الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٨٩ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٩ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) أي : هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها ، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم ; ولهذا قال : ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا ) أي : تركوا الهجرة ، قاله العوفي عن ابن عباس .
وقال السدي : أظهروا كفرهم ( فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ) أي : لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك .
القول في تأويل قوله : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ودوا لو تكفرون كما كفروا "، تمنَّى هؤلاء المنافقون (29) = الذين أنتم، أيها المؤمنون، فيهم فئتان= أن تكفروا فتجحدوا وحدانية ربكم، وتصديقَ نبيِّكم محمد صلى الله عليه وسلم=" كما كفروا "، يقول: كما جحدوا هم ذلك=" فتكونون سواء "، يقول: فتكونون كفّارًا مثلهم، وتستوون أنتم وهم في الشرك بالله (30) =" فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله "، يقول (31) حتى يخرجوا من دار الشرك ويفارقوا أهلها الذين هم بالله مشركون، إلى دار الإسلام وأهلها=" في سبيل الله "، يعني: في ابتغاء دين الله، وهو سبيله، (32) فيصيروا عند ذلك مثلكم، ويكون لهم حينئذ حكمكم، كما:- 10066- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا "، يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم= يعني الهجرةَ في سبيل الله.
* * * القول في تأويل قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (89) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أدبر هؤلاء المنافقون عن الإقرار بالله ورسوله، وتولوا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام ومن الكفر إلى الإسلام (33) =" فخذوهم " أيها المؤمنون=" واقتلوهم حيث وجدتموهم "، من بلادهم وغير بلادهم، أين أصبْتموهم من أرض الله =" ولا تتخذوا منهم وليَّا "، يقول: ولا تتخذوا منهم خليلا يواليكم على أموركم، ولا ناصرًا ينصركم على أعدائكم، (34) فإنهم كفار لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ .
* * * وهذا الخبر من الله جل ثناؤه، إبانةٌ عن صحة نِفاق الذين اختلف المؤمنون في أمرهم، وتحذيرٌ لمن دفع عنهم عن المدافعة عنهم.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 10067- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم "، فإن تولوا عن الهجرة =" فخذوهم واقتلوهم ".
10068- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم "، يقول: إذا أظهروا كُفرهم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم.
-------------------- الهوامش : (28) هذه الزيادة بين القوسين ، يقتضيها السياق اقتضاء.
وانظر تفسير"السبيل" فيما سلف.
من فهارس اللغة.
(29) انظر تفسير"ود" فيما سلف 2 : 470 / 5 : 542 / 8 : 371 .
(30) انظر تفسير"سواء" فيما سلف 1 : 256 / 2 : 495 - 497 / 6 : 483 ، 486 ، 487 / 7 : 118 (31) انظر تفسير"ولي" و"أولياء" فيما سلف: 8 : 430 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(32) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف: 8 : 579 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(33) انظر تفسير"تولى" فيما سلف 8 : 562 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(34) انظر تفسير"ولي" فيما سلف ص 17 ، تعليق: 3= و"نصير" فيما سلف 8 : 472 تعليق 1 ، والمراجع هناك.
ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيراالأولى : ودوا لو تكفرون أي تمنوا أن تكونوا كهم في الكفر والنفاق شرع سواء ؛ فأمر الله تعالى بالبراءة منهم فقال : فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ؛ كما قال تعالى : ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا والهجرة أنواع : منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال : لا هجرة بعد الفتح .
وكذلك هجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات ، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة .
وهجرة المسلم ما حرم الله عليه ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه .
وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن .
وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا ؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه .فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم يقول : إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم .
حيث وجدتموهم عام في الأماكن من حل وحرم .
والله أعلم .
ثم استثنى وهي
فأخبرهم الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن تشتبهوا فيهم ولا تشكوا، بل أمرهم واضح غير مشكل، إنهم منافقون قد تكرر كفرهم، وودوا مع ذلك كفركم وأن تكونوا مثلهم.
فإذا تحققتم ذلك منهم { فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ } وهذا يستلزم عدم محبتهم لأن الولاية فرع المحبة.
ويستلزم أيضا بغضهم وعداوتهم لأن النهي عن الشيء أمر بضده، وهذا الأمر موقت بهجرتهم فإذا هاجروا جرى عليهم ما جرى على المسلمين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجري أحكام الإسلام لكل مَنْ كان معه وهاجر إليه، وسواء كان مؤمنا حقيقة أو ظاهر الإيمان.
وأنهم إن لم يهاجروا وتولوا عنها { فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } أي: في أي وقت وأي محل كان، وهذا من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة، محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم.
قوله تعالى : ( ودوا ) تمنوا ، يعني أولئك الذين رجعوا عن الدين تمنوا ( لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) في الكفر ، وقوله ( فتكونون ) لم يرد به جواب التمني لأن جواب التمني بالفاء منصوب ، إنما أراد النسق ، أي : ودوا لو تكفرون وودوا لو تكونون سواء ، مثل قوله ودوا لو تدهن فيدهنون ( القلم - 9 ) أي : ودوا لو تدهن وودوا لو تدهنون ، ( فلا تتخذوا منهم أولياء ) منع من موالاتهم ، ( حتى يهاجروا في سبيل الله ) معكم .
قال عكرمة : هي هجرة أخرى ، والهجرة على ثلاثة أوجه : هجرة المؤمنين في أول الإسلام ، وهي قوله تعالى " للفقراء المهاجرين " ( الحشر - 8 ) وقوله : " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله " ( النساء - 100 ) ، ونحوهما من الآيات ، وهجرة المنافقين : وهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابرا محتسبا [ كما حكي هاهنا ] منع من موالاتهم حتى يهاجروا في سبيل الله ، وهجرة سائر المؤمنين وهي ما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " .
قوله تعالى : ( فإن تولوا ) أعرضوا عن التوحيد والهجرة ، ( فخذوهم ) أي : خذوهم أسارى ، ومنه يقال للأسير أخيذ ، ( واقتلوهم حيث وجدتموهم ) في الحل والحرم ، ( ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ) ثم استثنى طائفة منهم فقال :
«ودُّوا» تمنوا «لو تكفرون كما كفروا فتكونون» أنتم وهم «سواء» في الكفر «فلا تتخذوا منهم أولياء» توالونهم وإن أظهروا الإيمان «حتى يهاجروا في سبيل الله» هجرة صحيحة تحقق إيمانهم «فإن تَوَلَّوْا» وأقاموا على ما هم عليه «فخذوهم» بالأسر «واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا» توالونه «ولا نصيرا» تنتصرون به على عدوكم.
تمنَّى المنافقون لكم أيها المؤمنون، لو تنكرون حقيقة ما آمنت به قلوبكم، مثلما أنكروه بقلوبهم، فتكونون معهم في الإنكار سواء، فلا تتخذوا منهم أصفياء لكم، حتى يهاجروا في سبيل الله، برهانًا على صدق إيمانهم، فإن أعرضوا عما دعوا إليه، فخذوهم أينما كانوا واقتلوهم، ولا تتخذوا منهم وليّاً من دون الله ولا نصيرًا تستنصرونه به.
وقوله - تعالى - ( وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ) كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم فى الكفر وتصديقهم لإِضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم فى أنفسهم .أى : أن هؤلاء المنافقين الذين يحسن الظن بهم بعضكم - أيها المؤمنون - لا يكتفون بكفرهم فى أنفسهم بل هم يتمنون ويودون كفركم مثلهم بحيث تكونون أنتم وهم متساوين فى الكفر والنفاق ، وإذا كان هذا هو حالهم فكيف تطمعون فى إيمانهم؟
وكيف تحسنون الظن بهم؟و ( لَوْ ) فى قوله ( وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ) مصدرية .
أى تمنوا كفركم .
وقوله ( كَمَا كَفَرُواْ ) نعت لمصدر محذوف : أى تمنوا أن تكفروا كفراً مثل كفرهم .وقوله ( فَتَكُونُونَ سَوَآءً ) معطوف على قوله ( لَوْ تَكْفُرُونَ ) ومفرع عليه .
أى : ودوا لو تكفرون فتكونون مستوين معهم فى الضلال والكفر والنفاق .وما أبلغ التعبير فى جانب محاولة المؤمنين بالإِرادة فى قوله ( أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله ) وفى جانب محاولة المنافقين بالود؛ لأن الإِرادة ينشأ عنها الفعل .
فالمؤمنون يستقربون حصول الإِيمان من المنافقين ، لأن الإِيمان قريب من فطرة الناس وعقولهم .
والمنافقون يعلمون أن المؤمنين لا يرتدون عن دينهم ، ويرونهم متمسكين به غاية التمسك ، فلم يكن طلبهم تكفير المؤمنين إلا كلون من التمنى الذى لا أمل فى تحققه ، فعبر عنه بالود المجرد ، أى ودوا ذلك ولكنه ود بعيد التحقق .وقوله ( فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ) نهى من الله - تعالى - للمؤمنين من موالاة المنافقين حتى يصدر منهم ما يدل على إقلاعهم عن النفاق والضلال .والفاء فى قوله : ( فَلاَ تَتَّخِذُواْ ) للإِفصاح عن شرط مقدر .
والتقدير إذا كان هذا هو شأن المنافقين فلا يصح لكم - أيها المؤمنون - أن تتخذوا منهم أولياء أو نصراء أو أصدقاء حتى تتحقوا من إسلامهم بأن يهاجروا من أجل إعلاء كلمة الله من دار الكفر التى يقيمون فيها ويناصرون أهلها إلى دار الإِيمان التى تقيمون فيها ، وينضمون إليكم لنصرة الحق ، ودفع الظلم .قال الفخر الرازى ما ملخصه : ( دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة لأن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين ، لأنه هو الأمر الذى به يتقرب إلى الله ، ويتوسل به إلى السعادة .
.
.
.
.
وإذا كان الأمر كذلك ، امتنع طلب المحبة والولاية فى الموضع الذى يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه ودلت على إيجاب الهجرة بعد الإِسلام - أى فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يسلموا ويهاجروا - وأنهم إن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة .ونظيره قوله - تعالى - ( مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ ) واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة ففى الحديث الشريف : " أنا برئ من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين .
وأنا برئ من كل مسلم مع مشرك " فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة .
ثم نسخ فرض الهجرة بما رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " وروى عن الحسن أن حكم الآية ثابت فى كل من اقام فى دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإِسلام قائما .وقوله : ( فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ) بيان لحكم الله - تعالى - فى هؤلاء المنافقين إذا ما استمروا فى غيهم وضلالهم .والمعنى : فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن الهجرة فى سبيل الله - تعالى - فلا تعتبروا إسلامهم ، بل خذوهم فى الأسر ، وضيقوا عليهم ( واقتلوهم حيث وجدتموهم ) لأنهم أعداء لكم ( فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ ) فى هذه الحالة ( وَلِيّاً ) توادونه وتصادقونه ( وَلاَ نَصِيراً ) تنتصرون به على أعدائكم ، لأن ولاية هؤلاء المنافقين محادة لله ولرسوله ، والتناصر بهم يؤدى إلى الخذلان كما قال - تعالى - ( لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ) فالجملة الكريمة تأمر المؤمنين بقتل المنافقين الذين ظهر الكفر منهم وتناههم عن اتخاذهم أولياء أو أصدقاء وعن الاستنصار بهم .
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: انه تعالى لما قال قبل هذه الآية: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ وكان ذلك استفهاما على سبيل الانكار قرر ذلك الاستبعاد بأن قال: انهم بلغوا في الكفر الى أنهم يتمنون أن تصيروا أيها المسلمون كفارا، فلما بلغوا في تعصبهم في الكفر الى هذا الحد فكيف تطمعون في ايمانهم.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ رفع بالنسق على ﴿ تَكْفُرُونِ ﴾ والمعنى: ودّوا لو تكونون، والفاء عاطفة ولا يجوز أن يجعل ذلك جواب التمني، ولو أراد ذلك على تأويل إذا كفروا استووا لكان نصبا، ومثله قوله: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ولو قيل: ﴿ فيدهنوا ﴾ على الجواب لكان ذلك جائزا في الاعراب، ومثله: ﴿ وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ ومعنى قوله: ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ أي في الكفر، والمراد فتكونون أنتم وهم سواء الا أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لوضوح المعنى بسبب تقدم ذكرهم، واعلم أنه تعالى لما شرح للمؤمنين كفرهم وشدة غلوهم في ذلك الكفر، فبعد ذلك شرح للمؤمنين كيفية المخالطة معهم فقال: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والالحاد، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء ﴾ والسبب فيه أن أعز الاشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأن ذلك هو الامر الذي به يتقرب الى الله تعالى، ويتوسل به الى طلب السعادة في الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه والله أعلم.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ قال أبو بكر الرازي: التقدير حتى يسلموا ويهاجروا، لأن الهجرة في سبيل الله لا تكون إلا بعد الاسلام، فقد دلت الآية على إيجاب الهجرة بعد الاسلام، وانهم وإن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة، ونظيره قوله: ﴿ مَالَكُمْ مّن ولايتهم مّن شَيء حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ .
واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة قال صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك» فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة، ثم نسخ فرض الهجرة.
عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية».
وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الاسلام قائما.
المسألة الثالثة: اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الايمان، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل منهياته، ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال: ﴿ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ فانه تعالى لم يقل: حتى يهاجروا عن الكفر، بل قال: ﴿ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر، ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة، بل قيده بكونه في سبيل الله، فانه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الاسلام، ومن شعار الكفر إلى شعار الاسلام لغرض من أغراض الدنيا، إنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ .
والمعنى فان أعرضوا عن الهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة فخذوهم اذا قدرتم عليهم، واقتلوهم أينما وجدتموهم في الحل والحرم، ولا تتخذوا منهم في هذه الحالة ولياً يتولى شيئا من مهماتكم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم.
واعلم أنه تعالى لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى منه موضعين الأول في قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَكُونُونَ ﴾ عطف على ﴿ تَكْفُرُونِ ﴾ ولو نصب على جواب التمني لجاز.
والمعنى: ودّوا كفركم فكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء.
فلا تتولوهم وإن آمنوا حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحة هي لله ورسوله لا لغرض من أغراض الدنيا مستقيمة ليس بعدها بداء ولا تعرّب.
﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة، فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحلّ والحرم، وجانبوهم مجانبة كلية، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ استثناء من قوله: ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ ومعنى ﴿ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ ﴾ ينتهون إليهم ويتصلون بهم.
وعن أبي عبيدة: هو من الانتساب.
وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتميت إليه.
وقيل: إن الانتساب لا أثر له في منع القتال، فقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من هو من أنسابهم، والقوم هم الأسلميون، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أنّ من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.
وقيل: القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح ﴿ أَوْ جَآءوكُمْ ﴾ لا يخلو من أن يكون معطوفاً على صفة قوم، كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم، أو على صلة الذين، كأنه قيل: إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم والوجه العطف على الصلة لقوله: ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ بعد قوله: ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ فقرّر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض عنهم وترك الإيقاع بهم.
فإن قلت: كل واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء، واستحقاق إزالة التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالمكافين، لأنّ الاتصال بهؤلاء أو هؤلاء دخول في حكمهم، فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة قوم، ويكون قوله: ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ تقريراً لحكم اتصالهم بالمكافين واختلاطهم بهم وجريهم على سننهم؟
قلت: هو جائز، ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ بينكم وبينهم ميثاق جاؤكم حصرت صدورهم ﴾ ، بغير أو ووجهه أن يكون (جاؤكم) بياناً ليصلون، أو بدلاً أو استئنافاً، أو صفة بعد صفة لقوم.
حصرت صدورهم في موضع الحال بإضمار قد.
والدليل عليه قراءة من قرأ: ﴿ حصرة صدورهم ﴾ ، و ﴿ حصرات صدورهم ﴾ .
و ﴿ حاصرات صدورهم ﴾ .
وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف على: أو جاؤكم قوماً حصرت صدورهم.
وقيل: هو بيان لجاؤكم، وهم بنو مدلج جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مقاتلين.
والحصر الضيق والانقباض ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ عن أن يقاتلوكم.
أو كراهة أن يقاتلوكم.
فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟
قلت: ما كانت مكافتهم إلا لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فذلك معنى التسليط.
وقرئ: ﴿ فلقتلوكم ﴾ ، بالتخفيف والتشديد ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام.
وقرئ بسكون اللام مع فتح السين ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ ﴾ هم قوم من بني أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شراً فيها من كل عدوّ ﴿ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ حيث تمكنتم منهم ﴿ سلطانا مُّبِيناً ﴾ حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطاً ظاهراً حيث أذنا لكم في قتلهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا ﴾ تَمَنَّوْا أنْ تَكْفُرُوا كَكُفْرِهِمْ.
﴿ فَتَكُونُونَ سَواءً ﴾ فَتَكُونُونَ مَعَهم سَواءً في الضَّلالِ، وهو عَطْفٌ عَلى تَكْفُرُونَ ولَوْ نُصِبَ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي لَجازَ.
﴿ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فَلا تُوالُوهم حَتّى يُؤْمِنُوا وتَتَحَقَّقُوا إيمانَهم بِهِجْرَةٍ هي لِلَّهِ ورَسُولِهِ لا لِأغْراضِ الدُّنْيا، وسَبِيلِ اللَّهِ ما أمَرَ بِسُلُوكِهِ.
﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ عَنِ الإيمانِ الظّاهِرِ بِالهِجْرَةِ أوْ عَنْ إظْهارِ الإيمانِ.
﴿ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ كَسائِرِ الكَفَرَةِ.
﴿ وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ أيْ جانِبُوهم رَأْسًا ولا تَقْبَلُوا مِنهم وِلايَةً ولا نُصْرَةً.
<div class="verse-tafsir"
النساء (٨٩ _ ٩١)
الكاف نعت لمصدر محذوف وما مصدرية أي ودوا لو تكفرون كفراً مثل كفرهم {فَتَكُونُونَ} عطف على تكفرون {سَوَآء} أي مستوين أنتم وهم في الكفر {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله} فلا توالوهم حتى يؤمنوا لأن الهجرة في سبيل الله بالإسلام (فَإِن تَوَلَّوْاْ) عن الإيمان {فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} كما كان حكم سائر المشركين {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم
﴿ ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ بَيانٌ لِغُلُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، وتَصَدِّيهِمْ لِإضْلالِ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ و(لَوْ) مَصْدَرِيَّةٌ لا جَوابَ لَها، أيْ: تَمَنَّوْا أنْ تَكْفُرُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما كَفَرُوا ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: كُفْرًا مِثْلَ كُفْرِهِمْ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ذَلِكَ المَصْدَرِ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، ولا دَلالَةَ فِي نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُمُ اسْتِقْلالًا لا دَخْلَ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ لِتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى صَرْفِ ما تَقَدَّمَ عَنْ ظاهِرِهِ كَما زَعَمَهُ ابْنُ حَرْبٍ؛ لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ لَها نِسْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ الخَلْقِ، ونِسْبَةٌ إلى العِبادِ بِاعْتِبارِ الكَسْبِ، بِالمَعْنى الَّذِي حَقَّقْناهُ فِيما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَكُونُونَ سَواءً ﴾ عَطْفٌ عَلى (لَوْ تَكْفُرُونَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّمَنِّي، أيْ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ فَتَكُونُونَ مُسْتَوِينَ في الكُفْرِ والضَّلالِ، وجُوَّزَ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (لَوْ) عَلى بابِها، وجَوابُها مَحْذُوفٌ، كَمَفْعُولِ (ودَّ) أيْ: ودُّوا كُفْرَكم لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا (فَتَكُونُونَ سَواءً) فَسُرُّوا بِذَلِكَ.
﴿ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، وجُمِعَ (أوْلِياءَ) مُراعاةً لِجَمْعِ المُخاطَبِينَ، فَإنَّ المُرادَ نَهْيُ كُلٍّ مِنَ المُخاطَبِينَ عَنِ اتِّخاذِ كُلٍّ مِنَ المُنافِقِينَ ولِيًّا، أيْ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ مِنَ الوِدادَةِ فَلا تُوالُوهم.
﴿ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: حَتّى يُؤْمِنُوا، وتُحَقِّقُوا إيمانَهم بِهِجْرَةٍ هي لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - لا لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا، وأصْلُ السَّبِيلِ الطَّرِيقُ، واسْتُعْمِلَ كَثِيرًا في الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ تَعالى، وهي امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ النَّواهِي، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في وُجُوبِ الهِجْرَةِ.
وقَدْ نُصَّ في التَّيْسِيرِ عَلى أنَّها كانَتْ فَرْضًا في صَدْرِ الإسْلامِ، ولِلْهِجْرَةِ ثَلاثُ اسْتِعْمالاتٍ: أحُدُها: الخُرُوجُ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ، وهو الِاسْتِعْمالُ المَشْهُورُ.
وثانِيها: تَرْكُ المَنهِيّاتِ.
وثالِثُها: الخُرُوجُ إلى القِتالِ، وعَلَيْهِ حَمَلَ الهِجْرَةَ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن رَجَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، عَلى ماحَكاهُ خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ، وجَزَمَ بِهِ الخازِنُ.
﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الهِجْرَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿ فَخُذُوهُمْ ﴾ إذا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ ﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ مِنَ الحِلِّ والحَرَمِ، فَإنَّ حُكْمَهم حُكْمُ سائِرِ المُشْرِكِينَ أسْرًا وقَتْلًا، وقِيلَ: المُرادُ القَتْلُ لا غَيْرُ، إلّا أنَّ الأمْرَ بِالأخْذِ لِتَقَدُّمِهِ عَلى القَتْلِ عادَةً.
﴿ ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ أيْ: جانِبُوهم مُجانَبَةً كُلِّيَّةً، ولا تَقْبَلُوا مِنهم وِلايَةً ونُصْرَةً أبَدًا، كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ المُضارِعُ الدّالُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ أوِ التَّكْرِيرِ المُفِيدِ لِلتَّأْكِيدِ <div class="verse-tafsir"
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ نزلت في تسعة نفر ارتدوا عن الإسلام، فخرجوا من أموالهم.
ويقال: كان قوم من المنافقين بمكة، خرجوا إلى الشام، فاختلف المسلمون في أمرهم، فبيّن الله تعالى للمسلمين نفاقهم، فقال تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ يعني صرتم في المنافقين فئتين، أي فريقين تختصمون في أمرهم وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي أذلهم.
ويقال: أهلكهم.
ويقال: أركسهم أي ردهم إلى كفرهم.
ويقال: ركست الشيء وأركسته إذا رددته إلى الحال الأول.
ثم قال تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ يعني: أترشدون إلى الهدى من أضله الله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يعني ديناً.
ويقال: مخرجاً.
ثم قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ أي ترجعون عن هجرتكم كَما كَفَرُوا أي كما رجعوا فَتَكُونُونَ أنتم وهم على الكفر سَواءً ومن هذا يقال في المثل: إن من أحرق يوماً كدسه يتمنى حرق أكداس الأمم.
فكذلك الكفار كانوا يتمنون أن يكون الناس كلهم كفاراً، حتى يحترقوا معهم.
قال الله تعالى: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ في الدين والنصرة حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دار الهجرة بالمدينة فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أبوا الهجرة فَخُذُوهُمْ يعني: فأسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ يعني: أين وجدتموهم من الأرض وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً في العون.
ثم استثنى الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد فقال: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وهم خزاعة، وبنو مدلج، وبنو خزيمة، وهلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه، صالحهم رسول الله على أن كل من أتاهم من المسلمين فهو آمن، ومن جاء منهم إلى النبيّ فهو آمن.
وفي هذه الآية إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام، إذا كانت في الموادعة مصلحة للمسلمين.
ثم قال تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي ضاقت قلوبهم أَنْ يُقاتِلُوكُمْ من قبل العهد أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ معكم من قبل القرابة.
ثم قال تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ ذكر منته على المؤمنين أنه يدفع عنهم البلاء ومنعهم عن قتالهم، ثم قال تعالى فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ في القتال فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الصلح، معناه أنهم لو ثبتوا على صلحهم فلا تقاتلوهم، فذلك قوله: فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي حجة وسلطاناً في قتالهم.
ثم قال عز وجل: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ وهم أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا إلى النبيّ يقولون: آمنا بك.
وإذا رجعوا إلى قومهم قالوا: آمنا بالعقرب والخنفساء.
يقول: إنهم لم يريدوا بذلك تصديق النبيّ ، وإنما أرادوا به الاستهزاء.
وقال مجاهد: هم ناس من أهل مكة، كانوا يأتون النبيّ ويسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون بالأوثان، ويريدون أن يأمنوا هاهنا وهاهنا.
فذلك قوله تعالى: كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ يقول: كلما دعوا إلى الشرك أُرْكِسُوا فِيها يقول: عادوا إليه ودخلوا فيه فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ في القتال وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي لم يلقوا إليكم الصلح وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم، يعني إن لم يكفوا أيديهم فَخُذُوهُمْ يعني أسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يعني: حيث أدركتموهم ووجدتموهم وَأُولئِكُمْ يعني أهل هذه الصفة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً يعني: حجة مُبِيناً أي حجة مبينة في القتال.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
فيه عَنْ أَنسٍ أيضاً، قال: «مَا أَخَذَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بِيَدِ رَجُلٍ، فَفَارَقَهُ حتى قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» «١» وَروِّينَا فيه، عَنِ البَرَاءِ بن عازِبٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ المُسْلِمِيْنَ إذَا التقيا، فَتَصَافَحَا، وتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا بَيْنَهُمَا» ، وفي رواية: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ تعالى، واستغفرا- غفر الله عزّ وجلّ لهما» «٢» .
انتهى.
وحَسِيباً: معناه حَفِيظاً، وهو فَعِيلٌ من الحِسَاب.
وقوله سبحانه: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ...
الآية: لما تقدَّم الإنذارُ والتحذيرُ الذي تضمَّنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً، تلاه الإعلامُ بصفَةِ الربوبيَّة، وحالِ الوحدانيَّة والإعلامِ بالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القبور للثَّواب والعقابِ إعلاماً بقَسَمٍ، تقديره: وَحَقِّهِ وَعَظَمَتِهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، والجَمعُ بمعنى الحَشْر.
وقوله سبحانه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً: المعنى: لا أحَدَ أصْدَقُ من الله تعالى.
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)
وقوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ...
الآية: واختلف في هؤُلاَءِ المنافِقِينَ.
فقال ابنُ عَبَّاس: هم قومٌ كانوا بمَكَّة أظهروا الإيمانَ لأصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في كُتُبٍ بَعَثُوا بِهَا إلى المدينةِ، ثم خَرَجُوا مسافِرِينَ إلى الشَّام، وأعطَتْهم قريشٌ بِضَاعَاتٍ، وقالوا لهم: أنتم لا تَخَافُونَ أصْحَاب محمَّد لأنّكم تخدعونهم بإظهار الإيمان، فاتّصل خبرهم
بالمدينَةِ، فاختلف المؤمنُونَ فيهم «١» ، فقالَتْ فرقةٌ: نَخْرُجُ إلَيْهم فإنهم منافقونَ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ، لاَ سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِمْ، فنزلَتِ الآية، وعن مجاهدٍ نحوه «٢» .
قال ع «٣» : ويَعْضُدُهُ ما في آخر الآيةِ مِنْ قوله تعالى: حَتَّى يُهاجِرُوا، وقال زيدُ بنُ ثابتٍ: نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ أُبيٍّ وأصحابِهِ المنافِقِينَ الذين رجعوا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَوْمَ أُحُدٍ، وهو في «صحيحِ البخاريِّ» مسنداً «٤» ، قال ابن العربي في «أحكامه» «٥» ، وهذا القول هو اختيار البخاريِّ والترمذيِّ.
انتهى.
قال ع «٦» : وعلى هذا، فقولُه سبحانَهُ: حَتَّى يُهاجِرُوا المرادُ هَجْرُ ما نَهَى اللَّهُ عنه كما قال- عليه السلام-: «والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عنه» «٧» ، وفِئَتَيْنِ:
معناه: فرقتين، / وأَرْكَسَهُمْ: معناه: أرجعَهُمْ في كُفْرِهِمْ وضَلاَلِهِمْ، والرِّكْس:
الرَّجيع ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ» «٨» ، وحكى النضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ والكِسَائِيُّ:
رَكَسَ وأَرْكَسَ بمعنًى واحدٍ، أي: أرجَعَهم، ومَنْ قال مِنَ المتأوِّلين: أَهْلَكَهم، أو أضلَّهم، فإنَّما هو بالمعنى، وباقي الآية بَيِّنٌ.
قال ص: أَرْكَسَهُمْ، أي: رَدَّهم في الكُفْر.
وقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» : أَخْبَرَ اللَّه تعالى أنه رَدَّ المنافِقِينَ إلى الكُفْر، وهو الإركَاسُ، وهو عبارةٌ عن الرجُوعِ إلى الحالَةِ المكروهَةِ كما قال في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ» ، أيْ: رجَعَتْ إلى حالةٍ مكروهةٍ، فنَهَى اللَّه سبحانَهُ الصحابَةَ أنْ يتعلَّقوا فيهم بظَاهِرِ الإِيمان إذ كان باطنهم الكُفْرَ، وأمرهم بقَتْلهم، حَيْثُ وجَدُوهُم.
انتهى.
وقولُهُ تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ...
الآية.
قال ص: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ: استثناءٌ متَّصِلٌ من مَفْعولِ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ.
انتهى.
قال ع «١» : هذه الآيةُ مِنْ آياتِ المُوَادَعَةِ في أول الإسلام، ثم نُسِخَتْ بما في سورة «بَرَاءَةَ» فالآيةُ تقتضي أنَّ مَنْ وصَلَ من المشركِينَ الذين لا عهد بينهم، وبين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى هؤلاءِ أهْلِ العهدِ، فدخَلَ في عِدَادِهِمْ، وفَعَلَ فِعْلَهم من المُوَادَعَةِ، فلا سَبِيلَ عليه.
وقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ: عطْفٌ على يَصِلُونَ، ويحتملُ أنْ يكون على قوله: بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ، والمعنى في العَطْفَينِ مختلفٌ، وهذا أيضاً حُكْمٌ قبل أنْ يستحكم أمْرُ الإسلام، فكان المشرك، إذا اعتزل القتَالَ، وجاء إلى دارِ الإِسلامِ مُسَالماً كارهاً لقتالِ قَوْمِهِ مع المسلِمِينَ، ولقِتَالِ المُسْلمين مع قومه، لا سَبِيلَ عليه، وهذه نُسِخَتْ أيضاً بما في «براءة» ، ومعنى حَصِرَتْ: ضاقَتْ، وحَرِجَتْ ومنه: الحَصَرُ في القَوْل، وهو ضِيقُ الكَلاَم علَى المتكلّم، وحَصِرَتْ: في موضعِ نصبٍ على الحال، واللاَّمُ في قوله: لَسَلَّطَهُمْ جوابٌ «لو» ، والمعنى: ولو شاء اللَّه، لَسَلَّطَ هؤلاءِ الَّذين هُمْ بهذه الصِّفَة من المُسَالَمَة والمُتَارَكَة عليكم، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ، أي: إذا وقَعَ هذا، فلَمْ يقاتِلُوكم، فلا سَبِيلَ لكم عليهم، وهذا كلُّه، والذي في سورة «الممتحنة» : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ ...
[الممتحنة: ٨] الآية: منسوخ قاله قتادة وغيره «٢» .
والسَّلَمَ: الصّلح.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ بِما في ضَمائِرِ تِلْكَ الطّائِفَةِ، لِئَلّا يُحْسِنُوا الظَّنَّ بِهِمْ، ويُجادِلُوا عَنْهم، ولِيَعْتَقِدُوا عَداوَتَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ ﴾ أيْ: لا تُوالُوهم فَإنَّهم أعْداءٌ لَكم ( ﴿ حَتّى يُهاجِرُوا) ﴾ أيْ: يَرْجِعُوا إلى النَّبِيِّ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الهِجْرَةِ والتَّوْحِيدِ، ﴿ فَخُذُوهُمْ ﴾ أيْ: ائْسِرُوهم، واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم في الحِلِّ والحَرَمِ.
* فَصْلٌ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: كانَتِ الهِجْرَةُ فَرْضًا إلى أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ.
وقالَ الحَسَنُ: فَرْضُ الهِجْرَةِ باقٍ، واعْلَمْ أنَّ النّاسَ في الهِجْرَةِ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: مَن تَجِبُ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِ الإسْلامِ في دارِ الحَرْبِ، خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ، وهو قادِرٌ عَلى الهِجْرَةِ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ والثّانِي: مَن لا تَجِبُ عَلَيْهِ بَلْ تُسْتَحَبُّ لَهُ، وهو مَن كانَ قادِرًا عَلى إظْهارِ دِينِهِ في دارِ الحَرْبِ.
والثّالِثُ: مَن لا تُسْتَحَبُّ لَهُ وهو الضَّعِيفُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِ دِينِهِ، ولا عَلى الحَرَكَةِ كالشَّيْخِ الفانِي والزَّمِنِ فَلَمْ تُسْتَحَبَّ لَهُ لِلُحُوقِ المَشَقَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أولِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ الضَمِيرُ في "وَدُّوا" عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وهَذا كَشْفٌ مِنَ اللهِ لِخُبْثِ مُعْتَقَدِهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، والمَعْنى: تَمَنَّوْا كُفْرَكُمْ، وهي غايَةُ المَصائِبِ بِكُمْ، هَذا الوَدُّ مِنهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عن حَسَدٍ مِنهم لَهم عَلى ما يَرَوْنَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن ظُهُورٍ في الدُنْيا فَتَجْرِي الآيَةُ: مَعَ ودِّ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أمْرُ المُنافِقِينَ أنْ يَكُونَ أنَّهم رَأوُا المُؤْمِنِينَ عَلى غَيْرِ شَيْءٍ فَوَدُّوا رُجُوعَهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ: "فَلا تَتَّخِذُوا" الآيَةُ، هَذا نَهْيٌ عن مُوالاتِهِمْ حَتّى يُهاجِرُوا، لِأنَّ الهِجْرَةَ في سَبِيلِ اللهِ تَتَضَمَّنُ الإيمانَ، و"فِي سَبِيلِ اللهِ" مَعْناهُ: في طَرِيقِ مَرْضاةِ اللهِ، لِأنَّ سُبُلَ اللهِ كَثِيرَةٌ، وهي طاعاتُهُ كُلُّها، المَعْنى: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الهِجْرَةِ وتَوَلَّوْا عَنِ الإيمانِ فَخُذُوهُمْ، وهَذا أمْرٌ بِالحَمْلِ عَلَيْهِمْ، ومُجاهَرَتِهِمْ بِالقِتالِ.
<div class="verse-tafsir"
الأظهر أنّ ضمير «ودوّا» عائد إلى المنافقين في قوله: ﴿ فمالكم في المنافقين فئتين ﴾ [النساء: 88].
فضح الله هذا الفريق فأعلَم المسلمين بأنّهم مضمرون الكفر، وأنّهم يحاولون رَدّ من يستطيعون ردّه من المسلمين إلى الكفر.
وعليه فقوله: ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ إن حمل على ظاهر المهاجرة لا يناسب إلاّ ما تقدّم في سبب النزول عن مجاهد وابن عباس، ولا يناسب ما في «الصحيح» عن زيد بن ثابت، فتعيّن تأويل المهاجرة بالجهاد في سبيل الله، فالله نهى المسلمين عن ولايتهم إلى أن يخرجوا في سبيل الله في غزوة تقع بعد نزول الآية لأنّ غزوة أُحد، التي انخزل عنها عبد الله بن أبَيّ وأصحابه، قد مضت قبل نزول هذه السورة.
وما أبلغ التعبيرَ في جانب محاولة المؤمنين بالإرادة في قوله: ﴿ أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله ﴾ [النساء: 88]، وفي جانب محاولة المنافقين بالودّ، لأنّ الإرادة ينشأ عنها الفعل، فالمؤمنون يستقربون حصول الإيمان من المنافقين، لأنّ الإيمان قريب من فطرة الناس، والمنافقون يعلمون أنّ المؤمنين لا يرتدّون عن دينهم، ويرون منهم محبّتهم إيّاه، فلم يكن طلبهم تكفيرَ المؤمنين إلاّ تمنيّا، فعبّر عنه بالودّ المجرّد.
وجملة ﴿ فتكونون سواء ﴾ تفيد تأكيد مضمون قوله: ﴿ بما كفروا ﴾ قصد منها تحذير المسلمين من الوقوع في حِبالة المنافقين.
وقوله: ﴿ فلا تتّخذوا منهم أولياء حتّى يهاجروا في سبيل الله ﴾ أقام الله للمسلمين به علامة على كفر المتظاهرين بالإسلام، حتّى لا يعود بينهم الاختلاف في شأنهم، وهي علامة بيّنة، فلم يبق من النفاق شيء مستور إلاّ نفاق منافّقي المدينة.
والمهاجرة في سبيل الله هي الخروج من مكة إلى المدينة بقصد مفارقة أهل مكة، ولذلك قال: ﴿ في سبيل الله ﴾ أي لأجل الوصول إلى الله، أي إلى دينه الذي أراده.
وقوله: ﴿ فإن تولّوا ﴾ أي أعرضوا عن المهاجرة.
وهذا إنذار لهم قبل مؤاخذتهم، إذ المعنى: فأبلغوهم هذا الحكم فإن أعرضوا عنه ولم يتقبّلوه فخذوهم واقتلوهم، وهذا يدلّ على أنّ من صدر منه شيء يحتمل الكفر لا يؤاخذ به حتّى يُتَقَدّم له، ويعرّف بما صدر منه، ويُعذَر إليه، فإن التزمه يؤاخذ به، ثمُّ يستتاب.
وهو الذي أفتى به سحنون.
والولّي: الموالي الذي يضع عنده مولاه سِرّه ومَشورته.
والنصير الذي يدافع عن وليّه ويعينه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قَدِمُوا المَدِينَةَ فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ وكانُوا يُعِينُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ أرادُوا الخُرُوجَ عَنْها نِفاقًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الإفْكِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ رَدَّهم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أوْقَعَهم، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أهْلَكَهم، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: أضَلَّهم، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والخامِسُ: نَكَسَهم، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُسَمُّوهم بِالهُدى وقَدْ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِالضَّلالِ عُقُوبَةً لَهم.
والثّانِي: تَهْدُوهم إلى الثَّوابِ بِمَدْحِهِمْ واللَّهُ قَدْ أضَلَّهم بِذَمِّهِمْ.
﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ أيْ يَدْخُلُونَ في قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم أمانٌ فَلَهم مِنهُ مِثْلُ ما لَكم.
قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في الهِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْثَمٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ.
قالَ الحَسَنُ: هَؤُلاءِ بَنُو مُدْلِجٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قُرَيْشٍ عَهْدٌ، وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ [وَقُرَيْشٍ] عَهْدٌ، فَحَرَّمَ اللَّهُ مِن بَنِي مُدْلِجٍ ما حَرَّمَ مِن قُرَيْشٍ.
﴿ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾ مَعْنى حَصِرَتْ أيْ ضاقَتْ، ومِنهُ حُصِرَ العَدُوُّ وهو الضِّيقُ ومِنهُ حَصْرُ العُداةِ لِأنَّهم قَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَذاهِبُهم.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِأنَّ صُدُورَهم حَصِرَتْ.
والثّانِي: أنَّهُ دُعاءٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ تُحْصَرَ صُدُورُهُمْ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ ﴾ وفي تَسْلِيطِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ.
والثّانِي: بِالإذْنِ في القِتالِ لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ.
﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الصُّلْحُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.
والثّانِي: الإسْلامُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
﴿ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ هم قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمُ المُوافَقَةَ لِيَأْمَنُوهُمْ، ولِلْمُسْلِمِينَ الإسْلامَ لِيَأْمَنُوهُمْ، وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهم مِن أهْلِ تِهامَةَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ.
وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها ﴾ أيْ كُلَّما رُدُّوا إلى المِحْنَةِ في إظْهارِ الكُفْرِ رَجَعُوا فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن زيد بن ثابت.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين.
فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول.
لا.
فأنزل الله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين...
﴾ الآية كلها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن سعد بن معاذ الأنصاري.
أن هذه الآية أنزلت فينا ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ﴾ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: «من لي بمن يؤذيني ويجمع لي في بيته من يؤذيني؟
فقام سعد بن معاذ فقال: إن كان منا يا رسول الله قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فاطعناك.
فقام سعد بن عبادة فقال: ما بك يا ابن معاذ طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عرفت ما هو منك.
فقام أسيد بن حضير فقال: إنك يا ابن عبادة منافق تحب المنافقين.
فقال محمد بن مسلمة فقال: استكوا أيها الناس، فإن فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرنا فننفذ لأمره.
فأنزل الله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: «إن قوماً كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا فيهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم.
وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله...
!
تقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم، فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء.
فنزلت ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم ﴿ فإن تولوا ﴾ قال: عن الهجرة» .
وأخرج أحمد بسند فيه انقطاع عن عبد الرحمن بن عوف أن قوماً من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأسلموا وأصابهم وباء المدينة حماها فاركسوا، خرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من الصحابة فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟
قالوا: أصابنا وباء المدينة فقالوا: ما لكم في رسول الله اسوة حسنة.
فقال بعضهم: نافقوا.
وقال بعضهم: لم ينافقوا، إنهم مسلمون.
فأنزل الله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة عن عبد الرحمن.
أن نفراً من طوائف العرب هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكثوا معه ما شاء الله أن يمكثوا، ثم ارتكسوا فرجعوا إلى قومهم، فلقوا سرية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفوهم فسألوهم ما ردكم؟
فاعتلوا لهم فقال بعض القوم لهم: نافقتم، فلم يزل بعض ذلك حتى فشا فيهم القول، فنزلت هذه الآية ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ قال: قوم خرجوا من مكة حتى جاؤوا المدينة، يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول: هم منافقون.
وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله نفاقهم، فأمر بقتلهم، فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي وبينه وبين محمد عليه السلام حلف، وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه، فدفع عنهم بأنهم يؤمون هلالاً وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ قال: ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش، كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيهما ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما مقبلان إلى مكة، فقال بعضهم: إن دماءهما وأموالهما حلال.
وقال بعضهم: لا يحل ذلك لكم.
فتشاجروا فيهما، فانزل الله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ حتى بلغ ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن معمر بن راشد قال: بلغني أن ناساً من أهل مكة كتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا، أو كان ذلك منهم كذباً، فلقوهم فاختلف فيهم المسلمون فقالت طائفة: دماؤهم حلال.
وطائفة قالت: دماؤهم حرام.
فأنزل اله ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: هم ناس تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا، فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ من ولايتهم آخرون، وقالوا: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا فسماهم الله منافقين، وبرأ المؤمنين من ولايتهم، وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة واتخمناها، فلعلنا أن نخرج إلى الظهر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برية.
فانطلقوا واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة: أعداء الله منافقون، وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم.
وقالت طائفة: لا، بل إخواننا تخمتهم المدينة فاتخموها، فخرجوا إلى الظهر يتنزهون فإذا برئوا رجعوا.
فأنزل الله في ذلك ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: أخذ ناس من المسلمين أموالاً من المشركين فانطلقوا بها تجاراً إلى اليمامة، فاختلف المسلمون فيهم، فقالت طائفة: لو لقيناهم قتلناهم وأخذنا ما في أيديهم.
وقال بعضهم: لا يصلح لكم ذلك، إخوانكم انطلقوا تجاراً.
فنزلت هذه الآية ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن وهب عن ابن زيد في قوله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ قال: هذا في شأن ابن أبي، حين تكلم في عائشة ما تكلم، فنزلت إلى قوله: ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ فقال سعد بن معاذ: فإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه.
يريد عبد الله بن أبي بن سلول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: «كيف ترون في الرجل يخاذل بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسيء القول لأهل رسول الله وقد برأها الله» ، ثم قرأ ما أنزل الله في براءة عائشة، فنزل القرآن في ذلك ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين...
﴾ الآية.
فلم يكن بعد هذه الآية ينطق ولا يتكلم فيه أحد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ والله أركسهم ﴾ يقول: أوقعهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس ﴿ أركسهم ﴾ قال: ردهم.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قول ﴿ أركسهم ﴾ قال: حبسهم في جهنم بما عملوا.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول أمية بن الصلت في شعره: أركسوا في جهنم أنهم كانوا عتاة ** يقولوا مينا وكذبا وزورا وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ قال: أهلكهم بما عملوا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ أركسهم ﴾ قال: أضلهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا ﴾ معنى هذه الآية صرف المؤمنين الذين كانوا يُحسنون الظنَّ بهم عما هم عليه، واخبار بما يوجب العداوة لهم والبراءة منهم.
وقوله تعالى: ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾ رفع بالنسق على تكفرون، لأن المعنى: ودوا لو تكفرون وودوا لو تكونون، فالفاء عاطفة، ولم يقصد بها جواب التمني، ولو أراد أن تكون جوابًا، على تأويل إذا كفروا استووا، لكان نصبًا (١) ومثل هذا قوله: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ (٢) ولو قيل: فيدهنوا، على الجواب لكان صوابًا في العربية (٣) ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً ﴾ ونذكره في موضعه.
ومعنى قوله: ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾ أي في الكفر، والمراد: فتكونون وهم سواءً (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ .
نهى عن مباطنة هؤلاء وموالاتهم، وهذا الحكم جارٍ في جميع المشركين، والمنافقين، والمستسرِّين الزندقة والإلحاد، لا يجوز نُسلِّم موالاة أحدٍ منهم.
وحكم المستسر بنوع من أنواع الكفر حكم المنافق، لا يُقتل ما دام يُظهر كلمة الشهادتين.
ولو ثبت إلحاد أحد بإقراره ثم تاب قبلت توبته وحقن دمه بظاهر الشهادة، ولا سبيل إلى ما في قلبه، كما قال رسول الله للمقداد: "هلا شققت عن قلبه" (٥) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ .
ابن عباس والأكثرون قالوا: المراد بالهجرة ههنا الرجوع إلى المدينة ودار الهجرة ثانيًا، ومهاجرة دار الشرك (٦) ونحو ذلك قال الزجاج: حتى يرجعوا إلى النبي (٧) صابرًا محتسبًا، وهو هجرة المنافقين (٨) والهجرة أنواع: فأعلاها وأفضلها هجرة المهاجرين دورهم ومساكنهم بمكة إلى المدينة، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ ، وذكرهم في القرآن كثير (٩) وهجرتان ثابتتان إلى يوم القيامة (١٠) (١١) : "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك" (١٢) (١٣) : "والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه" (١٤) ومعنى ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: "في طاعة الله" (١٥) قال أهل المعاني: وسبيل الله هو الطريق الذي أمر بسلوكه، وهو العمل بطاعة الله (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ ، أي: عن الهجرة ولزموا الإقامة على ما هم عليه (١٨) ﴿ فَخُذُوهُمْ ﴾ بالأسر (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ قال ابن عباس: "يريد لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوكم" (٢٠) (١) "الكشف والبيان" 4/ 96 أبتصرف، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 221، و"البحر المحيط" 3/ 314، و"الدر المصون" 4/ 62.
(٢) "الكشف والبيان" 4/ 96 أ.
(٣) انظر: "الكشاف" 1/ 288، و"الدر المصون" 4/ 62، 63.
(٤) انظر: الطبري 5/ 196.
(٥) إنما قال الرسول ذلك لأسامة بن زيد، حيث كان في سرية بعثه فيها رسول الله يقول: "فأدركت رجلًا.
فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك.
فذكرته للنبي فقال رسول الله :- "أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟!
قال: قلت: يا رسول الله!
إنما قالها خوفا من السلاح.
قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!
".
الحديث أخرجه مسلم (96) كتاب "الإيمان"، باب: تحريم قتال الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، ح 1158/ 96.
أما عن المقداد فقد ورد عن مسلم في هذا الباب بمعناه.
(٦) أخرج الأثر عن ابن عباس عن طريق العوفي عنه الطبري 5/ 196، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 274، و"الكشف والبيان" 4/ 96 أ، و"زاد المسير" 2/ 156، وابن كثير 1/ 585.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 88، وانظر: "زاد المسير" 2/ 155.
(٨) من "الكشف والبيان" 4/ 96 أ، ولم ينسبه الثعلبي لأحد، وانظر: البغوي 2/ 260، والقرطبي 5/ 308.
(٩) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 96 أ، و"البغوي" 2/ 260، و"التفسير الكبير" 10/ 221، و"القرطبي" 5/ 308.
(١٠) انظر: القرطبي 5/ 308.
(١١) انظر: "الطبري" 5/ 196، و"البغوي" 2/ 260، و"التفسير الكبير" 10/ 221، والقرطبي 5/ 308.
(١٢) أخرج أبو داود (2645) كتاب: الجهاد، باب: النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، والنسائي واللفظله (4780) كتاب: القسامة، باب القود بغير حديدة، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" 2/ 16.
(١٣) "الكشف والبيان" 4/ 96 أ، وانظر: البغوي 2/ 260، و"التفسير الكبير" 10/ 221، والقرطبي 5/ 308.
(١٤) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ما (10) كتاب: الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده بلفظ: "والمهاجر من هجر" الحديث.
(١٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.
(١٦) انظر: الطبري 5/ 83، 169.
(١٧) انظر: "المفردات" ص 223.
(١٨) "معاني الزجاج" 2/ 88، وانظر: الطبري 5/ 197، و"بحر العلوم" 1/ 374، و"الكشف والبيان" 4/ 96 أ.
(١٩) انظر: "بحر العلوم" 1/ 374، و"الكشف والبيان" 4/ 96 أ، والبغوي 2/ 260، و"زاد المسير" 2/ 156.
(٢٠) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ الضمير للمنافقين أي تمنوا أن تكفروا ﴿ فَخُذُوهُمْ ﴾ يريد به الأسر ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ الآية: استثناء من قوله: ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ ومعناها: أن من وصل من الكفار غير المعاهدين إلى الكفار المعاهدين وهم الذين بينهم وبين المسلمين عهد ومهادنة فحكمه كحكمهم في المسالمة وترك قتاله، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخ بالقتال في أول سورة براءة، قال السهيلي وغيره: الذين يصلون هم بنو مدلج بن كنانة ﴿ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ بنو خزاعة، فدخل بنو مدلج في صلح خزاعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعنى يصلون إلى قوم: ينتهون إليهم، ويدخلون فيما دخلوا فيه من المهادنة وقيل: معنى يصلون أي ينتسبون، وهذا ضعيف جداً بدليل قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش، وهم أقاربه وأقارب المؤمنين فكيف لا يقاتل أقارب الكفار المعاهدين ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ ، عطف على يصلون أو على صفة قوم وهي: بينكم وبينهم ميثاق، والمعنى يختلف باختلاف ذلك، والأول أظهر، وحصرت صدورهم: في موضع الحال بدليل قراءة يعقوب حصرت، ومعناه ضاقت عن القتال وكرهته، ونزلت الآية في قوم جاؤوا إلى المسلمين، وكرهوا أن يقاتلوا المسلمين، وكرهوا أيضاً أن يقاتلوا قومهم، وهم أقاربهم الكفار، فأمر الله بالكف عنهم.
ثم نسخ أيضاً ذلك بالقتال ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ أي إن سالموكم فلا تقاتلوهم، والسلم هنا الانقياد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ومن أصدق ﴾ وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي.
﴿ حصرت صدورهم ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ﴿ حصرة صدورهم ﴾ بالنصب والتنوين.
الوقوف: ﴿ القرآن ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.
﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ أذاعوا به ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج ط لأن قوله: ﴿ لا تكلف ﴾ يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف.
﴿ إلاّ نفسك ﴾ ط لعطف قوله: ﴿ وحرض ﴾ على قوله: ﴿ فقاتل ﴾ .
﴿ المؤمنين ﴾ ج لأنّ ﴿ عسى ﴾ مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به.
﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ تنكيلاً ﴾ ه ﴿ نصيب منها ﴾ ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف.
﴿ كفل منها ﴾ ط ﴿ مقيتاً ﴾ ه ﴿ ردوها ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ بما كسبوا ﴾ ط ﴿ من أضلّ الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ وجدتموهم ﴾ ص ﴿ نصيراً ﴾ ه ط ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ ط ﴿ فلقاتلوكم ﴾ ط ﴿ السلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "فإن".
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ قومهم ﴾ ط ﴿ أركسوا فيها ﴾ ج ﴿ ثقفتموهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه.
التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها.
ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت.
أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته.
وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد وإلا انقطع النظم.
ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية.
واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف.
فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً.
فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت.
وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب.
والذي تظن به التناقض كقوله: ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ مع قوله: ﴿ لنسألنهم أجمعين ﴾ أو كقوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ مع قوله: ﴿ كأنها جان ﴾ ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز.
ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله .
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل.
وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف.
والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل.
سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه.
ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه.
يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان.
ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ.
ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفكعن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا.
وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لعلمه ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يستنبطونه ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني.
والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة.
فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.
الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون.
ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم.
قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين.
فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس.
واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث.
سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية.
فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي.
سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟
سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية.
لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا.
وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر.
وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف.
ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق.
ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟
وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً.
وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب.
سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا.
أما قوله ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض.
فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ كأنه أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بيت طائفة ﴾ الثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ لعلمه ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً.
قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله.
وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة.
والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد.
الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد .
وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فأفوز فوزاً عظيماً ﴾ والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه.
قوله: ﴿ فقاتل ﴾ قيل: إنه جواب لقوله: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ﴾ كأنه قال: إن أردت الفوز فقاتل.
وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء.
واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وبدليل قوله ههنا: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه قال في بدر الصغرى: " لأخرجن وحدي" فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة.
وفي الآية دليل على أنه كان أشجع الخلق لأنه لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك.
وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت.
﴿ والله أشد بأساً ﴾ من قريش ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه.
قوله : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد.
وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة.
وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت.
ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم.
وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي : " "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" " فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك.
وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول.
وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.
قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟
فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب.
والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه.
والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي مقتدراً وحفيظاً.
واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.
والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية.
لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين.
وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله.
دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ والمراد أمة محمد عليك على لسان جبريل: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام ﴾ قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله : لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.
وسلم عليك على لسان موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وسلم عليك على لسان محمد : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ وأمر محمداً بالسلام عليك: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ﴾ وأمر المؤمنين بالسلام: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ وسلم عليك على لسان ملك الموت: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك.
وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ﴾ وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وسلم عليك على لسان أهل الجنة: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسلم عليك إلى الأبد: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ ولما أراد إكرام يحيى وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً ﴾ ولما ذكر تعظيم محمد قال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها.
ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية.
قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله : ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ وقال : "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب.
وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة.
وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.
قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد.
وروي "أن رجلاً قال لرسول الله : السلام عليك يا رسول الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله" .
فقوله : ﴿ أو ردوها ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين.
والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام.
وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا ﴾ ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل.
قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله.
فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله.
ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وقال عيسى: ﴿ والسلام عليّ يوم ولدت ﴾ وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال.
ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.
ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي : " إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر " ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.
ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب.
روي أن واحداً سلم على رسول الله وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب.
وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن.
ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم.
والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة.
ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه.
ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة.
وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل.
وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه.
وروي عن النبي أنه قال: " لا يبتدأ اليهودي بالسلام " وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره.
وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى.
ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله.
لأنها استغفار.
وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟
فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟
واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها.
وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي.
واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن.
ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي قال: " لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته.
ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم ﴾ فالأول توحيد والثاني عدل كأنه يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب.
وقوله: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ﴿ ليجمعنكم ﴾ والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.
قال : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور.
ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم.
ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟
وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟
استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال.
وذلك أنها نزلت "في قوم من العرب أتوا رسول الله بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم.
فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين.
فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا.
وقال بعضهم: هم مسلمون.
فبين الله نفاقهم" .
وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.
وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم.
وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة.
وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة.
وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي .
وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك.
قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها.
﴿ والله أركسهم ﴾ الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً.
ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿ بما كسبوا ﴾ أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته.
وهذا ظاهر في المقصود.
والمعتزلة يقولون: قوله: ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك.
أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف.
ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: ﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر.
والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم.
وقوله: ﴿ فتكونون ﴾ عطف على ﴿ تكفرون ﴾ .
﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله : " "أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله يوم فتح مكة "لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .
وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً.
قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل أو في الحرم ﴿ ولا تتخذوا منهم ﴾ في هذه الحالة ﴿ ولياً ﴾ يتولى شيئاً من مهماتكم ﴿ ولا نصيراًً ﴾ ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية.
ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي ينتهون ويتصلون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم.
قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.
والقوم هم الأسلميون وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.
وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح.
وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة.
وههنا نكتة وهي أنه رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى.
وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب.
يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه.
وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.
الاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو جاؤكم ﴾ وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.
وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية.
إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال.
ومعنى ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت.
والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / ﴿ حصرة ﴾ .
وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت.
وقيل: هو بيان لجاؤوكم.
وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أي عن أن يقاتلوكم.
ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله غير مقاتلين.
وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص.
والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.
فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.
وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل.
قال الكعبي: إنه أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إل الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها.
وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي ولم يلقوا ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم.
قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم.
وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط.
أما قوله: ﴿ سلطاناً ﴾ فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.
قوله : وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ .
اختلف في قصّة الآية: قيل: إن ناساً من [أهل] مكة قدموا على رسول الله المدينةَ، فأسلموا، وأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا، ثم ندموا على الهجرة والإقامة فيها، وأرادوا الرجعة إلى مكة واجتووا المدينة؛ فخرجوا يتحولون مَنْقَلَةً مَنْقَلَةً، حتى تباعدوا من المدينة، فلحقوا بمكة، فكتبوا كتاباً، ثم بعثوا به مع رسول من قبلهم إلى رسول الله ، فقدم به الرسول عليه بالمدينة، فإذا فيه: "إنا على الذي فارقناك عليه من التصديق بالله وبرسوله، اشتقنا إلى إرضنا، واجتوينا المدينة".
ثم إنهم خرجوا من مكة متوجهين إلى الشام للتجارة، فبلغ ذلك المسلمين وهم عند رسول الله ؛ فقال بعضهم لبعض: فما يمنعنا أن نخرج إلى هؤلاء الذين رغبوا عن ديننا، وتركوا هجرتنا، فنقتلهم ونأخذ ما معهم؟!
فقال فريق منهم: كيف تقتلون قوماً على دينكم؟!
ورسول الله ساكت لا ينهي واحداً من الفريقين؛ حتى نزل قوله - -: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ : يبين الله - عز وجل - لرسوله أمرهم وما صاروا إليه.
وقيل: تخلَّف رجال عن أُحُد، فكان أصحاب رسول الله فيهم فئتين: فرقة تقول: [اعف عنهم، وفرقة تقول: نقتلهم]؛ فنزلت الآية: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ .
وقيل: إن قوماً كانوا يتحدثون، فاختصموا في أهل مكة: فقال بعضهم: إنهم كفار، وقال آخرون: إنهم قد أكلوا ذبائحكم، وصلوا صلاتكم، وأجابوا دعوتكم؛ فهم معكم، وقال غيرهم: تركوا النبي وتخلفوا عنه.
فأكثروا في ذلك؛ فنزل قوله - - ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ...
﴾ الآية، فلا ندري كيف كانت القصة، ولكن فيه النهي عن الاختلاف والتنازع بينهم؛ كأنه قال - والله أعلم -: كيف تختلفون في قوم ظهر نفاقهم؟
وكيف لا تسألون رسول الله عن حالهم وهو بين أظهركم؟!
كقوله - -: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ...
﴾ الآية [النساء: 59]، وظهور نفاقهم يحتمل الخبر منه نصّاً أنهم منافقون.
ويحتمل الظهور بالاستدلال على أفعالهم، وقد يوقف على حال المرء بفعله أنه كافر أو مؤمن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ ﴾ .
قال الكسائي: فيه لغتان؛ [يقال]: أركسته في أمر كذا وكذا وركسته، وارتكس الرجل: إذا وقع فيه ورجع إليه.
وقيل في حرف ابن مسعود - - وحفصة - ا -: "والله ركسهم بما كسبوا".
ثم قيل: أركسهم: أي ردهم.
وعن ابن عباس - -: ﴿ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ ﴾ قال: أوقعهم.
ثم يحتمل قوله - -: ﴿ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ ﴾ وجهين: ما أظهروا بما كان في قلوبهم من النفاق والخلاف لرسول الله ، كقوله - -: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ .
ويحتمل: ابتداء كسب كسبوا بعد ما أسلموا، أي: كفروا وارتدوا عن الإسلام بعد ما صح إسلامهم.
وفي إضافة ارتكاسهم إلى الله دلالة خلق فعلهم وحرمان أمر يملكه، والله أعلم بما كسبوا من إحداث شرك، أو بكسبهم بالقلوب وقت إظهارهم الإيمان في أن ظهر عليهم بلحوقهم إخوانهم من الكفرة، أو لما جعل الله من أعلام النفاق التي ظهرت بغرض الجهاد والعبادات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ﴾ .
تأويله - والله أعلم -: أتريدون أن تهدوا وقد أراد الله أن يضلُّوا؛ لما علم الله منهم أنهم لا يهتدون؛ باختيارهم الكفر.
ويحتمل: إنكم لا تقدرون على هداهم إذا لم يهدهم الله؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .
وفي قوله - أيضاً -: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ ﴾ قيل: أن يُسَمَّوْا مهتدين، وقد أظهر الله - - ضلالهم؛ صلة لقوله - -: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ حذرهم عن الاختلاف في التسمية بعد البيان.
وقيل: أن تجعلوهم مهتدين، وقد جعلهم ضالين على نحو قوله - -: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ الآية [القصص: 56]، أَيَّدَنَا تَمَامُ الآية، وأوضح الأول قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ يقول: من أضله الله عن الهدى فلن تجد له سبيلا يهتدي [به] وقيل: دينا، وقيل: مخرجاً، وهو واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ﴾ .
قيل: ود [الذين تركوا] الهجرة، فرجعوا إلى أهلهم ومنازلهم، الذين لهم قال الله: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ - أن تكفروا كما كفروا، أي: تتركون الهجرة وترجعون كما رجعوا منهم؛ فتكونون أنتم وهم سواء؛ شرعاً في الكفر، فسماهم الله كفاراً، وأمرهم بالبراءة منهم؛ فقال: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
بالهجرة الأولى؛ كقوله - -: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ وقال الله - -: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ وكقوله - -: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ ﴾ نهاهم أن يتخذوا أولياء حتى يهاجروا هجرة ثانية إلى المدينة، ويثبتون على ذلك.
هذا على قول من قال: إنهم كانوا هاجروا ثم لحقوا بمكة.
وأما في قول من قال: إنهم كانوا في أهلهم تكلموا بالإسلام فيها ولم يهاجروا - فمعنى هذا: لا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا كما هاجر غيرهم.
وقيل: المهاجرون على طبقات: منهم: من هاجر، وأقام، وسمع، وأطاع، وثبت على ذلك.
ومنهم: من هاجر، ثم خرج من غير إذن رسول الله فلحق بأهله وأبطل هجرته التي هاجر، وإيمانَهُ الذي آمن.
ومنهم: من تكلم بالإسلام، وأقام بأهله، ولم يهاجر، وبه قوة [على] الهجرة؛ كان كذلك.
ومنهم: من تكلم بالإسلام ولم يكن له قوة على الهجرة؛ كانوا مستضعفين، وهو - والله أعلم - ما قال الله: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ ﴾ الآية.
وروي عن ابن عباس - - قال: "كنت أنا وأمي من المستضعفين".
والذين آمنوا ولم يهاجروا ولهم قوة الهجرة ما قال الله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .
وفي قوله - -: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ ﴾ - يحتمل: من أظهر الموافقة من المنافقين للكفرة، ولحق بهم.
ويحتمل: من قد آمن ولم يهاجر؛ فيكون الأول على ولاية الدين، والثاني: على ولاية الميراث؛ كقوله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .
ومن يتأول الآية على إظهار الكفر دون الخروج من المدينة - فمهاجرته تخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون قد انضم فيها إلى معاني الكفرة فيما يترك صحبتهم.
والثاني: أن يهاجر الأعلام المجعولة لأهل النفاق، مما يظهر ذلك فيما امتحنوا به من الأفعال؛ فيظهر خلاف ذلك؛ كقوله: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ ﴾ .
وأبوا الهجرة.
﴿ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .
لأنهم صاروا حرباً لنا؛ حيث تركوا الهجرة وأبطلوا إيمانهم الذي تكلموا به.
﴿ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ .
لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: في لحوق قوم من مظهري الإيمان أنهم لو لحقوا بمن لا ميثاق بينكم وبينهم ولا عهد؛ فاقتلوهم حتى يتوبوا ويهاجروا، ولو لحقوا بأهل الميثاق - لا تدعوا الولاية التي كانت بينكم وبينهم.
والثاني: أن تكون الآية في قوم من الأعداء وأهل الحرب: لو انضموا إلى أهل الميثاق وأهل العهد فلا تقاتلوهم؛ فيكون الأمر عقيب موادعة تجري بين رسول الله وبين قوم في دورهم، على أن لا تمانع بينهم لأهل الاتصال في الزيادة والاجتماع إلى المدة المجعولة للعهد، ممن إذا خيف منهم: ينبذ إليهم العهد، ويوفي إليهم المدة إذا وفوا - والله أعلم - كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ...
﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
تمنَّى المنافقون لو تكفرون بما أنزل عليكم كما كفروا فتكونون مستوين معهم في الكفر، فلا تتخذوا منهم أولياء لعداوتهم حتى يهاجروا في سبيل الله من دار الشرك إلى بلاد الإسلام دلالة على إيمانهم، فإن أعرضوا واستمروا على حالهم فخذوهم واقتلوهم أينما وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم وليًّا يواليكم على أموركم، ولا نصيرًا يعينكم على أعدائكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.GQqXw"
الفاء في قوله تعالى ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ تشعر بارتباط الآية بما قبلها، وزعم بعضهم أن الفاء للاستئناف وهذا لا معنى له، وإنما يخترع الجاهل تعليلات ومعاني لما لا يفهمه فالآية مرتبطة بما قبلها أشد الارتباط إذ الكلام السابق كان في أحكام القتال حتى ما ورد في الشفاعة الحسنة والسيئة، وقد ختمه بقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ إلخ، أي لا إله غيره يخشى ويخاف أو يرجى فتترك تلك الأحكام لأجله، ثم جاء بهذه الآيات موصولة بما قبلها بالفاء وهي تفيد تفريع الاستفهام الإنكاري فيها على ما قبله، أي إذا كان الله تعالى قد أمركم بالقتال في سبيله وتوعد المبطئين عنه والذين تمنوا تأخير كتابته عليهم، وإذا كان لا إله غيره فيترك أمره وطاعته لأجله -فما لكم تترددون في أمر المنافقين وتنقسمون فيهم إلى فئتين.
والمنافقون هنا غير من نزلت فيهم آيات البقرة وسورة المنافقين وأمثالهن من الآيات، المراد بالمنافقين هنا فريق من المشركين كانوا يظهرون المودة للمسلمين والولاء لهم وهم كاذبون فيما يظهرون، ضلعهم مع أمثالهم من المشركين، ويحتاطون في إظهار الولاء للمسلمين إذا رأوا منهم قوة، فإذا ظهر لهم ضعفهم انقلبوا عليهم وأظهروا لهم العداوة.
فكان المؤمنون فيهم على قسمين منهم من يرى أن يعدوا من الأولياء ويستعان بهم على سائر المشركين المحادين لهم جهرًا، ومنهم من يرى أن يعاملوا كما يعامل غيرهم من المجاهرين بالعداوة ممن لا ينافق، فأنكر الله عليهم ذلك وقال: ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ : أي كيف تتفرقون في شأنهم والحال أن الله تعالى أركسهم وصرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشرك والمعاصي حتى أنهم لا ينظرون فيه نظر إنصاف وغنما ينظرون إليكم وما أنتم عليه نظر الأعداء المبطلين ويتربصون بكم الدوائر.
﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ ﴾ أي حتى يؤمنوا ويهاجروا، وكانت الهجرة لازمة للإيمان لزومًا مطردًا، فلذلك استغنى بذكرها عن ذكره إيجازًا.
<div class="verse-tafsir"