الآية ٤٥ من سورة القمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٤٥ من سورة القمر

سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة القمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة القمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) أي : سيتفرق شملهم ويغلبون .

قال البخاري : حدثنا إسحاق ، حدثنا خالد ، عن خالد - وقال أيضا : حدثنا محمد ، حدثنا عفان بن مسلم ، عن وهيب ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - وهو في قبة له يوم بدر - : " أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا " .

فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال : حسبك يا رسول الله !

ألححت على ربك .

فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) .

وكذا رواه البخاري والنسائي في غير موضع ، من حديث خالد - وهو ابن مهران الحذاء - به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الربيع الزهراني ، حدثنا حماد عن أيوب ، عن عكرمة ، قال : لما نزلت ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) [ قال ] قال عمر : أي جمع يهزم ؟

أي جمع يغلب ؟

قال عمر : فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدرع ، وهو يقول : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) فعرفت تأويلها يومئذ .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

كما حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن أيوب قال: لا أعلمه إلا عن عكرمة أن عمر قال لما نـزلت ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ) جعلت أقول: أيّ جمع يهزم؟

فلما كان يوم بدر رأيت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يثب في الدرع ويقول : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) .

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) قال: يوم بدر.

قال ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرِمة, قوله ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ) يعني جمع بدر ( وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) .

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ) ...الآية ذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال يوم بدر " هزموا وولوا الدبر ".

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) قال: هذا يوم بدر.

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, قال: ثنا أيوب, عن عكرِمة, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " كان يثب في الدرع ويقول: هُزِمَ الجَمْعُ وَوَلَّوُا الدُّبُرَ".

حدثني إسحاق بن شاهين, قال: ثنا خالد بن عبد الله, عن داود, عن عليّ بن أبي طلحة, عن ابن عباس ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) قال: كان ذلك يوم بدر.

قال: قالوا نحن جمع منتصر, قال: فنـزلت هذه الآية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سيهزم الجمع أي جمع كفار مكة ، وقد كان ذلك يوم بدر وغيره .

وقراءة العامة سيهزم بالياء على ما لم يسم فاعله " الجمع " بالرفع .

وقرأ رويس عن يعقوب " سنهزم " بالنون وكسر الزاي " الجمع " نصبا .ويولون الدبر قراءة العامة بالياء على الخبر عنهم .

وقرأ عيسى وابن إسحاق ورويس عن يعقوب " وتولون " بالتاء على الخطاب .

و " الدبر " اسم جنس كالدرهم والدينار فوحد والمراد الجمع لأجل رءوس الآي .

وقال مقاتل : ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال : نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه ; فأنزل الله تعالى : نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر .

وقال سعيد بن جبير : قال سعد بن أبي وقاص : لما نزل قوله تعالى : سيهزم الجمع ويولون الدبر كنت لا أدري أي الجمع ينهزم ، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول : اللهم إن قريشا جاءتك تحادك وتحاد رسولك بفخرها وخيلائها فأخنهم الغداة ثم قال : سيهزم الجمع ويولون الدبر فعرفت تأويلها .

وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ; لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر .

أخنى عليه الدهر : أي أتى عليه وأهلكه ، ومنه قول النابغة :أخنى عليه الذي أخنى على لبدوأخنيت عليه : أفسدت .

قال ابن عباس : كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين ; فالآية على هذا مكية .

وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب : بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر .

وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر : أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال : حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك ; وهو في الدرع فخرج وهو يقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال تعالى مبينا لضعفهم، وأنهم مهزومون: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } فوقع كما أخبر، هزم الله جمعهم الأكبر يوم بدر، وقتل من صناديدهم وكبرائهم ما ذلوا به ونصر الله دينه ونبيه وحزبه المؤمنين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قال الله تعالى : ( سيهزم الجمع ) قرأ يعقوب : " سنهزم " بالنون " الجمع " نصب وقرأ الآخرون بالياء وضمها ، " الجمع " رفع على غير تسمية الفاعل ، يعني : كفار مكة ( ويولون الدبر ) يعني : الأدبار فوحد لأجل رءوس الآي ، كما يقال : ضربنا منهم الرءوس وضربنا منهم الرأس إذا كان الواحد يؤدي معنى الجمع ، أخبر الله أنهم يولون أدبارهم منهزمين فصدق الله وعده وهزمهم يوم بدر .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في قبته يوم بدر : " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم " ، فأخذ أبو بكر بيده ، فقال : حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك - وهو في الدرع - فخرج وهو يقول : " سيهزم الجمع ويولون الدبر " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سيهزم الجمع ويولون الدبر» فهزموا ببدر ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

سيهزم جمع كفار "مكة" أمام المؤمنين، ويولُّون الأدبار، وقد حدث هذا يوم "بدر".

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال : ( سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ) والتعريف فى ( الجمع ) لعهد ، والدبر : الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام .أى : سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم .والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب ، كما فى قوله - تعالى - : ( قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المهاد ) والآية الكريمة من باب الإخبار بالغيب ، الدال على إعجاز القرآن الكريم .قال الآلوسى : والآية من دلائل النبوة ، لأن الآية مكية ، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد ، ولا كان قتال ، ولذا قال عمر يوم نزلت : أى جمع يهزم ، أى : من جموع الكفار .

فلما كان يوم بدر ، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثبت فى الدرع وهو يقول ( سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ) فعرفت تأويلها يومئذ .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وهو أنهم ادعوا القوة العامة بحيث يغلب كل واحد منهم محمداً صلى الله عليه وسلم والله تعالى بين ضعفهم الظاهر الذي يعمهم جميعهم بقوله: ﴿ وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ وحينئذ يظهر سؤال وهو أنه قال: ﴿ يُوَلُّونَ الدبر ﴾ ولم يقل: يولون الأدبار.

وقال في موضع آخر: ﴿ يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ  ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار  ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار  ﴾ فكيف تصحيح الإفراد وما الفرق بين المواضع؟

نقول: أما التصحيح فظاهر لأن قول القائل: فعلوا كقوله فعل هذا وفعل ذاك وفعل الآخر.

قالوا: وفي الجمع تنوب مناب الواوات التي في العطف، وقوله: ﴿ يُوَلُّونَ ﴾ بمثابة يول هذا الدبر، ويول ذاك ويول الآخر أي كل واحد يولي دبره، وأما الفرق فنقول اقتضاء أواخر الآيات حسن الإفراد، فقوله: ﴿ يُوَلُّونَ الدبر ﴾ إفراده إشارة إلى أنهم في التولية كنفس واحدة، فلا يتخلف أحد عن الجمع ولا يثبت أحد للزحف فهم كانوا في التولية كدبر واحد، وأما في قوله: ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار ﴾ أي كل واحد يوجد به ينبغي أن يثبت ولا يولي دبره، فليس المنهي هناك توليتهم بأجمعهم بل المنهي أن يولي واحد منهم دبره، فكل أحد منهي عن تولية دبره، فجعل كل واحد برأسه في الخطاب ثم جمع الفعل بقوله: ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ﴾ ولا يتم إلا بقوله: ﴿ الأدبار ﴾ وكذلك في قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله  ﴾ أي كل واحد قال: أنا أثبت ولا أولي دبري، وأما في قوله: ﴿ لَيُوَلُّنَّ الأدبار  ﴾ فإن المراد المنافقون الذين وعدوا اليهود وهم متفرقون بدليل قوله تعالى: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى  ﴾ ، وأما في هذا الموضع فهم كانوا يداً واحدة على من سواهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أكفاركم ﴾ يا أهل مكة ﴿ خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ ﴾ الكفار المعدودين: قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، أي أهم خير قوّة وآلة ومكانة في الدنيا.

أو أقل كفراً وعناداً يعني: أنّ كفاركم مثل أولئك بل شر منهم ﴿ أَمْ ﴾ أنزلت عليكم يا أهل مكة ﴿ بَرَاءةٌ ﴾ في الكتب المتقدّمة.

أنّ من كفر منكم وكذب الرسل كان آمناً من عذاب الله، فأمنتم بتلك البراءة ﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ ﴾ جماعة أمرنا مجتمع ﴿ مُّنتَصِرٌ ﴾ ممتنع لا نرام ولا نضام.

وعن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر، فتقدَّم في الصف وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه، فنزلت ﴿ سَيُهْزَمُ الجمع ﴾ عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول: ﴿ سيهزم الجمع ﴾ عرف تأولها ﴿ وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ أي الأدبار كما قال: كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا وقرئ: ﴿ الأدبار ﴾ ﴿ أدهى ﴾ أشدّ وأفظع.

والداهية: الأمر المنكر الذي لا يهتدي لدوائه ﴿ وَأَمَرُّ ﴾ من الهزيمة والقتل والأسر.

وقرئ: ﴿ سنهزم الجمع ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أكُفّارُكُمْ ﴾ يا مَعْشَرَ العَرَبِ.

﴿ خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ ﴾ الكُفّارِ المَعْدُودِينَ قُوَّةً وعُدَّةً أوْ مَكانَةً ودِينًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ ﴾ أمْ نَزَلَ لَكم في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ أنَّ مَن كَفَرَ مِنكم فَهو في أمانٍ مِنَ العَذابِ.

﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ ﴾ جَماعَةٌ أمْرُنا مُجْتَمِعٌ ﴿ مُنْتَصِرٌ ﴾ مُمْتَنِعٌ لا نُرامُ أوْ مُنْتَصِرٌ مِنَ الأعْداءِ لا نُغْلَبُ، أوْ مُتَناصِرٌ يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا والتَّوْحِيدُ عَلى لَفْظِ الجَمِيعِ.

﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ أيِ الأدْبارَ وإفْرادُهُ لِإرادَةِ الجِنْسِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يُوَلِّي دُبُرَهُ وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ.

وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَ: لَمْ أعْلَمْ ما هو فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَلْبَسُ الدِّرْعَ ويَقُولُ: سَيُهْزَمُ الجَمْعُ، فَعَلِمْتُهُ».» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سَيُهْزَمُ الجمع} جمع أهل مكة {وَيُوَلُّونَ الدبر} أي الأدبار كما قال كلوا في بعض بطنك تعفّوا أي ينصرفون منهزمين يعني يوم بدر وهذه من علامات النبوة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ أيْ يُهْزَمُ جَمْعُهُمُ البَتَّةَ ﴿ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ أيِ الأدْبارَ، وقَدْ قُرِئَكَذَلِكَ، والإفْرادُ لِإرادَةِ الجِنْسِ الصّادِقِ عَلى الكَثِيرِ مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ ومُشاكَلَةِ القَرائِنِ، أوْ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ يُوَلِّي كُلُّ واحِدٍ مِنهم دُبُرَهُ عَلى حَدِّ: كَسانا الأمِيرُ حُلَّةً مَعَ الرِّعايَةِ المَذْكُورَةِ أيْضًا وقَدْ كانَ هَذا يَوْمَ بَدْرٍ وهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وقَدْ نَزَلَتْ حَيْثُ لَمْ يُفْرَضْ جِهادٌ ولا كانَ قِتالٌ ولِذا قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يَوْمَ نَزَلَتْ أيُّجَمْعٍ يُهْزَمُ أيْ مِن جُمُوعِ الكُفّارِ ؟

ولَمْ يُتَعَرَّضْ لِقِتالِ أحَدٍ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ الخَبَرُ.

ومِمّا أشَرْنا إلَيْهِ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ الطَّيِّبِيِّ في هَذِهِ الرِّوايَةِ نَظَرٌ لِأنَّ هَمْزَةَ الإنْكارِ في ( أمْ يَقُولُونَ ) إلَخْ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُنْهَزِمِينَ مَن هم ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مُرادِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ وأبُو البَرَهْسَمِ - سَتَهْزِمُ الجَمْعَ - بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَصْبِ الجَمْعِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ - سَنَهْزِمُ - بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ «سَيَهْزِمُ الجَمْعَ» بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ الجَمْعِ أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ تَعالى الجَمْعَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ عَنْ أبِي عَمْرو - وتُوَلُّونَ - بِتاءِ الخِطابِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ يعني: الرسل وهو موسى، وهارون، كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعني: بالآيات التسع فَأَخَذْناهُمْ يعني: عاقبناهم عند التكذيب، أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ يعني: عقوبة منيع بالنقمة على عقوبة الكفار، مقتدراً يعني: قادراً على عقوبتهم، وهلاكهم.

ثم خوف كفار مكة فقال: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ يعني: أكفاركم أقوى في النذر من الذين ذكرناهم، فأهلكهم الله تعالى، وهو قادر على إهلاكهم أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ يعني: براءة في الكتب من العذاب.

اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر.

يعني: ليس لكم براءة، ونجاة من العذاب.

ثم قال عز وجل: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ يعني: ممتنع من العذاب يقول الله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ يعني: سيهزم جمع أهل مكة في الحرب وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ يعني: ينصرفون من الحرب، منهزمين.

يعني: به: يوم بدر، وفي هذا علامة من علامات النبوة، لأن هذه الآية نزلت بمكة، وأخبرهم أنهم سيهزمون في الحرب، فكان كما قال.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن عمر-  - قال: لما نزلت هذه الآية: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فكنت لم أعلم ما هي، وكنت أقول: أي: جمع يهزم؟

فلما كان يوم بدر، رأيت النبيّ  يثبت في الدرع، ويقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وقال الزجاج: «ويولون الدبر» يعني: الإدبار، كقوله تعالى: يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ [آل عمران: 111] لأن اسم الواحد يدل على الجمع، وكذلك قوله تعالى: فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [القمر: 54] أي: أنهار.

وذكر عن الفراء أنه قال: إنما وحّد لأنه رأس آية تقابل بالتوحيد رؤوس الآي.

وكذلك في الدبر، لموافقته رؤوس الآي.

ثم قال: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ يعني: مجمعهم وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ يعني: عذاب الساعة أعظم وأشد من عذاب الدنيا.

ثم وصف عذاب الآخرة فقال: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يعني: المشركين في الدنيا في ضلالة، وخطأ، وخلاف، وفي سعير في الآخرة.

والسعر جماعة السعير.

ويقال: السعر يعني: في عناء.

ثم أخبرهم بمستقرهم فقال عز وجل: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ يعني: يجرون فى النار على وجوههم، ويقول لهم الخزنة: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ يعني: عذاب النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَذُوقُوا: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لهم، ويحتمل أَنْ يكونَ من قول الملائكة، وَنُذُرِي: جمع المصدر، أي: وعاقبة إنذاري، ومُسْتَقِرٌّ أي: دائم استقر فيهم حَتَّى يُفْضِيَ بهم إلى عذاب الآخرة، وآلَ فِرْعَوْنَ: قومه وأتباعه.

وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يحتمل أنْ يريد آل فرعونَ، ويحتمل أن يكون قوله:

وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ [القمر: ٤١]- كلاماً تامًّا-، ثم يكون قوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعود على جميع من ذُكِرَ من الأمم.

وقوله تعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ خطاب لقريش على جهة التوبيخ.

وقوله: أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ أي: من العذاب فِي الزُّبُرِ أي: في كتب اللَّه المُنَزَّلَةِ قاله ابن زيد وغيره «١» .

ثم قال تعالى لنبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم: أَمْ يَقُولُونَ/ نَحْنُ: واثقون بجماعتنا، منتصرون بقوَّتِنا على جهة الإعجاب سَيُهْزَمُونَ، فلا ينفع جمعُهم، وهذه عِدَةٌ من اللَّه تعالى لرسوله أَنَّ جَمْعَ قريشٍ سَيُهْزَمُ، فكان كما وعد سبحانه قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-:

كنت أقول في نفسي: أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟!

فَلَمَّا كان يومُ بدرٍ رأيتُ رسولَ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يثب في الدرع، وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢» والجمهور على أَنَّ الآية نزلت بِمَكَّةَ، وقول مَنْ زعم أَنَّها نزلت يومَ بدر ضعيف، والصواب أَنَّ الوعد نُجِّزَ يوم بدر، قال أبو حيان «٣» : وَيُوَلُّونَ: الجمهور بياء الغيبة، وعن أبي عمرو بتاء الخطاب، والدُّبُرُ: هنا اسم جنس، وحسن إفرادَهُ كونُهُ فاصلةً، وقد جاء مجموعاً في آية أُخرى، وهو الأصل، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُهُما: [أنَّهُ] جَمْعُ نَذِيرٍ، وهي الآياتُ الَّتِي أنْذَرَهم بِها مُوسى.

والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ آنِفًا، ﴿ فَأخَذْناهُمْ ﴾ بِالعَذابِ ﴿ أخْذَ عَزِيزٍ ﴾ أيْ: غالِبٍ في انْتِقامِهِ ﴿ مُقْتَدِرٍ ﴾ قادِرٍ عَلى هَلاكِهِمْ.

ثُمَّ خَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: "أكُفّارُكُمْ" يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿ خَيْرٌ ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى "مِن أُولَئِكُمْ" وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارِ؛ والمَعْنى: لَيْسُوا بِأقْوى مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَدْ أهْلَكْناهم "أمْ لَكم بَراءَةٌ" مِنَ العَذابِ أنَّهُ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم في ﴿ الزُّبُرِ ﴾ أيْ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ المَعْنى: أيَقُولُونَ: نَحْنُ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن خالَفَنا فَنَنْتَصِرُ مِنهُمْ؟

وإنَّما وحَّدَ المُنْتَصِرَ لِلَفْظِ الجَمِيعِ، فَإنَّهُ عَلى لَفْظِ "واحِدٍ" وإنْ كانَ اسْمًا لِلْجَماعَةِ ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ﴾ ورَوى أبُو حاتِمِ بْنِ يَعْقُوبَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُّونِ، "الجَمْعَ" بِالنَّصْبِ، "وَتُوَلُّونَ" بِالتّاءِ، ويَعْنِي بِالجَمْعِ: جَمْعَ كَفّارِ مَكَّةَ ﴿ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأدْبارَ، وكِلاهُما جائِزٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ فُلانًا لَكَثِيرُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ.

وهَذا مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّاعَةُ أدْهى ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي أفْظَعُ ﴿ وَأمَرُّ ﴾ مِنَ القَتْلِ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الدّاهِيَةِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ؛ ومَعْنى "أمَرٍّ": أشَدُّ مَرارَةً مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ ﴾ ﴿ بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾ ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ ﴿ وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ ﴾ ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾ ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ ﴾ ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ  أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟

فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ  في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ ﴾ .» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ  في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿ بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ ، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.

وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ  في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟

أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أم ﴾ منقطعة لإِضراب انتقالي.

والاستفهام المقدر بعد (أم) مستعمل في التوبيخ، فإن كانوا قد صرحوا بذلك فظاهر، وإن كانوا لم يصرحوا به فهو إنباء بأنهم سيقولونه.

وعن ابن عباس: أنهم قالوا ذلك يوم بَدر.

ومعناه: أن هذا نزل قبلَ يوم بدر لأن قوله: ﴿ سيهزم الجمع ﴾ إنذار بهزيمتهم يوم بدر وهو مستقبل بالنسبة لوقت نزول الآية لوجود علامة الاستقبال.

وغير أسلوب الكلام من الخطاب الموجه إلى المشركين بقوله: ﴿ أكفاركم خير ﴾ [القمر: 43] الخ إلى أسلوب الغيبة رجوعاً إلى الأسلوب الجاري من أول السورة في قوله: ﴿ وإن يروا آية يعرضوا ﴾ [القمر: 2] بعد أن قُضي حق الإِنذار بتوجيه الخطاب إلى المشركين في قوله: ﴿ أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر ﴾ [القمر: 43].

والكلام بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم وتعريض بالنِّذارة للمشركين مبني على أنهم تحدثهم نفوسهم بذلك وأنهم لا يحسبون حالهم وحال الأمم التي سيقت إليهم قصصُها متساويةً، أي نحن منتصرون على محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ليس رسول الله فلا يؤيده الله.

و ﴿ جميع ﴾ اسم للجماعة الذين أمرهُم واحد، وليس هو بمعنى الإحاطة، ونظيره ما وقع في خبر عمر مع علي وعباس رضي الله عنهم في قضية ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من أرض فَدَكَ، قال لهما: " ثم جئتماني وأمركما جميع وكلمتكما واحدة " وقول لبيد: عَرِيت وكان بها الجميعُ فأبكروا *** منها وغودَر نْؤيُها وثُمامها والمعنى: بل أيدَّعون أنهم يغالبون محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأنهم غالبونهم لأنهم جَميع لا يُغلبون.

ومنتصر: وصف ﴿ جميع ﴾ ، جاء بالإِفراد مراعاة للفظ ﴿ جميع ﴾ وإن كان معناه متعدداً.

وتغيير أسلوب الكلام من الخطاب إلى الغيبة مشعر بأن هذا هو ظنهم واغترارهم، وقد روي أنّ أبا جهل قال يوم بدر: «نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه».

فإذا صح ذلك كانت الآية من الإِعجاز المتعلق بالإِخبار بالغيب.

ولعل الله تعالى ألقى في نفوس المشركين هذا الغرور بأنفسهم وهذا الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ليشغلهم عن مقاومته باليد ويقصرهم على تطاولهم عليه بالألسنة حتى تكثر أتباعه وحتى يتمكن من الهجرة والانتصار بأنصار الله.

فقوله: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ جواب عن قولهم: ﴿ نحن جميع منتصر ﴾ فلذلك لم تعطف الجملة على التي قبلها.

وهذا بشارة لرسوله صلى الله عليه وسلم بذلك وهو يعلم أن الله منجز وعده ولا يَزيد ذلك الكافرين إلا غروراً فلا يعيروه جانب اهتمامهم وأخذ العدة لمقاومته كما قال تعالى في نحو ذلك: ﴿ ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ [الأنفال: 44].

والتعريف في ﴿ الجمع ﴾ للعهد، أي الجمع المعهود من قوله: ﴿ نحن جميع منتصر ﴾ والمعنى: سيهزم جمعهم.

وهذا معنى قول النحاة: اللام عوض عن المضاف إليه.

والهزم: الغلب، والسين لتقريب المستقبل، كقوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ [آل عمران: 12].

وبني الفعل للمجهول لظهور أن الهازم المسلمون.

و ﴿ يولُّون ﴾ : يجعلون غيرهم يلي، فهو يتعدى بالتضعيف إلى مفعولين، وقد حذف مفعوله الأول هنا للاستغناء عنه إذ الغرض الإِخبار عنهم بأنهم إذا جاء الوغى يفرون ويولُّونكم الأدبار.

و ﴿ الدُّبُر ﴾ : الظهر، وهو ما أدبر، أي كان وراءً، وعكسه القبل.

والآية: إخبار بالغيب، فإن المشركين هُزموا يوم بدر، وولوا الأدبار يومئذٍ، وولوا الأدبار في جمع آخر وهو جمع الأحزاب في غزوة الخندق ففرُّوا بليل كما مضى في سورة الأحزاب وقد ثبت في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج لصف القتال يوم بدر تلا هذه الآية قبل القتال، إيماء إلى تحقيق وعد الله بعذابهم في الدنيا.

وأفرد الدبر، والمراد الجمعُ لأنه جنس يصدق بالمتعدد، أي يولي كل أحد منهم دبره، وذلك لرعاية الفاصلة ومزاوجة القرائن، على أن انهزام الجمع انهزامة واحدة ولذلك الجيش جهة تولَ واحدة.

وهذا الهزم وقع يوم بدر.

روي عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال: " لما نَزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ جَعَلْتُ أقول: أيُّ جمع يهزم؟

فلما كان يومُ بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، ويقول: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ " اه، أي لم يتبين له المراد بالجمع الذي سيُهزم ويولِّي الدبر فإنه لم يكن يومئذٍ قتال ولا كان يخطر لهم ببال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ ﴾ يَعْنِي في الكُتُبِ السّالِفَةِ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّكم لَيْسَ تُهْلَكُونَ كَما أُهْلِكُوا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وتَرى مِنها رُسُومًا قَدْ عَفَتْ مِثْلَ خَطِّ اللّامِ في وحْيِ الزُّبُرِ ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ والعُدَّةِ، وقَدْ كانَ مَن هَلَكَ قَبْلَهم أكْثَرُ عَدَدًا وأقْوى يَدًا، ويَحْتَمِلُ انْتِصارُهم وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: [لِأنْفُسِهِمْ بِالظُّهُورِ] .

الثّانِي: لِآلِهَتِهِمْ بِالعِبادَةِ.

فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ أوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِها فَحَقَّقَها، وفي ذَلِكَ يَقُولُ حَسّانٌ ولَقَدْ ولَّيْتُمُ الدُّبُرَ لَنا ∗∗∗ حِينَ سالَ المَوْتُ مِن رَأْسِ الجَبَلِ ﴿ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ﴾ يَعْنِي القِيامَةَ.

﴿ والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَوْقِفَ السّاعَةِ أدْهى وأمَرُّ مِن مَوْقِفِ الدُّنْيا في الحَرْبِ الَّتِي تُولُّونَ فِيها الدُّبُرَ.

الثّانِي: أنَّ عَذابَ السّاعَةِ أدْهى وأمَرُّ مِن عَذابِ السَّيْفِ في الدُّنْيا.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ أدْهى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أخْبَثُ.

الثّانِي: أعْظَمُ.

﴿ وَأمَرُّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أشَدُّ لِأنَّ المَرارَةَ أشَدُّ الطُّعُومِ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنْفَذُ، مَأْخُوذٌ مِن نُفُوذِ المَرارَةِ فِيما خالَطَتْهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ قال: كان ذلك يوم بدر قالوا ﴿ نحن جميع منتصر ﴾ فنزلت هذه الآية.

وأخرج البخاري والنسائي وابن المنذر والطبراني وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً، فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يثب في الدرع يوم بدر ويقول:هزم الجمع وولوا الدبر» .

وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وأنا بمكة وإني لجارية ألعب ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أنزل الله على نبيه بمكة قبل يوم بدر ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله أي جمع سيهزم؟

فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلتا بالسيف وهو يقول ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ وكانت ليوم بدر فأنزل الله فيهم ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ [ المؤمنون: 64] الآية وأنزل الله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ [ إبراهيم: 28] الآية ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوسعتهم الرمية وملأت أعينهم وأفواههم، حتى إن الرجل ليقتل وهو يقذي عينيه، فأنزل الله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ [ الأنفال: 17] .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ قال عمر رضي الله عنه: جعلت أقول: أي جمع سيهزم؟

حتى كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ فعرفت تأويلها يومئذ.

وأخرجه ابن جرير ومن وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما موصولاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ قال: يوم بدر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «هزموا وولوا الدبر» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ والساعة أدهى وأمر ﴾ قال: ذكر الله قوم نوح وما أصابهم من العذاب، وذكر عاداً وما أصابهم من الريح، وذكر ثمود وما أصابهم من الصيحة، وذكر قوم لوط وما أصابهم من الحجارة، وذكر آل فرعون وما أصابهم من الغرق، فقال: ﴿ أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ﴾ إلى قوله: ﴿ والساعة أدهى وأمر ﴾ يعني أدهى مما أصاب أولئك وأمرّ.

وأخرج ابن المبارك في الزهد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال سبعاً ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغياً أو فقراً منسياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال، والدجال شر غائب ينتظر أو الساعة ﴿ والساعة أدهى وأمر ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن معقل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جعل عقوبة هذه الأمة السيف وجعل موعدهم الساعة ﴿ والساعة أدهى وأمر ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال الله تعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ﴾ يعني جمع كفار مكة ﴿ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر ﴾ أي ينهزمون فيولونكم أدبارهم في الهزيمة، والمراد بالدبر الإدبار، وهي من اسم الجنس الذي يؤدي عن الجميع كالدرهم والدينار، قال الفراء (١) قال أبو إسحاق: أعلم الله نبيه -  - أنه يظهره عليهم وجاعل كلمته العليا، فكانت هذه الهزيمة يوم بدر (٢) قال المفسرون: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم في الصف وهو يقول: نحن اليوم جميع منتصر من عدونا.

والنبي -  - يثب في درعه ويقول ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ فما كان بأسرع من أن قتل ابن مسعود أبا جهل بسيف أبي جهل، وولوا منهزمين (٣) وقال عمر -  -: لما نزلت هذه الآية جعلت أقول: أي جمع يهزم؟

فلما كان يوم بدر عرفت أنه هو (٤) قال عطاء عن ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين.

(٥) (١) انظر: "معاني القرآن" 3/ 11.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 92.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ، و"الكشاف" 4/ 48.

(٤) أخرجه ابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، وابن جرير، والثعلبي، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، وذكر ابن حجر، تخريج عبد الرزاق له في شرح حديث باب "سيهزم الجمع ويولون الدبر" عن ابن عباس، وقال: فكأن ابن عباس حمل ذلك عن عمر، وكأن عكرمة حمله عن ابن عباس عن عمر.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 259، و"جامع البيان" 27/ 64، و"الدر المنثور" 6/ 137، و"فتح البارى" 8/ 619.

(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 146.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ هذا وعد من الله لرسوله بأنه سيهزم جمع قريش، وقد ظهر ذلك يوم بدر وفتح مكة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مستقر ﴾ بالجر: يزيد ﴿ الداعي ﴾ ﴿ إلى الداعي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء ﴿ يدع الداع ﴾ بغير ياء في الحالين ﴿ إلى الداع ﴾ في الوصل: قالون.

الباقون: بغير ياء في الحالين ﴿ شيء نكر ﴾ بسكون الكاف: ابن كثير ﴿ خاشعاً ﴾ بالألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خشعاً ﴾ كركع.

﴿ ففتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل و ﴿ ونذري ﴾ وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أو لقي ﴾ مثل أو "نبئكم" ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة ﴿ سنهزم ﴾ بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب.

الوقوف ﴿ القمر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ﴿ مزدجر ﴾ ه لا بناء على أن قوله ﴿ حكمه ﴾ بدل من "ما" أو من ﴿ مزدجر ﴾ ﴿ النذر ﴾ ه لا للعطف مع اتصاله المعنى ﴿ عنهم ﴾ م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف ﴿ يخرجون ﴾ ﴿ نكر ﴾ ه لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملها ﴿ منتشر ﴾ ه لا لأن ﴿ مهطعين ﴾ حال بعد حال ﴿ الداع ﴾ ط ﴿ عسر ﴾ ه ﴿ وازدجر ﴾ ه ﴿ فانتصر ﴾ ه ﴿ منهمر ﴾ ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ قدر ﴾ ه ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه ﴿ ودسر ﴾ ه لا لأن ﴿ تجري ﴾ صفة لها ﴿ بأعيننا ﴾ ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف ﴿ كفر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن ﴿ كأنهم ﴾ حال ﴿ منقعر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ نتبعه ﴾ لا لتعلق "إذا" بها ﴿ وسعر ﴾ ه ﴿ أشر ﴾ ه ﴿ الأشر ﴾ ه ﴿ واصطبر ﴾ ه لا للعطف ﴿ بينهم ﴾ ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم ﴿ محتضر ﴾ ه ﴿ فعقر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ المحتظر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة ﴿ بسحر ﴾ ه لا ﴿ عندنا ﴾ ط ﴿ شكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ النذر ﴾ ه ج لاتصال المعنى بلا عطف ﴿ مقتدر ﴾ ه ﴿ في الزبر ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلاً عن "أم" قبلة ﴿ منتصر ﴾ ه ﴿ الدبر ﴾ ه ﴿ وأمر ﴾ ه ﴿ وسعر ﴾ ط بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ليس ظرفاً لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا ﴿ وجوهم ﴾ ط ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ه ﴿ بالبصر ﴾ ج ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ الزبر ﴾ ه ﴿ مستطر ﴾ ه ﴿ ونهر ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ مقتدر ﴾ ه.

التفسير: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ﴿ أزفت الآزفة  ﴾ إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب وهو قوله ﴿ وانشق القمر ﴾ في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله  آية فانشق القمر مرتين.

وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت.

وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.

وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم  هذا قول أكثر الفسرين.

وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك.

وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر.

وأيضاً إنه  جعل انشاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب.

وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي.

هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة.

وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم.

ومن ههنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول في الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمكر مجال.

واستعمال لفظ الاقتراب ههنا مع أنه مقطوع به كاستعمال "لعل" في قوله ﴿ لعل الساعة تكون قريباً  ﴾ والأمر عند الله معلوم.

قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان.

والجواب أن كل ما هو آتٍ قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة على الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في "افتعل" مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنواً قريباً، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر.

ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحراً مستمراً أي دائماً مطرداً كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله  يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية.

وقيل: هو من قولهم "حبل مرير الفتل" من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم.

وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا.

وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب.

عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم.

والظاهر أن قوله ﴿ وأن يروا ﴾ إلى آخر الآية.

جملة معترضة بياناً لما اعتادوه عند رؤية الآيات.

وقوله ﴿ وكذبوا ﴾ عطف على قوله ﴿ اقترب ﴾ كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء.

والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في أن محمد  ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ صائر إلى غاية وأن أمر محمد  سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان.

ومن قرأ بالجر فلعطف ﴿ كل ﴾ على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله.

ثم أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.

وفي كل ذلك ﴿ مزدجر ﴾ لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالاً.

وقوله ﴿ حكمة ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان ﴿ فما تغنى ﴾ نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا ﴿ فتول عنهم ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعص والنشور.

والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة.

وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله ﴿ خاشعاً ﴾ حال من الخارجين والفعل للأبصار.

وليس قراءة من قرأ ﴿ خشعاً ﴾ على الجمع من باب " أكلوني البراغيث" كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة.

تقول في السعة "قام رجل قعود غلمانه" وضعف "قاعدون" وضعف منه "يقعدون" لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم.

وجوز أن يكون في ﴿ خشعاً ﴾ ضميرهم ويقع أبصارهم بدلاً عنه.

وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم  ﴾ والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان.

وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض وبدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم.

ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم  .

ثم إنه  أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ بعد قوله ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحاً.

ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيباً عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب.

وقوله ﴿ عبدنا ﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه ﴿ وقالوا ﴾ هو ﴿ مجنون ﴾ وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ام أمر به.

وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه ﴿ فدعى ربه أني مغلوب ﴾ غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب.

وقيل: غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبواباً وفيها مياهاً.

وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل "جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب" والباء للآية نحو: فتحت الباب بالمفتاح.

ونظيره قول القائل "يفتح الله لك بخير".

وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدماً في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيراً يأتي ويفتح لك الباب.

ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة ﴿ بماء منهمر ﴾ منصب في كثرة وتتابع أربعين يوماً.

قال علماء البيان: قوله ﴿ فجرنا الأرض عيوناً ﴾ أبلغ من أن لو قال "وفجرنا عيون الأرض" أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ وقد مر ﴿ فالتقى الماء ﴾ أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ ﴿ فالتقى الماآن ﴾ ﴿ على أمر قد قدر ﴾ أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء.

ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح ﴿ وذات ألواح ودسر ﴾ هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه.

وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.

والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه.

فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره ﴿ جزاء ﴾ أو جزيناهم جزاء ﴿ لمن كان كفر ﴾ وهو نوح  لأن وجود النبي  نعمة من الله وتكذيبه كفرانها.

يحكى أن رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك.

فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عيلها.

والضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة أو للفعلة كما مر في "العنكبوت" ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين  ﴾ والمدكر المعتبر وأصله "مذتكر" افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله ﴿ كيف كان عذابي ونذر ﴾ أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف ﴿ ولقد يسرنا القرآن ﴾ سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية.

وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام.

وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن.

سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟

والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان.

ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسؤول سائلاً فيقول: كيف هي؟

فيقول المعلم: إنها كذا وكذا.

والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف.

فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك.

ولعله ذكر الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم ﴿ من أشد منا قوة  ﴾ وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات.

وإنما وحد ههنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.

قيل: استمر عليهم جميعاً على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة.

وقيل: المستمر الشديد المرارة.

﴿ تنزع الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ منقلع عن مغارسه.

وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤس كأعجاز النخل أصولاً بلا فروع.

قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله ﴿ أعجاز نخل خاوية  ﴾ هذا مع أن كلاً من السورتين وردت على مقتضى الفواصل.

قوله ﴿ أبشراً ﴾ من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشراً وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشراً.

الثاني كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصاً بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله.

الثالثة كونه واحداً، أي كيف تتبع الأمة رجلاً أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف.

والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعانك كنا إذاً كما تقول.

وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه "ناقة مسعورة" وفي قوله ﴿ أءلقي الذكر عليه من بيننا ﴾ تصريح بما ذكرنا من أن واحداً منهم كيف اختص بالنبوة.

وفي الإلقاء أيضاً تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟

أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم.

والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له.

ثم قال  تهديداً لهم ولأمثالهم ﴿ سيعلمون غداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة ﴿ من الكذاب الأشر ﴾ بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة.

وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر.

وذلك أصل مرفوض.

ومن قرأ ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات.

ثم إنه  خاطب صالحاً بقوله ﴿ إنا مرسلو الناقة ﴾ أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحاناً لهم.

﴿ فارتقبهم ﴾ وتبصر ما هم فاعلون بها ﴿ واصطبر ﴾ على إيذائهم ﴿ ونبئهم أن الماء قسمة ﴾ أي مقسوم ﴿ بينهم ﴾ خص العقلاء بالذكر تغليباً ﴿ كل شرب محتضر ﴾ فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم  ﴾ وقد مر في "الشعراء" وقال في الكشاف: محضور لهم وللناقة وفيه إبهام.

وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها ﴿ فنادوا صاحبهم ﴾ وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم.

﴿ فتعاطى ﴾ فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف او الأجر.

والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.

ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقوداً للجحيم كقوله ﴿ فكانوا لجهنم حطباً ﴾ والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في "العنكبوت".

ولعل التذكير بتأويل العذاب.

والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في "هود" و "والحجر".

وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه.

والظاهر أن الاستثناء من الضمير في ﴿ عليهم ﴾ لأنه أقرب ولأنه المقصود.

وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد ﴿ نعمة ﴾ مفعول له أي إنعاماً.

وقوله ﴿ كذلك نجزي من شكر ﴾ أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه  يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان.

وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب.

وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلاً ﴿ ولقد أنذرهم ﴾ أي لوط ﴿ بطشتنا ﴾ شدة أخذنا بالعذاب ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ فتشاكوا بالإنذارات ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه ﴾ معناها قريب من المطالبة كما مر في "يوسف".

والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعاً على مذهب واحد.

﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق.

وإنما قال في "يس" ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم  ﴾ بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله  واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئاً غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً.

ولعل في هذا النقل خللاً لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.

ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله ﴿ ولقد صبحهم ﴾ ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله ﴿ بكرة ﴾ مع قوله ﴿ صبحهم ﴾ والجواب أن ﴿ صبحهم ﴾ يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه  وعدهم أول الصبح كما قال ﴿ إن موعدهم الصبح  ﴾ فأراد بقوله ﴿ بكرة ﴾ تحقيق ذلك الوعد.

ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة.

فإنه ربما يقول السامع متى خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات.

فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله { ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿ صبحهم ﴾ معناه قال لهم بكرة عموا صباحاً وهو بطريق التهكم كقوله ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم "يا صباحاه" والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها.

قوله ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات ﴿ بآياتنا كلها ﴾ هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء.

ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عدداً وقوة وبطشاً ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمناً من سخط الله فأمنتم بتلك البراة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ﴿ أم يقولون نحن جميع ﴾ جمع مجتمع أمرنا ﴿ منتصر ﴾ منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد  وأصحابه فنزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ أي الأدبار.

عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟

فلما رأى رسول الله  يثبت في الدرع ويقول ﴿ سيهزم الجمع ﴾ عرف تأويلها ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ﴾ من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي.

والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة.

﴿ وأمر ﴾ من المرارة.

وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مروراً.

وقيل: من المرة الشدة.

قوله ﴿ إن المجرمين ﴾ الآية.

روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله  في القدر فأنزل الله  هذه الآية إلى قوله ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وعن عائشة أن النبي صلى الله عيله وسلم قال "مجوس هذه الأمة القدرية" وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله ﴿ إن المجرمين في ضلال ﴾ عن الحق في الدنيا ﴿ وسعر ﴾ وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون.

أو في ضلال وسعر في الآخرة، لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلاً.

والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته،والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله ﴿ إنا كل شيء ﴾ متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.

قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين: أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر هو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئاً من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتباً على وفق الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح ثابتاً في سابق العلم الأزلي.

واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي  هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله.

والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله  .

وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسباً إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافياً لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يلجىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكراً للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف.

ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد  كالمجوس يام بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضاً لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إليهن اثنين أو نوراً وظلمة.

وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك.

قوله ﴿ وما أمرنا إلا واحدة ﴾ أي إلا كلمة واحدة وهي "كن" تأكيد إثبات القدرة له وقد مر مثله في "النحل".

وقوله ﴿ كلمح بالبصر ﴾ تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته.

ومعنى الخلق والأمر أيضاً تقدم مشتبعاً في "الأعراف" ثم هددهم مرة أخرى بقوله ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ أي أشباهكم في الكفر من الأمم.

ثم ذكر نوعاً آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ أي في صحف الحفظة.

قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصاً في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون ﴿ كل شيء ﴾ مفعولاً ﴿ في الزبر ﴾ وهذا معنى غير مستقيم كما ترى.

وأما الرفع فيحتمل معنيين.

أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله ﴿ فعلوهن ﴾ صفة لـ ﴿ شيء ﴾ والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر.

والآخر أن تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغواً فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصاً في المعنى الفاسد.

ثم أكدالمعنى المذكور بقوله ﴿ وكل صغير وكبير ﴾ من الأعمال بل مما وجد ويوجد ﴿ مستطر ﴾ أي مسطور في اللوح.

ثم ختم السورة بوعد المتقين.

والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة.

ولما سلف مثله مراراً كقوله ﴿ إن المتقين في جنات وعيون  ﴾ وقيل: معناه السعة والضياء من النهار ﴿ في مقعد صدق ﴾ وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل "فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك".

ويحتمل أن يكون الظرف صفة ﴿ مقعد صدق ﴾ كما يقال "قليل عند أمين خير من كثير عند خائن".

قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن "مقعد دون مجلس" ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد.

والإضافة في ﴿ مقعد صدق ﴾ كهي في قولك "رجل صدق" أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها.

ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبرعنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ ﴾ يحتمل ما قال من النذر: إنه جاء آل فرعون: موسى وهارون عليهما السلام، سماهما باسم الجمع، وهو النذر.

ويحتمل أن يكون المراد من النذر التي جاءتهم هي ما نزل من أنواع العذاب؛ فيكون المراد بالنذر: ما وقعت به النذارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا ﴾ يحتمل أنهم كذبوا جميع الآيات التي جاءهم بها موسى -  - من آيات الألوهية والوحدانية، وآيات الرسالة.

وجائز أن تكون هي جميع ما يدل على وحدانية الرب وألوهيته من الخلائق؛ لأن ذلك اللعين قد ادعى الألوهية لنفسه، وجميع ما في العالم يدل على ألوهية الله  ، فهو حيث ادعاها لنفسه وصدقه قومه كذبوا بذلك جميع الآيات التي تشهد على ألوهية الله  ووحدانيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ أي: آَخْذَ عَزِيزٍ ذليلا، وأخذ غالب مغلوبا، وأخذ قادر عاجزا، وأخْْذ قاهرٍ مقهورا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَكُفَّٰرُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَٰئِكُمْ ﴾ يقول الله  والله أعلم: أكفاركم يا أهل مكة أقوى في دفع العذاب عن أنفسهم والانتصار منه إذا نزل بهم العذاب من أولئك الذين كانوا من قبلكم، أي: ليس كفاركم أقدر منهم، بل أولئك أكثر، ثم لم يقدروا [على] القيام بدفع العذاب عن أنفسهم، ولا الانتصار منه إذا نزل بنهم، فأنتم يا أهل مكة أضعف وأقل عددا أحق ألا تقدروا على دفع العذاب عنكم إذا نزل بكم.

أو يقول: ليس لكم براءة في الكتب أنكم تقدرون على القيام في دفع العذاب عن أنفسكم إذا نزل بكم.

أو يقول: ليس لكم براءة في الكتب: أن العذاب لن يصيبكم إذ نزل.

وقوله  : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴾ أي: بل تقولون: نحن جميع منتصر؛ أي: لا ينصرونكم كجمعهم.

هذه الآيات الثلاث على النفي والدفع، أي: ليس لهم ما يدفعون العذاب عن أنفسهم، وليس لهم ما ينصرون به، ولا كفارهم خير من كفار أولئك في دفع العذاب والقدرة على الانتصار، والله أعلم.

ثم قال على الابتداء: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾ ، فيه دليلان: أحدهما: أخبر أن لهم جمعا يهزم، ويولون الدبر ما ذكر، وقد قال أهل التأويل: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾ هو جمع دبر، أخبر أنهم يهزمون ويولون الدبر، وقد كان ما أخبر روسل الله  دل أنه علم بالله  .

والثاني: أخبر أن الساعة موعد إهلاكهم واستئصالهم لا بالدنيا بقوله  : ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ ، وكان كما أخبر.

وفيه - أيضاً - دلالة إثبات الرسالة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ أي: أعظم وأشد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ فِي ضَلاَلٍ ﴾ في الدنيا، وفي السعر في الآخرة، وهو السعير.

ويحتمل ﴿ فِي ضَلاَلٍ ﴾ في هلاك، ﴿ وَسُعُرٍ ﴾ في حيرة وجنون وتيه؛ كقوله  : ﴿ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ﴾ كأنه يقول له: قل لهم يوم يسحبون في النار على وجوههم إن ختموا على ما هم عليه: ﴿ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ﴾ أي: يقال لهم: ﴿ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ﴾ أي: ذوقوا عذاب سقر، والسقر هو اسم النا ر؛ فيصير كأنه على الإضمار؛ أي يقال لهم: ذوقوا عذب النار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير؛ ي: إنا خلقنا كل شيء؛ فإن كن على هذا؛ فيكون كقوله: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، وفيه إثبات خلق كلية الأشياء.

والثاني: على ظاهر ما جرى به الخطاب ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ أي: إن كل شيء بقدر، فإن كان على هذا، فليس فيه إثبات خلق كلية الأشياء، ولكن فيه إثبات أنما خلقه بقدر؛ وإلى هذا التأويل يذهب المعتزلة.

والتأويل عندنا هو الأول: إنا خلقنا كل شيء بقدر؛ كقوله: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ .

ويحتمل: أي: إنا كل شيء خلقناه بقدر وحَدًّ ينتهي إليه ذلك، ويبلغ حده، ليس كالمخلوق لا يعرف أحد قدر فعله ولا حده الذي ينتهي إليه، ولا يخرج فعل أحد من المخلوقين على ما يقدرونه، فأخبر أن فعله يخرج على ما يقدره خلافا لفعل غيره؛ فيدل على أنه هو الخالق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ ﴾ ، الأمر فيما بين الخلق على وجهين: أحدهما: أمر شأن بالفعل.

والآخر: أمر تكليف لغير.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ ﴾ ، إنما هو أمر فعل؛ يخبر عن سهولة ذلك عليه، أي: شأنه وفعله يسير عليه، لا يعجزه شيء ولا يشغله؛ فعلى ذلك أمر الله وخفته عليه، والواحد ليس هو اسم العدد، وإن كان الحساب يبتدئ [به]، إنما هو اسم التوحد والتفرد؛ كما يقال: فلان واحد زمانه، لا يريدون من جهة العدد؛ إذ لو أعداد وأمثال من جهة العدد، ولكن إنما يراد بأنه المتوحد في شأنه وفعله، ولا نظير له؛ فعلى ذلك تسمية إياه: واحدا لتفرده وتوحده في ألوهيته وربوبيته، وتسمية أ مره واحدا: أن فعله وشأه لا يشبه أفعال غيره، وأنه لا نظير له في ذلك، وأنه يسير عليه، لا حاجة له إلى الوقت، والآلة، وغير ذلك؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ ﴾ يخبر عن خفة ذلك عليه وسهولته، من حيث لا يثقل على أحد رد البصر ولا لمحه، هذا وجه.

الثاني: فيه إخبار أنه لا يشغله شيء؛ لأن الناس تشغلهم بعض أمورهم عن بعض.

وأهل التأويل يصرفون الآية إلى الساعة؛ كقوله  : ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ ، وهو محتمل؛ فيخبر أن الآخرة ليس على تقدير أمر الدنيا على اتباع بعض بعضا، وعلى إرداف شيء على شيء، وعلى الانتقال والتغير من حال إلى حال، ولكن أمر الآخرة على التكون بمرة واحدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ يحتمل قوله ﴿ أَشْيَاعَكُمْ ﴾ على وجهين: أحدهما: إخوانكم وأهل دينكم بتكذيبهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - واذكروا أنتم يأهل مكمة؛ لئلا تهلكوا بتكذيبكم محمدا  .

والثاني: أي: ولقد أهلكنا أشياعكم، وعرفتم ذلك، ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ يتذكر ويتعظ، ويعتبر به.

وجائز أن يكون معناه: ولقد أهلكنا جنسكم، والحكيم لا يخلق الخلق للفناء والهلاك، فاعلموا أنه أنشأكم للعاقبة.

وفيه إثبات البعث، لكنه لا تدركه أفهام الكفرة وعقولهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ﴾ يخرج هذا - أيضا - على وجهين: أحدهما: كل شيء فعلوه من التكذيب والعناد، كان في الكتب المتقدمة، أي: عن علم بصنيعهم وفعلهم أنشأهم، وبعث إليهم الرسل؛ وهو رد على من يقول: إنه لا يعلم ما يكون منهم حتى يكون منهم ذلك؛ لأنه لو كان يعلم ذلك لا يحتمل أن يبعث الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إليهم ويأمرهم، وينهاهم، وهو يعلم أنهم يكذبون رسله، ويخالفون أمره، فرد عليهم وبين أنه لم يزل عالما بما كان ويكون، وقد بينا قبل هذا أنه  بعث الرسل - عليم السلام - وإن علم منهم التكذيب والخلاف؛ وذلك لأن المنافع والمضار راجعة إليهم دونه، والله أعلم.

وجائز أن يكون معنه: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ﴾ أي: في الكتب التي تكتب عليهم الملائكة ويؤمرون بالقراءة في القيامة؛ كقوله  : ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ ﴾ هذا أيضا يخرج على هذين الوجهين.

أحدهما: مستطر في الكتب التي قبلهم.

أو في الذي يملون على الحفظة؛ كقوله  : ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  ﴾ .

وقوله - عز جل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ  ﴾ .

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ وَنَهَرٍ ﴾ : قيل: نهر من النور، أي: هم في ضياء ونور وسرور، وهو قول الأصم.

وقال الفراء: النهر: السعة؛ يقال: أنهرت الطعنة، أي: وسعتها.

وقال أهل التأويل: أي: الأنهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ أي: موعود صدق؛ كأنه كناية عن راحة وسرور لهم؛ كقوله: ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً  ﴾ ، أخبر أنهم يستريحون فيها، أو يسكنون ويقرون، لا يريدون التحول منها، وهو مقابل ما ذكر للكفار: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ﴾ أي: يجرون، وقوله - عز وجل -: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً  ﴾ ، وقوله  : ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا ﴾ \[المؤمنون: 107\] يطلبون الخروج منها، وأخبر أنهم يكونون أبدا في عناء وشدة وبلاء حتى لا يقرون في مكان، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ ، أي: لهم موعود صدق عند ربهم، أي: تقر أقدامهم في ذلك؛ فيكون هو كناية عن الثبات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ .

إن الرجل إذا كان في فضل وخير يضاف بكونه فيه إلى الله  ، نحو ما يقال: في سبيل الله، ووفود الله، وغير ذلك من الأمكنة التي هي أمكنة الفضل والخبر تضاف إلى الله، نحو: بيت الله، ومساجد الله، لأنها أمكنة القرب والفضل، فعلى ذلك قوله: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ أضاف بكونهم في أمكنة الفضل والخير والمنزلة عند الله  ، لا أنه يوصف بمكان أو مقام؛ بل هو ممسك الأمكنة كلها ومنشئ الأزمنة بأسرها، والله الموفق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

سَيُهْزم جَمْعُ هؤلاء الكفار ويولّون الأدبار أمام المؤمنين، وقد حدث هذا يوم بدر.

<div class="verse-tafsir" id="91.qz8jM"

مزيد من التفاسير لسورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله