الآية ٦٩ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٦٩ من سورة النساء

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًۭا ٦٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 142 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٩ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٩ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) أي : من عمل بما أمره الله ورسوله ، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله ، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته ، ويجعله مرافقا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة ، وهم الصديقون ، ثم الشهداء ، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم .

ثم أثنى عليهم تعالى فقال : ( وحسن أولئك رفيقا ) وقال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة " وكان في شكواه التي قبض فيه ، فأخذته بحة شديدة فسمعته يقول : ( مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) فعلمت أنه خير .

وكذا رواه مسلم من حديث شعبة ، عن سعد بن إبراهيم به .

وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : " اللهم في الرفيق الأعلى " ثلاثا ثم قضى ، عليه أفضل الصلاة والتسليم .

ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة : قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا فلان ، ما لي أراك محزونا ؟

" قال : يا نبي الله شيء فكرت فيه ؟

قال : " ما هو ؟

" قال : نحن نغدو عليك ونروح ، ننظر إلى وجهك ونجالسك ، وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك .

فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه شيئا ، فأتاه جبريل بهذه الآية : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين [ والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ] ) فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره .

قد روي هذا الأثر مرسلا عن مسروق ، وعكرمة ، وعامر الشعبي ، وقتادة ، وعن الربيع بن أنس ، وهو من أحسنها سندا .

قال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قوله : ( ومن يطع الله والرسول [ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ] ) الآية ، قال : إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدقه ، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا ؟

فأنزل الله في ذلك - يعني هذه الآية - فقال : يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم ، فيجتمعون في رياضها ، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه ، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به ، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه " .

وقد روي مرفوعا من وجه آخر ، فقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم ، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد ، حدثنا عبد الله بن عمران ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله : إنك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من أهلي ، وأحب إلي من ولدي ، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك ، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وإن دخلت الجنة خشيت ألا أراك .

فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه : " صفة الجنة " ، من طريق الطبراني ، عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال ، عن عبد الله بن عمران العابدي ، به .

ثم قال : لا أرى بإسناده بأسا والله أعلم .

وقال ابن مردويه أيضا : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي ، حدثنا أبو بكر بن ثابت بن عباس المصري حدثنا خالد بن عبد الله ، عن عطاء بن السائب ، عن عامر الشعبي ، عن ابن عباس ، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني لأحبك حتى إني لأذكرك في المنزل فيشق ذلك علي وأحب أن أكون معك في الدرجة .

فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، فأنزل الله عز وجل [ ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) ] .

وقد رواه ابن جرير ، عن ابن حميد ، عن جرير ، عن عطاء ، عن الشعبي ، مرسلا .

وثبت في صحيح مسلم من حديث هقل بن زياد ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال : كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته ، فقال لي : " سل " .

فقلت : يا رسول الله ، أسألك مرافقتك في الجنة .

فقال : " أو غير ذلك ؟

" قلت : هو ذاك .

قال : " فأعني على نفسك بكثرة السجود " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن عيسى بن طلحة ، عن عمرو بن مرة الجهني قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه " تفرد به أحمد .

قال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو سعيد مولى أبي هاشم ، حدثنا ابن لهيعة ، عن زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، إن شاء الله " .

وروى الترمذي من طريق سفيان الثوري ، عن أبي حمزة ، عن الحسن البصري ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء " .

ثم قال : هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن جابر شيخ بصري .

وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحاح والمسانيد وغيرهما ، من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ؟

فقال : " المرء مع من أحب " قال أنس : فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث .

وفي رواية عن أنس أنه قال : إني أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحب أبا بكر وعمر ، رضي الله عنهما وأرجو أن يبعثني الله معهم وإن لم أعمل كعملهم .

وقال الإمام مالك بن أنس ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم ، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم " .

قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟

قال : " بلى ، والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " .

أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك ولفظه لمسلم .

وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا فزارة ، أخبرني فليح ، عن هلال - يعني ابن علي - عن عطاء ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون - أو ترون - الكوكب الدري الغارب في الأفق والطالع في تفاضل الدرجات " .

قالوا : يا رسول الله ، أولئك النبيون ؟

قال : " بلى ، والذي نفسي بيده ، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " .

قال الحافظ الضياء المقدسي : هذا الحديث على شرط البخاري والله أعلم .

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا محمد بن عمار الموصلي ، حدثنا عفيف بن سالم ، عن أيوب بن عتبة عن عطاء ، عن ابن عمر قال : أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سل واستفهم " .

فقال : يا رسول الله ، فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة ، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به ، وعملت مثل ما عملت به ، إني لكائن معك في الجنة ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم ، والذي نفسي بيده إنه ليضيء بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام " قال : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال : لا إله إلا الله ، كان له بها عهد عند الله ، ومن قال : سبحان الله وبحمده ، كتب له بها مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة " فقال رجل : كيف نهلك بعدها يا رسول الله ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله ، فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتطاول الله برحمته " ونزلت هذه الآيات ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) إلى قوله : ( نعيما وملكا كبيرا ) [ الإنسان : 1 - 20 ] فقال الحبشي : وإن عيني لتريان ما ترى عيناك في الجنة ؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم " .

فاستبكى حتى فاضت نفسه ، قال ابن عمر : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيديه .

فيه غرابة ونكارة ، وسنده ضعيف .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) بالتسليم لأمرهما، وإخلاص الرضى بحكمهما، والانتهاء إلى أمرهما، والانـزجار عما نهيا عنه من معصية الله، فهو مع الذين أنعم الله عليهم بهدايته والتوفيق لطاعته في الدنيا من أنبيائه، وفي الآخرة إذا دخل الجنة = (وَالصِّدِّيقِينَ) وهم جمع " صِدِّيق ".

* * * واختلف في معنى: " الصديقين ".

فقال بعضهم: " الصديقون "، تُبَّاع الأنبياء الذين صدّقوهم واتبعوا منهاجهم بعدهم حتى لحقوا بهم.

فكأن " الصدِّيق "،" فِعِّيل "، على مذهب قائلي هذه المقالة، من " الصدق "، كما يقال: " رجل سِكّير " من " السُّكر "، إذا كان مدمنًا على ذلك، و " شِرِّيبٌ"، و " خِمِّير ".

* * * وقال آخرون: بل هو " فِعِّيل " من " الصَّدَقة "، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو تأويل من قال ذلك، وهو ما:- 9923 - حدثنا به سفيان بن وكيع قال، حدثنا خالد بن مخلد، عن موسى بن يعقوب قال، أخبرتني عمتي قريبة بنت عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أمها كريمة ابنة المقداد، (14) عن ضباعة بنت الزبير، (15) وكانت تحت المقداد، عن المقداد قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: شيء سمعته منك شككت فيه!

قال: إذا شكّ أحدكم في الأمر فليسألني عنه.

قال قلت: قولك في أزواجك: " إنيّ لأرجو لهن من بعدِيَ الصدِّيقين " قال: من تَعُدُّون الصديقين؟

(16) قلت: أولادنا الذين يهلكون صغارًا.

قال: لا ولكن الصدِّيقين هم المصَدِّقون.

(17) * * * وهذا خبر، لو كان إسناده صحيحًا، لم نستجز أن نعدوه إلى غيره، ولو كان في إسناده بعض ما فيه.

فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بـ " الصديق "، أن يكون معناه: المصدِّق قوله بفعله.

إذ كان " الفعِّيل " في كلام العرب، إنما يأتي، إذا كان مأخوذًا من الفعل، بمعنى المبالغة، إما في المدح، وإما في الذم، ومنه قوله جل ثناؤه في صفة مريم: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [سورة المائدة: 75].

وإذا كان معنى ذلك ما وصفنا، كان داخلا من كان موصوفًا بما قلنا في صفة المتصدقين والمصدقين.

=" والشهداء "، وهم جمع " شهيد "، وهو المقتول في سبيل الله، سمي بذلك لقيامه بشهادة الحق في جَنب الله حتى قتل.

(18) * * * =" والصالحين "، وهم جمع " صالح "، وهو كل من صلحت سريرته وعلانيته.

(19) وأما قوله جل ثناؤه: " وحَسُن أولئك رفيقًا "، فإنه يعني: وحسن، هؤلاء الذين نعتهم ووصفهم، (20) رفقاء في الجنة.

* * * و " الرفيق " في لفظ واحدٍ بمعنى الجميع، (21) كما قال الشاعر: (22) دَعَـوْنَ الهَـوَى, ثُـمَّ ارْتَمَيْـنَ قُلُوَبنَـا بِأَسْــهُمِ أَعْــدَاءِ, وَهُــنَّ صَـدِيقُ (23) بمعنى: وهن صدائق.

* * * وأما نصب " الرفيق "، فإن أهل العربية مختلفون فيه.

فكان بعض نحويي البصرة يرى أنه منصوب على الحال، ويقول: هو كقول الرجل: " كَرُم زيد رجلا "، ويعدل به عن معنى: " نعم الرجل "، ويقول: إن " نعم " لا تقع إلا على اسم فيه " ألف ولام "، أو على نكرة.

* * * وكان بعض نحويي الكوفة يرى أنه منصوب على التفسير، (24) وينكر أن يكون حالا ويستشهد على ذلك بأن العرب تقول: " كرم زيدٌ من رجل " و " حسن أولئك من رفقاء "، وأن دخول " مِنْ" دلالة على أن " الرفيق " مفسره.

قال: وقد حكي عن العرب: " نَعِمتم رجالا "، فدل على أن ذلك نظير قوله: " وحسنتم رفقاء ".

* * * قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب، للعلة التي ذكرنا لقائليه.

* * * وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت، (25) لأن قومًا حزنوا على فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرًا أن لا يروه في الآخرة.

ذكر الرواية بذلك: 9924 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان، مالي أراك محزونًا؟

قال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه!

فقال: ما هو؟

قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر في وجهك ونجالسك، غدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك!

فلم يردّ النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا.

فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا ".

قال: فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره.

9925 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك لو قَدْ مِتَّ رُفِعت فوقنا فلم نرك!

فأنـزل الله: " ومن يطع الله والرسول "، الآية.

9926 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين "، ذكر لنا أن رجالا قالوا: هذا نبي الله نراه في الدنيا، فأما في الآخرة فيرفع فلا نراه!

فأنـزل الله: " ومن يطع الله والرسول " إلى قوله: " رفيقًا ".

9927 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم " الآية، قال: قال ناس من الأنصار: يا رسول الله، إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟

فأنـزل الله " ومن يطع الله والرسول ".

9928 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ومن يطع الله والرسول "، الآية، قال: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضله على من آمن به في درجات الجنة، (26) ممن اتبعه وصدقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضًا؟

فأنـزل الله في ذلك.

يقال: (27) إن الأعلَين ينحدرون إلى من هم أسفل منهم فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه، وينـزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في رَوْضه يحبرون ويتنعَّمون فيه.

(28) .

---------------- الهوامش : (14) في المخطوطة"كريمة ابنة المقدام" ، وهو خطأ ، والصواب ما في المطبوعة.

(15) في المخطوطة: "متاعة بنت الزبير" ، خطأ ، صوابه في المطبوعة.

(16) في المخطوطة والمطبوعة: "من تعنون الصديقين" ، وهو خطأ لا معنى له.

والصواب ما أثبت من مختصر هذا الأثر في منتخب كنز العمال (هامش المسند) 5: 113.

(17) الحديث: 9923 - سفيان بن وكيع بن الجراح - شيخ الطبري: ضعيف ، كما فصلنا في: 142 ، 143.

موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود ، الزمعي -بسكون الميم - المدني: ثقة ، وثقه ابن معين وابن القطان وغيرهما.

وضعفه ابن المديني وغيره.

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 298 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 167 - ولم يذكرا فيه جرحًا.

بل اقتصر ابن أبي حاتم على توثيق ابن معين إياه.

قريبة - بالتصغير - بنت عبد الله بن وهب بن زمعة ، عمة موسى بن يعقوب: مترجمة في التهذيب ، دون جرحها بشيء.

أمها: "كريمة بنت المقداد بن الأسود": تابعية ثقة.

ذكرها ابن حبان في الثقات.

ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم: صحابية معروفة.

كانت زوجًا للمقداد بن الأسود.

ولها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن زوجها المقداد.

وهذا الحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور 2: 183 ، مختصرًا ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

ولكنه ذكره في الجامع الكبير ، المسمى"جمع الجوامع" ، كما يدل عليه ذكره في كتاب"منتخب كنز العمال" للمتقي الهندي ، المطبوع بهامش مسند أحمد - طبعة الحلبي - ذكره فيه مختصرًا (ج5 ص113) ، ونسبه للطبراني في الكبير.

وقد أعجزني أن أجده في مجمع الزوائد ، لأنه على شرطه.

ولست أعرف إذا كانت روايته عند الطبراني من طريق سفيان بن وكيع ، أو من طريق راو آخر ، فإن يكن من طريق راو غيره ، كان الإسناد جيدًا ، لأن جرح سفيان بن وكيع لم يكن من قبل صدقه ، كما بينا في ترجمته.

(18) انظر تفسير"الشهداء" فيما سلف: 368 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(19) انظر تفسير"الصالح" فيما سلف: 293 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(20) انظر ما كتبته في"حسن" 4: 458 ، تعليق: 2.

(21) في المطبوعة: "بلفظ الواحد" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(22) هو جرير.

(23) ديوانه: 398 ، وطبقات فحول الشعراء: 351 ، واللسان (صدق) ، وغيرها كثير.

من أبيات ذكر فيهن الحجاج ، قبله أبيات حسان ، تحفظ: وَبِــتُّ أُرَائِــي صَــاحِبَيَّ تَجَــلُّدًا وَقَــدْ عَلِقَتْنِـي مِـنْ هَـوَاكِ عَلُـوقُ فَكَـيْفَ بِهَـا? لا الـدَّارُ جَامِعَةُ الْهَـوَى وَلا أنْـتَ عَصْـرًا عَــنْ صِبَاكَ مُفِيقُ أَتجْــمَعُ قَلْبًــا بِــالْعِرَاقِ فَرِيُقـهُ، ومِنْــهُ بِــأَظْلالٍ الأََرَاكِ فَـــرِيقُ? كـأنْ لَـمْ تَـرُقْني الرَّائِحَـاتُ عَشِـيَّةً وَلَـمْ يُمْسِ فِـي أَهْـل الْعِـرَاقِ وَمِيقُ أُعَـالِجُ بَرْحًـا مِـنْ هَـوَاكِ، وَشَـفَّني فُــؤَادٌ إذَا مَــا تُذْكَــرِينَ خَـفُوقُ أَوَانِسُ، أَمَّــا مَــنْ أَرَدْنَ عَنَــاءَهُ فَعَــانِ، وَمَـنْ أَطْلَقْـنَ فَهُـوَ طَلِيـقُ دَعَـــوْنَ الْهَـــوَى.............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وفي المطبوعة: "نصبن الهوى" ، وهي رواية أخرى ، غير التي في المخطوطة والديوان.

(24) "التفسير".

التمييز و"المفسر": المميز.

كما سلف مرارًا.

انظر فهرس المصطلحات.

(25) في المخطوطة: "وقد ذكرنا أن..." ، والصواب ما في المطبوعة.

(26) في المطبوعة: "له فضل على من آمن" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(27) في المطبوعة: "فقال" ، والصواب ما في المخطوطة.

(28) في المطبوعة: "في روضة" ، وأثبت ما في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : [ ص: 234 ] ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقافيه مسائل : الأولى : قوله تعالى : ومن يطع الله والرسول لما ذكر تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم ، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله .

وهذه الآية تفسير قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وهي المراد في قوله عليه السلام عند موته اللهم الرفيق الأعلى .

وفي البخاري عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فعلمت أنه خير .

وقالت طائفة : إنما نزلت هذه الآية لما قال عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري - الذي أري الأذان - : يا رسول الله ، إذا مت ومتنا كنت في عليين لا نراك ولا نجتمع بك ؛ وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية .

وذكر مكي عن عبد الله هذا وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده ؛ فعمي مكانه .

وحكاه القشيري فقال : اللهم أعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي ؛ فعمي مكانه .

وحكى الثعلبي : أنها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه ، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه ، يعرف في وجهه الحزن ؛ فقال له : يا ثوبان ما غير لونك فقال : يا رسول الله ما بي ضر ولا وجع ، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك ؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية .

ذكره الواحدي عن الكلبي .

وأسند عن مسروق قال : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا ، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا ؛ فأنزل الله تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين .

وفي طاعة الله طاعة رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقدره وتنويها باسمه صلى الله عليه وسلم [ ص: 235 ] وعلى آله .فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم ، لا أنهم يساوونهم في الدرجة ؛ فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء .

وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله ، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول .

قال الله تعالى : ونزعنا ما في صدورهم من غل .

والصديق فعيل ، المبالغ في الصدق أو في التصديق ، والصديق هو الذي يحقق بفعله ما يقول بلسانه .

وقيل : هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصديق .

وقد تقدم في البقرة اشتقاق الصديق ومعنى الشهيد .

والمراد هنا بالشهداء عمر وعثمان وعلي ، والصالحين سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين .

وقيل : والشهداء القتلى في سبيل الله .

والصالحين صالحي أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .قلت : واللفظ يعم كل صالح وشهيد ، والله أعلم .

والرفق لين الجانب .

وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك بصحبته ؛ ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض .

ويجوز " وحسن أولئك رفقاء " .

قال الأخفش : رفيقا منصوب على الحال وهو بمعنى رفقاء ؛ وقال : انتصب على التمييز فوحد لذلك ؛ فكأن المعنى وحسن كل واحد منهم رفيقا .

كما قال تعالى : ثم نخرجكم طفلا أي نخرج كل واحد منكم طفلا .

وقال تعالى : ينظرون من طرف خفي وينظر معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم : خير الرفقاء أربعة ولم يذكر الله تعالى هنا إلا أربعة فتأمله .الثانية : في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه ؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون ، ثم ثنى بالصديقين ولم يجعل بينهما واسطة .

وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر الصديق رضي الله عنه صديقا ، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام رسولا ، وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يتقدم بعده أحد .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: كل مَنْ أطاع الله ورسوله على حسب حاله وقدر الواجب عليه من ذكر وأنثى وصغير وكبير، { فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } أي: النعمة العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح والسعادة { مِنَ النَّبِيِّينَ } الذين فضلهم الله بوحيه، واختصهم بتفضيلهم بإرسالهم إلى الخلق، ودعوتهم إلى الله تعالى { وَالصِّدِّيقِينَ } وهم: الذين كمل تصديقهم بما جاءت به الرسل، فعلموا الحق وصدقوه بيقينهم، وبالقيام به قولا وعملا وحالا ودعوة إلى الله، { وَالشُّهَدَاءِ } الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فقتلوا، { وَالصَّالِحِينَ } الذين صلح ظاهرهم وباطنهم فصلحت أعمالهم، فكل من أطاع الله تعالى كان مع هؤلاء في صحبتهم { وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } بالاجتماع بهم في جنات النعيم والأُنْس بقربهم في جوار رب العالمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) الآية ، نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه ، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما غير لونك " ؟

فقال : يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك لأنك ترفع مع النبيين ، وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا ، فنزلت هذه الآية .

وقال قتادة : قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : كيف يكون الحال في الجنة وأنت في الدرجات العلى ونحن أسفل منك؟

فكيف نراك؟

فأنزل الله تعالى هذه الآية .

( ومن يطع الله ) في أداء الفرائض ، ( والرسول ) في السنن ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالستهم لا أنهم يرفعون إلى درجة الأنبياء ، ( والصديقين ) وهم أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والصديق المبالغ في الصدق ، ( والشهداء ) قيل : هم الذين استشهدوا في يوم أحد ، وقيل : الذين استشهدوا في سبيل الله ، وقال عكرمة : النبيون هاهنا : محمد صلى الله عليه وسلم والصديقون أبو بكر ، والشهداء عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، ( والصالحين ) سائر الصحابة رضي الله عنهم ، ( وحسن أولئك رفيقا ) يعني : رفقاء الجنة ، والعرب تضع الواحد موضع الجمع ، كقوله تعالى : ( ثم نخرجكم طفلا ) ( غافر - 67 ) أي : أطفالا ( ويولون الدبر ) أي : الأدبار .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي ، أنا أبو العباس السراج ، أنا قتيبة بن سعد ، أنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله الرجل يحب قوما ولما يلحق بهم؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " المرء مع من أحب " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي وأبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي قالا أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا أبو يحيى زكريا بن يحيى المروزي ، أنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رجل : يا رسول الله متى الساعة؟

قال : " وما أعددت لها " ؟

قال : فلم يذكر كثيرا ، إلا أنه يحب الله ورسوله قال : " فأنت مع من أحببت " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن يطع الله والرسول» فيما أمر به «فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين» أفاضل أصحاب الأنبياء لمبالغتهم في الصدق والتصديق «والشهداء» القتلى في سبيل الله «والصالحين» غير من ذكر «وحسُن أولئك رفيقا» رفقاء في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن يستجب لأوامر الله تعالى وهدي رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فأولئك الذين عَظُمَ شأنهم وقدرهم، فكانوا في صحبة مَن أنعم الله تعالى عليهم بالجنة من الأنبياء والصديقين الذين كمُل تصديقهم بما جاءت به الرسل، اعتقادًا وقولا وعملا والشهداء في سبيل الله وصالح المؤمنين، وحَسُنَ هؤلاء رفقاء في الجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال : ( وَمَن يُطِعِ .

.

.

عَلِيماً ) .روى المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : " جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون .

فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : يا فلان مالى أراك محزونا؟

فقال الرجل : يا نبى الله شئ فكرت فيه .

فقال ما هو؟

قال : نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك .

وغدا ترفع مع النبين فلا نصل إليك .

فلم يرد النبى صلى الله عليه وسلم شيئا .

فأتاه جبريل بهذه الآية .

( وَمَن يُطِعِ الله والرسول ) " .

الخ .قال : فبعث إليه النبى صلى الله عليه وسلم فبشره .والمعنى : ( وَمَن يُطِعِ الله ) بالانقياد لأمره ونهيه ، ويطع ( والرسول ) فى كل ما جاء به من ربه " فأولئك " المطيعون ( مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ) بالنعم التى تقصر العبارات عن تفصيلها وبيانها .وقوله : ( مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين ) بيان للمنعم عليهم الذين سيكون المطيع فى صحبتهم ورفقتهم .أى : فأولئك المتصفون بتمام الطاعة لله - تعالى - ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، يكونون يوم القيامة فى صحبة الأنبياء الذين أرسلهم مبشرين ومنذرين؛ فبلغوا رسالته ونالوا منه - سبحانه - أشرف المنازل .وبدأ - سبحانه - بالنبيين لعلو درجاتهم ، وسمو منزلتهم على من عداهم من البشر .وقوله ( والصديقين ) جمع صديق وهم الذين صدقوا بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم تصديقا لا يخالجه شك ، ولا تحوم حوله ريبة ، وصدقوا فى دفاعهم عن عقيدتهم تمسكهم بها ، وسارعوا إلى ما يرضى الله بدون تردد أو تباطؤ .وقوله ( والشهدآء ) جمع شهيد .

وهم الذين استشهدوا فى سبيل الله ، ومن أجل إعلاء دينه وشريعته .وقوله ( والصالحين ) جمع صالح .

وهم الذين صلحت نفوسهم ، واستقامت قلوبهم وأدوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم ونحو غيرهم .هؤلاء هم الأخيار الأطهار الذين يكون المطيعون لله ولرسوله فى رفقتهم وصحبتهم .

قال الفخر الرازى : " وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النببين والصديقين .

.

كون الكل فى درجة واحدة ، لأن هذا يقتضى التسوية فى الدرجة بين الفاضل والمفضول .

وأنه لا يجوز .

بل المراد كونهم فى الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر ، وإن بعد المكان ، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا : وإذا أرادوا الزيارة والتلاقى قدروا عليه .

فهذا هو المراد من هذه المعية .ثم قال : وقد دلت الآية على أنه لا مرتبة بعد النبوة فى الفضل والعلم إلا هذا الوصف .

وهو كون الإِنسان صديقا ولذا أينما ذكر فى القرآن الصديق والنبى لم يجعل بينهما واسطة كما قال - تعالى - فى صفة إدريس( إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً ) وقوله - تعالى ( وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ) تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب فى العمل الصالح الذى يوصل المسلم إلى صحبة هؤلاء الكرام .وقوله ( وَحَسُنَ ) فعل مراد به المدح ملحق بنعم .

ومضمن معنى التعجب من حسنهم .واسم الإِشارة ( أولئك ) يعود إلى كل صنف من هذه الأصناف الأربعة وهم النبيون ومن بعدهم .والرفيق : هو المصاحب الذى يلازمك فى عمل أو سفر أو غيرهما .

وسمى رفيقا لأنك ترافقه ويرافقك ويستعين كل واحد منكما بصاحبه فى قضاء شئونه .

وهو مشتق من الرفق بمعنى لين الجانب ، ولطف المعاشرة .ولم يجمع ، لأن صيغة فعيل يستوى فيها الواحد وغيره .والمعنى وحسن كلو احد من أولئك الأخيار - وهم الأنبياء ومن بعدهم - رفيقا ومصاحبا فى الجنة لأن رفقة كل واحد منهم تشرح الصدور ، وتبهج النفوس .والمخصوص بالمدح محذوف أى : كل واحد من المذكورين رفيقا أو وحسن المذكورون أو الممدحون رفيقا ، لأن حسن لها حكم نعم .وقوله ( أولئك ) فاعل حسن .

ورفيقا تمييز .قال صاحب الكشاف وقوله ( وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ) فيه معنى التعجب كأنه قيل : وما أحسن أولئك رفيقا .

ولاستقلاله بمعنى التعجب قرئ وحسن بسكون السين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الله وطاعة الرسول بقوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول  ﴾ ثم زيف طريقة الذين تحاكموا إلى الطاغوت وصدوا عن الرسول، ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى فقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله  ﴾ ثم رغب في تلك الطاعة بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا  وَإِذًا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا  وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا  ﴾ أكد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول في هذه الآية مرة أخرى فقال: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين ﴾ إلى آخر الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: روى جمع من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله، فقال يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت اليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك، لأني إن أدخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجة العبيد فلا أراك، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية.

الثاني: قال السدي: إن ناسا من الانصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق اليك، فكيف نصنع؟

فنزلت الآية.

الثالث: قال مقاتل: نزلت في رجل من الانصار قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا اليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع اليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة؟

فأنزل الله هذه الآية، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أتى الانصار ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده إلى أن ألقاه، فعمى مكانه، فكان يحب النبي حبا شديدا فجعله الله معه في الجنة.

الرابع: قال الحسن: إن المؤمنين قالوا للنبي عليه السلام: ما لنا منك إلا الدنيا، فاذا كانت الآخرة رفعت فى الأولى فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا، فنزلت هذه الآية.

قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات إلا أن سبب نزول الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك، وهو البعث على الطاعة والترغيب فيها، فانك تعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عند الله تعالى.

المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول ﴾ يوجب الاكتفاء بالطاعة الواحدة.

لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل به في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة.

قال القاضي: لابد من حمل هذا على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة.

وعندي فيه وجه آخر، وهو أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله ﴾ أي ومن يطع الله في كونه إلها، وطاعة الله في كونه إلها هو معرفته والاقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه الآية تنبيها على أمرين عظيمين من أحوال المعاد، فالأول: هو أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة الله، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى، وبعدها عن التكدر بمحبة عالم الاجسام أتم كان إلى السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل.

والثاني: انه تعالى ذكر في الآية المتقدمة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل والهداية إلى الصراط المستقيم، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا الذي وقع به في الختم لابد أن يكون أشرف وأعلى مما قبله، ومعلوم أنه ليس المراد من كون هؤلاء معهم هو أنهم يكونون في عين تلك الدرجات، لأن هذا ممتنع، فلابد وأن يكون معناه أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع الأرواح الكاملة في الدنيا لسبب الحب الشديد، فاذا فارقت هذا العالم ووصلت إلى عالم الآخرة بقيت تلك العلائق الروحانية هناك، ثم تصير تلك الأرواح الصافية كالمرايا المجلوة المتقابلة، فكأن هذه المرايا ينعكس الشعاع من بعضها على بعض، وبسبب هذه الانعكاسات تصير أنوارها في غاية القوة، فكذا القول في تلك الأرواح فإنها لما كانت مجلوة بصقالة المجاهدة عن غبار حب ما سوى الله، وذلك هو المراد من طاعة الله وطاعة الرسول، ثم ارتفعت الحجب الجسدانية أشرقت عليها أنوار جلال الله، ثم انعكست تلك الأنوار من بعضها إلى بعض وصارت الأرواح الناقصة كاملة بسبب تلك العلائق الروحانية، فهذا الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه.

المسألة الثالثة: ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين، كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وإنه لا يجوز.

بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه، فهذا هو المراد من هذه المعية.

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى ذكر النبيين، ثم ذكر أوصافا ثلاثة: الصديقين والشهداء والصالحين، واتفقوا على أن النبيين مغايرون للصديقين والشهداء والصالحين، فأما هذه الصفات الثلاثة فقد اختلفوا فيها، قال بعضهم: هذه الصفات كلها لموصوف واحد، وهي صفات متداخلة فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أن يكون صديقاً وشهيداً وصالحا.

وقال الآخرون: بل المراد بكل وصف صنف من الناس، وهذا الوجه أقرب لأن المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه، وكما أن النبيين غير من ذكر بعدهم، فكذلك الصديقون يجب أن يكونوا غير من ذكر بعدهم وكذا القول في سائر الصفات، ولنبحث عن هذه الصفات الثلاث: الصفة الأولى: الصديق: وهو اسم لمن عادته الصدق، ومن غلب على عادته فعل إذا وصف بذلك الفعل قيل فيه فعيل، كما يقال: سكير وشريب وخمير، والصدق صفة كريمة فاضلة من صفات المؤمنين، وكفى الصدق فضيلة أن الايمان ليس إلا التصديق، وكفى الكذب مذمة أن الكفر ليس إلا التكذيب.

إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين في الصديق وجوه: الأول: أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أولئك هُمُ الصديقون  ﴾ .

الثاني: قال قوم: الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.

الثالث: أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فصار في ذلك قدوة لسائر الناس، وإذا كان الأمر كذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أولى الخلق بهذا الوصف أما بيان أنه سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فلأنه قد اشتهرت الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما عرضت الاسلام على أحد إلا وله كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم دل هذا الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم لما عرض الاسلام على أبي بكر قبله أبو بكر ولم يتوقف، فلو قدرنا أن اسلامه تأخر عن إسلام غيره لزم أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قصر حيث أخر عرض الاسلام عليه، وهذا لا يكون قدحا في أبي بكر، بل يكون قدحا في الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كفر، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما قصر في عرض الاسلام عليه، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما قصر في عرض الاسلام عليه، والحديث دل على أن أبا بكر لم يتوقف ألبتة، فحصل من مجموع الأمرين أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسبق الناس إسلاما، أما بيان أنه كان قدوة لسائر الناس في ذلك فلأن بتقدير أن يقال: إن إسلام علي كان سابقا على إسلام أبي بكر، إلا أنه لا يشك عاقل أن عليا ما صار قدوة في ذلك الوقت، لأن عليا كان في ذلك الوقت صبياً صغيراً، وكان أيضا في تربية الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان شديد القرب منه بالقرابة، وأبو بكر ما كان شديد القرب منه بالقرابة وإيمان من هذا شأنه يكون سببا لرغبة سائر الناس في الاسلام.

وذلك لأنهم اتفقوا على أنه رضي الله تعالى عنه لما آمن جاء بعد ذلك بمدة قليلة بعثمان بن عفان رضي الله عنه، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم أجمعين حتى أسلموا، فكان إسلامه سببا لاقتداء هؤلاء الأكابر به، فثبت بمجموع ما ذكرنا أنه رضوان الله عليه كان أسبق الناس إسلاما، وثبت أن إسلامه صار سببا لاقتداء أفاضل الصحابة في ذلك الاسلام، فثبت أن أحق الامة بهذه الصفة أبو بكر رضي الله عنه.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا الذي ذكرناه يقتضي انه كان أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيانه من وجهين: الأول: أن إسلامه لما كان أسبق من غيره وجب أن يكون ثوابه أكثر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».

الثاني: أنه بعد أن أسلم جاهد في الله وصار جهاده مفضيا إلى حصول الاسلام لأكابر الصحابة مثل عثمان وطلحة والزبير وسعد ابن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي رضي الله تعالى عنهم، وجاهد علي يوم أحد ويوم الأحزاب في قتل الكفار، ولكن جهاد أبي بكر رضي الله عنه أفضى إلى حصول الإسلام لمثل الذين هم أعيان الصحابة، وجهاد علي أفضى إلى قتل الكفار، ولا شك أن الأول أفضل، وأيضاً فأبو بكر جاهد في أول الإسلام حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الضعف، وعلي إنما جاهد يوم أحد ويوم الأحزاب، وكان الاسلام قويا في هذه الأيام، ومعلوم أن الجهاد وقت الضعف أفضل من الجهاد وقت القوة، ولهذا المعنى قال تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وقاتلوا  ﴾ فبين أن نصرة الاسلام وقت ما كان ضعيفا أعظم ثواباً من نصرته وقت ما كان قويا، فثبت من مجموع ما ذكرنا أن أولى الناس بهذا الوصف هو الصديق، فلهذا أجمع المسلمون على تسليم هذا اللقب له إلا من لا يلتفت إليه فإنه ينكره، ودل تفسير الصديق بما ذكرناه على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف وهو كون الإنسان صديقا، وكما دل الدليل عليه فقد دل لفظ القرآن عليه، فإنه أينما ذكر الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة، فقال في وصف إسماعيل: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد  ﴾ وفي صفة إدريس ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً  ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ مّنَ النبيين والصديقين ﴾ يعني انك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية، ولا متوسط بينهما، وقال في آية أخرى: ﴿ والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ  ﴾ فلم يجعل بينهما واسطة، وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة حتى جعلوا الامام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر على سبيل الاجماع، ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية، فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها.

الصفة الثانية: الشهادة: والكلام في الشهداء قد مر في مواضع من هذا الكتاب، ولا بأس بأن نعيد البعض فنقول: لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الإنسان مقتول الكافر، والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن هذه الآية دالة على أن مرتبة الشهادة مرتبة عظيمة في الدين، وكون الإنسان مقتول الكافر ليس فيه زيادة شرف، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة له عند الله.

الثاني: أن المؤمنين قد يقولون: اللهم ارزقنا الشهادة، فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل وأنه غير جائز، لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر، فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر.

الثالث: روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «المبطون شهيد والغريق شهيد»، فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل، بل نقول: الشهيد فعيل بمعنى الفاعل، وهو الذي يشهد بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط  ﴾ ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث أنه بذل نفسه في نصرة دين الله، وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل، واذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في الآخرة، كما قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس  ﴾ .

الصفة الثالثة: الصالحون: والصالح هو الذي يكون صالحا في اعتقاده وفي عمله، فإن الجهل فساد في الاعتقاد، والمعصية فساد في العمل، واذا عرفت تفسير الصديق والشهيد والصالح ظهر لك ما بين هذه الصفات من التفاوت، وذلك لأن كل من كان اعتقاده صوابا وكان عمله طاعة وغير معصية فهو صالح، ثم أن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل، وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل وأخرى بالسيف، وقد لا يكون الصالح موصوفا بكونه قائما بهذه الشهادة، فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا، وليس كل من كان صالحا شهيدا، فالشهيد أشرف أنواع الصالح، ثم أن الشهيد قد يكون صديقا وقد لا يكون: ومعنى الصديق الذي كان أسبق إيمانا من غيره، وكان إيمانه قدوة لغيره، فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا، وليس كل من كان شهيدا كان صديقا، فثبت أن أفضل الخلق هم الأنبياء عليهم السلام، وبعدهم الصديقون، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة، وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح.

فالحاصل أن أكابر الملائكة يأخذون الدين الحق عن الله، والأنبياء يأخذون عن الملائكة، كما قال: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ  ﴾ والصديقون يأخذونه عن الأنبياء.

والشهداء يأخذونه عن الصديقين، لأنا بينا أن الصديق هو الذي يأخذ في المرة الأولى عن الأنبياء وصار قدوة لمن بعده، والصالحون يأخذونه عن الشهداء، فهذا هو تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا أحد يدخل الجنة إلا وهو داخل في بعض هذه النعوت والصفات.

ثم قال تعالى: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رفيقاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: فيه معنى التعجيب.

كأنه قيل: ما أحسن أولئك رفيقاً.

المسألة الثانية: الرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق.

هذا معناه في اللغة ثم الصاحب يسمّى رفيقا لارتفاق بعضهم ببعض.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع، لأن الرفيق والرسول والبريد تذهب به العرب إلى الواحد والى الجمع قال تعالى: ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين  ﴾ ولا يجوز أن يقال: حسن أولئك رجلا، وبالجملة فهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة، أما إذا كان اسما مصرحا مثل رجل وامرأة لم يجز، وجوز الزجاج ذلك في الاسم أيضا وزعم أنه مذهب سيبويه، وقيل: معنى قوله: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رفيقاً ﴾ أي حسن كل واحد منهم رفيقا، كما قال: ﴿ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  ﴾ .

المسألة الرابعة: ﴿ رَفِيقاً ﴾ نصب على التمييز، وقيل على الحال: أي حسن واحد منهم رفيقا.

المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى بين فيمن أطاع الله ورسوله أنه يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم لم يكترث بذلك، بل ذكر أنه يكون رفيقا له، وقد ذكرنا أن الرفيق هو الذي يرتفق به في الحضر والسفر، فبين أن هؤلاء المطيعين يرتفقون بهم، وإنما يرتفقون بهم إذا نالوا منهم رفقا وخيرا، ولقد ذكرنا مراراً كيفية هذا الارتفاق، وأما على حسب الظاهر فلأن الإنسان قد يكون مع غيره ولا يكون رفيقاً له، فأما إذا كان عظيم الشفقة عظيم الاعتناء بشأنه كان رفيقا له، فبين تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون له كالرفقاء من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك الفضل مِنَ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن قوله تعالى: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من وصف الثواب، فلما حكم على كل ذلك بأنه فضل من الله دل هذا على أن الثواب غير واجب على الله، ومما يدل عليه من جهة المعقول وجوه: الأول: القدرة على الطاعة إن كانت لا تصلح إلا للطاعة، فخالق تلك القدرة هو الذي أعطى الطاعة، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا، وإن كانت صالحة للمعصية أيضا لم يترجح جانب الطاعة على جانب المعصية إلا بخلق الداعي إلى الداعي، ويصير مجموع القدرة والداعي موجبا للفعل، فخالق هذا المجموع هو الذي أعطى الطاعة، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا.

الثاني: نعم الله على العبد لا تحصى وهي موجبة للطاعة والشكر، واذا كانت الطاعات تقع في مقابلة النعم السالفة امتنع كونها موجبة للثواب في المستقبل.

الثالث: أن الوجوب يستلزم استحقاق الذنب عند الترك، وهذا الاستحقاق ينافي الالهية، فيمتنع حصوله في حق الاله تعالى، فثبت أن ظاهر الآية كما دل على أن الثواب كله فضل من الله تعالى، فالبراهين العقلية القاطعة دالة على ذلك أيضا، وقالت المعتزلة: الثواب وإن كان واجبا لكن لا يمتنع إطلاق اسم الفضل عليه، وذلك أن العبد إنما استحق ذلك الثواب لأن الله تعالى كلفه والتكليف تفضل، ولأنه تعالى هو الذي أعطى العقل والقدرة وأزاح الأعذار والموانع حتى تمكن المكلف من فعل الطاعة، فصار ذلك بمنزلة من وهب لغيره ثوبا كي ينتفع به، فاذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب فكذا ههنا: المسألة الثانية: قوله: ﴿ ذلك الفضل مِنَ الله ﴾ فيه احتمالان: أحدهما: أن يكون التقدير: ذلك هو الفضل من الله، ويكون المعنى أن ذلك الثواب لكمال درجته كأنه هو الفضل من الله وأن ما سواه فليس بشيء، والثاني: أن يكون التقدير: ذلك الفضل هو من الله، أي ذلك الفضل المذكور، والثواب المذكور هو من الله لا من غيره، ولا شك أن الاحتمال الأول أبلغ.

ثم قال تعالى: ﴿ وكفى بالله عَلِيماً ﴾ وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفة الجزاء والتفضل، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الصديقون: أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم كأبي بكر الصديق رضي الله عنه وصدقوا في أقوالهم وأفعالهم.

وهذا ترغيب للمؤمنين في الطاعة، حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل: وماأحسن أولئك رفيقاً لاستقلاله بمعنى التعجب.

قرئ: ﴿ وحسْن ﴾ ، بسكون السين.

يقول المتعجب: حسن الوجه وجهك!

وحسن الوجه وجهك، بالفتح والضم مع التسكين.

والرفيق: كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه، ويجوز أن يكون مفرداً، بين به الجنس في باب التمييز.

وروي: أنّ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه يوماً وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله، فقال: يا رسول الله، ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة، فخفت أن لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وإن أدخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبداً، فنزلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين» وحكى ذلك عن جماعة من الصحابة ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل ﴾ صفته و ﴿ مِنَ الله ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون (ذلك) مبتدأ، (والفضل من الله) خبره، والمعنى: أنّ ما أعطي المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الله لأنه تفضل به عليهم تبعاً لثوابهم ﴿ وكفى بالله عَلِيماً ﴾ بجزاء من أطاعه أو أراد أَنَّ فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله، لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه وكفى بالله عليماً بعباده فهو يوفقهم على حسب أحوالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ مَزِيدُ تَرْغِيبٍ في الطّاعَةِ بِالوَعْدِ عَلَيْها مُرافَقَةَ أكْرَمِ الخَلائِقِ وأعْظَمِهِمْ قَدْرًا.

﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ ﴾ بَيانٌ لِلَّذِينَ أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ قَسَّمَهم أرْبَعَةً بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ في العِلْمِ والعَمَلِ، وحَثَّ كافَّةَ النّاسِ عَلى أنْ لا يَتَأخَّرُوا عَنْهُمْ، وهُمُ: الأنْبِياءُ الفائِزُونَ بِكَمالِ العِلْمِ والعَمَلِ المُتَجاوِزُونَ حَدَّ الكَمالِ إلى دَرَجَةِ التَّكْمِيلِ.

ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ الَّذِينَ صَعِدَتْ نُفُوسُهم تارَةً بِمَراقِي النَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ وأُخْرى بِمَعارِجِ التَّصْفِيَةِ والرِّياضاتِ إلى أوْجِ العِرْفانِ، حَتّى اطَّلَعُوا عَلى الأشْياءِ وأخْبَرُوا عَنْها عَلى ما هي عَلَيْها.

ثُمَّ الشُّهَداءُ الَّذِينَ أدّى بِهِمُ الحِرْصُ عَلى الطّاعَةِ والجِدِّ فِي إظْهارِ الحَقِّ حَتّى بَذَلُوا مُهَجَهم في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى.

ثُمَّ الصّالِحُونَ الَّذِينَ صَرَفُوا أعْمارَهم في طاعَتِهِ وأمْوالَهم في مَرْضاتِهِ.

ولَكَ أنْ تَقُولَ المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ هُمُ العارِفُونَ بِاللَّهِ وهَؤُلاءِ إمّا أنْ يَكُونُوا بالِغِينَ دَرَجَةَ العَيانِ أوْ واقِفِينَ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ والبُرْهانِ.

والأوَّلُونَ إمّا أنْ يَنالُوا مَعَ العَيانِ القُرْبَ بِحَيْثُ يَكُونُونَ كَمَن يَرى الشَّيْءَ قَرِيبًا وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لا فَيَكُونُونَ كَمَن يَرى الشَّيْءَ بَعِيدًا وهُمُ الصِّدِّيقُونَ، والآخَرُونَ إمّا أنْ يَكُونَ عِرْفانُهم بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ وهُمُ العُلَماءُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الَّذِينَ هم شُهَداءُ اللَّهِ في أرْضِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِأماراتٍ وإقْناعاتٍ تَطْمَئِنُّ إلَيْها نُفُوسُهم وهُمُ الصّالِحُونَ.

﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ في مَعْنى التَّعَجُّبِ، ورَفِيقًا نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ ولَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كالصَّدِيقِ، أوْ لِأنَّهُ أُرِيدَ وحَسُنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم رَفِيقًا.

رُوِيَ «أنَّ ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ  أتاهُ يَوْمًا وقَدْ تَغَيَّرَ وجْهُهُ ونَحُلَ جِسْمُهُ، فَسَألَهُ عَنْ حالِهِ فَقالَ: ما بِي مِن وجَعٍ غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ واسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَخِفْتُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي عَرَفْتُ أنَّكَ تَرْتَفِعُ مَعَ النَّبِيِّينَ وإنْ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ دُونَ مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلْ فَذاكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا فَنَزَلَتْ.» ﴿ ذَلِكَ ﴾ مُبْتَدَأٌ إشارَةً إلى ما لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الأجْرِ ومَزِيدِ الهِدايَةِ ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، أوْ إلى فَضْلِ هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ومَزِيَّتِهِمْ.

﴿ الفَضْلُ ﴾ صِفَتُهُ.

﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ خَبَرُهُ أوِ الفَضْلُ خَبَرُهُ ومِنَ اللَّهِ حالٌ والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.

﴿ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ، أوْ بِمَقادِيرِ الفَضْلِ واسْتِحْقاقِ أهْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)

{وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين} كأفاضل صحابة الأنبياء والصديق المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة وباطنه بالمراقبة أو الذي يصدق قوله بفعله {والشهداء} والذين استشهدوا

في سبيل الله {والصالحين} ومن صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم {وَحَسُنَ أولئك رفيقا}

أي وما أحسن أولئك رفيقاً وهو كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ﴾ بِالِانْقِيادِ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿ والرَّسُولَ ﴾ المُبَلِّغَ ما أُوحِي إلَيْهِ مِنهُ بِاتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، والرِّضا بِحُكْمِهِ، والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ، فِيهِ فَضْلُ تَرْغِيبٍ في الطّاعَةِ، ومَزِيدُ تَشْوِيقٍ إلَيْها، بِبَيانِ أنَّ نَتِيجَتَها أقْصى ما تَنْتَهِي إلَيْهِ هِمَمُ الأُمَمِ، وأرْفَعُ ما تَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ أمانِيهِمْ، وتَشْرَئِبُّ إلَيْهِ أعْيُنُ عَزائِمِهِمْ مِن مُجاوَرَةِ أعْظَمِ الخَلائِقِ مِقْدارًا، وأرْفَعِهِمْ مَنارًا، ومُتَضَمِّنٌ لِتَفْسِيرِ ما أُبْهِمَ، وتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ.

و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، وإفْرادُ ضَمِيرِ (يُطِعْ) مُراعاةً لِلَّفْظِ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَأُولَئِكَ) مُراعاةً لِلْمَعْنى، أيْ: فالمُطِيعُونَ الَّذِينَ عَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وبَعُدَتْ مَنزِلَتُهم شَرَفًا وفَضْلًا.

﴿ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِما تَقْصُرُ العِبارَةُ عَنْ تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ بَيانٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، فَهو حالٌ إمّا مِنَ (الَّذِينَ) أيْ مُقارَنِيهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ (مِنَ النَّبِيِّينَ) وإمّا مِن ضَمِيرِهِ، والتَّعَرُّضُ لِمَعِيَّةِ الأنْبِياءِ دُونَ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً، مَعَ أنَّ الكَلامَ في بَيانِ حُكْمِ طاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجَرَيانِ ذِكْرِهِمْ في سَبَبِ النُّزُولِ، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ طاعَتَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِطاعَتِهِمْ.

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ وحَسَّنَهُ قالَ: ««جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، وإنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن ولَدِي، وإنِّي لَأكُونُ في البَيْتِ فَأذْكُرُكَ فَما أصْبِرُ حَتّى آتِيَ فَأنْظُرَ إلَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ مَوْتى ومَوْتَكَ عَرَفْتُ أنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وأنِّي إذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أنْ لا أراكَ» فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَيْئًا حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ﴾ إلَخْ،» ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الكَلْبِيُّ: ««إنَّ ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، وقَدْ نُحِلَ جِسْمُهُ، وتَغَيَّرَ لَوْنُهُ خَوْفَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ المَوْتِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»».

وعَنْ مَسْرُوقٍ: ««إنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالُوا: ما يَنْبَغِي أنْ نُفارِقَكَ في الدُّنْيا، فَإنَّكَ إذا فارَقَتْنا رُفِعْتَ فَوْقَنا، فَنَزَلَتْ»» وبَدَأ بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وارْتِفاعِهِمْ عَلى مَن عَداهم.

وقَدْ نَقَلَ الشَّعْرانِيُّ عَنْ مَوْلانا الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: فُتِحَ لِي قَدْرُ خُرْمِ إبْرَةٍ مِن مَقامِ النُّبُوَّةِ تَجَلِّيًا لا دُخُولًا فَكِدْتُ أحْتَرِقُ» ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّدَلِّي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ ﴾ فالمَنازِلُ أرْبَعَةٌ، بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ: الأوَّلُ: مَنازِلُ الأنْبِياءِ، وهُمُ الَّذِينَ تَمُدُّهم قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ، وتَصْحَبُهم نَفْسٌ في أعْلى مَراتِبِ القُدْسِيَّةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن قَرِيبٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ﴾ .

والثّانِي: مَنازِلُ الصِّدِّيقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَتَأخَّرُونَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في المَعْرِفَةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن بَعِيدٍ، وإيّاهُ عَنى عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - حَيْثُ قِيلَ لَهُ: هَلْ رَأيْتَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: ما كُنْتُ لِأعْبُدَ رَبًّا لَمْ أرَهُ، ثُمَّ قالَ: لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِشَواهِدِ العِيانِ، ولَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقائِقِ الإيمانِ.

والثّالِثُ: مَنازِلُ الشُّهَداءِ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ بِالبَراهِينِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ في المِرْآةِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، كَحالِ مَن قالَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى عَرْشِ رَبِّي بارِزًا، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ»».

والرّابِعُ: مَنازِلُ الصّالِحِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الشَّيْءَ بِالتَّقْلِيدِ الجازِمِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ مِن بَعِيدٍ في مِرْآةٍ، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»» قالَهُ الرّاغِبُ، ونَقَلَهُ الطِّيِبِيُّ وغَيْرُهُ.

ونَقَلَ بَعْضُ تَلامِذَةِ مَوْلانا الشَّيْخِ خالِدٍ النَّقْشَبَنْدِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قَرَّرَ يَوْمًا أنَّ مَراتِبَ الكُمَّلِ أرْبَعَةٌ: نُبُوَّةٌ وقُطْبٌ مَدارُها نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ صِدِّيقِيَّةٌ وقُطْبٌ مَدارُاها أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - ثُمَّ شَهادَةٌ وقُطْبٌ مَدارُها عُمَرُ الفارُوقُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - ثُمَّ وِلايَةٌ وقُطْبٌ مَدارُها عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّ الصَّلاحَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الوِلايَةِ، فَسَألَهُ بَعْضُ الحاضِرِينَ عَنْ عُثْمانَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في أيِّ مَرْتَبَةٍ هو مِنَ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ؟

فَقالَ: إنَّهُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - قَدْ نالَ حَظًّا مِن رُتْبَةِ الشَّهادَةِ، وحَظًّا مِن رُتْبَةِ الوِلايَةِ، وأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ ذا النُّورَيْنِ هو ذَلِكَ عِنْدَ العارِفِينَ، انْتَهى.

وأنا - مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ تَعالى ومُسْتَمِدًّا مِنَ القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم - أقُولُ: إنَّ الوِلايَةَ هي المُحِيطَةُ العامَّةُ، والفَلَكُ الدّائِرُ، والدّائِرَةُ الكُبْرى، وأنَّ الوَلِيَّ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ في حالِهِ، فَعَرَفَ ما لَهُ بِإخْبارِ الحَقِّ إيّاهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّصْدِيقُ عِنْدَهُ، ويَصْدُقُ عَلى أصْنافٍ كَثِيرَةٍ، إلّا أنَّ المَذْكُورَ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةٌ: الصِّنْفُ الأوَّلُ: الأنْبِياءُ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا الرُّسُلُ، أهْلُ الشَّرْعِ سَواءٌ بُعِثُوا أوْ لَمْ يُبْعَثُوا، أعَنى بِطَرِيقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا بَحْثَ لِأهْلِ اللَّهِ تَعالى عَنْ مَقاماتِهِمْ وأحْوالِهِمْ إذْ لا ذَوْقَ لَهم فِيها، وكُلُّهم مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، غَيْرَ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ النُّبُوَّةَ عامَّةٌ وخاصَّةٌ، والَّتِي لا ذَوْقَ لَهم فِيها هي الخاصَّةُ، أعْنِي نُبُوَّةَ التَّشْرِيعِ، وهى مَقامٌ خاصٌّ في الوِلايَةِ.

وأمّا النُّبُوَّةُ العامَّةُ فَهي مُسْتَمِرَّةٌ سارِيَةٌ في أكابِرِ الرِّجالِ، غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ دُنْيا وأُخْرى، لَكِنَّ بابَ الإطْلاقِ قَدِ انْسَدَّ، وعَلى هَذا يَخْرُجُ ما رَواهُ البَدْرُ التَّماسُكِيُّ البَغْدادِيُّ، عَنِ الشَّيْخِ بَشِيرٍ، عَنِ القُطْبِ عَبْدِ القادِرِ الجِيلِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ: مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أُوتِيتُمُ اللَّقَبَ وأُوتِينا مالَمْ تُؤْتَوْا، فَإنَّ مَعْنى قَوْلَهُ: أُوتِيتُمُ اللَّقَبَ أنَّهُ حُجِرَ عَلَيْنا إطْلاقُ لَفْظِ النَّبِيِّ، وإنْ كانَتِ النُّبُوَّةُ العامَّةُ أبَدِيَّةً، وقَوْلُهُ: وأُوتِينا ما لَمْ تُؤْتَوْا عَلى حَدِّ قَوْلِ الخَضِرِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو أفْضَلُ مِنهُ: يا مُوسى أنا عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِيهُ اللَّهُ تَعالى لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وهَذا وجْهٌ آخَرُ غَيْرُ ما أسْلَفْناهُ مِن قَبْلِ تَوْجِيهِ هَذا الكَلامِ.

والصِّنْفُ الثّانِي: الصِّدِّيقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ عَنْ قَوْلِ المُخْبِرِ لا عَنْ دَلِيلٍ سِوى النُّورِ الإيمانِيِّ الَّذِي أُعِدَّ في قُلُوبِهِمْ قَبْلَ وُجُودِ المُصَدَّقِ بِهِ، المانِعِ لَها مِن تَرَدُّدٍ أوْ شَكٍّ يَدْخُلُها في قَوْلِ المُخْبِرِ الرَّسُولِ، ومُتَعَلِّقُهُ في الحَقِيقَةِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ، ويَكُونُ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى جِهَةِ القُرْبَةِ لا عَلى إثْباتِهِ؛ إذْ كانَ بَعْضُ الصَّدِّيقِينَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهم وُجُودُ الحَقِّ جَلَّ وعَلا ضَرُورَةً أوْ نَظَرًا، لَكِنْ ثَبَتَ ما كَوْنُهُ قُرْبَةً، ولَيْسَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والصِّدِّيقِيَّةِ - كَما قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ وغَيْرُهُ - مَقامٌ، ومَن تَخَطّى رِقابَ الصِّدِّيقِينَ وقَعَ في النُّبُوَّةِ، وهي بابٌ مُغْلَقٌ.

وأثْبَتَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مَقامًا بَيْنَهُما سَمّاهُ مَقامَ القُرْبَةِ، وهو السِّرُّ الَّذِي وقَرَ في قَلْبِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - المُشارُ إلَيْهِ في الحَدِيثِ «فَلَيْسَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - رَجُلٌ أصْلًا» لا أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الصِّدِّيقِيَّةِ والنُّبُوَّةِ مَقامٌ، ولَها أجْزاءٌ عَلى عَدَدِ شُعَبِ الإيمانِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِأنَّهُ نُورٌ أخْضَرُ بَيْنَ نُورَيْنِ، يَحْصُلُ بِهِ شُهُودُ عَيْنِ ما جاءَ بِهِ المُخْبِرُ مِن خَلْفِ حِجابِ الغَيْبِ بِنُورِ الكَرَمِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِما يَطُولُ.

والصِّنْفُ الثّالِثُ: الشُّهَداءُ، تَوَلّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ، وجَعَلَهم مِنَ المُقَرَّبِينَ، وهم مِن أهْلِ الحُضُورُ مَعَ اللَّهِ تَعالى عَلى بِساطِ العِلْمِ بِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ ﴾ فَجَمَعَهم مَعَ المَلائِكَةِ في بِساطِ الشَّهادَةِ، فَهم مُوَحِّدُونَ عَنْ حُضُورٍ إلَهِيٍّ وعِنايَةٍ أزَلِيَّةٍ، فَإنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا وآمَنُوا بِهِ فَهُمُ المُؤْمِنُونَ العُلَماءُ، ولَهُمُ الأجْرُ التّامُّ يَوْمَ القِيامَةِ، وإلّا فَلَيْسَ هُمُ الشُّهَداءُ المُنْعَمُ عَلَيْهِمْ، وإيمانُهم بَعْدَ العِلْمِ بِما قالَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: إنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ إلَيْهِ - مِن حَيْثُ قالَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أوْ قالَهُ الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ مِن عِنْدِهِ - فَقَدَّمَ الصِّدِّيقَ عَلى الشَّهِيدِ، وجُعِلَ بِإزاءِ النَّبِيِّ؛ فَإنَّهُ واسِطَةٌ بَيْنَهُما لِاتِّصالِ نُورِ الإيمانِ بِنُورِ الرِّسالَةِ، والشُّهَداءُ لَهم نُورُ العِلْمِ مُساوِقٌ لِنُورِ الرَّسُولِ مِن حَيْثُ هو شاهِدٌ لِلَّهِ تَعالى بِتَوْحِيدِهِ لا مِن حَيْثُ هو رَسُولٌ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَعَ المُساوَقَةِ؛ لِئَلّا تَبْطُلَ، ولا أنْ يَكُونَ مَعَهُ لِكَوْنِهِ رَسُولًا، والشّاهِدُ لَيْسَ بِهِ، فَلا بُدَّ أنْ يَتَأخَّرَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ في الرُّتْبَةِ الَّتِي تَلِي الصِّدِّيقِيَّةَ، فَإنَّ الصِّدِّيقَ أتَمُّ نُورًا مِنهُ في الصِّدِّيقِيَّةِ لِأنَّهُ صِدِّيقٌ مِن وجْهَيْنِ: وجْهِ التَّوْحِيدِ ووَجْهِ القُرْبَةِ، والشَّهِيدُ مِن وجْهِ القُرْبَةِ خاصَّةً؛ لِأنَّ تَوْحِيدَهُ عَنْ عِلْمٍ لا عَنْ إيمانٍ، فَنَزَلَ عَنِ الصِّدِّيقِ في مَرْتَبَةِ الإيمانِ، وهو فَوْقَهُ في مَرْتَبَةِ العِلْمِ، فَهو المُتَقَدِّمُ في مَرْتَبَةِ العِلْمِ، المُتَأخِّرُ بِرُتْبَةِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، فَإنَّهُ لا يَصِحُّ مِنَ العالِمِ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا، وقَدْ تَقَدَّمَ العِلْمُ مَرْتَبَةَ الخَبَرِ، فَهو يَعْلَمُ أنَّهُ صادِقٌ في تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى إذا بَلَّغَ رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، والصِّدِّيقُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إلّا بِنُورِ الإيمانِ المُعَدِّ في قَلْبِهِ، فَعِنْدَما جاءَ الرَّسُولُ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ ظاهِرٍ.

والصِّنْفُ الرّابِعُ: الصّالِحُونَ، تَوَلّاهُمُ اللَّهُ بِالصَّلاحِ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَدْخُلُ في عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى ولا إيمانِهِمْ بِهِ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ خَلَلٌ، فَإذا دَخَلَهُ بَطَلَ كَوْنُهُ صالِحًا، وكُلُّ مَن لَمْ يَدْخُلْهُ خَلَلٌ في صِدِّيقِيَّتِهِ فَهو صالِحٌ، وفي شَهادَتِهِ فَهو صالِحٌ، وفي تَوْبَتِهِ فَهو صالِحٌ، ولِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَدْعُوَ بِتَحْصِيلِ الصَّلاحِ لَهُ في المَقامِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ لِجَوازِ دُخُولِ الخَلَلِ عَلَيْهِ في مَقامِهِ؛ لِأنَّ الأمْرَ اخْتِصاصٌ إلَهِيٌّ ولَيْسَ بِذاتِيٍّ، فَيَجُوزُ دُخُولُ الخَلَلِ فِيهِ ويَجُوزُ رَفْعُهُ، فَصَحَّ أنْ يَدْعُوَ الصّالِحُ بِأنْ يُجْعَلَ مِنَ الصّالِحِينَ، أيِ الَّذِينَ يَدْخُلُ صَلاحَهم خَلَلٌ في زَمانٍ ما.

وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ ما مِن نَبِيٍّ إلّا وذَكَرَ أنَّهُ صالِحٌ، أوْ أنَّهُ دَعا أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ كَوْنِهِ نَبِيًّا، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ مَرْتَبَةَ الصَّلاحِ خُصُوصٌ في النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَحْصُلُ لِمَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ، ولا صِدِّيقٍ، ولا شَهِيدٍ.

هَذا ما وقَفْتُ عَلَيْهِ مِن كَلامِ القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، ولَمْ أظْفَرْ بِالتَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَوْلانا الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ، فَتَدَبَّرْ.

وقَدْ ذَكَرَ أصْحابُنا الرَّسْمِيُّونَ أنَّ الصِّدِّيقَ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كالسِّكِّيرِ، بِمَعْنى المُتَقَدِّمِ في التَّصْدِيقِ، المُبالَغِ في الصِّدْقِ والإخْلاصِ في الأقْوالِ والأفْعالِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِن أفاضِلِ أصْحابِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأماثِلِ خَواصِّهِمْ كَأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وأنَّ الشُّهَداءَ جَمْعُ شَهِيدٍ، والمُرادُ الَّذِينَ بَذَلُوا أرْواحَهم في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وهُمُ المَقْتُولُونَ بِسَيْفِ الكُفّارِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ المُرادُ بِهِمْ ها هُنا ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ -  - ما تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟

قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: إنَّ شُهَداءَ أُمَّتِي إذًا لَقَلِيلٌ، مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَهو شَهِيدٌ، ومَن ماتَ في الطّاعُونِ فَهو شَهِيدٌ، ومَن ماتَ مَبْطُونًا فَهو شَهِيدٌ»» وعَدَّ بَعْضُهُمُ الشُّهَداءَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وقِيلَ: الشَّهِيدُ هو الَّذِي يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ تَعالى تارَةً بِالحُجَّةِ والبَيانِ، وأُخْرى بِالسَّيْفِ والسِّنانِ.

وزَعَمَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ كُلُّ هَذِهِ الأُمَّةِ في الشُّهَداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

وأنَّ المُرادَ بِالصّالِحِينَ الصّارِفِينَ أعْمارَهم في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمْوالَهم في مَرْضاتِهِ سُبْحانَهُ، ويُقالُ: الصّالِحُ هو الَّذِي صَلُحَتْ حالُهُ، واسْتَقامَتْ طَرِيقَتُهُ.

والمُصْلِحُ هو الفاعِلُ لِما فِيهِ الصَّلاحُ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: ولِذا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مُصْلِحٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى دُونَ صالِحٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِالمَعِيَّةِ اتِّحادَ الدَّرَجَةِ ومُطْلَقَ الِاشْتِراكِ في دُخُولِ الجَنَّةِ، بَلْ كَوْنَهم فِيها بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ وزِيارَتِهِ مَتى أرادَ، وإنْ بَعُدَتِ المَسافَةُ بَيْنَهُما.

وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُرْفَعَ الأدْنى إلى مَنزِلَةِ الأعْلى مَتى شاءَ تَكْرِمَةً لَهُ، ثُمَّ يَعُودَ، ولا يُرى أنَّهُ أرْغَدُ مِنهُ عَيْشًا، ولا أكْمَلُ لَذَّةً؛ لِئَلّا يَكُونَ حَسْرَةً في قَلْبِهِ، وكَذا لا مانِعَ مِن أنْ يَنْحَدِرَ الأعْلى إلى مَنزِلَةِ الأدْنى، ثُمَّ يَعُودَ، مِن غَيْرِ أنْ يُرى ذَلِكَ نَقْصًا في مُلْكِهِ أوْ حَطًّا مِن قَدْرِهِ.

وقَدْ ثَبَتَ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَزاوَرُونَ، وادَّعى بَعْضُهم أنْ لا تَزاوُرَ مَعَ رُؤْيَةِ كُلِّ واحِدٍ الآخَرَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عالَمَ الأنْوارِ لا تَمانُعَ فِيها ولا تَدافُعَ، فَيَنْعَكِسُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ كالمَرايا المَجْلُوَّةِ المُتَقابِلَةِ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ وزَعَمَ أنَّهُ التَّحْقِيقُ وهو بَعِيدٌ عَنْهُ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ بِمَراحِلَ ما قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ مَعْنى كَوْنِ المُطِيعِ مَعَ هَؤُلاءِ أنَّهُ مَعَهم في سُلُوكِ طَرِيقِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ مَأْمُونًا مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ، مَحْفُوظَ الطّاعَةِ عَنِ النَّهْبِ.

﴿ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ أيْ صاحِبًا، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّفْقِ، وهو لِينُ الجانِبِ، واللَّطافَةُ في المُعاشَرَةِ قَوْلًا وفِعْلًا، والإشارَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّينَ ومَن بَعْدَهُمْ، وما فِيها مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا (ورَفِيقًا) حِينَئِذٍ إمّا تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ عَلى مَعْنى أنَّهم وُصِفُوا بِالحُسْنِ مِن جِهَةِ كَوْنِهِمْ رُفَقاءَ لِلْمُطِيعِينَ، أوْ حالَ كَوْنِهِمْ رُفَقاءَ لَهُمْ، ولَمْ يُجْمَعْ؛ لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ، أوِ اكْتِفاءً بِالواحِدِ عَنِ الجَمْعِ في بابِ التَّمْيِيزِ لِفَهْمِ المَعْنى، وحَسَّنَهُ وُقُوعُهُ في الفاصِلَةِ، أوْ لِأنَّهُ بِتَأْوِيلٍ حَسُنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، أوْ لِأنَّهُ قُصِدَ بَيانُ الجِنْسِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأنْواعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى (مَن يُطِعْ) والجَمْعُ عَلى المَعْنى، فَـ(رَفِيقًا) حِينَئِذٍ تَمْيِيزٌ عَلى مَعْنى أنَّهم وُصِفُوا بِحُسْنِ الرَّفِيقِ مِنَ الفِرْقِ الأرْبَعِ لا بِنَفْسِ الحُسْنِ، فَلا يَجُوزُ دُخُولُ (مِن) عَلَيْهِ كَما يَجُوزُ في الوَجْهِ الأوَّلِ.

والجُمْلَةُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرُ لِما قَبْلَهُ، مُؤَكِّدٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ، وفي الكَشّافِ: فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعْجِيبِ قُرِئَ (وحُسْنُ) بِسُكُونِ السِّينِ، يَقُولُ المُتَعَجِّبُ: حُسْنُ الوَجْهِ وجْهُكَ بِالفَتْحِ والضَّمِّ مَعَ التَّسْكِينِ، انْتَهى.

وفِي الصِّحاحِ يُقالُ: حَسُنَ الشَّيْءُ، وإنْ شِئْتَ خَفَّفَتَ الضَّمَّةَ فَقُلْتَ: حُسْنَ الشَّيْءِ، ويَجُوزُ أنْ تُنْقَلَ الضَّمَّةُ إلى الحاءِ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ، وإنَّما يَجُوزُ النَّقْلُ إذا كانَ بِمَعْنى المَدْحِ أوِ الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يُشَبَّهُ في جَوازِ النَّقْلِ بِنِعْمَ وبِئْسَ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ فِيهِما (نَعِمَ وبَئِسَ) فَسُكِّنَ ثانِيهِما، ونُقِلَتْ حَرَكَتُهُ إلى ما قَبْلَهُ، وكَذَلِكَ كَلُّ ما كانَ في مَعْناهُما، قالَ الشّاعِرُ: لَمْ يَمْنَعِ النّاسُ مِنِّي ما أرَدْتُ وما أُعْطِيهِمْ ما أرادُوا حُسْنَ ذا أدَبًا أرادَ حَسُنَ ذا أدَبًا، فَخُفِّفَ ونُقِلَ، وأرادَ أنَّهُ لَمّا نُقِلَ إلى الإنْشاءِ حَسُنَ أنْ يُغَيَّرَ تَنْبِيهًا عَلى مَكانِ النَّقْلِ.

وفِي الِارْتِشافِ: إنَّ فَعُلَ المُحَوَّلَ ذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَقَطْ، وإجْراءُ أحْكامِهِ عَلَيْهِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ التَّعَجُّبِ، وحَكى الأخْفَشُ الِاسْتِعْمالَيْنِ عَنِ العَرَبِ، ويَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ العَيْنِ وتَسْكِينُها، ونَقْلُ حَرَكَتِها إلى الفاءِ، وظاهِرُهُ تَغايُرُ المَذْهَبَيْنِ.

وفِي التَّسْهِيلِ أنَّهُ مِن بابِ نِعْمَ وبِئْسَ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو يَقْتَضِي أنْ لا تَغايُرَ بَيْنَهُما، وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الشَّيْخَيْنِ، فافْهَمْ.

والحُسْنُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مُبْهِجٍ مَرْغُوبٍ، إمّا عَقْلًا أوْ هَوًى أوْ حِسًّا، وأكْثَرُ ما يُقال في مُتَعارَفِ العامَّةِ في المُسْتَحْسَنِ بِالبَصَرِ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ لَهُ ولِلْمُسْتَحْسَنِ مِن جِهَةِ البَصِيرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ قال في رواية الكلبي: نزلت الآية في شأن ثوبان مولى رسول الله  ، وكان شديد الحب له، وكان قليل الصبر عنه حتى تغير لونه ونحل جسمه، فقال له رسول الله  : «مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ» ؟

فقال: ما بي من مرض، ولكني إذا لم أرك استوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك، وأذكر الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك.

فنزل قوله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ في الجنة.

وقال في رواية الضحاك: وذلك أن نفراً من أصحاب رسول الله  قالوا: يا نبيَّ الله، وإن صرنا إلى الجنة فإنك تفضلنا في الدرجات، كما أنك تفضلنا بدرجات النبوة، فلا نراك.

فنزل فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية.

حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جهضم، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله  فقال: يا رسول الله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي وولدي وأهلي، فلولا أني آتيك فأراك لا ريب- أي لا شك- أني سوف أموت.

قال: وبكى الأنصاري.

فقال: «مَا أَبْكَاكَ؟» قال: ذكرت أنك تموت ونموت وترفع مع النبيين، ونكون نحن وإن دخلنا الجنة دونك، فلم يجبه بشيء، فأنزل الله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ أي من المسلمين.

ثم قال: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً في الجنة، أي رفقاء كقوله تعالى: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: 5] أي أطفالاً، وكقوله كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [المنافقون: 4] أي الأعداء ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ أي المنّ والعطية من فضل الله وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً بالثواب في الآخرة.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ أي عدتكم من السلاح فَانْفِرُوا ثُباتٍ يعني عصباً سرايا أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً مع النبي  بأجمعكم.

وقال عز وجل: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فاللام الأولى زيادة للتأكيد، واللام الثانية للقسم.

أي وإن منكم من يتثاقل ويتخلف عن الجهاد، يعني المنافقين، فهذا الخطاب للمؤمنين، فكأنه يقول: إن فيكم منافقين يتثاقلون ويتخلفون عن الجهاد فَإِنْ أَصابَتْكُمْ معشر المسلمين مُصِيبَةٌ يعني نكبة وشدة وهزيمة من العدو قالَ ذلك المنافق الذي فيكم وتخلف عن الجهاد: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بالجلوس إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً أي حاضراً في تلك الغزوة.

قوله تعالى: وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ يعني الفتح والغنيمة لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ، أي معرفة ووداً في الدين يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ في تلك الغزوة فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً فأصيب غنائم كثيرة.

وقال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة في الدين ولا ولاية.

قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بالتاء لأن المودة مؤنثة، وقرأ الباقون بالياء لأن تأنيثه ليس بحقيقي.

ثم أمر المنافقين بأن يقاتلوا لوجه الله تعالى، فقال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تقدَّم نظيره في «البقرة» ، وسببُ الآية، على ما حُكيَ: أنَّ اليهود قالوا لَمَّا لم يرض المنافق بحكم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَا رأَيْنَا أَسْخَفَ مِنْ هؤلاءِ يُؤْمنونَ بمحمَّد، ثم لا يرضَوْنَ بحُكْمه، ونحنُ قَدْ أمرنا بقَتْلٍ أَنْفُسِنا، ففَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فينا سَبْعِينَ أَلْفاً، فقَالَ ثابتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذلك علَيْنا، لَفَعَلْنَاه، فنزلَتِ الآية مُعْلِمَةً بحالِ أولئكَ المُنَافِقِينَ، وأنه لو كُتِبَ ذلك علَى الأمَّة، لم يَفْعَلُوهُ، وما كان يَفْعَلُه إلا قليلٌ مؤمنُونَ محقِّقون كَثَابِتٍ، قُلْتُ: وفي «العتبية» ، عن مالكٍ، عن أبي بَكْر (رضي اللَّه عنه) نحْوُ مقالَةِ ثابِتِ بْنِ قيسٍ، قال ابْنُ رُشْدٍ: ولا شَكَّ أنَّ أبا بَكْرٍ مِنَ القليلِ الذي استثنى اللَّهُ تعالى في الآية، فلا أحد أحقُّ بهذه الصِّفَة منه.

انتهى.

قال ص: إِلَّا قَلِيلٌ: الجمهورُ بالرفْعِ، على البَدَلِ من واو «فَعَلُوهُ» عند البصريِّين «١» .

انتهى.

وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ: لو أنَّ هؤلاءِ المنافِقِينَ اتعظوا وأَنَابُوا، لكان خيرا لهم وتَثْبِيتاً، معناه: يقيناً وتصديقاً، ونحو هذا، أيْ: يثبِّتهم اللَّه.

ثُمَّ ذكر تعالى ما كانَ يَمُنِّ به علَيْهم من تفضُّله بالأجر، ووَصْفُهُ إياه بالعَظِيمِ مقتضٍ مَّا لا يُحْصِيه بَشَرٌ من النعيمِ المقيمِ، والصِّرَاطُ المستقيمُ: الإيمانُ المؤدِّي إلى الجنَّة، والمقصودُ تعديدُ ما كان يُنْعِمُ به عليهم سبحانه.

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)

وقوله (جَلَّت عَظَمَتُهُ) : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ...

الآية: لما ذَكَر اللَّه سبحانه الأمر الذي لَوْ فَعَلُوه، لأَنعم علَيْهم، ذَكَر بعد ذلك ثَوَابَ مَنْ يفعله، وهذه الآيةُ تفسِّر قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وقالتْ طائفة: إنما نزلَتْ هذه الآية لَمَّا قال عبد الله بن زيد الأنصاريّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنْ ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ  كانَ شَدِيدَ المَحَبَّةِ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَرَآَهُ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا فَعَرَفَ الحُزْنَ في وجْهِهِ، فَقالَ: يا ثَوْبانُ ما غُيِّرَ وجْهُكَ؟

قالَ: ما بِي مِن وجَعٍ غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، فَأذْكُرُ الآَخِرَةَ، فَأخافُ أنْ لا أراكَ هُناكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  قالُوا لَهُ: ما يَنْبَغِي أنْ نُفارِقَكَ في الدُّنْيا، فَإنَّكَ إذا فارَقْتَنا رُفِعْتَ فَوْقَنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

هَذا قَوْلُ مَسْرُوقٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ جاءَ إلى النَّبِيِّ وهو مَحْزُونٌ، فَقالَ: مالِي أراكَ مَحْزُونًا؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ غَدًا تُرْفَعُ مَعَ الأنْبِياءِ، فَلا نَصِلُ إلَيْكَ.

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» هَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ في الفَرائِضِ، والرَّسُولِ في السُّنَنِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والصِّدِّيقُ: الكَثِيرُ الصِّدْقِ، كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ، وسِكِّيرٌ، وشِرِّيبٌ، وخِمِّيرٌ، وسِكِّيتٌ، وفِجِّيرٌ، وعِشِّيقٌ، وَضِلِّيلٌ، وظِلِّيمٌ: إذا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ.

ولا يُقالُ ذَلِكَ لِمَن فَعَلَ الشَّيْءَ مَرَّةً، أوْ مَرَّتَيْنِ حَتّى يَكْثُرَ مِنهُ ذَلِكَ، أوْ يَكُونَ عادَةً.

فَأمّا الشُّهَداءُ، فَجَمْعُ شَهِيدٍ وهو القَتِيلُ في سَبِيلِ اللَّهِ.

وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِالشَّهِيدِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ومَلائِكَتَهُ شَهِدُوا لَهُ بِالجَنَّةِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.

والثّانِي: لِأنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَشْهَدُهُ.

والثّالِثُ: لِسُقُوطِهِ بِالأرْضِ، والأرْضُ: هي الشّاهِدَةُ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ ابْنُ فارِسٍ اللُّغَوِيُّ.

والرّابِعُ: لِقِيامِهِ بِشَهادَةِ الحَقِّ في أمْرِ اللَّهِ حَتّى قُتِلَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والخامِسُ: لِأنَّهُ يَشْهَدُ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الكَرامَةِ بِالقَتْلِ، قالَهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عَبِيدِ اللَّهِ.

فَأمّا الصّالِحُونَ، فَهُمُ اسْمٌ لِكُلِّ مَن صَلُحَتْ سَرِيرَتُهُ وعَلانِيَتُهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ النَّبِيِّينَ، والصِّدِّيقَيْنَ، والشُّهَداءِ، والصّالِحِينَ عامٌّ في جَمِيعِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ.

وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُرادُ بِالنَّبِيِّينَ هاهُنا: مُحَمَّدٌ، والصِّدِّيقِينَ أبُو بَكْرٍ، وبِالشُّهَداءِ عُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيُّ، وبِالصّالِحِينَ سائِرُ الصَّحابَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "رَفِيقًا" مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وهو يَنُوبُ عَنْ رُفَقاءٍ.

قالَ الشّاعِرُ: بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ وَقالَ آَخَرٌ: فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجَيْنا ∗∗∗ يُرِيدُ في حُلُوقِكم عِظامٌ ﴿ ذَلِكَ الفَضْلُ ﴾ الَّذِي أعْطى المَذْكُورِينَ ﴿ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ بِالمَقاصِدِ والنِّيّاتِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ والرَسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ والصِدِّيقِينَ والشُهَداءِ والصالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ وكَفى بِاللهِ عَلِيمًا ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ الأمْرَ الَّذِي لَوْ فَعَلُوهُ لَأنْعَمَ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَوابَ مَن يَفْعَلُهُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ  ﴾ ﴿ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «لَمّا قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ الَّذِي أُرِيَ الأذانَ: يا رَسُولَ اللهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وحَكى مَكِّيٌّ عن عَبْدِ اللهِ هَذا، أنَّهُ لَمّا ماتَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ: اللهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ، وذَكَرَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ قالَتْ ذَلِكَ أو نَحْوَهُ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ.

ومَعْنى "أنَّهم مَعَهُمْ": أنَّهم في دارٍ واحِدَةٍ، ومُتَنَعَّمٍ واحِدٍ، وكُلُّ مَن فِيها قَدْ رُزِقَ الرِضا بِحالِهِ، وذَهَبَ عنهُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ مَفْضُولٌ، وإنْ كُنّا نَحْنُ قَدْ عَلِمْنا مِنَ الشَرِيعَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وعَلى قَدْرِ فَضْلِ اللهِ عَلى مَن شاءَ.

والصِدِّيقُ: فِعِّيلٌ مِنَ الصِدْقِ، وقِيلَ: مِنَ الصَدَقَةِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الصِدِّيقُونَ المُصَدِّقُونَ"» والشُهَداءُ: المَقْتُولُونَ في سَبِيلِ اللهِ، هُمُ المَخْصُوصُونَ بِفَضْلِ المِيتَةِ، وهُمُ الَّذِينَ فَرَّقَ الشَرْعُ حُكْمَهم في تَرْكِ الغُسْلِ والصَلاةِ، لِأنَّهم أكْرَمُ مِن أنْ يُشْفَعَ لَهُمْ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ اللهَ شَهِدَ لَهم بِالجَنَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّهم شَهِدُوا لِلَّهِ بِالحَقِّ في مَوْتِهِمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ، ولَكِنَّ لَفْظَ الشُهَداءِ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ أنْواعَ الشُهَداءِ.

وَ"رَفِيقًا" مُوَحَّدُ في مَعْنى الجَمْعِ، كَما قالَ: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ .

ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "وَحَسْنَ" بِسُكُونِ السِينِ، وذَلِكَ مِثْلُ: "شَجْرَ بَيْنَهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ ﴾ رَدٌّ عَلى تَقْدِيرِ مُعْتَرِضٍ يَقُولُ: وما الَّذِي يُوجِبُ اسْتِواءَ أهْلِ الطاعَةِ والنَبِيِّينَ في الآخِرَةِ والفَرْقُ بَيْنَهم في الدُنْيا بَيِّنٌ؟

فَذَكَرَ اللهُ أنَّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ لا بِوُجُوبٍ عَلَيْهِ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِ المُطِيعِينَ مَعَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وأيْضًا فَلا نُقَرِّرُ الِاسْتِواءَ، بَلْ هم مَعَهم في دارٍ والمَنازِلُ مُتَبايِنَةٌ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا ﴾ وفِيها مَعْنى أنْ يَقُولَ: فَسَلِّمُوا فِعْلَ اللهِ وتَفَضُّلَهُ مِنَ الاعْتِراضِ عَلَيْهِ، واكْتَفُوا بِعِلْمِهِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ أُدْخِلَتِ الباءُ عَلى اسْمِ اللهِ، لِتَدُلَّ عَلى الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "وَكَفى".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل لجملة: ﴿ وإذن لآتيناهم من لدنّا أجراً عظيماً ﴾ [النساء: 67] وإنّما عطفت باعتبار إلحاقها بجملة: ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ على جملة ﴿ ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ [النساء: 66].

وجيء باسم الإشارة في جملة جواب الشرط للتنبيه على جدارتهم بمضمون الخبر عن اسم الإشارة لأجل مضمون الكلام الذي قبل اسم الإشارة.

والمعيّة معيّة المنزلة في الجنة وإن وإن كانت الدرجات متفاوتة.

ومعنى ﴿ من يطع ﴾ من يتّصف بتمام معنى الطاعة، أي أن لا يعصي الله ورسوله.

ودلّت (مع) على أنّ مكانة مدخولها أرسخ وأعرف، وفي الحديث الصحيح " أنت مع من أحببت ".

والصديّقون هم الذين صدَّقوا الأنبياء ابتداء، مثل الحواريين والسابقين الأوّلين من المؤمنين.

وأمّا الشهداء فهم من قُتلوا في سبيل إعلاء كلمة الله.

والصالحون الذين لزمتهم الاستقامة.

و (حَسُنَ) فعل مراد به المدح ملحق بنعم ومضمّن معنى التعجّب من حسنهم، وذلك شأن فَعُل بضم العين من الثلاثي أن يدلَّ على مدح أو ذمّ بحسب مادّته مع التعجّب.

وأصل الفعل حَسَنَ بفتحتين فحوّل إلى فعُل بضمّ العين لقصد المدح والتعجّب.

و ﴿ أولئك ﴾ فاعل ﴿ حسن ﴾ .

و ﴿ رفيقا ﴾ تمييز، أي ما أحسنهم حسنوا من جنس الرفقاء.

والرفيق يستوي فيه الواحد والجمع، وفي حديث الوفاة «الرفيقَ الأعلى».

وتعريف الجزأين في قوله: ﴿ ذلك الفضل من الله ﴾ يفيد الحصر وهو حصر إدعائيُّ لأنّ فضل الله أنواع، وأصناف، ولكنّه أريد المبالغة في قوّة هذا الفضل، فهو كقولهم: أنت الرجل.

والتذييل بقوله: ﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ للإشارة إلى أنّ الذين تلبّسوا بهذه المنقبة، وإن لم يعلمهم الناس، فإنّ الله يعلمهم والجزاء بيده فهو يوفيّهم الجزاء على قدر ما علم منهم، وقد تقدّم نظيره في هذه السورة.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ أمّا الصِّدِّيقُونَ فَهو جَمْعُ صِدِّيقٍ، وهم أتْباعُ الأنْبِياءِ.

وَفي تَسْمِيَةِ الصِّدِّيقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِعِّيلٌ مِنَ الصِّدْقِ.

والثّانِي: أنَّهُ فِعِّيلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ.

وَأمّا الشُّهَداءُ فَجَمْعُ شَهِيدٍ، وهو المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

وَفي تَسْمِيَةِ الشَّهِيدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِقِيامِهِ بِشَهادَةِ الحَقِّ، حَتّى قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ.

والثّانِي: لِأنَّهُ يَشْهَدُ كَرامَةَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ.

وَيَشْهَدُ عَلى العِبادِ بِأعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إذا خُتِمَ لَهُ بِالقَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ.

وَأمّا الصّالِحُونَ فَجَمْعُ صالِحٍ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ مَن صَلَحَ عَمَلُهُ.

والثّانِي: هو كُلُّ مَن صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وعَلانِيَتُهُ.

وَأمّا الرَّفِيقُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ في العَمَلِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ في السَّيْرِ.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما حَكاهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ والسُّدِّيُّ أنَّ ناسًا تَوَهَّمُوا أنَّهم لا يَرَوْنَ الأنْبِياءَ في الجَنَّةِ لِأنَّهم في أعْلى عِلِّيِّينَ، وحَزِنُوا وسَألُوا النَّبِيَّ  فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة وحسنه عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله إنك لأحب إليَّ من نفسي، وإنك لأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك.

فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم...

﴾ الآية» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أحبك حتى إني أذكرك، فلولا أني أجيء فأنظر إليك ظننت أن نفسي تخرج، وأذكر أني إن دخلت الجنة صرت دونك في المنزلة فيشق عليَّ وأحب أن أكون معك في الدرجة.

فلم يرد عليه شيئاً، فأنزل الله: ﴿ ومن يطع الله والرسول...

﴾ الآية.

فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاها عليه» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي «أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله والله لأنت أحب إليَّ من نفسي وولدي وأهلي ومالي، ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت.

وبكى الأنصاري فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبكاك؟

فقال: ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين، ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك.

فلم يخبره النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، فأنزل الله على رسوله ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ﴾ إلى قوله: ﴿ عليماً ﴾ فقال: أبشر يا أبا فلان» .

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: «جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان ما لي أراك محزوناً؟

قال: يا نبي الله شيء فكرت فيه!

فقال: ما هو؟

قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، غداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك.

فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ رفيقاً ﴾ قال: فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مسروق قال: قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك لو قدمت رفعت فوقنا فلم نرك.

فأنزل الله: ﴿ ومن يطع الله والرسول...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: أتى فتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله: إن لنا فيك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك لأنك في الجنة في الدرجات العلى.

فأنزل الله: ﴿ ومن يطع الله...

﴾ الآية.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت معي في الجنة إن شاء الله» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالاً قالوا: هذا نبي الله نراه في الدنيا فأما في الآخرة فيرفع بفضله فلا نراه.

فأنزل الله: ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ رفيقاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: قال ناس من الأنصار: يا رسول الله إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع؟

فأنزل الله: ﴿ ومن يطع الله والرسول...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن الربيع، أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن تبعه وصدقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضاً؟

فأنزل الله هذه الآية في ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه» .

وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي: سل...

فقلت: يا رسول الله أسالك مرافقتك في الجنة.

قال: أو غير ذلك؟

قلت: هو ذاك.

قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» .

وأخرج أحمد عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت رمضان.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا- ونصب أصبعيه- ما لم يعق والديه» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً إن شاء الله» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن ماجه عن عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبي يمرض إلا خُيِّرَ بين الدنيا والآخرة» ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول ﴿ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴾ فعلمت أنه خيِّر.

وأخرج ابن جرير عن المقداد قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم قلت في أزواجك «إني لأرجو لهن من بعدي الصديقين.

قال: من تعنون الصديقين؟

قلت: أولادنا الذين هلكوا صغاراً.

قال: لا، ولكن الصديقين هم المصدقون» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ﴾ الآية.

اختلفوا في سبب نزولها؛ فقال جماعة من أهل التفسير: إنها نزلت في ثوبان (١)  ، وكان بلغ من حبِّه لرسول الله ما شجاه وأثر فيه، فسأله رسول الله  عن حاله، فقال: إني لا أكاد أصبر عنك، وأذكر الآخرة وأنت تُرفع في درجة النبيين، وأنا مع العبيد، فلا ألقاك، فنزلت الآية.

وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي (٢) وقال السدي: إن ناسًا من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟

فنزلت الآية (٣) وقال الشعبي: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله، فقال: لأنت أحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي، ولولا أني آتيك فأراك ، فظننت أني سأموت وبكى.

فقال له النبي  : ما أبكاك؟

فقال: ذكرت أنك تُرفع مع النبيين، ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك، فلم يُخبره النبي  بشيءٍ، فأنزل الله: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ﴾ إلى قوله: ﴿ عَلِيمًا ﴾ ، فقال له النبي: أبشر (٤) وقال الحسن: إن المؤمنين قالوا للنبي: ما لنا منك إلا الدنيا، فإذا كانت الآخرة رُفعت في الأعلى (فحزن النبي  ) (٥) ﴿ عَلِيمًا ﴾ (٦) وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار، قال للنبي  : إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، وذكرتُ درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة؟

فأنزل هذه الآية، فلما توفي النبي  أتى الأنصاريَّ ابنه وهو في حديقة له، فأخبره بموت النبي  ، فقال: اللهم أعمني فلا أرى شيئًا أبدًا بعد حبيبي، حتى ألقى حبيبي.

فعمي مكانه، وكان يُحب النبي  حبًا شديدًا، فجعله الله معه في الجنة (٧) قال الكلبي وغيره: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ ﴾ في الفرائض ﴿ وَالرَّسُولَ ﴾ في السنن (٨) قوله: ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ أي المطيعون.

قاله الزجاج (٩) وقوله تعالى: ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ .

أي أنه يستمتع برؤية النبيين وزيارتهم والحضور معهم، فلا يتوهمن من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَالصِّدِّيقِين ﴾ .

قال ابن (المظفر: هو من) (١١) ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ  ﴾ (١٢) وقال الكلبي: الصديقون أفاضل أصحاب النبي  (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقال الزجاج: الصديقون أتباع الأنبياء (١٧) قد ذكرنا مستقصى ما قيل في الشهيد عند قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ  ﴾ .

وأما تفسير الشهداء ههنا فقال الكلبي ومقاتل: هم القتلى في سبيل الله (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَالصَّالِحِينَ ﴾ .

قال الكلبي: هم سائر المسلمين (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ .

قال الزجاج: أي حسن الأنبياء وهؤلاء رفيقًا (٢٢) ومعنى الرفيق (٢٣) (٢٤) (٢٥) قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلاً، وإنما يجوز ذلك إذا كان اسمًا مأخوذًا من فعل (٢٦) (٢٧) وإذا هم طعموا فألأم طاعمُ (٢٨) قال أبو إسحاق: لا فرق بين رفيق ورجل؛ لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إلا جماعة نحو: أجمل فتى وأحسنه، المعنى: هو أجمل الفتيان وأحسنهم.

ولو قلت حسن القوم مجاهدًا في سبيل الله، وحسن القوم رجلاً، كان واحدًا.

فقوله ﴿ رَفِيقًا ﴾ منصوب على التمييز، وينوب عن رفقاء (٢٩) وعند الفراء لا يجوز أن ينوب الواحد عن الجميع إلا أن يكون من أسماء الفاعلين، لا يجوز حسن أولئك رجلاً (٣٠) (٣١) وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ حسن كل واحد منهم رفيقًا، كما قال: ﴿ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا  ﴾ (٣٢) وانتصاب ﴿ رَفِيقًا ﴾ على الحال، معنى: حسن كل منهم مرافقًا (٣٣) (١) هو أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، وقيل: ابن جحدر، من حمير اليمن، أصابه السِّباء فاشتراه الرسول  وأعتقه وخيره بين البقاء معه واللحاق بأهله فاختار البقاء معه وخدمته حتى توفي الرسول  فارتحل إلى مصر والشام ومات  بحمص سنة 54 هـ.

انظر: "أسد الغابة" 1/ 296، "سير أعلام النبلاء" 3/ 15، "الإصابة" 1/ 204.

(٢) ذكره أبو الليث السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 367، وأورده غير منسوب لابن عباس الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 84 ب، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" 168 - 169، وقال الحافظ ابن حجر: "حكي ذلك عن جماعة من الصحابة" "الكافي الشاف" ص 46، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89، وقد أخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس: "أن رجلاً أتي النبي  ..

" "الحديث بمعناه.

انظر: ابن كثير 2/ 334 ط "الدر المنثور" 2/ 325.

(٣) أخرجه الطبري 5/ 164، وانظر: "الدرالمنثور" 2/ 325.

(٤) أخرجه السمرقندي في "بحرالعلوم" 1/ 367، وسعيد بن منصور وابن المنذر.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 325.

وورد نحوه مرفوعاً من طريق الشعبي عن ابن عباس وعائشة وبعض التابعين.

انظر: الطبري 5/ 163 - 164 "أسباب النزول" للمؤلف 169 - 170، وابن كثير 1/ 573 - 574، "الدرالمنثور" 2/ 325، "لباب النقول" ص (74).

(٥) ما بين القوسين بياض في (ش)، والتسديد من "التفسير الكبير" 10/ 170.

(٦) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 170.

(٧) "تفسير مقاتل" 1/ 387، 388، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 170، وهذا الأثر غريب لوروده من طريق مقاتل وهو مطعون فيه، ولأن سؤال الرجل العمى لا يتفق وورود النهي عن مثله والأمر بسؤال الله العافية، ولأن فيه ما يحتاج إلى توقف وقد انقطع الوحي.

(٨) "الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "تنويرالمقباس" بهامش المصحف ص 89، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 126، إلى ابن عباس.

(٩) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 73، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).

(١٠) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 247، "التفسير الكبير" 10/ 171، والقرطبي 5/ 272.

(١١) ما بين القوسين غير واضح في (ش)، وأثبته حسب الرجوع إلى "العين" 5/ 56، "تهذيب اللغة" 2/ 1990 - 1991 (صدق).

(١٢) "العين" 5/ 56، "تهذيب اللغة" 2/ 1990 - 1991 (صدق)، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 172.

(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "التفسيرالكبير" 10/ 172، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.

(١٤) بياض في (ش) والتسديد من "الوسيط" 2/ 614.

(١٥) ما بين القوسين غير واضح، وما أثبته استعانة "بالوسيط" 2/ 614.

(١٦) "تفسيره" 1/ 388.

(١٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 73، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).

(١٨) "تفسير مقاتل" 1/ 388، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "معالم التنزيل" 2/ 247، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.

(١٩) ليس في "معاني القرآن وإعرابه".

(٢٠) في "تنوير المقباس" ص 89: "صالحي أمة محمد"، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 367، "الكشف والبيان" 4/ 85، "الوسيط" 2/ 614.

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 73.

(٢٣) هكذا في (ش) ولعل الصواب: الرفق (بدون ياء على المصدر) وسياق الكلام يدل عليه.

وانظر: "العين" 5/ 149، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق)، "التفسير الكبير" 10/ 175.

(٢٤) من "العين" 5/ 149، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).

(٢٥) انظر المصدرين السابقين.

(٢٦) هكذا الحركة فوقية على الفاء، وقد تكون تحتية لاختلاف المصطلحات الإملائية عبر العصور.

(٢٧) كلام الفراء ليس في "معاني القرآن"، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 73، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 - 1444، "اللسان" 3/ 1696 (رفق).

(٢٨) صدر بيت وعجزه: وإذا هم جاعوا فشر جياع وانظر: "نوادر أبي زيد" ص 152، والطبري 1/ 652، و"البحر المحيط" 1/ 332، و"معاني الفراء" 1/ 33، و"المحرر الوجيز" 1/ 134، و"الاشتقاق" لابن دريد ص 417.

(٢٩) "معاني الزجاج" 2/ 73، 74 بتصرف.

وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).

(٣٠) من "تهذيب اللغة" 2/ 1443، وانظر: "اللسان" 3/ 1696 (رفق).

(٣١) من "تهذيب اللغة" 2/ 1443، وانظر: "اللسان" 3/ 1696 (رفق)، "التفسير الكبير" 10/ 175.

وفي رأي سيبويه، انظر: "الكتاب" 3/ 582، 624.

(٣٢) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "التفسير الكبير" 10/ 175، والقرطبي 5/ 272.

(٣٣) وقيل: على التمييز، ورجحه ابن جرير.

انظر: "تفسير الطبري" 5/ 163، "معاني الزجاج" 2/ 73، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 432.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ الآية معناها لو فرض عليهم ما فرض على من كان قبلهم من المشتقات لم يفعلوها، لقلة انقيادهم إلاّ القليل منهم الذين هم مؤمنون حقاً، وقد روي أن من هؤلاء القليل أبو بكر وعمر وابن مسعود وعمار بن ياسر وثابت بن قيس ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ بالرفع بدل من المضمر، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب على أصل ا لاستثناء أو على إلاّ فعلاً قليلاً ﴿ مَا يُوعَظُونَ ﴾ من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته والانقياد له ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ أي تحقيقاً لإيمانهم ﴿ وَإِذاً لأتيناهم ﴾ جواب لسؤال مقدر عن حالهم لو فعلوا ذلك ﴿ فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ ثواب على الطاعة أي هم معهم في الجنة، وهذه الآية مفسرة لقوله تعالى: ﴿ صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7] والصدِّيق فِعِّيل من الصدق، ومن التصديق، والمراد به المبالغة، والصدّيقون أرفع الناس درجة بعد الأنبياء، والشهداء المقتولون في سبيل الله، ومن جرى مجراهم من سائر الشهداء، كالغريق وصاحب الهدم حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ﴾ الإشارة إلى الأصناف الأربعة المذكورة؛ والرفيق يقع على الواحد والجماعة كالخليط، وهو مفرد بيّن الجنس، ومعنى الكلام إخبار واستدعاء للطاعة التي ينال بها مرافقة هؤلاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن اقتلوا ﴾ بكسر النون لالتقاء الساكنين: أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ويعقوب.

الباقون: بالضم نقلاً لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها ﴿ أو اخرجوا ﴾ بكسر الواو للساكنين: عاصم وسهل وحمزة.

الباقون: بالضم ﴿ إلاّ قليلاً ﴾ بالنصب: ابن عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلاّ فعلاً أو أبوا إلاّ قليلاً.

الباقون: بالرفع على البدل وهو أكثر.

الوقوف: ﴿ إلى أهلها ﴾ لا لأن التقدير يأمركم أن تؤدوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس.

﴿ بالعدل ﴾ ط ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ تأويلاً ﴾ ه ﴿ أن يكفروا به ﴾ ج ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ صدوداً ﴾ ه ج للآية مع فاء التعقيب ﴿ يحلفون ﴾ قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون.

﴿ وتوفيقاً ﴾ ه ﴿ بليغاً ﴾ 5 ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ تسليماً ﴾ 5 ﴿ قليل منهم ﴾ ط ﴿ تثبيتاً ﴾ 5 لا ﴿ عظيماً ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة جواب "لو".

﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ والصالحين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ رفيقاً ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما شرح بعض أحوال الكفار عاد إلى ذكر التكاليف.

وأيضاً لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق وقالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات.

وأيضاً قد وعد في الآية السابقة الثواب العظيم على الأعمال الصالحات وكان من أجلها الأمانة فقال: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ روي "أن عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبي  مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله  المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان.

فطلب منه فأبى فقال: لو علمت أنه رسول الله  لم أمنعه.

فلوى علي بن أبي طالب  يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله  البيت وصلى ركعتين.

فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له مع السقاية السدانة، فأراد النبي  أن يدفعه إلى العباس ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس معك نصيباً فأنزل الله هذه الآية.

فأمر رسول الله  علياً  أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي  فقال له عثمان: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك فقرأ عليه هذه الآية.

فقال عثمان: أشهد / أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأسلم.

فجاء جبريل عليه لاسلام وقال: ما دام هذا البيت كان المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وقال: خذوها يا بني طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلاّ ظالم" .

ثم إنّ عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة وهو اليوم في أيديهم.

ثم نزول الآية عند هذه القصة لا يوجب خصوصها بها ولكنها تعم جميع أنواع الأمانات.

فأولها الأمانة مع الرب  في كل ما أمر به ونهى عنه.

قال ابن مسعود: الأمانة في الكل لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.

وعن ابن عمر أنه  خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلاّ بحقها وهذا باب واسع.

فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء.

ثم الأمانة مع سائر الخلق ويدخل فيه رد الودائع وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم في دنياهم ودينهم ويمنعوهم عن العقائد الباطلة والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب للصاحب، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد والأمانة مع نفسه بأن لا يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب اللذات الفانية، في التبعات الدائمة.

وقد عظم الله  أمر الأمانة في مواضع من كتابه ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ } [المؤمنون:8] وقال  : " "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له " والأمانة مصدر سمي به المفعول ولذلك جمع.

ثم لما أمر بأداء ما وجب لغيرك عليك أمر باستيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض إذا كنت بصدد الحكم فقال: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ وفي قوله: ﴿ وإذا حكمتم ﴾ تصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم والقضاء.

وقد عدّ العلماء من شروط النيابة العامة: الإسلام والعقل والبلوغ والذكورة والحرية والعدالة والكفاية وأهلية الاجتهاد بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام من كتاب الله وسنة رسوله.

ويعرف منهما العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد والمسند والمرسل وحال الرواة، ويعرف أقاويل الصحابة ومن بعدهم إجماعاً وخلافاً، وجلي القياس وخفية وصحيحه وفاسده، ويعرف لسان العرب لغة وإعراباً خصوصاً وعموماً إلى غير ذلك مما له مدخل في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها ومظانها.

وكفى بما في هذا المنصب من الخطر أنه منصب رسول الله  والخلفاء الراشدين / من بعده، فعلى المتصدي لذلك أن يتأدب بآدابهم ويتخلق بأخلاقهم وإلا فالويل له.

عن النبي  قال: "يجاء بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين قط " وإذا كان حال العادل هكذا فما ظنك بالجائر؟

وعنه "ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة؟

فيجتمعون كلهم حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجمعون ويلقون في النار" ﴿ إن الله نعماً يعظكم به ﴾ المخصوص بالمدح محذوف و "ما" موصولة أو مبهمة موصوفة والتقدير: نعم الذي أو نعم شيئاً يعظكم به ذلك المأمور من أداء الأمانات والحكم بالعدل ﴿ إنّ الله كان سميعاً بصيراً ﴾ يسمع كيف تحكمون ويبصر كيف تؤدون، وفيه أعظم أسباب الوعد للمطيع وأشد أصناف الوعيد للعاصي.

ثم إنه  أمر الرعاة بطاعة الولاة كما أمر الولاة في الآية المتقدمة بالشفقة على الرعاة فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ﴾ الآية.

عن علي بن أبي طالب  : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.

قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة.

وقالت الأشاعرة: الطاعة موافقة الأمر.

ولا نزاع أن موافقة الأمر طاعة إنما النزاع في أن المأمور به كإيمان أبي لهب هل يكون مراداً أم لا.

فعند الأشاعرة الأمر قد يوجد بدون الإرادة لئلا يلزم الجمع بين الضدين في تكليف أبي لهب مثلاً بالإيمان.

وعند المعتزلة لا يأمر إلا بما يريد والخلاف بين الفريقين مشهور.

قال في التفسير الكبير: هذه آية مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن أصول الشريعة أربعة: الكتاب والسنة وأشار إليهما بقوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ وليس العطف للمغايرة الكلية، ولكن الكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا محالة.

والسنة تدل على أمر الرسول ثم يعلم منه أمر الله.

والإجماع والقياس.

وأشير إلى الإجماع بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ لأنه  أمر بطاعتهم على سبيل الجزم.

ووجب أن يكون معصوماً لأن لو احتمل إقدامه على الخطا والخطأ منهي عنه لزم اعتبار اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد وإنه محال.

ثم ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعضها على ما يقوله الشيعة من أن المراد بهم الأئمة المعصومون، أو على ما زعم بعضهم أنهم الخلفاء الراشدون، أو على ما روي عن سعيد بن جبير وابن عباس أنهم أمراء السرايا كعبدالله بن حذافة السهمي أو كخالد بن الوليد إذ بعثه رسول الله  في سرية وكان معه عمار بن ياسر فوقع بينهما خلاف فنزلت الآية.

أو على ما روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك أنهم العلماء الذين يفتون بالأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم لكنه لا سبيل إلى الثاني.

أما ما زعمه الشيعة فلأنا نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة / الإمام المعصوم والاستفادة منه، فلو وجب علينا طاعته على الإطلاق لزم تكليف ما لا يطاق ولو وجب علينا طاعته إذا صرنا عارفين به وبمذهبه صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق على أن طاعة الله وطاعة رسوله مطلقة.

فلو كانت هذه الطاعة مشروطة لزم أن تكون اللفظة الواحدة مطلقة ومشروطة معاً وهو باطل.

وأيضاً الإمام المعصوم عندهم في كل زمان واحد، ولفظ أولي الأمر جمع.

أيضاً إنه قال: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وعلى هذا ينبغي أن يقال: فردوه إلى الأمام.

وأما سائر الأقوال فلا نزاع في وجوه طاعتهم، لكنه إذا علم بالدليل أن طاعتهم حق وصواب.

وذلك الدليل ليس الكتاب والسنة فلا يكون هذا قسماً منفصلاً كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول.

أما إذا حملناه على إجماع أهل الحل والعقد لم يكن هذا داخلاً فيما تقدم إذ الإجماع قد يدل على حكم لا يوجد في الكتاب والسنة.

وأيضاً قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيءٍ ﴾ مشعر بإجماع تقدم يخالف حكمه حكم التنازع.

وأيضاً طاعة الأمراء والخلفاء مشروطة بما إذا كانوا على الحق، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق.

وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء.

فالمراد بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ ما اجتمعت الأمة عليه وهو المدعى.

وأما القياس فذلك قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ إذ ليس المراد من رده إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة والإجماع وإلا كان تكراراً لما تقدم، ولا تفويض علمه إلى الله ورسوله والسكوت عنه لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل الإهمال وتفتقر إلى قطع مادة الشغب ولاخصومة فيها بنفي أو إثبات، ولا الإحالة على البراءة الأصلية فإنها معلومة بحكم العقل، فالرد إليها لا يكون رداً إلى الله والرسول فإذاً المراد ردها إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة لها وهذا معنى القياس، فحاصل الآية الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول، ثم لما سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجهاً من نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب.

ثم في إطلاق الآية دلالة على أن الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً، وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس.

وقد اعتبر هذا الترتيب أيضاً في قصة معاذ واستحسنه رسول الله  ، وكيف لا والقرآن مقطوع في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان.

وقد أجمع العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: ﴿ إذ قلنا / للملائكة اسجدوا  ﴾ بقياس هو قوله: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ {ص:76] فاستحق اللعن إلى يوم الدين.

والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على النص وفيه ما فيه.

ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: ﴿ أطيعوا ﴾ يدل على وجوب الطاعة وإن كان للندب، فههنا يدل على الوجوب ظاهراً لأنه ختم الأوامر بقوله: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع الأوامر لا في قوله: ﴿ فردوه ﴾ وحده.

وأيضاً مجرد الندبية وهو أولوية الفعل معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة، فيحمل على المنع من الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب.

ثم هذا الوجوب يكون دائماً إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكور.

فلو حملناه على العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة، والمبين أولى من المجمل.

وأيضاً تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلهاً والإلهية دائمة فالوجوب دائم.

وإنما كرر لفظ ﴿ أطيعوا ﴾ للفصل بين اسم الله  وبين المخلوقين، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر.

ومن إطلاق قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه ﴾ أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضاً.

والمراد بالتنازع قال الزجاج:هو الاختلاف وقول كل فريق القول قولي كأن كل واحد منهما ينزع الحق إلى جانبه ﴿ ذلك ﴾ الرد أو المأمور به في الآية ﴿ خير وأحسن تأويلاً ﴾ أي عاقبة من آل الشيء إذا رجع.

وقيل: الرد إلى الكتاب والسنة خير مما تأولون أنتم.

ثم إنه  لما أوجب على المكلفين طاعته وطاعة رسوله، وذكر أن المنافقين الذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ولا يرضون بحكمه فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.

قال الليث: قولهم زعم فلان معناه لا نعرف أنه صدق أو كذب ومنه زعموا مطية الكذب.

وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية الكذب بالاتفاق.

قال أبو مسلم: ظاهرالآية يدل على أن الزاعم كان منافقاً من أهل الكتاب مثل أن يكون يهودياً أظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله  : ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.

أما سبب النزول ففيه وجوه.

والذي عليه أكثر المفسرين ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن رجلاً من المنافقين يسمى بشراً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي  وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف.

وذلك أن اليهودي كان محقاً وكان النبي  لا يقضي إلا بالحق لجلالة منصبه عن قبول الرشوة، وكان كعب يبطل الحقوق بالرشا، فما زال اليهودي بالمنافق حتى ذهبا إلى رسول الله  فقضى لليهودي.

فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب.

فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه.

فقال عمر للمنافق: أكذلك؟

قال: نعم.

فقال لهما: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله وهرب اليهودي فنزلت الآية.

وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله  : أنت الفاروق" .

وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف.

وقال السدي: "كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيرياً قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا كان بالعكس لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً من تمر.

وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج.

فقتل نضيري قرظياً واختصموا في ذلك.

فقال بنو النضير: لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقاً من تمر على ما اصطلحنا عليه.

وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا.

فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي.

وقال المسلمون: لا بل إلى النبي  فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي برزة ليحكم بينهم فقال: أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا: لك عشرة أوسق.

فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف إن نفرت النضيري قتلتني قريضة، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير.

فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله هذه الآية.

فدعا النبي  كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي  لابنيه: أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبداً فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي  منادياً فنادى: ألا إن كاهن أسلم قد أسلم" .

وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.

وقال الحسن: إنّ رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالطاغوت ذلك الرجل.

وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون القداح بحضرته، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن.

ثم إن الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه  جعل التحاكم إليه مقابلاً للكفر به، لكن الكفر به إيمان بالله وبرسوله فيكون نصاً في تكفير من لم يرض بقضاء رسول الله  تشككاً أو تمرداً ويؤكده قوله بعد ذلك: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ الآية.

ومن هنا ذهب كثير من الصحابة إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.

ثم قال: ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ / فاحتجت المعتزلة به على أن كفر الكافر ليس بخلق الله وإلا لم يتوجه الذم على الشيطان ولم يحصل التعجب والتعجيب فإن لقائل أن يقول: إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم بل التعجب من هذا التعجب أولى وقد عرفت الجواب مراراً.

قوله: ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الحسن واختاره الواحدي - أنه جملة معترضة وأصل النظم ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ ﴿ ثم جاؤك ﴾ يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ثم بعد ذلك يجيؤونك ويحلفون كذباً على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق.

ووجه الاعتراض أنه حكى عنهم التحاكم إلى الطاغوت وأنهم يصدون، ثم أتبعها ما يدل على شدة أحوالهم بسبب أعمالهم القبيحة في الدنيا والآخرة.

والثاني أنه متصل بما قبله لا على وجه الاعتراض والمعنى أنه إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا فكيف تكون نفرتهم إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ثم جاؤك كراهاً يحلفون بالله على سبيل الكذب ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة؟

أما المصيبة فقيل: إنها قتل عمر صاحبهم فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح وهو اختيار الزجاج.

وقال الجبائي: هي ما أمر الله رسوله بها من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ويخصهم بمزيد الإذلال، والمعنى ثم جاؤك في وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون ما أردنا بما كان منا من مواساة الكفار إلا إصلاح الحال.

وقال أبو مسلم: إنه  بشر رسوله أن المنافقين سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا الأيمان.

ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا.

ومعنى الإحسان والتوفيق ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحساناً بين الخصوم وائتلافاً بينهم فإنهم لا يقدرون عند الرسول أن يرفعوا أصواتهم ويبينوا حججهم، أو ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به، وعلى هذا لا يبقى للحلف مناسبة ظاهرة.

أو ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق المرّ وغيرك يدورعلى التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل بينهم الموافقة.

ثم أخبر الله  بما في ضمائرهم من الدغل والنفاق فقال: ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ وذلك أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا يعلمه إلا الله يعني أنه لكثرته وعظم حاله لا يقدر أحد على معرفته إلا هو.

ثم علّم نبيه كيف يعاملهم فأمره بثلاثة / أشياء: الأول الإعراض عنهم والمراد به أنه لا يقبل منهم ذلك العذر ويستمر على السخط، أو أنه لا يهتك سترهم ولا يظهر لهم أنه عالم بكنه ما في بواطنهم من النفاق لما فيه من حسن العشرة والحذر من آثار الفتنة.

الثاني أن يعظهم فيزجرهم عن النفاق بالتخويف من عذاب الدارين.

الثالث قوله: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن في الآية تقديماً وتأخيراً.

والمعنى قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف.

الثاني وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً هو أن الله يعلم ما في قلوبكم فلن يغني عنكم الإخفاء، فطهروا قلوبكم عن دنس النفاق وإلا فسينزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.

الثالث قل لهم في أنفسهم خالياً بهم مساراً لهم بالنصيحة فإن النصح بين الملأ تقريع وفي السر أنفع وأنجع، قولاً يؤثر فيهم.

وقيل: القول البليغ يتعلق بالوعظ وهو أن يكون كلاماً حسناً وجيز المباني غزير المعاني يدخل الأذن بلا إذن، مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار.

ثم رغب مرة أخرة في طاعة الرسول فقال: ﴿ وما أرسلنا من رسول ﴾ أكثر النحاة على أن "من" صلة تفيد تأكيد النفي والتقدير: وما أرسلنا رسولاً.

وقيل: المفعول محذوف والتقيدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحداً.

قال الجبائي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان مذهب المجبرة لكونها صريحة في أن معصية الناس غير مرادة لله  .

والجواب أن إرسال الرسل لأجل الطاعة لا ينافي كون المعصية مرادة لله تعالى، على أن قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ أي بتيسيره وتوفيقه وإعانته يدل على أن الكل بقضائه وقدره، وكذا لو كان المراد بسبب إذن الله في طاعة الرسول.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة فإنه لو دعا إلى شرع من قبله لكان المطاع هو ذلك المتقدم،وفيها دلالة على أن الرسل معصومون عن المعاصي وإلا لم يجب اتباعهم في جميع أقوالهم وأفعالهم ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جاؤك ﴾ تائبين عن النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من رد قضاء رسوله ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ انتصب شفيعاً لهم إلى الله بعد اعتذارهم إليه من إيذائه برد قضائه ﴿ لوجدوا الله ﴾ لعلموه ﴿ تواباً رحيماً ﴾ ولم يقل: "واستغفرت لهم" لما في الالتفات عن الخطاب إلى ذكر الرسول تنبيه على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان، فالآية على هذا التفسير من تمام ما قبلها.

وقال أبو بكر الأصم: "نزلت في قوم من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق رسول الله  فدخلوا عليه لذلك الغرض فأتاه جبريل فأخبره به فقال  : إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه فليقوموا فليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا.

فقال: ألا يقومون فلم يفعلوا فقال  : قم يا فلان حتى عدّ اثني عشر رجلاً منهم فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت / ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا.

فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة.

اخرجوا عني" .

﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ عن عطاء ومجاهد والشعبي أنها من تمام قصة اليهودي والمنافق.

وعن الزهري عن عروة بن الزبير "أنها نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله  في شراج من الحرة، والشرج مسيل الماء كانا يسقيان بها النخل فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك.

فغضب حاطب.

وقال: إن كان ابن عمتك؟

وذلك أن أم الزبير صفية بنت عبد المطلب.

فتغير وجه رسول الله  ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" يعني الجدار الذي يحيط بالمزرعة وهو أصغر من الجدار "واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" .

واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي.

والرسول  أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمره به الرسول  من المسامحة لأجله أمره باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق.

وفي قوله: ﴿ فلا وربك ﴾ قولان: أحدهما أن "لا" صلة لتأكيد معنى القسم والتقدير فوربك.

والثاني أنها مفيدة وعلى هذا ففيه وجهان: الأول أنه يفيد نفي أمر سبق والتقدير ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ .

الثاني أنها لتوكيد النفي الذي جاء في الجواب، وهذا الوجه لا يتمشى فيما إذا كان الجواب مثبتاً.

ومعنى شجر اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه، والتشاجر التنازع لاختلاط كلام بعضهم ببعض، والحرج الضيق أو الشك لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ ويسلموا ﴾ وينقادوا.

يقال: سلم لأمر الله أي سلم نفسه له وجعلها خالصة لحكمه ومن التعليمية من تمسك بالآية في أنه لا يحصل الإيمان إلا بإرشاد النبي  وهدايته والنزول على حكمه وقضائه في كل أمر ديني، ومنع بأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور فإذن الحكم غير كلي والتقليد في جميع الأحكام غير مرضي.

واعلم أن الرضا بتحكيم الرسول  قد يكون رضا في الظاهر دون القلب فلهذا قال: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ﴾ وهو الجزم بأن ما حكم به الرسول الله  هو الحق والصدق، ثم من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقاً وصدقاً فقد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول فعدم الحرج إشارة إلى الانقياد في الباطن والتسليم إشارة إلى الانقياد في الظاهر.

وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عن الخطأ في الفتاوى والأحكام، وعلى أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس وإلاّ كان في النفس حرج.

قالت المعتزلة: لو كانت المعاصي بقضاء الله  لزم التناقض لأن الرضا بقضائه واجب فالرضا بالمعاصي واجب، / لكن الرسول قد نهى عنها فيجب أن يحصل الرضا في تركها ويلزم الرضا بالفعل والترك معاً وهو محال.

وأجيب بأن المراد من قضاء الله التكوين والإيجاد.

فالرضا بقضائه أن يعتقد كون الكل بإيجاده، والمراد من الرضا بقضاء الرسول أن يلتزم ما حكم به ويتلقى بالبشر والقبول فأين ذاك من هذا.

قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ "روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله  فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟

فقال حاطب: قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله  ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.

فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر.

فقال رسول الله  : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" .

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية.

فالضمير في قوله: ﴿ عليهم ﴾ يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم.

عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ من الانقياد والطاعة لله ولرسوله.

وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ﴿ لكان خيراً لهم ﴾ أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن ﴿ خيراً ﴾ يستعمل بالوجهين جميعاً.

﴿ وأشد تثبيتاً ﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل.

وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه.

ثم بين أن ما يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضاً مستعقب للخير فقال: ﴿ وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ﴾ وثواباً جزيلاً.

"وإذاً" جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما يكون لهم بعد الخير والتثبيت؟

فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً.

وفي إيراد صيغة التعظيم في ﴿ آتينا ﴾ و ﴿ لدنا ﴾ وفي قوله: ﴿ من لدنا ﴾ وفي وصف الأجر بالعظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى.

والصراط المستقيم الدين الحق أو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة وهذا أولى لأنه مذكور بعد استحقاق الأجر.

ثم أكد أمر / الطاعة بقوله: ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ ولا شك أن الآية عامة في جميع المكلفين إلاّ أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها وجوهاً.

قال الكلبي: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله  وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن.

فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك؟

فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حريّ أن لا أراك أبداً" .

وقال مقاتل: "نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي  : إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة فأنزل الله هذه الآية.

فلما توفي النبي  أتى الأنصاري ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي  فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده فعمي مكانه" .

وقال السدي: "إن ناساً من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع" فنزلت.

وليس المراد من كون المطيعين مع المذكورين في الاية أن كلهم في درجة واحدة فإن ذلك يقتضي التسوية بين الفاضل والمفضول وإنه محال، ولكن المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، أو إذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا على ذلك.

والتحقيق فيه أن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع بل ينعكس بعضها على بعض ويتقوى بعضها ببعض كالمرايا المجلوة المتقابلة.

﴿ إخواناً على سرر متقابلين  ﴾ .

ثم إنه  ذكر أصنافاً أربعة: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك في تغايرها متداخلة كانت أو متباينة.

والمراد بالتداخل أن لا يمتنع كون كل مقام متقدم موصوفاً بما يتلوه كأن يكون النبي  صديقاً وشهيداً وصالحاً، أو الصديق شهيداً وصالحاً، وقد مر تفسير النبي  في أوائل البقرة، وأما الصديق فمبالغة الصادق وهو من غلب على أقواله الصدق وإنه لخصلة مرضية في جميع الأديان ومحققة للنطق الذي هو من مقومات الإنسان، وكفى به منقبة أن الإيمان ليس إلا التصديق، وكفى بنقيضه مذمة أن الكفر ليس سوى التكذيب.

وذكر المفسرون أكثرهم أن الصديقين في الآية كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك لقوله  : ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون  ﴾ وقال قوم: هم أفاضل أصحاب النبي  وخصصه بعضهم بمن سبق إلى تصديق الرسول فصار في ذلك قدوة الناس كأبي بكر وعلي وأمثالهما، ولا واسطة بين الصديق والنبي ولذلك قال في هذه الآية: ﴿ مع النبيين / والصديقين ﴾ وفي صفة إبراهيم ﴿ إنه كان صديقاً نبياً  ﴾ يعني أنك إن ترقيت من الصديقين وصلت إلى النبوة وإن نزلت من النبوة وصلت إليهم.

وأما الشهداء فالمراد ههنا أعم من المقتولين بسيف الكفار من المسلمين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : "ما تعدون الشهيد فيكم؟

قالوا: يا رسول من قتل في سبيل الله.

قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل.

من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات بالبطن فهو شهيد" .

وفي رواية "ومن مات بجمع فهو شهيد" وقيل: هو الذي يشهد لصحة دين الله تارة بالحجة واليان وأخرى بالسيف والسنان.

وأقول: لا يبعد أيضاً أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله  : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ .

وأما الصالحون فالصالح هو الذي صلح في اعتقاده وفي عمله وهذه مرتبة لا ينبغي أن تنحط عنها مرتبة المؤمن.

ثم قال في معرض التعجب ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ كأنه قيل: وما أحسن أولئك.

والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه وانتصابه على الحال، ويجوز أن يكون مفرداً بيّن به الجنس في باب التمييز.

وقيل: معناه حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل فسمي الصاحب رفيقاً لارتفاقك به وتصحيبه، ومن الرفقة في السفر لارتفاق بعضهم ببعض.

وقد يكون الإنسان مع غيره ولا يكون رفيقاً له فبيّن الله  أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون كالرفقاء للمطيع من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.

﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل ﴾ صفته و ﴿ من الله ﴾ خبره، أو ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل من الله ﴾ خبره.

قالت المعتزلة: ذلك إشارة إلى الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الأنبياء وهذا شيء تفضل الله به عليهم تبعاً لثوابهم الواجب على الله.

أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ولولا أنه أعطى العقل والقدرة وأزاح الأحذار والموانع لم يتمكن المكلف من فعل الطاعة فصار ذلك بمنزلة من وهب غيره ثوباً لينتفع به فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب.

وقال أهل السنة: ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم ولا يجب على الله شيء ألبتة بل الثواب كله فضل من الله، وكيف يجب عليه شيء وإنه هو الذي خلق القدرة والداعية؟

وأيضاً الوجوب عبارة عن استحقاق الذم عند الترك وأنه ينافي الإلهية.

وأيضاً كل ما فرض من الطاعات فإنه في مقابلة النعم السالفة التي لا تعدّ ولا تحصى فيمتنع كونها موجبة الثواب في المستقبل.

معنى الآية أن ذلك الثواب بكمال درجته كأنه هو الفضل وما عداه غير معتمد / عليه وذلك الثواب المذكور هو من الله لا من غيره.

﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ بالطاعة وكيفية الثواب عليها، وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.

التأويل: الوجود المجازي أمانة من الله  كما أنّ وجود الظل أمانة من الشمس فلا جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان العزة: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى اهلها ﴾ فتلاشت الظلال واضمحلّت الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال  ﴾ .

﴿ وإذا حكمتم ﴾ بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الخطاب مع القلب والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، وطاعة الروح أن لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود.

أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما قال  لوابصة بن معبد : "استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك المفتون" .

﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم.

﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنّة نزاعاً من قصور الفهم والدراية ﴿ فردوه إلى الله ﴾ لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب ﴿ وإلى رسول ﴾ وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق.

ثم يخبر عن حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.

أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو سياسة من السلطان.

﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت آراؤهم وتحيّرت عقولهم ﴿ ثم لا يجدوا ﴾ ﴿ في ﴾ مرآة ﴿ أنفسهم ﴾ صورة كراهة من القضاء الأزلي والأحكام الإلهية.

والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، والصالحين الذين لهم صلوح الولاية ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ في سلوك طريق الحق والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ...

﴾ الآية.

قال أبو بكر الصديق -  -: لو كانت علينا نزلت يا رسول الله، لبدأت بنفسي وأهل بيتي، فقال رسول الله  : "ذَاكَ لفَضْلِ يَقِينِكَ عَلَى يَقِينِ النَّاسِ، وَإِيمَانِكَ عَلَى إِيمَانِ النَّاسِ" وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رجل من الأنصار: والله، لو كانت علينا لقتلنا أنفسنا، فقال [النبي  ]: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لَلإِْيمَانُ أَثْبَت فِي صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي" وقيل: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية: هم يهود [تغنا العرب] كما أمر أصحاب موسى،  .

وقيل: قال عمر -  - ونفر معه: والله لو فعل ربنا لفعلنا، فالحمد لله الذي لم يجعل بنا ذلك، فقال [رسول الله]  : "لَلإِْيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي" ثم اختلف في قتل الأنفس.

قال بعضهم: هو أن يقتل كلٌّ نفسَهُ.

وقال آخرون: هو أن يأمر أن يقتل بعض بعضاً، وأما قتلُ كلٍّ نفسَهُ فإنه لا يحتمل لوجهين: أحدهما: وذلك أنه عبادة شديدة مما لا يحتمل أحد؛ كقوله -  -: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ أخبر أنه لا يكلف ما لا طاقة له.

والثاني: أن فيه قطع النسل وحصول الخلق للإفناء خاصة، وذلك مما لا حكمة في خلق الخلق للإفناء خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ﴾ ، قيل: هو عبد الله بن مسعود، وعمار، وفلان، وفلان -  م - ولا ندري أيصح أم لا؟

ولو كان قوله -  -: ﴿ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ قتل بعض بعضاً فذلك ما أمروا به بمجاهدة العدو، والإخراج من المنزل، والهجرة، ثم أخبر أنهم لا يفعلون ذلك إلا قليل منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: لو فعلوا ما يؤمرون به من الإسلام والطاعة لكان خيراً لهم من ذلك.

ويحتمل: لو أنهم فعلوا ما يؤمرون به من القتل لو كتب عليهم، لكان خيراً لهم في الآخرة، ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ قيل: حقيقة.

وقيل: تحقيقاً في الدنيا.

وقيل: ما يوعظون به من القرآن.

﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ في دينهم.

﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ يعني: تصديقاً بأمر الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يحتمل وجهين: الأجر العظيم في الآخرة.

ويحتمل: في الدنيا؛ كقوله: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴾ ، فهو الهادي للعباد إلى الطريق المستقيم.

وقيل: تثبيتا لهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ...

﴾ الآية.

قيل في بعض القصة: "إن رجلا جاء إلى النبي  فبكى، ثم قال: والذي لا إله غيره لأنت أحبّ إليَّ من نفسي وولدي وأهلي، وإني لأذكرك، فلولا أني أجيء فأنظر إليك، لرأيت أني سأموت، وذكرت موتي وموتك، ومنزلتك في الجنة ترفع مع النبيين، فإني وإن أدخلت الجنة كنت دون ذلك، وذكرت فراقي إياك عند الموت، فبكيت لذلك.

فما أجاب النبي  شيئاً؛ فأنزل الله -  -: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ...

﴾ \[الآية\]، فقال [رسول الله]  : [أَبْشِرْ يَا أَبَا فُلاَنٍ، أَنْتَ مَعِي فِي الجَنَّةِ، إِنْ شَاءَ اللهُ" وروي] "أن رسول الله  خرج ذات يوم على بعض أصحابه، فرأي بوجوههم كآبة وجزعاً، قال: فقال النبي  : مَا لَكُمْ؟

وَمَا غَيَّرَ وُجُوهَكُمْ وَلَوْنَكُمْ؟

فقالوا: يا رسول الله، ما بنا من مرض ولا وجع، غير أنا إذا لم نرك ولم نلقك اشتقنا إليك، واستوحشنا وحشة شديدة حتى نلقاك، فهذا الذي ترى من أجل ذلك، ونذكر الآخرة فنخاف ألا نراك هناك؛ فأنزل الله -  - ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ...

﴾ " الآية.

ويحتمل: أن لم يكن في واحد من ذلك، ولكن في وجوه آخر.

أحدها: أن اليهود، وغيرهم من الكفرة، والذين آذوا رسول الله  وأفرطوا في تعنتهم وتمردهم في ترك إجابتهم إياه، وطاعتهم له - ظنوا أنهم وإن أسلموا وأطاعوا الرسول  لم يقبل ذلك منهم توبتهم، ولم ينزلوا منزلة من لم يؤذه، ولم يترك طاعته، فأخبر - عز وجل -: أنه إذا أطاع الله والرسول فيكون: ﴿ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ ﴾ كأن لم يترك طاعته أبداً - والله أعلم - كما قال -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

ويحتمل: أن يكون ذلك لما سمعوا أن لكل أحد في الجنة مثل الدنيا فظنوا ألا يكون لهم الاجتماع والالتقاء؛ لبعد بعضهم من بعض، فأخبر - عز وجل - أن يكون لهم الاجتماع؛ لأن ذلك لهم في الدنيا من أعظم النعم وأجلها.

ويحتمل: أن يكون على الابتداء: أن من أطاع الله -  - والرسول  فيكون ﴿ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ ﴾ ] في دار واحدة، لا يكونون في غيرها؛ فهذه الوجوه كأنها أشبه - والله أعلم - إذ هم بالطاعة أجابوا، والله أعلم.

ثم اختلف في ﴿ وَٱلصِّدِّيقِينَ ﴾ ؛ قال بعضهم: أتباع الأنبياء - عليهم السلام - وخلفاؤهم في كل أمر من التعليم، والدعاء لهم إلى كل خير وطاعة.

وقيل: الصديق: هو الذي يصدق الرسول  في أول دعوة دعاه إلى دين الله -  - وفي أول ما عاينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءِ ﴾ قيل: الشهيد: الذي قتل في سبيل الله.

وقيل: الشهيد: هو القائم بدينه.

وقيل: الصديقون والشهداء والصالحون كله واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً ﴾ دلت الآية على أن الجزاء إفضال من الله -  - إذ قد سبق من عنده الإنعام والإفضال عليهم؛ فيخرج طاعتهم له مخرج الشكر له، لا أن عليه ذلك وأن الجنة لا يدخل فيها إلا برحمته وفضله.

وقوله: - أيضاً - ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك الإنعام الذي أنعم عليهم فضل من الله.

ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما أحسن من الرفقة بينهم؛ فذلك فضل منه.

والآية ترد على أصحاب الأصلح؛ لأن تلك الأفعال إنما صارت قربة لله بإنعام من الله وإفضاله وتوفيقه، وبه استوجبوا الثواب.

وقوله -  أيضاً -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ بعد العلم بأن الفضل هو بذل ما لم يكن عليه، وبذل ما عليه هو الوفاء، لا الفضل في متعارف اللسان والمعتاد.

ثم لا يخلوا من أن يرجع منه إلى الخيرات التي اكتسبوها؛ فيبطل به قول المعتزلة بما لا يخلو من أن كان منه ذلك الفضل أو مثله إلى الكافر أولى، فإن كان منه لم يكن للامتنان منه بالذي كان منه وجه يستحقه، وقد كان منه إلى غيره، فلم ينل تلك الدرجة، ولا بلغ تلك الرتبة؛ فبان أنه لا بذلك بلغ من بلغ، فيكون منه فيما لم يكن.

وأيضاً: إنه لو لم يكن معه ذلك عنهم لم يكن البذل فضلا لما ذكرت؛ ثبت أن ليس الحق عليه كل ما به الأصلح في الدين؛ لما يزيل معنى الفضل، وإن لم يكن إعطاء الكافر مثله فهو عندهم محاباة منه على المؤمن، وقد منع بعض ما عليه في الأصلح، وذلك عندهم بخل، جل الله عما وصفوه.

وإن كان ذلك في الثواب دل أن له أن يثيب حتى يصير ما أثاب عليه فضلا، ولا يحتمل ألا يرضى بطاعة العبد واتباع رسوله  ؛ فثبت أن الرضا ليس هو المراد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً ﴾ قيل: عليماً بالآخرة وثوابها.

وقيل: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً ﴾ بما وعد من الخير في الآخرة لهؤلاء الأصناف.

وعن ابن عباس -  - قال: الصديقون هم [الذين أدركوا الرسل - عليهم السلام - وصدقوهم.

وعن أبي ذر -  - قال: الصديقون هم المؤمنون.

وقيل الصديقون]: السابقون، الذين سبقوا إلى تصديق النبيين، أنعم الله عليهم بالتصديق، والشهداء: هم الذين أنعم الله عليهم بالشهادة.

والصالحون: هم المؤمنون أهل الجنة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن يطع الله والرسول فهو مع من أنعم الله عليهم بدخول الجنة من الأنبياء والصديقين الذين كمل تصديقهم بما جاءت به الرسل، وعملوا به، والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، والصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم فصلحت أعمالهم، ما أحسن أولئك من رفقاء في الجنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.XwARN"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الصديقون: هم قوم دون الأنبياء في الفضيلة، وهم الذين زكت فطرتهم، واعتدلت أمزجتهم، وصفت سرائرهم، حتى أنهم يميزون بين الحق والباطل والخير والشر بمجرد عروضه لهم، فهم يصدقون بالحق على أكمل وجه، ويبالغون في صدق اللسان والعمل، كما نقل عن أبي بكر الصديق  أنه بمجرد ما بلغته دعوة النبي  عرف أنها الحق وقبلها وصدق بها فصدق النبي في قوله وعمله أكمل الصدق، ويليه في ذلك جميع السابقين الأولين فإنهم انقادوا إلى الإسلام بسهولة قبل أن تظهر الآيات وثمرات الإيمان تمام الظهور كعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون إلخ..

إلخ، ودرجة هؤلاء قريبة من مرتبة النبوة، بل الأنبياء صديقون وزيادة.

﴿ وَالشُّهَدَاءِ  ﴾ هم الذين أمرنا الله تعالى أن نكون منهم في قوله: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ  ﴾ وهم أهل العدل والإنصاف الذين يؤيدون الحق بالشهادة لأهله بأنهم محقون، ويشهدون على أهل الباطل أنهم مبطلون، ودرجتهم تلي درجة الصديقين.

والصديقون شهداء وزيادة.

﴿ وَالصَّالِحِينَ  ﴾ : هم الذين صلحت أعمالهم في الغالب، ويكفي أن تغلب حسناتهم على سيئاتهم وأن لا يصروا على الذنب وهم يعلمون.

هؤلاء الأصناف الأربعة هم صفوة الله من عباده، وقد كانوا موجودين في كل أمة، ومن أطاع الله والرسول من هذه الأمة كان منهم، وحشر يوم القيامة معهم، لأنه وقد ختم الله النبوة والرسالة لابد أن يرتقي في الإتباع إلى درجة أحد الأصناف الثلاثة: الصديقين والشهداء والصالحين ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  ﴾ أي أن مرافقة أولئك الأصناف هي في الدرجة التي يرغب العاقل فيها لحسنها، وفي الكشاف أن في هذه الجملة معنى التعجب كأنه قيل ما أحسن أولئك رفيقًا، والرفيق كالصديق والخليط الصاحب، والأصحاب يرتفق بعضهم للعض.

واستعملت العرب الرفيق والرسول والبريد مفردًا استعمال الجمع أو الجنس ولهذا حسن الأفراد هنا، وقيل تقدير الكلام وحسن كل فريق من أولئك رفيقًا.

﴿ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ  ﴾ في هذه العبارة وجهان: أحدهما: أن المعنى ذلك الذي ذكر من جزاء من يطيع الله ورسوله هو الفضل الكامل الذي لا يعلوه فضل، فإن الصعود إلى إحدى تلك المراتب في الدنيا وما يتبعه من مرافقة أهلها وأهل من فوقها في الآخرة هو منتهى السعادة، فيه يتفاضل الناس فيفضل بعضهم بعضًا، وهو من الله تفضل به على عباده.

وثانيهما: أن المعنى ذلك الفضل الذي ذكر من جزاء المطيعين هو من الله تعالى.

ويرى بعض الناس أن التعبير بلفظ الفضل ينافي أن يكون ذلك جزاء ويقتضي أن يكون زيادة على الجزاء، سمه جزاء أو لا تسمه هو من فضل الله تعالى على كل حال.

﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا  ﴾ وكيف لا تقع الكفاية بعلمه بالأعمال وبدرجة الإخلاص فيها وبما يستحق العامل من الجزاء، وإرادته تعالى للجزاء الوفاق ولجزاء الفضل ولزيادة الفضل ذلك كله تابع لعلمه المحيط، فهو يعطي بإرادته ومشيئته، ويشاء بحسب علمه، فالتذكير بالعلم الإلهي في آخر السياق يشعرنا بأن شيئًا من أعمالنا ونياتنا لا يعزب من علمه، ليحذر المنافقون المراؤون، لعلهم يتذكرون فيتوبون، وليطمئن المؤمنون الصادقون، لعلهم ينشطون ويزدادون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله