الآية ١ من سورة القمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ١ من سورة القمر

ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة القمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة القمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة القمر وهي مكية .

قد تقدم في حديث أبي واقد : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بقاف ، واقتربت الساعة ، في الأضحى والفطر ، وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار ، لاشتمالهما على ذكر الوعد والوعيد وبدء الخلق وإعادته ، والتوحيد وإثبات النبوات ، وغير ذلك من المقاصد العظيمة .

يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها .

كما قال تعالى : ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه [ سبحانه ] ) [ النحل : 1 ] ، وقال : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ) [ الأنبياء : 1 ] وقد وردت الأحاديث بذلك ، قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا حدثنا خلف بن موسى ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب أصحابه ذات يوم ، وقد كادت الشمس أن تغرب فلم يبق منها إلا شف يسير ، فقال : " والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه ، وما نرى من الشمس إلا يسيرا " .

قلت : هذا حديث مداره على خلف بن موسى بن خلف العمي ، عن أبيه .

وقد ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : ربما أخطأ .

حديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره ، قال الإمام أحمد : حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا شريك ، حدثنا سلمة بن كهيل ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - والشمس على قعيقعان بعد العصر ، فقال : " ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من النهار فيما مضى " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين ، حدثنا محمد بن مطرف ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " بعثت والساعة هكذا " .

وأشار بإصبعيه : السبابة والوسطى .

أخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، حدثنا الأعمش ، عن أبي خالد ، عن وهب السوائي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بعثت أنا والساعة كهذه من هذه إن كادت لتسبقها " وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله ، قال : قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فسأله : ماذا سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر به الساعة ؟

فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أنتم والساعة كهاتين " .

تفرد به أحمد ، رحمه الله .

وشاهد ذلك أيضا في الصحيح في أسماء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنه الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا بهز بن أسد ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، حدثنا حميد بن هلال ، عن خالد بن عمير قال : خطب عتبة بن غزوان - قال بهز : وقال قبل هذه المرة - خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " أما بعد ، فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها ، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها ، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم ، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا ، والله لتملؤنه ، أفعجبتم !

والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاما ، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام " وذكر تمام الحديث ، انفرد به مسلم .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني يعقوب ، حدثني ابن علية ، أخبرنا عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ ، فجاءت الجمعة ، فحضر أبي وحضرت معه فخطبنا حذيفة فقال : ألا إن الله يقول : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) ، ألا وإن الساعة قد اقتربت ، ألا وإن القمر قد انشق ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق ، ألا وإن اليوم المضمار ، وغدا السباق ، فقلت لأبي : أيستبق الناس غدا ؟

فقال : يا بني إنك لجاهل ، إنما هو السباق بالأعمال .

ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرنا فخطب حذيفة ، فقال : ألا إن الله عز وجل يقول : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق ، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق ، ألا وإن الغاية النار ، والسابق من سبق إلى الجنة .

وقوله : ( وانشق القمر ) : قد كان هذا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة .

وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال : " خمس قد مضين : الروم ، والدخان ، واللزام ، والبطشة ، والقمر " .

وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أي انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات .

ذكر الأحاديث الواردة في ذلك : رواية أنس بن مالك : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : سأل أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - آية ، فانشق القمر بمكة مرتين ، فقال : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) .

ورواه مسلم ، عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق .

وقال البخاري : حدثني عبد الله بن عبد الوهاب ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ; أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية ، فأراهم القمر شقين ، حتى رأوا حراء بينهما .

وأخرجاه أيضا من حديث يونس بن محمد المؤدب ، عن شيبان ، عن قتادة .

ورواه مسلم أيضا من حديث أبي داود الطيالسي ، ويحيى القطان ، وغيرهما ، عن شعبة ، عن قتادة ، به .

رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن كثير ، حدثنا سليمان بن كثير ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار فرقتين : فرقة على هذا الجبل ، وفرقة على هذا الجبل ، فقالوا : سحرنا محمد .

فقالوا : إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم .

تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه ، وأسنده البيهقي في " الدلائل " من طريق محمد بن كثير ، عن أخيه سليمان بن كثير ، عن حصين بن عبد الرحمن ، [ به ] .

وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين ، به .

ورواه البيهقي أيضا من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم ، كلاهما عن حصين عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، عن جده فذكره .

رواية عبد الله بن عباس [ رضي الله عنهما ] قال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا بكر ، عن جعفر ، عن عراك بن مالك ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : انشق القمر في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ورواه البخاري أيضا ومسلم ، من حديث بكر بن مضر ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عراك [ بن مالك ] ، به مثله .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن مثنى ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) قال : قد مضى ذلك ، كان قبل الهجرة ، انشق القمر حتى رأوا شقيه .

وروى العوفي ، عن ابن عباس نحو هذا .

وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن عمرو البزار ، حدثنا محمد بن يحيى القطعي ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كسف القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : سحر القمر .

فنزلت : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) إلى قوله : ( مستمر ) .

رواية عبد الله بن عمر : قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا : حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا العباس بن محمد الدوري ، حدثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) قال : وقد كان ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انشق فلقتين : فلقة من دون الجبل ، وفلقة من خلف الجبل ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم اشهد " .

وهكذا رواه مسلم ، والترمذي ، من طرق عن شعبة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، به .

قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

رواية عبد الله بن مسعود : قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شقين حتى نظروا إليه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اشهدوا " .

وهكذا رواه البخاري ومسلم ، من حديث سفيان بن عيينة ، به .

وأخرجاه من حديث الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة ، عن ابن مسعود ، به .

وقال ابن جرير : حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي ، حدثنا عمي يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن رجل ، عن عبد الله ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى فانشق القمر ، فأخذت فرقة خلف الجبل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اشهدوا ، اشهدوا " .

قال البخاري : وقال أبو الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله : بمكة .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت قريش : هذا سحر ابن أبي كبشة .

قال : فقالوا : انظروا ما يأتيكم به السفار ، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم .

قال : فجاء السفار فقالوا : ذلك .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا العباس بن محمد الدوري ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا هشيم ، حدثنا مغيرة ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله ، قال : انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين ، فقال كفار قريش أهل مكة : هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة ، انظروا السفار ، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق ، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به .

قال : فسئل السفار ، قال : وقدموا من كل وجهة ، فقالوا : رأيناه .

رواه ابن جرير من حديث المغيرة ، به .

وزاد : فأنزل الله عز وجل : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) .

ثم قال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، أخبرنا أيوب ، عن محمد - هو ابن سيرين - قال : نبئت أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يقول : لقد انشق القمر .

وقال ابن جرير أيضا : حدثني محمد بن عمارة ، حدثنا عمرو بن حماد ، حدثنا أسباط ، عن سماك ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عبد الله قال : لقد رأيت الجبل من فرج القمر حين انشق .

ورواه الإمام أحمد عن مؤمل ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عبد الله ، قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر .

وقال ليث عن مجاهد : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار فرقتين ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر : " اشهد يا أبا بكر " .

فقال المشركون : سحر القمر حتى انشق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) يعني تعالى ذكره بقوله ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) : دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة, وقوله ( اقْتَرَبَتِ ) افتعلت من القُرب, وهذا من الله تعالى ذكره إنذار لعباده بدنوّ القيامة, وقرب فناء الدنيا, وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة قبل هجومها عليهم, وهم عنها في غفلة ساهون.

وقوله ( وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) يقول جلّ ثناؤه: وانفلق القمر, وكان ذلك فيما ذُكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة, قبل هجرته إلى المدينة، وذلك أن كفار أهل مكة سألوه آية, فآراهم صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر, آية حجة على صدق قوله, وحقيقة نبوّته; فلما أراهم أعرضوا وكذبوا, وقالوا: هذا سحر مستمرّ, سحرنا محمد, فقال الله جلّ ثناؤه ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) .

وينحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار, وقال به أهل التأويل.

* ذكر الآثار المروية بذلك, والأخيار عمن قاله من أهل التأويل: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة " أن أنس بن مالك حدثهم أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية, فأراهم انشقاق القمر مرّتين " .

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, قال: سمعت قتادة يحدّث, عن أنس, قال: انشق القمر فرقتين.

حدثنا ابن المثنى والحسن بن أبي يحيى المقدسي, قالا ثنا أبو داود, قال: ثنا شعبة, عن قتادة, قال: سمعت أنسا يقول: " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

حدثني يعقوب الدورقيّ, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: سمعت أنسا يقول: فذكر مثله.

حدثنا عليّ بن سهل, قال: ثنا حجاج بن محمد, عن شعبة, عن قتادة, عن أنس, قال: " انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّتين ".

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا بشر بن المفضل, قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن أنس بن مالك " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية, فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما ".

حدثني أبو السائب, قال: ثنا معاوية, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن أبى معمر, عن عبد الله, قال: " انشقّ القمر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى حتى ذهبت منه فرقة خلف الجبل, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشْهَدُوا ".

حدثني إسحاق بن أبي إسرائيل, قال: ثنا النضر بن شميل المازنيّ, قال: أخبرنا شعبة, عن سليمان, قال: سمعت إبراهيم, عن أبي معمر, عن عبد الله, قال " تفلَّق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين, فكانت فرقة على الجبل, وفرقة من ورائه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُم اشْهَدْ " .

حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل, قال: ثنا النضر, قال: أخبرنا شعبة, عن سليمان, عن مجاهد, عن ابن عمر, مثل حديث إبراهيم في القمر.

حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي, قال: ثني عمي يحيى بن عيسى, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن رجل , عن عبد الله, قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى, فانشقّ القمر, فأخذت فرقة خلق الجبل, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشْهَدُوا ".

حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا عمرو بن حماد, قال: ثنا أسباط, عن سماك, عن إبراهيم, عن الأسود, عن عبد الله, قال: " رأيت الجبل من فرج القمر حين انشقّ".

حدثنا الحسن بن يحيى المقدسي, قال: ثنا يحيى بن حماد, قال: ثنا أبو عوانة, عن المُغيرة, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله, قال: " انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كَبْشة سحركم فسلوا السُّفَّار, فسألوهم, فقالوا: نعم قد رأيناه, فأنـزل الله تبارك وتعالى : ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) .

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله قال: " قد مضى انشقاق القمر ".

حدثني أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق, قال: عبد الله " خمس قد مضين: الدخان, واللزام, والبطشة, والقمر, والروم ".

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن عُلَية, قال: أخبرنا أيوب, عن محمد, قال: نُبِّئت أن ابن مسعود كان يقول: قد انشقَ القمر.

قال: أخبرنا ابن علية, قال: أخبرنا عطاء بن السائب, عن أبي عبد الرحمن السُلَميّ, قال: " نـزلنا المدائن, فكنا منها على فرسخ, فجاءت الجمعة, فحضر أبي, وحضرت معه, فخطبنا حُذيفة, فقال: ألا إن الله يقول ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) ألا وإن الساعة قد اقتربت, ألا وإن القمر قد انشقّ, ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق, ألا وإن اليوم المِضمار, وغدا السباق, فقلت لأبي: أتستبق الناس غدا؟

فقال: يا بنيّ إنك لجاهل, إنما هو السباق بالأعمال, ثم جاءت الجمعة الأخرى, فحضرنا, فخطب حُذيفة, فقال: ألا إن الله تبارك وتعالى يقول ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) ألا وإن الساعة قد أقتربت, ألا وإن القمر قد انشقّ, ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق, ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق, ألا وإن الغاية النار, والسابق من سَبق إلى الجنة ".

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن عطاء بن السائب, عن أبي عبد الرحمن قال: " كنت مع أبي بالمدائن, قال: فخطب أميرهم, وكان عطاء يروي أنه حُذيفة, فقال في هذه الآية : ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) قد اقتربت الساعة وانشقّ القمر, قد اقتربت الساعة وانشق القمر, اليوم المضمار, وغدا السباق, والسابق من سبق إلى الجنة, والغاية النار; قال: فقلت لأبي: غدا السباق, قال: فأخبره ".

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن فضيل, عن حصين, عن محمد بن جبير بن مطعم, عن أبيه, قال: " انشقّ القمر, ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ".

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن خارجة, عن الحصين بن عبد الرحمن, عن ابن جُبَير, عن أبيه ( وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) قال: انشقّ ونحن بمكة.

حدثنا محمد بن عسكر, قال: ثنا عثمان بن صالح وعبد الله بن عبد الحكم, قالا ثنا بكر بن مضر, عن جعفر بن ربيعة, عن عِرَاك, (5) عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة, عن ابن عباس, قال: " انشقّ القمر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

حدثنا نصر بن عليّ, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود بن أبي هند, عن عليّ بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قال: " انشقّ القمر قبل الهجرة, أو قال: قد مضى ذاك ".

حدثنا إسحاق بن شاهين, قال: ثنا خالد بن عبد الله, عن داود, عن علي, عن ابن عباس بنحوه.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن علي, عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) قال: ذاك قد مضى كان قبل الهجرة, انشقّ حتى رأوا شِقيه.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) ...

إلى قوله ( سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) قال: قد مضى, كان قد انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة, فأعرض المشركون وقالوا: سحر مستمرّ.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) قال: رأوه منشقا.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن منصور وليث عن مجاهد ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) قال: انفلق القمر فلقتين, فثبتت فلقة, وذهبت فلقة من وراء الجبل, فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " اشْهَدُوا ".

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن أبي سنان, عن ليث, عن مجاهد " انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فصار فرقتين, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبى بكر: اشْهَدْ يا أبا بَكْرٍ فقال المشركون: سحر القمر حتى انشقّ".

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن أبي سنان, قال: قدم رجل المدائن فقام فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) وإن القمر قد انشقّ, وقد آذنت الدنيا بفراق, اليوم المِضْمار, وغدا السباق, والسابق.

من سبق إلى الجنة, والغاية النار.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) يحدث الله في خلقه ما يشاء.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن أنس, قال: سأل أهل مكة النبيّ صلى الله عليه وسلم آية, فانشقّ القمر بمكة مرّتين, فقال ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) .

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) قد مضى, كان الشقّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة, فأعرض عنه المشركون, وقالوا: سِحْر مستمرّ.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا سلمة, عن عمرو, عن مغيرة, عن إبراهيم, قال: مضى انشقاق القمر بمكة.

---------------------- الهوامش : (5) ضبطه في التاج بوزن كتاب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة القمرمكية كلها في قول الجمهور .

وقال مقاتل : إلا ثلاث آيات من قوله تعالى : أم يقولون نحن جميع منتصر إلى قوله : والساعة أدهى وأمر ولا يصح على ما يأتي .

وهي خمس وخمسون آية .بسم الله الرحمن الرحيماقتربت الساعة وانشق القمرقوله تعالى : اقتربت الساعة وانشق القمر اقتربت : أي قربت مثل أزفت الآزفة على ما بيناه .

فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة ; لأنه قد مضى أكثر الدنيا كما روى قتادة عن أنس قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس تغيب فقال : ما بقي من دنياكم [ ص: 116 ] فيما مضى إلا مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى وما نرى من الشمس إلا يسيرا .

وقال كعب ووهب : الدنيا ستة آلاف سنة .

قال وهب : قد مضى منها خمسة آلاف سنة وستمائة سنة ؛ ذكره النحاس .ثم قال تعالى : وانشق القمر أي وقد انشق القمر .

وكذا قرأ حذيفة " اقتربت الساعة وقد انشق القمر " بزيادة " قد " وعلى هذا الجمهور من العلماء ; ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن مسعود وابن عمر وأنس وجبير بن مطعم وابن عباس رضي الله عنهم .

وعن أنس قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية ، فانشق القمر بمكة مرتين فنزلت : اقتربت الساعة وانشق القمر إلى قوله : سحر مستمر يقول ذاهب قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

ولفظ البخاري عن أنس قال : انشق القمر فرقتين .

وقال قوم : لم يقع انشقاق القمر بعد وهو منتظر ; أي : اقترب قيام الساعة وانشقاق القمر ; وأن الساعة إذا قامت انشقت السماء بما فيها من القمر وغيره .

وكذا قال القشيري .

وذكر الماوردي : أن هذا قول الجمهور ، وقال : لأنه إذا انشق ما بقي أحد إلا رآه ; لأنه آية والناس في الآيات سواء .

وقال الحسن : اقتربت الساعة فإذا جاءت انشق القمر بعد النفخة الثانية .

وقيل : وانشق القمر أي وضح الأمر وظهر ; والعرب تضرب بالقمر مثلا فيما وضح ; قال :أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى حي سواكم لأميل فقد حمت الحاجات والليل مقمروشدت لطيات مطايا وأرحلوقيل : انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها ، كما يسمى الصبح فلقا ; لانفلاق الظلمة عنه .وقد يعبر عن انفلاقه بانشقاقه كما قال النابغة : [ ص: 117 ] فلما أدبروا ولهم دوي دعانا عند شق الصبح داعقلت : وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة ، وهو ظاهر التنزيل ، ولا يلزم أن يستوي الناس فيها ; لأنها كانت آية ليلية ; وأنها كانت باستدعاء النبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى عند التحدي .

فروي أن حمزة بن عبد المطلب حين أسلم غضبا من سب أبي جهل الرسول صلى الله عليه وسلم طلب أن يريه آية يزداد بها يقينا في إيمانه .

وقد تقدم في الصحيح أن أهل مكة هم الذين سألوا وطلبوا أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر فلقتين كما في حديث ابن مسعود وغيره .

وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال : ألا إن الساعة قد اقتربت ، وأن القمر قد انشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم .

وقد قيل : هو على التقديم والتأخير ، وتقديره انشق القمر واقتربت الساعة ; قاله ابن كيسان .

وقد مر عن الفراء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدم وتؤخر عند قوله تعالى : ثم دنا فتدلى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن الساعة وهي القيامة اقتربت وآن أوانها، وحان وقت مجيئها، ومع ذلك، فهؤلاء المكذبون لم يزالوا مكذبين بها، غير مستعدين لنزولها، ويريهم الله من الآيات العظيمة الدالة على وقوعها ما يؤمن على مثله البشر، فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على صحة ما جاء به و صدقه، أشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر بإذن الله تعالى، فانشق فلقتين، فلقة على جبل أبي قبيس، وفلقة على جبل قعيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية الكبرى الكائنة في العالم العلوي، التي لا يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( اقتربت الساعة ) دنت القيامة ( وانشق القمر ) .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب ، أخبرنا بشر بن المفضل ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما .

وقال شيبان عن قتادة : فأراهم انشقاق القمر مرتين .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرقتين ، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اشهدوا " .

وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال : انشق القمر بمكة .

وقال مقاتل : انشق القمر ثم التأم بعد ذلك .

وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال : [ انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ] فقالت قريش : سحركم ابن أبي كبشة ، فاسألوا السفار ، فسألوهم فقالوا : نعم قد رأيناه ، فأنزل الله - عز وجل - : " اقتربت الساعة وانشق القمر " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«اقتربت الساعة» قربت القيامة «وانشق القمر» انفلق فلقتين على أبي قبيس وقيقعان آية له صلى الله عليه وسلم وقد سئلها فقال (اشهدوا) رواه الشيخان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

دنت القيامة، وانفلق القمر فلقتين، حين سأل كفار "مكة" النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فدعا الله، فأراهم تلك الآية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت السورة الكريمة بهذا الافتتاح الذى يبعث فى النفوس الرهبة والخشية ، فهو يخبر عن قرب انقضاء الدنيا وزوالها .إذ قوله - تعالى - : ( اقتربت الساعة ) أى : قرب وقت حلول الساعة ، ودنا زمان قيامها .والساعة فى الأصل : اسم لمدار قليل من الزمان غير معين ، وتحديدها بزمن معين اصطلاح عرفى ، وتطلق فى عرف الشرع على يوم القيامة .وأطلق على يوم القيامة يوم الساعة ، لوقوعه بغتة ، أو لسرعة ما فيه من الحساب ، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله - تعالى - .وقد وردت أحاديث كثيرة ، تصرح بأن ما مضى من الدنيا كثير بالنسبة لما بقى منها ، ومن هذه الأحاديث ما رواه البزار عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " خطب أصحابه ذات يوم ، وقد كادت الشمس أن تغرب .

.

فقال : " والذي نفسى بيده ما بقى من الدنيا فيما مضى منها ، إلا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه " " .وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " بعثت أنا والساعة هكذا " وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى .وشبيه بهذا الافتتاح قوله - تعالى - : فى مطلع سورة الأنبياء : ( اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ) وقوله - سبحانه - فى افتتاح سورة النحل : ( أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) والمقصود من هذا الافتتاح المتحدث عن قرب يوم القيامة ، تذكير الناس بأهوال هذا اليوم ، وحضهم على حسن الاستعداد لاستقباله عن طريق الإيمان والعمل الصالح .وقوله - تعالى - : ( وانشق القمر ) معطوف على ما قبله عطف جملة على جملة .وقوله : ( وانشق ) من الانشقاق بمعنى الافتراق والانفصال .أى : اقترب وقت قيام الساعة ، وانفصل وانفلق القمر بعضه عن بعض فلقتين ، معجزة للنبى - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ذلك بمكة قبل هجرته - صلى الله عليه وسلم - بنحو خمس سنين ، وقد رأى هذا الانشقاق كثير من الناس .وقد ذكر المفسرون كثيرا من الأحاديث فى هذا الشأن ، وقد بلغت الأحاديث مبلغ التواتر المعنوى .قال الإمام ابن كثير : وهذا أمر متفق عليه بين العلماء - أى : انشقاق القمر- ، فقد وقع فى زمان النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات .ثم ذكر - رحمه الله - جملة من الأحاديث التى وردت فى ذلك ، ومنها ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك قال : سأل أهل مكة النبى - صلى الله عليه وسلم - آية ، فانشق القمر بمكة مرتين ، فقال : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) .وأخرج الإمام أحمد عن جبير بن مطعم عن أبيه قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار فلقتين : فلقة على هذا الجبل وفلقة على هذا الجبل .فقالوا : سحرنا محمد ، فقالوا : إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم .وروى الشيخان عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شقتين ، حتى نظروا إليه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اشهدوا " .وقال الآلوسى : بعد أن ذكر عددا من الأحاديث فى هذا الشأن : والأحاديث الصحيحة فى الانشقاق كثيرة ، واختلف فى تواتره ، فقيل : هو غير متواتر : وفى شرح المواقف أنه متواتر .

وهو الذى اختاره العلامة السبكى ، فقد قال : الصحيح عندى أن انشقاق القمر متواتر ، منصوص عليه فى القرآن ، مروى فى الصحيحين وغيرهما من طرق شتى ، لا يمترى فى تواتره .وقد جاءت أحاديثه فى روايات صحيحة ، عن جماعة من الصحابة ، منهم عل بن أبى طالب ، وأنس ، وابن مسعود .

.ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر شبهات المنكرين لحادث الانشقاق : والحاصل أنه ليس عند المنكر سوى الاستبعاد ، ولا يستطيع أن يأتى بدليل على الاستحالة الذاتية ولو انشق ، والاستبعاد فى مثل هذه المقامات قريب من الجنون .

عند من له عقل سليم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أول السورة مناسب لآخر ما قبلها، وهو قوله: ﴿ أَزِفَتِ الآزفة  ﴾ فكأنه أعاد ذلك مع الدليل، وقال قلت: ﴿ أَزِفَتِ الآزفة ﴾ وهو حق، إذ القمر انشق، والمفسرون بأسرهم على أن المراد أن القمر انشق، وحصل فيه الانشقاق، ودلت الأخبار على حديث الانشقاق، وفي الصحيح خبر مشهور رواه جمع من الصحابة، وقالوا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الانشقاق بعينها معجزة، فسأل ربه فشقه ومضى، وقال بعض المفسرين المراد سينشق، وهو بعيد ولا معنى له، لأن من منع ذلك وهو الفلسفي يمنعه في الماضي والمستقبل، ومن يجوزه لا حاجة إلى التأويل، وإنما ذهب إليه ذلك الذاهب، لأن الانشقاق أمر هائل، فلو وقع لعم وجه الأرض فكان ينبغي أن يبلغ حد التواتر، نقول: النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يتحدى بالقرآن، وكانوا يقولون: إنا نأتي بأفصح ما يكون من الكلام، وعجزوا عنه، فكان القرآن معجزة باقية إلى قيام القيامة لا يتمسك بمعجزة أخرى فلم ينقله العلماء بحيث يبلغ حد التواتر.

وأما المؤرخون فتركوه، لأن التواريخ في أكثر الأمر يستعملها المنجم، وهو لما وقع الأمر قالوا: بأنه مثل خسوف القمر، وظهور شيء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر فتركوا حكايته في تواريخهم، والقرآن أدل دليل وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه، وحديث امتناع الخرق والالتئام حديث اللئام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السموات، وذكرناه مراراً فلا نعيده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

انشقاق القمر من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته النيرة.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر مرتين.

وكذا عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، قال ابن عباس: انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.

وعن بعض الناس: أن معناه ينشق يوم القيامة.

وقوله: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ يردّه، وكفى به رادّاً، وفي قراءة حذيفة ﴿ وقد انشق القمر ﴾ أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه.

وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم.

مستمر: دائم مطرد، وكل شيء قد انقادت طريقته ودامت حاله، قيل فيه: قد استمرّ.

لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات: قالوا: هذا سحر مستمرّ.

وقيل: مستمرّ قوي محكم، من قولهم: استمر مريره.

وقيل: هو من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته، أي: مستبشع عندنا، مرّ على لهواتنا، لا نقدر أن نسيغه كما لا يساغ المر الممقر.

وقيل: مستمر مارّ، ذاهب يزول ولا يبقى، تمنية لأنفسهم وتعليلاً.

وقرئ: ﴿ وإن يروا ﴾ ﴿ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ أي كل أمر لابد أن يصير إلى غاية يستقرّ عليها، وإن أمر محمد سيصير إلى غاية يتبين عندها أنه حق، أو باطل وسيظهر لهم عاقبته.

أو وكل أمر من أمرهم وأمره مستقر، أي: سيثبت ويستقر على حالة خذلان أو نصرة في الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة.

وقرئ: بفتح القاف، يعني ﴿ كل أمر ذو مستقرّ ﴾ أي: ذو استقرار.

أو ذو موضع استقرار أو زمان استقرار.

وعن أبي جعفر؛ ﴿ مستقر ﴾ ، بكسر القاف والجرّ عطفاً على الساعة، أي: اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر يستقر ويتبين حاله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ القَمَرِ مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  آيَةً فانْشَقَّ القَمَرُ.

وَقِيلَ: مَعْناهُ سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ «وَقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ» أيِ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وقَدْ حَصَلَ مِن آياتِ اقْتِرابِها انْشِقاقُ القَمَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ عَنْ تَأمُّلِها والإيمانِ بِها.

﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ مُطَّرِدٌ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهم رَأوْا قَبْلَهُ آياتٍ أُخَرَ مُتَرادِفَةً ومُعْجِزاتٍ مُتَتابِعَةً حَتّى قالُوا ذَلِكَ، أوْ مُحْكَمٌ مِنَ المَرَّةِ يُقالُ: أمْرَرْتُهُ فاسْتَمَرَّ إذا أحْكَمْتَهُ فاسْتَحْكَمَ، أوْ مُسْتَبْشَعٌ مِنِ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا اشْتَدَّتْ مَرارَتُهُ أوْ مارٌّ ذاهِبٌ لا يَبْقى.

﴿ وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِن رَدِّ الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وذِكْرُهُما بِلَفْظِ الماضِي لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما مَن عادَتِهِمُ القَدِيمَةِ.

وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ مِن خِذْلانٍ أوْ نَصْرٍ في الدُّنْيا وشَقاوَةٍ، أوْ سَعادَةٍ في الآخِرَةِ فَإنَّ الشَّيْءَ إذا انْتَهى إلى غايَتِهِ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْ ذُو مُسْتَقَرٍّ بِمَعْنى اسْتِقْرارٍ وبِالكَسْرِ والجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ أمْرٍ، وكُلُّ مَعْطُوفٌ عَلى السّاعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإن يروا} يعنى اهل مكة {آية} تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم {يُعْرِضُواْ} عن الإيمان به {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} محكم قوي من المرة القوة أو دائم مطرد أو مار ذاهب يزول ولا يبقى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ القَمَرِ وتُسَمّى أيْضًا ( اقْتَرَبَتْ ) وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَّةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَسْوَدُّ الوُجُوهُ، أخْرَجَهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ لَكِنْ قالَ: إنَّهُ مُنْكَرٌ «وهِيَ مَكِّيَّةٌ» في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿ أمْ يَقُولُونَ ﴾ إلى ﴿ وأمَرُّ  ﴾ واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى اسْتِثْناءِ ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ  ﴾ إلَخْ، ورُدَّ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ » «وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ ؟

فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ وانْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ نَظَرْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  في آثارِهِمْ مُصْلَتًا بِالسَّيْفِ وهو يَقُولُ: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ فَكانَتْ لِيَوْمِ بَدْرٍ» .

وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ وإنِّي لَجارِيَةٌ ألْعَبُ ﴿ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ  ﴾ »» ويُرَدُّ بِهِ وبِما قَبْلَهُ ما حُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أيْضًا، وقِيلَ: إلّا ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ  ﴾ الآيَتَيْنِ وآيُها خَمْسٌ وخَمْسُونَ بِالإجْماعِ، ومُناسَبَةُ أوَّلُها لِآخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ظاهِرَةٌ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ثُمَّ ﴿ أزِفَتِ الآزِفَةُ  ﴾ وهُنا ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ  ﴾ وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: لا يَخْفى ما في تَوالِي هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مِن حُسْنِ التَّناسُقِ لِلتَّناسُبِ في التَّسْمِيَةِ لِما بَيْنَ - النَّجْمِ، والقَمَرِ - مِنَ المُلابَسَةِ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ بَعْدَ تِلْكَ - كالأعْرافِ بَعْدَ الأنْعامِ، وكالشُّعَراءِ بَعْدَ الفُرْقانِ، وكالصّافّاتِ بَعْدَ يس - في أنَّها تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الأُمَمِ المُشارِ إلى إهْلاكِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ ﴿ وثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ ﴿ وقَوْمَ نُوحٍ  ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى  ﴾ .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ﴾ أيْ قَرُبَتْ جِدًّا ﴿ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ انْفَصَلَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ وصارَ فِرْقَتَيْنِ وذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ فَقَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وابْنِ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شَقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءَ بَيْنَهُما» .

وخَبَرُ أبِي نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ سَألُوا آيَةً فَأراهُمُ اللَّهُ تَعالى القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ -» لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ««انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ عَلى الجَبَلِ وفِرْقَةٌ دُونَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : اشْهَدُوا»» ومِن حَدِيثِهِ أيْضًا ««انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا سِحْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ فَقالَ رَجُلٌ: انْتَظِرُوا ما يَأْتِيكم بِهِ السُّفّارُ فَإنَّ مُحَمَّدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم فَجاءَ السُّفّارُ فَأخْبَرُوهم بِذَلِكَ»» رَواهُ أبُو داوُدَ.

والطَّيالِسِيُّ.

وفِي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ ««فَسَألُوا السُّفّارَ وقَدْ قَدِمُوا مِن كُلِّ وجْهٍ فَقالُوا: رَأيْناهُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ » .

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن وجْهٍ ضَعِيفٍ قالَ: ««اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلِ بْنِ هِشامٍ والعاصِ بْنُ وائِلٍ والعاصِ بْنُ هِشامٍ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ ورَبِيعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ فَقالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ نِصْفًا عَلى أبِي قُبَيْسٍ ونِصْفًا عَلى قَيْنُقاعَ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ  : «إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُوا ؟

قالُوا: نَعَمْ وكانَتْ لَيْلَةَ بَدْرٍ فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُعْطِيَهُ ما سَألُوا فَأمْسى القَمَرُ قَدْ مَثُلَ نِصْفًا عَلى أبِي قُبَيْسٍ ونِصْفًا عَلى قَيْنُقاعَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُنادِي يا أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الأسَدِ والأرْقَمُ بْنُ الأرْقَمِ اشْهَدُوا»» .

والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في الِانْشِقاقِ كَثِيرَةٌ، واخْتُلِفَ في تَواتُرِهِ فَقِيلَ: هو غَيْرُ مُتَواتِرٍ، وفي شَرْحِ المَواقِفِ الشَّرِيفِيِّ أنَّهُ مُتَواتِرٌ وهو الَّذِي اخْتارَهُ العَلّامَةُ ابْنُ السُّبْكِيِّ قالَ في شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ مُتَواتِرٌ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في القُرْآنِ مَرْوِيٌّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن طُرُقٍ شَتّى بِحَيْثُ لا يُمْتَرى في تَواتُرِهِ انْتَهى بِاخْتِصارٍ، وقَدْ جاءَتْ أحادِيثُهُ في رِواياتٍ صَحِيحَةٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأنَسٌ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةُ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ وابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهم، نَعَمْ إنَّ مِنهم مَن لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ كابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا إذْ ذاكَ وكَأنَسٍ فَإنَّهُ كانَ ابْنَ أرْبَعٍ أوْ خَمْسٍ بِالمَدِينَةِ، وهَذا لا يَطْعَنُ في صِحَّةِ الخَبَرِ كَما لا يَخْفى، ووَقَعَ في رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ««كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمِنًى فانْشَقَّ القَمَرُ»» ولا يُعارِضُ ما صَحَّ عَنْ أنَسٍ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَكَّةَ لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ لَيْلَتَئِذٍ بِمَكَّةَ، فالمُرادُ أنَّ الِانْشِقاقَ كانَ والنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ ذاكَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ إلى المَدِينَةِ، ووَقَعَ في نَظْمِ السِّيرَةِ لِلْحافِظِ أبِي الفَضْلِ العِراقِيِّ ما هو نَصٌّ في وُقُوعِ الِانْشِقاقِ مَرَّتَيْنِ.

وظاهِرٌ في أنَّهُ مُجْمَعٌ عَلى وُقُوعِهِ كَذَلِكَ حَيْثُ قالَ: وانْشَقَّ مَرَّتَيْنِ بِالإجْماعِ، وكَأنَّ مُسْتَنَدَ الأوَّلِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًّا شَقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحَدِيثَ، وأمّا الإجْماعُ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وفي المَواهِبِ قالَ الحافِظُ بْنُ حَجَرٍ: أظُنُّ أنَّ قَوْلَهُ: بِالإجْماعِ يَتَعَلَّقُ - بِانْشَقَّ - لا بِمَرَّتَيْنِ فَإنِّي لا أعْلَمُ مَن جَزَمَ مِن عُلَماءِ الحَدِيثِ بِتَعَدُّدِ الِانْشِقاقِ في زَمَنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَعَلَّ قائِلَ مَرَّتَيْنِ أرادَ فِرْقَتَيْنِ، وهَذا الَّذِي لا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ جَمْعًا بَيْنَ الرِّواياتِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ مَعَ بُعْدِهِ لا يَتَسَنّى في خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ المَذْكُورِ آنِفًا لِمَكانِ شَقَّتَيْنِ وهي بِمَعْنى فِرْقَتَيْنِ ومَرَّتَيْنِ مَعًا، والَّذِي عِنْدِي في تَأْوِيلِ ذَلِكَ أنَّ مَرَّتَيْنِ في كَلامِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَيْدٌ لِلرُّؤْيَةِ وتَعَدُّدُها لا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الِانْشِقاقِ بِأنْ يَكُونَ رَآهُ مُنْشَقًّا فَصَرَفَ نَظَرَهُ عَنْهُ ثُمَّ أعادَهُ فَرَآهُ كَذَلِكَ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ رُؤْيَةٌ لا شُبْهَةَ فِيها وقَدْ فَعَلَ نَحْوَ ذَلِكَ الكَفَرَةُ، أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْتَهى أهْلُ مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: هَلْ مِن آيَةٍ نَعْرِفُ بِها أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟

فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يَجْتَمِعُوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرَوْا آيَةً فَأخْبَرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَقالَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجُوا لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ فانْشَقَّ القَمَرُ نِصْفَيْنِ نِصْفًا عَلى الصَّفا ونِصْفًا عَلى المَرْوَةِ فَنَظَرُوا ثُمَّ قالُوا بِأبْصارِهِمْ فَمَسَحُوها ثُمَّ أعادُوا النَّظَرَ فَنَظَرُوا ثُمَّ مَسَحُوا أعْيُنَهم ثُمَّ نَظَرُوا فَقالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ » فَلَوْ قالَ أحَدُ هَؤُلاءِ رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًّا ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى مَعْنى تَعَدُّدِ الرُّؤْيَةِ صَحَّ بِلا غُبارٍ ولَمْ يَقْتَضِ تَعَدُّدَ الِانْشِقاقِ فَلْيُخَرَّجْ كَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلى هَذا الطَّرْزِ لِيُجْمَعَ بَيْنَ الرِّواياتِ، ثُمَّ هَذا الحَدِيثُ إنْ صَحَّ كانَ دَلِيلًا لِما أشارَ إلَيْهِ البُوصَيْرِيُّ في قَوْلِهِ: شُقَّ عَنْ صَدْرِهِ وشُقَّ لَهُ البَدْ رُ ومِن شَرْطِ كُلِّ شَرْطٍ جَزاءُ مِن أنَّ الشَّقَّ كانَ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ لِأنَّ البَدْرَ هو القَمَرُ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ ما في قَوْلِ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ الهَيْتَمِيِّ في شَرْحِهِ: ظاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالبَدْرِ دُونَ القَمَرِ أنَّ الشَّقَّ كانَ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ ولَمْ أرَ لَهُ في ذَلِكَ سَلَفًا، ولَعَلَّهُ أرادَ بِالبَدْرِ مُطْلَقَ القَمَرِ، ويُؤَيِّدُ كَوْنُهُ لَيْلَةَ البَدْرِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَسَفَ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: سُحِرَ القَمَرُ فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ﴾ إلى ﴿ مُسْتَمِرٌّ ﴾ » فَإنَّ الكُسُوفَ وإنْ جازَ عادَةً أنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ ولَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ إلّا أنَّ الأغْلَبَ كَوْنُهُ لَيْلَةَ الرّابِعِ عَشَرَ ولا ضَرُورَةَ إلى حَمْلِ الكُسُوفِ في هَذا الخَبَرِ عَلى الِانْشِقاقِ إذْ لا مانِعَ كَما في البِدايَةِ والنِّهايَةِ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لِلْقَمَرِ مَعَ انْشِقاقِهِ كُسُوفٌ، نَعَمْ ذَكَرَ فِيها أنَّ سِياقَ الخَبَرِ غَرِيبٌ.

ثُمَّ إنَّ القَمَرَ بَعْدَ انْشِقاقِهِ لَمْ تُفارِقْ قِطْعَتاهُ السَّماءَ بَلْ بَقِيَتا فِيها مُتَباعِدَتَيْنِ تَباعُدًا ما لَحْظَةً ثُمَّ اتَّصَلَتا، وما يَذْكُرُهُ بَعْضُ القُصّاصِ مِن أنَّهُ دَخَلَ في جَيْبِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخَرَجَ مِن كُمِّهِ فَباطِلٌ لا أصْلَ لَهُ كَما حَكاهُ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ شَيْخِهِ العِمادِ بْنِ كَثِيرٍ ولَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى مَن وضَعَهُ.

وما في خَبَرِ أبِي نُعَيْمٍ - الَّذِي أخْرَجَهُ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ انْشَقَّ فَصارَ قَمَرَيْنِ أحَدُهُما عَلى الصَّفا والآخَرُ عَلى المَرْوَةِ قَدْرَ ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ثُمَّ غابَ - لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، كَيْفَ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الخَبَرُ أنَّ الِانْشِقاقَ وقَعَ لِطَلَبِ أحْبارِ اليَهُودِ وأنَّ القائِلَ (هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) هم، وهو مُخالِفٌ لِما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرَةُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وقَدْ شاعَ ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشارَ إلى القَمَرِ بِسَبّابَتِهِ الشَّرِيفَةِ فانْشَقَّ»» ولَمْ أرَهُ في خَبَرٍ صَحِيحٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وأنْكَرَ الفَلاسِفَةُ أصْلَ الِانْشِقاقِ بِناءً عَلى زَعْمِهِمُ اسْتِحالَةَ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ ودَلِيلُهم عَلى ذَلِكَ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ وقَدْ خُرِقَ بِأدْنى نَسَمَةٍ مِن نَسَماتِ أفْكارِ أهْلِ الحَقِّ العُلْوِيِّينَ خَرْقًا لا يَقْبَلُ الِالتِئامَ كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وقالَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ: لَوْ وقَعَ لَنُقِلَ مُتَواتِرًا واشْتَرَكَ أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم في مَعْرِفَتِهِ ولَمْ يَخْتَصَّ بِها أهْلُ مَكَّةَ لِأنَّهُ أمْرٌ مَحْسُوسٌ مُشاهَدٌ والنّاسُ فِيهِ شُرَكاءُ والطِّباعُ حَرِيصَةٌ عَلى رِوايَةِ الغَرِيبِ ونَقْلِ ما لَمْ يُعْهَدْ، ولا أغْرَبَ مِنَ انْشِقاقِ هَذا الجِرْمِ العَظِيمِ ولَمْ يُعْهَدْ أصْلًا في الزَّمَنِ القَدِيمِ ولَوْ كانَ لَهُ أصْلٌ لَخُلِّدَ أيْضًا في كُتُبِ التَّسْيِيرِ والتَّنْجِيمِ ولَذَكَرَهُ أهْلُ الإرْصادِ فَقَدْ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَعْثَةِ بِكَثِيرٍ وإطْباقُهم عَلى تَرْكِهِ وإغْفالِهِ مَعَ جَلالَةِ شَأْنِهِ ووُضُوحِ أمْرِهِ مِمّا لا تُجَوِّزُهُ العادَةُ، وأيْضًا لا يُعْقَلُ سَبَبٌ لِخَرْقِ هَذا الجِرْمِ العَظِيمِ وأيْضًا خَرْقُهُ يُوجِبُ صَوْتًا هائِلًا أشَدَّ مِن أصْواتِ الصَّواعِقِ المُهْلِكَةِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ لا يَبْعُدُ هَلاكُ أكْثَرِ أهْلِ الأرْضِ مِنهُ، وأيْضًا مَتى خُرِقَ وصارَ قِطْعَتَيْنِ ذَهَبَتْ مِنهُ قُوَّةُ التَّجاذُبِ كالجَبَلِ إذا انْشَقَّ فَيَلْزَمُ بَقاؤُهُ مُنْشَقًّا ولا أقَلَّ مِن أنْ يَبْقى كَذَلِكَ سِنِينَ كَثِيرَةً والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ في اللَّيْلِ وزَمانِ الغَفْلَةِ وكانَ في زَمانٍ قَلِيلٍ ورُؤْيَةُ القَمَرِ في بَلَدٍ لا تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهُ في جَمِيعِ البِلادِ ضَرُورَةَ اخْتِلافِ المَطالِعِ فَقَدْ يَكُونُ القَمَرُ طالِعًا عَلى قَوْمٍ غائِبًا عَنْ آخَرِينَ ومَكْسُوفًا عِنْدَ قَوْمٍ غَيْرَ مَكْسُوفٍ عِنْدَ آخَرِينَ والِاعْتِناءُ بِأمْرِ الإرْصادِ لَمْ يَكُنْ بِمَثابَتِهِ اليَوْمَ وغَفْلَةُ أهْلِها لَحْظَةً غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ والِانْشِقاقُ لا تَخْتَلِفُ بِهِ مَنازِلُهُ ولا يَتَغَيَّرُ بِهِ سَيْرُهُ غايَةَ ما في البابِ أنْ يَحْدُثَ في القِطْعَةِ الشَّرْقِيَّةِ قُوَّةُ سَيْرٍ لِتَلْحَقَ أُخْتَها الغَرْبِيَّةَ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ السُّرْعَةِ نَحْوَ ما خَلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في ضَوْءِ الشَّمْسِ فَقَدْ قالَ أهْلُ الحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ: إنَّ بَيْنَ الأرْضِ والشَّمْسِ ثَلاثَمِائَةِ ألْفِ فَرْسَخٍ وأرْبَعُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ وإنَّ ضَوْءَها لَيَصِلُ إلى الأرْضِ في مُدَّةِ ثَمانِ دَقائِقَ وثَلاثَ عَشْرَةَ ثانِيَةً فَيَقْطَعُ الضَّوْءُ في كُلِّ ثانِيَةٍ سَبْعِينَ ألْفَ فَرْسَخٍ ولا يَلْزَمُ أنْ يُعْلَمَ سَبَبُ كُلِّ حادِثٍ بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الحَوادِثِ المُتَكَرِّرَةِ المُشاهَدَةِ لَمْ يُوقَفْ عَلى أسْبابِها كَرُؤْيَةِ الكَواكِبِ قَرِيبَةً مَعَ بُعْدِها المُفْرِطِ فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّهم لَمْ يَقِفُوا عَلى سَبَبِهِ ويَكْفِي في ذَلِكَ عَدَمُ وُقُوفِهِمْ عَلى سَبَبِ الإبْصارِ بِالعَيْنِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَوْ أخْبَرَهم مُخْبِرٌ بِفَرْضٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم إبْصارٌ بِخَواصِّ البَصَرِ مَعَ كَوْنِهِ قِطْعَةَ شَحْمٍ صَغِيرَةً مَعْرُوفَةً أحْوالُها عِنْدَ أهْلِ التَّشْرِيحِ لَأنْكَرُوا عَلَيْهِ غايَةَ الإنْكارِ وكَذَّبُوهُ غايَةَ التَّكْذِيبِ ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ.

ومَن سَلَّمَ تَأْثِيرَ النُّفُوسِ إلى حَدِّ أنْ يَصْرَعَ الشَّخْصُ آخَرَ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلَيْهِ وتَوْجِيهِ نَفْسِهِ نَحْوَهُ لَمْ يَسْتَبْعِدْ أنْ يَكُونَ هُناكَ سَبَبٌ نَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ صَحَّ في إصابَةِ العَيْنِ أنَّ بَعْضَ الأعْرابِ مِمَّنْ لَهُ عَيْنٌ صائِبَةٌ يَفْلِقُ سَنامَ النّاقَةِ فِلْقَتَيْنِ، ورُبَّما تُصَوَّرُ لَهُ مِن رَمْلٍ فَيَنْظُرُ إلَيْهِ ويَفْلِقُهُ فَيَنْفَلِقُ سَنامُها مَعَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ لَها نَفْسِها وهَذا كُلُّهُ مِن بابِ المُماشاةِ وإلّا فَإرادَةُ اللَّهِ تَعالى كافِيَةٌ في الِانْشِقاقِ وكَذا في كُلِّ المُعْجِزاتِ وخَوارِقِ العاداتِ ولَوْ كانَ لِكُلِّ حادِثٍ سَبَبٌ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى بُطْلانِهِ، وكَوْنُ الخَرْقِ يُوجِبُ صَوْتًا هائِلًا مَمْنُوعٌ فِيما نَحْنُ فِيهِ ومِثْلُهُ ذَهابُ التَّجاذُبِ والأجْسامُ مُخْتَلِفَةٌ مِن حَيْثُ الخَواصِّ فَلا يَلْزَمُ اتِّحادُ جِرْمِ القَمَرِ والأرْضِ فِيها ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إحْدى القِطْعَتَيْنِ كالجَبَلِ العَظِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ إذا ارْتَفَعَ عَنْها بِقاسِرٍ مَثَلًا جَذَبَتْهُ إلَيْهِ إذا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ جَذْبِها عَلى ما زَعَمُوهُ ويَلْتَزِمُ في تِلْكَ القِطْعَةِ عَدَمُ الخُرُوجِ عَنْ حَدِّ الجَذْبِ عَلى أنّا في غِنًى عَنْ كُلِّ ذَلِكَ أيْضًا بَعْدَ إثْباتِ الإمْكانِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ سُبْحانَهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ.

والحاصِلُ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ المُنْكِرِ سِوى الِاسْتِبْعادِ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ عَلى الِاسْتِحالَةِ الذّاتِيَّةِ ولَوِ انْشَقَّ، والِاسْتِبْعادُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ قَرِيبٌ مِنَ الجُنُونِ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هَذا الِانْشِقاقُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا، ويُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ قِراءَةُ حُذَيْفَةَ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ فَإنَّ الجُمْلَةَ عَلَيْها حالِيَّةٌ فَتَقْتَضِي المُقارَنَةَ لِاقْتِرابِ السّاعَةِ ووُقُوعِ الِانْشِقاقِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي خمسون وخمس آيات مكية قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ يعني: دنا قيام الساعة، لأن خروج النبيّ  كان من علامات الساعة وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله  علامة لنبوته، فانشق القمر نصفين.

وروي عن عبد الله بن مسعود-  - أنه قال: كنا مع رسول الله  : فانشق القمر نصفين، فرأيت حراء بين فلقتي القمر، أي: شقتي القمر.

وعن جبير بن مطعم قال: انشق القمر ونحن مع رسول الله  بمكة.

وروى قتادة، عن أنس قال: سأل أهل مكة رسول الله  آية فانشق القمر بمكة.

وقال بعضهم: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ يعني: تقوم الساعة، وينشق القمر يوم القيامة.

وأكثر المفسرين قالوا: إن هذا قد مضى.

وقال عبد الله بن مسعود: ما وعد الله ورسوله من أشراط الساعة كلها قد مضى، إلا أربعة طلوع الشمس من مغربها، ودابة الأرض، وخروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج.

ثم قال: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا يعني: إذا رأوا آية من آيات الله مثل انشقاق القمر، يعرضوا عنها، ولا يتفكروا فيها.

وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يعني: مصنوعاً.

سيذهب.

ويقال: معناه ذاهباً يذهب، ثم التئام القمر.

ويقال القتبي: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يعني: شديد القوى، وهو من المرة، وهو القتل.

وقال الزجاج: في مستمر قولان: قول ذاهب، وقول دائم.

وقال الضحاك: لما رأى أهل مكة انشقاق القمر.

وقال أبو جهل: هذا سحر مستمر فابعثوا إلى أهل الآفاق، حتى ينظروا إذا رأوا القمر منشقاً أم لا.

فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقاً، قالوا: هذا سحر مستمر يعني: استمر سحره في الآفاق.

قوله عز وجل: وَكَذَّبُوا يعني: كذبوا بالآية، وبقيام الساعة.

وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ في عبادة الأصنام وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ يعني: كل قول من الله له حقيقة منه في الدنيا سيظهر، وما كان منه في الآخرة سيعرف.

يعني: ما وعد لهم من العقوبة.

ويقال: معناه مستقر لأهل النار عملهم، ولأهل الجنة عملهم.

يعني: يعطي لكل فريق جزاء أعمالهم.

ثم قال: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ يعني: جَاء لأهل مكة من الأخبار عن الأمم الخالية مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ يعني: ما فيه موعظة لهم، وزجر عن الشرك، والمعاصي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «القمر»

وهي مكّيّة بإجماع إلّا آية واحدة، قوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ...

الآية.

ففيها خلاف، والجمهور أنّها أيضا مكية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله سبحانه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ معناه: قربت الساعة، وهي القيامة، وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يُرْوَى في عمر الدنيا من التحديد فضعيف.

وقوله: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إخبار عمَّا وقع وذلك أَنَّ قريشاً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم/ آيةً فَأَرَاهُمُ اللَّهُ انشقاق الْقَمَرِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالكُفَّارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: اشهدوا «١» .

وقوله: وَإِنْ يَرَوْا: جاء اللفظ مستقبلاً، لينتظمَ ما مضى وما يأتي، فهو إخبار بأنَّ حالهم هكذا.

وقوله: مُسْتَمِرٌّ: قال الزَّجَّاجُ: قيل معناه: دائم متمادٍ، وقال قتادة وغيره «١» :

معناه: مارٌّ ذاهب عن قريب يزول، ثم قال سبحانه على جهة جزم الخبر: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ كأَنَّه يقول: وكل شيء إِلى غاية عنده سبحانه، ومُزْدَجَرٌ معناه: موضع زجر.

وقوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ: يحتمل أنْ تكون «ما» نافية، ويحتمل أنْ تكون استفهاميَّة.

ثم سَلَّى سبحانه نِبِيَّه ع بقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: لا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ، وتَمَّ القولُ في قوله: عَنْهُمْ ثم ابتدأ وعيدَهم بقوله: يَوْمَ والعامل في [يَوْمَ] قوله يَخْرُجُونَ وقال الرُّمَّانِيُّ: المعنى: فتولّ عنهم، واذكر يوم «٢» ، وقال الحسن: المعنى: فتَولَّ عنهم إلى يوم «٣» .

وقرأ الجمهور «٤» : «نُكُرِ» - بضم الكاف- قال الخليل: النُكُر: نعت للأمر الشديد والرجل الداهية، وخَصَّ الأبصارَ بالخشوع، لأَنَّهُ فيها أظهرُ منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أَو صلف أو خوف ونحوه إنّما يظهر في الأبصار، والْأَجْداثِ: جمع جَدَثٍ وهو القبر، وشَبَّهَهُمْ سبحانه بالجراد المنتشر، وقد شبههم سبحانه في آية أخرى بالفراش المبثوث، وفيهم من كل هذا شَبَهٌ، وذهب بعض المفسرين إلى أَنَّهم أَوَّلاً كالفراش حين يَمُوجُ بعضُهم في بعض ثم في رتبة أُخرى كالجراد إذا توجَّهُوا نحو المَحْشَرِ والداعي، والمُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مشيه نحو الشيء مع هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نحو المَقْصِدِ، إِمَّا لخوف، / أو طمع ونحوه قال أبو حيان «٥» : مُهْطِعِينَ أي:

مسرعين، وقيل: فاتحين آذانهم للصوت، انتهى.

ويَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ القَمَرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَةٍ ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ  ﴾ ، وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ، أوَّلُها: ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأمَرُّ 艹 ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ  : "إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟" قالُوا: نَعَمْ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ  رَبَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ ما قالُوا، فانْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، ورَسُولُ اللَّهِ  يُنادِي: "يا فُلانُ يا فُلانُ اشْهَدُوا"، وذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.» وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  شَقَّتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "اشْهَدُوا" .» وقَدْ رَوى حَدِيثَ الِانْشِقاقِ جَماعَةٌ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةُ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلى هَذا جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ قَوْمًا شَذُّوا فَقالُوا: سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَدْ رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ الشّاذُّ لا يُقاوِمُ الإجْماعَ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وانْشَقَّ ﴾ لَفْظٌ ماضٍ، وحَمْلُ لَفْظِ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ يَفْتَقِرُ إلى قَرِينَةٍ تَنْقُلُهُ ودَلِيلٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ.

ومَعْنى ﴿ اقْتَرَبَتِ ﴾ : دَنَتْ؛ ﴿ والسّاعَةُ ﴾ القِيامَةُ.

وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: انْشَقَّ القَمَرُ فَصارَ فِرْقَتَيْنِ، فَثَبَتَتْ فِرْقَةٌ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ الجَبَلِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ كانَ يُرى نِصْفُهُ عَلى قُعَيْقِعانَ، والنِّصْفُ الآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ- قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ، فاسْألُوا السُّفّارَ، فَسَألُوهُمْ، فَقالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأيْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ "اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ" .

﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً ﴾ أيْ: آيَةً تَدُلُّهم عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والمُرادُ بِها ها هُنا: انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿ يُعْرِضُوا ﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ ﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: هَذا سِحْرٌ، والسِّحْرُ يَذْهَبُ ولا يَثْبُتُ.

والثّانِي: شَدِيدٌ قَوِيٌّ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المِرَّةِ، والمِرَّةُ: الفَتْلُ.

والثّالِثُ: دائِمٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَّبُوا ﴾ يَعْنِي كَذَّبُوا النَّبِيَّ  وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ بِأهْلِهِ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لِكُلِّ حَدِيثٍ مُنْتَهًى وحَقِيقَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ قَرارَ تَكْذِيبِهِمْ مُسْتَقِرٌّ، وقَرارُ تَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ مُسْتَقِرٌّ حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ مِنَ الأنْباءِ ﴾ أيْ: مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ في القُرْآنِ ﴿ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُتَّعَظٌ ومُنْتَهًى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَرْفُوعَةٌ لِأنَّها بَدَلٌ مِن "ما" فالمَعْنى: ولَقَدْ جاءَهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [وَإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها بِإضْمارِ هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ] .

و"ما" في قَوْلِهِ ﴿ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَّوْبِيخِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ؟!

وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَفْيًا، عَلى مَعْنى، فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: جاءَهُمُ القُرْآنُ وهو حِكْمَةٌ تامَّةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ، فَما تُغْنِي النُّذُرُ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا؟!

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ  ﴾ ، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ ﴿ وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ ﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ﴾ ﴿ خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ ﴿ مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ "اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ  : « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ  وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ  عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ  آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿ وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.

و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما تُغْنِ النُذُرُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟

ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ: دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ  في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.

و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".» و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

من عادة القرآن أن ينتهز الفرصة لإِعادة الموعظة والتذكير حين يتضاءل تعلق النفوس بالدنيا، وتُفكّر فيما بعد الموت وتُعير آذانها لداعي الهدى.

فتتهيأ لقبول الحق في مظانّ ذلك على تفاوت في استعدادها وكم كان مثل هذا الانتهاز سبباً في إيمان قلوب قاسية، فإذا أظهر الله الآيات على يد رسوله صلى الله عليه وسلم لتأييد صدقه شفع ذلك بإعادة التذكير كما قال تعالى: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ [الإسراء: 59].

وجمهورُ المفسرين على أن هذه الآية نزلت شاهدة على المشركين بظهور آية كبرى ومعجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وهي معجزة انشقاق القمر.

ففي «صحيح البخاري» و«جامع الترمذي» عن أنس بن مالك قال: «سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر».

زاد الترمذي عنه «فانشق القمر بمكة فِرقتين، فنزلت: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ إلى قوله: ﴿ سحر مستمر ﴾ [القمر: 2].

وفي رواية الترمذي عن ابن مسعود قال: «بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنَى فانشق القمر.

وظاهره أن ذلك في موسم الحج.

وفي «سيرة الحلبي» كان ذلك ليلة أربع عشرة (أي في آخر ليالي منى ليلة النفْر).

وفيها «اجتمع المشركون بمنى وفيهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاصي بن وائل، والعاصي بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم إن كنتَ صادقاً فشُقّ لنا القمر فرقتين فانشق القمر».

والعمدة في هذا التأويل على حديث عبد الله بن مسعود في «الصحيح» قال: " انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بِمنى فانشق فرقتين فرقةً فوق الجَبل وفرقة دونه فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا اشهَدوا ".

زاد في رواية الترمذي عنه «يعني ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ .

قلت: وعن ابن عباس نصفٌ على أبي قُبيس ونصفٌ على قُعَيْقِعَان.

وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وحذيفةَ بن اليمان وأنس بن مالك وجبير بن مطعم، وهؤلاء لم يشهدوا انشقاق القمر لأن من عدا علياً وابن عباس وابنَ عمر لم يكونوا بمكة ولم يسلموا إلا بعد الهجرة ولكنهم ما تكلموا إلا عن يقين.

وكثرة رواة هذا الخبر تدل على أنه كان خبراً مستفيضاً.

وقال في «شرح المواقف»: هو متواتر.

وفي عبارته تسامح لعدم توفر شرط التواتر.

ومراده: أنه مستفيض.

وظاهر بعض الروايات لحديث ابن مسعود عند الترمذي أن الآية نزلت قبل حصول انشقاق القمر الواقع بمكة لمّا سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أو سألوه انشقاق القمر فأراهم انشقاق القمر وإنما هو انشقاق يحصل عند حلول الساعة.

وروي هذا عن الحسن وعطاء وهو المعبر عنه بالخسوف في سورة القيامة (7، 8) ﴿ فإذا برق البصر وخسف القمر ﴾ الآية.

وهذا لا ينافي وقوع انشقاق القمر الذي سأله المشركون ولكنه غير المراد في هذه الآية لكنه مؤوّل بما في روايته عند غير الترمذي.

ولحديث أنس بن مالك أن الآية نزلت بعد انشقاق القمر.

وعلى جميع تلك الروايات فانشقاق القمر الذي هو معجزة حصل في الدنيا.

وفي البخاري عن ابن مسعود أنه قال: «خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة والقَمر والدخان.

وعن الحسن وعطاء أن انشقاق القمر يكون عند القيامة واختاره القشيري، وروي عن البلخي.

وقال الماوردي: هو قول الجمهور، ولا يعرف ذلك للجمهور.

وخبر انشقاق القمر معدود في مباحث المعجزات من كتب «السيرة» و«دلائل النبوة».

وليس لفظ هذه الآية صريحاً في وقوعه ولكن ظاهر الآية يقتضيه كما في «الشفاء».

فإن كان نزول هذه الآية واقعاً بعد حصول الانشقاق كما اقتضاه حديث ابن مسعود في «جامع الترمذي» فتصدير السورة ب ﴿ اقتربت الساعة ﴾ للاهتمام بالموعظة كما قدمناه آنفاً إذ قد تقرر المقصود من تصديق المعجزة.

فجعلت تلك المعجزة وسيلة للتذكير باقتراب الساعة على طريقة الإِدماج بمناسبة أن القمر كائن من الكائنات السماوية ذات النظام المساير لنظام الجو الأرضي فلما حدث تغير في نظامه لم يكن مألوفاً ناسب تنبيه الناس للاعتبار بإمكان اضمحلال هذا العالم، وكان فعل الماضي مستعملاً في حقيقته.

وروي أن حذيفة بن اليمان قرأ ﴿ وقد انشق القمر ﴾ .

وإن كان نزولها قبل حصول الانشقاق كما اقتضاه حديث أنس بن مالك فهو إنذار باقتراب الساعة وانشقاق القمر الذي هو من أشراط الساعة ومع الإِيماء إلى أن الانشقاق سيكون معجزة لما يسأله المشركون.

ويرجح هذا المحمل قوله تعالى عقبه: ﴿ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ﴾ [القمر: 2] كما سيأتي هنالك.

وإذ قد حمل معظم السلف من المفسرين ومن خلفهم هذه الآية على أن انشقاق القمر حصل قبل نزولها أو بقرب نزولها فبنا أن نبين إمكان حصول هذا الانشقاق مسايرين للاحتمالات الناشئة عن روايات الخبر عن الانشقاق إبطالاً لجحد الملحدين، وتقريباً لفهم المصدقين.

فيجوز أن يكون قد حدث خسف عظيم في كرة القمر أحدث في وجهه هوة لاحت للناظرين في صورة شقه إلى نصفين بينهما سواد حتى يخيل أنه منشق إلى قمرين، فالتعبير عنه بالانشقاق مطابق للواقع لأن الهوة انشقاق وموافق لمرأى الناس لأنهم رأوه كأنه مشقوق.

ويجوز أن يكون قد حصل في الأفق بين سمت القمر وسمت الشمس مرور جسم سماوي من نحو بعض المذنبات حجب ضوء الشمس عن وجه القمر بمقدار ظل ذلك الجسم على نحو ما يسمى بالخسوف الجُزئيّ، وليس في لفظ أحاديث أنس بن مالك عند مسلم والترمذي، وابن مسعود وابن عباس عند البخاري ما يناكد هذا.

ومن الممكن أن يكون هذا الانشقاق حدثاً مركباً من خسوف نصفي في القمر على عادة الخسوف فحجب نصف القمر، والقمر على سمت أحد الجبلين وقد حصل في الجو ساعتئذٍ سحاب مائي انعكس في بريق مائه صورة القمر مخسُوفاً بحيث يخاله الناظر نصفاً آخر من القمر دون كسوف طالعاً على جهة ذلك الجبل، وهذا من غرائب حوادث الجوّ.

وقد عُرفت حوادث من هذا القبيل بالنسبة لأشعة الشمس، ويجوز أن يحدث مثلها بالنسبة لضوء القمر على أنه نادر جداً وقد ذكرنا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم ﴾ في سورة الأعراف (171).

ويؤيد هذا ما أخرجه الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله فقالوا: سحر القمر فنزلت اقتربت الساعة} الآية فسماه ابن عباس كسوفاً تقريباً لنوعه.

وهذا الوجه لا ينافي كون الانشقاق معجزة لأن حصوله في وقت سؤالهم من النبي صلى الله عليه وسلم آيةً وإلهام الله إياهم أن يسألوا ذلك في حين تقدير الله كاف في كونه آيةً صدق.

أو لأن الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتحدّاهم به قبلَ حصوله دليل على أنه مرسل من الله إذ لا قبل للرسول صلى الله عليه وسلم بمعرفة أوقات ظواهر التغيرات للكواكب.

وبهذا الوجه يظهر اختصاص ظهور ذلك بمكة دون غيرها من العالم، وإما على الوجه الأول فإنما لم يَشعُر به غيرُ أهل مكة من أهل الأرض لأنهم لم يكونوا متأهبين إليه إذ كان ذلك ليلاً وهو وقت غفلة أو نوم ولأن القمر ليس ظهوره في حد واحد لأهل الأرض فإن مواقيت طلوعه تختلف باختلاف البلدان في ساعات الليل والنهار وفي مسامتة السماء.

قال ابن كيسان: هو على التقديم والتأخير.

وتقديره: انشق القمر واقتربت الساعة، أي لأن الأصل في ترتيب الأخبار أن يجري على ترتيبها في الوقوع وإن كان العطف بالواو لا يقتضي ترتيباً في الوقوع.

﴿ وانشق ﴾ مطاوع شقه، والشق: فرج وتفرّق بين أديم جسم مَّا بحيث لا تنفصل قطعة مجموع ذلك الجسم عن البقية، ويُسمى أيضاً تصدعاً كما يقع في عُود أو جدار.

فإطلاق الانشقاق على حدوث هوة في سطح القمر إطلاق حقيقي وإطلاقه على انطماس بعض ضوئه استعارة، وإطلاقه على تفرقة نصفين مجاز مرسل.

والاقتراب أصله صيغة مطاوعة، أي قبول فعل الفاعل، وهو هنا للمبالغة في القرب فإن حمل على حقيقة القرب فهو قرب اعتباري، أي قرب حلول الساعة فيما يأتي من الزمان قرباً نسبياً بالنسبة لما مضى من الزمان ابتداء من خلق السماء والأرض على نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم " بعثت أنا والساعةَ كهاتين " وأشار بسبابته والوسطى فإن تحديد المدة من وقت خلق العالم أو من وقت خلق الإِنسان أمر لا قبل للناس به وما يوجد في كتب اليهود مبنى على الحدس والتوهمات، قال ابن عطية: «وكل ما يروى من التحديد في عُمر الدنيا فضعيف واهن» اه.

وفائدة هذا الاعتبار أن يقبل الناس على نبذ الشرك وعلى الاستكثار من الأعمال الصالحات واجتناب الآثام لقرب يوم الجزاء.

والساعة: علم بالغلبة على وقت فناء هذا العالم.

ويجوز أن يراد بالساعة ساعة معهودة أنذروا بها في آيات كثيرة وهي ساعة استئصال المشركين بسيوف المسلمين.

وإن حمل القرب على المجاز، أي الدلالة على الإمكان، فالمعنى: اتضح للناس ما كانوا يجدونه محالاً من فناء العالم فإن لحصول المُثُل والنظائر إقناعاً بإمكان أمثالها التي هي أقوى منها.

وعطفُ ﴿ وانشق القمر ﴾ عطفُ جملة على جملة.

والخبر مستعمل في لازم معناه وهو الموعظة إن كانت الآية نزلت بعد انشقاق القمر كما تقدم لأن علمهم بذلك حاصل فليسوا بحاجة إلى إفادتهم حكم هذا الخبر وإنما هم بحاجة إلى التذكير بأن من أمارات حلول الساعة أن يقع خسف في القمر بما تكررت موعظتهم به كقوله تعالى: ﴿ فإذا برق البصر وخسف القمر ﴾ [القيامة: 7، 8] الآية إذ ما يأمنهم أن يكون ما وقع من انشقاق القمر أمارة على اقتراب الساعة فما الانشقاق إلا نوع من الخسف فإن أشراط الساعة وعلاماتها غير محدودة الأزمنة في القرب والبعد من مشروطها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ القَمَرِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ مُقاتِلٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ﴾ أيْ دَنَتْ وقَرُبَتْ، قالَ الشّاعِرُ قَدِ اقْتَرَبَتْ لَوْ كانَ في قُرْبِ دارِها جِداءُ ولَكِنْ قَدْ تَضُرُّ وتَنْفَعُ والمُرادُ بِالسّاعَةِ القِيامَةُ، وفي تَسْمِيَتِها بِالسّاعَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِسُرْعَةِ الأمْرِ فِيها.

الثّانِي: لِمَجِيئِها في ساعَةٍ مِن يَوْمِها.

وَرَوى طارِقُ بْنُ شِهابٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ولا يَزْدادُ النّاسُ عَلى الدُّنْيا إلّا حِرْصًا ولا تَزْدادُ مِنهم إلّا بُعْدًا» .

﴿ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ والعَرَبُ تَضْرِبُ مَثَلًا فِيما وضَحَ أمْرُهُ، قالَ الشّاعِرُ أقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكم ∗∗∗ فَإنِّي إلى قَوْمٍ سِواكم لَأمْيَلُ ∗∗∗ فَقَدْ حَمَّتِ الحاجاتُ واللَّيْلُ مُقْمِرُ ∗∗∗ وشُدِّتْ لِطَيّاتٍ مَطايا وأرْحَلُ والثّانِي: أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ بِطُلُوعِهِ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ انْفِلاقِهِ بِانْشِقاقِهِ، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ فَلَمّا أدْبَرُوا ولَهم دَوِيٌّ ∗∗∗ دَعانا عِنْدَ شَقِّ الصُّبْحِ داعِي الثّالِثُ: أنَّهُ انْشِقاقُ القَمَرِ عَلى حَقِيقَةِ انْشِقاقِهِ.

وَفِيهِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَنْشَقُّ بَعْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ وهي النَّفْخَةُ الثّانِيةُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ ما بَقِيَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّها آيَةٌ والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ.

الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ وظاهِرُ التَّنْزِيلِ أنَّ القَمَرَ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  بَعْدَ أنْ سَألَهُ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ حِينَ أسْلَمَ غَضَبًا لِسَبِّ أبِي جَهْلٍ لِرَسُولِ اللَّهِ، أنْ يُرِيَهُ آيَةً يَزْدادُ بِها يَقِينًا في إيمانِهِ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ قالَ: «رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًّا شِقَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ  إلى المَدِينَةِ، شِقَّةٌ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْدا فَقالُوا: سَحَرَ القَمَرَ، فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ » ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أيَّ آَيَةٍ رَوَأْها أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَعْتَبِرُوا بِها، وكَذَلِكَ ذَكَرَها بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ دُونَ التَّعْرِيفِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ انْشِقاقَ القَمَرِ حِينَ رَأوْهُ.

﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ ذاهِبٌ، قالَهُ أنَسٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: شَدِيدٌ، مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، قالَهُ الأخْفَشُ والفَرّاءُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

الرّابِعُ: أنَّ المُسْتَمِرَّ الدّائِمَ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرَ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَوِيمٍ بِمُسْتَمِرٍّ أيْ بِدائِمٍ.

الخامِسُ: أيْ قَدِ اسْتَمَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَوْمَ القِيامَةِ.

الثّانِي: كُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ في أنَّ الخَيْرَ لِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرِّ لِأهْلِ الشَّرًّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ حَقُّهُ مِن باطِلِهِ.

الرّابِعُ: أنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ غايَةً ونِهايَةً في وُقُوعِهِ وحُلُولِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا، أنْ يُرِيدَ بِهِ دَوامَ ثَوابِ المُؤْمِنِ وعِقابِ الكافِرِ.

﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أحادِيثُ الأُمَمِ الخالِيَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: القُرْآنُ.

﴿ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ أيْ مانِعٌ مِنَ المَعاصِي.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّهْيُ.

الثّانِي: أنَّهُ الوَعِيدُ.

﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ: هي الرِّسالَةُ والكِتاِبُ.

وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ والوَعِيدُ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿ بالِغَةٌ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بالِغَةٌ في زَجْرِكم.

الثّانِي: بالِغَةٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْكم، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المُبالَغَةِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الإبْلاغِ.

﴿ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ أيْ فَما يَمْنَعُهُمُ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّكْذِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة القمر بمكة.

وأخرج ابن الضريس وابن مردوية والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة ﴿ اقتربت الساعة ﴾ .

وأخرج ابن مردوية عن ابن الزبير مثله.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قارئ اقتربت تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها يوم تبيضّ الوجوه قال البيهقي: منكر.

وأخرج الديلمي عن عائشة مرفوعاً من قرأ ب ﴿ الم تنزيل ﴾ و ﴿ يس ﴾ و ﴿ اقتربت الساعة ﴾ و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ كن له نوراً وحرزاً من الشيطان والشرك، ورفع له في الدرجات يوم القيامة.

وأخرج ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة رفعه من قرأ ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ في كل ليلتين بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر.

وأخرج ابن الضريس عن ليث عن معن عن شيخ من همدان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ اقتربت الساعة ﴾ غبا ليلة وليلة حتى يموت لقي الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر» .

وأخرج أحمد عن بريدة أن معاذاً بن جبل صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ فيها ﴿ اقتربت الساعة ﴾ فقام رجل من قبل أن يفرغ فصلى وذهب، فقال له معاذ قولاً شديداً فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه فقال: إني كنت أعمل في نخل وخفت على الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلي بالشمس وضحاها ونحوها من السور» .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة فرقتين فنزلت ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ إلى قوله: ﴿ سحر مستمر ﴾ أي ذاهب.

وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما.

وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: رأيت القمر منشقّاً شقتين بمكة قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء، فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال مجاهد: يقول كما رأيتم القمر منشقاً فإن الذي أخبركم عن ﴿ اقتربت الساعة ﴾ حق.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طريق أبي معمر «عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اشهدوا» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق الأسود عن عبد الله قال: رأيت القمر على الجبل وقد انشق فأبصرت الجبل من بين فرجتي القمر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طريق مسروق عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فقالوا: انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء السفار فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه فأنزل الله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ .

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق علقمة عن ابن مسعود قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فانشق القمر حتى صار فرقتين، فتوارت فرقة خلف الجبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم:اشهدوا» .

وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد «عن ابن عمر في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فرقتين فرقة من دون الجبل وفرقة خلفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:اللهم اشهد» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن جبير بن مطعم في قوله: ﴿ وانشق القمر ﴾ قال: انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقال الناس: سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: قد مضى ذلك قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه.

وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ إلى قوله: ﴿ مستمر ﴾ .

وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: «اجتمع المشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاصي بن وائل والعاصي بن هشام والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والنضر بن الحرث، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إن فعلت تؤمنوا؟

قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما سألوا فأمسى القمر قد مثل نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي يا أبا سلمة، بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم اشهدوا» .

وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس قال: انتهى أهل مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟

فهبط جبريل، فقال: يا محمد قل: يا أهل مكة إن تختلفوا هذه الليلة فسترون آية فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالة جبريل، فخرجوا ليلة أربع عشرة، فانشق القمر نصفين نصفاً على الصفا ونصفاً على المروة، فنظروا ثم مالوا بأبصارهم فمسحوها ثم أعادوا النظر فنظروا، ثم مسحوا أعينهم، ثم نظروا، فقالوا: يا محمد ما هذا إلا سحر ذاهب، فأنزل الله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ .

وأخرج أبو نعيم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا آية حتى نؤمن فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يريه آية فأراهم القمر قد انشق فصار قمرين أحدهما على الصفا والآخر على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه، ثم غاب القمر، فقالوا: هذا ﴿ سحر مستمر ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم الضمار وغداً السباق.

وأخرج ابن المنذر عن حذيفة أنه قرأ ﴿ اقتربت الساعة وقد انشق القمر ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كان انشقاق القمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر، فقالوا: هذا سحر أسحر السحرة فاقلعوا كما فعل المشركون إذا كسف القمر ضربوا بطساسهم وعما اصفر أحبارهم، وقالوا: هذا فعل السحر وذلك قوله: ﴿ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ثلاث ذكرهن الله في القرآن قد مضين ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قد انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى رآه الناس ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ [ القمر: 45] وقد ﴿ فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد ﴾ [ المؤمنون: 77] .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: رأوه منشقاً فقالوا: هذا سحر ذاهب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ قال: يوم القيامة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ قال: بأهله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ قال: مستقر بأهل الخير الخير وبأهل الشر الشر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله -  - فقالوا: إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، فقال لهم رسول الله -  -: إن فعلت ذلك تؤمنون؟

قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر (١)  - ربه أن يعطيه ما قالوا فانشق القمر فرقتين، ورسول الله -  - ينادي المشركين يا فلان يا فلان اشهدوا (٢) (٣) (٤) (٥)  -: قال عبد الله: فرأيت الجبل بين فلقتيه، إحداهما خلف الجبل، والأخرى فوقه (٦) ولأن قوله ﴿ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ يدل على أن هذا قد مضى وتقدم، وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد -  -، ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة، قال أبو إسحاق منكرًا لقول عطاء: زعم قوم عَندوا عَنِ القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة، والأمر بين في اللفظ، وإجماع (٧) (١) مراد المؤلف (بليلة بدر) أن القمر انشق ليلة أربع عشرة كما ورد في بعض الروايات.

(٢) أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس بلفظ أقرب من هذا.

انظر: "الدر" 6/ 133.

(٣) في (ك): (عطية) والصواب ما أثبته.

وهو عثمان بن عطاء بن أبي مسلم.

أبو مسعود المقدسي، ضعيف، مات سنة (155 هـ).

انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 12.

(٤) انظر: "الكشف والبيان"، 12/ 21 ب، و"الوسيط" 4/ 27.

(٥) قال ابن كثير رحمه الله قد كان هذا زمان رسول الله -  - كما ورد ذلك في الأحاديث == المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي -  -، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.

"تفسير القرآن العظيم" 5/ 261، وانظر: "فتح القدير" 5/ 12، و"روح المعاني" 27/ 74 - 75.

(٦) انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، سورة القمر، باب: وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا 6/ 178، "صحيح مسلم"، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: انشقاق القمر، و"مسند الإمام أحمد" 1/ 377، و"المستدرك"، كتاب: التفسير، سورة القمر، و"سنن الترمذي"، كتاب: "التفسير" 5/ 37 (3285).

(٧) في (ك): (والإجماع) والصواب ما أثبته.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اقتربت الساعة ﴾ أي قربت القيامة، ومعنى قربها أنها بقي لها من الزمان شيء قليل بالنسبة إلى ما مضى، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» ﴿ وانشق القمر ﴾ هذا إخبار بما جرى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك «أن قريشاً سألته آية فأراهم انشاق القمر.

فقال صلى الله عليه وسلم: اشهدوا» ، وقال ابن مسعود: انشق القمر فرأيته فرقتين فرقة وراء الجبل وأخرى دونه، وقيل: معنى انشق المقر أنه ينشق يوم القيامة، وهذا قول باطل تردّه الأحاديث الصحيحة الواردة بانشقاق القمر، وقد اتفقت الأمة على وقوع ذلك على تفسير الآية بذلك إلا من لا يعتبر قوله: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ هذه الضمائر لقريش والآية المشار إليها انشقاق القمر وعند ذلك قالت قريش: سحر محمد القمر ومعنى مستمر: دائم وقيل: معناه ذاهب يزول عن قريب وقيل: شديد وهو على هذا المعنى من المرة وهي القوة: ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ أي كل شيء لابد له من غاية، فالحق يحق والباطل يبطل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مستقر ﴾ بالجر: يزيد ﴿ الداعي ﴾ ﴿ إلى الداعي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء ﴿ يدع الداع ﴾ بغير ياء في الحالين ﴿ إلى الداع ﴾ في الوصل: قالون.

الباقون: بغير ياء في الحالين ﴿ شيء نكر ﴾ بسكون الكاف: ابن كثير ﴿ خاشعاً ﴾ بالألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خشعاً ﴾ كركع.

﴿ ففتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل و ﴿ ونذري ﴾ وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أو لقي ﴾ مثل أو "نبئكم" ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة ﴿ سنهزم ﴾ بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب.

الوقوف ﴿ القمر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ﴿ مزدجر ﴾ ه لا بناء على أن قوله ﴿ حكمه ﴾ بدل من "ما" أو من ﴿ مزدجر ﴾ ﴿ النذر ﴾ ه لا للعطف مع اتصاله المعنى ﴿ عنهم ﴾ م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف ﴿ يخرجون ﴾ ﴿ نكر ﴾ ه لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملها ﴿ منتشر ﴾ ه لا لأن ﴿ مهطعين ﴾ حال بعد حال ﴿ الداع ﴾ ط ﴿ عسر ﴾ ه ﴿ وازدجر ﴾ ه ﴿ فانتصر ﴾ ه ﴿ منهمر ﴾ ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ قدر ﴾ ه ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه ﴿ ودسر ﴾ ه لا لأن ﴿ تجري ﴾ صفة لها ﴿ بأعيننا ﴾ ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف ﴿ كفر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن ﴿ كأنهم ﴾ حال ﴿ منقعر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ نتبعه ﴾ لا لتعلق "إذا" بها ﴿ وسعر ﴾ ه ﴿ أشر ﴾ ه ﴿ الأشر ﴾ ه ﴿ واصطبر ﴾ ه لا للعطف ﴿ بينهم ﴾ ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم ﴿ محتضر ﴾ ه ﴿ فعقر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ المحتظر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة ﴿ بسحر ﴾ ه لا ﴿ عندنا ﴾ ط ﴿ شكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ النذر ﴾ ه ج لاتصال المعنى بلا عطف ﴿ مقتدر ﴾ ه ﴿ في الزبر ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلاً عن "أم" قبلة ﴿ منتصر ﴾ ه ﴿ الدبر ﴾ ه ﴿ وأمر ﴾ ه ﴿ وسعر ﴾ ط بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ليس ظرفاً لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا ﴿ وجوهم ﴾ ط ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ه ﴿ بالبصر ﴾ ج ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ الزبر ﴾ ه ﴿ مستطر ﴾ ه ﴿ ونهر ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ مقتدر ﴾ ه.

التفسير: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ﴿ أزفت الآزفة  ﴾ إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب وهو قوله ﴿ وانشق القمر ﴾ في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله  آية فانشق القمر مرتين.

وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت.

وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.

وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم  هذا قول أكثر الفسرين.

وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك.

وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر.

وأيضاً إنه  جعل انشاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب.

وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي.

هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة.

وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم.

ومن ههنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول في الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمكر مجال.

واستعمال لفظ الاقتراب ههنا مع أنه مقطوع به كاستعمال "لعل" في قوله ﴿ لعل الساعة تكون قريباً  ﴾ والأمر عند الله معلوم.

قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان.

والجواب أن كل ما هو آتٍ قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة على الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في "افتعل" مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنواً قريباً، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر.

ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحراً مستمراً أي دائماً مطرداً كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله  يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية.

وقيل: هو من قولهم "حبل مرير الفتل" من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم.

وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا.

وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب.

عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم.

والظاهر أن قوله ﴿ وأن يروا ﴾ إلى آخر الآية.

جملة معترضة بياناً لما اعتادوه عند رؤية الآيات.

وقوله ﴿ وكذبوا ﴾ عطف على قوله ﴿ اقترب ﴾ كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء.

والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في أن محمد  ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ صائر إلى غاية وأن أمر محمد  سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان.

ومن قرأ بالجر فلعطف ﴿ كل ﴾ على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله.

ثم أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.

وفي كل ذلك ﴿ مزدجر ﴾ لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالاً.

وقوله ﴿ حكمة ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان ﴿ فما تغنى ﴾ نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا ﴿ فتول عنهم ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعص والنشور.

والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة.

وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله ﴿ خاشعاً ﴾ حال من الخارجين والفعل للأبصار.

وليس قراءة من قرأ ﴿ خشعاً ﴾ على الجمع من باب " أكلوني البراغيث" كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة.

تقول في السعة "قام رجل قعود غلمانه" وضعف "قاعدون" وضعف منه "يقعدون" لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم.

وجوز أن يكون في ﴿ خشعاً ﴾ ضميرهم ويقع أبصارهم بدلاً عنه.

وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم  ﴾ والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان.

وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض وبدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم.

ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم  .

ثم إنه  أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ بعد قوله ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحاً.

ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيباً عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب.

وقوله ﴿ عبدنا ﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه ﴿ وقالوا ﴾ هو ﴿ مجنون ﴾ وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ام أمر به.

وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه ﴿ فدعى ربه أني مغلوب ﴾ غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب.

وقيل: غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبواباً وفيها مياهاً.

وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل "جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب" والباء للآية نحو: فتحت الباب بالمفتاح.

ونظيره قول القائل "يفتح الله لك بخير".

وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدماً في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيراً يأتي ويفتح لك الباب.

ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة ﴿ بماء منهمر ﴾ منصب في كثرة وتتابع أربعين يوماً.

قال علماء البيان: قوله ﴿ فجرنا الأرض عيوناً ﴾ أبلغ من أن لو قال "وفجرنا عيون الأرض" أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ وقد مر ﴿ فالتقى الماء ﴾ أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ ﴿ فالتقى الماآن ﴾ ﴿ على أمر قد قدر ﴾ أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء.

ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح ﴿ وذات ألواح ودسر ﴾ هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه.

وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.

والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه.

فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره ﴿ جزاء ﴾ أو جزيناهم جزاء ﴿ لمن كان كفر ﴾ وهو نوح  لأن وجود النبي  نعمة من الله وتكذيبه كفرانها.

يحكى أن رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك.

فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عيلها.

والضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة أو للفعلة كما مر في "العنكبوت" ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين  ﴾ والمدكر المعتبر وأصله "مذتكر" افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله ﴿ كيف كان عذابي ونذر ﴾ أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف ﴿ ولقد يسرنا القرآن ﴾ سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية.

وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام.

وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن.

سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟

والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان.

ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسؤول سائلاً فيقول: كيف هي؟

فيقول المعلم: إنها كذا وكذا.

والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف.

فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك.

ولعله ذكر الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم ﴿ من أشد منا قوة  ﴾ وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات.

وإنما وحد ههنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.

قيل: استمر عليهم جميعاً على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة.

وقيل: المستمر الشديد المرارة.

﴿ تنزع الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ منقلع عن مغارسه.

وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤس كأعجاز النخل أصولاً بلا فروع.

قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله ﴿ أعجاز نخل خاوية  ﴾ هذا مع أن كلاً من السورتين وردت على مقتضى الفواصل.

قوله ﴿ أبشراً ﴾ من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشراً وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشراً.

الثاني كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصاً بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله.

الثالثة كونه واحداً، أي كيف تتبع الأمة رجلاً أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف.

والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعانك كنا إذاً كما تقول.

وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه "ناقة مسعورة" وفي قوله ﴿ أءلقي الذكر عليه من بيننا ﴾ تصريح بما ذكرنا من أن واحداً منهم كيف اختص بالنبوة.

وفي الإلقاء أيضاً تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟

أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم.

والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له.

ثم قال  تهديداً لهم ولأمثالهم ﴿ سيعلمون غداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة ﴿ من الكذاب الأشر ﴾ بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة.

وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر.

وذلك أصل مرفوض.

ومن قرأ ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات.

ثم إنه  خاطب صالحاً بقوله ﴿ إنا مرسلو الناقة ﴾ أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحاناً لهم.

﴿ فارتقبهم ﴾ وتبصر ما هم فاعلون بها ﴿ واصطبر ﴾ على إيذائهم ﴿ ونبئهم أن الماء قسمة ﴾ أي مقسوم ﴿ بينهم ﴾ خص العقلاء بالذكر تغليباً ﴿ كل شرب محتضر ﴾ فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم  ﴾ وقد مر في "الشعراء" وقال في الكشاف: محضور لهم وللناقة وفيه إبهام.

وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها ﴿ فنادوا صاحبهم ﴾ وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم.

﴿ فتعاطى ﴾ فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف او الأجر.

والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.

ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقوداً للجحيم كقوله ﴿ فكانوا لجهنم حطباً ﴾ والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في "العنكبوت".

ولعل التذكير بتأويل العذاب.

والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في "هود" و "والحجر".

وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه.

والظاهر أن الاستثناء من الضمير في ﴿ عليهم ﴾ لأنه أقرب ولأنه المقصود.

وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد ﴿ نعمة ﴾ مفعول له أي إنعاماً.

وقوله ﴿ كذلك نجزي من شكر ﴾ أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه  يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان.

وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب.

وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلاً ﴿ ولقد أنذرهم ﴾ أي لوط ﴿ بطشتنا ﴾ شدة أخذنا بالعذاب ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ فتشاكوا بالإنذارات ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه ﴾ معناها قريب من المطالبة كما مر في "يوسف".

والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعاً على مذهب واحد.

﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق.

وإنما قال في "يس" ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم  ﴾ بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله  واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئاً غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً.

ولعل في هذا النقل خللاً لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.

ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله ﴿ ولقد صبحهم ﴾ ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله ﴿ بكرة ﴾ مع قوله ﴿ صبحهم ﴾ والجواب أن ﴿ صبحهم ﴾ يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه  وعدهم أول الصبح كما قال ﴿ إن موعدهم الصبح  ﴾ فأراد بقوله ﴿ بكرة ﴾ تحقيق ذلك الوعد.

ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة.

فإنه ربما يقول السامع متى خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات.

فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله { ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿ صبحهم ﴾ معناه قال لهم بكرة عموا صباحاً وهو بطريق التهكم كقوله ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم "يا صباحاه" والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها.

قوله ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات ﴿ بآياتنا كلها ﴾ هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء.

ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عدداً وقوة وبطشاً ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمناً من سخط الله فأمنتم بتلك البراة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ﴿ أم يقولون نحن جميع ﴾ جمع مجتمع أمرنا ﴿ منتصر ﴾ منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد  وأصحابه فنزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ أي الأدبار.

عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟

فلما رأى رسول الله  يثبت في الدرع ويقول ﴿ سيهزم الجمع ﴾ عرف تأويلها ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ﴾ من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي.

والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة.

﴿ وأمر ﴾ من المرارة.

وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مروراً.

وقيل: من المرة الشدة.

قوله ﴿ إن المجرمين ﴾ الآية.

روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله  في القدر فأنزل الله  هذه الآية إلى قوله ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وعن عائشة أن النبي صلى الله عيله وسلم قال "مجوس هذه الأمة القدرية" وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله ﴿ إن المجرمين في ضلال ﴾ عن الحق في الدنيا ﴿ وسعر ﴾ وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون.

أو في ضلال وسعر في الآخرة، لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلاً.

والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته،والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله ﴿ إنا كل شيء ﴾ متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.

قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين: أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر هو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئاً من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتباً على وفق الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح ثابتاً في سابق العلم الأزلي.

واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي  هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله.

والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله  .

وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسباً إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافياً لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يلجىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكراً للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف.

ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد  كالمجوس يام بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضاً لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إليهن اثنين أو نوراً وظلمة.

وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك.

قوله ﴿ وما أمرنا إلا واحدة ﴾ أي إلا كلمة واحدة وهي "كن" تأكيد إثبات القدرة له وقد مر مثله في "النحل".

وقوله ﴿ كلمح بالبصر ﴾ تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته.

ومعنى الخلق والأمر أيضاً تقدم مشتبعاً في "الأعراف" ثم هددهم مرة أخرى بقوله ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ أي أشباهكم في الكفر من الأمم.

ثم ذكر نوعاً آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ أي في صحف الحفظة.

قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصاً في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون ﴿ كل شيء ﴾ مفعولاً ﴿ في الزبر ﴾ وهذا معنى غير مستقيم كما ترى.

وأما الرفع فيحتمل معنيين.

أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله ﴿ فعلوهن ﴾ صفة لـ ﴿ شيء ﴾ والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر.

والآخر أن تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغواً فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصاً في المعنى الفاسد.

ثم أكدالمعنى المذكور بقوله ﴿ وكل صغير وكبير ﴾ من الأعمال بل مما وجد ويوجد ﴿ مستطر ﴾ أي مسطور في اللوح.

ثم ختم السورة بوعد المتقين.

والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة.

ولما سلف مثله مراراً كقوله ﴿ إن المتقين في جنات وعيون  ﴾ وقيل: معناه السعة والضياء من النهار ﴿ في مقعد صدق ﴾ وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل "فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك".

ويحتمل أن يكون الظرف صفة ﴿ مقعد صدق ﴾ كما يقال "قليل عند أمين خير من كثير عند خائن".

قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن "مقعد دون مجلس" ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد.

والإضافة في ﴿ مقعد صدق ﴾ كهي في قولك "رجل صدق" أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها.

ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبرعنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ﴾ قال بعضهم: أي: اقتربت الساعة، واقتر انشقاق القمر.

وقيل: على التقديم والتأخير، اقترتب الساعة، وإن يروا آية يعرضوا وإن كان انشقاق القمر.

فعلى هذين التأويلين، لم يكن انشقاق القمر بعد، ولكن يكون في المستقبل، وعند قيام الساعة؛ وهو قول أبي بكر الأصم، ويقول: معنى قوله: ﴿ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ﴾ أي: سينشق القمر عند الساعة؛ إذ لو كان قد انشق في زمن النبي  ، لَمَا خفي على أهل الآفاق، ولو كان ظاهرا عندهم، لتواتر النقل به؛ إذ هو أمر عجيب، والطباع جبلت على نشر العجائب.

وعامة أهل التأويل على أن القمر قد انشق؛ لكان [من] معجزاته  .

وروي عن ابن مسعود -  - أنه قال: "كنا مع النبي  بمعنى، فانشق القمر، فذهبت فرقة منه وراء الجبل، فقال -  -: اشهدوا، اشهدوا" ، وروي عن غيره أيضاً: عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس -  م - وأنس بن مالك، وحذيفة، وجبر بن مطعم، في جماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: أنهم رأوا انشقاق القمر.

وقول أبي بكر: لو كان، لم يخُفَ وظهر؛ فيقال له: قد ظهر؛ فإنه روي عن غير واحد من الصحابة -  م - وتواتر الحديث عن الخاص العام، وفشا الأمر بينهم، حتى قل من يخفى عليه سماع هذا الحديث.

على أنه قد يطلق ظاهر الكتاب، وإنما يكلف حفظ ما لم ينطق به الكتاب، والعمل بحقيقة اللفظ واجب.

وقال بعضهم: يجوز أن يستره الله -  - من الآفاق بغيم، أو يشغلهم عن رؤيته ببعض الأمور؛ لضرب تدبير ولطف منه؛ لئلا يدعيه بعض الملتبسين في الآفاق لنفسه، وادعى الرسالة كاذبا؛ بناء على دعواه: أنه فعل ذلك؛ فيحتمل أنه أخفى عن أهل الآفاق إلا في حق من تظهر المعجزة عليه من الحاضرين، والكفرة يكتمونه، والصحابة الذين رأوا قد نقلوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ كأنه يقول: اقتربت الساعة التي تجزون، أو الساعة التي تنشرون فيها، أو الساعة التي تحاسبون فيها.

فإن قيل: أليس روي عن النبي  أنه قال: "[بعثت] أنا والساعة كهاتين" ، وأشار إلى السبابة والوسطى، وقد قبض رسول الله  ولم تقم الساعة بعد.

قيل: يحتمل أن مراده - عليه الصلاة والسلام - أنه ختم النبوة والرسالة، وتبقى أحكامه وشريعته إلى وقت قيام الساعة، وبقاء شريعته كبقائه، فصار كأنه قال: شريعتي والساعة كهاتين.

ويحتمل أنه لما كان به ختم النبوة والشريعة، صار بعثه ومجيئه -  - علامة للساعة وآية لها، وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا  ﴾ على تأويل من جعل بعث الرسول -  - علَما وآية للساعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ ﴾ ذكر نعتهم وعنادهم: أنهم وإن يروا آية سألوها، يعرضوا؛ فلم يُرِهمْ تلك.

أو من سنته: أن كل آية جاءت على أثر السؤال، فلم يقبلوها أهلكوا، فإذا كان من سننه هذا، وقد وعد تأخير عذاب هذه الأمة إلى الساعة، وعفا عنهم التعجيل - لم يرهم تلك الآيات المقترحة، والله أعلم.

ويحتمل: وإن يروا آية حسية يعرضوا؛ لأن آيات رسول الله  عامتها وأكثرها كانت عقلية وسمعية، فيخير عن سفههم وتعنتهم أنهم وإن يروا آية حسية يعرضوا عنها، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ...

﴾ الآية [الحجر: 14-15].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ ، اختلف فيه: منهم من قال: ﴿ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ أي: ماض، لم يزل الرسل - عليهم السلام - كانوا يأتون بمثله من السحر.

ومنهم من قال: ﴿ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ أي: قوي؛ مأخوذ من المِرَّة، وهي القوة، وأصل المرة: الفتل.

ومنهم من قال: ﴿ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ أي: ذاهب؛ ويتلاشى ولا يبقى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ يحتمل كذبوا الرسول  وما أتى به من الآية على الرسالة.

ويحتمل: وكذبوا بالتوحيد ﴿ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ يخبر أنهم إنما كذبوا ما ذكر باتباع أهوائهم، لا بحجة وبرهان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ وجاءتهم - أيضاً - حكمة بالغة، وهي القرآن.

ويحتمل أن يكون معناه: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ وفي تلك الأنباء حكمة بالغة.

ثم الأنباء التي فيها مزدجر حكمة بالغة، وهي ما ذكر في هذه السورة من أنباء عاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم نوح، وموسى، فقد جاءهم أنباء هؤلاء، وعرفوا ما نزل بهم من العذاب والإهلاك، وبأي شيء نزل بهم، وهو تكذيب الرسل - عليهم السلام - ليتردعوا عن مثل صنيعهم، فلا يلحقهم مثل ما يلحق أولئك، وفي ذلك حكمة بالغة، والبالغة هي النهاية في الأمر؛ يقال: فلان بالغ في العلم: إذ انتهى في ذلك نهايته.

وقال القتبي: مزدجر: أمر متعظ.

وقال أبو عوسجة: مزدجر: أي: زاجر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: قد جاءهم ما ذكر من الأنباء التي فيها مزدجر وإنذار، فلم يزجرهم ذلك، ولم ينفعهم، فأنَّى تغني النذر لهم؟

ومن أين تنفعهم النذر؟

أي: لا تغنيهم.

ثم النذر تحتمل وجهين: أحدهما: النذر: [الرسل] - عليهم السلام - جمع: نذير.

والثاني: ما تقع به النذارة، وهو الأنباء التي أنذر الرسل بها، وحذروا بذلك؛ يقول: فما يغنيهم قول الرسول، ولا خوف ما بلغهعم من القصص التي فيها تعذيب للكفرة بتكذيب الرسل - عليهم السلام - وترك اتباعهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: قوله: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: أعرض عنهم، ولا تكافئهم بإساءتهم.

والثاني: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: لا تقاتلهم، ولا تجاهدهم؛ فإن كن التأويل هذا، فهو يحتمل النسخ على ما قاله أهل التأويل، وإن كان الأول فهو لا يحتمل النسخ.

والثالث: يحتمل: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون، وذلك في قوم علم الله -  - أنهم لا يؤمنون، يؤيس رسول الله  عن الطمع في إيمانهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ ﴾ أي: إلى شيء منكر، فظيع، هائل.

ويحتمل: إلى شيء أنكروه في الدنيا - وهو الساعة - فيقرون في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خُشَّعاً أَبْصَٰرُهُمْ ﴾ ، وقرئ: (خاشعاً)، بالألف، روي عن ابن عباس، وتصديقها في قراءة عبد الله بن مسعود -  - (خاشعة أبصارهم)، وصفهم بالخضوع في الآخرة مكان استكبارهم في الدنيا، وبالإقرار والتصديق بالساعة مكان إنكارهم في الدنيا، وبالإجابة للداعي مكان ردهم له في الدنيا حيث قال: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: تشبيههم بالجراد لحيرتهم، لا يدرون من أين يأتون؟

وإلى أين يصيرون؟

كالجراد الذي لا يُدْرَى من أين؟

وإلى أين؟

وهو كقوله -  -: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ  ﴾ .

والثاني: تشبيههم بالجراد؛ لكثرتهم، وازدحامهم؛ لما يحشر الكل بدعفة واحدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ﴿ مُّهْطِعِينَ ﴾ ، أي: مسرعين.

وقال قتادة: أي: عامدين.

وقال مجاهد: الإهطاع: السيلان، وهو بالفارسية: يويه رقيق.

وقال بعضهم: مهطعين: ناظرين، رافعي رءوسهم؛ وهو قول الكلبي.

وقال أبو عوسجة: أي: مسرعين، مادين أعناقهم.

وقيل: الإهطاع: إدامة النظر إلى الداعي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ ، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اقترب مجيء الساعة، وانشق القمر في عهد النبي  ، فكان انشقاقه من آياته  الحسية.

<div class="verse-tafsir" id="91.NGe6m"

مزيد من التفاسير لسورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله