الآية ٧٦ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٧٦ من سورة الرحمن

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍۢ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍۢ ٧٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٦ من سورة الرحمن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٦ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ) : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : الرفرف : المحابس .

وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وغيرهما : هي المحابس .

وقال العلاء بن بدر الرفرف على السرير كهيئة المحابس المتدلي .

وقال عاصم الجحدري : ( متكئين على رفرف خضر ) يعني : الوسائد .

وهو قول الحسن البصري في رواية عنه .

وقال أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( متكئين على رفرف خضر ) قال : الرفرف : رياض الجنة .

وقوله : ( وعبقري حسان ) : قال ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي : العبقري : الزرابي .

وقال سعيد بن جبير : هي عتاق الزرابي ، يعني جيادها .

وقال مجاهد : العبقري : الديباج .

وسئل الحسن البصري عن قوله : ( وعبقري حسان ) فقال : هي بسط أهل الجنة - لا أبا لكم - فاطلبوها .

وعن الحسن [ البصري ] رواية : أنها المرافق .

وقال زيد بن أسلم : العبقري : أحمر وأصفر وأخضر .

وسئل العلاء بن زيد عن العبقري ، فقال : البسط أسفل من ذلك .

وقال أبو حزرة يعقوب بن مجاهد : العبقري : من ثياب أهل الجنة ، لا يعرفه أحد .

وقال أبو العالية : العبقري : الطنافس المخملة ، إلى الرقة ما هي .

وقال القتيبي : كل ثوب موشى عند العرب عبقري .

وقال أبو عبيدة : هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي .

وقال الخليل بن أحمد : كل شيء يسر من الرجال وغير ذلك يسمى عند العرب عبقريا .

ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيعمر : " فلم أر عبقريا يفري فريه " .

وعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة ; فإنه قد قال هناك : ( متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ) ، فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها ، اكتفاء بما مدح به البطائن بطريق الأولى والأحرى .

وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة : ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) فوصف أهلها بالإحسان وهو أعلى المراتب والنهايات ، كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام ، ثم الإيمان .

فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخريين ، ونسأل الله الكريم الوهاب أن يجعلنا من أهل الأوليين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) يقول تعالى ذكره : ينعم هؤلاء الذين أكرمهم جلّ ثناؤه هذه الكرامة، التي وصفها في هذه الآيات، في الجنتين اللتين وصفهما(مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ).

واختلف أهل التأويل في معنى الرفرف، فقال بعضهم: هي رياض الجنة، واحدتها: رفرفة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير أنه قال فِي هذه الآية (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) قال: رياض الجنة.

حدثنا عباس بن محمد، قال: ثنا أبو نوح، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، مثله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا سعيد بن جُبير، في قوله: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) قال: الرفرف: رياض الجنة.

وقال آخرون: هي المحابس.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) يقول: المحابس.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي.

قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ): قال: الرفرف فضول المحابس والبسط.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) قال: هي البسط، أهل المدينة يقولون: هي البسط.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن كُهيل الحضرميّ، عن رجل يقال له غزوان، (رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) قال: فضول المحابس.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن هارون، عن عنترة، عن أبيه، قال: فضول الفُرُش والمحابس.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن مروان، في قوله: (رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) قال: فضول المحابس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) قال: الرفرف الخضر: المحابس.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) قال: محابس خضر.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) قال: هي المحابس.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) قال: الرفرف: المحابس.

وقال آخرون : بل هي المرافق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال، قال الحسن: الرفرف: مرافق خُضْر، وأما العبقريّ، فإنه الطنافس الثخان، وهي جماع واحدها :عبقرية .وقد ذُكر أن العرب تسمي كل شيء من البسط عبقريا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ) قال: الزرابيّ.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ) قال: العبقريّ: الزرابيّ الحسان.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير، في قوله: (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ) قال: العبقريّ: عتاق الزرابيّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: العبقريّ، الزرابيّ.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ) قال: الزرابيّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ) قال: زرابيّ.

حدثي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ) قال: العبقريّ: الطنافسي.

وقال آخرون : العبقريّ :الديباج.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ) قال: هو الديباج.

والقرّاء في جميع الأمصار على قراءة ذلك (عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ) بغير ألف في كلا الحرفين .

وذُكر عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خبر غير محفوظ، ولا صحيح السند ( على رفَارِفَ خُضْرٍ وعَباقِِرِيّ ) بالألف والإجراء .

وذُكر عن زُهير الفرقبي أنه كان يقرأ ( على رَفارِفَ خُضْرٍ )، بالألف وترك الإجراء، ( وَعَبَاقِرِيّ حِسانٍ ) بالألف أيضا، وبغير إجراء .

وأما الرفارف في هذه القراءة، فإنها قد تحتمل وجه الصواب.

وأما العباقريّ، فإنه لا وجه له في الصواب عند أهل العربية، لأن ألف الجماع لا يكون بعدها أربعة أحرف، ولا ثلاثة صحاح.

وأما القراءة الأولى التي ذُكرت عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فلو كانت صحيحة، لوجب أن تكون الكلمتان غير مجراتين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : متكئين على رفرف خضر الرفرف المحابس .

وقال ابن عباس : الرفرف فضول الفرش والبسط .

وعنه أيضا : الرفرف المحابس يتكئون على فضولها ، وقاله قتادة .

وقال الحسن والقرظي : هي البسط .

وقال ابن عيينة : هي الزرابي .

وقال ابن كيسان : هي المرفق ، وقاله الحسن أيضا .

وقال أبو عبيدة : هي حاشية الثوب .

وقال الليث : ضرب من الثياب الخضر تبسط .

وقيل : الفرش المرتفعة .

وقيل : كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف .

قال ابن مقبل :وإنا لنزالون تغشى نعالنا سواقط من أصناف ريط ورفرفوهذه أقوال متقاربة .

وفي الصحاح : والرفرف ثياب خضر تتخذ منها المحابس ، الواحدة رفرفة .

وقال سعيد بن جبير وابن عباس أيضا : الرفرف رياض الجنة ، واشتقاق الرفرف من رف يرف إذا ارتفع ، ومنه رفرفة الطائر لتحريكه جناحيه في الهواء .

وربما سموا الظليم رفرافا بذلك ، لأنه يرفرف بجناحيه ثم يعدو .

ورفرف الطائر أيضا إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه .

والرفرف أيضا كسر الخباء وجوانب الدرع وما تدلى منها ، الواحد رفرفة .

وفي [ ص: 173 ] الخبر في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم : فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة تخشخش أي رفع طرف الفسطاط .

وقيل : أصل الرفرف من رف النبت يرف إذا صار غضبا نضيرا ؛ حكاه الثعلبي .

وقال القتبي : يقال للشيء إذا كثر ماؤه من النعمة والغضاضة حتى كاد يهتز : رف يرف رفيفا ؛ حكاه الهروي .

وقد قيل : إن الرفرف شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف به وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا ورفعا وخفضا يتلذذ به مع أنيسته ؛ قاله الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " وقد ذكرناه في ( التذكرة ) .

قال الترمذي : فالرفرف أعظم خطرا من الفرش فذكره في الأوليين متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وقال هنا : متكئين على رفرف خضر فالرفرف هو شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به ، أي طار به هكذا وهكذا حيث ما يريد كالمرجاح ، وأصله من رفرف بين يدي الله عز وجل ، روي لنا في حديث المعراج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى مسند العرش ، فذكر أنه قال : طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي بين يدي ربي ثم لما حان الانصراف تناوله فطار به خفضا ورفعا يهوي به حتى أداه إلى جبريل صلوات الله وسلامه عليه وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد ، فالرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى له خواص الأمور في محل الدنو والقرب ، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه ، فهذا الرفرف الذي سخره الله لأهل الجنتين الدانيتين هو متكؤهما وفرشهما ، يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان .ثم قال : وعبقري حسان فالعبقري ثياب منقوشة تبسط ، فإذا قال خالق النقوش : إنها حسان فما ظنك بتلك العباقر !

.

وقرأ عثمان رضي الله عنه والجحدري والحسن وغيرهم " متكئين على رفارف " بالجمع غير مصروف كذلك " وعباقري حسان " جمع رفرف وعبقري .

و " رفرف " اسم للجمع و " عبقري " واحد يدل على الجمع المنسوب إلى عبقر .

وقد قيل : إن واحد رفرف وعبقري رفرفة وعبقرية ، والرفارف والعباقر جمع الجمع .

والعبقري الطنافس الثخان منها ؛ قاله الفراء .

وقيل : الزرابي ، عن ابن عباس وغيره .

الحسن : هي البسط .

مجاهد : الديباج .

القتبي : كل ثوب وشي عند العرب عبقري .

قال أبو عبيد : هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي فينسب إليها كل وشي حبك .

قال ذو الرمة :حتى كأن رياض القف ألبسها من وشي عبقر تجليل وتنجيد[ ص: 174 ] ويقال : عبقر قرية بناحية اليمن تنسج فيها بسط منقوشة .

وقال ابن الأنباري : إن الأصل فيه أن عبقر قرية يسكنها الجن ينسب إليها كل فائق جليل .

وقال الخليل : كل جليل نافس فاضل وفاخر من الرجال والنساء وغيرهم عند العرب عبقري .

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه : فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه وقال أبو عمر بن العلاء وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم فلم أر عبقريا يفري فريه فقال : رئيس قوم وجليلهم .

وقال زهير :بخيل عليها جنة عبقرية جديرون يوما أن ينالوا فيستعلواوقال الجوهري : العبقري موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن .

قال لبيد :كهول وشبان كجنة عبقرثم نسبوا إليه كل شيء يعجبون من حذقه وجودة صنعته وقوته فقالوا : عبقري وهو واحد وجمع .

وفي الحديث : " إنه كان يسجد على عبقري " وهو هذه البسط التي فيها الأصباغ والنقوش حتى قالوا : ظلم عبقري وهذا عبقري قوم للرجل القوي .

وفي الحديث : فلم أر عبقريا يفري فريه ثم خاطبهم الله بما تعارفوه فقال : وعبقري حسان وقرأه بعضهم " عباقري " وهو خطأ لأن المنسوب لا يجمع على نسبته ، وقال قطرب : ليس بمنسوب وهو مثل : كرسي وكراسي وبختي وبخاتي .

وروى أبو بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ " متكئين على رفارف خضر وعباقر حسان " ذكره الثعلبي .

وضم الضاد من خضر قليل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال في الأوليين: { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } ولم يقل ذلك في الأخيرتين، بل قال: { مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ } وقال في الأوليين، في وصف نسائهم وأزواجهم: { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } وقال في الأخريين: { حور مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ } وقد علم التفاوت بين ذلك.وقال في الأوليين { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } فدل ذلك أن الأوليين جزاء المحسنين، ولم يقل ذلك في الأخريين.ومجرد تقديم الأوليين على الأخريين، يدل على فضلهما.فبهذه الأوجه يعرف فضل الأوليين على الأخريين، وأنهما معدتان للمقربين من الأنبياء، والصديقين، وخواص عباد الله الصالحين، وأن الأخريين معدتان لعموم المؤمنين، وفي كل من الجنات [المذكورات] ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفيهن ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأهلها في غاية الراحة والرضا والطمأنينة وحسن المأوى، حتى إن كلا منهم لا يرى أحدا أحسن حالا منه، ولا أعلى من نعيمه [الذي هو فيه].

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" متكئين على رفرف خضر "، قال سعيد بن جبير : " الرفرف " : رياض الجنة .

" خضر " : مخضبة .

ويروى ذلك عن ابن عباس واحدتها رفرفة ، وقال : الرفارف جمع الجمع .

وقيل : " الرفرف " : البسط ، وهو قول الحسن ومقاتل والقرظي وروى العوفي عن ابن عباس : " الرفرف " : فضول المجالس والبسط .

وقال الضحاك وقتادة : هي مجالس خضر فوق الفرش .

وقال ابن كيسان : هي المرافق .

وقال ابن عيينة الزرابي وقال غيره : كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف .

( وعبقري حسان ) هي الزرابي والطنافس الثخان ، وهي جمع واحدتها عبقرية .

وقال قتادة : " العبقري " عتاق الزرابي ، وقال أبو العالية : هي الطنافس المخملة إلى الرقة .

وقال القتيبي : كل ثوب موشى عند العرب : عبقري .

وقال أبو عبيدة : هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي .

قال الخليل : كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب : عبقري ، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمر - رضي الله عنه - : " فلم أر عبقريا يفري فريه " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«متكئين» أي أزواجهم وإعرابه كما تقدم «على رفرف خضر» جمع رفرفة، أي بسط أو وسائد «وعبقري حسان» جمع عبقرية، أي طنافس.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

متكئين على وسائد ذوات أغطية خضر وفرش حسان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ .

.

.

) حال من قوله - تعالى - : ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ .

.

.

) والرفرف : مأخوذ من الرَّف بمعنى الارتفاع ، وهو اسم جمع واحده رفرفة ، أو اسم جنس جمعى و ( خُضْرٍ ) صفة له .

.والعبقرى : وصف لكل ما كان ممتازا فى جنسه .

نادر الوجود فى صفاته والمراد به هنا الثوب الموشى بالذهب ، والبالغ النهاية فى الجودة والجمال .قال القرطبى : العبقرى : ثياب منقوشة تبسط .

.

.

قال القتيبى : كل ثوب وشى عند العرب فهو عبقرى .

وقال أبو عبيد : هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشى .ويقال : عبقر قريى باليمن تنسج فيها بسط منقوشة .

وقال ابن الأنبارى : إن الأصل فيه أن عبقر قرية يسكنها الجن ينسب إليها كل فائق جليل ، ومنه قوله النبى - صلى الله عليه وسلم - : فى عمر ابن الخطاب : فلم ار عبقريا يفرى فريه .أى : هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ، قد أسكناهم بفضلنا الجنات العاليات حالة كونهم فيها على الفرش الجميلة المرتفعة .

وعلى الأبسطة التى بلغت الغاية فى حسنها وجودتها ودقة وشيها .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الحكمة في تأخير ذكر اتكائهم عن ذكر نسائهم في هذا الموضع مع أنه تعالى قدم ذكر اتكائهم على ذكر نسائهم في الجنتين المتقدمتين حيث قال: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ  ﴾ ثم قال: ﴿ قاصرات الطرف  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ فِيهِنَّ خيرات حِسَانٌ  ﴾ ثم قال: ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ ؟

والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن أهل الجنة ليس عليهم تعب وحركة فهم منعمون دائماً لكن الناس في الدنيا على أقسام منهم من يجتمع مع أهله اجتماع مستفيض وعند قضاء وطره يستعمل الاغتسال والانتشار في الأرض للكسب، ومنهم من يكون متردداً في طلب الكسب وعند تحصيله يرجع إلى أهله ويريح قلبه من التعب قبل قضاء الوطر فيكون التعب لازماً قبل قضاء الوطر أو بعده فالله تعالى قال في بيان أهل الجنة: متكئين قبل الاجتماع بأهلهم وبعد الاجتماع كذلك، ليعلم أنهم دائم على السكون فلا تعب لهم لا قبل الاجتماع ولا بعد الاجتماع وثانيهما: هو أنا بينا في الوجهين المتقدمين أن الجنتين المتقدمتين لأهل الجنة الذين جاهدوا والمتأخرين لذرياتهم الذين ألحقوا بهم، فهم فيهما وأهلهم في الخيام منتظرات قدوم أزواجهن، فإذا دخل المؤمن جنته التي هي سكناه يتكئ على الفرش وتنتقل إليه أزواجه الحسان، فكونهن في الجنتين المتقدمتين بعد اتكائهم على الفرش، وأما كونهم في الجنتين المتأخرتين فذلك حاصل في يومنا، واتكاء المؤمن غير حاصل في يومنا، فقدم ذكر كونهن فيهن هنا وأخره هناك.

و ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ حال والعامل فيه ما دل عليه قوله: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ  ﴾ وذلك في قوة الاستثناء كأنه قال: لم يطمثهن إلا المؤمنون فإنهم يطمثوهن متكئين وما ذكرنا من قبل في قوله تعالى: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ  ﴾ يقال هنا.

المسألة الثانية: الرفرف إما أن يكون أصله من رف الزرع إذا بلغ من نضارته فيكون مناسباً لقوله تعالى: ﴿ مُدْهَامَّتَانِ  ﴾ ويكون التقدير أنهم متكئون على الرياض والثياب العبقرية، وإما أن يكون من رفرفة الطائر، وهي حومة في الهواء حول ما يريد النزول عليه فيكون المعنى أنهم على بسط مرفوعة كما قال تعالى: ﴿ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ  ﴾ وهذا يدل على أن قوله تعالى: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ  ﴾ أنهما دونهما في المكان حيث رفعت فرشهم، وقوله تعالى: ﴿ خُضْرٍ ﴾ صيغة جمع فالرفرف يكون جمعاً لكونه اسم جنس ويكون واحده رفرفة كحنظلة وحنظل والجمع في متكئين يدل عليه فإنه لما قال: ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ دل على أنهم على رفارف.

المسألة الثالثة: ما الفرق بين الفرش والرفرف حيث لم يقل: رفارف اكتفاء بما يدل عليه قوله: ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ وقال: ﴿ فُرُشٍ ﴾ ولم يكتف بما يدل عليه ذلك؟

نقول: جمع الرباعي أثقل من جمع الثلاثي، ولهذا لم يجيء للجمع في الرباعي إلا مثال واحد وأمثلة الجمع في الثلاثي كثيرة وقد قرئ: (على رفارف خضر)، و(رفارف خضار وعباقر).

المسألة الرابعة: إذ قلنا: إن الرفرف هي البسط فما الفائدة في الخضر حيث وصف تعالى ثياب الجنة بكونها خضراً قال تعالى: ﴿ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ  ﴾ نقول: ميل الناس إلى اللون الأخضر في الدنيا أكثر، وسبب الميل إليه هو أن الألوان التي يظن أنها أصول الألوان سبعة وهي الشفاف وهو الذي لا يمنع نفوذ البصر فيه ولا يحجب ما وراءه كالزجاج والماء الصافي وغيرهما ثم الأبيض بعده ثم الأصفر ثم الأحمر ثم الأخضر ثم الأزرق ثم الأسود والأظهر أن الألوان الأصلية ثلاثة الأبيض والأسود وبينهما غاية الخلاف والأحمر متوسط بين الأبيض والأسود فإن الدم خلق على اللون المتوسط، فإن لم تكن الصحة على ما ينبغي فإن كان لفرط البرودة فيه كان أبيض وإن كان لفرط الحرارة فيه كان أسود لكن هذه الثلاثة يحصل منها الألوان الأخر فالأبيض إذا امتزج بالأحمر حصل الأصفر يدل عليه مزج اللبن الأبيض بالدم وغيره من الأشياء الحمر وإذا امتزج الأبيض بالأسود حصل اللون الأزرق يدل عليه خلط الجص المدقوق بالفحم وإذا امتزج الأحمر بالأسود حصل الأزرق أيضاً لكنه إلى السواد أميل، وإذا امتزج الأصفر بالأزرق حصل الأخضر من الأصفر والأزرق وقد علم أن الأصفر من الأبيض والأحمر والأزرق من الأبيض والأسود والأحمر والأسود فالأخضر حصل فيه الألوان الثلاثة الأصلية فيكون ميل الإنسان إليه لكونه مشتملاً على الألوان الأصلية وهذا بعيد جداً والأقرب أن الأبيض يفرق البصر ولهذا لا يقدر الإنسان على إدامة النظر في الأرض عند كونها مستورة بالثلج وإنه يورث الجهر والنظر إلى الأشياء السود يجمع البصر ولهذا كره الإنسان النظر إليه وإلى الأشياء الحمر كالدم والأخضر لما اجتمع فيه الأمور الثلاثة دفع بعضها أذى بعض وحصل اللون الممتزج من الأشياء التي في بدن الإنسان وهي الأحمر والأبيض والأصفر والأسود ولما كان ميل النفس في الدنيا إلى الأخضر ذكر الله تعالى في الآخرة ما هو على مقتضى طبعه في الدنيا.

المسألة الخامسة: العبقري منسوب إلى عبقر وهو عند العرب موضع من مواضع الجن فالثياب المعمولة عملاً جيداً يسمونها عبقريات مبالغة في حسنها كأنها ليست من عمل الإنس، ويستعمل في غير الثياب أيضاً حتى يقال للرجل الذي يعمل عملاً عجيباً: هو عبقري أي من ذلك البلد قال صلى الله عليه وسلم في المنام الذي رآه: فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه واكتفى بذكر اسم الجنس عن الجمع ووصفه بما توصف به الجموع فقال حسان: وذلك لما بينا أن جمع الرباعي يستثقل بعض الاستثقال، وأما من قرأ: ﴿ عباقري ﴾ فقد جعل اسم ذلك الموضع عباقر فإن زعم أنه جمعه فقد وهم، وإن جمع العبقري ثم نسب فقد التزم تكلفاً خلاف ما كلف الأدباء التزامه فإنهم في الجمع إذا نسبوا ردوه إلى الواحد وهذا القارئ تكلف في الواحد ورده إلى الجمع ثم نسبه لأن عند العرب ليس في الوجود بلاد كلها عبقر حتى تجمع ويقال: عباقر، فهذا تكلف الجمع فيما لا جمع له ثم نسب إلى ذلك الجمع والأدباء تكره الجمع فيما ينسب لئلا يجمعوا بين الجمع والنسبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ خيرات ﴾ خيرات فخففت، كقوله عليه السلام: «هينون لينون» وأما ﴿ خير ﴾ الذي هو بمعنى أخير، فلا يقال فيه خيرون ولا خيرات.

وقرئ: ﴿ خيرات ﴾ على الأصل.

والمعنى: فاضلات الأخلاق حسان الخلق ﴿ مقصورات ﴾ قصرن في خدورهنّ.

يقال: امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة مخدرة.

وقيل: إنّ الخيمة من خيامهنّ درّة مجوّفة ﴿ قَبْلَهُمْ ﴾ قبل أصحاب الجنتين، دل عليهم ذكر الجنتين ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ نصب على الاختصاص.

والرفرف: ضرب من البسط.

وقيل البسط وقيل الوسائد، وقيل كل ثوب عريض رفرف.

ويقال لأطراف البسط فضول الفسطاط: رفارف.

ورفرف السحاب: هيدبه والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه بلد الجن؛ فينسبون إليه كل شيء عجيب.

وقرئ: ﴿ رفارف خضر ﴾ بضمتين.

وعباقرى، كمدائني: نسبة إلى عباقري في اسم البلد: وروى أبو حاتم: عباقرى، بفتح القاف ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته.

فإن قلت: كيف تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: ومن دونهما؟

قلت: مدهامّتان، دون ذواتا أفنان.

ونضاختان دون: تجريان.

وفاكهة دون: كل فاكهة.

وكذلك صفة الحور والمتكأ.

وقرئ: ﴿ ذو الجلال ﴾ صفة، للاسم.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الرحمن أدّى شكر ما أنعم الله عليه» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ ﴾ وسائِدَ أوْ نَمارِقَ جَمْعُ رَفْرَفَةٍ.

وقِيلَ: الرَّفْرَفُ ضَرْبٌ مِنَ البَسْطِ أوْ ذَيْلِ الخَيْمَةِ وقَدْ يُقالُ لِكُلِّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ.

﴿ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ﴾ العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرَ، تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ اسْمُ بَلَدٍ لِلْجِنِّ فَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ عَجِيبٍ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ ولِذَلِكَ جَمَعَ حِسانٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ﴾ تَعالى اسْمُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُطْلَقٌ عَلى ذاتِهِ فَما ظَنُّكَ بِذاتِهِ، وقِيلَ الِاسْمُ بِمَعْنى الصِّفَةِ أوْ مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ إلى الحَوْلِ ﴾ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ﴿ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلِاسْمِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الرَّحْمَنِ أدّى شُكْرَ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ».»

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ قِيلَ: بِتَقْدِيرِ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ أوْ أعْنِي مُتَّكِئِينَ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّتَيْنِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِما ﴿ عَلى رَفْرَفٍ ﴾ اسْمُ جِنْسٍ أوِ اسْمُ جَمْعٍ واحِدُهُ رَفْرَفَةٌ، وعَلى الوَجْهَيْنِ يَصِحُّ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُضْرٍ ﴾ وجَعَلَهُ بَعْضُهم جَمْعًا لِهَذا الوَصْفِ ولا يَخْفى أنَّ أمْرَ الوَصْفِيَّةِ لا يُتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ الجَعْلِ، وفَسَّرَهُ في الآيَةِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ بِفُضُولِ المَحابِسِ وهي ما يُطْرَحُ عَلى ظَهْرِ الفِراشِ لِلنَّوْمِ عَلَيْهِ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الرَّفْرَفُ ثِيابٌ خُضْرٌ تُتَّخَذُ مِنها المَحابِسُ واشْتِقاقُهُ مِن رَفٍّ إذا ارْتَفَعَ، وقالَ الحَسَنُ - فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْهُ - هي البُسُطُ.

وأخْرَجَ عَنْ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ أنَّها الوَسائِدُ، ورُوِيِّ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا وابْنِ كِيسانَ وقالَ الجِبائِيُّ: الفُرُشُ المُرْتَفِعَةُ، وقِيلَ: ما تَدَلّى مِنَ الأسِرَّةِ مِن غالِي الثِّيابِ، وقالَ الرّاغِبُ: ضَرْبٌ مِنَ الثِّيابِ مُشَبَّهَةٌ بِالرِّياضِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: الرَّفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، وأخْرَجَ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو عَلَيْهِ - كَما في البَحْرِ - مِن رَفِّ النَّبْتِ نَعِمَ وحَسُنَ، ويُقالُ الرَّفْرَفُ لِكُلِّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ ولِلرَّقِيقِ مِن ثِيابِ الدِّيباجِ ولِأطْرافِ الفُسْطاطِ والخِباءِ الواقِعَةِ عَلى الأرْضِ دُونَ الأطْنابِ والأوْتادِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قِيلَ بِهَذا المَعْنى هُنا وفِيهِ شَيْءٌ ﴿ وعَبْقَرِيٍّ ﴾ هو مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ اسْمُ بَلَدِ الجِنِّ فَيَنْسِبُونَ إلَيْهِ كُلَّ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مِنَ الفُرُشِ وغَيْرِها فَمَعْناهُ الشَّيْءُ العَجِيبُ النّادِرُ، ومِنهُ ما جاءَ في عُمَرَ الفارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ أرى عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَةً، ولِتَناسِي تِلْكَ النِّسْبَةِ قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَنسُوبٍ بَلْ هو مِثْلُ كُرْسِيٍّ وبُخْتِيٍّ كَما نَقُلْ عَنْ قُطْرُبٍ، والمُرادُ الجِنْسُ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ( حِسانٍ ) حَمَلا عَلى المَعْنى، وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ أوْ جَمْعٌ واحِدُهُ عَبْقَرِيَّةٌ، وفَسَّرَهُ الأكْثَرُونَ بِعِتاقِ الزَّرابِيِّ وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ هو ما كُلُّهُ وشْيٌّ مِنَ البُسْطِ.

ورَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الدِّيباجُ الغَلِيظُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّها بُسُطٌ فِيها صُوَرٌ وقَدْ سَمِعْتَ ما نُقِلَ عَنْهُ في الرَّفْرَفِ فَلا تَغْفَلُ عَمّا يَقْتَضِيهِ العَطْفُ.

وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ مُحَيْصَنِ وزُهَيْرٌ الفُرْقُبِيُّ وغَيْرُهم رَفارِفُ جَمْعٌ لا يَنْصَرِفُ «خُضْرٌ» بِسُكُونِ الضّادِ، «وعَباقِرِيًّ» بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ مُشَدَّدَةً، وعَنْهم أيْضًا ضَمُّ الضّادِ، وعَنْهم أيْضًا فَتْحُ القافِ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ ثُمَّ قالَ أمّا مَنعُ الصَّرْفِ مِن عَباقِرِيٍّ فَلِمُجاوَرَتِهِ لِرَفارِفَ يَعْنِي لِلْمُشاكَلَةِ وإلّا فَلا وجْهَ لِمَنعِ الصَّرْفِ مَعَ ياءَيِ النَّسَبِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ انْتَهى.

وقالَ ابْنُ خالَوَيْهَ قَرَأ - عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ وعَباقَرِيَّ - النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجَحْدَرِيُّ وابْنُ مُحَيْصَنٍ، وقَدْ رُوِيَ عَمَّنْ ذَكَرْنا - عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ وعَباقَرِيٍّ - بِالصَّرْفِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارِ، وقَرَأ أبُو مُحَمَّدٌ المَرْوَزِيُّ وكانَ نَحْوِيًّا - عَلى رَفارِفَ خِضارٍ - بِوَزْنِ فِعالٍ، وقالَ صاحِبُ الكامِلِ: قَرَأ رَفارِفَ بِالجَمْعِ ابْنُ مَصْرِفِ وابْنُ مُقْسِمٍ وابْنُ مُحَيْصَنٍ، واخْتارَهُ شِبْلٌ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ والزَّعْفَرانِيُّ وهو الِاخْتِيارُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( خُضْرٍ )، و«عَباقِرِيِّ» بِالجَمْعِ وبِكَسْرِ القافِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ابْنُ مُقْسِمٍ وابْنُ مُحَيْصَنٍ، ورُوِيَ عَنْهُما التَّنْوِينُ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ زُهَيْرٌ القُرْقُبِيُّ رَفارِفُ بِالجَمْعِ وتَرْكُ الصَّرْفِ، وأبُو طُعْمَةَ المَدَنِيُّ وعاصِمٌ فِيما رُوِيَ عَنْهُ رَفارِفٌ بِالصَّرْفِ وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذَلِكَ، وعَباقَرِيُّ بِالجُمَعِ والصَّرْفِ، وعَنْهُ وعَباقَرِيُّ بِفَتْحِ القافِ والياءِ عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ عَباقَرُ بِفَتْحِ القافِ، والصَّحِيحُ فِيهِ عَبْقَرُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُرِئَ عَباقَرِيُّ كَمَدائِنِيِّ.

ورَوى أبُو حاتِمٍ عَباقَرِيُّ بِفَتْحِ القافِ ومَنعِ الصَّرْفِ وهَذا لا وجْهَ لِصِحَّتِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ القِراءَةُ لا مُخْرِجَ لَها لِأنَّ ما جاوَزَ الثَّلاثَةَ لا يُجْمَعُ بِياءِ النَّسَبِ فَلَوْ جَمَعْتَ عَبْقَرِيَّ قُلْتَ: عَباقِرَةَ نَحْوَ مُهْلَبِيُّ ومَهالِبَةُ ولا تَقُولُ مَهالَبِيَّ.

وقالَ ابْنُ جِنِّيِّ: أمّا تَرْكُ صَرْفِ عَباقِرِيِّ فَشاذٌّ في القِياسِ ولا يُسْتَنْكَرُ شُذُوذَهُ مَعَ اسْتِعْمالِهِ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: كَوْنُهُ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجَمْعِ كَمَدائِنِيٍّ باطِلٌ فَإنَّ مَن قَرَأ بِذَلِكَ قَرَأ رَفارِفَ خُضْرٍ بِقَصْدِ المُجانَسَةِ ولَوْ كانَ كَما ذَكَرَ كانَ مُفْرَدًا ولا يَصِحُّ مَنعُ صَرْفِهِ كَمُدايِنِيِّ وقَدْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ بِمَنعِهِ الصَّرْفِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو مِن بابِ كُرْسِيٍّ وكَراسِيٍّ وهو مِن صِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ لَكِنَّها خالَفَتِ القِياسَ في زِيادَةِ ما بَعْدَ الألْفِ عَلى المَعْرُوفِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ فَتْحُ القافِ لا وجْهَ لَهُ بِوَجْهٍ والمَذْكُورُ في المُنْتَقى عَنِ النَّبِيِّ  الكَسْرُ.

وأمّا مَنعُ الصَّرْفِ فَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِيُرَدَّ بَلْ وجْهُهُ أنَّهُ نُصِبَ عَلى مَحَلِّ رَفْرَفَ عَلى حَدِّ: يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغَوْرًا.

وإضافَتُهُ إلى ( حِسانٍ ) مِثْلُ إضافَةِ حُورٍ إلى عِينٍ في قِراءَةِ عِكْرِمَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَباقَرِيُّ مَفارِشُ، أوْ نَمارِقُ حِسانٌ فَهو مِن بابِ أخْلاقِ ثِيابِ لِأنَّ أحَدَ الوَصْفَيْنِ قائِمٌ مُقامَ المَوْصُوفِ، ولَعَلَّ عَبْقَرَ وعَباقِرَ مِثْلُ عَرَفَةَ وعَرَفاتِ انْتَهى، فَأحِطْ بِجَوانِبِ الكَلامِ ولا تَغْفُلْ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزِ خُضُرَ بِضَمِّ الضّادِ وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طُرْفَةَ: أيُّها القَيْناتُ في مَجْلِسِنا جَرِّدُوا مِنها وِرادًا وشُقْرَ وقَوْلُ الآخَرِ: وما انْتَمَيْتُ إلى خَوْدٍ ولا كَشْفٍ ∗∗∗ ولا لِئامٍ غَداةَ الرَّوْعِ أوْزاعِ فَشُقْرٌ جَمْعُ أشْقَرِ، وكَشْفٌ جَمَعُ أكْشْفِ وهو مَن يَنْهَزِمُ في الحَرْبِ، هَذا والوَصْفُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ ﴾ إلَخْ دُونَ الوَصْفِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ  ﴾ عِنْدَ القائِلِ بِتَفْضِيلِ الجَنَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ لِما في هَذا الوَصْفِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ الظَّهائِرِ مِمّا يَعْجُزُ عَنْها الوَصْفُ.

ومَن ذَهَبَ إلى تَفْضِيلِ الأخِيرَتَيْنِ يَقُولُ: الرَّفْرَفُ ما يُطْرَحُ عَلى ظَهْرِ الفَرّاشِ ولَيْسَتِ الفُرُشالَّتِي يُطْرَحُ عَلَيْها الرَّفْرَفُ مَذْكُورَةٌ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْكُ ذِكْرِها لِلْإشارَةِ إلى عَدَمِ إحاطَةِ الوَصْفِ بِها ظِهارَةً وبِطانَةً وهو أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، ولا يَسْلَمُ أنَّ تِلْكَ الفُرُشَ هي العَبْقَرِيُّ، أوْ يَقُولُ الرَّفْرَفَ الفُرُشَ المُرْتَفِعَةَ وتَرَكَ التَّعَرُّضِ لِسِوى لَوْنَها وهو الخُضْرَةُ الَّتِي مَيْلُ الطِّباعِ إلَيْها أشَدُّ وهي جامِعَةٌ لِأُصُولِ الألْوانِ الثَّلاثَةِ عَلى ما بَيَّنَهُ الإمامُ يُشِيرُ إلى أنَّها مِمّا لا تَكادُ تُحِيطُ بِحَقِيقَتِها العَباراتُ، وقَدْ يُقالُ غَيْرُذَلِكَ فَتَأمَّلْ، ويَنْبَغِي عَلى القَوْلِ بِتَفْضِيلِ الأخِيرَتَيْنِ وكَوْنِهِما لِطائِفَةٍ غَيْرِ الطّائِفَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ بِمَن خافَ أنْ لا يُفَسِّرُ مِن خافَ بِمَن لَهُ شِدَّةُ الخَوْفِ بِحَيْثُ يُخْتَصُّ بِأفْضَلِ المُؤْمِنِينَ وأجَلِّهِمْ.

أوْ يُقالُ: إنَّهُما مَعَ الأُولَيَيْنِ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ويَكُونُ المَعْنى ﴿ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ﴾ أيْضًا ( جَنَّتانِ ) صِفَتُهُما كَيْتٌ وكَيْتٌ مِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ، وعَلَيْهِ قِيلَ: ( جَنَّتانِ ) عَطْفٌ عَلى ( جَنَّتانِ ) قَبْلَهُ ﴿ ومِن دُونِهِما ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ سَواءٌ كانَتا أفَضَّلَ مِنَ الأُولَيَيْنِ أمْ لا لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلَهُ يَوْمُ القِيامَةِ أرْبَعُ جِنانَ.

قالَ الطَّبَرَسِيُّ: والأخِيرَتانِ دُونَ الأُولَيَيْنِ أيْ أقْرَبَ إلى قَصْرِهِ ومَجالِسِهِ لِيَتَضاعَفَ لَهُ السُّرُورُ بِالتَّنَقُّلِ مِن جَنَّةٍ إلى جَنَّةٍ عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِن طَبْعِ البَشَرِ مِن شَهْوَةِ مِثْلِذَلِكَ وهو أبْعَدُ عَنِ المَلَلِ الَّذِي طُبِعَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ احْتِمالًا ظاهِرًا لَكِنْ ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَأْباهُ فَإذا صَحَّ ولَوْ مَوْقُوفًا - إذْ حُكْمُ مِثْلُهُ حَكَمُ المَرْفُوعِ - لَمْ يَكُنْ لَنا العُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أيْضًا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ذَكَرَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ يُشْعِرُ بِأنَّ الجِنانَ الأرْبَعَ هي جِنانُ الفِرْدَوْسِ.

وأخْرَجَ عَنْهُ أحْمَدٌ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم أنَّهُ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««جِنانُ الفِرْدَوْسِ أرْبَعُ جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهُما وآنِيَتُهُما وما فِيهِما وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ حِلْيَتُهُما وآنِيَتُهُما وما فِيهِما وما بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمْ إلّا رِداءَ الكِبْرِياءِ عَلى وجْهِهِ في جِنَّةِ عَدْنٍ»» والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّهُ يَشْتَرِكُ الأُلُوفُ في الجَنَّةِ الواحِدَةِ مِن هَذِهِ الجِنانِ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِمَن خافَ ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ مِمّا لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ قاصِراتِ الطَّرْفِ كُنَّ مِنَ الإنْسِ فَهُنَّ أجَلُّ قَدْرًا وأحْسَنُ مَنظَرًا مِنَ الحَوَرِ المَقْصُوراتِ في الخِيامِ بِناءً عَلى أنَّهُنَّ النِّساءُ المَخْلُوقاتُ في الجَنَّةِ.

فَقَدْ جاءَ مِن حَدِيثِ أمِّ سَلَمَةَ ««قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أنِساءُ الدُّنْيا أفْضَلُ أمِ الحُورُ العَيْنِ ؟

قالَ: نِساءُ الدُّنْيا أفْضَلُ مِنَ الحُورِ العِينِ كَفَضْلِ الظِّهارَةِ عَلى البِطانَةِ، قُلْتُ: يا رَسُولُ اللَّهِ وبِمَ ذاكَ ؟

قالَ: بِصَلاتِهِنَّ وصِيامِهِنَّ وعِبادَتِهِنَّ ألْبَسُ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ وأجْسادَهُنَّ الحَرِيرَ بِيضُ الوُجُوهِ خُضْرُ الثِّيابِ صُفْرُ الحُلِيِّ مَجامِرَهُنَّ الدُّرُّ وأمْشاطَهِنَّ الذَّهَبُ يَقُلْنَ ألا نَحْنُ الخالِداتُ فَلا نَمُوتُ أبَدًا ألا ونَحْنُ النّاعِماتُ فَلا نَيْأسُ أبَدًا طُوبى لِمَن كُنّا لَهُ وكانَ لَنا»» إلى غَيْرِهِ مِنَ الأخْبارِ ويَكُونُ هَذا مُؤَيَّدًا لِلْقَوْلِ بِتَفْضِيلِ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ عَلى الأخِيرَتَيْنِ ولَعَلَّهُ إنَّما قَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ الِاتِّكاءِ أوَّلًا عَلى ذِكْرِ النِّساءِ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَكَرَ في صَدْرِ الآيَةِ الخَوْفَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ فَناسَبَ التَّعْجِيلَ بِذِكْرِ ما يُشْعِرْ بِزَوالِهِ إشْعارًا ظاهِرًا وهو الِاتِّكاءُ فَإنَّهُ مِن شَأْنِ الآمِنِينَ، وأخَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَهُ ثانِيًا عَنْ ذِكْرِهِنَّ لِعَدَمِ ما يَسْتَدْعِيِ التَّقْدِيمَ وكَوْنُهُ مِمّا يَكُونُ لِلرَّجُلِ عادَةً بَعْدَ فَراغِ ذِهْنِهِ عَمّا يَحْتاجُهُ المَنزِلُ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وقَيْنَةٍ تَكُونُ فِيهِ، وإذا قُلْنا: إنَّ الحَوَرَ كالجَوارِي في المَنزِلِ كانَ أمْرُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أوْقَعَ، وقالَ الإمامُ في ذَلِكَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُتَنَعِّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعُ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَوْفِزَ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَغْتَسِلُ ويَنْتَشِرُ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويَسْتَرِيحُ عَمّا لَحِقَهُ مَن تَعِبٍ قَبْلَ قَضاءَ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ في أهْلِ الجَنَّةِ: ( مُتَّكِئُونَ ) قِيلَ اجْتِماعُهم بِأهالِيهِمْ مُتَّكِئُونَ بَعْدَ الِاجْتِماعِ لِيُعْلِمَ أنَّهم دائِمُونَ عَلى السُّكُونِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يَحْسِمُ السُّؤالَ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لِمَ لَمْ يَعْكِسْ أمْرَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في المَوْضِعَيْنِ مَعَ أنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى ذَلِكَ أيْضًا، ثُمَّ ذَكَرَ في ذَلِكَ وجْهًا ثانِيًا وهو عَلى ما فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى ما لا مُسْتَنَدَ لَهُ فِيهِ مِنَ الآثارِ فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ يعني: من دون الجنتين اللتين ذكرهما، جنتان أخروان.

فالأوليان جنة النعيم وجنة عدن، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: قد ذكر للمتقين جنتين، وجنتان أخريان، زيادة على الكرامة.

فكيف تنكرون فضل ربكم.

وكرامته.

ثم وصف الجنتين الأخريين فقال: مُدْهامَّتانِ يعني: خضراوان.

ويقال: التي تضرب خضرها إلى السواد فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ بعني جعل لكم الجنان المخضرة، لأن النظر في الخضرة يُجلي البصر، فكيف تنكرون وحدانيته.

ثم قال: يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ يعني: ممتلئتان فوارتان.

وقال القتبي: يعني: تفوران بالماء، والنضخ أكثر من النضح.

وقال مجاهد: ضَّاخَتانِ يعني: مملوءتان من الخير لا ينقطعان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: كيف تنكرون من جعل لكم فيهما عينان تفوران على الدوام، ولا انقطاع لهما.

ثم قال عز وجل: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ يعني: في الجنتين الأخريين من ألوان الفاكهة.

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ معناه: في الجنتين الأخريين من ألوان الفاكهة، كمثل ما في الأوليين، فأنتم تجدون فيها ألواناً من الثمار، والفواكه.

فكيف تنكرون هذه النعمة.

ثم قال عز وجل: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ يعني: في الجنان كلها زوجات حسان.

وقال الزجاج: أصله في اللغة خيرات.

وقد قرئ بالتشديد، وقراءة العامة بالتخفيف.

وقال مقاتل: خَيِّرات الأخلاق، حسان الوجوه، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: في هذه الجنان الأربعة، في كل واحدة منها تجدون خيرة زوجة هي أحسن بما في الأخرى، فكيف تنكرون عزة ربكم ولا تشكرونه.

ثم وصف الخيرات فقال: حُورٌ مَقْصُوراتٌ يعني: محبوسات فِي الْخِيامِ على أزواجهن.

وقال ابن عباس: الخيمة الواحدة من لؤلؤة مجوفة فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فكيف تنكرون هذه النعمة حين حَبَسَ الأزواج الطيبات لكم إن أطعتم الله؟.

ثم قال عز وجل: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ يعني: لم يمسسهن إنس قبلهم، ولا جان.

قرأ الكسائي: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ بضم الميم.

والباقون: بالكسر.

وهما لغتان، ومعناهما واحد.

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.

ثم قال: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ يعني: نائمين على المجالس الخضر، على السرر الحسان.

ويقال: على رياض خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ يعني: الزرابيّ الكثيرة الألوان، وهي الطنافس الحسان.

وقال مجاهد: وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ يعني: الديباج.

وقال الزجاج: وإنما قال: عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ولم يقل حسن، لأن العبقري جماعة.

يقال: للواحدة عبقرية، كما تقول: ثمرة وثمر لوزة، ولوز، وأيضاً يكون العبقري اسم جنس، والعبقري كل شيء بولغ في وصفه، والعبقري البُسُط.

ويقال: الطنافس المبسوطة.

ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس تتجاحدان مع هذه الكرامات التي بين الله تعالى لكم؟

لتعلموا، فتناولوا تلك الكرامات ما شاء الله.

ثم قال عز وجل: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ يعني: ذي الارتفاع.

يعني: ارتفاع المنزلة، والقدرة وَالْإِكْرامِ يعني: الكريم، المتجاوز عن المذنبين.

ويقال: الاسم زيادة في الكلام، ومعناه: تبارك ربك.

قرأ ابن عامر: ذُو الْجَلالِ بالواو.

والباقون: ذِي الْجَلالِ بالياء.

فمن قرأ: ذُو جعله نعتاً للاسم، والاسم رفع.

ومن قرأ: بالكسر، جعله نعتا للرب عز وجل والله أعلم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، ولَهُ مِن دُونِهِما جَنَّتانِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن دُونِهِما ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: دُونَهُما في الدَّرَجِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: دُونَهُما في الفَضْلِ كَما رَوى أبُو مُوسى عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ"؛» وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ [وابْنُ الزُّبَيْرِ]: خَضْراوانِ مِنَ الرِّيِّ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِن خُضْرَتِهِما قَدِ اسْوَدَّتا.

قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي أنَّهُما خَضْراوانِ تَضْرِبُ خُضْرَتُهُما إلى السَّوادِ، وكُلُّ نَبْتٍ أخْضَرَ فَتَمامٌ خُضْرَتِهِ ورِيِّهِ أنْ يَضْرِبَ إلى السَّوادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَضّاخَتانِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَوّارَتانِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَفُورانِ، "والنَّضْخُ" أكْثَرُ مِنَ "النَّضْحِ" .

وفِيما يَفُورانِ بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِالمِسْكِ والكافُورِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: بِالماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَخْلُ الجَنَّةِ: جُذُوعُها زُمُرُّدٌ أخْضَرُ، وكَرَبُها: ذَهَبٌ أحْمَرُ، وسَعَفُها: كُسْوَةُ أهْلِ الجَنَّةِ، مِنها مُقَطَّعاتُهم وحُلَلُهم.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَخْلُ الجَنَّةِ: جُذُوعُها مِن ذَهَبٍ، وعُرُوقُها مِن ذَهَبٍ، وكَرانِيفُها مِن زُمُرُّدٍ، ورُطَبُها كالدِّلاءِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وألْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، وأحْلى مِنَ العَسَلِ، لَيْسَ لَهُ عَجَمٌ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكَرانِيفُ: أُصُولُ السَّعَفِ الغِلاظُ، الواحِدَةُ: كِرْنافَةٌ.

وإنَّما أعادَ ذِكْرَ النَّخْلِ والرُّمّانِ - وقَدْ دَخَلا في الفاكِهَةِ - لِبَيانِ فَضْلِهِما كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ.

وحَكى الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أنَّ قَوْمًا قالُوا: لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ؛ قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ ذَهَبُوا مَذْهَبًا، ولَكِنَّ العَرَبَ تَجْعَلُهُما فاكِهَةً.

قالَ الأزْهَرِيُّ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِنَ العَرَبِ قالَ في النَّخِيلِ والكُرُومِ وثِمارِها: إنَّها لَيْسَتْ مِنَ الفاكِهَةِ، وإنَّما قالَ مَن قالَ، لِقِلَّةِ عِلْمِهِ بِكَلامِ العَرَبِ، فالعَرَبُ تَذْكُرُ أشْياءَ جُمْلَةً ثُمَّ تَخُصُّ شَيْئًا مِنها بِالتَّسْمِيَةِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلٍ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ ؛ فَمَن قالَ: لَيْسا مِنَ المَلائِكَةِ كَفَرَ، ومَن قالَ: ثَمَرُ النَّخْلِ والرُّمّانِ لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ جَهِلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ يَعْنِي في الجِنانِ الأرْبَعِ "خَيْراتٌ" يَعْنِي الحُورَ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نُهَيْكٍ: "خَيِّراتٌ" بِتَشْدِيدِ الياءِ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أصْلُهُ "خَيِّراتٌ" بِالتَّشْدِيدِ، فَخُفِّفَ، كَما قِيلَ: هَيْنٌ لَيْنٌ، وهَيِّنٌ لَيِّنٌ.

ورَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "خَيْراتُ الأخْلاقِ حِسانُ الوُجُوهِ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُورٌ مَقْصُوراتٌ ﴾ قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ [الدُّخانِ: ٥٤] مَعْنى الحُورِ.

وَفِي المَقْصُوراتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَحْبُوساتُ في الحِجالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ الحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ، والقُرَظِيِّ، والضَّحّاكِ، وأبِي صالِحٍ.

والثّانِي: المَقْصُوراتُ الطَّرْفِ عَلى أزْواجِهِنَّ، فَلا يَرْفَعْنَ طَرْفًا إلى غَيْرِهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والأوَّلُ أصَحُّ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: امْرَأةٌ مَقْصُورَةٌ وقَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ: إذا كانَتْ مُلازِمَةً خِدْرَها، قالَ كُثَيِّرٌ: لَعَمْرِي لَقَدْ حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ إلَيَّ وما تَدْرِي بِذاكَ القَصائِرُ عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ وَبَعْضُهم يَنْشُدُهُ: قَصُورَةٌ، وقَصُوراتٌ؛ والبَحاتِرُ: القِصارُ.

وَفِي "الخِيامِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها البُيُوتُ.

والثّانِي: خِيامٌ تُضافُ إلى القُصُورِ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ  [أنَّهُ] قالَ: « "إنَّ لِلْمُؤْمِنِ في الجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها في السَّماءِ سِتُّونَ مِيلًا لِلْمُؤْمِنِ فِيها أهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ [المُؤْمِنُ] فَلا يَرى بَعْضُهم بَعْضًا" .» وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الخِيامُ: دُرٌّ مُجَوَّفٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَيْمَةُ: لُؤْلُؤَةٌ واحِدَةٌ أرْبَعَةُ فَراسِخَ في أرْبَعَةِ فَراسِخَ، لَها أرْبَعَةُ آلافِ مِصْراعٍ مِن ذَهَبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ ﴾ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَلى رَفارِفَ" جَمْعٌ غَيْرُ مَصْرُوفٍ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ مِثْلَهُمْ، إلّا أنَّهم صَرَفُوا "رَفارِفَ" قالَ ثَعْلَبٌ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: أخْضَرَ، لِأنَّ الرَّفْرَفَ جَمْعٌ، واحِدَتُهُ: رَفْرَفَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا  ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الخُضْرِ، لِأنَّ الشَّجَرَ جَمْعٌ، تَقُولُ: هَذا حَصًى أبْيَضُ، وحَصًى أسْوَدُ، قالَ الشّاعِرُ: أحَقّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ ماشِيًا ∗∗∗ بِهِرْجابَ ما دامَ الأراكُ بِهِ خُضْرا واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالرَّفْرَفِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها فُضُولُ المَحابِسِ [والبُسُطِ]، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ: الفُرُشُ والبُسُطُ.

وحَكى الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أنَّها المَحابِسُ.

وقالَ النَّقّاشُ: الرَّفْرَفُ: المَحابِسُ الخُضْرُ فَوْقَ الفُرُشِ.

والثّانِي: أنَّها رِياضُ الجَنَّةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها الوَسائِدُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الزَّرابِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَبْقَرِيُّ: الطَّنافِسُ الثِّخانُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ البُسُطِ: عَبْقَرِيٌّ.

والثّانِي: أنَّهُ الدَّيْباجُ الغَلِيظُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ العَبْقَرِيِّ في اللُّغَةِ أنَّهُ صِفَةٌ لِكُلِّ ما بُولِغَ في وصْفِهِ، وأصْلُهُ أنَّ عَبْقَرَ: بَلَدٌ كانَ يُوشى فِيهِ البُسُطُ وغَيْرُها، فَنُسِبَ كُلُّ شَيْءٍ جَيِّدٍ إلَيْهِ، قالَ زُهَيْرٌ: بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا وَقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَعَباقِرِيَّ" بِألِفٍ مَكْسُورَةَ القافِ مَفْتُوحَةَ الياءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينِهِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ولا وجْهَ لِهَذِهِ القِراءَةِ في العَرَبِيَّةِ لِأنَّ الجَمْعَ الَّذِي بَعْدَ ألِفِهِ حَرْفانِ، نَحْوُ؛ مَساجِدَ ومَفاتِحَ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ مِثْلُ عَباقِرِيَّ، لِأنَّ ما جاوَزَ الثَّلاثَةَ لا يُجْمَعُ بِياءِ النَّسَبِ، فَلَوْ جَمَعْتَ "عَبْقَرِيٍّ" كانَ جَمْعُهُ "عَباقِرَةً" كَما أنَّكَ لَوْ جَمَعْتَ "مُهْلِبِيٌّ" كانَ جَمْعُهُ "مَهالِبَةً" ولَمْ تَقُلْ: "مَهالِبِيَّ" قالَ: فَإنْ قِيلَ: "عَبْقَرِيٌّ" واحِدٌ، و"حِسانٌ" جَمْعٌ، فَكَيْفَ جازَ هَذا؟

فالأصْلُ أنَّ واحِدَ هَذا "عَبْقَرِيَّةٌ" والجَمْعُ "عَبْقَرِيٌّ"، كَما تَقُولُ: تَمْرَةٌ، وتَمْرٌ ولَوْزَةٌ، ولَوْزٌ، ويَكُونُ أيْضًا "عَبْقَرِيٌّ" اسْمًا لِلْجِنْسِ.

وَقَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: "وَعَباقَرِيٍّ" بِألِفٍ مَعَ التَّنْوِينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ "الِاسْمِ" صِلَةٌ، والمَعْنى: تَبارَكَ رَبُّكَ.

والثّانِي: أنَّهُ أصْلٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، أيِ: البَرَكَةُ تُنالُ وتُكْتَسَبُ بِذِكْرِ اسْمِهِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ تَبارَكَ ﴾ في [الأعْرافِ: ٥٤]، وذَكَرْنا في هَذِهِ السُّورَةِ مَعْنى ﴿ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ  ﴾ ، وكانَ ابْنُ عامِرٍ يَقْرَأُ: "ذُو الجَلالِ" وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ؛ والباقُونَ: "ذِي الجَلالِ" وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الحِجازِ والعِراقِ، [وَهُمْ] مُتَّفِقُونَ عَلى المَوْضِعِ الأوَّلِ أنَّهُ "ذُو" .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ "خَيْراتٌ" جَمْعُ "خَيْرَةٍ" وهي أفْضَلُ النِساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعالى: "خَيْراتٌ حِسانٌ "، قالَ: "خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ"» وقَرَأ أبُو بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "خَيِّراتٌ" بِشَدّ الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقْصُوراتٌ" مَعْناهُ: مَحْجُوباتٌ مَصُوناتٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَمْدَحُ النِساءَ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..........

∗∗∗ وتَغْفُلُ عن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ يَصِفُ أنَّ جِيرانَها يَزُرْنَها ولا تَزُورُهُنَّ، ويُرْوى أنَّ بَيْتَ الأعْشى قَدْ ذَمَّ، وهو قَوْلُهُ: كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ فَقِيلَ في ذَمِّهِ: هَذِهِ جَوّالَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، ومِن مَدْحِ القَصْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ أُرِيدُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِساءِ البَحاتِرُ وقالَ الحَسَنُ: مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ: لَيْسَ بِطَوّافاتٍ في الطُرُقِ.

و"الخِيامِ": البُيُوتُ مِنَ الخَشَبِ والثُمامِ وسائِرِ الحَشِيشِ، وهي بُيُوتُ المُرْتَحِلِينَ مِنَ العَرَبِ.

وخِيامُ الجَنَّةِ: بُيُوتُ اللُؤْلُؤِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ  ، وإذا كانَ عِنْدَ المَسْكَنِ عِنْدَ العَرَبِ مَن شِعْرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ومِن هَذا قَوْلُ جَرِيرٍ: مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سَقَيْتُ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: أمْرَخٌ خِيامُهم أمْ عُشُرُ؟....

فاسْتَفْهَمَ: هَلْ هم مُنْجِدُونَ أمْ غائِرُونَ؟

لِأنَّ العُشُرَ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في تِهامَةَ والمَرْخُ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في نَجْدٍ.

و"الرَفْرَفُ": ما تَدَلّى مِنَ الأسْرَةِ مِن غالِي الثِيابِ والبَسْطِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الرَفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْيَنُ، ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ مِن: رَفَّ النَبْتُ إذا نَعُمَ وحَسُنَ.

وما تَدَلّى حَوْلَ الخِباءِ مِنَ الخِرْقَةِ الشَفّافَةِ يُسَمّى رَفْرَفًا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ الناسُ اليَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الرَفْرَفُ: المَرافِقُ، و"العَبْقَرِيُّ": بُسُطٌ حِسانٌ فِيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ تُصْنَعُ بِعَبْقَرٍ، وهو مَوْضِعٌ يَعْمَلُ فِيهِ الوَشْيُ والدِيباجُ ونَحْوُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ: الزَرابِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الطَنافِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الدِيباجُ الغَلِيظُ، وقَرَأ زُهَيْرٌ الفَرْقَبِيُّ: "رَفارِفُ" بِالجَمْعِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ أبُو طَمِعَةَ المَدَنِيُّ، وعاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ-: "رَفارِفٍ" بِالصَرْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ "رَفارِفٍ وعَباقِرِيٍّ" بِالجَمْعِ والصَرْفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  ، وغَلِطَ الزَجّاجُ والرُمّانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَرَأ أيْضًا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "عَباقَرَيَ" بِفَتْحِ القافِ والياءِ، وهَذا عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ "عَباقَرَ" بِفَتْحِ القافِ، والصَحِيحُ في اسْمِ المَوْضِعِ "عَبْقَرَ"، قالَ امْرُؤُ القَيْسَ: كَأنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تَشُذُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يَنْتَقِدْنَ بِعَبْقَرا قالَ الخَلِيلُ والأصْمَعِيُّ: العَرَبُ إذا اسْتَحْسَنَتْ شَيْئًا واسْتَجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ "» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ سَيِّدُ القَوْمِ وعَيْنُهُمْ، وقالَ زُهَيْرٌ: بِخَيْلٍ عَلَيْها جَنَّةُ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا ويُقالُ: عَبْقَرٌ: مَسْكَنٌ لِلْجِنِّ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ: حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسُها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُضُرٌ" بِضَمِّ الضادِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذِي الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الرَبِّ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشامِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الِاسْمِ"، وكَذَلِكَ في الأوَّلِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" في المَوْضِعَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ مِمّا أُرِيدَ فِيهِ بِالِاسْمِ مُسَمّاهُ، والدُعاءُ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "ألَظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ"».

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

و ﴿ متكئين ﴾ : حال من ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ كررت بدون عطف لأنها في مقام تعداد النعم وهو مقام يقتضي التكرير استئنافاً.

والرفرف: ضرب من البسط، وهو اسم جمع رَفرفة، وهي ما يبسط على الفراش ليُنام عليه، وهي تنسج على شبه الرياض ويغلب عليها اللون الأخضر، ولذلك شبه ذو الرمة الرياض بالبسط العبقرية في قوله: حتّى كأنَّ رياض القُف ألبسَها *** مِن وَشْي عَبقَرَ تجْليل وتنجيد فوصفها في الآية بأنها ﴿ خضر ﴾ وصف كاشف لاستحضار اللون الأخضر لأنه يسرّ الناظر.

وكانت الثياب الخضر عزيزة وهي لباس الملوك والكبراء، قال النابغة: يصونون أجساداً قديماً نعيمُها *** بخالصة الأرْدَان خُضْرِ المناكب وكانت الثياب المصبوغة بالألوان الثابتة التي لا يزيلها الغسل نادرة لقلة الأصباغ الثابتة ولا تكاد تعدو الأخضر والأحمر ويسمّى الأرجواني.

وأما المتداول من إصباغ الثياب عند العرب فهو ما صُبغ بالورس والزعفران فيكون أصفر، وما عدا ذلك فإنما لونه لون ما ينسج منه من صوف الغنم أبيض أو أسود أو من وبر أو من كتان أبيض أو كان من شَعَر المعز الأسود.

و ﴿ حسان ﴾ : جمع حسناء وهو صفة ل ﴿ رفرف ﴾ إذ هو اسم جمع.

وعبقري: وصف لما كان فائقاً في صنفه عزيز الوجود وهو نسبة إلى عبقر بفتح فسكون ففتح اسم بلاد الجنّ في معتقد العرب فَنَسَبوا إليه كل ما تجاوز العادة في الإِتقان والحسن، حتى كأنه ليس من الأصناف المعروفة في أرض البشر، قال زهير: بِخَيْل عليها جِنة عبقرية *** جديرون يوماً أن ينَالوا ويسْتَعْلُوا فشاع ذلك فصار العبقري وصفاً للفائق في صنفه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما حكاه من رؤيا القليب الذي استسقَى منه «ثم أخذها (أي الذَنوبَ) عُمر فاستحالت غَرباً فلم أَرَ عَبقَريًّا يَفري فَرِيَّة».

وإلى هذا أشار المعري بقوله: وقد كان أرباب الفصاحة كلما *** رَأوا حَسَناً عَدُّوه من صنعَة الجن فضربه القرآن مثلاً لما هو مألوف عند العرب في إطلاقه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ أقْرَبُ مِنهُما جَنَّتانِ.

الثّانِي: أيْ دُونَ صِفَتِهِما جَنَّتانِ.

وَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الجَنّاتِ الأرْبَعَ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَيَكُونُ في الأُولَيَيْنِ النَّخْلُ والشَّجَرُ، وفي الأُخْرَيَيْنِ الزَّرْعُ والنَّباتُ وما انْبَسَطَ.

الثّانِي: أنَّ الأُولَيَيْنِ مِن ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، والأُخْرَيَيْنِ مِن ورَقٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الأُولَيَيْنِ لِلسّابِقِينَ، والأُخْرَيَيْنِ لِلتّابِعِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ مُقاتِلٌ: الجَنَّتانِ الأُولَيانِ جَنَّةُ عَدْنٍ وجَنَّةُ النَّعِيمِ والأُخْرَيانِ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ وجَنَّةُ المَأْوى، وفي الجَنّاتِ الأرْبَعِ جِنانٌ كَثِيرَةٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَكُونَ مِن دُونِهِما جَنَّتانِ لِأتْباعِهِ، لِقُصُورِ مَنزِلَتِهِمْ عَنْ مَنزِلَتِهِ، إحْداهُما لِلْحُورِ العِينِ، والأُخْرى لِلْوِلْدانِ المُخَلَّدِينَ، لِتُمَيَّزَ بِهِما الذُّكُورُ عَنِ الإناثِ.

﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أيْ خَضْراوانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مُسْوَدَّتانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّهْمَةِ وهي السَّوادُ، ومِنهُ سُمِّيَ سُودُ الخَيْلِ دُهْمًا.

الثّالِثُ: [خَضْرَوانِ مِنَ الرِّيِّ] ناعِمَتانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُهُما: مُمْتَلِئَتانِ لا تَنْقَطِعانِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: جارِيَتانِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: فَوّارَتانِ، وذَكَرَ في الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ عَيْنَيْنِ تَجْرِيانِ، وذَكَرَ في الأُخْرَيَيْنِ عَيْنَيْنِ نَضّاخَتَيْنِ، والجَرْيُ أكْثَرُ مِنَ النَّضْخِ.

وَبِماذا هُما نَضّاخَتانِ؟

فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِالمِسْكِ والعَنْبَرِ، قالَهُ أنَسٌ.

الثّالِثُ: بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ يَعْنِي الجَنّاتِ الأرْبَعَ، وفي الخَيْراتِ قِراءَتانِ إحْداهُما بِالتَّخْفِيفِ، وفي المُرادِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: الخَيْرُ والنِّعَمُ المُسْتَحْسَنَةُ.

الثّانِي: خَيْراتُ الفَواكِهِ والثِّمارِ، وحِسانٌ في المَناظِرِ والألْوانِ.

والقِرَءاةُ الثّانِيَةُ بِالتَّشْدِيدِ، وفي المُرادِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُخْتاراتٌ.

الثّانِي: ذَواتُ الخَيْرِ وفِيهِنَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ الحُورُ المُنْشَآتُ في الآخِرَةِ.

الثّانِي: أنَّهُنَّ النِّساءُ المُؤْمِناتُ الفاضِلاتُ مِن أهْلِ الدُّنْيا.

وَفي تَسْمِيَتِهِنَّ خَيْراتٍ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهُنَّ خَيْراتُ الأخْلاقِ حِسانُ الوُجُوهِ، قالَهُ قَتادَةُ ورَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: الثّانِي: لِأنَّهُنَّ عَذارى أبْكارًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُنَّ مُخْتاراتٍ.

الرّابِعُ: لِأنَّهُنَّ خَيْراتٌ صالِحاتٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

﴿ حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَقْصُوراتُ الطَّرْفِ عَلى أزْواجِهِنَّ فَلا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا، ولا يَرْفَعْنَ طَرَفًا إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الرِّجالِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: المَحْبُوساتُ في الحِجالِ لَسْنَ بِالطَّوّافاتِ في الطُّرُقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: المُخَدَّراتُ المَصُوناتُ، ولا مُتَعَطِّلاتٍ ولا مُتَشَوِّفاتٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

الرّابِعُ: أنَّهُنَّ المُسْكَناتُ في القُصُورِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يُرِيدَ بِالمَقْصُوراتِ البِيضَ، مَأْخُوذٌ مِن قُصارَةِ الثَّوْبِ الأبْيَضِ، لِأنَّ وُقُوعُ الفَرْقِ بَيْنَ المَقْصُوراتِ والقاصِراتِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الفَرْقِ بَيْنَهُما في التَّأْوِيلِ: وَفِي الخِيامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الخِيامَ هي البُيُوتُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّها خِيامٌ تُضْرَبُ لِأهْلِ الجَنَّةِ خارِجَ الجَنَّةِ كَهَيْئَةِ البَداوَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّها خِيامٌ في الجَنَّةِ تُضافُ إلى القُصُورِ.

رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « (الخِيامُ الدُّرُّ المُجَوَّفُ)» .

رُوِيَ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ الأشْهَلِيَّةِ أنَّها أتَتِ النَّبِيَّ  فَقالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّنا مَعْشَرَ النِّساءِ مَحْصُوراتٌ مَقْصُوراتٌ قَواعِدُ بُيُوتِكم وحَوامِلُ أوْلادِكُمْ، فَهَلْ نُشارِكُكم في الأجْرِ؟

فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ (نَعَمْ إذا أحْسَنْتُنَّ تَبَعُّلَ أزْواجِكُنَّ وطَلَبْتُنَّ مَرْضاتَهم» .

﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّفْرَفَ المَحْبَسُ المُطَيَّفُ بِبَسْطِهِ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّانِي: فُضُولُ الفُرُشِ والبُسُطِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّها الوَسائِدُ، قالَهُ الحَسَنُ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّها الفُرُشُ المُرْتَفِعَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّفِّ.

الخامِسُ: أنَّها المَجالِسُ يَتَّكِئُونَ عَلى فُضُولِها.

السّادِسُ: رِياضُ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الطُّنافِسُ المَخْمَلِيَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: الدِّيباجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّها ثِيابٌ في الجَنَّةِ لا يَعْرِفُها أحَدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ [أيْضًا] .

الرّابِعُ: أنَّها ثِيابُ الدُّنْيا تُنْسَبُ إلى عَبْقَرَ.

وَفِي عَبْقَرِيٍّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَيِّدُ القَوْمِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: « (فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» فَنَسَبَهُ إلى أرْفَعِ الثِّيابِ لِاخْتِصاصِهِ.

الثّانِي: أرْضُ عَبْقَرَ.

وَفِي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِكَثْرَةِ الجِنِّ فِيها.

الثّانِي: لِكَثْرَةِ رَمْلِها ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ أنَّها تَكُونُ مِثْلَ العَبْقَرِيِّ لِأنَّ ما يُنْسَجُ بِعَبْقَرَ لا يَكُونُ في الجَنَّةِ إذا قِيلَ إنَّ عِبْقَرَ اسْمُ أرْضٍ.

﴿ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ثَبَتَ اسْمُ رَبِّكَ ودامَ.

الثّانِي: أنَّ ذِكْرَ اسْمِهِ يُمْنٌ وبَرَكَةٌ، تَرْغِيبًا في مُداوَمَةِ ذِكْرِهِ.

﴿ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ في ﴿ ذِي الجَلالِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجَلِيلُ.

الثّانِي: أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ.

وَفي " الإكْرامِ " وجْهانِ: أحَدُهُما: الكَرِيمُ.

الثّانِي: ذُو الإكْرامِ لِمَن يُطِيعُهُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى ﴿ فيهن خيرات حسان ﴾ قال: النساء.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ قال: مقصورات قلوبهن وأبصارهن وأنفسهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ لا يرون غيرهن.

وأخرج هناد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ قال: محبوسات في خيام اللؤلؤ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الأحوص قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أتدرون ما ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ در مجوف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الخيام در مجوف.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ قال: خيام اللؤلؤ، والخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة أربعة فراسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب.

وأخرج عبد الرزاق وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون باباً من در.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي مجلز «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في قول الله: ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ قال: در مجوف» .

وأخرج مسدد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ مقصورات في الخيام ﴾ قال: الدر المجوف.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون، يطوف عليهم المؤمن» .

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل له دار من لؤلؤة واحدة منها غرفها وأبوابها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي صالح ﴿ فيهن خيرات حسان ﴾ قال: عذارى الجنة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فيهن خيرات حسان ﴾ قال: خيرات الأخلاق حسان الوجوه.

وأخرج ابن المبارك في الزهد عن الأوزاعي ﴿ فيهن خيرات حسان ﴾ قال: لسن بذيئات اللسان ولا يغرن ولا يؤذين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: لكل مسلم خيرة، ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، يدخل عليها كل يوم من الله تحفة وكرامة وهدية لم تكن قبل ذلك، لا مراحات، ولا طماحات، ولا بخرات، ولا ذفرات، حور عين كأنهن بيض مكنون، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحور العين يتغنين في الجنة يقلن نحن الخيرات الحسان جئنا لأزواج كرام» .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه «عن أم مسلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله: ﴿ حور عين ﴾ قال: حور بيض عين ضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر وفي لفظ لابن مردويه شفر الجفون بمنزلة جناح النسر، قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله: ﴿ كأنهن لؤلؤ مكنون ﴾ قال: صفاؤهم كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي، قلت: فأخبرني: عن قول الله: ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ قال: رقتهن كرقة الجلدة التي في داخل البيضة مما يلي القشر.

قلت: فأخبرني عن قول الله: ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي.

قلت: فأخبرني عن قول الله: ﴿ فيهن خيرات حسان ﴾ قال: خيرات الأخلاق حسان الوجوه.

قلت: فأخبرني عن قول الله: ﴿ عرباً أتراباً ﴾ [ الواقعة: 37] قال: هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصاً شمطاً خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى عرباً متعشقات متحببات أتراباً قال على ميلاد واحد، قلت يا رسول الله: أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟

قال: نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة، قلت يا رسول الله: ولم ذاك؟

قال: بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن لله ألبس الله وجوههن من النور وأجسادهن، الحرير، بيض الألوان، خضر الثياب، صفة الحلي مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب، يقلن: ألا نحن الخالدات فلا نموت أبداً ألا ونحن الناعمات فلا نبأس أبداً، ألا ونحن المقيمات فلا نظعن أبداً، ألا ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له، قلت يا رسول الله: المرأة تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة في الدنيا ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها، من يكون زوجها منهم؟

قال: إنها تخير فتختار أحسنهم خلقاً فتقول يا رب إن هذا كان أحسنهم معي خلقاً في دار الدنيا فزوّجنيه، يا أم سلمة: ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» .

قوله تعالى: ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ .

أخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي دخلت الجنة فأتيت على نهر يسمى البيذخ عليه خيام اللؤلؤ والزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر، فنوديت: السلام عليك يا رسول الله، فقلت يا جبريل: ما هذا النداء؟

قال: هؤلاء المقصورات في الخيام استأذنّ ربهنّ في السلام عليك فأذن لهن، فطفقن يقلن: نحن الراضيات فلا نسخط أبداً، ونحن المقيمات، وفي لفظ الخالدات فلا نظعن أبداً، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حور مقصورات ﴾ حور بيض ﴿ مقصورات ﴾ محبوسات ﴿ في الخيام ﴾ قال: في بيوت اللؤلؤ.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الحور سود الحدق.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ قال: لا يخرجن من بيوتهن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ قال: محبوسات لسن بطوافات في الطرق والخيام والدر المجوف.

وأخرج هناد بن السري عن ثابت البناني قال: كنت عند أنس بن مالك فقدم عليه ابن له من غزاة يقال له أبو بكر، فسأله ثم قال: ألا أخبرك عن صاحبنا فلان؟

بينما نحن في غزاتنا إذ ثار، وهو يقول: واأهلاه واأهلاه، فنزلنا إليه وظننا أن عارضاً عرض له، فقلنا له: فقال: إني كنت أحدث نفسي أن لا أتزوج حتى أستشهد فيزوّجني الله من الحور العين، فلما طالت عليّ الشهادة حدثت نفسي في سرّي إنْ أنا رجعت تزوّجت فأتاني آت في منامي، فقال: أنت القائل إن أنا رجعت تزوّجت؟

قم فإن الله قد زوّجك العيناء، فانطلق بي إلى روضة خضراء معشبة فيها عشر جوار في يد كل واحدة صنعة تصنعها لم أر مثلهن في الحسن والجمال، قلت: فيكن العيناء؟

قلن: لا، نحن من خدمها وهي أمامك، فانطلقت فإذا بروضة أعشب من الأولى وأحسن، فيها عشرون جارية في يد كل واحدة صنعة تصنعها ليس العشر إليهن في شيء من الحسن والجمال، قلت: فيكن العيناء؟

قلن: لا، نحن من خدمها، وهي أمامك، فمضيت، فإذا أنا بروضة أخرى أعشب من الأولى والثانية وأحسن، فيها أربعون جارية في يد كل واحدة صنعة تصنعها ليس العشر والعشرون إليهن بشيء من الحسن والجمال، قلت: فيكن العيناء؟

قلن: لا، نحن من خدمها، وهي أمامك، فانطلقت فإذا أنا؟

بياقوتة مجوّفة فيها سرير عليه امرأة قد فضل جنبها عن السرير، فقلت: أنت العيناء؟

قالت: نعم مرحبا وذهبت لأضع يدي عليها، قالت: مه إن فيك شيئاً من الروح بعد، ولكن فطرك عندنا الليلة، فما فرغ الرجل من حديثه حتى نادى منادياً خيل الله اركبي، فجعلت أنظر إلى الرجل، وأنظر إلى الشمس ونحن نصافو العدوّ، واذكر حديثه، فما أدري أيهما بدر رأسه أو الشمس سقطت أولاً، فقال أنس رحمه الله: سكوت مفاجئ.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير عن عكرمة ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ قال: در مجوف.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الضحاك مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير عن مجاهد قال: الخيمة درة مجوّفة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: دار المؤمن في الجنة من لؤلؤة فيها أربعون بيتاً، في وسطها شجرة تنبت الحلل فيأتيها فيأخذ بأصبعه سبعين حلة ممنطقة باللؤلؤ والمرجان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ قال: في الحجال.

وأخرج هناد عن الشعبي ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ قال: منذ أنشئن.

وأخرج هناد عن حيان بن أبي جبلة قال: إن نساء أهل الدنيا إذا دخلن الجنة فضلن على الحور العين بأعمالهن في الدنيا.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ﴾ قال: فضول المحابس والفرش والبسط.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير عن الضحاك قال: الرفرف فضول المحابس والعبقري الزرابي وهي البسط.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ على رفرف خضر ﴾ قال: فضول الفرش ﴿ وعبقري حسان ﴾ قال: الديباج الغليظ.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ على رفرف خضر ﴾ قال: البسط ﴿ وعبقري حسان ﴾ قال: الطنافس.

وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب ﴿ متكئين على رفرف خضر ﴾ قال: فضول المحابس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ رفرف خضر ﴾ قال: المحابس ﴿ وعبقري حسان ﴾ قال: الزرابي.

وأخرج ابن المنذر عن عاصم الحجدري ﴿ متكئين على رفرف ﴾ قال: وسائد.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: الرفرف الرياض، والعبقري الزرابي.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش قال: كان زهير القرشي وكان نحوياً بصرياً يقرأ ﴿ رفارف خضر وعباقري حسان ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ متكئين على رفارف خضر وعباقري حسان ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فذكر فضل ما بينهما ثم ذكر ﴿ ومن دونهما جنتان مدهامتان ﴾ قال: خضراوان ﴿ فيهما عينان نضاختان ﴾ وفي تلك تجريان ﴿ وفيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ وفي تلك من كل فاكهة زوجان ﴿ فيهن خيرات حسان ﴾ وفي تلك ﴿ قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ﴾ وفي تلك ﴿ متكئين على فرش بطائنها من استبرق ﴾ قال: الديباج والعبقري الزرابي.

قوله تعالى: ﴿ تبارك اسم ربك ذي الجلال والإِكرام ﴾ .

أخرج البخاري في الأدب والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن معاذ بن جبل قال: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: يا ذا الجلال والإِكرام، قال: قد استجيب لك فسل» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس بن مالك قال: «كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في الحلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا، فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك، لا شريك لك، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإِكرام يا حيّ يا قيوم إني أسألك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى» .

وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ثوبان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً ثم قال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإِكرام» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألظوا بياذا الجلال والإِكرام فإنهما اسمان من أسماء الله العظام» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألظوا بياذا الجلال والإِكرام» .

وأخرج أحمد والنسائي وابن مردويه عن ربيعة بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألظوا بياذا الجلال والإِكرام» .

وأخرج الترمذي وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألظوا بياذا الجلال والإِكرام» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ رَفْرَفٍ خُضْرٍ ﴾ فضول المجالس، والبسط والفرش (١) (٢) قال الحسن: كان أهل الجاهلية يقولون هي البسط (٣) قال سعيد بن جبير: وهي الرياض، وهو قول الكلبي.

(٤) وقوله: ﴿ وَعَبْقَرِيٍّ ﴾ قال أبو عبيدة: كل وشى من البسط عبقري قال ويروى أنها أرض يَوشى فيها (٥) وقال الليث: عبقر موضع بالبادية كثير الجن يقال في المثل: كأنهم جن عبقر، وقال أبو عبيدة في حديث النبي -  - حينما ذكر عمر "فلم أر عبقريًّا يفري فريه" (٦) قال أبو عبيدة: وإنما أصل هذا فيما يقال إنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن فصارت مثلًا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير (٧) يخيل عليها جِنّةٌ عَبْقَرّيةٌ ...

جَدِيرون يوما أن ينالوا فيستعلوا وهذا القول هو الصحيح في العبقري، وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن أو شبهته بهم ومنه قول لبيد (٨) جِنُّ الْبَدِيٍّ رواسيًا أقدامُها وقال آخر يصف المرأة: جنية أو لها جن يعلِّمُها ...

رمي القلوب بقوس ما لها وتر وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كان عبقر معروفًا بسكناهم فسموا كل شي مبالغ فيه إليها، ويريدون بذلك أنه من عملهم وصنعتهم هذا هو الأصل (٩)  - في صفة عمر (عبقريًّا).

وروى سلمة عن الفراء قال: العبقري السيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر (١٠) فلو كانت عبقر مخصوصة بالوشي لما نسب إليها غير الموشى، وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة الصنعة لما ذكرنا نسب إليها كلما بولغ في وصفه.

قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ يريد البسط والطنافس (١١) (١٢) وقال قتادة: هي عتاق الزرابي (١٣) (١٤) وقال مجاهد: الديباج الغليظ (١٥) وعبقري هاهنا: جمع، واحده عبقرية، لذلك قال: ﴿ حِسَانٍ ﴾ فجمع وأما قراءة من قرأ عباقري حسان وهي تروى عن عاصم الجحدري (١٦) (١٧) (١٨) قال أبو إسحاق: هذه القراءة لا مخرج لها في العربية لأن كل جمع بعد ألفه حرفان لم ينسب إليه نحو مساجد، ومجاوز الثلاثة لا تجمع بياء النسب لو جمعت عبقريًا كان جمعه عباقرة كما أنك (١٩) (٢٠) وقال المبرد: أخطأ القاسم في "عباقري" أنه لو كان له وجه لكان ترك الإجراء وجه الإعراب، لأن ياء النسب تجعله كالواحد كقولك مدائني فينصرف؛ لأنه يصير إلى الواحد ويزول عنه بناء الجمع، ومن نسب إلى عباقر وهو جمع لم يجز إلا عبقري كالنسب إلى مساجد مسجدي، وإلى الفرائض فرضي، وإن كان اسما لواحد قلت عباقري فتصرفه، كما تقول في كلاب (٢١) ثم ختم السورة بما ينبغي أن يمجد به ويعظم فقال، قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: (١) انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.

والمحبس: المقرمة: يعني الستر، وهي التي تبسط على وجه الفراش للنوم، و"اللسان" 1/ 551 (حبس).

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ، و"الوسيط" 4/ 23، و"الجامع" للقرطبي 17/ 19.

(٣) انظر: "جامع البيان" 27/ 95، وفيه: هي البسط.

أهل المدينة يقولون: هي البسط.

(٤) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 327، و"جامع البيان" 27/ 94، و"معالم التنزيل" 4/ 978، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.

(٥) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246.

وقوله: (أرض يوشَّى فيها) هو ما ذكر أن عَبْقَر قرية تسكنها الجن فيما زعموا فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريباً.

قالوا: عبقري.

ومنه عبقري للبسط التي فيها الأصباغ والنقوش وشيت بها.

اللسان (عبقر).

(٦) جزء من حديث أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب، 5/ 13، ومسلم في "صحيحه"، كتاب: فضائل الصحابة (19)، وأحمد في "المسند" 2/ 28، 39.

(٧) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246، و"تهذيب اللغة"، و"اللسان" 2/ 672 (عبقر).

والبجت في "ديوان زهير" ص 103، و"المحتسب" 2/ 306.

(٨) وصدره: غُلِبَ تَشَذو بالذَّخُولِ كانَّها ومعناه: أنهم رجال غلاظ الأعناق كالأسود يهدد بعضهم بعضًا بسبب الأحقاد التي بينهم.

ثم شبههم بجن هذا الموضع (البدّي) في ثباتهم في الخصام والجدل.

وانظر: "ديوانه" ص 177، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 90 ، و"الإنصاف" ص 772، و"الخزانة" 4/ 157.

(٩) انظر: "اللسان" 2/ 672، (عبقر) ، و"الجامع" للقرطبي 17/ 192.

(١٠) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 278، و"المفردات" (عبقر)، و"اللسان" 2/ 672 (عبقر).

(١١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 12/ 49 أولم ينسبه لقائل.

(١٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 323.

(١٣) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 278.

(١٤) انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"تفسير مجاهد" 2/ 644، ومعنى "عتاق الزرابي" أي كرام الوسائد.

(١٥) انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 192.

(١٦) هو عاصم بن أبي الصباح الجحدري الضري، أخذ القراءة عرضًا عن سليمان بن قثه عن ابن عباس، وقرأ أيضًا على نصر بن عاصم، والحسن، ويحيى بن يعمر، وقراءته في الكامل والإفصاح فيها مناكير، ولا يثبت سندها، والسند إليه صحيح في قراءة يعقوب من قراءة على سلام عنه، مات قبل الثلاثين ومائة.

انظر: "غاية الرواية" 1/ 349.

(١٧) انظر: "المحتسب" 2/ 305 "مختصر ابن خالويه" ص 15، و"الكشاف" 4/ 55، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 191، و"البحر المحيط" 8/ 199.

(١٨) قال النحاس: (وإسنادها ليس بالصحيح، وزعم أبو عبيد أنها لو صحت لكانت وعَبَقريَّ بغير إجراء، وزعم أنه هكذا يجب في العربية، وهذا غلط بين عند جميع النحويين؛ لأنهم قد أجمعوا جميعًا أنه يقال: رجل مَدَائني، بالصرف.

انظر: "إعراب القرآن" 3/ 317، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 19.

(١٩) في (ك): (أنكر).

(٢٠) انظر: "معاني الزجاج" 5/ 104 - 105.

(٢١) كذا في (ك)، ولعلها (كلاب كلابي).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ ﴾ الرفرف البسط، وقيل الوسائد وقيل رياض الجنة ﴿ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ العبقري الطنافس، وقيل الزرابي وقيل الديباج الغليظ، وهو منسوب إلى عبقري وتزعم العرب أنه بلد الجن فإذا أعجبتها شيء نسبته إليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والحب ذا العصف والريحان ﴾ بالنصب فيهما: ابن عامر ﴿ والحب ذو العصف ﴾ بالرفع فيهما ﴿ والريحان ﴾ بالجر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: برفع الريحان ﴿ يخرج ﴾ مجهولاً من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ اللؤلؤ ﴾ كنظائره ﴿ والجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس.

﴿ المنشآت ﴾ بكسر الشين.

حمزة ويحيى طريق الصريعيني ﴿ سيفرغ ﴾ بالياء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون على طريق الالتفات ﴿ أيه الثقلان ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون  ﴾ ﴿ يا أيها الساحر  ﴾ ﴿ شواظ ﴾ بكسر الشين: ابن كثير ونحاس.

بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ﴿ لم يطمثهن ﴾ بضم الميم في إحداهما تخيراً: علي.

وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم ﴿ من استبرق ﴾ بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ ذو الجلال ﴾ بالرفع: ابن عامر.

الوقوف: ﴿ الرحمن ﴾ ه لا ﴿ القرآن ﴾ ه ط ﴿ الإنسان ﴾ ه ﴿ البيان ﴾ ه ﴿ بحسبان ﴾ ه ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يسجدان ﴾ ه ﴿ الميزان ﴾ ه لا لتعلق أن ﴿ الميزان ﴾ ه ﴿ للأنام ﴾ ه لا لأن الجملة بعدها حال ﴿ فاكهة ﴾ ص ﴿ الأكمام ﴾ ه ص ﴿ والريحان ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالفخار ﴾ ه لا ﴿ نار ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المغربين ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ يلتقيان ﴾ ه لا لأن ما بعده حال من الضمير في ﴿ يلتقيان ﴾ ﴿ ولا يبغيان ﴾ ه حال بعد حال ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فإن ﴾ ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني.

﴿ والإكرام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شأن ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الثقلان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فانفذوا ﴾ ه ط ﴿ بسلطان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فلا تنتصران ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالدهان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ولاجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأقدام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالاً من المجرمين وليس كذلك ﴿ آن ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ذواتا ﴾ صفة ﴿ أفنان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ تجريان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ زوجان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ج لأن ﴿ متكئين ﴾ حال إلا أن الكلام قد تطاول ﴿ من إستبرق ﴾ ط ﴿ دان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الطرف ﴾ لا لأن ﴿ لم يطمثهن ﴾ حال عنهن ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ إلا الإحسان ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ مدهامتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ نضاختان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ورمان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ في الخيام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والإكرام ﴾ ه.

التفسير: افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر.

وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدماً وأجل النعماء منصباً.

وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله { ﴿ فذوقوا عذابي ونذر  ﴾ وقوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر  ﴾ وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان.

قال جار الله ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه.

قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على ﴿ القرآن ﴾ جاز.

وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن.

ثم استأنف قائلاً ﴿ علم القرآن ﴾ وما مفعوله الأول؟

قيل: هو متعدٍ إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة.

وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد.

وقيل: علم محمداً أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضاً أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهراً إلا أن يكون تفصيلاً لما أجمله.

وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد  .

والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة.

قوله ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المغنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم ﴿ والنجم ﴾ وهو النبات بغير ساق ﴿ والشجر يسجدان ﴾ بالانقياد له.

وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله ﴿ والسماء رفعها ﴾ قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.

قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله ﴿ والأرض وضعها ﴾ أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء.

نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً  ﴾ صح تفسيره وإنما وسط قوله ﴿ ووضع الميزان ﴾ بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقاً في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولاً من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بهما يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في ﴿ حم  عسق  ﴾ ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان  ﴾ وكما يجيء في الحديد ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان  ﴾ وأن في قوله ﴿ ألا تطغوا ﴾ مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن.

ثم أكد بقوله إثباتاً ونفياً ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قوِّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل ﴿ ولا تخسروا الميزان ﴾ أي لا تجعلوها سبباً للخسران والتطفيف.

وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه.

وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل.

وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار.

قوله ﴿ للأنام ﴾ أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة.

وقيل: للإنسان.

وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله ﴿ فيها فاكهة ﴾ التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به.

وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة غذائية.

والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر.

ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلاً ﴿ والحب ذو العصف ﴾ وهو ورق الزرع أو التبن.

وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع ﴿ والريحان ﴾ الورق.

ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان.

وقال الحسن وابن زيد.

على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم.

ثم خاطب الجن والإنس بقوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله  سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً؟

للجن كانوا أحسن منكم رداً ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.

قال جار الله: الخطاب في ﴿ ربكم ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عيلهما قلت: ربما يصرح به قوله ﴿ أيها الثقلان ﴾ سميا بذلك لأنهم ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ والجان خلقناه.

وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معاً وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان.

وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل المعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر.

قوله ﴿ خلق الإنسان من صلصال ﴾ قد مر في سورة "الحجر" إلا أنه شبهه ههنا بالفخار وهو الخزف بياناً لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه.

وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه.

والجان أبو الجن.

وقيل: هو إبليس.

والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط.

وقوله ﴿ من نار ﴾ بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار.

ويجوز أن يكون ناراً مخصوصة فيكون صفة ﴿ رب المشرقين ﴾ يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي.

هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس.

قوله ﴿ مرج البحرين ﴾ وقد مر في "الفرقان" معناه أرسلهما ملحاً وعذباً متلاقيين ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة ﴿ يخرج منهما ﴾ أي من كل منهما.

وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار.

وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف.

قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله  في "فاطر" ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها  ﴾ فلا حاجة إلى هذه التكلفات.

قال الفراء وغيره من أهل اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه.

وعن مقاتل: بالضد.

ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ.

يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصول للعلم به.

ومن قرأ ﴿ المنشآت ﴾ بفتح الشين فمعناها المرفوع الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت.

والقارىء بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، الأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر.

والضمير في ﴿ عليها ﴾ للأرض بدلالة المقال أو الحال.

والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسر البسملة وفي قوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ وقوله ﴿ ذو ﴾ صفة للوجه وهو على القياس.

وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة ﴿ تبارك اسم ربك ﴾ فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ﴿ ذي الجلال والإكرام ﴾ ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة.

والنعمة في فناء ما على الأرض وهو مجيء وقت الجزاء ﴿ يسأله من في السموات ﴾ من الملائكة ﴿ و ﴾ من في ﴿ الأرض ﴾ من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين.

وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة للناس ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ "سئل رسول الله  عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين" .

قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة.

وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة.

فبالاعتبار الأول قال "جف القلم بما هو كائن" وبالاعتبار الثاني قال: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.

وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.

وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال ﴿ سنفرغ لكم ﴾ قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده "سأفرغ لك".

والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه.

والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة.

ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما.

نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية.

وأقطار السموات والأرض نواحيهما.

واحدها قطر.

وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة.

والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر.

قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت.

ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله ﴿ سنفرغ لكم ﴾ ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، ويعضده قوله عقيبه ﴿ يرسل عليكما ﴾ الآية.

جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية.

وذلك قوله ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ وهو اللهب الذي لا دخان له معه.

وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر.

والنحاس والدخان.

ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة.

ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمزج أحدهما بالآخر.

ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس.

وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضاً.

وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.

وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر ﴿ فلا تنتصران ﴾ فلا تمتنعان ﴿ فإذا انشقت السماء ﴾ لنزول الملائكة ﴿ فكانت وردة ﴾ أي حمراء ﴿ كالدهان ﴾ وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله ﴿ كالمهل  ﴾ وهو دردي الزيت.

وقيل: الدهان الأديم الأحمر.

عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد.

وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن.

وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة.

والفاء في قوله ﴿ فإذا ﴾ للتعقيب وفي ﴿ فكانت ﴾ للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت  ﴾ والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها ناراً وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟

ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها.

﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده.

والضمير في ﴿ ذنبه ﴾ عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن.

والجمع بين هذه الآية وبين قوله ﴿ فوربك لنسألنهم  ﴾ هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع.

وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ من سواد الوجه وزرقة العين ﴿ فيؤخذ ﴾ كل منهم أو جنس المجرم ﴿ بالنواصي ﴾ أي بسببها.

ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار.

روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله  يقول " "والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام " ويجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى قوله ﴿ بالنواصي ﴾ نحو ذهب بزيد.

ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام.

والآني الذي بلغ منتهى حره.

قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة.

والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب.

ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلاً ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ وقد مر نظيره في "إبراهيم" قوله ﴿ ذلك لمن خاف مقامي  ﴾ قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلاً، أو هما جنة عدن وجنة النعيم.

أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية.

وقيل: التثنية للتأكيد كقوله ﴿ ألقيا  ﴾ وهو ضعيف.

والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولاً قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة.

وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب ﴿ فيهما ﴾ أي في كل منهما ﴿ عينان تجريان ﴾ من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل.

وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ﴿ متكئين ﴾ حال من الخائفين المذكورين في قوله ﴿ لمن خاف ﴾ وجوز أن يكون نصباً على المدح.

قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي الأرض من استبرق فما ظنك بظهائرها؟

ويجوز أن يكون ظائرها السندس.

والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم  ﴾ ﴿ وجنى الجنتين ﴾ أي ثمرها ﴿ دان ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.

قال جار الله: ﴿ فيهن ﴾ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.

وقيل: في الفرش أي عليها.

وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب.

قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية و ﴿ قبلهم ﴾ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه.

قال مقاتل: هن من حور الجنة.

وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني.

قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل.

قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس.

ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار ﴿ هل جزاء الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إلا الإحسان ﴾ في الجزاء.

وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة.

وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال ﴿ ومن دونهما ﴾ أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر.

روى أبو موسى عن النبي  : " جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما " ﴿ مدهامتان ﴾ هو من الأدهيمام إدهام يدهام فيهو مدهام نظير إسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد ﴿ نضاختان ﴾ فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ وهو الرش.

قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وإنما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباًَ لم يحنث.

وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي.

والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور.

واعلم أنه  قال في الموضعين عند ذكر الحور ﴿ فيهن ﴾ وفي سائر المواضع ﴿ فيهما ﴾ والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك.

وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط.

والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن.

امرأة مقصورة أي مخدرة.

روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.

وعن النبي  " "الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة من ذلك؟

والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات.

قال جار الله: ﴿ متكئين ﴾ نصب على الاختصاص.

قلت: ويجوز أن يكون حالاً والعامل ضمير يدل عليه قوله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ﴾ أي يطمثونهم في حال الإتكاء.

قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط.

وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف.

ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف.

وقال الزجاج: الرفرف ههنا رياض الجنة.

وقيل: الوسائد.

قال جار الله ﴿ العبقري ﴾ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب.

وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية.

ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله ﴿ مدهامتان ﴾ فإنه دون قوله ﴿ ذواتا أفنان ﴾ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ.

قال أهل العلم: كرر قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منهما ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما.

فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة.

ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه.

والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال "ساحة فلان بريئة عن المثالب" والله أعلم بحقائق كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ فإن كانت الجنتان اللتان سبق ذكرهما للسابقين والصديقين، فهاتان اللتان ذكرهما هاهنا لأصحاب اليمين، على ما ذكره بعض أهل التأويل؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا ﴾ أي: في الفضل والقدر والمنزلة؛ لفضل أولئك على أصحاب اليمين.

وإن كانت الجنتان جميعا لكل فريق منهم؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ في المكان والموضع، لا في الفضل والقدر؛ فكأنه قال: من أي جهة وقع بصرهم يقع في جناتهم، من فوق ومن تحت، وعن يمين شمال؛ أي يكونون وسط الجنات لا يحتاجون إلى التحويل من مكان إلى مكان؛ كقوله  : ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ ، وعلى هذا يخرج قوله  : ﴿ مُدْهَآمَّتَانِ ﴾ على ما ذكرنا هو شديد الخضرة الذي يضرب إلى السواد، فوصف هاتين دون وصف تينك الجنتين بقوله  : ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ  ﴾ على التأويل الأول، وكذلك قوله  : ﴿ عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ على ما ذكرنا: أنهما دون الجاريتين، وكذلك روي عن الفراء قال: العينان تجريان أفضل من النضاختين بقوله: ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ ؛ لأنهما ينضخان بالخير والبركة لأهل الجنة.

وقيل: ينضخان بالماء وأنواع الفواكه.

وروي عن أنس بن مالك -  - أنه قال: تنضخان بالمسك والعنبر، كما ينضخ طير الماء على بيوت أهل الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ من الناس من احتج لأبي حنيفة - رحمه الله - فيمن حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا، لا يحنث في يمينه؛ لأنه احتج بهذه الآية في أن الرمان والرطب ليسا من الفاكهة؛ لأنه عطفهما على الفاكهة، والشيء لا يعطف على نفسه، إنما يعطف على غيره، هذا هو ظاهر الكلام، إلا أن تقوم الدلالة على أنه مراده بالذكر وإن كان من جنسه؛ لضرب من التعظيم وغيره؛ كقوله  : ﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ قيل: الحسان الخلق وحسان الوجوه، يقال: امرأة خيرة، ونسوة خيرات؛ يقرأ بالتثقيل والتخفيف جميعا.

وعن ابن مسعود -  - أنه قال: لكل مؤمن خيرة، ولكل خيرة خيمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ ﴾ .

قيل: محبوسات في الخيام، لا يخرجن عن الخيام.

وأصله: ما ذكرنا أنهن يكن في الخيام لا يراهن غير أزواجهن، وقاصرات الطرف، أي: لا يرفعن بصرهن إلى غير أزواجهن ولا يشتهين غيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ هو قراءة العامة بغير الألف.

وعن عاصم الجحدري (رَفَارِفَ) و(عباقريّ)، قيل: الرفرف: المجلس، وقيل: المجالس، وقيل: الرياض الخضر، وقيل: الخيام، وقيل: هو فضول الفرش والبسط.

وأما العبقري: قيل: هو الزرابي، وهو بالفارسية: النّخّ.

وقال أبو عبيدة: العبقري: الطنافس الثخان، وقيل لكل شيء من البسط: عبقري.

وقال القتبي: وأبو عوسجة: العبقري في غير القرآن ثياب تتخذ بعبقرى، وهي بلدة، فينسب إليها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ ﴾ قال أبو بكر الأصم: [تنزه] اسم ربك من أن يستحق غيره اسمه.

وقوله: ﴿ ذِي ٱلْجَلاَلِ ﴾ ، أي: استحق على الخلق أن يجلوه ويعظموه من أن يسموا غيره باسمه، والإكرام: هو أن يلحقوا به ما لا يليق به من الولد والشريك وغيره.

فإن قيل: ما فائدة تكرار قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، فبأي آلاء ما في السماوات والأرض تكذبان في الدلالة على وحدانية الله  والشهادة له بأنه خالقه، ومرسل رسله، وما جاءت به عنه، وذلك أن جميع ما فيها من المال والطعام والشراب، على ما ذكرنا، وذلك كما يقول الرجل لآخر يلومه ويعاتبه: ألم تكن جائعا فأطعمتك؟!

أفتنكر هذا؟!

ألم تكن ظمآنا فسقيتك؟!

أفتنكر هذا؟!

ونحو ذلك.

وجائز أن تكون فائدة التكرار غير هذا، وهو أنه خرج مخرج العظة والتذكير، ومن شأن الموعظة والذكرى التكرار والإعادة؛ لتكون أنجع وآخذ للقلوب، وأقرب إلى القبول، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

متكئين على وسائد مغطاة بأغطية خضر، وفرش حسان.

<div class="verse-tafsir" id="91.qbDeM"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله