الآية ١٥١ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٥١ من سورة النساء

أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا ١٥١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥١ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥١ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى عنهم ، فقال : ( أولئك هم الكافرون حقا ) أي : كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به ; لأنه ليس شرعيا ، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره ، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه ، لو نظروا حق النظر في نبوته .

وقوله : ( وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) أي : كما استهانوا بمن كفروا به إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله ، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه ، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته ، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة ، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه ، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي : ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ) [ البقرة : 61 ] في الدنيا والآخرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

فقال جل ثناؤه لعباده، منبهًا لهم على ضلالتهم وكفرهم: " أولئك هم الكافرون حقًّا " ، يقول: أيها الناس، هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًّا.

فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنَّكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرُّون بما زعموا أنهم به مقرُّون من الكتب والرسل، فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كَذَبَةٌ.

وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل، هو المصدّق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن.

فأما من صدّق ببعض ذلك وكذَّب ببعض، فهو لنبوة من كذب ببعض ما جاء به جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مكذب.

وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء، وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مكذبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاءهم به من عند ربهم، فهم بالله وبرسله= الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذبون= كافرون، (21) فهم الجاحدون وحدانية الله ونبوّة أنبيائه حق الجحود، المكذبون بذلك حق التكذيب.

فاحذروا أن تغتروا بهم وببدعتهم، فإنا قد أعتدنا لهم عذابًا مهينًا.

* * * وأما قوله: " وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا "، فإنه يعني: " وأعتدنا " لمن جحد بالله ورسوله جحودَ هؤلاء الذين وصفت لكم، أيها الناس، أمرَهم من أهل الكتاب، ولغيرهم من سائر أجناس الكفار (22) =" عذابًا "، في الآخرة=" مهينًا "، يعني: يهين من عُذِّب به بخلوده فيه.

(23) * * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 10765- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرِّقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقًّا وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا "، أولئك أعداء الله اليهود والنصارى.

آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى.

وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم.

فاتخذوا اليهودية والنصرانية، وهما بدعتان ليستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رُسله.

10766- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله "، يقولون: محمد ليس برسولٍ لله!

وتقول اليهود: عيسى ليس برسولٍ لله!

(24) فقد فرَّقوا بين الله وبين رسله=" ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض "، فهؤلاء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

10767- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: " إن الذين يكفرون بالله ورسله " إلى قوله: " بين ذلك سبيلا "، قال: اليهود والنصارى.

آمنت اليهود بعُزَير وكفرت بعيسى، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بعزَير.

وكانوا يؤمنون بالنبيّ ويكفرون بالآخر=" ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا "، قال: دينًا يدينون به الله.

--------------- الهوامش : (21) سياق هذه الجملة: "فهم بالله وبرسله ...

كافرون" ، وما بينها فصل في صفة هؤلاء الرسل.

(22) انظر تفسير"أعتد" فيما سلف 8 : 103 ، 355.

(23) انظر تفسير"مهين" فيما سلف: ص163 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك.

(24) في الموضعين ، في المخطوطة والمطبوعة: "برسول الله" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولئك هم الكافرون حقا تأكيد يزيل التوهم في إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض ، وأن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله ؛ وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به عز وجل ، وكفروا بكل رسول مبشر بذلك الرسول ؛ فلذلك صاروا الكافرين حقا .

وللكافرين يقوم مقام المفعول الثاني ل " أعتدنا " ؛ أي أعتدنا لجميع أصنافهم عذابا مهينا أي مذلا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا قال: { أُولَئِكَ هُـمُ الْكَـافِرُونَ حَقًّا } وذلك لئلا يتوهم أن مرتبتهم متوسطة بين الإيمان والكفر.

ووجه كونهم كافرين - حتى بما زعموا الإيمان به- أن كل دليل دلهم على الإيمان بمن آمنوا به موجود هو أو مثله أو ما فوقه للنبي الذي كفروا به، وكل شبهة يزعمون أنهم يقدحون بها في النبي الذي كفروا به موجود مثلها أو أعظم منها فيمن آمنوا به.

فلم يبق بعد ذلك إلا التشهي والهوى ومجرد الدعوى التي يمكن كل أحد أن يقابلها بمثلها، ولما ذكر أن هؤلاء هم الكافرون حقا ذكر عقابا شاملا لهم ولكل كافر فقال: { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا } كما تكبروا عن الإيمان بالله، أهانهم بالعذاب الأليم المخزي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

أولئك هم الكافرون حقا ) حقق كفرهم ليعلم أن الكفر ببعضهم كالكفر بجميعهم ( وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك هم الكافرون حقا» مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله «وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا» ذا إهانة وهو عذاب النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولئك هم أهل الكفر المحقَّق الذي لا شك فيه، وأعتدنا للكافرين عذابًا يخزيهم ويهينهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( أولئك هُمُ الكافرون حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ) إخبار عن سوء مصيرهم ، وشناعة عاقبتهم .أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة هم الكافرون الكاملون فى الكفر ، الراسخون فى ظلماته ، وأعتدنا أى وهيأنا وادخرنا للكافرين جميعا عذابا يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم وجحودهم .وقوله ( حَقّاً ) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله ، وعامله محذوف أى : أولئك الكافرون حق ذلك حقا .

ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف .

أى أولئك هم الكافرون كفرا حقا أى : كفرا كاملا لا شك فى وقوعه منهم وانغماسهم فيه .هذا هو شأن الكافرين بالله ورسله ، وتلك هى عاقبتهم

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما تكلم على طريقة المنافقين عاد يتكلم على مذاهب اليهود والنصارى ومناقضاتهم وذكر في آخر هذه السورة من هذا الجنس أنواعاً: النوع الأول: من أباطيلهم: إيمانهم ببعض الأنبياء دون البعض.

فقال: ﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ ﴾ فإن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ ﴾ أي يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله ورسله ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً ﴾ أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة، وهي الإيمان بالبعض دون البعض.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في خبر ﴿ إن ﴾ قولان: أحدهما: أنه محذوف، كأنه قيل جمعوا المخازي.

والثاني: هو قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون ﴾ والأول أحسن لوجهين: أحدهما: أنه أبلغ لأنه إذا حذف الجواب ذهب الوهم كل مذهب من العيب، وإذا ذكر بقي مقتصراً على المذكور، والثاني: أنه رأس الآية، والأحسن أن لا يكون الخبر منفصلاً عن المبتدأ.

المسألة الثانية: أنهم إنما كانوا كافرين حقاً لوجهين: الأول: أن الدليل الذي يدل على نبوّة البعض ليس إلاّ المعجز، وإذا كان دليلاً على النبوّة لزم القطع بأنه حيث حصل حصلت النبوّة فإن جوزنا في بعض المواضع حصول المعجز بدون الصدق تعذر الاستدلال به على الصدق، وحينئذ يلزم الكفر بجميع الأنبياء فثبت أن من لم يقبل نبوّة أحد منهم لزمه الكفر بجميعهم.

فإن قيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء، ولكن ليس إذا توجه بعض الالزامات على الإنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به، فإلزام الكفر غير، والتزام الكفر غير، والقوم لما لم يلتزموا ذلك فيكف يقضى عليهم بالكفر.

قلنا: الإلزام إذا كان خفياً بحيث يحتاج فيه إلى فكر وتأمل كان الأمر فيه كما ذكرتم، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبقَ بين الالزام والالتزام فرق، والثاني: وهو أن قبول بعض الأنبياء إن كان لأجل الانقياد لطاعة الله تعالى وحكمه وجب قبول الكل، وإن كان لطلب الرياسة كان ذلك في الحقيقة كفراً بكل الأنبياء.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ حَقّاً ﴾ وجهان: الأول: أنه انتصب على مثل قولك: زيد أخوك حقاً، والتقدير أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً، والثاني: أن يكون التقدير: أولئك هم الكافرون كفراً حقاً.

طعن الواحدي فيه وقال: الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه.

والجواب أن المراد بهذا الحق الكامل، المعنى أولئك هم الكافرون كفراً كاملاً ثابتاً حقاً يقيناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

جعل الذين آمنوا بالله وكفروا برسله أو آمنوا بالله وببعض رسله وكفروا ببعض كافرين بالله ورسله جميعاً لما ذكرنا من العلة، ومعنى اتخاذهم بين ذلك سبيلاً: أن يتخذوا ديناً وسطاً بين الإيمان والكفر كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً ﴾ [الإسراء: 110] أي طريقاً وسطاً في القراءة وهو ما بين الجهر والمخافتة.

وقد أخطؤوا، فإنه لا واسطة بين الكفر والإيمان ولذلك قال: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً ﴾ أي هم الكاملون في الكفر.

و(حقاً) تأكيد لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد الله حقاً، أي حق ذلك حقاً، وهو كونهم كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين، أي هم الذين كفروا كفراً حقاً ثابتاً يقيناً لا شك فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ويَكْفُرُوا بِرُسُلِهِ.

﴿ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ.

﴿ وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، ولا واسِطَةَ: إذِ الحَقُّ لا يَخْتَلِفُ فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَتِمُّ إلّا بِالإيمانِ بِرُسُلِهِ وتَصْدِيقِهِمْ فِيما بَلَّغُوا عَنْهُ تَفْصِيلًا أوْ إجْمالًا، فالكافِرُ بِبَعْضِ ذَلِكَ كالكافِرِ بِالكُلِّ في الضَّلالِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ هُمُ الكامِلُونَ في الكُفْرِ لا عِبْرَةَ بِإيمانِهِمْ هَذا.

﴿ حَقًّا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ الكافِرِينَ بِمَعْنى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا حَقًّا أيْ يَقِينًا مُحَقَّقًا.

﴿ وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون} هم الكاملون في الكفر لأن الكفر بواحد كفر بالكل {حَقّاً} تأكيد لمضمون الجملة كقولك هذا عبد الله حقاً أي حق ذلك حقاً وهو كونهم كاملين في الكفر أو هو صفة لمصدر الكافرين أى هم الذين كفروا كفرا حقاً ثابتاً يقيناً لا شك فيه {وَأَعْتَدْنَا للكافرين عذابا مهينا} فى الآخرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ أيْ: عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مَذْهَبُهُمْ، وتَقْتَضِيهِ آراؤُهُمْ، لا أنَّهم يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ في الإيمانِ، بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ويَكْفُرُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَكِنْ لا يُصَرِّحُونَ بِالإيمانِ بِهِ تَعالى وبِالكُفْرِ بِهِمْ قاطِبَةً، بَلْ بِطَرِيقِ الِالتِزامِ، كَما يَحِيكُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ أيْ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ، كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ، وما ذَلِكَ إلّا كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى وتَفْرِيقٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ؛ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أخْبَرَ قَوْمَهَ بِحَقِّيَّةِ دِينِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَن كَفَرَ بِواحِدٍ مِنهم فَقَدْ كَفَرَ بِالكُلِّ وبِاللَّهِ تَعالى أيْضًا، مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ ﴿ ويُرِيدُونَ ﴾ بِهَذا القَوْلِ ﴿ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ أيِ الإيمانِ والكُفْرِ ﴿ سَبِيلا ﴾ أيْ: طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ، مَعَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما قَطْعًا، إذِ الحَقُّ لا يَخْتَلِفُ (وماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ)؟!

هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وهو الَّذِي تُؤَيِّدُهُ الآثارُ: فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ فِيها: «أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى اليَهُودُ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ ومُوسى، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآمَنَتِ النَّصارى بِالإنْجِيلِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَفَرُوا بِالقُرْآنِ ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فاتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وهُما بِدْعَتانِ، لَيْسَتا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَرَكُوا الإسْلامَ، وهو دِينُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ، مِثْلَهُ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ خَلُصَ كُفْرُهُمُ الصِّرْفُ بِالجَمِيعِ، فَنَفَوُا الصّانِعَ - مَثَلًا - وأنْكَرُوا النُّبُوّاتِ، والَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَعالى وكَفَرُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا عَكْسُهُ، وإنْ قِيلَ: إنَّهُ يُتَصَوَّرُ في النَّصارى لِإيمانِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، والكُفْرُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ شامِلٌ لِلشِّرْكِ والإنْكارِ، إذْ لا يَخْفى ما فِيهِ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكَفَرُوا بِبَعْضِهِمْ كاليَهُودِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ مُتَقابِلَةٌ، كانَ الظّاهِرُ عَطْفُها بِـ(أوْ) لَكِنْ أُتِيَ بِالواوِ بَدَلَها فَهي بِمَعْناها، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُقَدَّرٌ بِناءً عَلى جَوازِ حَذْفِهِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا) إلَخْ، عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (يَكْفُرُونَ) لِأنَّ هَذِهِ الإرادَةَ عَيْنُ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن كَفَرَ بِرُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى كالبَراهِمَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: (ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ) إلَخْ، فَعَطْفٌ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ، والواوُ بِمَعْنى أوِ التَّنْوِيعِيَّةِ، فالأوَّلُونَ فَرَّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، والآخِرُونَ فَرَّقُوا بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ تَعالى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ كاليَهُودِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَخَبَرُ (إنَّ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ القَبِيحَةِ ﴿ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ الكامِلُونَ في الكُفْرِ، لا عِبْرَةَ بِما يَدَّعُونَهُ ويُسَمُّونَهُ إيمانًا أصْلًا ﴿ حَقًّا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: حُقَّ ذَلِكَ، أيْ كَوْنُهم كامِلِينَ في الكُفْرِ حَقًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الكافِرِينَ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا حَقًّا أيْ: لا شَكَّ فِيهِ ولا رَيْبَ، فالعامِلُ مَذْكُورٌ و(حَقًّا) بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، ولَيْسَ بِمَعْنى مُقابِلِ الباطِلِ، ولِهَذا صَحَّ وُقُوعُهُ صِفَةً صِناعَةً ومَعْنًى، واحْتِمالُ الحالِيَّةِ - كَما زَعَمَ أبُو البَقاءِ - بَعِيدٌ، والآيَةُ عَلى ما زَعَمَهُ البَعْضُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ، عَلى أنَّها كالتَّعْلِيلِ لَهُ، وما تَوَسَّطَ بَيْنَ العِلَّةِ والمَعْلُولِ مِنَ الجُمَلِ والآياتِ إمّا مُعْتَرِضٌ أوْ مُسْتَطْرِدٌ عِنْدَ إمْعانِ النَّظَرِ ﴿ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ ﴾ أيْ: لَهُمْ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَذْكِيرًا بِوَصْفِ الكُفْرِ الشَّنِيعِ المُؤْذِنِ بِالعِلِّيَّةِ، وقَدْ يُرادُ جَمِيعُ الكُفّارِ، وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿ عَذابًا مُهِينًا ﴾ يُهِينُهم ويُذِلُّهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي ظَنُّوا بِهِ العِزَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ أي لا يحب أن يذكر بالقول القبيح لأحد من الناس إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فيقتص من القول بمثل ما ظلم، فلا جناح عليه.

نزلت الآية في شأن أبي بكر الصديق  ، شتمه رجل فسكت أبو بكر مراراً، ثم ردّ عليه، ويقال: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فيدعو الله تعالى على ظالمه.

وقال الفراء: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ يعني ولا من ظلم.

وقال السدي: يقول من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح.

وقال الضحاك: لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ أي لا يحب لكم أن تنزلوا برجل، فإذا ارتحلتم عنه تذمون طعامه إلا رجلاً أردتم النزول عليه عند حاجتكم فمنعكم.

وقال مجاهد: هو في الضيافة إذا دخل الرجل المسافر إلى القوم، يريد أن ينزل عليهم فلم يضيفوه، فقد رخص له أن يذكر كلاماً عنهم ويقول فيهم.

ويقال: يعني يسبه مثل ما سبه ما لم يكن كلاماً فيه حد أو كلمة لا تصلح، ولو لم يقل كان أفضل.

وقرأ بعضهم: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ متصل بما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم، يعني من إشراك بالله، وهو شاذ من القراءة ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً أي سميعاً بدعاء المظلوم، عليماً بعقوبة الظالم.

ثم أخبر عن التجاوز أنه خير من الانتصار، فقال تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً يعني إن تظهروا حسنة أَوْ تُخْفُوهُ يعني الحسنة أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ يعني يتجاوز عن ظالمه ولا يجهر بالسوء عنه، فهو أفضل لأن الله تعالى قادر على عباده فيعفو عنهم، وذلك قوله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً يعني أن الله أقدر على العقوبة لكم، فيعفو عنكم.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ قال ابن عباس: نزلت الآية في أهل الكتاب، يؤمنون بموسى وعيسى ويكفرون بغيرهما، وهو قوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني يريدون أن يتخذوا ديناً لم يأمر به الله ورسوله وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ بموسى وعزير والتوراة وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ بمحمد  وبعيسى والإنجيل والقرآن وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا يعني بين اليهودية والإسلام.

قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا حين كفروا ببعض الرسل وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً يهانون فيه.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني أقروا بوحدانية الله تعالى وصدقوا بجميع الرسل وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ في الإيمان والتصديق، يعني لم يكفروا ولم يجحدوا بأحد من الأنبياء والرسل عليهم السلام، ويصدقون بجميع الكتب أُولئِكَ يعني أهل هذه الصفة سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ أي سنعطيهم ثوابهم في الجنة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً بهم لما كان منهم في الشرك.

قرأ عاصم في رواية حفص: يُؤْتِيهِمْ بالياء وقرأ الباقون نؤتيهم بالنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وفي «صحيحِ البخاريِّ» ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ» «١» .

انتهى.

«وسميعٌ عليمٌ» : صفتان لائِقَتَان بالجَهْر بالسوء، وبالظلم أيضاً، فإنه يعلمه ويجازي علَيْه، ولما ذكر سبحانه عَذْر المَظْلُوم في أنْ يجهر بالسوء لظالمه، أَتْبَعَ ذَلك عَرْضَ إبداء الخير، وإخفائه، والعَفْوِ عن السُّوء، ثم وَعَدَ عَلَيْه سبحانه بقوله: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً وعْداً خفيًّا تقتضيه البلاغَةُ، ورغَّب سبحانه في العَفْو إذ ذكر أنها صفتُهُ مع القدرةَ على الإنتقام.

قال ع «٢» : فَفِي هذه الألفاظِ اليسيرَةِ مَعَانٍ كثيرةً لمن تأمَّلها، قال الدَّاوُوديُّ:

وعن ابنِ عُمَر أنه قال: لا يحب اللَّه سبحانه أنْ يدعو أحَدٌ على أحدٍ إلاَّ أنْ يُظْلَمَ، فقد رخَّص له في ذلك.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا ﴾ ذَكَرَ "الحَقَّ" هاهُنا: تَوْكِيدًا لِكُفْرِهِمْ إزالَةً لِتَوَهُّمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ إيمانَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ يُزِيلُ عَنْهُمُ اسْمَ الكَفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مِنَ ظُلِمَ وكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ ﴿ إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أو تُخْفُوهُ أو تَعْفُوا عن سُوءٍ فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ اَلْمَحَبَّةُ في الشاهِدِ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها اسْتِحْسانٌ ومَيْلُ اعْتِقادٍ؛ فَتَكُونُ الأفْعالُ الظاهِرَةُ مِنَ المُحِبِّ بِحَسَبِ ذَلِكَ؛ والجَهْرُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ لا يَكُونُ مِنَ اللهِ تَعالى فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ يُرِيدُ وُقُوعَ الواقِعِ مِنهُ؛ ولا يُحِبُّهُ هو في نَفْسِهِ.

والجَهْرَ: كَشْفُ الشَيْءِ؛ ومِنهُ الجَهْرَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ أرِنا اللهَ جَهْرَةً  ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَهَرَتِ البِئْرُ"؛ إذا حُفِرَتْ حَتّى أخْرَجَتْ ماءَها.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ ؛ وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ بِضَمِّ الظاءِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءُ بْنُ السائِبِ؛ وعَبْدُ الأعْلى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ؛ وغَيْرُهُمْ: "إلّا مَن ظَلَمَ"؛ بِفَتْحِ الظاءِ؛ واللامِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِضَمِّ الظاءِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى: لا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَلا يُكَرَهُ لَهُ الجَهْرُ بِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في كَيْفِيَّةِ الجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وما هو المُباحُ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ الحَسَنُ: هو الرَجُلُ يَظْلِمُ الرَجُلَ؛ فَلا يَدْعُ عَلَيْهِ؛ ولَكِنْ لِيَقُلْ: "اَللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ؛ اللهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي؛ اللهُمَّ حُلْ بَيْنِي وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُباحُ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ؛ وإنْ صَبَرَ فَهو أحْسَنُ لَهُ؛ وَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ: هو في الضَيْفِ المُحَوِّلِ رَحْلَهُ؛ فَإنَّهُ يَجْهَرُ لِلَّذِي لَمْ يُكْرِمْهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ فَقَدْ رَخَّصَ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ؛ وفي هَذا نَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومُقْتَضاها ذِكْرُ الظُلْمِ؛ وتَبْيِينُ الظُلامَةِ في ضِيافَةٍ وغَيْرِها؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ: لا بَأْسَ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ؛ ويَجْهَرَ لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهَذِهِ الأقْوالُ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: قَوْلِ الحَسَنِ؛ دُعاءٍ في المُدافَعَةِ؛ وتِلْكَ أقَلُّ مَنازِلِ السُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ وقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ الدُعاءِ عَلى الظالِمِ بِإطْلاقٍ في نَوْعِ الدُعاءِ؛ وقَوْلِ مُجاهِدٍ ؛ ذِكْرِ الظُلامَةِ والظُلْمِ؛ وقَوْلِ السُدِّيِّ ؛ الِانْتِصارِ بِما يُوازِي الظُلامَةَ.

وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: "إلّا مَن ظُلِمَ"؛ مَعْناهُ: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ؛ كُفْرًا أو نَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ؛ والآيَةُ في الإكْراهِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِفَتْحِ الظاءِ واللامِ؛ فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنى: إلّا مَن ظَلَمَ في قَوْلٍ؛ أو في فِعْلٍ؛ فاجْهَرُوا لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ في مَعْنى النَهْيِ عن فِعْلِهِ؛ والتَوْبِيخِ؛ والرَدِّ عَلَيْهِ؛ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ كانَ ذَلِكَ جَهْرًا بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ عَلى مَعْنى التَأْنِيسِ؛ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُكْرِ؛ والإيمانِ؛ ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يُجْهَرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا لِمَن ظَلَمَ في إقامَتِهِ عَلى النِفاقِ؛ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَرْكُ الأسْفَلُ؟

ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الكَلامِ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ تَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ مَن ظَلَمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُوءِ؛ وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ.

وإعْرابُ "مَن" يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ النَصْبَ؛ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ؛ عَلى البَدَلِ مِن "أحَدٌ" اَلْمُقَدَّرُ؛ و"سَمِيعٌ"؛ "عَلِيمٌ": صِفَتانِ لائِقَتانِ بِالجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وبِالظُلْمِ أيْضًا؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ ويُجازِي عَلَيْهِ.

وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى عُذْرَ المَظْلُومِ في أنْ يَجْهَرَ بِالسُوءِ لِظالِمِهِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ عَرْضَ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ؛ والعَفْوُ عَنِ السُوءِ وعَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ ؛ وعْدَ إخْفاءٍ؛ تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ؛ ورَغَّبَ في العَفْوِ؛ إذْ ذَكَرَ أنَّها صِفَتُهُ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ؛ فَفي هَذِهِ الألْفاظِ اليَسِيرَةِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ لِمَن تَأمَّلَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ نَزَلَ في اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّهم في كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِجَمِيعِ الرُسُلِ؛ وكُفْرُهم بِالرُسُلِ كُفْرٌ بِاللهِ؛ وفَرَّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ؛ في أنَّهم قالُوا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِاللهِ؛ ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ؛ وفُلانٍ؛ مِنَ الأنْبِياءِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ الأنْبِياءِ؛ وقِيلَ: هو تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِمُحَمَّدٍ في أنَّهُ نَبِيٌّ؛ لَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَحْوِ هَذا مِن تَفْرِيقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا ورَوَغانًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ  ﴾ ؛ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ؛ والإسْلامِ؛ والكُفْرِ الصَرِيحِ المُجَلَّحِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُمُ الكافِرُونَ حَقًّا؛ لِئَلّا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ الَّذِي عِنْدَهم مِنَ الإيمانِ يَنْفَعُهُمْ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عادة القرآن عند التعرّض إلى أحوال مَن أظهروا النِّواء للمسلمين أن ينتقل من صفات المنافقين، أو أهل الكتاب، أو المشركين إلى صفات الآخرين، فالمراد من الذين يكفرون بالله ورسله هنا هم اليهود وَالنصارى، قاله أهل التفسير.

والأظهر أنّ المراد به اليهود خاصّة لأنّهم المختلطون بالمسلمين والمنافقين، وكان كثير من المنافقين يهوداً وعبّر عنهم بطريق الموصول دون الاسم لما في الصلة من الإيماء إلى وجه الخير، ومن شناعة صنيعهم ليناسب الإخبار عنهم باسم الإشارة بعد ذلك.

وجُمع الرسل لأنّ اليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام، والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فجمع الرسل باعتبار مجموع الكفّار، أو أراد بالجمع الاثنين، أو أراد بالإضافة معنى الجنس فاستوى فيه صيغة الإفراد والجمع، لأنّ المقصود ذمّ مَن هذه صفتهم بدون تعيين فريق، وطريق العرب في مثل هذا أن يعبّروا بصيغة الجموع وإن كان المعرّض به واحداً كقوله تعالى: ﴿ أم يحسدون الناس ﴾ [النساء: 54] وقوله: ﴿ الذين يبْخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴾ [النساء: 37] ﴿ يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ [المائدة: 44] وقول النبي صلى الله عليه وسلم " مَا بال أقوام يشترطون شروطاً ".

وجيء بالمضارع هنا للدلالة على أنّ هذا أمر متجدّد فيهم مستمرّ، لأنَّهم لو كفروا في الماضي ثم رجعوا لما كانوا أحرياء بالذمّ.

ومعنى كفرهم بالله: أنَّهم لمّا آمنوا به ووصفوه بصفات غير صفاته من التجسيم واتّخاذ الصاحبة والولد والحلول ونحو ذلك، فقد آمنوا بالاسم لا بالمسمّى، وهم في الحقيقة كفروا بالمسمّى، كما إذا كان أحد يظنّ أنَّه يعرف فلاناً فقلت له: صفه لي، فوصفه بغير صفاته، تقول له: «أنت لا تعرفه»؛ على أنّهم لمَّا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفروا بما جاء به من توحيد الله وتنزيهه عن مماثلة الحوادث، فقد كفروا بإلهيته الحقّة، إذ منهم من جسّم ومنهم من ثلّث.

ومعنى قوله: ﴿ ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ﴾ أنّهم يحاولون ذلك فأطلقت الإرادة على المحاولة، وفيه إيذان بأنَّه أمر صعب المنال، وأنَّهم لم يبلغوا ما أرادوا من ذلك، لأنّهم لم يزالوا يحاولونه، كما دلّ عليه التعبير بالمضارع في قوله: ﴿ ويريدون ﴾ ولو بلغوا إليه لقال: وفرّقوا بين الله ورسله.

ومعنى التفريق بين الله ورسله أنّهم ينكرون صدق بعض الرسل الذين أرسلهم الله، ويعترفون بصدق بعض الرسل دون بعض، ويزعمون أنَّهم يؤمنون بالله، فقد فرّقوا بين الله ورسله إذ نفوا رسالتهم فأبعدوهم منه، وهذا استعارة تمثيليّة، شبّه الأمر المتخيّل في نفوسهم بما يضمره مريد التفريق بين الأولياء والأحباب، فهي تشبيه هيئة معقولة بهيئة معقولة، والغرض من التشبيه تشويه المشبّه، إذ قد علم الناس أنّ التفرقة بين المتّصلين ذميمة.

وهذه الآية في معنى الآيات التي تقدّمت في سورة البقرة: ﴿ لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ﴾ [البقرة: 136]، ﴿ لا نفرّق بين أحد من رسله ﴾ [البقرة: 285]، وفي سورة آل عمران ﴿ لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ﴾ [آل عمران: 84] إلاّ أنّ تلك الآيات في التحذير من التفريق بين الرسل، والآية هذه في التحذير من التفريق بين الله وبعض رسله، ومآل الجميع واحد: لأنّ التفريق بين الرسل يستلزم التفريق بين الله وبعض رسله.

وإضافة الجمع إلى الضمير هنا للعهد لا للعموم بالقرينة، وهي قوله: ﴿ ويقولون نؤمن ببعض ﴾ .

وجملة ﴿ ويقولون نؤمن ببعض ﴾ واقعة في معنى الاستئناف البياني للتفريق بين الله ورسله، ولكنَّها عطفت؛ لأنّها شأن خاصّ من شؤونهم، إذ مدلولها قول من أقوالهم الشنيعة، ومدلول ﴿ يريدون ﴾ هيئة حاصلة من كفرهم، فلذلك حسن العطف باعتبار المغايرة ولو في الجملة، ولو فصلت لكان صحيحاً.

ومعنى ﴿ يقولون نؤمن ﴾ الخ أنّ اليهود يقولون: نؤمن بالله وبموسى ونكفر بعيسى ومحمد، والنصارى يقولون: نؤمن بالله وبموسى وعيسى ونكفر بمحمد، فآمنوا بالله وبعض رسله ظاهراً وفرّقوا بينه وبين بعض رسله.

والإرادة في قوله ﴿ ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلاً ﴾ إرادة حقيقية.

والسبيل يحتمل أن يراد به سبيل النجاة من المؤخذة في الآخرة توهّماً أنّ تلك حيلة تحقّق لهم السلامة على تقدير سلامة المؤمنين، أو سبيل التنصّل من الكفر ببعض الرسل، أو سبيلاً بين دينَين، وهذان الوجهان الأخيران يناسبان انتقالهم من الكفر الظاهر إلى النفاق، فكأنّهما تهيئة للنفاق.

وهذا التفسير جار على ظاهر نظم الكلام، وهو أن يكون حرف العطف مشرِّكاً بين المتعاطفات في حكم المعطوف عليه، وإذ قد كان المعطوف عليه الأول صلة ل ﴿ لذين ﴾ ، كان ما عطف عليه صِلات لذلك الموصول وكان ذلك الموصول صاحب تلك الصِّلات كلّها.

ونُسِب إلى بعض المفسّرين أنّه جعل الواوات فيها بمعنى (أو) وجعل الموصول شاملاً لِفرق من الكفّار تعدّدت أحوال كفرهم على توزيع الصِّلات المتعاطفة، فجعلَ المراد بالذين يكفرون بالله ورسله المشركين، والذين يريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله قوماً أثبتوا الخالق وأنكروا النبوءات كلّها، والذين يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض اليهودَ والنصارى.

وسكت عن المراد من قوله: ﴿ ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً ﴾ ، ولو شاء لجعل أولئك فريقاً آخر: وهم المنافقون المتردّدون الذين لم يثبتوا على إيمان ولا على كفر، بل كانوا بين الحالين، كما قال تعالى: ﴿ مذبذبين بين ذلك ﴾ [النساء: 143].

والذي دعاه إلى هذا التأويل أنَّه لم يجد فريقاً جمع هذه الأحوال كلّها على ظاهرها لأنّ اليهود لم يكفروا بالله ورسله، وقد علمت أنّ تأويل الكفر بالله الكفر بالصفات التي يَستلزم الكفر بها نفي الإلهية.

وهذا الأسلوب نادر الاستعمال في فصيح الكلام، إذ لو أريد ذلك لكان الشأن أن يقال: والذين يريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله والذين يقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما قال: ﴿ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ﴾ [الأنفال: 72].

وقوله: ﴿ أولئك هم الكافرون حقاً ﴾ الجملة خبر إنّ والإشارة إلى أصحاب تلك الصلة الماضية، وموقع الإشارة هنا لقصد التنبيه على أنّ المشار إليهم لاستحضارهم بتلك الأوصاف أحرياء بما سيحكم عليهم من الحكم المعاقِب لاسم الإشارة.

وأفاد تعريف جزأي الجملة والإتيانُ بضمير الفصل تأكيدَ قصرِ صفة الكفر عليهم، وهو قصر ادّعائي مجازيّ بتنزيل كفر غيرهم في جانب كفرهم منزلة العدم، كقوله تعالى في المنافقين: ﴿ هم العدوّ ﴾ [المنافقون: 4].

ومثل هذا القصر يدلّ على كمال الموصوف في تلك الصفة المقصورة.

ووجه هذه المبالغة: أنّ كفرهم قد اشتمل على أحوال عديدة من الكفر، وعلى سفالة في الخُلُق، أو سفاهة في الرأي بمجموع ما حكي عنهم من تلك الصِلات، فإنّ كلّ خصلة منها إذا انفردت هي كفر، فكيف بها إذا اجتمعت.

و {حقّا مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة التي قبله، أي حُقَّهم حقّا أيّها السامع بالِغين النهاية في الكفر، ونظير هذا قولهم: (جِدّاً).

والتوكيد في مثل هذا لمضمون الجملة التي قبله على ما أفادته الجملة، وليس هو لرفع المجاز، فهو تأكيد لما أفادته الجملة من الدلالة على معنى النهاية لأنّ القَصْر مستعمل في ذلك المعنى، ولم يقصد بالتوكيد أن يصير القصر حقيقيّاً لظهور أنّ ذلك لا يستقيم، فقول بعض النحاة، في المصدر المؤكّد لمضمون الجملة: إنَّه يفيد رفع احتمال المجاز، بناء منهم على الغالب في مفاد التأكيد.

وأعتدنا } معناه هيّأنا وقدّرنا، والتاء في ﴿ أعتدنا ﴾ بدل من الدال عند كثير من علماء اللغة، وقال كثير منهم: التاء أصلية، وأنّه بناء على حدة هو غير بناء عَدّ.

وقال بعضهم: إنّ عَتد هو الأصل وأنّ عدّ أدغمّت منه التاء في الدال، وقد ورد البناءان كثيراً في كلامهم وفي القرآن.

وجيء بجملة ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ﴾ إلى آخرها؛ لمقابلة المسيئين بالمحسنين، والنذارةِ بالبشارة على عادة القرآن.

والمراد بالذين آمنوا المؤمنون كلّهم وخاصّة من آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام.

فهم مقصودون ابتداء لما أشعر به موقع هذه الجملة بعد ذكر ضلالهم ولما اقتضاه تذييل الجملة بقوله: ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ أي غفوراً لهم ما سلف من كفرهم، رحيماً بهم.

والقول في الإتيان بالموصول وباسم الإشارة في هذه الجملة كالقول في مقابله.

وقوله: ﴿ بين أحد منهم ﴾ تقدّم الكلام على مثله في قوله تعالى: ﴿ لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ﴾ في سورة البقرة (136).

وقرأ الجمهور: ﴿ نؤتيهم ﴾ بنون العظمة.

وقرأه حفص عن عاصم بياء الغائب والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي إلّا أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا فَيَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلّا أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا فَيَجْهَرَ بِظُلْمِ مَن ظَلَمَهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: إلّا مَن ظُلِمَ فانْتَصَرَ مِن ظالِمِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: إلّا أنْ يَكُونَ ضَيْفًا، فَيَنْزِلَ عَلى رَجُلٍ فَلا يُحْسِنُ ضِيافَتَهُ، فَلا بَأْسَ أنْ يَجْهَرَ بِذَمِّهِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

ثُمَّ قالَ بَعْدَ أنْ أباحَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ لِمَن كانَ مَظْلُومًا: ﴿ إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾ يَعْنِي خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ، أوْ تُخْفُوا السُّوءَ، وإنْ لَمْ تُبْدُوا خَيْرًا اعْفُوا عَنِ السُّوءِ، كانَ أوْلى وأزْكى، وإنْ كانَ غَيْرُ العَفْوِ مُباحًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: أولئك أعداء الله اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى وكفروا بالقرآن ومحمد، فاتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رسله.

وأخرج ابن جرير عن السدي وابن جرير.

نحوه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ﴾ معنى ذكر حق ههنا التأكيد لكفرهم، إزالة لتوهم أنَّ إيمانهم ببعض الرسل يزيل عليهم (١) (٢) وانتصب (حقًّا) على مثل قولك: زيد أخوك حقًّا، وهو تأكيد للخبر، لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فقد أخبرت بأخوة زيد، فإذا قلت: حقًّا، أكدت ما أخبرته، فكأنك قلت: أخبرتك بأخوة زيدٍ إخبارًا حقًّا (٣) ولا يجوز أن ينتصب على معنى: كفروا كفرًا حقًّا، لأن الكفر لا يكون حقًّا على وجه من الوجوه (٤) (١) هكذا في المخطوط، والظاهر أنها: "عنهم".

(٢) انظر: "زاد المسير" 1/ 240، و"البحر المحيط" 3/ 385.

(٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 466، و"البحر المحيط" 3/ 385.

(٤) قال أبو حيان على هذا القول للمؤلف: "ولا يلزم ما قال أنه لا يراد بـ (حقا) الحق الذي هو مقابل الباطل، وإنما المعنى أنه كفر ثابت متيقن".

"البحر المحيط" 3/ 385.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ ﴾ الآية: في اليهود والنصارى، لأنهم آمنوا بأنبيائهم، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيره، ومعنى التفريق بين الله ورسله الإيمان به والكفر برسله، وكذلك التفريق بين الرسل هو الكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم، فحكم الله على من كان كذلك بحكم الكفر الحقيقي الكامل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ في الدرك ﴾ بسكون الراء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير الأعشى.

الباقون بالفتح ﴿ يؤتيهم ﴾ بالياء: حفص وعياش.

الباقون بالنون.

الوقوف: ﴿ خادعهم ﴾ ط لعطف المختلفين.

﴿ كسالى ﴾ لا لأن ﴿ يراؤون ﴾ .

صفتهم ﴿ قليلاً ﴾ ه ز بناء على أن ﴿ مذبذبين ﴾ نصب على الذم، والأوجه أنه حال أي يراؤون مذبذبين ﴿ بين ذلك ﴾ ق وقد قيل على تقدير الابتداء أي لا هم إلى هؤلاء، والأوجه أنه بيان الذبذبة أي لا منسوبين إلى هؤلاء ﴿ هؤلاء ﴾ الثانية ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ط للاستثناء.

﴿ مع المؤمنين ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ وآمنتم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ظلم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ببعض ﴾ لا للعطف ﴿ سبيلاً ﴾ ه لأ لأن ما بعده خبر "إن" وقيل: إن الخبر محذوف أي هلكوا وما يتلوه مستأنف.

﴿ حقاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده للعطف والاستئناف ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.

/ التفسير: قال الزجاج: أي يخادعون رسول الله  أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ وهو خادعهم اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.

قال ابن عباس: يعطيهم نوراً كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من نوركم.

وباقي تفسير المخادعة تقدم في أول البقرة.

كسالى جمع كسلان كسكارى في سكران أي يقومون متثاقلين متباطئين متقاعسين كما يرى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيب نفس ورغبة وهو معنى الكسل.

والسبب في ذلك أنهم يبتغون بها في الحال ولا يرجون من فعلها ثواباً ولا يخافون من تركها عقاباً.

﴿ يراؤون الناس ﴾ أي لا يقومون إلى الصلاة إلاّ لأجل الرياء والسمعة.

ومعنى المفاعلة في الرياء أن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل، أو فاعل ههنا بمعنى فعل بالتشديد كقولك: ناعمة ونعمه ﴿ ولا يذكرون الله ﴾ أي ولا يصلون ﴿ إلا قليلاً ﴾ لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لا يصلون، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس، فإن لم يجدوا مندوحة فحينئذٍ يصلون.

وقيل: إنهم في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى وهو القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها.

وقيل: إنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات إلا ذكراً قليلاً في الندرة كما ترى من بعض المتهاونين بأمور الدين لو صحبته أياماً وليالي لم تسمع منه تهليله ولا تسبيحه ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق أوقاته، ويجوز أن يراد بالقلة العدم، قال قتادة: يريد أن الله لا يقبل صلاتهم لأن ما رده الله فكثيره قليل، وما قبله الله فقليله كثير.

ومعنى مذبذبين ذبذبهم الشيطان والهوى.

وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كل الجانبين أي يذاد ويدفع إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه.

وقرأ ابن عباس ﴿ مذبذبين ﴾ بالكسر أي يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم.

وعن أبي جعفر "مدبدين" بالدال غير المعجمة والمعنى أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة والدبة الطريقة.

ومعنى ﴿ بين ذلك ﴾ أي بين الكفر والإيمان لأن ذكر الكافرين والمؤمنين يدل على الكفر والإيمان وذلك قد يشار به إلى اثنين كقوله: ﴿ عوان بين ذلك  ﴾ واعلم أن السبب في التذبذب هو أن الفعل يتوقف على الداعي، فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم وأنها سيالة متغيرة لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وإذا تعارضت الدواعي والصوارف بقي الإنسان في الحيرة والتردد، وأما من كان مطلوبه في فعله اقتناء الخيرات الباقية واكتساب السعادات الروحانية وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والزوال، لا جرم كان هذا الإنسان ثابتاً في / إيمانه راسخاً في شأنه فلهذا المعنى وصف أهل الإيمان بالثبات ﴿ يثبت الله الذين آمنوا  ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ قيل: إنه  ذمهم ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكفار، والذم على ترك طريقة الكفار غير جائز, قلنا: إنما توجه الذم لأنهم عدلوا عن الكفر إلى ما هو أخبث وهو طريق النفاق ولهذا ورد فيهم من المبالغات ما ورد من قوله: ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً  ﴾ ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء ﴾ أي لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء، وهو نهي للمؤمنين عن موالاة المنافقين والتخلق بأخلاقهم ومذاهبهم.

ومعنى ﴿ سلطاناً ﴾ حجة بينة على النفاق لأن وليّ المنافق منافق لا محالة.

ومعنى قوله: ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ أي في أقصى قعرها فإن القعر الأخير من النار درك ودرك ومع ذلك وصف بالأسفل.

ودركات النار منازلها نقيض درجات الجنة، فبين أن المنافق في غاية البعد ونهاية الطرد عن حضرة الله  وأنه مع فرعون لأنّ الدرك الأسفل أشد العذاب وقد قال عز من قائل: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ وقيل: إن النار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض.

قال أبو حاتم: جمع الدرك أدراك كفرس وأفراس، وجمع الدرك أدرك كفلس وأفلس.

ثم قال: ﴿ ولن تجد لهم نصيراً ﴾ احتجوا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل القبلة لأنه  ذكره في معرض الزجر عن النفاق، فلو حصل نفي الشفاعة مع عدم النفاق لم يبق هذا زجراً عن النفاق من حيث إنه نفاق.

ثم استثنى منهم التائبين فشرط أموراً أربعة أولها التوبة.

وثانيها إصلاح ما أفسدوا من أسرارهم.

وثالثها الاعتصام بدين الله.

ورابعها الإخلاص لأنه إذا كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار تغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله وسعادة الآخرة والاعتصام بحبل الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها.

وعند حصول الشرائط قال: ﴿ فأولئك مع المؤمنين ﴾ ولم يقل مؤمنون تشريفاً للمؤمنين أنهم متبعون والمنافقون بعد الشرائط تبع لهم.

ثم بين وعد المؤمنين بقوله: ﴿ وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً ﴾ ليشمل المنافقين التائبين بالتبعية.

ثم برهن على أن فائدة الإيمان والعمل الصالح إنما ترجع على المكلفين فقال: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ لأن تعذيب الملوك بعض الرعية إنما يكون للتشفي من الغيظ ولدرك الثأر أو لجلب المنافقع أو لدفع المضار وأمثال هذه الأمور في حقه  محال، وإنما المقصود حمل المكلفين على فعل الحسن وترك القبيح لينالوا السعادة العظمى، فمن امتثل وأطاع فكيف يليق بكرمه تعذيبه.

قالت المعتزلة: / هذا صريح في أنه  لم يخلق أحداً لغرض التعذيب.

وفي أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وإلاّ لصار التقدير ما يفعل الله بعذابكم إن خلق الشكر والإيمان فيكم، ومعلوم أن هذا غير منتظم.

والجواب مسلم أنه  غير مستكمل بالتعذيب ولا بالإثابة لكن وقوع البعض في مظاهر اللطف والبعض في مظاهر القهر ضروري كما سبق.

وأيضاً انتهاء الكل إلى إرادته وخلقه وتكوينه ضروري بواسطة أو بغير واسطة، فيؤول المعنى إلى أنه لا يعذبكم إن كنتم مظاهر اللطف وهذا كلام في غاية الصحة.

قال في الكشاف: وإنما قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر أولاً إلى النعمة فيشكر شكراً مبهماً، ثم إذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به.

وأقول: إن لم تكن الواو للترتيب فلا سؤال، وإن كانت للترتيب فلعله إنما قدم الشكر في هذه الآية خلاف أكثر الآيات التي قدم الإيمان فيها على العمل الصالح وهو الأصل، لأن الآية مسوقة في غرض المنافقين، ولم يقع نزاع في إيمانهم ظاهراً وإنما يقع النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر ههنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله  فيما خلق لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة ﴿ وكان الله شاكراً ﴾ مثيباً على الشكر فسمى جزاء الشكر شكراً، وفيه أنه يجزي على العمل القليل ثواباً كثيراً ﴿ عليماً ﴾ بالكليات والجزئيات من غير غلط ونسيان فيوصل جزاء الشاكرين إليهم كما يليق بحالهم بل كما يليق بكرمه وسعة فضلة ورحمته.

ثم إنه  لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر منافياً للكرم والرحمة ظاهراً ذكر ما يجري مجرى العذر من ذلك فقال: ﴿ لا يحب الله الجهر ﴾ الآية يعني أنه لا يحب إظهار الفضائح إلا في حق من ظلم وهم المسلمون الذين عظم ضرر المنافقين وكيدهم فيهم.

وأيضاً إن المنافقين إذا تاب وأصلح لم يكد يسلم من تعيير المسلمين إياه على ما صدر عنه في الماضي فبيّن  أن تعييرهم بعد التوبة أمر مذموم وأنه  لا يرضى به إلا من ظلم نفسه وعاد إلى نفاقه.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه  لا يريد من عباده فعل القبائح لأن محبة الله  عبارة عن إرادته.

وقالت الأشاعرة: المحبة عبارة عن إيصال الثواب على الفعل وحينئذ يصح أن يقال: إنه أراده وما أحبه.

قال أهل العلم: إنه لا يحب الجهر بالسوء ولا غير الجهر، ولكنه ذكر هذا الوصف لأن كيفية الواقعة أوجبت ذلك كقوله: ﴿ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا  ﴾ والتبين واجب في الطعن والإقامة.

أما قوله: ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ فالاستثناء فيه متصل أو منقطع.

وعلى الأول قال أبو عبيدة: تقديره إلاّ جهر من ظلم فحذف المضاف.

وقال الزجاج: الجهر بمعنى المجاهر أي / لا يحب الله المجاهر بالسوء إلاّ من ظلم.

وعلى الثاني المعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته.

وماذا يفعل المظلوم؟

قال ابن عباس: له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه.

وقال مجاهد: له أن يخبر بظلم ظالمه له.

وقال الأصم: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكنونة حذراً من الغيبة والريبة لكن له إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب.

وقال الحسن: له أن ينتصر من ظالمه.

وعن مجاهد أن ضيفاً تضيف قوماً فأساؤوا قراه فاشتكاهم فنزلت الآية رخصة في أن يشكو.

وقرأ الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ على البناء للفاعل.

وقيل: إنه كلام منقطع عما قبله أي لكن من ظلم فدعوه وخلوه.

وقال الفراء والزجاج: معناه لكن من ظلم فإنه يجهر له بالسوء من القول ﴿ وكان الله سميعاً عليماً ﴾ فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً.

ثم حث على العفو بقوله: ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه ﴾ وهو إشارة إلى إيصال النفع ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ وهذا إشارة إلى دفع الضرر، وعلى هذين تدور المعاشرة مع الخلق.

﴿ فإنّ الله عفواً قديراً ﴾ قال الحسن: أي يعفو عن الجاني مع قردته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنّة الله.

وقيل: عفو لمن عفا، قدير على إيصال الثواب إليه، وقال الكلبي: معناه أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك.

وفي الخبر "أن أبا بكر الصديق شتمه رجل فسكت مراراً ثم رد عليه فقام النبي  فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه قمت.

قال: إن ملكاً كان يجيب عنك، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجيء الشيطان" .

ثم إنه  تكلم بعد ذكر أحوال المنافقين في مذاهب اليهود والنصارى وأباطيلهم.

وذلك أنواع: الأول إيمانهم ببعض الأنبياء دون بعض فسلكهم في سلك من لا يقر بالوحدانية ولا بالنبوّات وهم الذين يكفرون بالله ورسله، وفي سلك من يقر بالوحدانية وينكر النبوّات وهم الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله في الإيمان بالله والكفر بالرسل؛ وذلك أن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد  والفرقان، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد  والقرآن فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا بالبعض وأرادوا أن يتخذوا بين ذلك أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة ﴿ أولئك ﴾ أي الطوائف الثلاث ﴿ هم الكافرون ﴾ أما الطائفة الأولى فكفرهم ظاهر، وأما الثانية فلأنّ تكذيب الأنبياء وإنكارهم يستلزم تكذيب الله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ وأما الطائفة الثالثة فلأنّ الدليل الدال على نبوة بعض الأنبياء هو المعجزة ويلزم منه حصول النبوة حيث حصل المعجز فالقدح في بعض من ظهر على يده المعجزة هو القدح في كل نبي.

فقيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ولكن ليس إذا توجه بعض الإلزامات على إنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به، فإلزام الكفر أمر والتزام الكفر غيره.

فالجواب أن الإلزام إذا كان خفياً / يحتاج فيه إلى فكر وتأمل فالأمر كما ذكرتم، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبق بين الإلزام والإلتزام فرق.

وانتصاب ﴿ حقاً ﴾ على أنه مصدر مؤكد لغيره كقوله: زيد قائم حقاً أي أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً أي ثابتاً.

وقيل: المراد هم الكافرون كفراً حقاً وطعن الواحدي فيه بأن الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه.

وأجيب بأن الحق ههنا الكامل الراسخ الثابت.

ثم ختم النوع بوعد المؤمنين.

ومعنى: ﴿ بين أحد ﴾ بين اثنين منهم أو جماعة لأن أحداً في سياق النفي يفيد التعدد.

ومعنى ﴿ سوف ﴾ توكيد الوعيد لا التأخر المجرد ولهذا قال سيبويه: لن أفعل نفى سوف أفعل.

فالمعنى أن إيتاء الأجور كائن لا محالة وإن تأخر.

التأويل: إنّ المنافقين يخادعون الله في الدنيا لأن الله خادعهم في الأزل حيث رش نوره وشاهدوه ثم أخطأهم إن شكرتم نعم الله عليكم وآمنتكم أنفسكم من عذابه ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ من العوام ولا من التحدث بالنفس من الخواص ولا من الخواطر من الأخص ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ إما بتقاضي دواعي البشرية من غير اختيار أو بابتلاء من اضطرار.

وأيضاً ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ بإفشاء سر الربوبية، وإظهار مواهب الألوهية، أو بكشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب ﴿ إلا من ظلم ﴾ بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني: أنا الحق وسبحاني ﴿ إن تبدوا خيراً ﴾ مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيهاً للخلق وإفادة بالحق، أو تخفوه صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب وفطامها عن المشارب ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ مما يدعو إليه هوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل الله إظهاره سوءاً ﴿ فإن الله كان عفواً ﴾ فتكون عفواً متخلقاً بأخلاقه ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ فيه إشارة إلى أن الإيمان لا يتبعض وإن كان يزيد وينقص مثاله شعاع الشمس؛ إذا دخل كوّة البيت فيزيد وينقص بحسب سعة الكوة وضيقها، ولكن لا يمكن تجزئتها بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذ للشمس والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ...

﴾ \[أي: تريدون\] أن يفرقوا بين الله ورسله؛ فيكون قوله: ﴿ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ ﴾ : في الدهرية؛ لأنهم يكفرون بالله، ولا يؤمنون به، ويقولون بقدم العالم، فذلك فيهم، وقوله: ﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ يكون في الذين يؤمنون بالله ويكفرون بالرسل كلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ : في الذين كفروا ببعض الرسل وآمنوا ببعض الرسل، ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

ثم أخبر - عز وجل - عنهم جميعاً - مع اختلاف مذاهبهم - أنهم كفار، وحقق الكفر فيهم بقوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً ﴾ .

ويحتمل أن يكون فيمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض [الرسل]؛ فيكون الكفر ببعض الرسل كفراً بالله، وبجميع رسله، وبجميع كتبه؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو الخلق كلهم إلى الإيمان بالله، والإيمان بجميع الرسل والكتب، وإذا كفر بواحد منهم - كفر بالله وبالرسل جميعاً، والله أعلم.

[وقوله -  -: ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً ﴾ .

أي: ويتخذون غير ذلك سبيلا؛ على طرح إرادة "أن"، أي: يتخذون بين ذلك، أي: بين إيمان ببعض الرسل، وكفر ببعض الرسل - ديناً؛ فذلك لا ينفعهم إذا كفروا ببعض الرسل].

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: أولئك هو الكافرون الذين حق عليهم الكفر بالله.

والثاني: يكفرون ببعض الرسل؛ أنهم - وإن كفروا ببعض الرسل - فقد حق عليهم الكفر بالله  ؛ لأن الكفر بواحد من الرسل كفر بالله وبالرسل جميعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ .

[قوله: ﴿ مُّهِيناً ﴾ ]: يهانون فيه.

ثم نعت المؤمنين فقال - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ ﴾ .

يعني: من الرسل، وقالوا: ﴿ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ إلى آخر ما ذكر.

وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يسمون صاحب الكبيرة مؤمناً، وهو قد آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله؛ فدخل في قوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ وهم يقولون: لا يؤتيهم أجورهم.

﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .

أخبر - عز وجل - أنه لم يزل غفوراً رحيماً، وهم يقولون: لم يكن غفورا رحيما ولكن صار غفورا رحيماً، وبالله العصمة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك الذين يسلكون هذا المسلك هم الكافرون حقًّا؛ ذلك أنَّ من كفر بالرسل أو ببعضهم فقد كفر بالله وبرسله، وأعددنا للكافرين عذابًا مذلًّا لهم يوم القيامة، عقابًا لهم على تكبرهم عن الإيمان بالله وبرسله.

<div class="verse-tafsir" id="91.yL1DY"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر