تفسير الآية ١٥ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ١٥ من سورة الحديد

فَٱلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌۭ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ مَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ ۖ هِىَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ١٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٥ من سورة الحديد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

كما قال تعالى ها هنا : ( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ) أي : لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبا ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله ، ما قبل منه .

وقوله : ( مأواكم النار ) أي : هي مصيركم وإليها منقلبكم .

وقوله : ( هي مولاكم ) أي : هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم ، وبئس المصير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل المؤمنين لأهل النفاق، بعد أن ميز بينهم في القيامة: (فَالْيَوْمَ ) أيها المنافقون (لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ) يعني: عوضا وبدلا؛ يقول: لا يؤخذ ذلك منكم بدلا من عقابكم وعذابكم، فيخلصكم من عذاب الله.(وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يقول: ولا تؤخذ الفدية أيضا من الذين كفروا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يعني المنافقين، ولا من الذين كفروا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ ): من المنافقين، (وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ): معكم.(مَأْوَاكُمُ النَّارُ ) .

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ )، فقرأت ذلك عامة القرّاء بالياء (يُؤْخَذُ ) ، وقرأه أبو جعفر القارئ بالتاء.

وأولى القراءتين بالصواب الياء، وإن كانت الأخرى جائزة.

وقوله: (مَأْوَاكُمُ النَّارُ ) يقول: مثواكم ومسكنكم الذي تسكنونه يوم القيامة النار.

وقوله: (هِيَ مَوْلاكُمْ ) يقول: النار أولى بكم.

وقوله: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) يقول: وبئس مصير من صار إلى النار.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فاليوم لا يؤخذ منكم فدية أيها المنافقون ولا من الذين كفروا أيأسهم من النجاة .

وقراءة العامة يؤخذ بالياء ، لأن التأنيث غير حقيقي ، ولأنه قد فصل بينها وبين الفعل .

وقرأ ابن عامر ويعقوب " تؤخذ " بالتاء واختاره أبو حاتم لتأنيث الفدية .

والأول اختيار أبي عبيد ، أي : لا يقبل منكم بدل ولا عوض ولا نفس أخرى .

مأواكم النار أي : مقامكم ومنزلكم هي مولاكم أي : أولى بكم ، والمولى : من يتولى مصالح الإنسان ، ثم استعمل فيمن كان ملازما للشيء .

وقيل : أي : النار تملك أمرهم ، بمعنى أن الله تبارك وتعالى يركب فيها الحياة والعقل فهي تتميز غيظا على الكفار ، ولهذا خوطبت في قوله تعالى : يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد .

وبئس المصير أي : ساءت مرجعا ومصيرا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } فلو افتديتم بمثل الأرض ذهبا ومثله معه، لما تقبل منكم، { مَأْوَاكُمُ النَّارُ } أي: مستقركم، { هِيَ مَوْلَاكُمْ } التي تتولاكم وتضمكم إليها، { وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } النار.[قال تعالى:] { وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ) قرأ أبو جعفر ، وابن عامر ، ويعقوب : " تؤخذ " بالتاء ، وقرأ الآخرون بالياء ( فدية ) بدل وعوض بأن تفدوا أنفسكم من العذاب ( ولا من الذين كفروا ) يعني المشركين ( مأواكم النار هي مولاكم ) صاحبكم وأولى بكم ، لما أسلفتم من الذنوب ( وبئس المصير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فاليوم لا يُؤخذ» بالياء والتاء «منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم» أولى بكم «وبئس المصير» هي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فاليوم لا يُقبل من أحد منكم أيها المنافقون عوض؛ ليفتدي به من عذاب الله، ولا من الذين كفروا بالله ورسوله، مصيركم جميعًا النار، هي أولى بكم من كل منزل، وبئس المصير هي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فاليوم لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ ) أيها المنافقون ( فِدْيَةٌ ) وهى ما يبذل من أجل افتداء النفس من العذاب .( وَلاَ مِنَ الذين كَفَرُواْ ) أى : ولا يؤخذ - أيضا - من الذين كفروا ظاهرا وباطنا فداء .( مَأْوَاكُمُ ) جميعا ( النار ) .

أى : المكان الذى تستقرون فيه ، هو النار .( هِيَ مَوْلاَكُمْ ) أى : هذه النار هى أولى بكم من غيرها .والأصل هى مكانكم الذى يقال فيه أولى بكم .ويجوز أن يكون المعنى : هذه النار : هى ناصركم ، من باب التهكم بهم ، على حد قول الشاعر : تحية بينهم ضرب وجيع .

.

.

أى : لا ناصر لكم إلا النار .والمراد نفى الناصر لهم على سبيل القطع ، بعد نفى أخذ الفدية منهم .قال صاحب الكشاف : قوله : ( هِيَ مَوْلاَكُمْ ) قيل : هى أولى بكم .

.

.

وحقيقة مولاكم ، أى : مكانكم الذى يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم ، أى مكان لقول القائل إنه لكريم .ويجوز أن يراد : هى ناصركم .

أى ، لا ناصر لكم غيرها .

والمراد : نفى الناصر على البتات ، ونحوه قولهم أصيب فلان بكذا فاستنصر بالجزع .

ومنه قوله - تعالى - ( وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل ) وقيل : هى مولاكم ، أى تتولاكم كما توليتم فى الدنيا أعمال أهل النار .وعطف - سبحانه - الذين كفروا على المنافقين فى عدم قبول الفدية ، لاتحادهم فى التكذيب بيوم الدين ، وفى الاستهزاء بالحق الذى جاءهم من عند الله - تعالى - .والمخصوص بالذم فى قوله - تعالى - : ( وَبِئْسَ المصير ) محذوف والتقدير : وبئس المصير جهنم التى هى المكان الذى تصيرون إليه .فأنت ترى أن المؤمنين قد بينوا للمنافقين ، أنهم يوافقونهم على أنهم كانوا معهم فى الدنيا .ولكن الذى أدى بهؤلاء المنافقين إلى هذا المصير الليم هو : فتنة أنفسهم ، والتربص بالمؤمنين ، والارتياب فى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاغترار بخداع الشيطان .

.

.

فما نزل بهم من عذاب إنما هو بسبب أفعالهم القبيحة .وبعد هذا الحديث المؤثر عن المؤمنين ونورهم ، وعن المنافقين وظلماتهم وعن تلك المحاورات التى تدور بينهم .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ﴾ .

الفدية ما يفتدى به وهو قولان: الأول: لا يؤخذ منكم إيمان ولا توبة فقد زال التكليف وحصل الإلجاء.

الثاني: بل المراد لا يقبل منكم فدية تدفعون بها العذاب عن أنفسكم، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة  ﴾ ، واعلم أن الفدية ما يفتدى به فهو يتناول الإيمان والتوبة والمال، وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً على ما تقوله المعتزلة لأنه تعالى بين أنه لا يقبل الفدية أصلاً والتوبة فدية، فتكون الآية دالة على أن التوبة غير مقبولة أصلاً، وإذا كان كذلك لم تكن التوبة واجبة القبول عقلاً أما قوله: ﴿ وَلاَ مِنَ الذين كَفَرُواْ ﴾ ففيه بحث: وهو عطف الكافر على المنافق يقتضي أن لا يكون المنافق كافراً لوجوب حصول المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه والجواب: المراد الذين أظهروا الكفر وإلا فالمنافق كافر.

ثم قال تعالى: ﴿ مَأْوَاكُمُ النار هِىَ مولاكم وَبِئْسَ المصير ﴾ .

وفي لفظ المولى هاهنا أقوال: أحدها قال ابن عباس: ﴿ مولاكم ﴾ أي مصيركم، وتحقيقه أن المولى موضع الولي، وهو القرب، فالمعنى أن النار هي موضعكم الذي تقربون منه وتصلون إليه، والثاني: قال الكلبي: يعني أولى بكم، وهو قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة، واعلم أن هذا الذي قالوه معنى وليس بتفسير للفظ، لأن لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة، لصح استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر، فكان يجب أن يصح أن يقال: هذا مولى من فلان كما يقال: هذا أولى من فلان، ويصح أن يقال: هذا أولى فلان كما يقال: هذا مولى فلان، ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى وليس بتفسير، وإنما نبهنا على هذه الدقيقة لأن الشريف المرتضى لما تسمك بإمامة علي، بقوله عليه السلام: «من كنت مولاه فعلي مولاه» قال: أحد معاني مولى أنه أولى، واحتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسير هذه الآية، بأن مولى معناه أولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه، لأن ما عداه إما بين الثبوت، ككونه ابن العم والناصر، أو بين الإنتفاء، كالمعتق والمعتق، فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً، وأما نحن فقد بينا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير، وحينئذ يسقط الاستدلال به، وفي الآية وجه آخر: وهو أن معنى قوله: ﴿ هِيَ مولاكم ﴾ أي لا مولى لكم، وذلك لأن من كانت النار مولاه فلا مولى له، كما يقال: ناصره الخذلان ومعينه البكاء، أي لا ناصر له ولا معين، وهذا الوجه متأكد بقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ  ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَوْمَ يَقُولُ ﴾ بدل من يوم ترى ﴿ انظرونا ﴾ انتظرونا، لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تزف بهم.

وهؤلاء مشاة.

وانظروا إلينا؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به.

وقرئ: ﴿ أنظرونا ﴾ من النظرة وهي الإمهال: جعل اتئادهم في المضيّ إلى أن يلحقوا بهم أنظاراً لهم ﴿ نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ نصب منه؛ وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به ﴿ قِيلَ ارجعوا وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُوراً ﴾ طرد لهم وتهكم بهم، أي: ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك، فمن ثم يقتبس.

أو ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه وهو الإيمان.

أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا، فالتمسوا نوراً آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن لا نور وراءهم؛ وإنما هو تخييب وإقناط لهم ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ ﴾ بين المؤمنين والمنافقين بحائط حائل بين شقّ الجنة وشق النار.

وقيل: هو الأعراف لذلك السور ﴿ بَابٌ ﴾ لأهل الجنة يدخلون منه ﴿ بَاطِنُهُ ﴾ باطن السور أو الباب، وهو الشق الذي يلى الجنة ﴿ وظاهره ﴾ ما ظهر لأهل النار ﴿ مِن قِبَلِهِ ﴾ من عنده ومن جهته ﴿ العذاب ﴾ وهو الظلمة والنار.

وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما: ﴿ فضرب بينهم ﴾ على البناء للفاعل ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ يريدون موافقتهم في الظاهر ﴿ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ محنتموها بالنفاق وأهلكتموها ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿ وَغرَّتْكُمُ الامانى ﴾ طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار ﴿ حتى جَاءَ أَمْرُ الله ﴾ وهو الموت ﴿ وَغَرَّكُم بالله الغرور ﴾ وغرّكم الشيطان بأنّ الله عفوّ كريم لا يعذبكم.

وقرئ: ﴿ الغرور ﴾ بالضم ﴿ فِدْيَةٌ ﴾ ما يفتدى به ﴿ هِىَ مولاكم ﴾ قيل: هي أولى بكم، وأنشد قول لبيد: فَغَدَتْ كِلاَ الْفَرَجَيْنِ تَحْسِبُ أَنَّهُ ** مُولِي المَخَافَةَ خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وحقيقة مولاكم: محراكم ومقمنكم.

أي: مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، كما قيل: هو مئنة للكرم، أي مكان؛ لقول القائل: إنه الكريم.

ويجوز أن يراد: هي ناصركم، أي لا ناصر لكم غيرها.

والمراد: نفي الناصر على البتات.

ونحوه قولهم: أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع.

ومنه قوله تعالى: ﴿ يغاثوا بماء كالمهل ﴾ [الكهف: 9] وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ يُرِيدُونَ مُوافَقَتَهم في الظّاهِرِ.

﴿ قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ ﴾ بِالنِّفاقِ.

﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ.

﴿ وارْتَبْتُمْ ﴾ وشَكَكْتُمْ في الدِّينِ.

﴿ وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ ﴾ كامْتِدادِ العُمُرِ.

﴿ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ وهو المَوْتُ.

﴿ وَغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ ﴾ الشَّيْطانُ أوِ الدُّنْيا.

﴿ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ﴾ فِداءٌ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ.

﴿ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ظاهِرًا وباطِنًا.

﴿ مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكُمْ ﴾ هي أوْلى بِكم كَقَوْلِ لَبِيدٍ: فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أنَّهُ ∗∗∗ مَوْلى المَخافَةِ خَلْفَها وأمامَها وَحَقِيقَتُهُ مَحْراكم أيْ مَكانَكُمُ الَّذِي يُقالُ فِيهِ هو أوْلى بِكم كَقَوْلِكَ: هو مَئِنَّةُ الكَرَمِ أيْ مَكانَ قَوْلِ القائِلِ: إنَّهُ لَكَرِيمٌ، أوْ مَكانُكم عَمّا قَرِيبٌ مِنَ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ، أوْ ناصِرُكم عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ.

أوْ مُتَوَلِّيكم يَتَوَلّاكم كَما تَوَلَّيْتُمْ مُوجِباتِها في الدُّنْيا.

﴿ وَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ النّارُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)

{فاليوم لاَ يُؤْخَذُ} وبالتاء شامي {مّنكُمْ} أيها المنافقون {فِدْيَةٌ} ما يفتدى به {وَلاَ مِنَ الذين كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ النار} مرجعكم {هِىَ مولاكم} هي أولى بكم والحقيقة مولاكم محراكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما يقال هو مثن للكرم أي مكان لقول القائل إنه لكريم {وَبِئْسَ المصير} النار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ ﴾ أيُّها المُنافِقُونَ ﴿ فِدْيَةٌ ﴾ فِداءٌ وهو ما يُبْذَلُ لِحِفْظِ النَّفْسِ عَنِ النّائِبَةِ والنّاصِبُ لِيَوْمِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِلا، وفِيهِ حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرو لا تُؤْخَذُ التّاءُ الفَوْقِيَّةُ ﴿ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا فَيُغايِرُ المُخاطَبِينَ المُنافِقِينَ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالفِدْيَةِ ما هو مِن جِنْسِ المالِ ونَحْوِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها ما يَعُمُّ الإيمانَ والتَّوْبَةَ فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يُقْبَلُ إيمانُهم وتَوْبَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ بُعْدٌ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْكافِرِ: أرَأيْتُكَ لَوْ كانَ لَكَ أضْعافُ الدُّنْيا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ مِن عَذابِ النّارِ ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَيَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: قَدْ سَألْتُكَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ وأنْتَ في ظَهْرِ أبِيكَ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بِي فَأبَيْتَ إلّا الشِّرْكَ» ﴿ مَأْواكُمُ النّارُ ﴾ مَحَلُّ أوْيِكم ( هي مَوْلاكم ) أيْ ناصِرُكم مِن بابِ - تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ - والمُرادُ نَفْيُ النّاصِرِ عَلى البَتاتِ بَعْدَ نَفْيِ أخْذِ الفِدْيَةِ وخَلاصِهِمْ بِها عَنِ العَذابِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهم: أُصِيبَ بِكَذا فاسْتَنْصَرَ الجَزَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ  ﴾ وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أيْ أوْلى بِكم كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ يَصِفُ بَقَرَةً وحْشِيَّةً نَفَرَتْ مِن صَوْتِ الصّائِدِ: فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أنَّهُ مَوْلى المَخافَةِ خَلْفَها وأمامَها أيْ فَغَدَتْ كِلا جانِبَيْها الخَلْفَ والأمامَ تَحْسِبُ أنَّهُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ فِيهِ الخَوْفُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَةُ مَوْلاكم هي عَلى هَذا مَحْراكم ومَقْمَنُكم أيِ المَكانُ الَّذِي يُقالُ فِيهِ هو أوْلى بِكم كَما قِيلَ: هو مِئْنَةٌ لِلْكَرَمِ أيْ مَكانٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إنَّهُ لَكَرِيمٌ فَأوْلى نَوْعٌ مِنَ اسْمِ المَكانِ لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى أوْلى إلّا أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنهُ كَما أنَّ المِئْنَةَ لَيْسَتْ مُشْتَقَّةً مِن إنِ التَّحْقِيقِيَّةِ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ إنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَّفْظِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْلى وأوْلى بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ لَصَحَّ اسْتِعْمالُ كُلٍّ مِنهُما في مَكانِ الآخَرِ وكانَ يَجِبُ أنْ يَصِحَّ هَذا أوْلى فُلانٍ كَما يُقالُ: هَذا مَوْلى فُلانٍ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالُوهُ مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ رَدَّ اسْتِدْلالِ الشَّرِيفِ المُرْتَضِي بِحَدِيثِ الغَدِيرِ مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حَيْثُ قالَ: أحَدُ مَعانِي المَوْلى الأوْلى.

وحَمْلُهُ في الخَبَرِ عَلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ لِأنَّ إرادَةَ غَيْرِهِ يَجْعَلُ الأخْبارَ عَبَثًا كَإرادَةِ النّاصِرِ والصّاحِبِ وابْنِ العَمِّ، أوْ يَجْعَلُهُ كَذِبًا كالمُعْتَقِ والمُعَتَّقِ ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أنَّهُ إنْ أرادَ بِكَوْنِهِ مَعْنًى لا تَفْسِيرٌ ما أشارَ إلَيْهِالزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ التَّحْقِيقِ فَهُوَ لا يَرُدُّ الِاسْتِدْلالَ إذْ يَكْفِي لِلْمُرْتَضِي أنْ يَقُولَ: المَوْلى في الخَبَرِ بِمَعْنى المَكانِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ أوْلى إذْ يَلْزَمُ عَلى غَيْرِهِ العَبَثُ أوِ الكَذِبُ وإنْ أرادَ أنَّ ذَلِكَ مَعْنًى لازِمٌ لِما هو تَفْسِيرٌ لَهُ كَأنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهُ القائِمُ بِمَصالِحِكم ونَحْوِهِ مِمّا يَكُونُ ذَلِكَ لازِمًا لَهُ فَفي رَدِّهِ الِاسْتِدْلالَ أيْضًا تَرَدُّدٌ، وإنْ أرادَ شَيْئًا آخَرَ فَنَحْنُ لا نَدْرِي ما هو - وهو لَمْ يُبَيِّنْهُ - والحَقُّ أنَّهُ ولَوْ جُعِلَ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى أوِ المَكانِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ الأوْلى لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالخَبَرِ عَلى الإمامَةِ الَّتِي تَدَّعِيها الإمامِيَّةُ لِلْأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وفي التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِطالِبِ الحَقِّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ مَصِيرُكم وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قالَ الإمامُ: إنَّ المَوْلى بِمَعْنى مَوْضِعِ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ والمَعْنى هي مَوْضِعُكُمُ الَّذِي تَقْرُبُونَ مِنهُ وتَصِلُونَ إلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإخْبارَ بِذَلِكَ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّها مَأْواهم لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ جَدْوى عَلى أنَّ وضْعَ اسْمِ المَكانِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَّصِفُ صاحِبُهُ بِالمَأْخَذِ حالَ كَوْنِهِ فِيهِ والقُرْبُ مِنَ النّارِ وصْفٌ لِأُولَئِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيها ولا يَحْسُنُ وصْفُهم بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ ولَوِ اعْتُبِرَ مَجازُ الكَوْنِ كَما لا يَخْفى، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ اعْتِبارَ كَوْنِهِ اسْمَ مَكانٍ مِنَ الوَلِيِّ بِمَعْنى القُرْبِ لَكِنْ عَلى أنَّ المَعْنى هي مَكانُ قُرْبِكم مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورِضْوانِهِ عَلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ وقِيلَ: أيْ مُتَوَلِّيكم أنَّ المُتَصَرِّفَةَ فِيكم كَتَصَرُّفِكم فِيما أوْجَبَها واقْتَضاها في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي والتَّصَرُّفُ اسْتِعارَةٌ لِلْإحْراقِ والتَّعْذِيبِ، وقِيلَ: مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ ﴿ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ أيِ النّارُ وهي المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ المَحْذُوفِ لِدَلالَةِ السِّياقِ ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِعِتابِ المُؤْمِنِينَ عَلى الفُتُورِ والتَّكاسُلِ فِيما نُدِبُوا إلَيْهِ والمُعاتَبُ عَلى ما قالَهُ الزَّجّاجُ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وإلّا فَمِنهم مَن لَمْ يَزَلْ خاشِعًا مُنْذُ أسْلَمَ إلى أنْ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ، وما نُقِلَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ فَهِمَ المُرادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، وقَدْ سَمِعَتَ صَدْرَ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ والأعْمَشُ قالَ: لَمّا قَدِمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  المَدِينَةَ فَأصابُوا مِن لِينِ العَيْشِ ما أصابُوا بَعْدَ ما كانَ لَهم مِنَ الجَهْدِ فَكَأنَّهم فَتَرُوا عَنْ بَعْضِ ما كانُوا عَلَيْهِ فَعُوتِبُوا فَنَزَلَتْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني: في يوم القيامة على الصراط يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يعني: بتصديقهم في الدنيا، وبأعمالهم الصالحة، فيعطى لهم النور، يمضون به على الصراط، فيكون النور بين أيديهم، وأيمانهم، وعن شمائلهم، إلا أن ذكر الشمائل مضمر.

وتقول لهم الملائكة: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ يعني: أبشروا هذا اليوم بكرامة الله تعالى.

جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها يعني: مقيمين في الجنة، ونجوا من العذاب ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ يعني: نُصِبْ من نوركم، فتضيء معكم.

وروي عن أبي أمامة الباهلي أنه قال: «بينما العباد يوم القيامة عند الصراط، إذ غشيتهم ظلمة.

ثم يقسم الله تعالى النور بين عباده، فيعطي الله المؤمن نوراً، ويبقى الكافر والمنافق لا يعطيان نوراً، فكما لا يستضيء الأعمى بنور البصر، كذلك لا يستضيء الكافر والمنافق بنور الإيمان، فيقولان: انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ، فيقال لهم: قِيلَ ارْجِعُوا حيث قسم النور فيرجعون، فلا يجدون شيئاً، فيرجعون، وقد ضرب بينهم بسور.

وعن الحسن البصري قال: إِنَّ المنافقين يخادعون الله، وهو خادعهم، لأنه يعطي المؤمن والمنافق نوراً، فإذا بلغوا الصِّراط، اطفىء نور المنافق، فيقول: المنافقون انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قال: فيشفق المؤمنون حين طفئ نور المنافقين، فيقولون: عند ذلك رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا.

قرأ حمزة انْظُرُونا بنصب الألف، وكسر الظاء المعجمة.

والباقون: بالضم.

فمن قرأ: بالنصب، فمعناه: أمهلونا.

ومن قرأ بالضم، فمعناه: انتظرونا.

فقال لهم المؤمنون: ارجعوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً يعني: ارجعوا إلى الدنيا، فإنا جعلنا النور في الدنيا.

ويقال: ارجعوا إلى المحشر حيث أعطينا النور، واطلبوا نوراً، فيرجعون في طلب النور، فلم يجدوا شيئاً، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ يعني: ظهر لهم.

ويقال: بين أيديهم بسور.

يعني: بحائط بين أهل الجنة، وأهل النار، لَهُ بابٌ باطِنُهُ يعني: باطن السور فِيهِ الرَّحْمَةُ يعني: الجنة وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يعني: النار.

ويقال: هو السور الذي عليه أصحاب الأعراف، فيظهر بين الجنة، والنار.

باب يعني: عليه: باب فيجاوز فيه المؤمنون، ويبقى المنافقون على الصراط في الظلمة يُنادُونَهُمْ من وراء السور أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ يعني: ألم نكن معكم في الدنيا على دينكم، وكنا معكم في الجماعات، والصلوات، فيجيبهم المؤمنون.

قالُوا بَلى يعني: قد كنتم معنا في الدنيا، أو في الظاهر.

وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني: قد أصبتم أنفسكم حيث كفرتم في السر.

ويقال: فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني: ثبتم على الكفر الأول في السر وَتَرَبَّصْتُمْ يعني: انتظرتم موت نبيكم.

ويقال: تَرَبَّصْتُمْ يعني: أخرتم التوبة، وسوّفْتُمْ فيها.

وَارْتَبْتُمْ يعني: شككتم في الدين، وشككتم في البعث وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ يعني: أباطيل الدنيا حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: القيامة وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني: الشياطين.

وقال الزجاج: الْغَرُورُ على ميزان فَعُول، وهو من أسماء المبالغة، وكذلك الشياطين الْغَرُورُ لأنه يغري ابن آدم كثيراً.

ثم قال: فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ يعني: في هذا اليوم وهو يوم القيامة.

وقرأ ابن عامر: فاليوم لا تؤخذ بالتاء لأن الفدية مؤنثة.

وقرأ الباقون: بالياء.

وجمع على المعنى، لأن معنى الفدية فداء، ومعناه: لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ الفداء يعني: المنافقين وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: الذين جحدوا بتوحيد الله تعالى، مَأْواكُمُ النَّارُ يعني: مَصِيرَكُمْ إِلَى النار يعني: المنافقين، والكافرين هِيَ مَوْلاكُمْ يعني: هي أولى بكم بما أسلفتم من الذنوب وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: بئس المرجع النار للكافرين، والمنافقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

التوبيخ لهم، أي: إنَّكم لا تجدونه، ثم أعلم تعالى أَنَّهُ يضرب بينهم في هذه الحال بسورٍ حاجز، فيبقى المنافقون في ظُلْمَةٍ وعذاب.

وقوله تعالى: باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ أي: جهة المؤمنين وَظاهِرُهُ: جهة المنافقين، والظاهر هنا: البادي ومنه قول الكُتَّابِ: من ظاهر مدينة كذا، وعبارة الثعلبيِّ: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ: وهو حاجز بين الجنة والنار، قال أبو أمامة الباهليُّ «١» : فيرجعون إلى المكان الذي قُسِّمَ فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم، وقد ضُرِبَ بينهم/ بسور، قال قتادة «٢» : حائط بين الجنة والنار، له باب باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، يعني: الجنة، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يعني النار، انتهى، قال- ص-: قال أبو البقاء: الباء في بِسُورٍ زائدة، وقيل: ليست بزائدة، قال أبو حيان «٣» : والضمير في باطِنُهُ عائدٌ على الباب، وهو الأظهر لأَنَّهُ الأقرب، وقيل: على سور، أبو البقاء: والجملة صفة ل «باب» أو ل «سور» ، انتهى.

يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)

وقوله تعالى: يُنادُونَهُمْ معناه: ينادي المنافقون المؤمنين: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ: في الدنيا، فيردّ المؤمنون عليهم: بَلى: كنتم معنا، ولكن عَرَّضْتُمْ أنفسكم للفتنة، وهي حُبُّ العاجل والقتال عليه، قال مجاهد «٤» : فتنتم أنفسكم بالنفاق وتَرَبَّصْتُمْ معناه هنا:

بإيمانكم فأبطأتم به، حَتَّى مُتُّم، وقال قتادة «٥» : معناه: تربصتم بنا وبمحمّد صلّى الله عليه وسلّم الدوائرَ، وشككتم، والارتياب: التشكك، والأماني التي غرتهم هي قولهم: سَيَهْلَكُ محمد هذا العام، سَتَهْزِمُهُ قريش، ستأخذه الأحزاب ...

إلى غير ذلك من أمانيهم، وطول الأمل:

غرار لكل أحد، وأمر اللَّه الذي جاء هو: الفتح وظهور الإسلام، وقيل: هو موتهم على النفاق الموجب للعذاب، والْغَرُورُ: الشيطان بإجماع المتأولين، وينبغي لكل مؤمن أَنْ يعتبر هذه الآيةَ في نفسه، وتسويفَه في توبته، واعلم أيها الأخ أَنَّ الدنيا غَرَّارة للمقبلين عليها، فإنْ أردت الخلاص والفوز بالنجاة، فازهدْ فيها، وأقبلْ على ما يعنيك من إصلاح دينك والتزود لآخرتك، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» عن أبي الدرداء أَنَّهُ قال- يعني لأصحابه-: لَئِنْ حَلَفْتُم لي على رجل منكم/ أَنَّه أزهدكم، لأحلفنَّ لكم أنَّه خيركم «١» ، وروى ابن المبارك بسنده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «يَبْعَثُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِهِ كَانَا عَلَى سِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَحَدُهُمَا مَقْتُورٌ عَلَيْهِ، وَالآخَرُ مَوَسَّعٌ عَلَيْهِ [فَيُقْبِلُ المَقْتُورُ عَلَيْهِ] «٢» إلَى الجَنَّةِ، وَلاَ يَنْثَنِي عَنْهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَبْوَابِهَا، فَيَقُولُ حَجَبَتُهَا: إلَيْكَ إلَيْكَ!

فَيَقُولُ: إذَنْ لاَ أَرْجِعَ، قال: وَسَيْفُهُ في عُنُقِهِ فَيَقُولُ: أُعْطِيتُ هذا السَّيْفَ في الدُّنْيَا أُجَاهِدُ بِهِ، فَلَمْ أَزَلْ مُجَاهِداً بِهِ حتى قُبِضْتُ وَأَنَا على ذَلِكَ، فَيَرْمِي بِسَيْفِهِ إلَى الخَزَنَةِ، وَيَنْطَلِقُ، لاَ يُثْنُونَهُ وَلاَ يَحْبِسُونَهُ عَنِ الجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا، فَيَمْكُثُ فِيهَا دَهْراً، ثُمَّ يَمُرُّ بِهِ أَخُوهُ المُوَسَّعُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، مَا حَبَسَكَ؟!

فَيَقُولُ: مَا خُلِّيَ سَبِيلِي إلاَّ الآن، وَلَقَدْ حُبِسْتُ مَا لَوْ أَنَّ ثَلاَثَمِائَةِ بِعِيرٍ أَكَلَتْ خَمْطاً، لاَ يَرِدْنَ إلاَّ خِمْساً وَرَدْنَ على عِرْقِي لَصَدَرْنَ مِنْهُ رِيًّا «٣» » انتهى.

وقوله تعالى: فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ...

الآية: استمرارٌ في مخاطبة المنافقين قاله قتادة وغيره «٤» .

وقوله تعالى: هِيَ مَوْلاكُمْ قال المفسرون: معناه: هي أولى بكم، وهذا تفسير بالمعنى، وإنَّما هي استعارة لأَنَّها من حيثُ تَضُمُّهم وتباشِرُهم هي تواليهم وتكون لهم مكانَ المولى، وهذا نحو قول الشاعر: [الوافر]

..............

...

تحيّة بينهم ضرب وجيع «٥»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْعى نُورُهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يُضِيءُ لَهم نُورُ عَمَلِهِمْ عَلى الصِّراطِ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ، وأدْناهم نُورًا نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ يُطْفِئُ مَرَّةً، ويَتَّقِدُ أُخْرى.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَبِأيْمانِهِمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُهم يُعْطَوْنَها بِأيْمانِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ نُورُهم يَسْعى، أيْ: يَمْضِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وعَنْ أيْمانِهِمْ، وعَنْ شَمائِلِهِمْ.

والباءُ بِمَعْنى: "فِي" .

"وَفِي" بِمَعْنى "عَنْ"، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بُشْراكُمُ اليَوْمَ ﴾ هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ: "أنْظِرُونا" بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وفَتْحِها، وكَسْرِ الظّاءِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يَغْشى النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَيُعْطى المُؤْمِنُونَ النُّورَ، فَيَمْشِي المُنافِقُونَ في نُورِ المُؤْمِنِينَ، فَإذا سَبَقَهُمُ المُؤْمِنُونَ قالُوا: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم "قِيلَ: ارْجِعُوا وراءَكُمْ" في القائِلِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ارْجِعُوا إلى المَكانِ الَّذِي قَبَسْتُمْ فِيهِ النُّورَ، فَيَرْجِعُونَ، فَلا يَرَوْنَ شَيْئًا.

والثّانِي: ارْجِعُوا فاعْمَلُوا عَمَلًا يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَكم نُورًا.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لا نُورَ لَكم عِنْدَنا ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الأعْرافُ، وهو سُورٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ﴾ وهِيَ: الجَنَّةُ "وَظاهِرُهُ" يَعْنِي: مِن وراءِ السُّورِ ﴿ مِن قِبَلِهِ العَذابُ ﴾ وهو جَهَنَّمُ.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا السُّورَ يَكُونُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ في مَكانِ السُّورِ الشَّرْقِيِّ بَيْنَ الوادِي الَّذِي يُسَمّى: وادِيَ جَهَنَّمَ، وبَيْنَ البابِ الَّذِي يُسَمّى: بابَ الرَّحْمَةِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وكَعْبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنادُونَهُمْ ﴾ أيْ: يُنادِي المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ مِن وراءِ السُّورِ: ﴿ ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ أيْ: عَلى دِينِكم نُصَلِّي بِصَلاتِكُمْ، ونَغْزُو مَعَكُمْ؟!

فَيَقُولُ لَهُمُ المُؤْمِنُونَ: ﴿ بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَعْمَلْتُمُوها في الفِتْنَةِ.

وقالَ غَيْرُهُ: آثَمْتُمُوها بِالنِّفاقِ "وَتَرَبَّصْتُمْ" فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَرَبَّصْتُمْ بِالتَّوْبَةِ.

والثّانِي: تَرَبَّصْتُمْ بِمُحَمَّدٍ المَوْتَ، وقُلْتُمْ: يُوشِكُ أنْ يَمُوتَ فَنَسْتَرِيحَ ﴿ وارْتَبْتُمْ ﴾ شَكَكْتُمْ في الحَقِّ ﴿ وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ ﴾ يَعْنِي: ما كانُوا يَتَمَنَّوْنَ مِن نُزُولِ الدَّوائِرِ بِالمُؤْمِنِينَ ﴿ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ.

والثّانِي: إلْقاؤُهم في النّارِ ﴿ وَغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ ﴾ أيْ: غَرَّكُمُ الشَّطِّيّانُ بِحُكْمِ اللَّهِ وإمْهالِهِ ﴿ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ "لا تُؤْخَذُ" بِالتّاءِ، أيْ: بَدَلٌ وعِوَضٌ عَنْ عَذابِكم.

وهَذا خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هِيَ مَوْلاكُمْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: أوْلى بِكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ ﴾ ﴿ يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللهِ وغَرَّكم بِاللهِ الغَرُورُ ﴾ العامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ  ﴾ ، و"الرُؤْيَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ عَيْنٍ، و"النُورُ"، قالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: هي اسْتِعارَةٌ، عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والحَقِّ الَّذِي هم عَلَيْهِ وهِدايَتُهُمُ الناسَ إلى الحَقِّ وصِدْقُهم في الأفْعالِ والأقْوالِ، وقِيلَ: تَتَبُّعُهُمُ الرَشادَ واعْتِقادُهم بِهِ واقْتِصاصُهم آثارَهُ وعَلاماتِهِ وأنْوارَهُ، وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ، عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والرِضْوانِ الَّذِي هم فِيهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ هو نُورٌ حَقِيقَةً، ورُوِيَ في هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ آثارٌ مُضَمِّنُها أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَظْهَرٌ لِلْإيمانِ يُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا، فَيُطْفى نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ ويَبْقى نُورُ المُؤْمِنِينَ، حَتّى أنَّ مِنهم مَن نُورُهُ يُضِيءُ كَما بَيْنَ مَكَّةَ وصَنْعاءَ، رَفَعَهُ قَتادَةُ إلى النَبِيِّ  ، ومِنهم مَن نُورُهُ كالنَخْلَةِ السَحُوقِ، ومِنهم مَن نُورُهُ يُضِيءُ ما بَيْنَ قُرْبٍ مِن قَدَمَيْهِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومِنهم مَن يَهِمُ نُورُهُ بِالِانْطِفاءِ مَرَّةً ويَبِينُ مَرَّةً، عَلى قَدْرِ المَنازِلِ في الطاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وخَصَّ تَعالى "بَيْنَ الأيْدِي" لِأنَّهُ مَوْضِعُ حاجَةِ الإنْسانِ إلى النُورِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَبِأيْمانِهِمْ"، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: وعن أيْمانِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى خَصَّ جِهَةَ اليَمِينِ تَشْرِيفًا، ونابَ ذَلِكَ مَنابَ أنْ يَقُولَ: وفي جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: المَعْنى: وبِأيْمانِهِمْ كَتُبُهم بِالرَحْمَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى: يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ، يُرِيدُ تَعالى الضَوْءَ المُنْبَسِطَ مِن أهْلِ النُورِ، وبِأيْمانِهِمْ أصْلُهُ والشَيْءُ هو مُتَّقِدٌ فِيهِ، فَمُضَمَّنُ هَذا القَوْلِ أنَّهم يَحْمِلُونَ الأنْوارَ، وكَوْنُهم غَيْرَ حامِلِينَ "لَها" أكْرَمُ، ألا تَرى أنَّ فَضِيلَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ، وأُسِيدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إنَّما كانَتْ بِنُورٍ لا يَحْمِلانِهِ؟

هَذا في الدُنْيا فَكَيْفَ في الآخِرَةِ؟

ومِن هَذِهِ الآيَةِ انْتُزِعَ حَمْلُ المُعْتِقِ لِلشَّمْعَةِ.

وقَرَأ الناسُ: "وَبِأيْمانِهِمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "وَبِإيمانِهِمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَ أيْدِيهِمْ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كافِيًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وكائِنًا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بُشْراكُمُ" مَعْناهُ: يُقالُ لَهم بُشْراكم جَنّاتٍ، أيْ: دُخُولُ جَنّاتٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأقامَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: "خالِدِينَ فِيها" إلى آخِرِ الآيَةِ، مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ  ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ" بِدُونِ "هُوَ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ ﴾ ، قالَ بَعْضُ النُحاةِ: "يَوْمَ" بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، قالَ ويَظْهَرُ لِي أنَّ العامِلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ، ويَجِيءُ مَعْنى الفَوْزِ أفْخَمُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ بِالرَحْمَةِ يَوْمَ يَعْتَرِي المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، لِأنَّ ظُهُورَ المَرْءِ يَوْمَ خُمُولِ عَدُوِّهِ ومُضادِّهِ أبْدَعُ وأفْخَمُ، وقَوْلُ المُنافِقِينَ هَذِهِ المَقالَةَ المَحْكِيَّةَ هو عِنْدَ انْطِفاءِ أنْوارِهِمْ كَما ذَكَرْنا قَبْلُ، وقَوْلُهُمْ: "انْظُرُونا" مَعْناهُ: انْتَظِرُونا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: وقَدْ نَظَرْتُكُمُ إيناءُ عاشِيَةٍ لِلْخَمْسِ طالَ بِها حَبْسِي وتِبْساسِي وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "أنْظُرُونا" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ الظاءِ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كَلْثُومٍ: أبا هِنْدٍ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْنا ∗∗∗ وأنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا وَمَعْناهُ: أخِّرُونا، ومِنهُ النَظْرَةُ إلى مَيْسَرَةٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن أنْظِرَ مُعْسِرًا"» الحَدِيثُ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ "أخِّرُونا": أخِّرُوا مَشْيَكم لَنا حَتّى نَلْحَقَ فَنَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ، و"اقْتَبَسَ الرَجُلُ واسْتَقْبَسَ": أخَذَ مِن نُورِ غَيْرِهِ قَبَسًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَراءَكُمْ" حَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وأنَّهُ كَما لَوْ قالَ: ارْجِعُوا ارْجِعُوا، وأنَّهُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ أبِي الأُسُودِ الدُؤَلِيِّ لِلسّائِلِ "وَراءَكَ أوسَعُ لَكَ"، ولَسْتُ أعْرِفُ مانِعًا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "ارْجِعُوا"، والقَوْلُ لَهُمْ: "فالتَمِسُوا نُورًا" هو عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ لَهُمْ، أيْ: أنَّكم لا تَجِدُونَهُ، ثُمَّ أعْلَمَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَضْرِبُ بَيْنَهم في هَذِهِ الحالِ بِسُورٍ حاجِزٍ، فَيَسْعى المُنافِقُونَ في ظُلْمَةٍ، ويَأْخُذُهُمُ العَذابُ مِنَ اللهِ تَعالى، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ هَذا السُورَ هو الأعْرافُ المَذْكُورُ في سُورَةِ [الأعْرافِ]، وقَدْ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ، وقِيلَ: هو حاجِزٌ آخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وكَعْبُ الأحْبارِ، وعَبادَةُ بْنُ الصامِتِ، وابْنُ عَبّاسٍ: هو الجِدارُ الشَرْقِيُّ في مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي سِوادَةَ: قامَ عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ عَلى السُورِ الشَرْقِيِّ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَبَكى وقالَ: مِن هاهُنا أخْبَرَنا النَبِيُّ  أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِيهِ بابٌ يُسَمّى بابُ الرَحْمَةِ، سَمّاهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عُبادَةُ وكَعْبٌ، وفي الشَرْقِ مِنَ الجِدارِ المَذْكُورِ وادٍ يُقالُ لَهُ: وادِي جَهَنَّمَ: سَمّاهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وهَذا القَوْلُ في السُورِ بِعِيدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ الجَنَّةُ، والعَذابُ جَهَنَّمُ، والسُورُ في اللُغَةِ الحِجابُ الَّذِي لِلْمُدُنِ وهو مُذَكَّرٌ، والسُورُ أيْضًا جَمْعُ سُورَةٍ وهي القِطْعَةُ مِنَ البِناءِ فَيُضافُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى يَتِمَّ الجِدارُ، فَهَذا اسْمُ جَمْعٍ يَسُوغُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ، وهَذا الجَمْعُ هو الَّذِي أرادَ جَرِيرٌ في قَوْلِهِ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ وذَلِكَ أنَّ المَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ لَها قَطُّ حِجًى، وأيْضًا فَإنَّ وصْفَهُ أنَّ جَمِيعَ ما في المَدِينَةِ مِن بِناءٍ تَواضَعَ أبْلَغُ، ومَن رَأى أنَّهُ قَصَدَ قَصْدَ السُورِ الَّذِي هو الحِجى قالَ: إنَّ ذَلِكَ إذا تَواضَعَ فَغَيْرُهُ مِنَ المَبانِي أحْرى بِالتَواضُعِ، فَإذا كانَ السُورُ في البَيْتِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ فَلَيْسَ هو في قُوَّةِ مَرِّ الرِياحِ، وصَدْرِ القَناةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مُذَكَّرٌ مَحْضٌ اسْتَفادَ التَأْنِيثَ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ باطِنُهُ فِيهِ الرَحْمَةُ ﴾ ، أيْ: جِهَةُ المُؤْمِنِينَ، "وَظاهِرُهُ" أيْ: جِهَةُ المُنافِقِينَ، والظاهِرُ هُنا البادِي، ومِنهُ قَوْلُ الكِتابِ: "مِن ظاهِرِ مَدِينَةِ كَذا".

وقَوْلُهُ تَعالى: "يُنادُونَهُمْ" مَعْناهُ: يُنادِي المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكم في الدُنْيا؟

فَيَرُدُّ المُؤْمِنُونَ عَلَيْهِمْ: بَلى كُنْتُمْ مَعَنا ولَكِنَّكم عَرَّضْتُمْ أنْفُسَكم لِلْفِتْنَةِ وحُبِّ العاجِلِ والقِتالِ عَلَيْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم بِالنِفاقِ، و"تَرَبَّصْتُمْ" مَعْناهُ هُنا: بِإيمانِكُمْ، فَأبْطَأْتُمْ بِهِ حَتّى مُتُّمْ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: تَرَبَّصْتُمْ بِنا وبِمُحَمَّدٍ  الدَوائِرَ، وشَكَكْتُمْ في أمْرِ اللهِ تَعالى و"الِارْتِيابُ": التَشَكُّكُ، و"الأمانِيُّ الَّتِي غَرَّتْهُمْ" هي قَوْلُهُمْ: سَيَهْلَكُ مُحَمَّدٌ هَذا العامِ، سَتَهْزِمُهُ قُرَيْشٌ، سَتَأْخُذُهُ الأحْزابُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أمانِيهِمْ، وطُولُ الأمَلِ غِرارٌ لِكُلِّ أحَدٍ، و"أمْرُ اللهِ الَّذِي جاءَ" هو الفَتْحُ وظُهُورُ الإسْلامِ، وقِيلَ: هو مَوْتُ المُنافِقِينَ ومُوافاتُهم عَلى هَذِهِ الحالِ المُوجِبَةِ لِلْعَذابِ.

و"الغَرُورُ" الشَيْطانُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقَرَأ سَمّاكُ بْنُ حَرْبٍ بِضَمِّ الغَيْنِ، وأبُو حَيْوَةَ، ويَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَعْتَبِرَ هَذِهِ الآيَةَ في نَفْسِهِ وتَسْوِيفِهِ في تَوْبَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون هذا الكلام من تتمة خطاب المؤمنين للمنافقين استمراراً في التوبيخ والتنديم.

وهذا ما جرى عليه المفسرون، فموقع فاء التفريع بينّ والعلم للمؤمنين بأن لا تؤخذ فدية من المنافقين والذين كفروا حاصل مما يسمعون في ذلك اليوم من الأقضية الإِلهية بين الخلق بحيث صار معلوماً لأهل المحشر، أو هو علم متقرر في نفوسهم مما علموه في الدنيا من أخبار القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وذلك موجب عطف ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ تعبيراً عما علموه بأسره وهو عطف معترض جَرَّته المناسبة.

ويجوز أن يكون كلاماً صادراً من جانب الله تعالى للمنافقين تأييساً لهم من الطمع في نوال حظ من نور المؤمنين، فيكون الفاء من عطف التلقين عاطفة كلام أحد على كلام غيره لأجل اتحاد مكان المخاطبة على نحو قوله تعالى قال: ﴿ ومن ذريتي ﴾ [إبراهيم: 40].

ويكون عطف ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ جمعاً للفريقين في توبيخ وتنديم واحد لاتحادهما في الكفر.

وإقحام كلمة ﴿ فاليوم ﴾ لتذكيرهم بما كانوا يضمرونه في الدنيا حين ينفقون مع المؤمنين ريَاء وتقيّة.

وهو ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر ﴾ [التوبة: 98].

وقرأ الجمهور ﴿ لا يؤخذ ﴾ بياء الغائب المذكر لأن تأنيث ﴿ فدية ﴾ غير حقيقي، وقد فُصل بين الفعل وفاعله بالظرف فحصل مسوغان لترك اقتران الفعل بعلامة المؤنث.

وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بمثناة فوقية جرياً على تأنيث الفاعل في اللفظ، والقراءتان سواء.

وكني بنفي أخذ الفدية عن تحقق جزائهم على الكفر، وإلا فإنهم لم يبذلوا فدية، ولا كان النفاق من أنواع الفدية ولكن الكلام جرى على الكناية لما هو مشهور من أن الأسير والجاني قد يتخلصان من المؤاخذة بفدية تبذل عنهما.

فعطف ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ قُصد منه تعليل أن لا محيص لهم من عذاب الكفر، مثل الذين كفروا، أي الذين أعلنوا الكفر حتى كان حالةً يعرفون بها.

وهذا يقتضي أن المنافقين كانوا هم والكافرون في صعيد واحد عندَ أبواببِ جهنم، ففيه احتراس من أن يتوهم الكافرون الصرحاء من ضمير ﴿ لا يؤخذ منكم فدية ﴾ أن ذلك حكم خاص بالمنافقين تعلقاً بأقل طمع، فليس ذكر ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ مجرد استطراد.

والمأوى: المكان الذي يُؤَوى إليه، أي يصَار إليه ويُرجع، وكني به عن الاستمرار والخلود.

وأكد ذلك بالصريح بجملة ﴿ مأواكم النار هي مولاكم ﴾ أي ترجعون إليها كما يرجع المستنصر إلى مولاه لينصره أو يفادي عنه، فاستعير المولى للمَقَرَّ على طريقة التهكم.

ويجوز مع ذلك أن يجعل المولى اسم مكان الوَلْي، وهو القرب والدنوّ، أي مقركم، كقول لبيد: فغدتْ كلا الفرجينْ تحسب أنه *** مَولَى المخافة خلْفُها وأمَامُها أي مكان المخافة ومقرها.

و ﴿ بئس المصير ﴾ تذييل يشمل جميع ما يصيرون إليه من العذاب.

وقد يحصل العلم للمؤمنين بما أجابوا به أهل النفاق لأنهم صاروا إلى دار الحقائق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ ﴾ الآيَةَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو أُمامَةَ: يَغْشى النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ ظُلْمَةٌ أظُنُّها بَعْدَ فَصْلِ القَضاءِ، ثُمَّ يُعْطَوْنَ نُورًا يَمْشُونَ فِيهِ.

وَفي النُّورِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُعْطاهُ المُؤْمِنُ بَعْدَ إيمانِهِ دُونَ الكافِرِ.

الثّانِي: يُعْطاهُ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ، ثُمَّ يَسْلِبُ نُورَ المُنافِقِ لِنِفاقِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَيَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ حِينَ غَشِيَتْهُمُ الظُّلْمَةُ.

﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ حِينَ أُعْطُوا النُّورَ الَّذِي يَمْشُونَ فِيهِ: ﴿ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ ﴾ أيِ انْتَظِرُوا، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ أبا هِنْدٍ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْنا وأنْظِرْنا نُخْبِرْكَ اليَقِينا ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ارْجِعُوا إلى المَوْضِعِ الَّذِي أخَذْنا مِنهُ النُّورَ فالتَمِسُوا مِنهُ نُورًا.

الثّانِي: ارْجِعُوا فاعْمَلُوا عَمَلًا يَجْعَلِ اللَّهُ بَيْنَ أيْدِيكم نُورًا.

وَيُحْتَمَلُ في قائِلِ هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَهُ المُؤْمِنُونَ لَهم.

الثّانِي: أنْ تَقُولَهُ المَلائِكَةُ لَهم ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حائِطٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ حِجابٌ في الأعْرافِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ سُورُ المَسْجِدِ الشَّرْقِيِّ، [بَيْتُ المَقْدِسِ] قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ.

﴿ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي في باطِنِهِ الجَنَّةُ، والعَذابَ الَّذِي في ظاهِرِهِ جَهَنَّمُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي في باطِنِهِ: المَسْجِدُ وما يَلِيهِ، والعَذابُ الَّذِي في ظاهِرِهِ: وادِي جَهَنَّمَ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي في باطِنِهِ نُورُ المُؤْمِنِينَ، والعَذابَ الَّذِي في ظاهِرِهِ ظُلْمَةُ المُنافِقِينَ.

وَفِيمَن ضُرِبَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ بِهَذا السُّورِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ضُرِبَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِي التَمَسُوا مِنهم نُورًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ ضُرِبَ بَيْنَهم وبَيْنَ النُّورِ بِهَذا السُّورِ حَتّى لا يَقْدِرُوا عَلى التِماسِ النُّورِ.

﴿ يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي نُصَلِّي مِثْلَما تُصَلُّونَ، ونَغْزُو مِثْلَما تَغْزُونَ، ونَفْعَلُ مِثْلَما تَفْعَلُونَ.

﴿ قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالنِّفاقِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِالمَعاصِي، قالَهُ أبُو سِنانٍ.

الثّالِثُ: بِالشَّهَواتِ، رَواهُ أبُو نُمَيْرٍ الهَمْدانِيُّ.

﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالحَقِّ وأهْلِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: وتَرَبَّصْتُمْ بِالتَّوْبَةِ، قالَهُ أبُو سِنانٍ.

﴿ وارْتَبْتُمْ ﴾ يَعْنِي شَكَكْتُمْ في أمْرِ اللَّهِ.

﴿ وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خُدَعُ الشَّيْطانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: سَيُغْفَرُ لَنا، قالَهُ أبُو سِنانٍ.

الرّابِعُ: قَوْلُهُمُ اليَوْمَ وغَدًا.

﴿ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَوْتُ، قالَهُ أبُو سِنانٍ.

الثّانِي: إلْقاؤُهم في النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الشَّيْطانُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ يسعى نورهم بين أيديهم ﴾ قال: على الصراط حتى يدخلوا الجنة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ﴿ يسعى نورهم بين أيديهم ﴾ قال: على الصراط.

وأخرج ابن المنذر عن يزيد بن شجرة قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلاكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان ابن فلان هلم بنورك ويا فلان ابن فلان لا نور لك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من المؤمنين يوم القيامة من يضيء له نوره كما بين المدينة إلى عدن أبين إلى صنعاء فدون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه، والناس منازل بأعمالهم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يسعى نورهم بين أيديهم ﴾ قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل ومنهم من نوره مثل النخلة وأدناهم نوراً من نوره على إبهامه يطفأ مرة ويقد أخرى.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبد الرحمن بن جبير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة وأول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأرفع رأسي فأنظر بين يدي وعن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم فقيل: يا رسول الله وكيف تعرفهم من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟

قال: غر محجلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم» .

وأخرج ابن المبارك وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي أمامة الباهلي أنه قال: أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو القبر بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيد الدود وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم لفي بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى موضع آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نوراً ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئاً وهو المثل الذي ضرب الله في كتابه إلى قوله ولا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافق للذين آمنوا: ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ﴾ وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال: ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ [ النساء: 142] فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم، ﴿ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ﴾ ينادونهم ألم نكن معكم نصلي صلاتكم ونغزو مغازيكم؟

قالوا: بلى إلى قوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي أمامة قال: تبعث ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم المنافقون فيقولون: ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلاً لهم من الله إلى الجنة فلما رأى المنافقون المؤمنين انطلقوا إلى النور تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين فقالوا حينئذ: ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً منه على عباده، وأما عند الصراط فإن الله يعطي كل مؤمن نوراً وكل منافق نوراً فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون: ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ وقال المؤمنون: ﴿ ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ فلا يذكر عند ذلك أحد أحداً» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين دعا اليهود فقيل لهم: من كنتم تعبدون؟

فيقولون: كنا نعبد الله، فيقال لهم: كنتم تعبدون معه غيره فيقولون: نعم، فيقال لهم: من كنتم تعبدون معه؟

فيقولون: عُزيراً فيوجهون وجهاً، ثم يدعو النصارى، فيقال لهم: من كنتم تعبدون؟

فيقولون: كنا نعبد الله، فيقول لهم: هل كنتم تعبدون معه غيره؟

فيقولون: نعم، فيقال لهم: من كنتم تعبدون معه؟

فيقولون: المسيح، فيوجهون وجهاً ثم يدعى المسلمون وهم على رابة من الأرض فيقال لهم: من كنتم تعبدون؟

فيقولون: كنا نعبد الله وحده، فيقال لهم: هل كنتم تعبدون معه غيره؟

فيغضبون فيقولون: ما عبدنا غيره فيعطى كل إنسان منهم نوراً، ثم يوجهون إلى الصراط ثم قرأ ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا أنظرونا نقتبس من نوركم ﴾ الآية وقرأ ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم ﴾ [ التحريم: 8] إلى آخر الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات ﴾ الآية قال: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور لهم دليلاً إلى الجنة من الله فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي فاختة قال: يجمع الله الخلائق يوم القيامة، ويرسل الله على الناس ظلمة فيستغيثون ربهم فيؤتي الله كل مؤمن يومئذ نوراً ويؤتي المنافقين نوراً فينطلقون جميعاً متوجهين إلى الجنة معهم نورهم، فبينما هم كذلك إذ طفأ الله نور المنافقين، فيترددوهن في الظلمة، ويسبقهم المؤمنون بنورهم بين أيديهم فينادونهم ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ ﴿ فضرب بينهم بسور له باب باطنه ﴾ حيث ذهب المؤمنون فيه الرحمة ومن قبله الجنة، ويناديهم المنافقون ألم نكن معكم؟

قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم فيقول المنافقون بعضهم لبعض: وهم يتسكعون في الظلمة تعالوا نلتمس إلى المؤمنين سبيلاً فيسقطون على هوة، فيقول بعضهم لبعض: إن هذا ينفق بكم إلى المؤمنين فيتهافتون فيها فلا يزالون يهوون فيها حتى ينتهوا إلى قعر جهنم، فهنالك خدع المنافقون كما قال الله: ﴿ وهو خادعهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ انظرونا ﴾ موصولة برفع الألف.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ انظرونا ﴾ مقطوعة بنصب الألف وكسر الظاء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال: أين أنت من يوم جيء بجهنم قد سدت ما بين الخافقين وقيل: لن تدخل الجنة حتى تخوض النار، فإن كان معك نور استقام بك الصراط فقد والله نجوت وهديت، وإن لم يكن معك نور تشبث بك بعض خطاطيف جهنم أو كلاليبها، فقد والله رديت وهويت.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل في قوله: ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ﴾ وهم على الصراط ﴿ انظرونا ﴾ يقول: ارقبونا ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ يعني نصيب من نوركم فنمضي معكم قيل: يعني قالت الملائكة لهم: ﴿ ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً من حيث جئتم ﴾ هذا من الاستهزاء بهم استهزؤوا بالمؤمنين في الدنيا حين قالوا: آمنا وليسوا بمؤمنين فذلك قوله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ حين يقال لهم: ﴿ ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ﴾ ﴿ فضرب بينهم بسور له باب ﴾ يعني بالسور حائط بين أهل الجنة والنار ﴿ باب باطنه ﴾ يعني باطن السور ﴿ فيه الرحمة ﴾ مما يلي الجنة ﴿ وظاهره من قبله العذاب ﴾ يعني جهنم وهو الحجاب الذي ضرب بين أهل الجنة وأهل النار.

وأخرج عبد بن حميد عن عبادة بن الصامت أنه كان على سور بيت المقدس الشرقي فبكى فقيل له ما يبكيك؟

فقال: هاهنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم يحدث عن أبيه أنه قال: ﴿ فضرب بينهم بسور ﴾ قال: «هذا موضع السور عند وادي جهنم» .

وأخرج عبد بن حميد عن عن أبي سنان قال: كنت مع علي بن عبدالله بن عباس عند وادي جهنم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن عساكر عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: إن السور الذي ذكره الله في القرآن ﴿ فضرب بينهم بسور ﴾ هو السور الذي ببيت المقدس الشرقي ﴿ باطنه فيه الرحمة ﴾ المسجد ﴿ وظاهره من قبله العذاب ﴾ يعني وادي جهنم وما يليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فضرب بينهم بسور ﴾ قال: حائط بين الجنة والنار.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله: ﴿ باطنه فيه الرحمة ﴾ قال: الجنة ﴿ وظاهره من قبله العذاب ﴾ قال: النار.

وأخرج آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات ﴾ الآية، قال: إن المنافقين كانوا مع المؤمنين أحياء في الدنيا يناكحونهم ويعاشرونهم وكانوا معهم أمواتاً ويعطون النور جميعاً يوم القيامة فيطفأ نور المنافقين إذا بلغوا السور يماز بينهم يومئذ والسور كالحجاب في الأعراف فيقولون: ﴿ أنظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ﴾ .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولكنكم فتنتم أنفسكم ﴾ قال: بالشهوات واللذات وتربصتم بالتوبة ﴿ وارتبتم ﴾ أي شككتم في الله ﴿ وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ﴾ قال: الموت ﴿ وغركم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي سفيان ﴿ ولكنكم فتنتم أنفسكم ﴾ قال: بالمعاصي وتربصتم بالتوبة ﴿ وارتبتم ﴾ شككتم ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ قلتم: سيغفر لنا حتى جاء أمر الله قال: الموت ﴿ وغركم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد عن محبوب الليثي ﴿ ولكنكم فتنتم أنفسكم ﴾ أي بالشهوات ﴿ وتربصتم ﴾ بالتوبة ﴿ وارتبتم ﴾ أي شككتم في الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ قال: طول الأمل ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ قال: الموت ﴿ وغركم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وتربصتم ﴾ قال: تربصوا بالحق وأهله ﴿ وارتبتم ﴾ قال: كانوا في شك من أمر الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ قال: كانوا على خدعة من الشيطان والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار ﴿ وغركم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ﴾ يعني من المنافقين ولا من الذين كفروا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: (هي مولاكم) قال ابن عباس: هي مصيركم (١) وقال مقاتل: يعني وليكم (٢) وقال الكلبي: هي أولى بكم (٣) (٤) تعدت كل الفرجين تحسب أنه ...

مولى المخافة خلفها وأمامها قال أبو إسحاق: معن ﴿ مَوْلَاكُمْ ﴾ هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب، وأنشد البيت ثم قال: أي ولي المخافة (٥) وقال الفراء: هي أولى بكم (٦) (٧) ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ﴾ الآية [ق: 30].

ووجه آخر وهو أن معنى قوله: ﴿ هِيَ مَوْلَاكُمْ ﴾ لا مولى لكم أي لا ناصر، وذلك أن من كانت النار مولاه فهو مولى له وهذا كما يقال: ناصره الخذلان، ومعينه البكاء، أي لا ناصر له ولا معين، ومثله كثير ويؤكد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ  ﴾ .

(١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 227.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 141 أ.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 355، و"الوسيط" 4/ 249.

(٤) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 254، والبيت في معلقة لبيد.

انظر: "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 85، ومعناه: أن البقر هربت خوفاً من الكلاب، ولا تعرف أن الكلاب خلفها أم أمامها من شدة الخوف، فما بين اليدين فرج وما بين الرجلين فرج.

وورد أيضًا في "شرح شواهد الكتاب" 1/ 202، و"المقتضب" 3/ 201، و"الدرر اللوامع" 1/ 178.

(٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 125.

(٦) انظر: "معاني القرآن" 3/ 134.

(٧) قال الرازي: واعلم أن هذا الذي قالوه معنى وليس بتفسير للفظ؛ لأنه لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة لصح استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر.

انظر: "التفسير الكبير" 29/ 227 - 228.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ أي ينادي المنافقون المؤمنين فيقولون لهم: ألم نكن معكم في الدنيا؟

يريدون إظهارهم الإيمان ﴿ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي أهلكتموها وأظللتموها بالنفاق ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ أي أبطأتم بإيمانكم وقيل: تربصتم الدوائر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين ﴿ وارتبتم ﴾ أي شككتم في الإيمان ﴿ وَغرَّتْكُمُ الأماني ﴾ أي طول الأمل والتمني، ومن ذلك أنهم كانوا يتمنون أن يهلك النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أو يهزمون إلى غير ذلك من الأماني الكاذبة ﴿ حتى جَآءَ أَمْرُ الله ﴾ أي الفتح وظهور الإسلام، أو موت المنافقين على الحال الموجبة للعذاب ﴿ الغرور ﴾ هو الشيطان ﴿ هِيَ مَوْلاَكُمْ ﴾ أي هو أولى بكم وحقيقة المولى الولي الناصر، فكان هذا استعارة منه، أي لا وليّ لكم تأوون إليه إلا النار.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز جل -: ﴿ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الإيمان بالله: هو أن تجعله رب كل شيء، وأن له الخلق والأمر، والإيمان برسوله: هو أن صدقه في كل ما يخبر عن الله  وفي كل قول وفعل، وأنه صادق، وأنه محق، وتعلم أنه بأمر الله  ونهيه يأمر وينهى ويفعل لا من ذات نفسه؛ هذا هو الإيمان بالله  ورسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ يقول: والله أعلم -: وأنفقوا من المال الذي جعلكم فيه خلفاء من تقدمكم؛ لأن الناس يخلف بعضهم بعضا في هذه الأموال؛ كأنه يقول: أنفقوا من المال الذي جعلكم خلفاء من تقدمكم قبل أن يخلفكم من بعدكم؛ كما ترك الإنفاق من تقدمكم؛ إذ هي إنما أنشئت للإنفاق والانتفاع بها، لا للترك كما هي، والله أعلم.

ثم أخبر  بقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ أن من كان أمر به وأنفق، فله أجر كبير: ما أوعد لهم من الأجر على جهة الإنعام منه والإفضال، دون الاستحقاق؛ إذ امال ماله، وهم عبيده، ولا يلزم للعبد أجر على سيده، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ في ظاهره متناقض؛ لأنه يقول: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ﴾ ، ولو كانوا لا يؤمنون بالله كيف يقرون بالله وبالرسول، ويصدقونه: أنه رسول الله؛ إذ التصديق بالرسول تصديق بالمرسل، وهم لا يؤمنون بالله، فيكف يصدقون الرسول؟

لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما لكم لا تؤمنون بالله؟

أي: بقدرة الله على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم قد أتاكم ودعاكم بما تبين لكم من قدرته وسلطانه على البعث، فما لكم لا تؤمنون بقدرته؟

على هذا جائز أن يخرج؛ لأن أهل مكة كانوا أصنافا: منهم من يذهب مذهب الدهر، ومنهم من يذهب مذهب الشرك، ومنهم من يقر بالتوحيد وينكر البعث، والله أعلم.

والثاني يقول: أي: عذر لكم في ترك الإيمان بالله  والرسول دعاكم، وقد أتاكم من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر، ويزيح عنكم الشبه؟

فأي عذر لكم من ترككم الإيمان به؟

فما لكم لا تؤمنون؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن أخذ الميثاق من الله  يخرج على وجوه: أحدها: على ألسن الرسل - عليهم السلام - كقوله  : ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، وغير ذلك من أمثاله.

والثاني: أخذ الميثاق ما جعل في خلقة كل أحد من شهادة الوحدانية له.

والثالث: عهد إليهم؛ حيث ركب فيهم العقول والأفهام، وجعلهم بحيث يميزون مالهم مما عليهم، فيما لا يحتمل إهمال مثلهم وتركهم سدى.

ويحتمل ما ذكر بعض أهل التأويل من إخراجهم من صلب آدم -  -، والوجه الأول أقرب.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين بالله ورسوله محمد  قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - والله أعلم -: ما لكم لا تؤمنون بالله والرسول الذي كنتم مؤمنين به؟!

ويحتمل أن تكون الآية في أهل النفاق الذين كانوا يظهرون الإيمان به، ولا يحققونه؛ يقول: ما لكم لا تحققون الإيمان بالله والرسول ويدعوكم لتحققوا الإيمان بربكم؟

وهو كقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  ﴾ أي لا عذر لكم في الكفر بالله ورسوله، وترك الإيمان بهما، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ بالآيات والحجج.

أو يذكر هذا لا على الشرط؛ بل على التأكيد؛ كقوله  : ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ ، لأ،هم إذا كن أذعن الإيمان، لم يحل لهن أيضا كتمان ما في أرحامهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ الآيات في الحقيقة: هي الأعلام، لكن فست الآيا بالحجج؛ لأ، الآيات حجج من عند الله  جاءت، لا أنها مفتعلات من الخلق.

وقوله: ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ : واضحات أنها من عند الله جاءت، لا من عند الخلق، أو بينات أمره ونهيه، وما لهم وما عليه، وما يؤتى وما يتقى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ما أضيف إلى الله  من الإخراج، فهو على وجهين: أحدهما: على حقيقة الإخراج، وهو أن يوقفهم إلى الإيمان، ويعطيهم المعونة والعصمة؛ فيخرجون مما ذكر من الكفر إلى الإيمان.

والثاني: يخرج على الأمر به، والدعاء إلى الإيمان، ليس على حققة الإخراج، وهو كقوله: ﴿ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ في هذه الآية، ونظير حقيقة الإخراج قوله: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ، وعلى هذا يخرج إضافة الهداية إلى الله  : على التوفيق وإنشاء فعل الهداية منهم، والثاني: على الدعاء والبيان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ جائز أن يكون معناه: وإن الله بمن خرج من الظلمات إلى النور لرءوف رحيم، وهو يرجع إلى المؤمنين خاصة.

وجائز أيضا [أن] يوصف بالرحمة والرأفة على الكل؛ إي: بكم لرءوف رحيم بما أرسل إليكم الرسول، وأنزل عليكم الكتاب، وإن كان من أنفسكم وعقولكم كافية على معرفة وحدانية الله  وربوبيته بدون إنزال الكتاب وإرسال الرسول، لكن بفظه ورحمته أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون ذلك أدعى لهم، وأوصل إلى إدراك ما دعوا إليه، وأقرب في دفع الشبه والعذر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ما قال أهل التأويل: إن الخلق يفنون كلهم، ويبقى الله  ؛ كقوله  : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ فعلى هذا قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما لكم لا تنفقون في سبيل الله قبل أن يزول ملككم ويصير ميراثا لله  .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ إضافة وراثة بعضهم من بعض إليه؛ لما أنهم عبيده وإماؤه، ومال العبد يكون لسيده؛ فيصير كأنه يقول: ما لكم ألا تنفقوا لأنفسكم، وما يرجع إلى منافعكم، قبل أن يصير ذلك ميراثا لغيركم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً...

﴾ الآية.

قال بعضهم: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ ﴾ ، أي: لا يستوي منكم من آمن قبل الفتح؛ لأن قبل الفتح كان على من آمن خوف الهلاك وأنواع العقوبات؛ ل، الغلبة في ذلك الوقت كانت لأهل الكفر؛ لذلك لم يستو من آمن منهم قبل الفتح، ومن آمن منهم بعد الفتح، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله  : أنه قال: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمانهم لرجح" ؛ لأن إيمانه -  - في وقت الخوف على متبعي الإسلام.

أو لما يكون بإيمانه إيمان نفر كثير؛ لأنه كان رئيسهم، وكذلك الإنفاق في ذلك الوقت أفضل وأعظم، لما في الإنفاق في ذلك الوقت معونة لرسول الله  ولمن تابعه.

أو لما أن الإنفاق من بعد الفتح يقع به طمع الوصول إلى المنافع والأبدال من الصدقات والمغانم، وقبل الفتح، لم يكن ذلك المعنى، فهو لله خالص بلا بدل ولا طمع كان معه، والله أعلم.

وقيل: لا يستوي من هاجر ومن لم يهاجر، ولا هجرة بعد فتح مكة؛ فلذلك روي عنه  : "لا هجرة بعد اليوم، ولكن جهاد ونية" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: وعد الله لكلا الفريقين: من أنفق قبل الفتح وبعده الجنة والثواب الحسن.

وقال بعض أهل التأويل: "هذه الآية نزلت في فتح الحديبية، فقيل: يا رسول الله ، فتح هو؟

قال: نعم، فتح عظيم" وعن قتادة: هو فتح مكة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فيه ترغيب وترهيب فيما يرغب ويرهب عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم: أنه - جل وعلا - عامل عباده بكرمه وجوده معاملة من لا حق له ولا ملك في أنفسهم وأموالهم، لا معاملة من حقيقة أملاكهم وأموالهم وأنفسهم له؛ من نحو ما ذكر من الإقراض له، وما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم بأن لهم الجنة، وما ذكر لأعمالهم من الأجر، وهم عبيده، وأعمالهم التي يعملون لأنفسهم، كأهم عاملون له، وما يمسكون لأنفسهم ويدخرونه في وقت الحاجة لهم، سماه: قرضا، وما يكتسبون به للحياة الدائمة والنعم الباقية، فهم المنتفعون بها، ولا أحد في الشاهد يستقرض مال نفسه من آخر ببدل ثم يعطي له الأجر على ذلك؛ هذا كله خراج عن عادة الخلق، وطبعهم، وصنعيهم بعضهم مع بضع، لكن عاملهم بما يليق بكرمه وجوده [و]عد لهم بما أمسكوا لأنفسهم أضعافا مضاعفة.

ثم جائز تسميته ما يمسكون لوقت حاجتهم: قرضا؛ لئلا يمنوا على الفقراء وأهل الحاجة بما أعطوهم منه؛ لما عرف - جل وعلا - من طبعهم الامتنان عليهم، أو لما يدفع عنهم مؤنة حفظ ذلك إلى وقت حاجتهم من السرقة، والغصب وغير ذلك من أنواع ما يخاف التلف منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: أجر حسن، والله أعلم.

وجائز تسميته: كريما؛ لما أن من ناله يصير كريما، أو لما يؤمل ويرجى أن يكون لهم ذلك، والكريم في الشاهد: هو الذي يرجى منه كل خير ويؤمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ يَسْعَىٰ نُورُهُم ﴾ أي: كتبهم التي يعطون في الآخرة، فإنه يعطى كتاب المقربين والسابقين من أمامهم وقدامهم، وكتاب سائر المؤمنين من أيمانهم، وكتاب أهل الشرك من وراء ظهورهم، يؤيده حرف حفصة -  -: (نورهم يسعى بين أيديهم وفي أيمانهم) كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ...

﴾ الآية [الإنشقاق: 7].

وجائز أن يكون نور إيمانهم ودينهم الذي كانوا عليه في الدنيا.

وجائز أن يكون نورهم الذي ذكر كناية عن الطريق الذي يسلك فيه السابقون ، يرون ما أمامهم، وسائر المؤمنين عن أيمانهم وما سلكوا في الدنيا، وأهل الشرك بشمالهم، وأهل للنفاق من ورائهم.

وجئز أن يكون قوله: ﴿ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾ كناية عن اليمن والبركة؛ إذ إنما بالأيمان ينال اليمن والبركات فسماها بذلك.

ويحتمل ما ذكر أهل التأويل: أنه يرفع لهم نور، فيمشون بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ إنما يقال ذلك قبل دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ ؛ لأنه لا هلاك بعده ولا تبعة، ولا انقطاع لذلك.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ليس أن يراه هو خاصة لا يرى غيره ذلك؛ بل يرى ذلك جميع المؤمنين؛ فيبطل به قول من جعل التنصيص على الشيء دالا على التخصيص ونفي غيره.

وعن قتادة: أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله  قال: "إن من المؤمنين من يضيء نوره من موضع قدميه، وللمؤمنين منازل لأعمالهم" وروي في بعض الأخبار عن روسل الله  قال: ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ : ما أفرطوا من أولادهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ منهم من قرأ: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ، ومنهم من قرأ مقطوعة من (أنظرت)؛ قال أبو عبيدة: فالاتصال أحب إلينا؛ لأن تأويلها - والله أعلم -: انتظرونا، يقال منه: نظرت فلانا أنظره.

وأما القراءة الأخرى؛ فإنها من التأخير؛ يقال منه: أنظرت فلانا أنظره؛ غذا أخرته، ولا أعرف للتأخير هاهنا موضعا.

وقال أبو عوسجة: أنظرته ونظرته، أي: انتظرته، يقال منه: نظر نظرة.

ثم الآية دلت على أن أهل النفاق يكونون ببع من المؤمنين وألا ينتفعوا بنور المؤمنين، ولكن يرون ذلك اليوم من بعد؛ حيث قالوا: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ، ولو كانوا بقرب منهم أو ينتفعون ينورهم، لكانوا لا يطلبون منهم الانتظار لهم، والاقتباس من نورهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ من الناس من يقول: إن هذا هو الاستهزاء الذي ذكر في آية أخرى: أنه يستهزئ بهم، حيث قال: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، فقوله: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ هو ذلك الاستهزاء.

وقلنا نحن في قوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، أي: يجزيهم جزاء استهزائهم، الذين استهزءوا برسول الله  وبالمؤمنين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ ﴾ ليس على الأمر بالرجوع من وراء والتماس النور، ولكن على التوبيخ والتعيير، أي: النور إنما يطلب من وراء هذا اليوم؛ أي: من قبل هذا اليوم، لا يطلب فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ الآية.

جائز أن يكون السور الذي ذكر الذي ضرب بينهم ما ذكر في سورة الأعراف؛ حيث قال: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ  ﴾ السور: هو الأعراف التي ذكر أنها تكون حجابا بين أهل النار وأهل الجنة، يرفع ذلك السور بينهم؛ لئلا ينتفعوا بنور المؤمنين.

وقوله: ﴿ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ بَابٌ ﴾ ليس على حقيقة الباب، ولكن الباب كناية عن الطريق والسبيل يقول: هو طريق وسبيل، من يأخذ ذلك السبيل، افضاه إلى الرحمة، ومن سلك ظاهره، أفضاه إلى العذاب.

وجائز أن يُفتح من النار إلى الجنة باب؛ فيرون ما حل بهم من العذاب، ويرون أهل النار أهل الجنة على ما هم عليه من النعيم؛ ليزداد لهم حسرة وندامة.

أو يكون اطلاعا لا من باب، ولكن من السور والأعراف الذي ذكر، وهو ما قال: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ ، والإطلاع في الظاهر إنما يكون من مكان عال مرتفع إلى موضع منحدر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ ، أي: ينادي أهل النفاق المؤمنين ألم نكن معكم قالوا بلى، جائز أن يكون هذا القول منهم ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ تغرير منهم للمسلمين يومئذ كما كانوا يغرونهم في الدنيا، وهو ما أخبر عنهم، يكذبون في الآخرة كما كانوا في الدنيا؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ  ﴾ ، ثم أخبر أنهم هم الكاذبون في حلفهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قولهم: ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ يخرج على تغريرهم إياهم.

ثم الإشكال والكلام قول المؤمنين: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ، وقد علموا أنهم لم يكونوا معهمه، فكيف قالوا: بلى؟

فنقول: جائز أن يكون جوابهم خرج لأولئك على ما عرفوا من خطابهم ومرادهم، فأجابوهم على ذلك.

أو أن يكون قولهم: بلى إن كنتم تقولون بأنا معكم، ولكن لم تكونوا معنا.

أو يخرج جوابهم على ظاهر ما يرون من أنفسهم الموافقة دون الحقيقة.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: امتحنتم أنفسكم في الرجوع إلى من جعل لكم المنافع والعاقبة، كقوله  : ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ ، أي شدة، وقال القتبي: ﴿ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: أثمتموها.

وقوله: ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ يخرج على وجهين: يحتمل تربصتم برسول الله  أنه سيموت عن قريب، أو أنه يرجع عن الإسلام إلى دين أولئك الكفرة.

وقوله: ﴿ وَٱرْتَبْتُمْ ﴾ ، أي: شككتم وإن قام لكم ما يدفع الارتياب والشك عنكم والشبه.

وقوله: ﴿ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ ﴾ \[يخرج على\] وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من ابتاعهم المنافع التي كانوا يتوقعونها فكيفما كان يتبعون غرضهم في ذلك.

والثاني: ما تمنت أنفسهم من موت رسول الله وهلاكه، أو عوده إلى دينهم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: الأمر بالهلاك، أو يوم القيامة.

وقوله: ﴿ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ أي: غركم عن دين الله الشيطان.

وقوله - عز وجل : ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قرئ بالياء والتاء، وأكثرهم على الياء، معناهما واحد، أي: لا يكون لهم فدية يومئذ، ليس أن يكون لهم فدية ولا تؤخذ.

أو أن يقول على التمثيل، أي: لو كان لهم فدية، لكان لا تقبل منهم، يخبر أن أمر الآخرة على خلاف ما يكون في الدنيا؛ إذ في الدنيا ربما يحتال لدفع البلاء بالفداء مرة وبالشفاء ثانيا.

وقوله: ﴿ مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ ﴾ ، أي: يأوون إليها.

وقوله: ﴿ هِيَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: أولى بكم وأحق.

وقوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، أي: بئس ما يصيرون إليها.

ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في تخليد أصحاب الكبائر في النار؛ لأنه  جعل الناس على ثلاث فرق، وأنزلهم منازل ثلاثة: المنافقين، والكافرين كفر تصريح، والمؤمنين، وجعل النار لأهل الكفر وأهل النفاس، ولم يجعلها لغيرهما، وصاحب الكبيرة ليس هو بمنافق ولا كافر عندهم، وكذلك ما قسم الله  الناس أقساما ثلاثة: السباقين، وأصحاب اليمين، واصحاب الشمال هم المكذبون، وأصحاب الكبائر ليسوا بمكذبين عندهم، وهو ما جعل النار إلا للمكذبين؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ  فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ  وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ  فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ  وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ  إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ  ﴾ جعل الجنة للمقربين وأصحاب اليمين والنار للمكذبين خاصة، لم يجعلها لغيرهم، فمن جعلها لغيرهم، فهو مخالف لظاهر هذه الآيات التي ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فاليوم لا تؤخذ منكم -أيها المناففون- فدية من عذاب الله، ولا تؤخذ فدية من الذين كفروا بالله علنًا، ومصيركم ومصير الكافرين النار، هي أولى بكم، وأنتم أولى بها، وبئس المصير.

<div class="verse-tafsir" id="91.L8r9K"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل