات القيامة .
( ووضع الكتاب ) أي : كتاب الأعمال ، ( وجيء بالنبيين والشهداء ) قال ابن عباس : يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة ، وهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وقال عطاء : يعني الحفظة ، يدل عليه قوله تعالى : " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد " ( ق - 21 ( وقضي بينهم بالحق ) أي : بالعدل ، ( وهم لا يظلمون ) أي : لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم .
«وأشرقت الأرض» أضاءت «بنور ربها» حين يتجلى الله لفصل القضاء «ووضع الكتاب» كتاب الأعمال للحساب «وجيء بالنبيين والشهداء» أي بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته يشهدون للرسل بالبلاغ «وقُضيَ بينهم بالحق» أي العدل «وهم لا يظلمون» شيئا.
وأضاءت الأرض يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء، ونشرت الملائكة صحيفة كل فرد، وجيء بالنبيين والشهود على الأمم؛ ليسأل الله النبيين عن التبليغ وعما أجابتهم به أممهم، كما تأتي أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لتشهد بتبليغ الرسل السابقين لأممهم إذا أنكرت هذا التبليغ، فتقوم الحجة على الأمم، وقضى ربُّ العالمين بين العباد بالعدل التام، وهم لا يُظلمون شيئًا بنقص ثواب أو زيادة عقاب.
والمراد بالأرض فى قوله - تعالى - : بعد ذلك : ( وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبِّهَا .
.
.
) أرض المحشر .وأصل الإِشراق : الإِضاءة .
يقال : أشرقت الشمس إذا أضاءت ، وشرقت : إذا طلعت .قال ابن كثير : وقوله : ( وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبِّهَا ) أى : أضاءت - الأرض - يوم القيامة ، إذا تجلى الحق - تبارك وتعالى - للخلائق لفصل القضاء .والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى - : ( وَوُضِعَ الكتاب ) صحائف الأعمال التى تكون فى أيدى أصحابها .فالمراد بالكتاب جنسه ، أى : أعطى كل واحد كتابه إما بيمينه .
وإما بشماله .
وقيل المراد بالكتاب هنا : اللوح المحفوظ الذى فيه أعمال الخلق .( وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء ) أى : وبعد أن أعطى كل إنسان صحائف أعماله جئ بالنبيين لكى يشهدوا على أممهم أنهم بلغوهم ما كلفهم الله بتبليغه إليهم ، وجئ بالشهداء وهم الملائكة الذين يسجلون على الناس أعمالهم من خير وشر ، كما قال - تعالى - :( وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ) وقيل المراد بهم : من استشهدوا فى سبيل الله .ثم بين - سبحانه - مظاهر عدالته فى جمل حكيمة فقال : ( وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق ) أى : وقضى - سبحانه - بين الجميع بقضائه العادل ( وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) أى : نوع من الظلم .
واعلم أنه لما أطال الكلام في شرح الوعد والوعيد عاد إلى دلائل الإلهية والتوحيد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وأطنبنا هناك في الأسئلة والأجوبة، فلا فائدة هاهنا في الإعادة، إلا أن الكعبي ذكر هاهنا كلمات فنذكرها ونجيب عنها، فقال إن الله تعالى مدح نفسه بقوله: ﴿ الله خالق كُلّ شَيء ﴾ وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح أن يحتج المخالف به، وأيضاً فلم يكن في صدر هذه الأمة خلاف في أعمال العباد، بل كان الخلاف بينهم وبين المجوس والزنادقة في خلق الأمراض والسباع والهوام، فأراد الله تعالى أن يبين أنها جمع من خلقه، وأيضاً لفظة ﴿ كُلٌّ ﴾ قد لا توجب العموم لقوله تعالى: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيء ﴾ ﴿ تُدَمّرُ كُلَّ شَيء ﴾ وأيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق الله لما ضافها إليهم بقوله: ﴿ كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ولما صح قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ ولما صح قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ﴾ فهذا جملة ما ذكره الكعبي في تفسيره، وقال الجبائي: ﴿ الله خالق كُلّ شَيء ﴾ سوى أفعال خلقه التي صح فيها الأمر والنهي واستحقوا بها الثواب والعقاب، ولو كانت أفعالهم خلقاً لله تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجداً له.
واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام، فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضوع من هذا الكتاب، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ على كُلّ شَيء وَكِيلٌ ﴾ فالمعنى أن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، لأن فعل العبد لو وقع بتخليق العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى الله تعالى وكيلاً عليه، وذلك ينافي عموم الآية.
ثم قال تعالى: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ والمعنى أنه سبحانه مالك أمرها وحافظها وهو من باب الكناية، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت مقاليد الملك إليه وهي المفاتيح، قال صاحب الكشاف: ولا واحد لها من لفظها، وقيل مقليد ومقاليد، وقيل مقلاد ومقاليد مثل مفتاح ومفاتيح، وقيل إقليد وأقاليد، قال صاحب الكشاف: والكلمة أصلها فارسية، إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية.
واعلم أن الكلام في تفسير قوله: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ قريب من الكلام في قوله تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب ﴾ وقد سبق الاستقصاء هناك، قيل سأل عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ فقال: «يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر، سبحان الله وبحمده، أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير، يحيي ويميت هو على كل شيء قدير» هكذا نقله صاحب الكشاف.
ثم قال تعالى: ﴿ والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: صريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر، وهذا يدل على أن كل من لم يكن كافراً فإنه لابد وأن يحصل له حظ من رحمة الله.
المسألة الثانية: أورد صاحب الكشاف سؤالاً، وهو أنه بم اتصل قوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ ﴾ ؟
وأجاب عنه بأنه اتصل بقوله تعالى: ﴿ وَيُنَجّى الله الذين اتقوا ﴾ أي ينجي الله المتقين بمفازتهم ﴿ والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ واعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها، وأن له مقاليد السموات والأرض.
وأقول هذا عندي ضعيف من وجهين: الأول: أن وقوع الفاصل الكبير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد الثاني: أن قوله: ﴿ وَيُنَجّى الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ جملة فعلية، وقوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ جملة اسمية، وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز، بل الأقرب عندي أن يقال إنه لما وصف الله تعالى نفسه بالصفات الإلهية والجلالية، وهو كونه خالقاً للأشياء كلها، وكونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض بأسرها، قال بعده: والذين كفروا بهذه الآيات الظاهرة الباهرة أولئك هم الخاسرون.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر تأمرونني بنونين ساكنة الياء وكذلك هي في مصاحف الشام، قال الواحدي وهو الأصل، وقرأ ابن كثير تأمروني بنون مشددة على إسكان الأولى وإدغامها في الثانية، وقرأ نافع تأمروني بنون واحدة خفيفة، على حذف إحدى النونين والباقون بنون واحدة مكسورة مشددة.
المسألة الثانية: ﴿ أَفَغَيْرَ الله ﴾ منصوب بأعبد وتأمروني اعتراض، ومعناه: أفغير الله أعبد بأمركم؟
وذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك، وأقول نظير هذه الآية، قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السموات والأرض ﴾ وقد ذكرنا في تلك الآية وجه الحكمة في تقديم الفعل.
المسألة الثالثة: إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء وبكونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع، ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة، واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة، فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيد عليه، فلهذا السبب قال: ﴿ أَيُّهَا الجاهلون ﴾ ولا شك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ واعلم أن الكلام التام مع الدلائل القوية، والجواب عن الشبهات في مسألة الإحباط قد ذكرناه في سورة البقرة فلا نعيده، قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ على البناء للمفعول وقرئ بالياء والنون أي: ليحبطن الله أو الشرك وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟
والجواب تقدير الآية: أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلى الذين من قبلك مثله أو أوحي إليك وإلى كل واحد منهم لئن أشركت، كما تقول كسانا حلة أي كل واحد منا.
السؤال الثاني: ما الفرق بين اللامين؟
الجواب الأولى: موطئة للقسم المحذوف والثانية: لام الجواب.
السؤال الثالث: كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟
والجواب أن قوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها ألا ترى أن قولك لو كانت الخمسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق، قال الله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وبأنهما قد فسدتا.
السؤال الرابع: ما معنى قوله: ﴿ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ ؟
والجواب كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم، فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: ﴿ إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات ﴾ فكان المعنى ضعف الشرك الحاصل منه، وبتقدير حصوله منه يكون تأثيره في جانب غضب الله أقوى وأعظم.
واعلم أنه تعالى لما قدم هذه المقدمات ذكر ما هو المقصود فقال: ﴿ بَلِ الله فاعبد وَكُن مّنَ الشاكرين ﴾ ، والمقصود منه ما أمروه به من الإسلام ببعض آلهتهم، كأنه قال إنكم تأمرونني بأن لا أعبد إلا غير الله لأن قوله: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ ﴾ يفيد أنهم عينوا عليه عبادة غير الله، فقال الله إنهم بئسما قالوا ولكن أنت على الضد مما قالوا، فلا تعبد إلا الله، وذلك لأن قوله: ﴿ بَلِ الله فاعبد ﴾ يفيد الحصر.
ثم قال: ﴿ وَكُنْ مّنَ الشاكرين ﴾ على ما هداك إلى أنه لا يجوز إلا عبادة الإله القادر عن الإطلاق العليم الحكيم، وعلى ما أرشدك إلى أنه يجب الإعراض عن عبادة كل ما سوى الله.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: ﴿ أخرى ﴾ ما محلها من الإعراب؟
قلت: يحتمل الرفع والنصب: أما الرفع فعلى قوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ واحدة ﴾ [الحاقة: 13] وأما النصب فعلى قراءة من قرأ: ﴿ نَفْخَةٌ واحدة ﴾ [الحاقة: 13] والمعنى: ونفخ في الصور نفخة واحدة، ثم نفخ فيه أخرى.
وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها، ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان.
وقرئ: ﴿ قياماً ينظرون ﴾ : يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب.
وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم.
ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لتحيرهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾ يَعْنِي المَرَّةَ الأُولى.
﴿ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ خَرَّ مَيِّتًا أوْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ قِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ فَإنَّهم يَمُوتُونَ بَعْدُ، وقِيلَ: حَمَلَةُ العَرْشِ.
﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ نَفْخَةٌ أُخْرى وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأُولى ونُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ كَما صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ، وأُخْرى تَحْتَمِلُ النَّصْبَ والرَّفْعَ.
﴿ فَإذا هم قِيامٌ ﴾ قائِمُونَ مِن قُبُورِهِمْ أوْ مُتَوَقِّفُونَ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الخَبَرَ.
﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِهِ والمَعْنى: يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم في الجَوانِبِ كالمَبْهُوتِينَ أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)
{وَأَشْرَقَتِ الأرض} أضاءت {بِنُورِ رَبِّهَا} أي بعدله بطريق الاستعارة يقال للملك العادل أشرقت الآفاق بعدلك وأضاءت الدنيا بقسطك كما يقال أظلمت البلاد بجور فلان وقال عليه الصلاة والسلام الظلم ظلمات يوم القيامة وإضافة اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله وينصب فيها موازين قسطه ويحكم بالحق بين أهلها ولا ترى أزين للبقاع من العدل ولا أعمر لها منه وقال الإمام أبو منصور رحمه الله يجوز أن يخلق الله نوراً فينور به أرض الموقف وإضافته إليه تعالى للتخصيص كبيت الله
وناقة الله {وَوُضِعَ الكتاب} أي صحائف الأعمال ولكنه اكتفى باسم الجنس أو اللوح المحفوظ {وجيء بالنبيين} ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة وما أجابهم قومهم {والشهداء} الحفظة وقيل هم الأبرار في كل زمان يشهدون على أهل ذلك الزمان {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} بين العباد {بالحق} بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} ختم الآية بنفي الظلم كما افتتحها بإثبات العدل
﴿ وأشْرَقَتِ الأرْضُ ﴾ أيْ أرْضُ المَحْشَرِ وهي الأرْضُ المُبْدَلَةُ مِنَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.
وفي الصَّحِيحِ «يُحْشَرُ النّاسُ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةِ النَّقْيِ لَيْسَ فِيها عَلَمٌ لِأحَدٍ» وهي أوْسَعُ بِكَثِيرٍ مِنَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.
وفي بَعْضِ الرِّواياتِ «أنَّها يَوْمَئِذٍ مِن فِضَّةٍ» ولا يَصِحُّ، أيْ أضاءَتْ ﴿ بِنُورِ رَبِّها ﴾ هو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نُورٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى بِلا واسِطَةِ أجْسامٍ مُضِيئَةٍ كَشَمْسٍ وقَمَرٍ، واخْتارَهُ الإمامُ وجَعَلَ الإضافَةَ مِن بابِ ( ناقَةُ اَللَّهِ ) [الأعْرافَ: 73، هُودَ: 64، الشَّمْسَ: 13] وعَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ تَفْسِيرُهُ بِتَجَلِّي الرَّبِّ لِفَصْلِ القَضاءِ، وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ تَفْسِيرُهُ بِالعَدْلِ وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِذَلِكَ ولِلْقُرْآنِ والبُرْهانِ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ أيْ وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِما يُقِيمُهُ فِيها مِنَ الحَقِّ والعَدْلِ ويَبْسُطُهُ سُبْحانَهُ مِنَ القِسْطِ في الحِسابِ ووَزْنِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، واخْتارَ هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ وصَحَّحَ أوَّلًا تِلْكَ الِاسْتِعارَةَ بِتَكَرُّرِها في القُرْآنِ العَظِيمِ، وحَقَّقَها ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ويُنادِي عَلى ذَلِكَ إضافَتُهُ إلى اسْمِهِ تَعالى لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الحَقُّ العَدْلُ إشارَةً إلى الصّارِفِ إلى التَّأْوِيلِ، وعَيْنُها ثالِثُها بِإضافَةِ اسْمِهِ تَعالى الرَّبُّ إلى الأرْضِ لِأنَّ العَدْلَ هو الَّذِي يَتَزَيَّنُ بِهِ الأرْضُ لا البُرْهانُ مَثَلًا، ورابِعًا بِما عَطَفَ عَلى إشْراقِ الأرْضِ مِن وضْعِ الكِتابِ والمَجِيءِ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ والقَضاءِ بِالحَقِّ لِأنَّهُ كُلَّهُ تَفْصِيلُ العَدْلِ بِالحَقِيقَةِ، وأيَّدَها خامِسًا بِالعُرْفِ العامِّ فَإنَّ النّاسَ يَقُولُونَ لِلْمَلِكِ العادِلِ: أشْرَقَتِ الآفاقُ بَعْدُ لَكَ وأضاءَتِ الدُّنْيا بِقِسْطِكَ، وسادِسًا بِقَوْلِهِ : ««الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ»» فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ العَدْلُ نُورًا فِيهِ، وسابِعًا بِأنَّ فَتْحَ الآيَةِ وخَتْمَها بِنَفْيِ الظُّلْمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مِن بابِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ عَلى طَرِيقَةِ الطَّرْدِ والعَكْسِ.
ورَجَّحَ ما اخْتارَهُ الإمامُ بِأنَّ الأصْلَ الحَقِيقَةُ ولا صارِفَ لِأنَّ الإضافَةَ تَصِحُّ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، وأيَّدَ ما حُكِيَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ بِبَعْضِ الأحادِيثِ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ إضافَةَ المُلابَسَةِ مَجازٌ والتَّرْجِيحُ لِما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ لِما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ ولِأنَّهُ الشّائِعُ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وأمّا تَجَلِّي الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَسَواءٌ حُمِلَ عَلى تَجَلِّي الجَلالِ أوْ تَجَلِّي الجَمالِ لا يَقْتَضِي إشْراقَ الأرْضِ بِنُورٍ إلّا بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ أعُنِيَ العَدْلَ أوْ عَرَضًا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ التَّجَلِّي في الأرْضِ فَلَوْ تُوُهِّمَ مِن تَجَلِّيهِ تَعالى أنَّهُ يَنْعَكِسُ نُورٌ مِنهُ عَلى الأرْضِ لاسْتَحالَ إلّا بِالتَّفْسِيرِ المَذْكُورِ فَلَيْسَ قَوْلًا ثالِثًا لِيُنْصَرَ ويُؤَيَّدَ بِالحَدِيثِ الَّذِي لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرُ الآيَةِ المُشْتَمِلُ عَلى حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ وإلْقاءِ سِتْرِهِ تَعالى عَلى العَبْدِ يُذَكِّرُ ما فَعَلَ بِهِ وما جَنى.
انْتَهى.
ولَعَلَّ الأوْفَقَ بِما يُشْعِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ﴾ إشارَةٌ إلى تَجَلِّيهِ عَزَّ وجَلَّ لِفَصْلِ القَضاءِ وقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالإتْيانِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ ﴾ ولَمْ يَتَأوَّلْ ذَلِكَ السَّلَفُ بَلْ أثْبَتُوهُ لَهُ سُبْحانَهُ كالنُّزُولِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أثْبَتَهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَفْسِهِ.
ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا النُّورُ هو النُّورُ الوارِدُ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ««إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجابُهُ النُّورُ»» ويُقالُ فِيهِ كالحِجابِ نَحْوَ ما قالَ السَّلَفُ في سائِرِ المُتَشابِهاتِ أوْ هو نُورٌ آخَرُ يَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ التَّجَلِّي، ولا أقُولُ: هو نُورٌ مُنْعَكِسٌ مِنَ الذّاتِ المُقَدَّسِ انْعِكاسَ نُورِ الشَّمْسِ مَثَلًا مِنَ الشَّمْسِ بَلِ الأمْرُ فَوْقَ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ العُقُولُ، وأنّى وهَيْهاتَ وكَيْفَ ومَتى يُتَصَوَّرُ إلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ الوُصُولِ، ويُومِئُ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّجَلِّيَ مَقْرُونٌ بِالعَدْلِ التَّعْبِيرُ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الأرْضِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو الجَوْزاءِ ( أشْرَقَتِ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن شَرِقَتْ بِالضَّوْءِ تَشْرَقُ إذا امْتَلَأتْ بِهِ واغْتَصَّتْ وأشْرَقَها اللَّهُ تَعالى كَما تَقُولُ: مَلَأ الأرْضَ عَدْلًا وطَبَّقَها عَدْلًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إنَّما يَتَرَتَّبُ مِن فِعْلٍ يَتَعَدّى فَهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أشْرَقَ البَيْتُ وأشْرَقَهُ السِّراجُ فَيَكُونُ الفِعْلُ مُجاوِزًا وغَيْرَ مُجاوِزٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الإشْراقُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَنقُولًا مِن شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ فَيَصِيرُ مُتَعَدِّيًا والمَعْنى أذْهَبَتْ ظُلْمَةَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ فَإنَّ ذَلِكَ لازِمٌ وهَذا قَدْ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ ( ووُضِعَ اَلْكِتابُ ) قالَ السُّدِّيُّ الحِسابُ، فالكِتابُ مَجازٌ عَنِ الحِسابِ ووَضْعُهُ تَرْشِيحٌ لَهُ، والمُرادُ بِهِ الشُّرُوعُ فِيهِ ويَجُوزُ جَعْلُ الكَلامِ تَمْثِيلًا.
وقالَ بَعْضُهم: صَحائِفُ الأعْمالِ وُضِعَتْ بِأيْدِي العُمّالِ فالتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وُضِعَ لِيُقابَلَ بِهِ الصَّحائِفُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ وقالَ: لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ ﴾ قِيلَ لِيُسْألُوا هَلْ بَلَّغُوا أُمَمَهم ؟
وقِيلَ: لِيَحْضُرُوا حِسابَهم ﴿ والشُّهَداءِ ﴾ قالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الحَفَظَةُ، وكَأنَّهم أرادُوا أنَّهم يَشْهَدُونَ عَلى كُلٍّ مِنَ الأُمَمِ أنَّهم بُلِّغُوا أوْ يَشْهَدُونَ عَلى كُلٍّ بِعَمَلِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ يُؤْتى بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو يَرْتَعِدُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ إسْرافِيلَ ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ بَلَّغْتُهُ فَيُؤْتى بِإسْرافِيلَ وهو يَرْتَعِدُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغَكَ اللَّوْحُ ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْكُنُ رَوْعُ اللَّوْحِ ثُمَّ يُقالُ لِإسْرافِيلَ فَأنْتَ هَلْ بَلَّغْتَ جِبْرائِيلَ ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَيُؤْتى بِجِبْرائِيلَ وهو يَرْتَعِدُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغَكَ إسْرافِيلُ ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْكُنُ رَوْعُ إسْرافِيلَ ثُمَّ يُقالُ لِجِبْرائِيلَ: فَأنْتَ هَلْ بَلَّغْتَ ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَيُؤْتى بِالمُرْسَلِينَ وهم يَرْتَعِدُونَ فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَكم جِبْرائِيلُ ؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيَسْكُنُ عِنْدَ ذَلِكَ رَوْعُ جِبْرائِيلَ ثُمَّ يُقالُ لَهم: فَأنْتُمْ هَلْ بَلَّغْتُمْ ؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُقالُ لِلْأُمَمِ: هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ ؟
فَيَقُولُ كَفَرَتُهم: ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَيَعْظُمُ عَلى الرُّسُلِ الحالُ ويَشْتَدُّ البِلْبالُ فَيُقالُ لَهم: مَن يَشْهَدُ لَكم ؟
فَيَقُولُونَ: النَّبِيُّ الأُمِّيُّ وأُمَّتُهُ فَيُؤْتى بِالأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَيَشْهَدُونَ لَهم أنَّهم بَلَّغُوا فَيُقالُ لَهم: مِن أيْنَ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ ؟
فَيَقُولُونَ: مِن كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيهِ أنَّ الرُّسُلَ بَلَّغُوا أُمَمَهم ويُزَكِّيهِمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: المُرادُ بِالشُّهَداءِ في الآيَةِ أُمَّةُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ هم عُدُولُ الآخِرَةِ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ وعَلَيْهِمْ، وقِيلَ: جَمِيعُ الشُّهَداءِ مِنَ المَلائِكَةِ وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والجَوارِحُ والمَكانُ، وأيًّا ما كانَ فالشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: المُرادُ بِهِمُ المُسْتَشْهَدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَهو جَمْعُ شَهِيدٍ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ بَيْنَ العِبادِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ بِالعَدْلِ ﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عِقابٍ عَلى ما جَرى بِهِ الوَعْدُ بِناءً عَلى أنَّ الظُّلْمَ حَقِيقَةٌ لا يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ تَعالى فَإنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ يعني: ارجعوا له، وأقبلوا إلى طاعة ربكم وَأَسْلِمُوا لَهُ يعني: أخلصوا، وأقروا بالتوحيد، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ أي: لا تمنعون مما نزل بكم، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ قال الكلبي: هذا القرآن أحسن ما أنزل إليهم يعني: اتبعوا ما أمرتم به.
ويقال: أحلوا، وحرموا حرامه، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً أي: فجأة، وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ بنزوله، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يعني: لكي لا تقول نفس.
ويقال: معناه اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم من ربكم خوفاً، قبل أن تصيروا إلى حال الندامة.
وتقول نفس: يَا حَسْرَتى يعني: يا ندامتا، عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ يعني: تركت، وضيعت من طاعة الله.
وقال مقاتل: يعني: ما ضيعت من ذكر الله.
ويقال: يا ندامتاه على ما فرطت في أمر الله.
وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ يعني: وقد كنت من المستهزئين بالقرآن في الدنيا.
ويقال: وقد كنت من اللاهين.
وقال أبو عبيدة: في جنب الله، وذات الله واحد.
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي يعني: قبل، أو تقول: لو أن الله هداني بالمعرفة، لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي: من الموحدين.
يعني: لو بيّن لي الحق من الباطل، لكنت من المؤمنين، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ يعني: من قبل أن تقول: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً أي: رجعة إلى الدنيا فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يعني: من الموحدين.
يقول الله تعالى: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي يعني: القرآن، فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ أي: تكبرت، وتجبرت عن الإيمان بها، وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ.
قرأ عاصم الجحدري: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي يعني: القرآن.
فَكَذَّبْتَ بِها، وَاسْتَكْبَرْتَ، وَكُنْتِ، كلها بالكسر.
وهو اختيار ابن مسعود، وصالح، ومن تابعه من قراء سمرقند.
وإنما قرأ بالكسر، لأنه سبق ذكر النفس، والنفس تؤنس.
وقراءة العامة كلها بالنصب، لأنه انصرف إلى المعنى.
يعني: يقال للكافر: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ يعني: قالوا: بأن لله شريكاً، وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ صار وجوههم رفعاً بالابتداء.
ويقال: معناه مسودة وجوههم أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ أي: مأوى للّذين تكبروا عن الإيمان، وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ يعني: ينجي الله الذين اتقوا الشرك من جهنم.
قال مقاتل، والكلبي: بأعمالهم الحسنة لا يصيبهم العذاب.
وقال القتبي: بمنجاتهم.
قرأ حمزة، والكسائي: بِمَفَازَاتِهم بالألف، وكذلك عاصم في رواية أبي بكر.
والباقون بِمَفازَتِهِمْ بغير ألفِ والمفازة الفوز، والسعادة، والفلاح، والمفازات جمع.
لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ أي: لا يصيبهم العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ معناه: أن القرآن العزيزَ تضمَّنَ عقائدَ نيرةً وأوامرَ ونواهيَ مَنْجِيَةً وَعِدَاتٍ على الطاعاتِ، والبِرِّ، وتضمَّن أيضاً حدوداً على المعاصِي وَوَعِيداً على بَعْضِها/ فالأحسنُ للمرءِ أنْ يسلك طَريق الطاعةِ والانتهاءِ عن المعصيةِ والعفوِ في الأمورِ ونحوِ ذلك مِنْ أنْ يسلكَ طريقَ الغَفْلَةِ والمعصيةِ فَيُحَدُّ أو يَقَعَ تَحْتَ الوعيدِ، فهذا المعنى هو المقصود ب أَحْسَنَ، وليس المعنى: أنَّ بعضَ القرآن أحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ منْ حيثُ هو قرآن، ت: وروى أبو بكرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال:
قال رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: في قولِ اللَّهِ- عزَّ وجَلَّ-: يَا حَسْرَتى قال: الحسرةُ أن يرى أهلُ النارِ منازِلَهُمْ من الجنة، قال: فهي الحسرةُ «١» ، انتهى.
وقوله: فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في جِهَةِ طاعتهِ وتضييعِ شريعتِه والإيمانِ به، وقال مجاهدٌ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في أمر اللَّه «٢» ، وقولُ الكافِر: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ نَدَامَةً على استهزائه بِأَمْرِ اللَّهِ- تعالى-، و «كرة» مصدرٌ مِنْ كَرّ يَكُرُّ، وهذا الكونُ في هذه الآيةِ داخلٌ في التَّمَنِّي، وباقي الآيةِ أنوارُهُ لائحةٌ، وحُجَجُهُ واضحةٌ، ثم خاطبَ تعالى نبيَّه بِخَبَرِ مَا يَرَاهُ يومَ القيامةِ من حالَةِ الكُفّار، وفي ضِمْنِ هذَا الخبرِ وَعِيدٌ بَيِّنٌ لمعاصريه- عليه السلام- فقال: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ تَرَى من رؤيةِ العينِ، وظاهرُ الآية أنَّ وجوههم تسودّ حقيقة.
وقوله سبحانه: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ ...
الآية، ذَكَر تعالى حَالَةَ المُتَّقينَ ونجاتهم لِيُعَادِلَ بِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ من شَقَاوَةِ الكَافِرِينَ، وفي ذلك تَرْغِيبٌ في حالةِ المتقين لأن الأشياء تَتَبَيَّنُ بِأضْدَادِها، و «مفازتهم» مصدَرٌ مِن الفَوْزِ، وفي الكلام حَذْفُ مضافٍ، تقديرُهُ: ويُنَجِّي اللَّهُ الذين اتقوا بأسْبَابِ مفازَتِهِمْ، وال مَقالِيدُ: المفاتيح وقاله
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ أتى رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: يا أبا القاسِمِ، بَلَغَكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْمِلُ الخَلائِقَ عَلى إصْبَعٍ والأرَضِينَ عَلى إصْبَعٍ والشَّجَرَ عَلى إصْبَعٍ والثَّرى عَلى إصْبَعٍ؟!
فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآَيَةَ،» قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
[وَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" نَحْوَهُ في ابْنِ مَسْعُودٍ] .
وقَدْ فَسَّرْنا أوَّلَ هَذِهِ الآَيَةِ في [الأنْعامِ: ٩١] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآَيَةُ في الكُفّارِ، فَأمّا مَن آَمَنَ بِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَقَدْ قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَظَمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « "يَقْبِضُ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ ويُطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكَ، أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟"؛» وأخْرَجا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ " «يَطْوِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ السَّمَواتِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنى، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أيْنَ الجَبّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟" .» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأرْضُ والسَّمَواتُ كُلُّها بِيَمِينِهِ.
وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: السَّمَواتُ قَبْضَةٌ والأرْضُونَ قَبْضَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلِ اللهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ فَصَعِقَ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ المَكْتُوبَةُ: مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فاعْبُدْ"، ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ مَعْناهُ: وما عَظَّمُوا اللهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ، ولا وصَفُوهُ بِصِفاتِهِ، ولا نَفَوْا عنهُ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُعْنى بِالضَمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "قَدَرُوا"، ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ ذَلِكَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها مُحاوَرَةً لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، تَكَلَّمُوا في صِفاتِ اللهِ تَعالى وَجَلالِهِ فَألْحَدُوا وجَسَّمُوا وأتَوْا كُلَّ تَخْلِيطٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.
وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ جاءَ حَبْرٌ إلى رَسُولِ اللهِ فَجَلَسَ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: حَدِّثْنا، قالَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ جَعْلَ السَماواتِ عَلى أُصْبُعٍ، والأرَضِينَ عَلى أُصْبُعٍ، والجِبالَ عَلى أُصْبُعٍ، والماءَ والشَجَرَ عَلى أُصْبُعٍ، وجَمِيعَ الخَلائِقِ عَلى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرَسُولُ اللهِ تَمَثَّلَ بِالآيَةِ وقَدْ كانَتْ نَزَلَتْ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "تَصْدِيقًا لَهُ"، أيْ في أنَّهُ لَمْ يَقُلْ إلّا ما رَأى في كُتُبِ اليَهُودِ، ولَكِنَّ النَبِيَّ أنْكَرَ المَعْنى لِأنَّ التَجْسِيمَ فِيهِ ظاهِرٌ، [واليَهُودُ مَعْرُوفُونَ بِاعْتِقادِهِ، ولا يُحْسِنُونَ حَمْلَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ مِن أنَّ الأُصْبُعَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، أو مِن أنَّها أُصْبُعُ خَلْقٍ يَخْلُقُهُ لِذَلِكَ، ويُعَضِّدُها تَنْكِيرُ الأُصْبُعِ].
ورَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ «أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللهِ ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَذا اللهُ خَلَقَ الأشْياءَ، فَمَن خَلَقَ اللهَ؟
فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ وساوَرَهم فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قَدْرِهِ" بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وأبُو نَوْفَلٍ: "وَما قَدَّرُوا" بِشَدِّ الدالِّ "حَقَّ قَدَرِهِ" بِفَتْحِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾ مَعْناهُ: في قَبْضَتِهِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ ما مَعْناهُ: «إنَّ الأرْضَ في قَبْضَةِ اليَدِ الواحِدَةِ، والسَماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِاليَمِينِ الأُخْرى؛ لِأنَّهُ كِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ،» ورَواهُ عَنِ النَبِيِّ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ والسَماواتُ وكُلُّ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: [مَطْوِيّاتٍ] بِكَسْرِ التاءِ المُنَوَّنَةِ، والناسُ عَلى رَفْعِها.
وعَلى كُلِّ وجْهٍ، فاليَمِينُ هُنا والقَبْضَةُ وكُلُّ ما ورَدَ.
عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وما اخْتَلَجَ في الصُدُورِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ باطِلٌ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ القاضِي مِن أنَّها صِفاتٌ زائِدَةٌ عَلى صِفاتِ الذاتِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وبِحَسْبِ ما يَخْتَلِجُ في النُفُوسِ الَّتِي لَمَّ يَصُنْها العِلْمُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ عن جَمِيعِ الشُبَهِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى النَفْخَ في الصُوَرِ لِيُصْعَقَ الأحْياءُ مِن أهْلِ الدُنْيا والسَماءِ، وفي بَعْضِ الأحادِيثِ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَبِيِّ أنَّ قَبْلَ هَذِهِ الصَعْقَةِ صَعْقَةُ الفَزَعِ،» ولَمْ تَتَضَمَّنْها هَذِهِ الآيَةُ.
و[صَعِقَ] في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: خَرَّ مَيِّتًا، و"الصُوَرُ": القَرْنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هُنا غَيْرُ هَذا، ومَن يَقُولُ: الصُوَرُ جَمْعُ صُورَةٍ فَإنَّما يَتَوَجَّهُ قَوْلُهُ في نَفْخَةِ البَعْثِ.
وقَرَأ قَتادَةُ: [وَنُفِخَ في الصُوَرِ] بِفَتْحِ الواوِ، وهي جُمَعُ صُورَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن شاءَ اللهُ ﴾ ، قالَ السُدِّيُّ ؛ «اسْتَثْنى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ومَلَكَ المَوْتِ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ هَذِهِ الحالِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أنَسٍ، عَنِ النَبِيِّ ،» وقِيلَ: اسْتَثْنى الأنْبِياءَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: اسْتَثْنى الشُهَداءَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ هي نَفْخَةُ البَعْثِ، ورُوِيَ «أنَّ بَيْنَ النَفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ، لا يَدْرِي أبُو هُرَيْرَةَ: سَنَةً أو يَوْمًا أو شَهْرًا أو ساعَةً.» وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من إجمال عظمة القدرة يوم القيامة إلى تفصيلها لما فيه من تهويل وتمثيل لمجموع الأحوال يومئذٍ مما ينذر الكافر ويبشر المؤمن ويذكر بإقامة العدل والحق، ثم تمثيل إزجاء المشركين إلى جهنم وسوق المؤمنين إلى الجنة.
فالجملة من عطف القصة على القصة، ومناسبة العطف ظاهرة، وعبر بالماضي في قوله: ﴿ ونُفِخَ ﴾ وقوله: فَصَعِقَ مجازاً لأنه محقق الوقوع مثل قوله: ﴿ أتى أمر اللَّه ﴾ [النحل: 1]، ويجوز أن تكون الواو للحال بتقدير (قد) أي والحال قد نفخ في الصور، فتكون صيغة الماضي في فعلي (نفخ وصَعق) مستعملة في حقيقتها.
وابتدئت الجملة بحديث النفخ في الصور إذ هو ميقات يوم القيامة وما يتقدمه من موت كل حي على وجه الأرض.
وتكرر ذكره في القرآن والسنة.
والصور: بوق ينادى به البعيد المتفرق مثل الجيش، ومثل النداء للصلاة فقد كان اليهود ينادون به: للصلاة الجامعة، كما جاء في حديث بدء الأذان في الإسلام.
والمراد به هنا نداء الخلق لحضور الحشر أحيائِهم وأَمواتِهم، وتقدم عند قوله: ﴿ يوم ينفخ في الصور ﴾ في الأنعام (73).
وهو علامة لأمر التكوين، فالأحياء يصعقون فيموتون (كما يموت المفزوع) بالنفخة الأولى، والأموات يصعقون اضطراباً تدبّ بسببه فيهم الحياة فيكونون مستعدين لقبول الحياة، فإذا نفخت النفخة الثانية حلّت الأرواح في الأجساد المخلوقة لهم على مثال ما بَلي من أجسادهم التي بليت، أو حلّتْ الأرواح في الأجساد التي لم تزل باقية غير بالية كأجساد الذين صعقوا عند النفخة الأولى، ويجوز أن يكون بين النفختين زمن تبلَى فيه جميع الأجساد.
والاستثناء من اسم الموصول الأول، أي إلا مَن أراد الله عدم صعقه وهم الملائكة والأرواح، وتقدم في سورة النمل (87) ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ﴾ } .
و ﴿ ثم ﴾ تؤذن بتراخي الرتبة لأنها عاطفة جملة، ويجوز أن تفيد مع ذلك المهلَةَ المناسبة لما بين النفختين.
و ﴿ أُخْرى ﴾ صفة لمحذوف، أي نفخة أخرى، وهي نفخة مُخالفٌ تأثيرُها لتأثير النفخة الأولى، لأن الأولى نفخة إهلاك وصعق، والثانية نفخة إحياء وذلك باختلاف الصوتين أو باختلاف أمرَيْ التكوين.
وإنما ذكرت النفخة الثانية في هذه الآية ولم تذكر في قوله في سورة النمل (87) ﴿ ويوم ينفخ (1) في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه وكل أتوه داخرين ﴾ لأن تلك في غرض الموعظة بفناء الدنيا وهذه الآية في غرض عظمة شأن الله في يوم القيامة، وكذلك وصف النفخة بالواحدة في سورة الحاقة (13، 15) ﴿ فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة ﴾ وذكرت هنا نفختان.
وضمير ﴿ هُم ﴾ عائد على ﴿ من في السموات ومن في الأرض ﴾ فيما بقي من مفهومه بعد التخصيص ب ﴿ إلا مَن شاء الله ﴾ وهم الذين صعقوا صعق ممات وصَعْق اضطراب يهيأ لقبول الحياة عند النفخة.
و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة للتنبيه على سرعة حلول الحياة فيهم وقيامهم إثره و ﴿ قيام ﴾ جمع قائم.
وجملة ﴿ يَنظُرُونَ ﴾ حال.
والنظرُ: الإِبصار، وفائدة هذه الحال الدلالة على أنهم حَيُوا حياة كاملة لا غشاوة معها على أبصارهم، أي لا دهش فيها كما في قوله تعالى: ﴿ فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ﴾ في سورة الصافات (19)، أو أريد أنهم ينظرون نظر المقلّب بصره الباحث.
ويجوز أن يكون من النظرة، أو الانتظار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ إذْ عَبَدُوا الأوْثانَ مِن دُونِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: وما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ إذْ دَعَوْا إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: ما وصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَبْضَهُ اسْتِبْدالُها بِغَيْرِها لِقَوْلِهِ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ ﴾ وهو مُحْتَمَلٌ.
الثّانِي: أيْ هي في مَقْدُورِهِ كالَّذِي يَقْبِضُ عَلَيْهِ القابِضُ في قَبْضَتِهِ.
﴿ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِقُوَّتِهِ لِأنَّ اليَمِينَ القُوَّةُ.
الثّانِي: في مُلْكِهِ كَقَوْلِهِ ﴿ وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ .
وَيَحْتَمِلُ طَيُّها بِيَمِينِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: طَيُّها يَوْمَ اْلْقِيامَةِ.
لِقَوْلِهِ ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ﴾ الثّانِي: أنَّها في قَبْضَتِهِ مَعَ بَقاءِ الدُّنْيا كالشَّيْءِ المَطْوِي لِاسْتِيلائِهِ عَلَيْها.
﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ رَوى صَفْوانُ بْنُ سُلَيْمٍ «أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى النَّبِيِّ فَقالَ يا أبا القاسِمِ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ ﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ فَأيْنَ يَكُونُ الخَلْقُ؟
قالَ (يَكُونُونَ في الظُّلْمَةِ عِنْدَ الجِسْرِ حَتّى يُنَجِّي اللَّهُ مَن يَشاءُ.
قالَ: والَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلىمُوسى ما عَلى الأرْضِ أحَدٌ يَعْلَمُ هَذا غَيْرِي وغَيْرُكَ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر.
فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه قال: أتقول هذا وفينا رسول الله؟
فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قال الله: ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ فاكون أوّل من يرفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله عز وجل» .
وأخرج أبو يعلى والدارقطني في الأفراد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سئل جبريل عليه السلام عن هذه الآية ﴿ فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ من الذين لم يشإ الله أن يصعقهم؟
قال: هم الشهداء مقلدون باسيافهم حول عرشه، تتلقاهم الملائكة عليهم السلام يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت، أزمتها الدر برحائل السندس والإستبرق، نمارها ألين من الحرير، مدَّ خطاها مدَّ أبصار الرجل، يسيرون في الجنة يقولون عند طول البرهة؛ انطلقوا بنا إلى ربنا ننظر كيف يقضي بين خلقه؟
يضحك اليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي هريرة ﴿ فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ قال: هم الشهداء ثنية الله تعالى.
وأخرج سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال: هم الشهداء ثنية الله، متقلدي السيوف حول العرش.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو نصر السجزي في الابانة وابن مردويه عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله؟
قال جبريل، وميكائيل، وملك الموت، واسرافيل، وحملة العرش.
فإذا قبض الله أرواح الخلائق قال لملك الموت: من بقي؟
وهو أعلم فيقول: رب سبحانك....
!
رب تعاليت ذا الجلال والاكرام بقي جبريل، وميكائيل، واسرافيل، وملك الموت.
فيقول: خذ نفس ميكائيل.
فيقع كالطود العظيم.
فيقول: يا ملك الموت من بقي؟
فيقول سبحانك رب..
!
ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وملك الموت.
فيقول مت يا ملك الموت، فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول: سبحانك..
!
يا ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وهو من الله بالمكان الذي هو به.
فيقول: يا جبريل ما بد من موتك.
فيقع ساجداً يخفق بجناحيه يقول: سبحانك رب...
!
تباركت وتعاليت ذا الجلال والاكرام، أنت الباقي وجبريل الميت الفاني، ويأخذ روحه في الخفقة التي يخفق فيها، فيقع على حيز من فضل خلقه على خلق ميكائيل كفضل الطود العظيم» .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أنس رفعه في قوله: ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله...
﴾ قال: فكان ممن استثنى الله جبريل، وميكائيل، وملك الموت، فيقول الله- وهو أعلم: يا ملك الموت من بقي؟
فيقول بقي وجهك الكريم، وعبدك جبريل، وميكائيل، وملك الموت.
فيقول: توفَّ نفس ميكائيل.
ثم يقول- وهو أعلم- يا ملك الموت من بقي؟
فيقول بقي وجهك الكريم، وعبدك جبريل، وملك الموت.
فيقول، توف نفس جبريل.
ثم يقول- وهو أعلم- يا ملك الموت من بقي؟
فيقول: بقي وجهك الباقي الكريم، وعبدك ملك الموت وهو ميت.
فيقول: مت.
ثم ينادي أنا بدأت الخلق، وأنا أعيده فأين الجبارون المتكبرون؟
فلا يجيبه أحد.
ثم ينادي لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد، فيقول هو لله الواحد القهار ﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن جابر ﴿ فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ قال: استثنى موسى عليه السلام لأنه كان صعق قبل.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال: هم حملة العرش.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ما يبقى أحد إلا مات، وقد استثنى والله أعلم مثنياه.
وأخرج أحمد ومسلم عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين يوماً، أو أربعين عاماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين ليلة، فيبعث الله عيسى بن مريم عليه السلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه فيهلكه الله تعالى، ثم يلبث الناس بعده سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يبعث الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من الإِيمان إلا قبضته حتى لو كان أحدهم في كبد جبل لدخلت عليه.
يبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع.
لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: الا تستجيبون؟
فيأمرهم بالأوثان فيعبدوها وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم.
ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا صغى.
وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق.
ثم يرسل الله مطراً كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس ﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ ثم يقال: أيا أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿ وقفوهم إنهم مسئولون ﴾ [ الصافات: 24] ثم يقال: اخرجوا بعث النار فيقال: من كم؟
فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك ﴿ يوم يجعل الولدان شيباً ﴾ [ المزمل: 17] وذلك ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ [ القلم: 42] » .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين النفختين أربعون.
قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوماً؟
قال: أبيت قالوا: أربعون شهراً؟
قال: أبيت قالوا: أربعون عاماً؟
قال: أبيت ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإِنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة» .
وأخرج أبو داود في البعث وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينفخ في الصور والصور كهيئة القرن، فصعق من في السموات ومن في الأرض.
وبين النفختين أربعون عاماً، فيمطر الله في تلك الأربعين مطراً، فينبتون من الأرض كما ينبت البقل، ومن الإِنسان عظم لا تأكله الأرض.
عجب ذنبه ومنه يركب جسده يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي عاصم في السنة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب ينبت، ويرسل الله ماء الحياة فينبتون منه نبات الخضر، حتى إذا خرجت الأجساد، أرسل الله الأرواح فكان كل روح أسرع إلى صاحبه من الطرف، ثم ينفخ في الصور ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ » .
وأخرج ابن المبارك عن الحسن قال: بين النفختين أربعون سنة.
الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت.
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عمرو، «أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ﴿ الصور ﴾ فقال: قرن ينفخ فيه» .
وأخرج مسدد وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ﴿ الصور ﴾ كهيئة القرن، ينفخ فيه.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن حبان وابن خزيمة وابن المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر فينفخ؟
قال المسلمون: كيف نقول يا رسول الله؟
قال: قالوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [ آل عمران: 173] على الله توكلنا» .
وأخرج أبو الشيخ وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعداً ينظر العرش، مخافة أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وهو صاحب الصور يعني اسرافيل» .
وأخرج ابن ماجة والبزار وابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صاحبي الصور بايديهما قرنان يلاحظان النظر حتى يؤمران» .
وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صباح إلا وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان» .
وأخرج أحمد والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النافخان في السماء الثانية.
رأس أحدهما بالمشرق.
ورجلاه بالمغرب.
ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا» .
وأخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط بسند حسن عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة رضي الله عنها، وعندها كعب رضي الله عنه، فذكر اسرافيل عليه السلام فقالت عائشة: أخبرني عن إسرافيل عليه السلام؟
قال: له أربعة أجنحة.
جناحان في الهواء، وجناح قد تسرول به، وجناح على كاهله، والقلم على أذنه.
فإذا نزل الوحي كتب القلم، ودرست الملائكة، وملك الصور أسفل منه جاث على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى، فالتقم الصور، فحنى ظهره وطرفه إلى إسرافيل ضم جناحيه أن ينفخ في الصور.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي بكر الهذلي قال: إن ملك الصور الذي وكل به إحدى قدميه لفي الأرض السابعة، وهو جاث على ركبتيه، شاخص ببصره إلى إسرافيل عليه السلام، ما طرف.
منذ خلقه الله ينظر متى يشير إليه، فينفخ في الصور.
وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال: خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ الصور فتعلق به، ثم قال كن فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة، ونفس منفوسة، لا يخرج روحاً من ثقب واحد، وفي وسط الصور كوة كاستدارة السماء والأرض.
وإسرافيل عليه السلام واضع فمه على تلك الكوة.
ثم قال له الرب عز وجل: قد وكلتك بالصور فأنت للنفخة وللصيحة، فدخل إسرافيل في مقدمة العرش، فادخل رجله اليمنى تحت العرش، وقدَّم اليسرى ولم يطرف منذ خلقه الله تعالى لينظر ما يؤمر به.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أوس بن أوس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه نفخة الصور، وفيه الصعقة» .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كأني أنفض رأسي من التراب أول خارج، فالتفت فلا أرى أحداً إلا موسى متعلقاً بالعرش، فلا أدري أممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة فبعث قبلي؟» .
وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ فصعق ﴾ قال: مات ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال: جبريل، وإسرافيل، وملك الموت، ثم نفخ فيه أخرى، قال: في الصور.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمران الجوني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما بعث الله إلى صاحب الصور فأخذه، فأهوى بيده إلى فيه، فقدم رجلاً وأخر رجلاً حتى يؤمر فينفخ، فاتقوا النفخة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني ملك فقال: يا محمد اختر نبياً ملكاً أو نبياً عبداً قال: فأومأ إلى جبريل أن تواضع فقلت: نبياً عبداً، فأعطيت خصلتين.
ان جعلت أول من تنشق عنه الأرض.
وأول شافع، فارفع رأسي فاجد موسى آخذاً بالعرش فالله أعلم أصعق لهذه الصعقة الأولى، أم أفاق قبلي؟
﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم عن أبيه قال: كنت جالساً عند عكرمة فذكروا الذين يغرقون في البحر، فقال عكرمة: الحمد لله الذين يغرقون في البحار، فلا يبقى منهم شيء إلا العظام، فتقبلها الأمواج حتى تلقيها إلى البر، فتمكث العظام حيناً حتى تصير حائلة نخرة، فتمر بها الإِبل فتأكلها، ثم تسير الإِبل فتبعر، ثم يجيء بعدهم قوم فينزلون فيأخذون ذلك البعر، فيوقدونه في تلك النار، فتجيء ريح فتلقي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة قال الله: ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ فخرج أولئك وأهل القبور سواء.
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن العاصي قال: ينفخ في الصور النفخة الأولى من باب ايليا الشرقي.
أو قال الغربي.
والنفخة الثانية من باب آخر.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين النفختين أربعون يقول الحسن فلا ندري أربعين سنة أو أربعين شهرا أو أربعين ليلة» وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين النفختين أربعون قال أصحابه: فما سألناه عن ذلك وما زاد غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة قال: وذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له مطر الحياة حتى تطيب الأرض وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل ثم ينفخ النفخة الثانية فإذا هم قيام ينظرون» وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في قوله ونفخ في الصور «قال: الصور مع إسرافيل عليه السلام وفيه أرواح كل شيء يكون فيه ثم نفخ فيه نفخة الصعقة فإذا نفخ فيه نفخة البعث قال الله» بعزتي ليرجعن كل روح إلى جسده «قال: ودارة منها أعظم من سبع سموات ومن الأرض فحلق الصور على إسرافيل وهو شاخص ببصره إلى العرش حتى يؤمر بالنفخة فينفخ في الصور» وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله ونفخ في الصور «قال: الأولى من الدنيا والأخيرة من الآخرة» وأخرج عبد بن حميد وعلي بن سعيد في كتاب الطاعة والعصيان وأبو يعلى وأبو الحسن القطان في المطولات وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو موسى المديني كلاهما في المطولات وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وعنده طائفة من أصحابه: «إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى السماء فينظر متى يؤمر فينفخ فيه قلت: يا رسول الله وما الصور؟
قال: القرن قلت فكيف هو؟
قال: عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه لعرض السموات والأرض فينفخ فيه النفخة الأولى فيصعق من في السموات ومن في الأرض ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون لرب العالمين فيأمر الله إسرافيل عليه السلام في النفخة الأولى أن يمدها ويطولها فلا يفتر وهو الذي يقول الله ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق [ص 15] فيسير الله الجبال فتكون سرابا وترتج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة الموسقة في البحر تضربها الرياح تنكفأ بأهلها كالقناديل المعلقة بالعرش تميلها الرياح وهي التي يقول الله ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة ﴾ [النازعات 5- 8] فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع وتولي الناس به مدبرين ينادي بعضهم بعضا فبينما على ذلك إذ تصدعت الأرض كل صدع من قطر إلى قطر فرأوا أمرا عظيما لم يروا مثله وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل ثم انشقت وانتثرت نجومها وخسف شمسها وقمرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والأموات لا يعلمون شيئا من ذلك فقلت: يا رسول الله فمن استثنى الله حين يقول ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله؟
قال: أولئك الشهداء وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه وهو الذي يقول الله ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ [الحج 1] إلى قوله ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ [الحج 2] فينفخ الصور فيصعق أهل السمموات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خمود ثم يجيء ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات أهل السموات وأهل الأرض إلا من شئت فيقول- وهو أعلم- فمن بقي؟
فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقي حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وبقيت أنا فيقول الله: ليمت جبريل وميكائيل وإسرافيل وينطق الله العرش فيقول: يا رب تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل؟
فيقول الله له: اسكت فإني كتبت الموت على من كان تحت عرشي فيموتون ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل وإسرافيل فيقول الله عز وجل- وهو أعلم- فمن بقي؟
فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقي حملة عرشك وبقيت أنا فيقول الله له: ليمت حملة عرشي.
فيموتون ويأمر الله العرش فيقبض الصور ثم يأتي ملك الموت الرب عز وجل فيقول: يا رب مات حملة عرشك فيقول الله- وهو أعلم- فمن بقي؟
فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا فيقول الله له: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الصمد الذي لم يلد ولم يولد كان آخرا كما كان أولا طوى السموات والأرض كطي السجل للكتاب ثم قال بهما فلفهما ثم قال: أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار ثلاث مرات ثم هتف بصوته لمن الملك اليوم؟
لمن الملك اليوم؟
لمن الملك اليوم؟
فلا يجيبه أحد ثم يقول لنفسه: ﴿ لله الواحد القهار يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ﴾ [إبراهيم 48] فبسطها وسطحها ثم مدها مد الأديم العكاظي ﴿ لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ﴾ [طه 107] ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه المبدلة من كان في بطنها كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها ثم ينزل الله عليكم ماء من تحت العرش فيأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوما حتى يكون الماء فوقكم إثني عشر ذراعا ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت نبات؟
الطوانيت كنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسامهم وكانت كما كانت قال الله: ليحيى حملة العرش فيحيون ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه ثم يقول الله: ليحيى جبريل وميكائيل فيحييان ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بهن توهج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة فيقبضهن الله جميعا ثم يلقيها في الصور ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من تنشق الأرض عنه فتخرجون منها سراعا إلى ربكم تنسلون مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر حفاة عراة غلفا غرلا فبينما نحن وقوف إذ سمعنا حسا من السماء شديدا فينزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم ثم ينزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف إلى السموات السبع ثم ينزل الجبار ﴿ في ظلل من الغمام ﴾ [البقرة 210] والملائكة يحمل عرشه يومئذ ثمانية وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والأرضون والسموات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم لهم زجل بالتسبيح فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت فيضع عرشه حيث يشاء من الأرض ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم منذ يوم خلقكم إلى يومك هذا.
أسمع قولكم وأبصر أعمالكم فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم ثم يقول ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ﴾ [يس 60]إلى قوله ﴿ وامتازوا اليوم أيها المجرمون ﴾ [ يس 59] فيميز بين الناس وتجثو الأمم قال ﴿ وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها ﴾ [الجاثية 28] ويقفون موقفا واحدا مقدار سبعين عاما لا يقضى بينهم فيبكون حتى تنقطع الدموع ويدمعون دما ويعرقون عرقا إلى أن يبلغ ذلك منهم أن يلجمهم العرق وأن يبلغ الأذقان منهم فيصيحون ويقولون: من يشفع لنا إلى ربنا؟
فيقضي بيننا فيقولون: ومن أحق بذلك من أبيكم آدم عليه السلام فيطلبون ذلك إليه فيأبى ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ثم يستفزون الأنبياء نبيا نبيا كلما جاؤا نبيا أبى عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتوني فأنطلق حتى أتي فأخر ساجدا قال: أبو هريرة رضي الله عنه وربما قال قدام العرش حتى يبعث إلي ملكا فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي: يا محمد فأقول: نعم يا رب: ما شأنك؟- وهو أعلم- فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجع فأقف مع الناس فيقضي الله بين الخلائق فيكون أول من يقضى فيه في الدماء ويأتي كل من قتل في سبيل الله يحمل رأسه وتشخب أوداجه فيقولون: يا ربنا قتلنا فلان وفلان فيقول الله- وهو أعلم- أقتلتم؟
فيقولون: يا ربنا قتلنا لتكون العزة لك فيقول الله لهم: صدقتم فيجعل لوجوههم نورا مثل نور الشمس ثم توصلهم الملائكة إلى الجنة ويأتي من كان قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه فيقولون: يا ربنا قتلنا فلان وفلان فيقول: لم؟- وهو أعلم- فيقولون: لتكون العزة لك فيقول الله: تعستم ثم ما يبقى نفس قتلها إلا قتل بها ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها وكان في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء رحمه ثم يقضي الله بين من بقي من خلقه حتى لا يبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله تعالى للمظلوم من الظالم حتى إنه ليكلف يومئذ شائب اللبن للبيع الذي كان يشوب اللبن بالماء ثم يبيعه فيكلف أن يخلص اللبن من الماء فإذا فرغ الله من ذلك نادى نداء أسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى أحد عبد من دون الله شيئا إلا مثلت له آلهة بين يديه ويجعل يومئذ من الملائكة على صورة عزير ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى فيتبع هذا اليهود وهذا النصارى ثم يعود بهم آلهتهم إلى النار.
فهي التي قال الله ﴿ لوكان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ﴾ [الأنبياء 99] فإذا لم يبق إلا المؤمنون وفيهم المنافقون فيقال لهم: يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون.
فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره فيقال لهم: الثانية والثالثة فيقولون: مثل ذلك فيقول: أنا ربكم فهل بينكم وبين ربكم آية تعرفونه بها؟
فيقولون: نعم فيكشف عن ساق ويريهم الله ما شاء من الآية أن يريهم فيعرفون أنه ربهم فيخرون له سجدا لوجوههم ويخر كل منافق على قفاه يجعل الله أصلابهم كصياصي البقر ثم يأذن الله لهم فيرفعون رؤوسهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم كدقة الشعر وكحد السيف عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان دونه جسر دحض مزلة فيمرون كطرف العين وكلمح البرق وكمر الريح وكجياد الخيل وكجياد الركاب وكجياد الرجال فناج مسلم وناج مخدوش ومكدوش على وجهه في جهنم فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة فدخلوها فو الذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذ دخلوا الجنة فدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله في الجنة واثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما في الدنيا فيدخل على الأولى منهن في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجا من سندس واستبرق ثم إنه يضع يده بين كتفيها فينظر إلى يدها من صدرها ومن وراء ثيابها ولحمها وجلدها وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في الياقوتة كبدها له مرآة فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء لا يفتران ولا يألمان فبينما هو كذلك إذ نودي فيقال له: إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل وإن لك أزواجا غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت له: والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك ولا شيئا في الجنة أحب إلي منك قال وإذا وقع أهل النار في النار وقع فيها خلق من خلق الله أوبقتهم أعمالهم فمنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه النار في جسده كله إلا وجهه حرم الله صورهم على النار فينادون في النار فيقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يخرجنا من النار؟
فيقولون: ومن أحق بذلك من أبيكم آدم؟
فينطلق المؤمنون إلى آدم فيقولون: خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وكلمك فيذكر آدم ذنبه فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله فيأتون نوحا عليه السلام ويذكرون ذلك إليه فيذكر ذنبا فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بإبراهيم فإن الله اتخذه خليلا فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بموسى فإن الله قربه نجيا وكلمه وأنزل عليه التوراة.
فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى بن مريم عليه السلام فيؤتى عيسى بن مريم عليه السلام فيطلب ذلك إليه فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن فأنطلق حتى آتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فاستفتح فيفتح لي فأخر ساجدا فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد اشفع تشفع وسل تعطه فإذا رفعت رأسي قال لي- وهو أعلم- ما شأنك؟
فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني فأقول يا رب من وقع في النار من أمتي؟
فيقول الله: أخرجوا من عرفتم صورته فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد ثم يأذن الله بالشفاعة فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار من خير فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد وحتى لا يبقى في النار من عمل خيرا قط ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع حتى أن إبليس ليتطاول في النار لما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له ثم يقول الله: بقيت وأنا أرحم الراحمين فيقبض قبضة فيخرج منها ما لا يحصيه غيره فينبتهم على نهر يقال له نهر الحيوان فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل فما يلي الشمس أخضر وما يلي الظل أصفر فينبتون كالدر مكتوب في رقابهم: الجهنميون عتقاء الرحمن لم يعملوا لله خيرا قط يقول مع التوحيد فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم ثم يقولون: يا ربنا امح عنا هذا الكتاب فيمحوه عنهم» <div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ يعني صحائف الأعمال وإنما وحّدها لأنه أراد الجنس وقيل: هو اللوح المحفوظ ﴿ وَجِيءَ بالنبيين ﴾ ليشهدوا على قومهم ﴿ والشهدآء ﴾ يحتمل أن يكون جمع شاهد أو جمع شهيد في سبيل الله، والأول أرجح لأن فيه معنى الوعيد، ولأنه أليق بذكر الأنبياء الشاهدين، والمراد على هذا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم يشهدون على الناس وقيل: يعني الملائكة الحفظة ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُم ﴾ الضمير لجميع الخلق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.
الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.
وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه { } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.
وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.
وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.
تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.
وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.
وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.
والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.
وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.
ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.
أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.
وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.
وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.
وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.
وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.
وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.
وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.
قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.
ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.
واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.
ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.
ولا يخفى ما في الآية من التهديد.
ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.
ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.
وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.
وأقول: إنه أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله { هو الله الواحد القهار} فقوله { } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.
وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.
الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.
والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.
وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.
الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.
هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله أعلم بأسرار كلامه.
وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.
الثاني.
﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.
وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.
ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.
ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.
وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.
الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.
وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.
الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.
ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.
وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.
وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.
وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ وكقوله "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.
وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.
وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.
وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.
وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.
وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.
السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.
ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.
﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".
﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟
ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.
وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.
قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.
وهذا مما لا نزاع فيه.
أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.
ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.
ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.
وقد مر نظيره أيضاً.
وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.
وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.
ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.
قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.
ومنه ما روي أن النبي كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.
والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".
والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.
واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.
ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.
ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.
وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.
والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.
وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.
وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.
والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.
وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.
ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.
وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.
وقيل: المنادي هو رسول الله بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.
قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.
وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.
ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.
قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.
وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟
فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.
وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.
النوع الأوّل.
﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.
وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.
ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.
وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.
ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.
والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.
وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.
قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.
ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.
والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.
ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.
وقيل: هي الثناء الجميل.
وقيل: الظفر والغنيمة.
وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.
وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.
قال جار الله: عن النبي "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.
النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟
ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟
فأنزل الله هذه الآية.
وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.
وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.
ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.
وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.
وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.
قيل: المراد به أمته.
وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.
وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.
النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.
وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.
قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.
قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.
والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.
ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.
وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.
قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.
وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.
ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.
وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.
﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.
وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.
قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.
وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.
وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.
وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.
مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.
وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.
وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.
وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.
ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.
ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟
فمن حق إلى آخره.
وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟
قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.
ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.
أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.
قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.
وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.
والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.
وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.
وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.
قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.
وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.
وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.
وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.
ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.
والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.
ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.
وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.
ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.
وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.
وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.
وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.
قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.
قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.
ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.
وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.
وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.
قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.
ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.
ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ .
ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.
قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.
ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.
ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.
والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.
﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.
ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.
وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.
قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.
واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.
وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.
قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ .
هذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم على وجوه: أحدها: أن قولهم: إن شيئية الأشياء لم تزل كائنة؛ إذ من قولهم: إن المعدوم شيء، فإذا كان المعدوم شيئاً - على قولهم - كما شيئية الأشياء لم تزل كائنة.
ويقولون: إنه لم يكن من الله إلا إيجادها، فإذا كان ما ذكروا لم يكن هو خالق شيء به؛ فضلا عن أن يكون خالق كل شيء - على ما ذكر - ووصف نفسه بخلق كل شيء، فيكون كل شيء قولهم في التحقيق والتحصيل قول الدهرية والثنوية؛ لأن الدهرية يقولون بقدم الطينة، والهيولى، ونحوه، وينكرون كون الشيء من لا شيء.
وكذلك الثنوية يقولون بقدم النور والظلمة، ثم كون كل جنس من جنسه، وكون كل شيء من أصله.
فعلى ذلك قول المعتزلة: إن المعدوم شيء يرجع في التحقيق إلى ما ذكرنا من أقاويلهما.
ثم قوله: ﴿ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ ﴾ يخرج على ذكر الربوبية، والألوهية، والوصف له بالمدح؛ لما ذكرنا أن إضافة كلية الأشياء إلى الله - عز وجل - تخرج مخرج الوصف له بالتعظيم والإجلال له، وإضافة الأشياء المخصوصة إليه تخرج مخرج التعظيم للمضافة إليه.
وإذا كان ما ذكر ما كان قوله - عز وجل -: ﴿ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ ﴾ مخصصاً شيئاً دون شيء - على ما يقوله المعتزلة - لم يخرج مخرج الوصف له بالربوبية والألوهية، ولا خرج مخرج المدح له والتعظيم، ثم إنه لا شك أنه لو لم يكن خالقاً لأفعال الخلق لم يكن خالقاً من عشرةٍ ألفَ شيء، فدل أنه خالق الأشياء كلها للأفعال والأجسام والجواهر جميعاً.
فإن قيل: إنكم لا تقولون: خالق الأنجاس والأقذار والخنازير ونحوه، فإنما يرجع قوله - عز وجل -: ﴿ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ ﴾ إلى خصوص.
قيل: إنه لا يقال ولا يوصف بخلق هذه الأشياء على التقييد والتخصيص: يا خالق الأنجاس والأقذار وما ذكر؛ لأنه يخرج الوصف له بذلك مخرج الهجاء والذم، وكان في الجملة يوصف بذلك، ويدخل الأشياء كلها في ذلك؛ لما ذكرنا أن قوله - عز وجل -: ﴿ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ ﴾ يخرج مخرج الامتداح والتعظيم له، والوصف بالربوبية له والألوهية؛ ألا ترى أنه لا يقال - على التخصيص -: إنه وكيل؛ وإن كان في الجملة يقال - كما ذكرنا -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ ؛ لأنه في الجملة يخرج مخرج الربوبية له والألوهية، والوصف له بالمدح، وعلى التخصيص والإفراد، [يخرج] على الهجاء والذم؛ لذلك افترقا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
كأنه يقول: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
قيل: هي المفاتيح، وهي فارسية عربت.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: [ ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ ﴾ أي:] له مفاتيح: جميع البركات والخيرات على أهل السماوات والأرض، يخبر أن ذلك كله بيده، ليس بيد أحد سواه، منه يطلب ذلك، ومنه يستفاد، والله أعلم.
ثم لم يفهم مما أضيف إليه من المقاليد ما يفهم من مقاليد الخلق لو أضيف إليهم؛ فكيف فهم مما أضيف إليه: من مجيء، أو استواء، وغير ذلك ما فهم مما أضيف إلى الخلق، والله الموفق؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .
كأن الله - عز وجل - جعل هذه الدنيا وما فيها لأهلها، وبين أحوالهم، يتخيرون بها ويشترون بها الآخرة، ويتزودون لها؛ ولذلك قال - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ ﴾ فمن [لم] يتزود [لم] يجعلها بلغة إلى الآخرة سمى: خاسراً مغبوناً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ ﴾ .
دلت هذه الآية على أن سفه أولئك الكفرة قد بلغ غايته، وجاوز حده؛ حتى دعوا رسول الله إلى عبادة من دونه؛ بعد ما عرفوا فضيلة الرسالة والرسول وخصوصيته؛ حتى أنكروا الرسالة في البشر، وبعث البشر رسولا، فلولا ما وقع عندهم من الفضيلة للرسول، والخصوصية له؛ وإلا لم يحتمل أن ينكروا وضعها في البشر وبعث البشر رسولا، ثم قد أتاهم رسول الله من البيان والحجج ما قد قرر عندهم أنه الرسول إليهم، فمع ما تقرر عندهم ذلك دعوه إلى أن يعبد غير الله دونه، فيكون لهم، فهذا منهم تناقض في القول وسفه؛ حين صيروا المفضل والمخصوص بالرسالة في العبادة من دونه كغير المفضل والمخصوص بها - والله أعلم - ليعلم أنهم لسفههم وتعنتهم كانوا يدعونه إلى عبادة من دون الله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ ﴾ .
سماهم: جهلة بما أمروه ودعوه إلى عبادة غير الله، وكذلك قال موسى - - لقومه حين سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة؛ فقال: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ .
ثم يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ ﴾ وجوهاً: أحدها: أيها الجاهلون في التسوية بين المفضل والمخصوص وبين من لم يخص؛ فذلك في عبادة غير الله.
أو جاهلون عن هداية الله وخصوصيته.
أو جاهلون عن جميع نعمه وإحسانه، حيث لم يذكروه فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: كأنه يقول: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك - وقيل: لكل رسول - ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ ، ذكر هذا؛ ليعلم أن الشرك يحبط العمل، وإن أتى به من قد جل قدره، وعظمت منزلته عنده.
والثاني: ولقد أوحي إليك وإلى من كان قبلك: لئن أشركت أنت ليحبطن عملك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: كن من الشاكرين لنعم الله جميعاً.
أو الشاكرين للخصوصية التي خصصت بها أو الهداية التي هديت، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود وأبيّ - ما -: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له ملك السماوات والأرض.
قال الكسائي: ﴿ مَقَالِيدُ ﴾ : فارسية معربة، وواحد المقاليد: إقليد.
وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ قال: بلى، والله ليكفينه الله، وبعزه وبنصره كاف عبده، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً ﴾ ذكر أهل التأويل: أن اليهود أتوا رسول الله فقالوا له: إن ربك كذا وكذا، وإن السماوات على كذا منه، والأرض على كذا؛ ذكروه له ووصفوه كما يوصف الخلق؛ فنزل قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ قيل: ما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق عظمته.
ويذكر أهل الكلام: أن اليهود مشبهة، وكذلك قالوا بالولد؛ حيث قالوا: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله؛ فلو لم يكونوا عرفوه بما يعرف به الخلق، لم يكونوا يقولون له بالولد كما يقولون للخلق من الولد؛ فدل ما وصفوا له وذكروا له أنهم عرفوه بمعنى الخلق، فتعالى الله عما تقوله الملاحدة علوّاً كبيراً.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي: ما عرفوا الله حق معرفته.
أو ما عظموه حق عظمته ما يحتمل وسع الخلق، وكذلك لم يعرفوه حق معرفته التي يحتمله وسع البشر بينهم، فأما معرفة الله حق معرفته أو تعظيم الله حق عظمته ما لا يحتمله وسع الخلق، وهو لم يكلفهم أن يعرفوه حق معرفته أو يعظموه؛ لأنه لا يحتمل وسع الخلق ذلك وإنما كلفهم ما احتمله وسعهم؛ فالمشبهة - حيث وصفوه كما وصف الخلقُ من يعاينوه - لم يعرفوه المعرفة التي يحتمل وسع الخلق وبنيتهم، ولا عظموه العظمة التي يحتمل وسع الخلق وبنيتهم.
ثم إن الله - - جعل سبب معرفته الاستدلال بآثار الأفعال، لا بأفعال المحسوسات، فلا تفهم معرفته، ولا تقدر بمعرفة الخلق وتقديرهم مع ما جعل الله - وتعالى - الخلق على قسمين: قسم منها مما يحاط به وتدرك حقيقته، وهو المحسوس منه والمدرك.
وقسم مما يعرف بآثار الأفعال والاستدلال بها، وهو غير محسوس من العقل، والبصر، والسمع، والروح، وغير ذلك، فإذ لم يدرك من خلقه ولم يحط به مما سبيل الاستدلال [عليه] بآثار الأفعال بالحس، فالذي أنشأ ذلك وأبدعه أحق ألا يدرك ولا يحاط بمعرفته كما يحاط ويدرك المحسوس معرفته؛ إذ الموصل إلى معرفته الاستدلال بآثار الأفعال [لا] بالمحسوس، والله أعلم.
وكذلك ما أضاف إلى نفسه من الأحرف لا يفهم منه ما لو أضيف ذلك إلى الخلق؛ من نحو الاستواء، والمجيء، والإتيان، ونحو ذلك، ولا يقدر منه ما يقدر من الخلق على ما لم يفهم من مجيء الحق وإتيانه ما فهم من مجيء الخلق ولا إتيانهم؛ فعلى ذلك لا يفهم قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ما يفهم من قبضة الخلق وطيهم ويمينهم؛ بل يفهم من ذلك كله [ما يفهم] من قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ كل ما ذكر من القبضة والطي واليمين في ذلك ﴿ كُنْ ﴾ \[دون أن كان منه\] كاف أو نون أو شيء من ذلك، لكنه ذكر ﴿ كُنْ ﴾ ؛ لأنه أخف كلام على الألسن، وأوجز حرف يفهم منه المعنى ويعرف فيما بين الخلق، والله أعلم.
وأصله أن الله - عز وجل - خاطبهم بما تعارفوا فيما بينهم حقيقة، وإن كان ما تعارفوا فيما بينهم منفي عن الله - - نحو ما ذكر ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ لما باليد يقدم ويؤخر في الشاهد، وإن لم يكن ما ذكر عمل اليد، وذكر بين يدي ما ذكر، وإن لم يكن بين يديه؛ لما في الشاهد كذلك يتقدم؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من أحرف كانت تلك منفية عنه؛ لما في الشاهد بذلك يكون، والله أعلم.
وأصل ذلك أن قد بينت بالتنزيل على ما ذكر من إضافة تلك الأحرف إلى الله، وثبت بدليل السمع أن ليس كمثله شيء [و] في العقل تعاليه عن الأشباه والشركاء، لزم القول بوقوع تلك الآيات على ما لا تشابه به يقع بينه وبين الخلق في الفعل ولا جهة من جهات الخلق؛ إذ هو متعال عن جميع جهات الخلق في حد الإحداث والخلق، فيلزم الإيمان بها على ما نطق به الكتاب وانتهى به عن المتشابه، وتفويض المراد إلى من جاء عنه ذلك مع ما توجد الإضافة إلى الله - عز وجل - من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ ونحوه لا يحتمل فهم المضاف منه إلى غيره، فكذلك ما ذكرنا يحتمل على إمكان وجوه فيما ينفى معنى التشابه من ذلك ما يضمن فيها معاني، نحو قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ...
﴾ الآية [محمد: 7]، ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، والمرجع، و ﴿ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ ﴾ ، و ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ ، في غير ذلك مما أضيف إلى الله، ولا معنى لتحقيقه في ذلك، فيضمن في ذلك منُّه ووعده ووعيده وغير ذلك من الوجوه مما يطول ذكره ويكثر، فمثله أمر هذه الآيات.
والثاني: أن إضافة الأمور في الشاهد إلى الملوك وذكر التولي لهم ليس يخرج مخرج تحقيق كما هو جرى به الذكر، ولكن على الكناية والعبارة عن غيره؛ نحو ما قال: بلدة كذا في يد فلان وقبضته، وأمر كذا في [يد] فلان؛ إنما يراد بذلك قوته وقدرته؛ فعلى ذلك ما ذكر من قبضته ويده ويمينه إنما هو الوصف له بالقوة، والسلطان، والقدرة على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ يحتمل تنزيه نفسه عما وصفه المشبهة وشبهوه بالخلق، أو عما أشرك عبدة الأصنام بالله في العبادة، وتسميتهم إياها: آلهة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ هو على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول - عز وجل -: الأرض والسماوات جميعاً في قبضته مطويات بيمينه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وأضاءت الأرض لما تجلَّى رب العزة للفصل بين العباد.
ونُشِرت صحف أعمال الناس، وجيء بالأنبياء، وجيء بأمة محمد لتشهد للأنبياء على أقوامهم، وحكم الله بين جميعهم بالعدل وهم لا يُظْلمون في ذلك اليوم، فلا يزاد إنسان سيئة، ولا ينقص حسنة.
<div class="verse-tafsir" id="91.2840Q"