الآية ١٤١ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٤١ من سورة النساء

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤١ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤١ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء ، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم ، وظهور الكفر عليهم ، وذهاب ملتهم ( فإن كان لكم فتح من الله ) أي : نصر وتأييد وظفر وغنيمة ( قالوا ألم نكن معكم ) ؟

أي : يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة ( وإن كان للكافرين نصيب ) أي : إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان ، كما وقع يوم أحد ، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة ( قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ) ؟

أي : ساعدناكم في الباطن ، وما ألوناهم خبالا وتخذيلا حتى انتصرتم عليهم .

وقال السدي : ( نستحوذ عليكم ) نغلب عليكم ، كقوله : ( استحوذ عليهم الشيطان ) [ المجادلة : 19 ] وهذا أيضا تودد منهم إليهم ، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء ; ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم ، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم ، وقلة إيقانهم .

قال الله تعالى : ( فالله يحكم بينكم يوم القيامة ) أي : بما يعلمه منكم - أيها المنافقون - من البواطن الرديئة ، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرا في الحياة الدنيا ، لما له [ تعالى ] في ذلك من الحكمة ، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم ، بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويحصل ما في الصدور .

وقوله : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) قال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري ، عن الأعمش ، عن ذر ، عن يسيع الكندي قال : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ، فقال : كيف هذه الآية : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ؟

فقال علي ، رضي الله عنه : ادنه ادنه ، ثم قال : ( فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) وكذا روى ابن جريج عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) قال : ذاك يوم القيامة .

وكذا روى السدي عن أبي مالك الأشجعي : يعني يوم القيامة .

وقال السدي : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) أي : حجة .

ويحتمل أن يكون المراد : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) أي : في الدنيا ، بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية ، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس ، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا [ ويوم يقوم الأشهاد .

يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ] ) [ غافر : 51 ، 52 ] .

وعلى هذا فيكون ردا على المنافقين فيما أملوه وتربصوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين ، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين ، خوفا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم ، كما قال تعالى : ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم [ يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ] نادمين ) [ المائدة : 52 ] .

وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية الكريمة على أصح قولي العلماء ، وهو المنع من بيع العبد المسلم من الكافر لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال ، ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال ; لقوله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا (141) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " الذين يتربصون بكم "، الذين ينتظرون، أيها المؤمنون، (1) بكم=" فإن كان لكم فتح من الله "، يعني: فإن فتح الله &; 9-324 &; عليكم فتحًا من عدوكم، فأفاء عليكم فَيْئًا من المغانم=" قالوا " لكم=" ألم نكن معكمْ"، نجاهد عدوّكم ونغزوهم معكم، فأعطونا نصيبًا من الغنيمة، فإنا قد شهدنا القتال معكم=" وإن كان للكافرين نصيب "، يعني: وإن كان لأعدائكم من الكافرين حظّ منكم، بإصابتهم منكم (2) =" قالوا "، (3) يعني: قال هؤلاء المنافقون للكافرين=" ألم نستحوذ عليكم "، ألم نغلب عليكم حتى قهرتم المؤمنين=" ونمنعكم " منهم، بتخذيلنا إياهم، حتى امتنعوا منكم فانصرفوا=" فالله يحكم بينكم يوم القيامة "، يعني: فالله يحكم بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة، فيفصل بينكم بالقضاء الفاصل، (4) بإدخال أهل الإيمان جنّته، وأهل النفاق مع أوليائهم من الكفار ناره=" ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "، يعني: حجة يوم القيامة.

(5) وذلك وعدٌ من الله المؤمنين أنه لن يدخل المنافقين مدخلَهم من الجنة، ولا المؤمنين مدخَل المنافقين، فيكون بذلك للكافرين على المؤمنين حجة بأن يقولوا لهم، إن أدخلوا مدخلهم: ها أنتم كنتم في الدنيا أعداءَنا، وكان المنافقون أولياءنا، وقد اجتمعتم في النار، فجمع بينكم وبين أوليائنا!

فأين الذين كنتم تزعمون أنكم تقاتلوننا من أجله في الدنيا؟

فذلك هو " السبيل " الذي وعد الله المؤمنين أن لا يجعلها عليهم للكافرين.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 10711- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " فإن كان لكم فتح من الله ".

قال: المنافقون يتربَّصون بالمسلمين=" فإن كان لكم فتح "، قال: إن أصاب المسلمون من عدوهم غنيمة &; 9-325 &; قال المنافقون: " ألم نكن معكم "، قد كنا معكم فأعطونا غنيمة مثل ما تأخذون=" وإن كان للكافرين نصيب "، يصيبونه من المسلمين، قال المنافقون للكافرين: " ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين "، قد كنا نثبِّطهم عنكم.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " ألم نستحوذ عليكم ".

فقال بعضهم: معناه: ألم نغلب عليكم.

*ذكر من قال ذلك: 10712- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " ألم نستحوذ عليكم "، قال: نغلب عليكم.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ألم نبيِّن لكم أنّا معكم على ما أنتم عليه.

*ذكر من قال ذلك: 10713- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ألم نستحوذ عليكم "، ألم نبين لكم أنّا معكم على ما أنتم عليه.

* * * قال أبو جعفر: وهذان القولان متقاربا المعنى.

وذلك أن من تأوله بمعنى: " ألم نبين لكم "، إنما أراد - إن شاء الله-: ألم نغلب عليكم بما كان منا من البيان لكم أنا معكم.

* * * وأصل " الاستحواذ " في كلام العرب، فيما بلغنا، الغلبة، ومنه قول الله جل ثناؤه: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ، [سورة المجادلة: 19] ، بمعنى: غلب عليهم.

يقال منه: " حاذ عليه واستحاذ، يحيذ ويستحيذ، وأحاذ (6) يحيذ ".

ومن لغة من قال: " حاذ "، قول العجاج في صفة ثور وكلب: يَحُوذُهُنَّ وَلَهُ حُوذِيّ (7) وقد أنشد بعضهم: يَحُوزُهُنَّ وَلَهُ حُوزِيُّ (8) وهما متقاربا المعنى.

ومن لغة من قال " أحاذ "، قول لبيد في صفة عَيْرٍ وأتُنٍ: (9) إذَا اجْـــتَمَعَتْ وَأَحْــوَذَ جَانِبَيْهَــا وَأَوْرَدَهــا عَــلَى عُــوجٍ طِـوَالِ (10) يعني بقوله: " وأحوذ جانبيها "، غلبها وقهرَها حتى حاذ كلا جانبيها، فلم يشذّ منها شيء.

وكان القياس في قوله: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ أن يأتي: " استحاذ عليهم "، لأن " الواو " إذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن، جعلت العرب حركتها في" فاء " الفعل قبلها، وحوَّلوها " ألفًا "، متبعة حركة ما قبلها، كقولهم: " استحال هذا الشيء عما كان عليه "، من " حال يحول "= و " استنار فلان بنور الله "، من " النور "= و " استعاذ بالله " من " عاذ يعوذ ".

وربما تركوا ذلك على أصله كما قال لبيد: " وأحوذ "، ولم يقل " وأحاذ "، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ .

* * * وأما قوله: " فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "، فلا خلاف بينهم في أن معناه: ولن يجعل الله للكافرين يومئذ على المؤمنين سبيلا.

ذكر الخبر عمن قال ذلك: 10714- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن ذَرّ، عن يُسَيْع الحضرمي قال: كنت عند علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أرأيت قول الله: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "، وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟

قال له عليّ: ادْنُه، ادْنُهْ!

ثم قال: " فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " ، يوم القيامة.

10715- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن ذَرّ، عن يسيع الكندي في قوله: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: كيف هذه الآية: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "؟

فقال علي: ادْنُهْ،" فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله "، يوم القيامة،" للكافرين على المؤمنين سبيلا ".

10716- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن ذر، عن يُسيع الحضرمي، عن علي بنحوه.

10717- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا غندر، عن شعبة قال: سمعت سليمان يحدّث، عن ذر، عن رجل، عن عليّ رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "، قال: في الآخرة.

(11) 10718- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "، يوم القيامة.

* * * 10719- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "، قال: ذاك يوم القيامة.

وأما " السبيل "، في هذا الموضع، فالحجة، (12) كما:- 10720- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "، قال: حجةً.

-------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"التربص" فيما سلف 4 : 456 ، 515 / 5 : 79.

(2) انظر تفسير"نصيب" فيما سلف ص 212 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(3) في المطبوعة وحدها: "وقالوا ألم نكن معكم" ، وهو سهو من الناشر الأول.

(4) انظر تفسير"الحكم" فيما سلف ص: 175.

(5) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.

(6) قوله: "أحاذ يحيذ" ، لم أجده في معاجم اللغة ، وهو صحيح في العربية ، وقالوا مكانه: "أحوذ ثوبه" إذا ضمه ، وجاءوا ببيت لبيد الآتي شاهدا عليه.

وانظر ما سيأتي بعد بيت لبيد.

(7) ديوانه: 71 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 141 ، واللسان (حوذ) (حوز) ، ورواية الديوان: يَحُوذُهــا وَهْــوَ لَهَــا حُــوذِيُّ خَــوْفَ الخِــلاطِ فَهْــوَ أَجْـنَبِيُّ كَمَـــا يَحُــوذُ الفِئَــةَ الكَــمِيُّ وفسروا"يحوذها": يسوقها سوقًا شديدًا ، ومثله"يحوزها" في الرواية الآتية.

(8) انظر اللسان (حوذ) و(حوز).

(9) "العير" حمار الوحش ، و"الأتن" جمع"أتان" ، وهي أنثاه.

(10) ديوانه: القصيدة: 17 ، البيت: 39 ، واللسان (حوذ) ، وقوله: "إذا اجتمعت" يعني إناث حمار الوحش حين دعاها إلى الماء ، فضمها من جانبيها ، يأتيها من هذا الجانب مرة ، ومن هذا مرة حتى غلبها ولم شتاتها ، و"العوج الطوال" قوائمه ، وبعد البيت: رَفَعْــنَ سُــرَادِقًا فـي يَـوْمِ رِيـحٍ يُصَفَّــقُ بيــن مَيْــلٍ واعْتِــدالِ يعني غبارها ، ارتفع كأنه سرادق تصفقه الريح وتميله مرة هكذا ومرة هكذا ، فهو يميل ويعتدل.

(11) الآثار: 10714 - 10717-"ذر" (بفتح الذال) هو: "ذر بن عبد الله المرهبي" ثقة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

مضى برقم: 2918.

و"يسيع بن معدان الحضرمي ، والكندي" ، تابعي ثقة.

مضى برقم: 2918.

وكان في المطبوعة هنا: "نسيع" بالنون ، وهو خطأ صرف.

(12) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف قريبًا ص: 324 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الذين يتربصون بكم يعني المنافقين ، أي ينتظرون بكم الدوائر .

[ ص: 358 ] فإن كان لكم فتح من الله أي غلبة على اليهود وغنيمة .

قالوا ألم نكن معكم أي أعطونا من الغنيمة .

وإن كان للكافرين نصيب أي ظفر .

قالوا ألم نستحوذ عليكم أي ألم نغلب عليكم حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم .

يقال : استحوذ على كذا أي غلب عليه ؛ ومنه قوله تعالى : استحوذ عليهم الشيطان .

وقيل : أصل الاستحواذ الحوط ؛ حاذه يحوذه حوذا إذا حاطه .

وهذا الفعل جاء على الأصل ، ولو أعل لكان ألم نستحذ ، والفعل على الإعلال استحاذ يستحيذ ، وعلى غير الإعلال استحوذ يستحوذ .

ونمنعكم من المؤمنين أي بتخذيلنا إياهم عنكم ، وتفريقنا إياهم مما يريدونه منكم .

والآية تدل على أن المنافقين كانوا يخرجون في الغزوات مع المسلمين ولهذا قالوا : ألم نكن معكم ؟

وتدل على أنهم كانوا لا يعطونهم الغنيمة ولهذا طلبوها وقالوا : ألم نكن معكم !

ويحتمل أن يريدوا بقولهم ألم نكن معكم الامتنان على المسلمين .

أي كنا نعلمكم بأخبارهم وكنا أنصارا لكم .قوله تعالى : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلافيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا للعلماء فيه تأويلات خمس :أحدها : ما روي عن يسيع الحضرمي قال : كنت عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له رجل يا أمير المؤمنين ، أرأيت قول الله : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا كيف ذلك ، وهم يقاتلوننا ويظهرون علينا أحيانا !

فقال علي رضي الله عنه : معنى ذلك يوم القيامة يوم الحكم .

وكذا قال ابن عباس : ذاك يوم القيامة .

قال ابن عطية : وبهذا قال جميع أهل التأويل .

قال ابن العربي : وهذا ضعيف : لعدم فائدة الخبر فيه ، وإن أوهم صدر الكلام معناه ؛ لقوله تعالى : فالله يحكم بينكم يوم القيامة فأخر الحكم إلى يوم القيامة .

وجعل الأمر في الدنيا دولا تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى ؛ بما رأى من الحكمة وسبق من الكلمة .

ثم قال : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا فتوهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله ، وذلك يسقط فائدته ، إذ يكون تكرارا .الثاني : إن الله لا يجعل لهم سبيلا يمحو به دولة المؤمنين ، ويذهب آثارهم ويستبيح بيضتهم ؛ كما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وإني سألت ربي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم [ ص: 359 ] فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا .الثالث : إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر ويتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو من قبلهم ؛ كما قال تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم .

قال ابن العربي : وهذا نفيس جدا .قلت : ويدل عليه قوله عليه السلام في حديث ثوبان حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا وذلك أن " حتى " غاية ؛ فيقتضي ظاهر الكلام أنه لا يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض ، وسبي بعضهم لبعض ، وقد وجد ذلك في هذه الأزمان بالفتن الواقعة بين المسلمين ؛ فغلظت شوكة الكافرين واستولوا على بلاد المسلمين حتى لم يبق من الإسلام إلا أقله ؛ فنسأل الله أن يتداركنا بعفوه ونصره ولطفه .الرابع : إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعا ؛ فإن وجد فبخلاف الشرع .الخامس : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا أي حجة عقلية ولا شرعية يستظهرون بها إلا أبطلها ودحضت .الثانية : ابن العربي : ونزع علماؤنا بهذه الآية في الاحتجاج على أن الكافر لا يملك العبد المسلم .

وبه قال أشهب والشافعي : لأن الله سبحانه نفى السبيل للكافر عليه ، والملك بالشراء سبيل ، فلا يشرع له ولا ينعقد العقد بذلك .

وقال ابن القاسم عن مالك ، وهو قول أبي حنيفة : إن معنى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا في دوام الملك ؛ لأنا نجد الابتداء يكون له عليه وذلك بالإرث .

وصورته أن يسلم عبد كافر في يد كافر فيلزم القضاء عليه ببيعه ، فقبل الحكم عليه ببيعه مات ، فيرث العبد المسلم وارث الكافر .

فهذه سبيل قد ثبت قهرا لا قصد فيه ، وإن ملك الشراء ثبت بقصد النية ، فقد أراد الكافر تملكه باختياره ، فإن حكم بعقد بيعه وثبوت ملكه فقد حقق فيه قصده ، وجعل له سبيل عليه .

قال أبو عمر : وقد أجمع المسلمون على أن عتق النصراني أو اليهودي لعبده المسلم صحيح نافذ عليه .

وأجمعوا أنه إذا أسلم عبد الكافر فبيع عليه أن ثمنه يدفع إليه .

فدل على أنه على ملكه بيع وعلى ملكه ثبت العتق له ، إلا أنه ملك غير مستقر لوجوب بيعه عليه ؛ وذلك والله أعلم لقول الله عز وجل : [ ص: 360 ] ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يريد الاسترقاق والملك والعبودية ملكا مستقرا دائما .واختلف العلماء في شراء العبد الكافر العبد المسلم على قولين : أحدهما : البيع مفسوخ .

والثاني : البيع صحيح ويباع على المشتري .الثالثة : واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في رجل نصراني دبر عبدا له نصرانيا فأسلم العبد ؛ فقال مالك والشافعي في أحد قوليه : يحال بينه وبين العبد ، ويخارج على سيده النصراني ، ولا يباع عليه حتى يتبين أمره .

فإن هلك النصراني وعليه دين قضي دينه من ثمن العبد المدبر ، إلا أن يكون في ماله ما يحمل المدبر فيعتق المدبر .

وقال الشافعي في القول الآخر : إنه يباع عليه ساعة أسلم ؛ واختاره المزني ؛ لأن المدبر وصية ولا يجوز ترك مسلم في ملك مشرك يذله ويخارجه ، وقد صار بالإسلام عدوا له .

وقال الليث بن سعد : يباع النصراني من مسلم فيعتقه ، ويكون ولاؤه للذي اشتراه وأعتقه ، ويدفع إلى النصراني ثمنه .

وقالسفيان والكوفيون : إذا أسلم مدبر النصراني قوم قيمته فيسعى في قيمته ، فإن مات النصراني قبل أن يفرغ المدبر من سعايته عتق العبد وبطلت السعاية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر تحقيق موالاة المنافقين للكافرين ومعاداتهم للمؤمنين فقال: { الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } أي: ينتظرون الحالة التي تصيرون عليها، وتنتهون إليها من خير أو شر، قد أعدوا لكل حالة جوابا بحسب نفاقهم.

{ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } فيظهرون أنهم مع المؤمنين ظاهرا وباطنا ليسلموا من القدح والطعن عليهم، وليشركوهم في الغنيمة والفيء ولينتصروا بهم.

{ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } ولم يقل فتح؛ لأنه لا يحصل لهم فتح، يكون مبدأ لنصرتهم المستمرة، بل غاية ما يكون أن يكون لهم نصيب غير مستقر، حكمة من الله.

فإذا كان ذلك { قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } أي: نستولي عليكم { وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: يتصنعون عندهم بكف أيديهم عنهم مع القدرة، ومنعهم من المؤمنين بجميع وجوه المنع في تفنيدهم وتزهيدهم في القتال، ومظاهرة الأعداء عليهم، وغير ذلك مما هو معروف منهم.

{ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فيجازي المؤمنين ظاهرا وباطنا بالجنة، ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات.

{ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } أي: تسلطا واستيلاء عليهم، بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ولا يزال الله يحدث من أسباب النصر للمؤمنين، ودفعٍ لتسلط الكافرين، ما هو مشهود بالعيان.

حتى إن [بعض] المسلمين الذين تحكمهم الطوائف الكافرة، قد بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم ولا يكونون مستصغرين عندهم، بل لهم العز التام من الله، فله الحمد أوّلًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين يتربصون بكم ) [ ينتظرون بكم الدوائر ] ، يعني : المنافقين ، ( فإن كان لكم فتح من الله ) يعني : ظفر وغنيمة ، ( قالوا ) لكم ( ألم نكن معكم ) على دينكم في الجهاد ، كنا معكم فاجعلوا لنا نصيبا من الغنيمة ، ( وإن كان للكافرين نصيب ) يعني دولة وظهور على المسلمين ، ( قالوا ) يعني : المنافقين للكافرين ، ( ألم نستحوذ عليكم ) والاستحواذ : هو الاستيلاء والغلبة ، قال تعالى : " استحوذ عليهم الشيطان " ( المجادلة - 19 ) أي : استولى وغلب ، يقول : ألم نخبركم بعورة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونطلعكم على سرهم؟

قال المبرد : يقول المنافقون للكفار ألم نغلبكم على رأيكم ( ونمنعكم ) ونصرفكم ، ( من المؤمنين ) أي : عن الدخول في جملتهم ، وقيل : معناه ألم نستول عليكم بالنصرة لكم ونمنعكم من المؤمنين؟

أي : ندفع عنكم صولة المؤمنين بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إياكم بأخبارهم وأمورهم ، ومراد المنافقين بهذا الكلام إظهار المنة على الكافرين .

( فالله يحكم بينكم يوم القيامة ) يعني : بين أهل الإيمان وأهل النفاق ، ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) قال علي : في الآخرة ، وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم : أي حجة ، وقيل : ظهورا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين» بدل من الذين قبله «يتربصون» ينتظرون «بكم» الدوائر «فإن كان لكم فتح» ظفر وغنيمة «من الله قالوا» لكم «ألم نكن معكم» في الدين والجهاد فأعطونا من الغنيمة «وإن كان للكافرين نصيب» من الظفر عليكم «قالوا» لهم «ألم نستحوذ» نستول «عليكم» ونقدر على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم «و» ألم «نمنعكم من المؤمنين» أن يظفروا بكم بتخذيلهم ومراسلتكم بأخبارهم فلنا عليكم المنة قال تعالى: «فالله يحكم بينكم» وبينهم «يوم القيامة» بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار «ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا» طريقا بالإستئصال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

المنافقون هم الذين ينتظرون ما يحلُّ بكم -أيها المؤمنون- من الفتن والحرب، فإن منَّ الله عليكم بفضله، ونصركم على عدوكم وغنمتم، قالوا لكم: ألم نكن معكم نؤازركم؟

وإن كان للجاحدين لهذا الدين قَدْرٌ من النصر والغنيمة، قالوا لهم: ألم نساعدكم بما قدَّمناه لكم ونَحْمِكُم من المؤمنين؟

فالله تعالى يقضي بينكم وبينهم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين طريقًا للغلبة على عباده الصالحين، فالعاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله قالوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين ) .وقوله : ( يَتَرَبَّصُونَ ) من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث .

يقال : تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة .وقوله : ( نَسْتَحْوِذْ ) من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء ، يقال : استحوذ فلان على فلان أى : غلب عليه وتمكن منه .

ومنه قوله - تعالى - ( استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ الله ) والمعنى : إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم .

أى : ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحث لكم من خير أو شر ، أو من نصر أو هزيمة ( فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله ) أى : من نصر وظفر على أعدائكم ( قالوا ) على سبيل التقرب إليكم ( أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ) فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه .

( وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ ) أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - ( قالوا ) لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم ( أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين ) أى : ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك ، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسب تخذيلنا لهم ، وجسسنا على أحوالهم .وإخباركم بما يهمكم من شئونهم .

وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم .فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت .وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح ، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب ، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين .

ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم .قال صاحب الانتصاف : وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن ، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه : استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها .

وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا .

فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله ( أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ) وفى قوله ( أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ) للتقرير أى : لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال : ( فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين سَبِيلاً ) .والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر .

أى : إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا ، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل ، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه ، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه ، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل ، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غايتكم الشريفة ، ومقاصدكم السليمة .فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة .ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة .وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - ( وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين سَبِيلاً ) .

أى : يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره .ويحتمل أن يكون المعنى : ( وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين سَبِيلاً ) أى : فى الدنيا ، بأن سلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية ، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة ، كما قال - تعالى - ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ) والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم .وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين ، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص .

حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون توجيهاته .

ويذعنون لأحكامه ، ويطبقون أوامره ونواهيه .وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعد الذى لا يتخلف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ إما بدل من الذين يتخذون، وإما صفة للمنافقين، وإما نصب على الذم، وقوله: ﴿ يَتَرَبَّصُونَ ﴾ أي ينتظرون ما يحدث من خير أو شر، فإن كان لكم فتح أي ظهور على اليهود قالوا للمؤمنين ألم نكن معكم، أي فأعطونا قسماً من الغنيمة، وإن كان للكافرين يعني اليهود نصيب، أي ظفر على المسلمين قالوا ألم نستحوذ عليكم، يقال: استحوذ على فلان، أي غلب عليه وفي تفسير هذه الآية وجهان: الأول: أن يكون بمعنى ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ونمنعكم من المسلمين بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا لنا نصيباً مما أصبتم.

الثاني: أن يكون المعنى أن أولئك الكفار واليهود كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام، ثم إن المنافقين حذروهم عن ذلك وبالغوا في تنفيرهم عنه وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد وسيقوى أمركم، فإذا اتفقت لهم صولة على المسلمين قال المنافقون: ألسنا غلبنانكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم بأنه سيضعف أمره ويقوى أمركم، فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.

والحاصل أن المنافقين يمنون على الكافرين بأنا نحن الذين أرشدناكم إلى هذه المصالح، فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.

فإن قيل: لم سمي ظفر المسلمين فتحاً وظفر الكفار نصيباً؟

قلنا: تعظيماً لشأن المؤمنين واحتقاراً لحظ الكافرين، لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى تنزل الملائكة بالفتح على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في الدنيا والعقوبة في العاقبة.

ثم قال تعالى: ﴿ فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ أي بين المؤمنين والمنافقين: والمعنى أنه تعالى ما وضع السيف في الدنيا عن المنافقين، بل آخر عقابهم إلى يوم القيامة.

ثم قال: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً ﴾ وفيه قولان: الأول: وهو قول علي عليه السلام وابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد به في القيامة بدليل أنه عطف على قوله: ﴿ فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ الثاني: أن المراد به في الدنيا ولكنه مخصوص بالحجة، والمعنى أن حجة المسلمين غالبة على حجة الكل، وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة والدليل الثالث: هو أنه عام في الكل إلا ما خصه الدليل، وللشافعي رحمه الله مسائل: منها أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه بدار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية، ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً بدلالة هذه الآية، ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمي بدلالة هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ﴾ هي أن المخففة من الثقيلة.

والمعنى أنه إذا سمعتم، أي نزل عليكم أنّ الشأن كذا والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها، و(أن) مع ما في حيزها في موضع الرفع ب (نَزَّل)، أو في موضع النصب ب (ننزّل)، فيمن قرأ به.

والمنزل عليهم في الكتاب: هو ما نزل عليهم بمكة من قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ [الأنعام: 68] وذلك أن المشركين كانوا يخضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤون به، فنهى المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.

وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة.

وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم إنكم إذاً مثل الأحبار في الكفر ﴿ إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين ﴾ يعني القاعدون والمقعود معهم.

فإن قلت: الضمير في قوله: ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ ﴾ إلى من يرجع؟

قلت: إلى من دل عليه ﴿ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ﴾ كأنه قيل: فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين بها.

فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض؟

قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين.

والراضي بالكفر كافر.

فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين؟

قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم، فكان ترك الإنكار لرضاهم ﴿ الذين يَتَرَبَّصُونَ ﴾ إما بدل من الذين يتخذون وإما صفة للمنافقين أو نصب على الذم منهم ﴿ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ أي ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم ﴿ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم.

وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبكم ومرضوا في قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهاتوا نصيباً لنا بما أصبتم.

وقرئ ﴿ ونمنعكم ﴾ بالنصب إضمار أن، قال الحطيئة: أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونَ بَيْنِي ** وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ وَالإِخَاءُ فإن قلت: لم سمى ظفر المسلمين فتحاً، وظفر الكافرين نصيباً؟

قلت: تعظيماً لشأن المسلمين وتخسيساً لحظ الكافرين؛ لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه، وأمّا ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ دنيّ ولمظة من الدنيا يصيبونها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ يَنْتَظِرُونَ وُقُوعَ أمْرٍ بِكُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ، أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ والكافِرِينَ أوْ ذَمٌّ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.

﴿ فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ مُظاهِرِينَ لَكم فَأسْهِمُوا لَنا مِمّا غَنِمْتُمْ.

﴿ وَإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ ﴾ مِنَ الحَرْبِ فَإنَّها سِجالٌ ﴿ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ قالُوا لِلْكَفَرَةِ: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم فَأبْقَيْنا عَلَيْكُمْ، والِاسْتِحْواذُ الِاسْتِيلاءُ وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ اسْتَحاذَ يَسْتَحِيذُ اسْتِحاذَةً فَجاءَتْ عَلى الأصْلِ.

﴿ وَنَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ بِأنْ خَذَلْناهم بِتَخْيِيلِ ما ضَعُفَتْ بِهِ قُلُوبُهم وتَوانِينا في مُظاهَرَتِهِمْ فَأشْرِكُونا فِيما أصَبْتُمْ، وإنَّما سُمِّيَ ظَفَرُ المُسْلِمِينَ فَتْحًا وظَفَرُ الكافِرِينَ نَصِيبًا لِخِسَّةِ حَظِّهِمْ، فَإنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ سَرِيعِ الزَّوالِ.

﴿ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ حِينَئِذٍ أوْ في الدُّنْيا والمُرادُ بِالسَّبِيلِ الحُجَّةُ، واحْتَجَّ بِهِ أصْحابُنا عَلى فَسادِ شِراءِ الكافِرِ المُسْلِمَ.

والحَنَفِيَّةُ عَلى حُصُولِ البَيْنُونَةِ بِنَفْسِ الِارْتِدادِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ إذا عادَ إلى الإيمانِ قَبْلَ مُضِيِّ العِدَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين} بدل من الذين يتخذون أو صفة للمنافقين أو نصب على الذم منهم {يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله} نصرة وغنيمة {قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ معكم} مظاهرين

النساء (١٤١ _ ١٤٤)

فأشركونا في الغنيمة {وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ} سمى ظفر المسلمين فتحا لشأنهم لأنه أمر عظيم تفتح له أبواب السماء وظفر

الكافرين نصيباً تخسيساً لحظهم لأنه لمظة من الدنيا يصيبونها {قَالُواْ} للكافرين {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم والاستحواذ الاستيلاء والغلبة {وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين} بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت قلوبهم به ومرضوا عن قتالكم وتوانينا ف مظاهرتهم عليكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم {فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أيها المؤمنون والمنافقون {يَوْمَ القيامة} فيدخل المنافقين النار والمؤمنين الجنة {وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً} أي في القيامة بدليل أول الآية كذا عن على رضى الله عنه أو حجة كذا عن ابن عباس رضى الله عنهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ بِلا خِلافٍ، والمَوْصُولُ إمّا بَدَلٌ مِنَ ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ﴾ أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ، إذْ هُمُ المُتَرَبِّصُونَ دُونَ الكافِرِينَ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ كَوْنَهُ صِفَةً لَهُما، أوْ مَرْفُوعًا أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لا يَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ، والظّاهِرُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ مَفْعُولَهُ مُقَدَّرٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أيْ: يَنْتَظِرُونَ وُقُوعَ أمْرٍ بِكُمْ، وكَلامُ الرّاغِبِ يَقْتَضِي أنَّهُ يَتَعَدّى بِالباءِ؛ لِأنَّهُ مِنِ (انْتَظَرَ بِالسِّلْعَةِ غَلاءَ السِّعْرِ).

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِهِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ حِكايَةَ تَرَبُّصِهِمْ مُسْتَتْبِعَةٌ لِحِكايَةِ ما يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ: فَإنِ اتَّفَقَ لَكم فَتْحٌ وظَفَرٌ عَلى الأعْداءِ ﴿ قالُوا ﴾ أيْ: لَكم ﴿ ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ نُجاهِدُ عَدُوَّكم فَأعْطُونا نَصِيبًا مِنَ الغَنِيمَةِ ﴿ وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ ﴾ أيْ: حَظٌّ مِنَ الحَرْبِ، فَإنَّها سِجالٌ ﴿ قالُوا ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ لِلْكُفّارِ ﴿ ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم فَأبْقَيْنا عَلَيْكُمْ، أوْ: ألَمْ نَغْلِبْكم بِالتَّفَضُّلِ ونُطْلِعْكم عَلى أسْرارِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ، ونَكْتُبْ إلَيْكم بِأخْبارِهِمْ حَتّى غَلَبْتُمْ عَلَيْهِمْ ﴿ ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: نَدْفَعْ عَنْكم صَوْلَةَ المُؤْمِنِينَ بِتَخْذِيلِنا إيّاهُمْ، وتَثْبِيطِنا لَهُمْ، وتَوانِينا في مُظاهَرَتِهِمْ، وإلْقائِنا عَلَيْهِمْ ما ضَعُفَتْ بِهِ قُلُوبُهم عَنْ قِتالِكُمْ، فاعْرِفُوا لَنا هَذا الحَقَّ عَلَيْكُمْ، وهاتُوا نَصِيبَنا مِمّا أصَبْتُمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ألَمْ نَغْلِبْكم عَلى رَأْيِكم بِالمُوالاةِ لَكُمْ، (ونَمْنَعْكم مِنَ) الدُّخُولِ في جُمْلَةِ (المُؤْمِنِينَ)، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وأصْلُ الِاسْتِحْواذِ الِاسْتِيلاءُ، وكانَ القِياسُ فِيهِ اسْتَحاذَ يَسْتَحِيذُ اسْتِحاذَةً بِالقَلْبِ، لَكِنْ صَحَّتْ فِيهِ الواوُ وكَثُرَ ذَلِكَ فِيهِ، وفي نَظائِرَ لَهُ حَتّى أُلْحِقَ بِالمَقِيسِ، وعُدَّ فَصِيحًا، وقالَ أبُو زَيْدٍ: إنَّهُ قِياسِيٌّ، وعَلى كُلِّ حالٍ لا يُرَدُّ عَلى فَصاحَةِ القُرْآنِ، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.

وقُرِئَ (ونَمْنَعَكُمْ) بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) والتَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنْ مِنّا الِاسْتِحْواذُ والمَنعُ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، سُمِّيَ ظَفَرُ المُسْلِمِينَ فَتْحًا وما لِلْكافِرِينَ نَصِيبًا لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ وتَخْسِيسِ حَظِّ الكافِرِينَ، وقِيلَ: سُمِّيَ الأوَّلُ فَتْحًا إشارَةً إلى أنَّهُ مِن مَداخِلِ فَتْحِ دارِ الإسْلامِ، بِخِلافِ ما لِلْكافِرِينَ فَإنَّهُ لا فَتْحٌ لَهم في اسْتِيلائِهِمْ بَلْ سَيَنْطَفِئُ ضِياءُ ما نالُوا.

﴿ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فَيُثِيبُ أحِبّاءَهُ ويُعاقِبُ أعْداءَهُ، وأمّا في الدُّنْيا فَأنْتُمْ وهم سَواءٌ في العِصْمَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى وسَلَّمَ: ««فَإذا قالُوها فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهُمْ»» وفي الكَلامِ قِيلَ: تَغْلِيبٌ، وقِيلَ: حَذْفٌ، أيْ: بَيْنَكم وبَيْنَهم.

﴿ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، وحِينَ الحُكْمِ، كَما قَدْ يُجْعَلُ ذَلِكَ في الدُّنْيا ابْتِلاءً واسْتِدْراجًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ في الدُّنْيا، أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لَهم عَلى المُؤْمِنِينَ سُلْطانًا تامًّا بِالِاسْتِئْصالِ، أوْ جُحَّةً قائِمَةً عَلَيْهِمْ مُفْحِمَةً لَهُمْ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، ويَجُوزُ إبْقاءُ الكَلامِ عَلى إطْلاقِهِ؛ لِيَشْمَلَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، ولَعَلَّهُ الأوْلى.

واحْتَجَّ الشّافِعِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى فَسادِ شِراءِ الكافِرِ العَبْدَ المُسْلِمَ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكانَ لَهُ عَلَيْهِ يَدٌ وسَبِيلٌ بِتَمَلُّكِهِ، ونَحْنُ نَقُولُ: يَصِحُّ ولَكِنْ يُمْنَعُ مِنِ اسْتِخْدامِهِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ إلّا بِالبَيْعِ والإخْراجِ عَنْ مِلْكِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَيْهِ.

واحْتَجَّ بِظاهِرِها بَعْضُ الأصْحابِ عَلى وُقُوعِ الفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِرِدَّةِ الزَّوْجِ؛ لِأنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يُثْبِتُ لِلزَّوْجِ سَبِيلًا في إمْساكِها في بَيْتِهِ، وتَأْدِيبِها، ومَنعِها مِنَ الخُرُوجِ، وعَلَيْها طاعَتُهُ فِيما يَقْتَضِيهِ عَقْدُ النِّكاحِ، والمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ شامِلٌ لِلْإناثٍ، وكَذا الكافِرُ إذا أسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ، وضُعِّفَ بِأنَّ الِارْتِدادَ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ النِّكاحُ إذا عادَ إلى الإيمانِ قَبْلَ مُضِيِّ العِدَّةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَ الكُفْرِ لا سَبِيلَ لَهُ، ونَفْيُ السَّبِيلِ بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ وبَعْدَ وُقُوعِ الفُرْقَةِ لا بُدَّ لِحُدُوثِ العُلْقَةِ مِن مُوجِبٍ، وهو ظاهِرٌ، فَإنْ كانَ العَوْدُ يَكُونُ الِارْتِدادُ كالطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ، والعَوْدُ كالرَّجْعَةِ فَلا ضَعْفَ فِيهِ.

وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ نَفْيُ السَّبِيلِ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ أوِ السَّبِيلُ بِمَعْنى الحُجَّةِ لا مُتَمَسَّكَ في الآيَةِ لِأصْحابِنا، ولا الشّافِعِيَّةِ، فَلا تَغْفَلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ يعني ينتظرون بكم الدوائر، وهو تغيير الحال عليكم فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ يعني النصرة والغلبة على العدو قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ فأعطونا من الغنيمة وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ يعني الظفر والغلبة على المؤمنين قالُوا للكفار أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ يعني: ألم نخبركم بصورة المسلمين ونطلعكم على سرهم، ونخبركم عن حالهم.

ويقال: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ يعني: ألم نغلب عليكم بالمودة لكم.

والاستحواذ هو الاستيلاء على الشيء، كقوله تعالى اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [المجادلة: 19] ثم قال: وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني نجادل المؤمنين عنكم ونجنبهم عنكم.

قال الله تعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي بين المؤمنين والمنافقين والكافرين وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا أي الحجة، ويقال: دولة دائمة أي لا تدوم دولتهم.

وروي عن علي كرم الله وجهه، أنه سئل عن قوله عز وجل إن الله تعالى يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وهم يسلطون علينا ويغلبوننا، فقال: لا يسلط الكافر على المؤمن في الآخرة يوم القيامة.

ثم بين حال المنافقين في الدنيا وخداعهم، فقال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ أي يظنون أنهم يخادعون الله وَهُوَ خادِعُهُمْ أي يجازيهم جزاء خداعهم، وهو أنهم يمشون مع المؤمنين على الصراط يوم القيامة، ثم يسلبهم النور فيبكون في ظلمة.

ثم قال تعالى: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ يعني المنافقين قامُوا كُسالى أي متثاقلين يُراؤُنَ النَّاسَ أي لا يرونها حقاً، ويصلون مراءاة للناس وسمعة وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا قال ابن عباس: لو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيراً وتقبل منهم، ولكن لن يريدوا به وجه الله تعالى.

ثم قال: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ أي مترددين.

ويقال: منفضحين بين ذلك لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ يعني ليسوا مع المؤمنين في التصديق، ولا مع اليهود في الظاهر وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي من يخذله الله عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي مخرجا.

ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي صدقوا.

قال مقاتل: الذين آمنوا بزعمهم وهم المنافقون لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ويقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في الظاهر وأسروا النفاق.

ويقال: يعني المؤمنين المخلصين، كانت بينهم وبين اليهود صداقة، وكانوا يأتونهم فنهاهم الله تعالى عن ذلك.

فقال: لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.

ثم قال تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً يعني حجة مبينة في الآخرة.

ثم بين مأوى المنافقين في الآخرة فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣)

وقوله تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ...

الآية: هذه صفة المنافقين، ويَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ: معناه: ينتظِرُونَ دَوْرَ الدوائرِ عليكم، فإن كان فَتْحٌ للمؤْمِنِينَ، ادعوا فيه النصيبَ بحُكْمِ ما يظهرونه من الإيمان، وإن كان للكافِرِينَ نَيْلٌ من المؤمنين، ادعوا فيه النَّصِيبَ بحُكْمِ ما يبطنونه من موالاةِ الكُفَّار، وهذا حالُ المنافقين، ونَسْتَحْوِذْ: معناه: نَغْلِبُ على أمرِكِم ونَحُوطُكُمْ ومنه: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [المجادلة: ١٩] ، معناه: غَلَبَ على أمرهم، ثم سلى سبحانه المؤمنينَ، وأنَّسهم بما وَعَدَهُم به في قوله: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أيْ: وبينهم، وينصفُكُم من جميعهم، وبقوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، أيْ: يوم القيامة قاله عليٌّ (رضي اللَّه عنه) «١» وعليه جميعُ أهْل التَّأوِيلِ، والسَّبيلُ هنا: الحُجَّة والغَلَبَةُ.

قلت: إِلاَّ ابنَ العَرَبِيِّ «٢» لم يرتَض هذا التأويلَ، قال: وإنما معنى الآية أحَدُ ثلاثةِ وُجُوهٍ:

الأول: لن يجعل اللَّه للكافِرِينَ عَلَى المؤمنينَ سَبيلاً يَمْحُو به دَوْلَةَ المؤمنين، ويستبيحُ بَيْضَتَهُمْ.

الثاني: لَنْ يجعل اللَّه للكافِرِينَ عَلَى المُؤْمنين سبيلاً إلاَّ أنْ يتواصَوْا بالباطِلِ، ولا يَتَنَاهَوْا عن المُنْكَر، ويتباعدوا عن التَّوْبَةِ، فيكونُ تسليطُ العَدُوِّ مِنْ قِبَلِهِمْ، وهذا نَفِيسٌ جِدًّا.

الثالث: لن يجعلَ اللَّه للكافرينَ عَلَى المؤمنينَ سبيلاً بالشَّرْع، فإن وُجِدَ ذلك، فبخلاف الشرْعِ، ونَزَعَ بهذا علماؤُنا بالإحْتجاجِ على أنَّ الكافر لا يَمْلِكُ العَبْدَ المُسْلِمَ.

انتهى «٣» .

ومخادعَةُ المنافقين: هي لأولياءِ اللَّهِ، ففِي الكلامِ حَذْفُ مضَافٍ إذْ لا يقصد أحَدٌ من البشر مخادَعَةَ اللَّهِ سبحانه.

وقوله تعالى: وَهُوَ خادِعُهُمْ

: عبارةٌ عن عقوبَتِهِمْ، سمَّاها باسم الذَّنْب، وقال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ خاصَّةً.

قالَ مُقاتِلٌ: كانَ المُنافِقُونَ يَتَرَبَّصُونَ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ، فَإنْ كانَ الفَتْحُ، قالُوا: ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟

فَأعْطُونا مِنَ الغَنِيمَةِ.

وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ، أيْ: دَوْلَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، قالُوا لِلْكُفّارِ: ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ؟

قالَ المُبَرِّدُ: ومَعْنى: ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ: ألَمْ نَغْلِبْكم عَلى رَأْيِكم.

وقالَ الزَّجّاجُ: ألَمْ نَغْلِبْ عَلَيْكم بِالمُوالاةِ لَكم.

و "نَسْتَحْوِذُ" في اللُّغَةِ، بِمَعْنى: نَسْتَوْلِي، يُقالُ: حَذَتِ الإبِلُ، وحُزْتُها: إذا اسْتَوْلَيْتُ عَلَيْها وجَمَعْتُها.

وقالَ غَيْرُهُ: ألَمْ نَسْتَوْلِ عَلَيْكم بِالمَعُونَةِ والنُّصْرَةِ؟

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ألَمْ نُبَيِّنْ لَكم أنّا عَلى دِينِكُمْ؟

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَنَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نَمْنَعْكم مِنهم بِتَخْذِيلِهِمْ عَنْكم.

والثّانِي: بِما نُعَلِّمُكم مِن أخْبارِهِمْ.

والثّالِثُ: بِصَرْفِنا إيّاكم عَنِ الدُّخُولِ في الإيمانِ.

ومُرادُ الكَلامِ: إظْهارُ المِنَّةِ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الكُفّارِ، أيْ: فاعْرِفُوا لَنا هَذا الحَقَّ عَلَيْكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنَّهُ أخَّرَ عِقابَ المُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، رَوى يَسِيعُ الحَضْرَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ رَجُلًا جاءَهُ، فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ وهْمْ يُقاتِلُونَنا [فَيَظْهَرُونَ ويَقْتُلُونَ]، فَقالَ: ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.

هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّبِيلِ: الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، يَعْنِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الظّاهِرُونَ، والعاقِبَةُ لَهم، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ السَّبِيلَ: الحُجَّةُ.

قالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حُجَّةً.

يَعْنِي: فِيما فَعَلُوا بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَمّا وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّهُ لا يُدْخِلُ المُنافِقِينَ مُدْخَلَهم مِنَ الجَنَّةِ، ولا المُؤْمِنِينَ مَدْخَلَ المُنافِقِينَ، لَمْ يَكُنْ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ حُجَّةً بِأنْ يَقُولُوا لَهُمْ: أنْتُمْ كُنْتُمْ أعْداءَنا، وكانَ المُنافِقُونَ أوْلِياءَنا، وقَدِ اجْتَمَعْتُمْ في النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللهِ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ الناسَ ولا يَذْكُرُونَ اللهَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ "اَلَّذِينَ"؛ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ؛ و"يَتَرَبَّصُونَ"؛ مَعْناهُ: "يَنْتَظِرُونَ دَوْرَ الدَوائِرِ عَلَيْكُمْ؛ فَإنْ كانَ فَتْحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ادَّعَوْا فِيهِ النَصِيبَ بِحُكْمِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ؛ وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَيْلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ادَّعَوْا فِيهِ النَصِيبَ بِحُكْمِ ما يُبْطِنُونَهُ مِن مُوالاةِ الكُفّارِ؛ وهَذا حالُ المُنافِقِينَ".

و"نَسْتَحْوِذْ"؛ مَعْناهُ: (نَغْلِبُ عَلى أمْرِكُمْ؛ ونَحُوطُكُمْ؛ ونَحْمِي أمْرَكُمْ)؛ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ في صِفَةِ ثَوْرٍ وبَقَرٍ: يَحُوذُهُنَّ ولَهُ حُوذِيُّ أيْ: يَغْلِبُهُنَّ عَلى أمْرِهِنَّ؛ ويُغْلِبُ الثِيرانَ عَلَيْهِنَّ؛ ويُرْوى: "يَحُوزُهُنَّ" بِالزايِ؛ ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ لَبِيدٍ في صِفَةِ عِيرٍ وأُتُنٍ: إذا اجْتَمَعَتْ وأحْوَذَ جانِبَيْها ∗∗∗ ∗∗∗ وأورَدَها عَلى عُوجٍ طِوالِ أحْوَذَ جانِبَيْها: قَهَرَها؛ وغَلَبَ عَلَيْها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ  ﴾ ؛ مَعْناهُ: غَلَبَ عَلَيْهِمْ؛ وشَذَّ هَذا الفِعْلُ في أنْ لَمْ تُعَلَّ واوُهُ؛ بَلِ اسْتُعْمِلَتْ عَلى الأصْلِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "وَمَنَعْناكم مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَنَمْنَعَكُمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ عَلى الصَرْفِ.

ثُمَّ سَلّى وآنَسَ المُؤْمِنِينَ بِما وعَدَهم بِهِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ؛ أيْ: وبَيْنَهُمْ؛ ويُنْصِفُكم مِن جَمِيعِهِمْ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ ؛ وقالَ يُسَيْعٌ الحَضْرَمِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؛ أرَأيْتَ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ ؛ كَيْفَ ذَلِكَ؛ وهم يُقاتِلُونَنا ويَظْهَرُونَ عَلَيْنا أحْيانًا؟

فَقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: مَعْنى ذَلِكَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ الحُكْمُ؛ وبِهَذا قالَ جَمِيعُ أهْلِ التَأْوِيلِ.

و"اَلسَّبِيلُ": اَلْحُجَّةُ؛ والغَلَبَةُ.

ومُخادَعَةُ المُنافِقِينَ هي لِأولِياءِ اللهِ تَعالى ؛ إذْ يَظُنُّونَهم غَيْرَ أولِياءَ؛ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ وإلْزامُ ذَنْبٍ اقْتَضَتْهُ أفْعالُهُمْ؛ وإنْ كانَتْ نِيّاتُهم لَمْ تَقْتَضِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْصِدُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ مُخادَعَةَ اللهِ تَعالى.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَهُوَ خادِعُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: مُنْزِلُ الخِداعِ بِهِمْ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ عن عُقُوبَةٍ سَمّاها بِاسْمِ الذَنْبِ؛ فَعُقُوبَتُهم في الدُنْيا ذُلُّهُمْ؛ وخَوْفُهُمْ؛ وغَمُّ قُلُوبِهِمْ؛ وفي الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا الخَدْعَ هو أنَّ اللهَ تَعالى يُعْطِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا لِكُلِّ إنْسانٍ مُؤْمِنٍ؛ أو مُنافِقٍ؛ فَيَفْرَحُ المُنافِقُونَ؛ ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا؛ فَإذا جاؤُوا إلى الصِراطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ؛ ونَهَضَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ فَذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ: ﴿ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ  ﴾ ؛ وذَلِكَ هو الخَدْعُ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُنافِقِينَ؛ وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ النَحْوِيُّ: "وَهُوَ خادِعْهُمْ"؛ بِإسْكانِ العَيْنِ؛ وذَلِكَ عَلى التَخْفِيفِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى كَسَلَهم في القِيامِ إلى الصَلاةِ؛ وتِلْكَ حالُ كُلِّ مَن يَعْمَلُ العَمَلَ كارِهًا؛ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فِيهِ الصَوابَ؛ تُقْيَةً؛ أو مُصانَعَةً؛ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ الأعْرَجُ: "كَسالى"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُرَؤُّونَ"؛ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَ الراءِ والواوِ؛ دُونَ ألِفٍ؛ وهي تَعْدِيَةُ "رَأى"؛ بِالتَضْعِيفِ؛ وهي أقْوى في المَعْنى مِن "يُراؤُونَ"؛ لِأنَّ مَعْناها: "يَحْمِلُونَ الناسَ عَلى أنْ يَرَوْهُمْ؛ ويَتَظاهَرُونَ لَهم بِالصَلاةِ؛ وهم يُبْطِنُونَ النِفاقَ"؛ وتَقْلِيلُهُ ذِكْرَهم يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: قَلَّ لِأنَّهُ كانَ لِغَيْرِ اللهِ"؛ فَهَذا وجْهٌ؛ والثانِي أنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِسْبَةِ إلى خَوْضِهِمْ في الباطِلِ؛ وقَوْلِهِمُ الزُورَ والكُفْرَ.

"مُذَبْذَبِينَ"؛ مَعْناهُ: مُضْطَرِبِينَ؛ لا يَثْبُتُونَ عَلى حالٍ؛ و"اَلتَّذَبْذُبُ": اَلِاضْطِرابُ بِخَجَلٍ؛ أو خَوْفٍ؛ أو إسْراعٍ في مَشْيٍ؛ ونَحْوِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: ...

تَرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: خَيالٌ لِأُمِّ السَلْسَبِيلِ ودُونَها ∗∗∗ ∗∗∗ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذِبِ بِكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أيِ: "اَلْمُهْتَزِّ؛ القَلِقِ؛ الَّذِي لا يَثْبُتُ؛ ولا يَتَمَهَّلُ"؛ فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الكُفّارِ؛ والمُؤْمِنِينَ ﴿ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ﴾ ؛ كَما قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ"؛» فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالَيِ الكُفْرِ؛ والإيمانِ؛ وأشارَ إلَيْهِ؛ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ؛ لِظُهُورِ تَضَمُّنِ الكَلامِ لَهُ؛ كَما جاءَ: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ؛ و ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ  ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُذَبْذَبِينَ"؛ بِفَتْحِ الذالِ الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "مُذَبْذِبِينَ"؛ بِكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مُتَذَبْذِبِينَ"؛ بِالتاءِ؛ وكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَذَبْذَبِينَ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ والذالَّيْنِ؛ وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ ؛ مَعْناهُ: سَبِيلَ هُدًى وإرْشادٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي ناشِئ عن وصف الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً، فإنّ أولئك كانوا مظهرين الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان ثمّة طائفة تبطن الكفر وهم أهل النفاق، ولمّا كان التظاهر بالإيمان ثم تعقيبه بالكفر ضرباً من التهكّم بالإسلام وأهله، جيء في جزاء عملهم بوعيد مناسب لتهكّمهم بالمسلمين، فجاء به على طريقة التهكّم إذ قال: ﴿ بشر المنافقين ﴾ ، فإنّ البشارة هي الخبر بما يَفرحَ المخبَر به، وليس العذاب كذلك، وللعرب في التهكّم أساليب كقول شَقِيق ابن سُليك الأسدي: أتاني من أبي أنَسسٍ وعيدٌ *** فَسُلىّ لِغَيظَةِ الضّحّاككِ جِسمِي وقول النابغة: فإنّك سوف تَحْلُم أو تَناهَى *** إذا ما شِبْت أو شَاب الغراب وقول ابن زَيَّابة: نُبِّئْتُ عَمْراً غارزاً رأسَه *** في سِنَةٍ يُوعدِ أخْوَالَهُ وتلكَ منه غير مأمُونَةٍ *** أنْ يَفعل الشيءَ إذَا قالَهُ ومجيء صفتهم بطريقة الموصول لإفادة تعليل استحقاقهم العذاب الأليم، أي لأنّهم اتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أي اتّخذوهم أولياء لأجل مضادّة المؤمنين.

والمراد بالكافرين مشركو مكة، أو أحْبار اليهود، لأنّه لم يْبق بالمدينة مشركون صُرحاءَ في وقت نزول هذه السورة، فليس إلاّ منافقون ويهود.

وجملة ﴿ أيبتغون عندهم العزّة فإنّ العزّة لله ﴾ استئنافٌ بياني باعتبار المعطوف وهو ﴿ فإنّ العزّة لله ﴾ وقوله: ﴿ أيَبْتَغَون ﴾ هو منشأ الاستئناف، وفي ذلك إيماء إلى أن المنافقين لم تكن موالاتهم للمشركين لأجل المماثلة في الدين والعقيدة، لأنّ معظم المنافقين من اليهود، بل اتّخذوهم ليعتزّوا بهم على المؤمنين، وإيماء إلى أنّ المنافقين شعروا بالضعف فطلبوا الاعتزاز، وفي ذلك نهاية التجهيل والذمّ.

والاستفهامُ إنكار وتوبيخ، ولذلك صحّ التفريع عنه بقوله: ﴿ فإنّ العزّة لله جميعاً ﴾ أي لا عزّة إلاّ به، لأنّ الاعتزاز بغيره باطل.

كما قيل: من اعتزّ بغير الله هَان.

وإن كان المراد بالكافرين اليهود فالاستفهام تهكّم بالفريقين كقول المثل: كالمستغيث من الرمضاء بالنار.

وهذا الكلام يفيد التحذير من مخالطتهم بطريق الكناية.

وجملة ﴿ وقد نزّل عليكم في الكتاب ﴾ الخ يجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ بشرّ المنافقين ﴾ تذكيراً للمسلمين بما كانوا أعلموا به ممّا يؤكّد التحذير من مخالطتهم، فضمير الخطاب موجّه إلى المؤمنين، وضمائر الغيبة إلى المنافقين، ويجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير (يتّخذون)، فيكون ضمير الخطاب في قوله: ﴿ وقد نزّل عليكم ﴾ خطاباً لأصحاب الصلة من قوله: ﴿ الذين يتّخذون الكافرين أولياء ﴾ [النساء: 139] على طريقة الالتفات، كأنّهم بعد أن أجريت عليهم الصلة صاروا معيّنين معروفين، فالتُفت إليهم بالخطاب، لأنّهم يعرفون أنّهم أصحاب تلك الصلة، فلعلّهم أن يقلعوا عن موالاة الكافرين.

وعليه فضمير الخطاب للمنافقين، وضمائر الغيبة للكافرين، والذي نزّل في الكتاب هو آيات نزلت قبل نزول هذه السورة في القرآن: في شأن كفر الكافرين والمنافقين واستهزائهم.

قال المفسّرون: إنّ الذي أحيل عليه هنا هو قوله تعالى في سورة (68) الأنعام: ﴿ وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعْرِضْ عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره ﴾ لأنّ شأن الكافرين يَسري إلى الذين يتُخذونهم أولياء، والظاهر أنّ الذي أحال الله عليه هو ما تكرّر في القرآن من قبل نزول هذه السورة نحو قوله في البقرة: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مشتهزءون } ممّا حصل من مجموعه تقرر هذا المعنى.

و (أنْ) في قوله: ﴿ أنْ إذا سمعتم ﴾ تفسيرية، لأنّ (نُزّل) تضمّن معنى الكلام دون حروف القول، إذ لم يقصد حكاية لفظ (ما نُزّل) بل حاصل معناه.

وجعَلها بعضهم مخفّفة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوفاً، وهو بعيد.

وإسناد الفعلين: ﴿ يُكْفَر ﴾ و ﴿ يستهزأ ﴾ إلى المجهول لتتأتّى، بحذف الفاعل، صلاحية إسناد الفعلين إلى الكافرين والمنافقين.

وفيه إيماء إلى أنّ المنافقين يركنون إلى المشركين واليهود لأنّهم يكفرون بالآيات ويستهزئون، فتنثلج لذلك نفوس المنافقين، لأنّ المنافقين لا يستطيعون أن يتظاهروا بذلك للمسلمين فيشفي غليلَهم أن يسمع المسلمون ذلك من الكفّار.

وقد جعل زمان كفرهم واستهزائهم هو زمن سماع المؤمنين آيات الله.

والمقصود أنّه زمن نزول آيات الله أو قراءة آيات الله، فعدل عن ذلك إلى سماع المؤمنين، ليشير إلى عجيب تضادُّ الحالين، فلفي حالة اتّصاف المنافقين بالكفر باللَّه والهزل بآياته يتّصف المؤمنون بتلّقي آياته والإصغاء إليها وقصدِ الوعي لها والعمل بها.

وأعقب ذلك بتفريع النهي عن مجالستهم في تلك الحالة حتّى ينتقلوا إلى غيرها، لئلاّ يَتَوسّل الشيطان بذلك إلى استضعاف حرص المؤمنين على سماع القرآن، لأنّ للأخلاق عَدْوى، وفي المثل «تُعدي الصّحاحَ مَبَارِك الجُرْب».

وهذا النهي يقتضي الأمر بمغادرة مجالسهم إذا خاضوا في الكفر بالآيات والاستهزاء بها.

وفي النهي عن القعود إليهم حكمة أخرى: وهي وجوب إظهار الغضب لله من ذلك كقوله: ﴿ تُلْقُونَ إليهم بالمودّة وقد كَفروا بما جاءكم من الحقّ ﴾ [الممتحنة: 1].

و (حتّى) حرف يعطف غاية الشيء عليه، فالنهي عن القعود معهم غايته أم يكفّوا عن الخوض في الكفر بالآيات والاستهزاء بها.

وهذا الحكم تدريج في تحريم موالاة المسلمين للكافرين، جُعل مبدأ ذلك أن لا يحضروا مجالس كفرهم ليَظهرَ التمايزُ بين المسلمين الخُلَّص وبين المنافقين، ورخّص لهم القعود معهم إذ خاضوا في حديث غير حديث الكفر.

ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكنُ تَرضَونَها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي الله بأمره ﴾ [التوبة: 23، 24].

وجعل جواب القُعود معهم المنهي عنه أنّهم إذا لم ينتهوا عن القعود معهم يكونون مثلهم في الاستخفاف بآيات الله إذ قال: ﴿ إنَّكم إذَنْ مثلُهم ﴾ فإنِّ (إذَنْ) حرف جواب وجزاء لكلام مَلفوظ به أو مقدّر.

والمجازاة هنا لكلام مقدّر دلّ عليه النهي عن القعود معهم؛ فإنّ التقدير: إن قعدتم معهم إذن إنّكم مثلهم.

ووقوع إذن جزاء لكلام مقدّر شائع في كلام العرب كقول العنبري: لو كنتُ من مَازن لم تستبح إبلي *** بنو اللقيطة من ذُهْللِ شَيْبَانا إذَنْ لقام بنصري مَعْشَر خُشُن *** عند الحَفيظة إن ذُو لَوْثَة لاَنا قال المرزوقي في «شرح الحماسة»: «وفائدة (إذن) هو أنّه أخرج البيت الثاني مَخرج جواب قائل له: ولو استباحوا مَاذا كان يَفعل بنو مازن؟

فقال: إذن لقام بنصري معشر خشن».

قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذاً لارتابَ المُبطلون ﴾ [العنكبوت: 48].

التقدير: فلو كنت تتلو وتخطّ إذن لارتابَ المبطلون.

فقد علم أنّ الجزاء في قوله: ﴿ إنّكم إذن مثلهم ﴾ عن المنهي عنه لا عن النهي، كقول الراجز، وهو من شواهد اللغة والنحو: لاَ تَتْرُكَنِّي فيهم شَطِيرا *** أنّي إذَنْ أهْلِكَ أو أطِيرا والظاهر أنّ فريقاً من المؤمنين كانوا يجلسون هذه المجالس فلا يقدمون على تغيير هذا ولا يقُومون عنهم تَقيةً لهم فنُهوا عن ذلك.

وهذه المماثلة لهم خارجة مخرج التغليظ والتهديد والتخويف، ولا يصير المؤمن منافقاً بجلوسه إلى المنافقين، وأرَيد المماثلة في المعصية لا في مقدارها، أي أنّكم تصيرون مثلهم في التلبّس بالمعاصي.

وقوله: ﴿ إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنّم جميعاً ﴾ تحذير من أن يكونوا مثلهم، وإعلام بأنّ الفريقين سواء في عدواة المؤمنين، ووعيد للمنافقين بعدم جدوى إظهارهم الإسلام لهم.

وجملة ﴿ الذين يتربّصون بكم ﴾ صفة للمنافقين وحدَهم بدليل قوله: ﴿ وإن كان للكافرين نصيب ﴾ .

والتربّص حقيقة في المكث بالمكان، وقد مرّ قوله: ﴿ يتربّصن بأنفسهنّ ﴾ في سورة البقرة (228).

وهو مجاز في الانتظار وترقّب الحوادث.

وتفصيله قوله: ﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ الآيات.

وجُعل ما يحصل للمسلمين فتحاً لأنّه انتصار دائم، ونُسب إلى الله لأنّه مُقدّره ومريده بأسباب خفيّة ومعجزات بينّة.

والمراد بالكافرين هم المشركون من أهل مكة وغيرهم لا محالة، إذ لا حظّ لليهود في الحرب، وجعل ما يحصل لهم من النصر نصيباً تحقيراً له، والمراد نصيب من الفوز في القتال.

والاستحواذ: الغلبة والإحاطة، أبقوا الواو على أصلها ولم يقلبوها ألفاً بعد الفتحة على خلاف القياس.

وهذا أحد الأفعال التي صُحّحت على خلاف القياس مثل: استجوب، وقد يقولون: استحاذ على القياس كما يقولون: استجَاب واستصاب.

والاستفهام تقريري.

ومعنى ﴿ ألم نستحوذ عليكم ﴾ ألم نتولّ شؤونكم ونحيط بكم إحاطة العنايية والنصرة ونمنعكم من المؤمنين، أي من أن ينالكم بأسهم، فالمنع هنا إمّا منعٌ مكذوبٌ يخَيِّلُونه الكفارَ واقعاً وهو الظاهر، وإمّا منع تقديري وهو كفّ النصرة عن المؤمنين، والتجسّس عليهم بإبلاغ أخبارهم للكافرين، وإلقاء الأراجيف والفتن بين جيوش المؤمنين، وكلّ ذلك ممّ يضعف بأس المؤمنين إن وقع، وهذا القول كان يقوله من يندسّ من المنافقين في جيش المسلمين في الغزوات، وخاصّة إذا كانت جيوش المشركين قرب المدينة مثل غزوة الأحْزاب.

وقوله: ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ الفاء للفصيحة، والكلام إنذار للمنافقين وكفاية لمُهمّ المؤمنين، بأن فوّض أمر جزاء المنافقين على مكائدهم وخزعبلاتهم إليه تعالى.

وقوله: ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ تثبيت للمؤمنين، لأنّ مثيل هذه الأخبار عن دخائل الأعداء وتألبّهم: من عدوّ مجاهر بكفره.

وعدو مصانع مظهر للأخوّة، وبيان هذه الأفعال الشيطانية البالغة أقصى المكر والحيلة، يثير مخاوف في نفوس المسلمين وقد يُخيِّل لهم مَهاوي الخيبة في مستقبلهم.

فكان من شأن التلطّف بهم أن يعقّب ذلك التحذير بالشدّ على العضد، والوعد بحسن العاقبة، فوَعدهم الله بأن لا يجعل للكافرين، وإن تألّبت عصاباتهم.

واختلفت مناحي كفرهم، سبيلاً على المؤمنين.

والمراد بالسبيل طريق الوصول إلى المؤمنين بالهزيمة والغلبة، بقرينة تعديته بعَلَى، ولأنّ سبيل العدوّ إلى عدوّه هو السعي إلى مضرّته، ولو قال لك الحبيب: لا سبيل إليك، لتحسّرت؛ ولو قال لك العدوّ: لا سبيل إليك لتهلّلت بشراً، فإذا عُدّي بعلى صار نصاً في سبيل الشرّ والأذى، فالآية وعد محض دنيوي، وليست من التشريع في شيء، ولا من أمور الآخرة في شيء لنبوّ المقام عن هذين.

فإن قلت: إذا كان وعداً لم يجز تخلّفه.

ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصراً بيّناً، وربما تملّكوا بلادهم وطال ذلك، فكيف تأويل هذا الوعد.

قلتُ: إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان بقرينة القصّة فالإشكال زائل، لأنّ الله جعل عاقبة النصر أيّامئذٍ للمؤمنين وقطع دابر القوم الذين ظلموا فلم يلبثوا أن ثقفوا وأخذوا وقتّلوا تقتيلاً ودخلت بقيتهم في الإسلام فأصبْحوا أنصاراً للدين؛ وإن أريد العموم فالمقصود من المؤمنين المؤمنون الخلّص الذين تلبّسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه، ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالاً، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ.

﴿ فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ أيْ فَأعْطُونا مِنَ الغَنِيمَةِ.

﴿ وَإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ألَمْ نَسْتَوْلِ عَلَيْكم بِالمَعُونَةِ والنُّصْرَةِ ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّخْذِيلِ عَنْكم.

والثّانِي: مَعْناهُ ألَمْ نُبَيِّنْ لَكم أنَّنا عَلى دِينِكم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ ألَمْ نَغْلِبْ عَلَيْكم، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَأصْلُ الِاسْتِحْواذِ الغَلَبَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ﴾ يَعْنِي غَلَبَ عَلَيْهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي حُجَّةً، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: سَبِيلًا في الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن جرير عن أبي وائل قال: إن الرجل ليتكلم في المجلس بالكلمة الكذب يُضْحِكُ بها جلساءه فيسخط الله عليهم جميعاً، فذكر ذلك لإبراهيم النخعي فقال: صدق أبو وائل، أو ليس ذلك في كتاب الله ﴿ فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: أنزل في سورة الأنعام ﴿ حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ [ الأنعام: 68] ثم نزل التشديد في سورة النساء ﴿ إنكم إذاً مثلهم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن السدي في الآية قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله والقرآن، فشتموه واستهزؤوا به، فأمر الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره.

وأخرج عن سعيد بن جبير أن الله جامع المنافقين من أهل المدينة، والمشركين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزؤوا بالقرآن في جهنم جميعاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ الذين يتربصون بكم ﴾ قال: هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين، ﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ إن أصاب المسلمون من عدوّهم غنيمة قال المنافقون ﴿ ألم نكن معكم ﴾ قد كنا معكم فأعطونا من الغنيمة مثل ما تأخذون ﴿ وإن كان للكافرين نصيب ﴾ يصيبونه من المسلمين قال المنافقون للكفار ﴿ ألم نستحوذ عليكم ﴾ ألم نبين لكم أنا على ما أنتم عليه قد نثبطهم عنكم.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ ألم نستحوذ عليكم ﴾ قال: نغلب عليكم.

أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن علي.

أنه قيل له: أرأيت هذه الآية ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ وهم يقاتلونا فيظهرون ويقتلون؟

فقال: ادنه ادنه، ثم قال: فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ .

واخرج ابن جرير عن علي ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال في الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال: ذاك يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال: ذاك يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ سبيلاً ﴾ قال: حجة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ الآية.

وهذا أيضًا من صفة المنافقين.

والتربص بالشيء أن ينتظر به يومًا (١) تربَّص بها ريبَ المنونِ لعلها ...

تُطَلَّق يومًا أو يموتُ حَليلُها (٢) قال الكلبي: ينتظرون بكم الدوائر.

﴿ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ أي: ظهور على اليهود.

﴿ قَالُوا ﴾ للمؤمنين.

﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ أي أعطونا من الغنيمة.

قاله المفسرون (٣) ﴿ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ ﴾ يعني اليهود.

قاله الكلبي (٤) ﴿ نَصِيبٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد ظفر على المسلمين (٥) ﴿ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ قال الفراء.

استحوذ عليهم، أي: غلب عليهم (٦) وقال الليث: استحوذ عليه الشيطان، إذا غلب عليه (٧) وقال أبو طالب: يقال أحوذ الشيء، إذا جمعه وضمه، ومنه يقال: استحوذ على كذا، إذا حواه (٨) إذا اجتمعت وأحوذَ جانبيها ...

وأورَدَها على عُوجٍ طِوَالِ (٩) هذا هو الأصل، ثم جعلوا الاستحواذ بمعنى الاستيلاء على الشيء، لأن المستولي على الشيء بمنزلة المحيط به، وكذلك يقال: حاز الحمار أتنه إذ استولى عليها وجمعها (١٠) يحُوذُهن وله حُوذِيُّ (١١) (١٢) فأما معنى قوله: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ فقال فيه كثير من أهل المعاني والتفسير، الزجاج وغيره: ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم والإخبار بعورة محمد، ونطلعكم على سر المسلمين (١٣) وهذا لا يظهر في تفسير هذا الحرف، إلا أن يقال: إن المنافقين غلبوا عليهم بهذا، حيث لم يقدروا هم على الاطلاع على عورة المسلمين ومعرفة أسرارهم إلا من جهة المنافقين، فهذا وجه لا يبعد.

وأظهر من هذا ما قاله المبرد، وهو أنه قال: معناه ألم نغلبكم على رأيكم ونصرفكم عن الدخول في جملة لمؤمنين (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: (بتخذيلهم) عنكم، ومراسلتنا إياكم بأخبارهم.

قال أهل المعاني: ومراد المنافقين بهذا الكلام إظهار المنّة على الكافرين، أي: فاعرفوا لنا الحق في هذا عليكم (١٥) وقوله تعالى: ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ يريد المؤمنين والمنافقين.

قال ابن عباس: يريد أنه أخّر عقاب المنافقين إلى الموت ووضع عنهم السيف في الدنيا (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا  ﴾ .

أي حجة يوم القيامة.

قاله ابن عباس والسدي، وهو قول علي -  -، أن المراد بهذا في القيامة (١٧) ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ .

قال أهل المعاني: وذلك أن الله تعالى يُظهر ثمرة إيمان المؤمنين ويصدّق موعودهم، ولم يشركهم الكفار في شيء من اللذات كما شاركوهم اليوم، حتى يعلموا أنَّ الحق معهم دونهم (١٨) (١) "العين" 7/ 120، و"تهذيب اللغة" 2/ 1344 (ربص)، وفي الأخير: "يومًا ما".

(٢) في المخطوطة: "أخليلها"، والظاهر أنه تصحيف، انظر: "لسان العرب" 3/ 1558 (ربص).

ولم أقف على قائل هذا البيت.

(٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.

(٤) الطبري 5/ 331، و"بحر العلوم" 1/ 398، و"الكشف والبيان" 4/ 134 ب.

(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.

(٦) "تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ)، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 134 ب.

(٧) "العين" 3/ 284، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ).

(٨) "تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ) ولم يتبين من هو أبو طالب القائل.

(٩) شعره ص 86، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ).

(١٠) "تهذيب اللغة" 1/ 694.

(١١) "ديوانه" ص 524، والطبري 5/ 332، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ).

(١٢) انظر: الطبري 5/ 333، و"معاني الزجاج" 2/ 122، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 462، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ)، و"الكشف والبيان" 4/ 134 ب.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 122، وانظر: الطبري 5/ 332، و"بحر العلوم" 1/ 399، و"النكت والعيون" 1/ 537.

(١٤) انظر: البغوي 2/ 302، و"زاد المسير" 2/ 229.

(١٥) انظر: "زاد المسير" 2/ 229.

(١٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 230.

(١٧) أخرج الآثار عن الثلاثة: الطبري 5/ 333، 334، وانظر: "زاد المسير" 2/ 230.

(١٨) جاء عن علي وابن عباس  ما وغيرهما، أن ذلك كائن يوم القيامة وفي الآخرة.

انظر: الطبري 5/ 333، 334، و"بحر العلوم" 1/ 399، و"النكت والعيون" 1/ 537 - 538، والبغوي 2/ 302.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب ﴾ الآية: إشارة إلى قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ [الأنعام: 68] وغيرها، وفي الآية دليل على وجوب تجنب أهل المعاصي، والضمير في قوله: معهم يعود على ما يدل عليه سياق الكلام من الكافرين والمنافقين ﴿ الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ صفة للمنافقين: أي ينتظرون بكم دوائر الزمان ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ أي نغلب على أمركم بالنصرة لكم والحمية ﴿ وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين سَبِيلاً ﴾ قال علي بن أبي طالب وغيره: ذلك في الآخرة، وقيل: السبيل هنا الحجة البالغة ﴿ يخادعون الله ﴾ ذكر في البقرة وهو خادعهم تسيمة للعقوبة باسم الذنب، لأنّ وبال خداعهم راجع عليهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يصلحا ﴾ من الإصلاح: عاصم وعلي وحمزة وخلف.

الباقون.

﴿ يصالحا ﴾ من التصالح وإدعام التاء في الصاد ﴿ إن يشأ ﴾ حيث كان بغير همز: الأعشى وأوقيه وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.

﴿ وإن تلوا ﴾ بواو واحدة: ابن عامر وحمزة.

الباقون بالواوين ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ كلاهما على ما لم يسم فاعله من التنزيل والإنزال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون: ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ مبنيين للفاعل من التنزيل والإنزال أيضاً.

﴿ وقد نزل ﴾ مشدداً مبنياً للفاعل: عاصم ويعقوب.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ في النساء ﴾ ط ﴿ فيهن ﴾ لا للعطف أي الله والمتلو يفتيكم ﴿ الولدان ﴾ لا للعطف أيضاً أي في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ صلحاً ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ الشح ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ كالمعلقة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سعته ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ أن اتقوا الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ حميداً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ بآخرين ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ والأقربين ﴾ ج لابتداء الشرط مع اتفاق المعنى ﴿ أن تعدلوا ﴾ ج لذلك ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أليماً ﴾ ه لا لأن "الذين" صفة المنافقين وإن كان يحتمل النصب والرفع على الذم ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج لأن ما بعده كالتعليل.

/ ﴿ مثلهم ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة المنافقين.

﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع أنه بيان التربص ﴿ معكم ﴾ ز لترجيح جانب العطف وإتمام بيان النفاق.

﴿ نصيب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب: "إن" ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق والبعث على قبول التكاليف هو ما عليه القرآن الكريم من اقتران الوعد بالوعيد وخلط الترغيب بالترهيب وضم الآيات الدالة على العظمة والكبرياء إلى بيان الأحكام.

والاستفتاء طلب الفتوى.

يقال: استفتيت الرجل فأفتاني إفتاء وفتيا وفتوى وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء وهو إظهار المشكل من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل كأنه قوي بيانه ما أشكل فشب وصار فتياً قوياً.

والاستفتاء لا يقع في ذوات النساء وإنما يقع في حالة من أحوالهن فلذلك اختلفوا؛ فعن بعضهم أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما مر في أول السورة فنزلت في توريثهم.

وقيل: إنه في الأوصياء.

وقيل: في توفية الصداق لهن كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإن كانت جميلة ومال إليها تزوج بها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها.

أما قوله: ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ ففيه وجوه: أحدها أنه رفع بالابتداء معطوفاً على اسم الله أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب يفتيكم أيضاً.

ويجوز أن يكون رفعاً على الفاعلية لكونه عطفاً على المستتر في يفتيكم، وجاز بلا تأكيد للفصل أي يفتيكم الله والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى كقولك: أعجبني زيد وكرمه.

وذلك المتلو هو قوله: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى  ﴾ كما سلف في أول السورة جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب.

وثانيها ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ مبتدأ و ﴿ في الكتاب ﴾ خبره وهي جملة معترضة ويكون المراد من الكتاب اللوح المحفوظ.

والغرض تعظيم حال هذه الآية وأن المخل بها وبمقتضاها من رعاية حقوق اليتامى ظالم متهاون بما عظمه الله، ونظيره في تعظيم القرآن قوله: ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم  ﴾ وثالثها أنه مجرور على القسم لمعنى التعظيم أيضاً كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وحق المتلو.

ورابعها أن يكون مجروراً على أنه معطوف على المجرور في ﴿ فيهن ﴾ قال الزجاج: إنه ليس بسديد لفظاً لعدم إعادة الخافض، ومعنى لأنه لا معنى لقوله القائل: يفتي الله فيما يتلى عليكم من الكتاب، لأن الإفتاء إنما يكون في المسائل.

وقوله: ﴿ في يتامى النساء ﴾ على الوجه الأول صلة ﴿ يتلى ﴾ أي يتلى عليكم في معناهن أو بدل من ﴿ فيهن ﴾ وعلى سائر الوجوه بدل من ﴿ فيهن ﴾ لا غير.

والإضافة في ﴿ يتامى النساء ﴾ قال الكوفيون: إنها إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله في النساء اليتامى.

وقال البصريون: إنها / على تأويل جرد قطيفة وسحق عمامة.

وجوز بعضهم أن يكون المراد بالنساء أمهات اليتامى كما في قصة أم كجة.

ومعنى ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث بناء على أنها نزلت في ميراث اليتامى والصغار.

وقال غيره: يعني ما كتب لهن من الصداق.

﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الشهوة والنفرة أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، أو ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن احتج أصحاب أبي حنيفة بالآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة.

ورد باحتمال أن يكون المراد وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، ولأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر فخطبها المغيرة بن شعبة ورغبت أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله  فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها.

فقال النبي  : "إنها صغيرة وأنها لا تزوج إلا بإذنها وفرق بينها وبين ابن عمر" .

ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ نزلت في ميراث الصغار.

والخطاب في ﴿ أن تقوموا ﴾ للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم.

قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وأن تقوموا ﴾ منصوباً أي ويأمركم أن تقوموا.

ومن جملة ما أخبر الله  أنه يفتيهم به في النساء لكن لم يتقدم ذكره.

قوله ﴿ وإن امرأة خافت ﴾ ارتفاع ﴿ امرأة ﴾ بفعل يفسره خافت أي علمت.

وقيل: ظنت والظاهر أنه على معناه الأصلي إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور العلامات الدالة على وقوع المخوف كأن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو مسنة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل الزوج، والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل منهما صاحبه ويتبع نشوز الرجل أن يعرض عنها ويقبح وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها.

عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول: أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله  وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها.

ومعنى الصلح وهو مصدر من غير لفظ الفعل مثل ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ﴿ أن يصالحا ﴾ على أن تطيب المرأة له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو عن المهر والنفقة فإن هذه الأمور هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى.

أما الوطء فليس كذلك لأن الزوج لا يجبر على الوطء ﴿ والصلح خير ﴾ من الفرقة أو من النشوز والإعراض فاللام للعهد، أو هو خير من الخصومة في كل شيء فاللام للاستغراق وبه تمسك أصحاب أبي حنيفة في جواز الصلح على الإنكار، أو الصلح خير من الخيرات كما أن الخصومة شر من الشرور, والجملة معترضة، وكذا قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب محصل للمقصود.

والشح البخل مع / حرص، وأرض شحاح لا تسيل إلا من مطر كثير.

جعل الشح كالأمر الحاضر للنفوس لأنها جلبت على ذلك.

ثم يحتمل أن يكون هذا تعريضاً بالمرأة أنها تشح ببذل نصيبها أو حقها، أو بالزوج أنه يشح بأنه ينقضي عمره معها مع دمامتها وكبر سنها وعدم الالتذاذ بصحبتها.

واعلم أنه رخص أولاً في الصلح بقوله: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ وغايته ارتفاع الإثم، ثم بين أنه كما لا جناح فيه فكذلك فيه خير كثير.

ثم حث على الإحسان والتقوى وحسم مادة الخصومة رأساً فقال: ﴿ وإن تحسنوا ﴾ أي بالإقامة على نسائكم ﴿ وإن كرهتموهن ﴾ وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة المحوجة إلى الصلح ﴿ فإن الله كان بما تعملون ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خبيراً ﴾ فيثيبكم على ذلك.

وعلى هذا فالخطاب للأزواج، وقيل: الخطاب للزوجين أن يحسن كل منهما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم.

وقيل: لغيرهما أن يحسنوا في المصالحة بينهما ويتقوا الميل إلى واحد منهما.

يحكى أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم.

فأجالت يوماً نظرها في وجهه ثم قالت: الحمد لله.

فقال: مالك؟

فقالت: حمدت الله على إني وإياك من أهل الجنة.

لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر من أهل الجنة.

﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ﴾ لن تقدروا على التسوية بين النساء في ميل الطباع ﴿ ولو حرصتم ﴾ وإذا لم تقدروا عليها بحيث لا يقع ميل ألبتة ولا زيادة ولا نقصان لم تكونوا مكلفين به، وهذا تفسير يناسب مذهب المعتزلة من أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ أي رفع عنكم تمام العدل وغايته ولكن ائتوا منه ما استطعتم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم.

وبوجه آخر لن تستطيعوا التسوية في الميل القلبي ﴿ ولو حرصتم ﴾ ولا التسوية الكلية في نتائج الحب من الأقوال والأفعال لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها وسائر حقوقها وحظوظها من غير رضا منها ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين السماء والأرض لا على قرار أي غير ذات بعل ولا مطلقة.

والغرض النهي عن الميل الكلي مع جواز التفريط في العدل الكلي في نتائج الميل القلبي، وأما الميل القلبي فمعفو بالكل وبالبعض لأن القلب ليس في تصرف الإنسان وإنما هو بين أصبعين من أصابع الرحمن.

عن النبي  أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" يعني المحبة لأن / عائشة كانت أحب إليه.

وعنه  : "من كانت له امرأتان يميل مع أحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" ﴿ وإن تصلحوا ﴾ ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ﴿ وتتقوا ﴾ فيما يستقبل ﴿ فإن الله كان غفوراً رحيماً وإن يتفرقا يغن الله كلاً ﴾ يرزق كل واحد منهما زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشته.

والسعة الغنى والمقدرة ﴿ وكان الله واسعاً ﴾ من الرزق والفضل والرحمة والعلم وأي كمال يفرض ولهذا أطلق.

﴿ حكيماً ﴾ قال ابن عباس: فيما حكم ووعظ.

وقال الكلبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان.

ثم قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وهو كالتفسير لسعة ملكه وملكه.

وفيه أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنسوان ليس لعجز أو افتقار وإنما يعود فائدة ذلك إلى المكلف لأنه الأحسن له في دنياه وعقباه.

ثم بين أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة لم يلحقها نسخ وتبديل، وإن استغناءه  بالنسبة إلى الأمم السالفة كهو بالنسبة إلى الأمم الآتية فقال: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي جنسه ليشمل التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف.

وقوله: ﴿ من قبلكم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ وصينا ﴾ أو بـ ﴿ أوتوا ﴾ وقوله: ﴿ وإياكم ﴾ عطف على ﴿ الذين ﴾ ومعنى ﴿ أن اتقوا ﴾ بأن اتقوا وتكون "أن" المفسرة لأن التوصية في معنى القول.

﴿ وإن تكفروا ﴾ عطف على ﴿ اتقوا ﴾ أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى.

وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصى يخشون عقابه ويرجون ثوابه.

أو قلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة وغيرهم من يوحده ويعبده ويتقيه ﴿ وكان الله ﴾ مع ذلك ﴿ غنياً ﴾ عن خلقه وعن عباداتهم ﴿ حميداً ﴾ في ذاته وإن لم يحمده واحد منهم.

ثم كرر قوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ﴾ تقريراً لأنه أهل أن يتقى وتوكيداً لاستغنائه عن طاعات المطيعين وسيئات المذنبين.

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ يعدمكم أيها الناس ﴿ ويأت بآخرين ﴾ يوجد خلقاً آخرين غير الإنس أو من جنس الإنس ﴿ وكان الله ﴾ على ذلك الإعدام ثم الإيجاد ﴿ قديراً ﴾ بليغ القدرة لم يزل موصوفاً بذلك ولن يزال كذلك.

وفي الآية من التخويف والغضب ما لا يخفى.

وقيل: الخطاب لأعداء النبي  من العرب والمراد بآخرين ناس يوالونه.

يروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله  /بيده على ظهر سلمان وقال: "إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس" .

ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال: ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فماله يطلب الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس.

فالتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء بالشرط ﴿ وكان الله سميعا ﴾ لأقوال المجاهدين والطالبين ﴿ بصيراً ﴾ بمطامح عيونهم ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك.

ثم بيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل ﴿ شهداء لله ﴾ لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره.

وفي كلام الحكماء: "إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى".

أو المراد الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول: أشهد أنّ لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا.

وإنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لله عكس قوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط  ﴾ لأنّ شهادة الله  عبارة عن كونه خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل في تلك المخلوقات، والأول مقدم علىالثاني.

وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم ﴿ إن يكن ﴾ المشهود عليه ﴿ غنياً أو فقيراً ﴾ فلا تكتموا الشهادة طلباً لرضا الغني أو ترحماً على الفقير ﴿ فالله أولى ﴾ بأمورهما ومصالحهما.

وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد هذين إلاّ أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها.

قال السدي: "اختصم إلى النبي  غني وفقير وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير" وأنزل الآية.

وقوله: ﴿ أن تعدلوا ﴾ يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق.

واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى.

ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ﴿ وأن تلووا ﴾ بواوين من لوى يلوي إذا فتل، وبواو واحدة من الولاية والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل ﴿ أو تعرضوا ﴾ عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها.

واعلم أن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلاّ / إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ وظاهر مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل.

فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ في الماضي والحاضر ﴿ آمنوا ﴾ في المستقبل أي دوموا على الإيمان واثبتوا.

الثاني: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ تقليداً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً.

الثالث: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ استدلالاً إجمالياً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً تفصيلياً.

الرابع: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمنوا ﴾ بأن كنه الله  وعظمته وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا ينتهي إليها عقولكم.

الخامس قال الكلبي: "إن عبد الله بن سلام وأسداً وأسيداً ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فأنزل الله هذه الآية فآمنوا بكل ذلك" .

وقيل: إن المخاطبين ليسوا هم المسلمين والتقدير: ﴿ يا أيها الذين آمنوأ ﴾ بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل ﴿ آمنوا ﴾ بمحمد  والقرآن وبجميع الكتب المنزلة من قبل لا ببعضها فقط، لأن طريق العلم بصدق النبي هو المعجز وأنه حاصل في الكل، فالخطاب لليهود والنصارى.

أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالسان ﴿ آمنوا ﴾ بالقلب فهم المنافقون, أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللات والعزى ﴿ آمنوا ﴾ بالله فهم المشركون، والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل جنسه.

فإن قيل: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب.

وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة؟

أجيب بأن الإيمان بالثلاثة يلزم منه الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر، لكنه ربما ادّعى الإنسان أنه يؤمن بالثلاثة ثم إنه ينكر الملائكة واليوم الآخر لتأويلات فاسدة، فلما كان هذا الاحتمال قائماً نص على أن منكر الملائكة والقيامة كافر بالله.

فإن قيل: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب في مراتب الكفر عكس الأمر؟

فالجواب أن الكتاب مقدم على الرسول في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق، وأما في العروج فالرسول مقدم على الكتاب.

وبوجه آخر الرسول الأول هو نبينا محمد  والرسل عام له ولغيره، فلما خص ذكره أولاً للتشريف جعل ذكره تالياً لذكر الله لمزيد التشريف ولبيان أفضليته  .

ثم لما رغب في الإيمان والثبات عليه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً ﴾ والمراد الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان تارات وأطواراً.

قال القفال: وليس المراد بيان العدد بل المراد ترددهم وتمرنهم على ذلك.

وقيل: اليهود هم آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد  .

وقيل: هم المنافقون أظهروا الإسلام / ثم كفروا بنفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ثم ازدادوا كفراً بجدهم واجتهادهم في استخراج وجوه المكايد في حق المسلمين.

قيل: هم طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى على ما أخبر الله  عنهم أنهم قالوا: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون  ﴾ ثم إنهم بالغوا في ذلك وازدادوا إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام.

وفي الآية دلالة على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وذلك يبطل مذهب القائلين بالموافاة وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت الشخص على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان.

وفيها أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان فيجب أن يكون الإيمان كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذا الآخر.

وكيف يزداد كفرهم فيه وجوه: أحدهها أنهم ماتوا على كفرهم.

وثانيها بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم وعلى هذا فإصابة الطاعات وقت الإيمان تكون زيادة في الإيمان.

وثالثها استهزاؤهم بالدين.

أما قوله  : ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ فقيل عليه اللام تفيد نفي التأكيد وهذا لا يليق بالوضع إنما اللائق به تأكيد النفي.

وأجيب بأن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم أفاد تأكيد النفي.

ثم أورد عليه أن الكفر قبل التوبة غير مغفور على الإطلاق وحينئذٍ تضيع الشرائط المذكورة في الآية، وبعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة فكيف يصح النفي؟

وأجيب بأن اللام في الذين لمعهودين وهم قوم علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر لا يتوبون عنه قط، فقوله: ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ إخبار عن موتهم على الكفر، أو اللام للاستغراق وخرج الكلام على الغالب المعتاد وهو أن من كان مضطرب الحال كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه وقع واحتشام.

فالظاهر من حال مثله أنه يموت على الكفر، فليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب كالفاسق يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يرجى منه الثبات والغالب أنه يموت على الفسق.

﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ أي إلى الإيمان عند الأشاعرة، وعند المعتزلة إلى الجنة.

أو محمول على المنع من زيادة الألطاف.

﴿ بشر المنافقين ﴾ تهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتهم الضرب ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ كان المنافقون يوادّون اليهود اعتقاداً منهم أن أمر محمد  لا يتم وحينئذٍ يبتغون بودّهم أن يحصل لهم بهم قوة وغلبة، فخيّب الله آمالهم بقوله: ﴿ فإن العزة لله جميعاً ﴾ وعزّة الله تستتبع عزة الرسول والمؤمنين كقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ و ﴿ جميعاً ﴾ حال من العزة أي مجموعة.

قال المفسرون: إنّ المشركين كانوا بمكة يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به / وبين أظهرهم المسلمون ولا يتهيّأ لهم حينئذِ الإنكار عليهم ظاهراً فنزلت إذا ذاك.

﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ويجالسهم بعض المنافقين فأنزل الله  في هؤلاء المنافقين ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ معنى آية الأنعام ﴿ أن إذا سمعتم آيات الله ﴾ هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله حال كونها يكفر بها ويستهزأ بها.

وقال الكسائي: المعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات كما يقال: سمعت عبد الله يلام وفيه نظر، لأنّ إيقاع فعل السماع على الآيات ممكن بخلاف إيقاعه على عبد الله.

﴿ إنكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ إذا مثلهم ﴾ مثل الأحبار في الكفر و "إذن" ههنا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر ولذلك لم يذكر بعدها الفعل أي إذن تكونوا مثلهم، وأفرد ﴿ مثلهم ﴾ لأنها في معنى المصدر نحو ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴾ \[المؤمنون:47\] وقد جمع في قوله: ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم  ﴾ وإنما لم يحكم بكفر المسلمين بمكة لمجالسة المشركين الخائضين وحكم بنفاق هؤلاء بالمدينة لمجالسة أحبار اليهود الخائضين، لأن مجالسة أولئك المسلمين كانت للضرورة وفي أوان ضعف الإسلام ولم يرد نهي بعد، ومجالسة هؤلاء المنافقين كانت في وقت الاختيار وقوة الإسلام وبعد ورود النهي.

قال أهل العلم: في الآية دليل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان شريكهم في الإثم.

ثم حقق كون المنافقين مثل الكافرين بقوله: ﴿ إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ﴾ يعني القاعدين والمقعود معهم.

والضمير في ﴿ معهم ﴾ يعود إلى الكافرين المستهزئين بدلالة ﴿ يكفر بها ويستهزأ بهأ ﴾ وأراد ﴿ جامع ﴾ بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين تخفيفاً في اللفظ.

والمعنى أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة ومثله قوله  : "المرء مع من أحب" ﴿ يتربصون بكم ﴾ ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من نصر أو إخفاق.

﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ ظهور على اليهود ﴿ قالوا ألم نكن معكم ﴾ مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ وإن كان للكافرين ﴾ أي اليهود نصيب استيلاء مّا في الظاهر ﴿ قالوا ألم نستحوذ عليكم ﴾ الحوذ السوق السريع والاستحواذ الغلبة.

وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح واستصوب.

وفي الآية وجهان: الأول ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم.

الثاني أنّ أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام.

ثم إنّ المنافقين نفروهم / وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد  ويقوى أمركم.

فالمراد ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وأرشدناكم إلى مصالحكم فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.

وفي تسمية ظفر المؤمنين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً تثبيت للمؤمنين وتعظيم لما هم عليه من الدين وتحقير لشأن الكافرين وتوهين لأمرهم، فكان ظفر المسلمين أمر عظيم يفتح له أبواب السماء حين ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين حظ دنيوي ينقضي ولا يبقى منه إلاّ الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي بين المؤمن والمنافق.

والغرض أنه يقال: ما وضع السيف على المنافقين في الدنيا ولكن أخر عقابهم إلى يوم القيامة ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال علي وابن عباس: المراد في الدنيا ولكن بالحجة أي حجة المسلمين غالبة على حجة الكل.

وقيل: في الآخرة.

وقيل: عام في الكل.

والشافعي بنى عليه مسائل منها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه إلى دار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية.

ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً.

ومنها أنّ المسلم لا يقتل بالذمي والله  أعلم.

التأويل: النفس للروح كالمرأة للزوج و ﴿ يتامى النساء ﴾ صفات النفوس و ﴿ ما كتب لهن ﴾ ما أوجب الله للنفوس من الحقوق.

وحاصل المعنى أنّ نفسك مطيتك فارفق بها وإليه الإشارة بقوله: ﴿ والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح ﴾ فالروح تشح بترك حقوق الله، والنفس تشح بحظوظها ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ في رفض حظوظ النفس ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين العالم العلوي والعالم السفلي ﴿ وإن يتفرّقا ﴾ أي الروح والنفس فالروح تجتذب بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله في عالم هويته لتستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود.

والنفس تجتذب عن الروح بجذبة ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله في عالم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ للإيمان ثلاث مراتب: إيمان للعوام أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث والجنة والنار والقدر وهذا إيمان غيبي، وإيمان للخواص وهو أنه  إذا تجلّى للعبد بصفة من صفاته خضع له جميع أجزاء وجوده وآمن بالكلية وهذا إيمان عياني، وإيمان للأخص وهو بعد رفع الحجب الأنانية حين أفناه بصفة الجلال وأبقاه بصفة الجمال فلم يبق له إلا عين وبقي في العين وهذا إيمان عيني ﴿ إنّ الذين آمنوا ﴾ أي بالتقليد ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم يكن للتقليد أصل ﴿ ثم آمنوا ﴾ بالاستدلال العقلي ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور الإلهي ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ بالشبهات والاعتراضات ﴿ لم يكن الله ﴾ في الأزل غافراً لهم بنوره عند الرش ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ اليوم لأن الأصل لا يخطىء ﴿ بشر المنافقين ﴾ أي بشرهم بأن أصلهم من / جوهر الكفار ولهذا اتخذوا الكافرين أولياء فإنّ ائتلافهم ههنا نتيجة تعارف أرواحهم وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون.

/ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ بكذا.

البشارة المطلقة المرسلة لا تكون إلا بالخير خاصة، وأما إذا كانت مقيدة مفسرة فإنها تجوز في الشر؛ كقوله -  -: ﴿ بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ ﴾ كذا، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، وفي القرآن كثير، ما ذكرها في الشر إلا مفسرة مقيدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ - يدل هذا على أن الآية الأولى في أهل النفاق والمراءاة، على ما ذكرنا من التأويل؛ لأنه لم يسبق فيما تقدم ذكر لهم سوى قوله -  -: ﴿ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

ويحتمل على الابتداء والائتناف على غير ذكر تقدم، وذلك جائز في القرآن كثير.

ثم فسر المنافقين فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

ثم يحتمل قوله -  -: ﴿ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قولا وفعلا: أما القول: كقولهم: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  ﴾ ، وغيره من الآيات.

وأما الفعل: فكانوا يمنعون المؤمنين أن يغزوهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ  ﴾ كانوا يمنعون أصحاب رسول الله  والمسلمين عن أن يغزوهم ويقاتلوهم؛ فهم - وإن كانوا يُرُون من أنفسهم الموافقةَ للمؤمنين في الظاهر - فإنهم [كانوا] - في الحقيقة - معهم؛ فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وقوله - عز جل -: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ ﴾ .

قيل: قوله -  -: ﴿ أَيَبْتَغُونَ ﴾ على طرح الألف وأنها زائدة، أي: يبتغون بذلك من عندهم العزة.

ثم يحتمل قوله -  -: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ ﴾ وجهين.

يحتمل: العزة: المنعة والنصرة، وكانوا يطلبون بذلك النصرة والقدرة عند الكافرين.

ويحتمل: ليتعززوا بذلك.

والأصل: أن حرف الاستفهام كله من الله - له حق الإيجاب، على ما يقتضي جوابه من حقيقة الاستفهام؛ إذ الله عالم لا يخفى عليه شيء يستفهم، جل عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

أي: [والنصرة والقدرة] كله لله، من عنده يكون، وبه يتعزز في الدنيا والآخرة، ليس من عند أولئك الذين يطلبون منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ﴾ .

قال بعضهم: قوله -  -: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ ﴾ - هو ما ذكر في سورة الأنعام، وهو قوله -  -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ  ﴾ ؛ لأنه نهاهم - عز وجل - عن القعود معهم إذا خاضوا في طعن القرآن وآيات الله؛ فأخبر أن ليس لهم من حسابهم من شيء إذا قعدوا.

ثم قال في هذه الآية: ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ ﴾ : نهاهم - عز وجل - عن القعود معهم، وأخبر أنهم إذا فعلوا ذلك يكونوا مثلهم؛ فهو - والله أعلم - على النسخ: نسخ هذا الأول.

ويحتمل [أن يكون] قوله -  -: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ  ﴾ في المشركين، لم يلحقهم من العقوبة، والمآثم؛ لأنهم لا يقدرون على منع المشركين عن الاستهزاء بآيات الله والطعن فيها، ويقدرون على منع المنافقين عن ذلك؛ فشاركوهم في العقوبة فيما يقدرون على منعهم فلم يمنعوا، ورفع عنهم ذلك فيما لا يقدرون على دفعه.

وفيه دلالة أن من بلي بمنكر له قدرة التغيير على أهله، فلم يغير - أن يشاركهم في ذلك، أو إذا لم يكن له قدرة التغيير عليهم فلم يفارقهم، لكن أقام معهم - شاركهم أيضا في العقوبة؛ الواجب على كل من بُلي بذلك، وله قدرة التغيير عليهم - فعل، أي: أنكر عليهم وغيّره، وإلا فارقهم؛ وإلا يُخاف أن يشاركهم في العقوبة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴾ الآية.

لأنهم كانوا معهم في السر والحقيقة، وإن كانوا يظهرون للمؤمنين الموافقة باللسان؛ فهذا يدل على أن الحقائق في العواقب هو ما يسر المرء ويضمر، ليس ما يظهر؛ لأن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الظاهر في جميع الأحكام: في الأنكحة، والعقود كلها، وإظهار الإيمان لهم باللسان، لكنهم إذا أضمروا خلاف ما أظهروا - لم ينفعهم ذلك؛ دل أن الحقائق في العواقب ما يسر ويضمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: يتربصون الغنيمة والنصر، فإن كان الفتح للمؤمنين قالوا: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ﴾ في الإيمان والأحكام كلها؛ يطلبون الغنيمة والاشتراك فيها؛ كقوله -  -: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ الآية [الأحزاب: 19]، وإذا كانت الدبرة والبوار على المؤمنين للكافرين يقولون: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ الآية [الأحزاب: 18]: كانوا بين المسلمين كعيون لهم؛ يخبرونهم عن عوراتهم، ويطلعونهم على مقصود المؤمنين؛ فذلك مَنْعُهم من المؤمنين واستحواذهم عليهم، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ ، يعني: أمر محمد  وأصحابه عندهم بألا يدوم ذلك، بل ينقطع عن قريب، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ يَتَرَبَّصُونَ ﴾ ما ذكر من قوله -  -: ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ  ﴾ ، ثم خرج تأويله في قوله: ﴿ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ  ﴾ ، ثم خص ذلك بقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ ﴾ الآية [التوبة: 98]؛ فبين أنهم يتربصون بهم انقلاب الأمر ورجوعه إلى أعداء الله؛ فمتى ظهرت لهم العواقب - أظهروا الذي له كان دينهم في الحقيقة - أنه كان لسعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ...

﴾ الآية [النساء: 72]، وقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً...

﴾ الآية.

يحتمل هذا - أيضاً - وجهين: يحتمل: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا في الحجج في الدنيا، أي ليس للكافرين الحجة على المؤمنين في الدنيا من شيء، إلا أن يموه عليه، ويفتعل به [و]يعجز المؤمن في إقامة الحجة عليه، ودفع تمويهاته؛ وإلا ليس للكافر حجة يقيمها على المؤمن في الدنيا.

ويحتمل: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ في الآخرة، على دفع شهادتهم التي شهدوا عليهم؛ لأن أمة محمد  يشهدون عليهم؛ كقوله -  -: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ ثم لا سبيل لهم على دفع شهادتهم التي شهدوا عليهم، وردِّها، والله أعلم.

وأيضاً: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ : في الحجة، أو في الشهادة، أو عند الله في الخصومة، وإنما دعوا إلى كتبهم إذا أجابوا الله فيما دعاهم إلى الإيمان بالكتب والرسل - عليهم السلام - أو في النصر؛ فيرجع أمره إلى العواقب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ .

الاستحواذ: الغلبة.

وقيل: الاستيلاء.

وقال بعضهم: ألم نخبركم بعورة محمد وأصحابه ونطلعكم على سرهم، ونكتب به إليكم؟!.

وعن ابن عباس -  -: ألم نحط من وراءكم؟!.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "ألم نستحوذ عليكم ومنعناكم من المؤمنين؟!.".

قال الكسائي: هذا في كلام العرب كثير ظاهر، ومعنى ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ ﴾ - إنا استحوذنا ومنعناكم، وهو ظريف.

وأصل الاستحواذ الغلبة والقهر، وهو ما ذكرنا أنهم يُجبنونَ أصحاب النبي  يقولون: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

وحكم الله بينهم - والله أعلم - هو أن يُنزل المؤمنين الجنة، والمنافقين النار.

﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ في الحجة؛ على ما ذكرنا، وكذلك روي عن ابن عباس -  -: قال: حجة.

وقيل: ظهوراً عليهم، لكن الأول أشبه.

ويحتمل ما ذكرنا من الشهادة - أنه جعل يوم القيامة للمؤمنين الشهادة عليهم؛ ولم يجعل لهم إلى دفعها وردها على أنفسهم سبيلا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين ينتظرون ما يحصل لكم من خير أو شر، فإن كان لكم نصر من الله وغنمتم قالوا لكم: ألم نكن معكم، شهدنا ما شهدتم؟!

لينالوا من الغنيمة، وإن كان للكافرين حظ قالوا لهم: ألم نتول شؤونكم ونُحِطْكم إحاطة العناية والنصرة ونحمكم من المؤمنين بإعانتكم وتخذيلهم؟!

فالله يحكم بينكم جميعًا يوم القيامة، فيجازي المؤمنين بدخول الجنة، ويجازي المنافقين بدخول الدرك الأسفل من النار، ولن يجعل الله بفضله للكافرين تسلطًا على المؤمنين، بل سيجعل العاقبة للمؤمنين.

<div class="verse-tafsir" id="91.9JmXE"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل