الإسلام > القرآن > سور > سورة 63 المنافقون > الآية ٧ من سورة المنافقون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة المنافقون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال فنزلت هذه الآية "هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا - حتى بلغ - لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" ورواه البخاري عند هذه الآية عن آدم بن أبي إياس عن شعبة ثم قال وقال ابن أبي زائدة عن الأعمش عن عمرو عن ابن أبي ليلى عن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الترمذي والنسائي عندها أيضا من حديث شعبة به.
"طريق أخرى عن زيد" قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا يحيى بن آدم ويحيى بن أبي بكير قالا حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال سمعت زيد بن أرقم وقال أبو بكر عن زيد بن أرقم قال خرجت مع عمي في غزاة فسمعت عبدالله بن أبي بن سلول يقول لأصحابه لا تنفقوا على من عند رسول الله ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي فذكره عمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فأرسل إلى عبدالله بن أبي بن سلول وأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط وجلست في البيت فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك؟
قال حتى أنزل الله "إذا جاءك المنافقون" قال فبعث إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثم قال "إن الله قد صدقك" ثم قال أحمد أيضا حدثنا حسن بن موسى حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق أنه سمع زيد بن أرقم يقول خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصاب الناس شدة وقال عبدالله بن أبي لاصحابه لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبدالله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا: كذب زيد يا رسول الله فوقع في نفسي مما قالوا فأنزل الله تصديقي "إذا جاءك المنافقون" قال ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رءوسهم وقد رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث زهير ورواه البخاري أيضا والترمذي من حديث إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق عمرو بن عبدالله السبيعي الهمدانى الكوفي عن زيد به "طريق أخرى عن زيد" قال أبو عيسى الترمذي حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدى عن أبي سعيد الأزدي قال حدثنا زيد بن أرقم قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقوننا إليه فسبق أعرابي أصحابه ليملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه قال فأتى رجل من الأنصار الأعرابي فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه فانتزع حجرا فغاض الماء فرفع الاعرابي خشبته فضرب بها رأس الأنصاري فشجه فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه فغضب عبدالله بن أبي ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله يعني الأعراب وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام فقال عبدالله لأصحابه إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمدا بالطعام فليأكل هو ومن معه ثم قال لأصحابه لئن رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل قال زيد وأنا ردف عمي قال فسمعت عبدالله بن أبي يقول ما قال فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد قال فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني قال فجاء إلي عمي فقال ما أردت إلا أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك المسلمون؟
قال فوقع علي من الغم ما لم يقع على أحد قط قال فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وقد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا ثم إن أبا بكر لحقني وقال ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قلت ما قال شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي فقال أبشر ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر فلما أن أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين.
انفرد بإخراجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
وهكذا رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن عبيدالله بن موسى به وزاد بعد قوله سورة المنافقين "إذا جاءك المنافقون قالوا فشهد إنك لرسول الله - حتى بلغ- هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا - حتى بلغ - ليخرجن الأعز منها الأذل".
وقد ورى عبدالله بن لهيعة عن أبي الأسود عروة بن الزبير في المغازي وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أيضا هذه القصة بهذا السياق ولكن جعلا الذي بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام عبدالله بن أبي بن سلول إنما هو أوس بن أقرم من بني الحارث بن الخزرج فلعله مبلغ آخر أو تصحيف من جهة السمع والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم رحمه الله حدثنا محمد عزيز الأيلي حدثنا سلام حدثني عقيل أخبرت محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرو بن ثابت الأنصاري أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة المريسيع وهي التي هدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلل وبين البحر فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فكسر مناة فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز وهم حلفاء الأنصار فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي فقال البهزي يا معشر الأنصار فنصره رجال من الأنصار وقال المهاجري يا معشر المهاجرين فنصره رجال من المهاجرين حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شىء من القتال ثم حجز بينهم فانكفأ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبدالله بن أبي بن سلول فقال قد كنت ترجى وتدفع فأصبحت لا تضر ولا تنفع قد تناصرت علينا الجلابيب وكانوا يدعون كل حديث الهجرة الجلابيب.
يقول تعالى ذكره (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ) يعني المنافقين الذين يقولون لأصحابهم (لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ) من أصحابه المهاجرين (حَتَّى يَنْفَضُّوا ) يقول: حتى يتفرّقوا عنه.
وقوله: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول : ولله جميع ما في السماوات والأرض من شيء وبيده مفاتيح خزائن ذلك، لا يقدر أحد أن يعطي أحدًا شيئًا إلا بمشيئته (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ) أن ذلك كذلك، فلذلك يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى ينفضوا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) قال: لا تطعموا محمدًا وأصحابه حتى تصيبهم مجاعة، فيتركوا نبيهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) قرأها إلى آخر الآية، وهذا قول عبد الله بن أُبي لأصحابه المنافقين لا تنفقوا على محمد وأصحابه حتى يدعوه، فإنكم لولا أنكم تنفقون عليهم لتركوه وَأجَلوا عنه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) إن عبد الله بن أُبيّ ابن سلول قال لأصحابه، لا تنفقوا على من عند رسول الله، فأنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) يعني الرَّفد والمعونة، وليس يعني الزكاة المفروضة؛ والذين قالوا هذا هم المنافقون.
حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا الأعمش عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى، عن زيد بن أرقم، قال: " لما قال ابن أُبيّ ما قال، أخبرت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فجاء فحلف، فجعل الناس يقولون لي: تأتي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالكذب؟
حتى جلستُ في البيت مخافة إذا رأوني قالوا: هذا الذي يكذب، حتى أُنـزل (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ) .
قوله تعالى : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهونذكرنا سبب النزول فيما تقدم .
وابن أبي قال : لا تنفقوا على من عند محمد حتى ينفضوا ; حتى يتفرقوا عنه .فأعلمهم الله سبحانه أن خزائن السموات والأرض له ، ينفق كيف يشاء .
قال رجل لحاتم الأصم : من أين تأكل ؟
فقال : ولله خزائن السموات والأرض .وقال الجنيد : خزائن السموات الغيوب ، وخزائن الأرض القلوب ; فهو علام الغيوب ومقلب القلوب .
وكان الشبلي يقول : ولله خزائن السموات والأرض فأين تذهبون .ولكن المنافقين لا يفقهون أنه إذا أراد أمرا يسره .
وهذا من شدة عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، لما رأوا اجتماع أصحابه وائتلافهم، ومسارعتهم في مرضاة الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا بزعمهم الفاسد:{ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا } فإنهم - بزعمهم - لولا أموال المنافقين ونفقاتهم عليهم، لما اجتمعوا في نصرة دين الله، وهذا من أعجب العجب، أن يدعى هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس على خذلان الدين، وأذية المسلمين، مثل هذه الدعوى، التي لا تروج إلا على من لا علم له بحقائق الأمور ولهذا قال الله ردًا لقولهم: { وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } فيؤتي الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء، وييسر الأسباب لمن يشاء، ويعسرها على من يشاء، { وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } فلذلك قالوا تلك المقالة، التي مضمونها أن خزائن الرزق في أيديهم، وتحت مشيئتهم.
ونزل : ( هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ) .
يتفرقوا ، ( ولله خزائن السماوات والأرض ) فلا يعطي أحد أحدا شيئا إلا بإذنه ولا يمنعه إلا بمشيئته ، ( ولكن المنافقين لا يفقهون ) أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون .
«هم الذين يقولون» لأصحابهم من الأنصار «لا تنفقوا على من عند رسول الله» من المهاجرين «حتى ينفضُّوا» يتفرقوا عنه «ولله خزائن السماوات والأرض» بالرزق فهو الرازق للمهاجرين وغيرهم «ولكن المنافقين لا يفقهون».
هؤلاء المنافقون هم الذين يقولون لأهل "المدينة": لا تنفقوا على أصحاب رسول الله من المهاجرين حتى يتفرقوا عنه.
ولله وحده خزائن السموات والأرض وما فيهما من أرزاق، يعطيها من يشاء ويمنعها عمَّن يشاء، ولكن المنافقين ليس لديهم فقه ولا ينفعهم ذلك.
وقوله - سبحانه - : ( هُمُ الذين يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ .
.
) كلام مستأنف جار مجرى التعليل لفسقهم ، وحكاية لجانب من أقوالهم الفاسدة .
.
.
والقائل هو عبد الله بن أبى ، كما جاء فى روايات أسباب النزول لهذه الآيات ، والتى سبق أن ذكرنا بعضها .ونسب - سبحانه - القول إليهم جميعا ، لأنهم رضوا به ، وقبلوه منه .ومرادهم بمن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المهاجرون الذين تركوا ديارهم فى مكة ، واستقروا بالمدينة .أى : إن هؤلاء المنافقين لن يغفر الله - تعالى - لهم ، لأنهم فسقوا عن أمره ، ومن مظاهر فسوقهم وفجورهم ، أنهم أيدوا زعيمهم فة النفاق ، عندما قال لهم : لا تنفقوا على من عند رسول الله من فقراء المهاجرين ، ولا تقدموا لأحد منهم عونا أو مساعدة ، حتى ينفضوا من حوله .
أى : حتى يتفرقوا من حوله .
يقال : انفض القوم : إذا فنيت أزوادهم يقال : نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض ، إذا انتهى زاده وليس مرادهم حتى ينفضوا ويتفرقوا عنه ، فإذا فعلوا ذلك فانفقوا عليهم .
وإنما مرادهم ، استمروا على عدم مساعدتكم لهم ، حتى يتركوا المدينة ، وتكون مسكنا لكم وحدكم .وقوله - سبحانه - : ( وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السماوات والأرض ولكن المنافقين لاَ يَفْقَهُونَ ) .والخزائن : جمع خزينة ، وهى ما يخزن فيها المال والطعام وما يشبههما ، والمراد بها أرزاق العباد التى يمنحها الله - تعالى - لعباده .أى : ولله - تعالى - وحده لا لأحد غيره ، ملك أرزاق العباد جميعا : فيعطى من يشاء ، ويمنع من يشاء ، ولكن المنافقين لا يفقهون ذلك ولا يدركونه ، لجهلهم بقدرة الله - تعالى - ، ولاستيلاء الجحود والضلال على نفوسهم .
أخبر الله تعالى بشنيع مقالتهم فقال: ﴿ هُمُ الذين يَقُولُونَ ﴾ كذا وكذا: ﴿ وينفضوا ﴾ أي يتفرقوا، وقرئ: ﴿ يَنفَضُّواْ ﴾ من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم، قال المفسرون: اقتتل أجير عمر مع أجير عبد الله بن أبي في بعض الغزوات فأسمع أجير عمر عبد الله بن أبي المكروه واشتد عليه لسانه، فغضب عبد الله وعنده رهط من قومه فقال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على قومه فقال: لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء يعني المهاجرين لأوشكوا أن يتحولوا عن دياركم وبلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فنزلت، وقرئ: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ﴾ بفتح الياء، وقرأ الحسن وابن أبي عيلة: ﴿ لَنَخْرُجَنَّ ﴾ بالنون ونصب الأعز والأذل، وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السموات والأرض ﴾ قال مقاتل: يعني مفاتيح الرزق والمطر والنبات، والمعنى أن الله هو الرزاق: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض ﴾ وقال أهل المعاني: خزائن الله تعالى مقدوراته لأن فيها كل ما يشاء مما يريد إخراجه، وقال الجنيد: خزائن الله تعالى في السموات الغيوب وفي الأرض القلوب وهو علام الغيوب ومقلب القلوب، وقوله تعالى: ﴿ ولكن المنافقين لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ أي لا يفقهون أن: ﴿ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ وقوله يقولون: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَا ﴾ أي من تلك الغزوة وهي غزوة بني المصطلق إلى المدينة فرد الله تعالى عليه وقال: ﴿ وَلِلَّهِ العزة ﴾ أي الغلبة والقوة ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين وعزهم بنصرته إياهم وإظهار دينهم على سائر الأديان وأعلم رسوله بذلك ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ولو علموه ما قالوا: مقالتهم هذه، قال صاحب الكشاف: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وهم الأخصاء بذلك كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين، وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه، وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً قال: ليس بتيه ولكنه عزة فإن هذا العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر معه، وتلا هذه الآية قال بعض العارفين في تحقيق هذا المعنى: العزة غير الكبر ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها عن أن يضعها لأقسام عاجلة دنيوية كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلها فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة، وتختلف من حيث الحقيقة كاشتباه التواضع بالضعة والتواضع محمود، والضعة مذمومة، والكبر مذموم، والعزة محمودة، ولما كانت غير مذمومة وفيها مشاكلة للكبر، قال تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق ﴾ وفيه إشارة خفية لإثبات العزة بالحق، والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الضعة وقوف على صراط العزة المنصوب على متن نار الكبر، فإن قيل: قال في الآية الأولى: ﴿ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ وفي الأخرى ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ فما الحكمة فيه؟
فنقول: ليعلم بالأول قلة كياستهم وفهمهم، وبالثاني كثرة حماقتهم وجهلهم، ولا يفقهون من فقه يفقه، كعلم يعلم، ومن فقه يفقه: كعظم يعظم، والأول لحصول الفقه بالتكلف والثاني لا بالتكلف، فالأول علاجي، والثاني مزاجي.
<div class="verse-tafsir"
روى: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم وقتل منهم: ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبيّ، واقتتلا، فصرخ جهجاه يا للمهاجرين: وسنان: يا للأنصار؛ فأعان جهجاها جعَّال من فقراء المهاجرين ولطم سنانا.
فقال عبد الله لجعال.
وأنت هناك، وقال: ما صحبنا محمداً إلا لنلطم، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل، عنى بالأعز: نفسه، وبالأذل، رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم؟
أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم؛ أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحوّلوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث، فقال: أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عزّ من الرحمن وقوّة من المسلمين، فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب؛ فأخبر زيد رسول الله فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب.
قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري.
فأمر به أنصارياً فقال: فكيف إذا تحدّث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه؛ وقال عليه الصلاة والسلام لعبد الله: أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟
قال: والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئاً من ذلك، وإن زيداً لكاذب، وهو قوله تعالى: ﴿ اتخذوا أيمانهم جُنَّةً ﴾ [المنافقون: 2] فقال الحاضرون: يا رسول الله: شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وهم.
وروى أن رسول الله قال له: لعلك غضبت عليه؛ قال: لا؛ قال: فلعله أخطأ سمعك؛ قال: لا؛ قال: فلعله شبه عليك؛ قال: لا.
فلما نزلت: لحق رسول الله زيداً من خلفه فعرك أذنه وقال: وفت أذنك يا غلام، إنّ الله قد صدقك وكذب المنافقين.
ولما أراد عبد الله أن يدخل المدينة: اعترضه ابنه حباب، وهو عبد الله بن عبد الله غير رسول الله اسمه، وقال: إنّ حباباً اسم شيطان.
وكان مخلصاً وقال: وراءك، والله؛ لا تدخلها حتى تقول رسول الله الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيساً في يده حتى أمره رسول الله بتخليته.
وروي أنه قال له: لئن لم تقرّ لله ورسوله بالعز لأضربن عنقك، فقال: ويحك، أفاعل أنت؟
قال: نعم.
فلما رأى منه الجدّ قال: أشهد أنّ العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال رسول الله لابنه: «جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيراً» ؛ فلما بان كذب عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد، فنزلت: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله ﴾ [المنافقون: 5] ولم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات ﴿ سَوآءً عَلَيْهِمْ ﴾ الاستغفار وعدمه، لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به لكفرهم.
أو لأن الله لا يغفر لهم.
وقرئ: ﴿ استغفرت ﴾ على حذف حرف الاستفهام؛ لأنّ (أم) المعادلة تدل عليه.
وقرأ أبو جعفر ﴿ آستغفرت ﴾ ، إشباعاً لهمزة الاستفهام للإظهار والبيان، لا قلبا لهمزة الوصل ألفاً، كما في: آلسحر، وآلله ﴿ يَنفَضُّواْ ﴾ يتفرقوا.
وقرئ: ﴿ ينفضوا ﴾ من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم.
وحقيقته: حان لهم أن ينفضوا مزاودهم ﴿ وَلِلَّهِ خَزآئِنُ السماوات والأرض ﴾ وبيده الأرزاق والقسم، وهو رازقهم منها؛ وإن أبي أهل المدينة أن ينفقوا عليهم، ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون ﴿ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان.
وقرئ: ﴿ ليخرجنّ الأعز منها الأذل ﴾ بفتح الياء.
وليخرجنّ، على البناء للمفعول.
قرأ الحسن وابن أبي عبلة: لنخرجنّ، بالنون ونسب الأعز والأذل.
ومعناه: خروج الأذل.
أو إخراج الأذل.
أو مثل الأذل ﴿ وَلِلَّهِ العزة ﴾ الغلبة والقوّة، ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين، وهم الأخصاء بذلك، كما أنّ المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين.
وعن بعض الصالحات- وكانت في هيئة رثة- ألست على الإسلام؟
وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه.
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما: أنّ رجلاً قال له: إنّ الناس يزعمون أنّ فيك تيهاً؛ قال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا هذه الآية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ﴾ أيْ لِلْأنْصارِ.
﴿ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ.
﴿ وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ بِيَدِهِ الأرْزاقُ والقِسَمِ.
﴿ وَلَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ.
﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ﴾ رُوِيَ «أنَّ أعْرابِيًّا نازَعَ أنْصارِيًّا في بَعْضِ الغَزَواتِ عَلى ماءٍ، فَضَرَبَ الأعْرابِيُّ رَأْسَهُ بِخَشَبَةٍ، فَشَكا إلى ابْنِ أُبَيٍّ فَقالَ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا، وإذا رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ فَلْيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، عَنى بِالأعَزِّ نَفْسَهُ وبِالأذَلِّ رَسُولَ اللَّهِ .» وَقُرِئَ: «لَيَخْرُجَنَّ» بِفَتْحِ الياءِ و «لَيُخْرَجَنَّ» عَلى بِناءِ المَفْعُولِ و «لَنُخْرِجَنَّ» بِالنُّونِ، ونَصْبُ «الأعَزَّ» و «الأذَلَّ» عَلى هَذِهِ القِراءاتِ مَصْدَرٌ أوْ حالٌ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَخُرُوجٍ أوْ إخْراجٍ أوْ مَثَلٍ.
﴿ وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ولِلَّهِ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ ولِمَن أعَزَّهُ مِن رَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ وَلَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ وغُرُورِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{هُمُ الذين يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عند رسول الله حتى تنفضوا} يتفرقوا {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السماوات والأرض} أي وله الأرزاق القسم فهو رازقهم نمها وإن أبى أهل المدينة أن ينفقوا عليهم {ولكن المنافقين لاَ يَفْقَهُونَ} ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون لا يفقهون ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ ما يَدُلُّ عَلى فِسْقِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جارِيًا مَجْرى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى لَهم ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ذاكَ مُعَلَّلٌ بِما قَبْلَ، والقائِلُ رَأْسُ المُنافِقِينَ ابْنُ أُبَيٍّ وسائِرُهم راضُونَ بِذَلِكَ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وكانَ مَعَنا ناسٌ مِنَ الأعْرابِ فَكُنّا نَبْتَدِرُ الماءَ وكانَ الأعْرابُ يَسْبِقُونا إلَيْهِ فَيَسْبِقُ الأعْرابِيُّ أصْحابَهُ فَيَمْلَأُ الحَوْضَ ويَجْعَلُ حَوْضَهُ حِجارَةً ويَجْعَلُ النَّطْعَ عَلَيْهِ حَتّى يَجِيءَ أصْحابُهُ فَأتى رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أعْرابِيًّا فَأرْخى زِمامَ ناقَتِهِ لِتَشْرَبَ فَأبى أنْ يَدَعَهُ فانْتَزَعَ حَجَرًا فَفاضَ فَرَفَعَ الأعْرابِيُّ خَشَبَةً فَضَرَبَ رَأْسَ الأنْصارِيِّ فَشَجَّهُ فَأتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ فَأخْبَرَهُ وكانَ مِن أصْحابِهِ فَغَضِبَ، وقالَ: ﴿ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ﴾ مِن حَوْلِهِ يَعْنِي الأعْرابَ، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: إذا رَجَعْتُمْ إلى المَدِينَةِ فَلْيُخْرِجِ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قالَ زَيْدٌ: وأنا رِدْفُ عَمِّيَ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ فَأخْبَرْتُ عَمِّي فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَحَلَفَ وجَحَدَ وصَدَّقَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذَّبَنِي فَجاءَ عَمِّي إلَيَّ فَقالَ: ما أرَدْتُ إلى أنْ مَقَتَكَ وكَذَّبَكَ المُسْلِمُونَ فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الهَمِّ ما لَمْ يَقَعْ عَلى أحَدٍ قَطُّ فَبَيْنا أنا أسِيرُ وقَدْ خَفَضْتُ رَأْسِيَ مِنَ الهَمِّ إذْ أتانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَرَكَ أُذُنِي وضَحِكَ في وجْهِي ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَحِقَنِي فَقالَ: ما قالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟
قُلْتُ: ما قالَ لِي شَيْئًا إلّا أنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي وضَحِكَ في وجْهِي فَقالَ: أبْشِرْ فَلَمّا أصْبَحْنا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ﴾ » وقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ البُخارِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قائِلٌ ذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ، والأخْبارُ فِيهِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى وتِلْكَ الغَزاةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها زَيْدٌ قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّها غَزاةُ بَنِي المُصْطَلِقِ، وفي الكَشّافِ خَبَرٌ طَوِيلٌ في القِصَّةِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم عَنَوْا بِمَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ، والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ -بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أيْ بِهَذا اللَّفْظِ وقَعَ مِنهم ولا يَأْباهُ كُفْرُهم لِأنَّهم مُنافِقُونَ مُقِرُّونَ بِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظاهِرًا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا قالُوهُ تَهَكُّمًا أوْ لِغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى صارَ كالعَلَمِ لَمْ يُقْصَدْ مِنهُ إلّا الذّاتُ، ويُحْتَمَلْ أنَّهم عَبَّرُوا بِغَيْرِ هَذِهِ العِبارَةِ فَغَيَّرَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إجْلالًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإكْرامًا، والِانْفِضاضُ التَّفَرُّقُ، وحَتّى لِلتَّعْلِيلِ أيْ لا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ كَيْ يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَصْحَبُوهُ.
وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرَّقّاشِيُّ «يَنْفُضُوا» مِن أنْفَضَ القَوْمُ فَنِيَ طَعامُهم فَنَفَضَ الرَّجُلُ وِعاءَهُ، والفِعْلُ مِمّا يَتَعَدّى بِغَيْرِ الهَمْزَةِ وبِالهَمْزَةِ لا يَتَعَدّى، قالَ في الكَشّافِ: وحَقِيقَتُهُ حانَ لَهم أنْ يَنْفُضُوا مَزاوِدَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوا مِن أنَّ عَدَمَ إنْفاقِهِمْ عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُؤَدِّي إلى انْفِضاضِهِمْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبَيانِ أنَّ خَزائِنَ الأرْزاقِ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى خاصَّةً يُعْطِي مِنها مَن يَشاءُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ ﴿ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وبِشُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن مَقالاتِ الكَفَرَةِ ما يَقُولُونَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا يعني: يتفرقوا.
وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا في غزوة، فكسح رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري يا للأنْصارِ وقال: المهاجري: يا للمهاجرين.
فسمع النبيّ ، فقال: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، دَعُوهَا فَإنَّهَا فِتْنَةٌ» .
فقال عبد الله بن أبي: والله لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة، لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل.
فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب رأس هذا المنافق فقال النبيّ : «دَعْهُ لا يَتَحَدَّث النَّاسُ أنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أصْحَابَهُ» .
وروى معمر، عن قتادة أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله، فإنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا.
قال: فاقتتل رجلان، أحدهما من جهينة، والآخر من غفار وكانت جهينة حليف الأنصار، فظهر عليهم الغفاري، فقال رجل منهم عظيم النفاق يعني: عبد الله بن أبي: عليكم صاحبكم حليفكم، فو الله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك.
أما والله لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة.
لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذلّ.
وروى معمر، عن الحسن: أن غلاماً جاء إلى النبيّ ، فقال: يا نبي الله، إني سمعت أن عبد الله بن أبي يقول كذا.
فقال: فلعلك غضبت عليه.
فقال: أما والله يا نبي الله، فلقد سمعته يقول، فقال: فلعله أخطأ سمعك.
فقال: لا والله يا نبي الله، لقد سمعته يقول.
فأنزل الله تعالى تصديقاً للغلام لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ.
فأخذ النبيّ بأذن الغلام، وقال: «وَعَتْ أُذُنُكَ يَا غُلامُ» ، فنزل قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا قال الله تعالى: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: مفاتيح السموات وهي المطر والرزق، ومفاتيح الأرض وهي النبات.
وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لاَّ يَفْقَهُونَ أمر الله تعالى.
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ يعني: القوي مِنْهَا يعني: من المدينة الذليل يعني: محمداً وأصحابه.
قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ يعني: المقدرة والمنعة لله ولرسوله.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ، حيث قواهم الله تعالى ونصرهم وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون في السر.
ويقال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ يعني: القدرة، ويقال: نفاذ الأمر وَلِرَسُولِهِ، وهو عزة النبوة والرسالة وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وهو عز الإيمان والإسلام، أعزهم الله فِى الدنيا والآخرة.
ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ.
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ يعني: لا تشغلكم أموالكم وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يعني: عن طاعة الله تعالى.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني: من لم يعمل بطاعته ولم يؤمن بوحدانيته، فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني: المغبونين بذهاب الدنيا وحرمان الآخرة.
ثم قال عز وجل: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ يعني: تصدقوا مما رزقناكم، أي: مما رزقكم الله من الأموال.
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعني: يقول: يا سيدي ردني إلى الدنيا، فَأَصَّدَّقَ يعني: فأتصدق، ويقال: أصدق بالله.
وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: أفعل كما فعل المؤمنون.
وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: مَنْ كَانَ له مال يجب فيه الزكاة فلم يزكه، أو مال يبلغه بيت الله فلم يحج، سأل عند الموت الرجعة قال: فقال رجل: اتق الله يا ابن عباس، سألت الكفار الرجعة.
قال: إني أقرأ عليك بهذا القرآن.
ثم قرأ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى قَولِه: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ فقال رجل: يا ابن عباس، وما يوجب الزكاة؟
قال: مائتان فصاعداً.
قال: فما يوجب الحج؟
قال: الزاد والراحلة.
قرأ أبو عمرو، فَأَصَّدَّقَ وأكون بالواو وفتح النون، والباقون وَأَكُنْ بحذف الواو بالجزم.
فمن قرأ وأكون، فإنه عطفه على موضع فَأَصَّدَّقَ، لأنه على معنى إن أخرتني أصدق وأكن، ولم يعطفه على اللفظ.
قال أبو عبيدة: قرأت في مصحف عثمان هكذا بغير واو.
ثم قال: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها يعني: إذ جاء وقتها.
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر، فيجازيكم.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر يَعْلَمُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة والله أعلم.
فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عبدُ اللَّه بن أُبَيٍّ ومَقَتَه الناسُ ولاَمه المؤْمِنونَ من قومِه، وقال له بعضهم:
امض إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واعْتَرِفْ بذنبكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فلوى رَأْسَهُ إنْكَاراً لهذا الرَّأْيِ، وقال لهم: لقد أشَرْتُمْ علي بالإيمان فآمنتُ، وأَشَرْتُمْ علي بأنْ أعطِيَ زَكَاةَ مالِي فَفَعَلتُ، وَلَمْ يَبْقَ لكم إلا أن تأمروني بالسجود لِمحمَّدٍ، فهذا قَصَصُ هذه السورة مُوجَزاً، وقَرأَ نافعٌ والمفضَّل عن عاصم: «لَوَوْا» - بتخفيف الواوِ- وقرأ الباقون بتشديدِها.
وقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ...
الآية، رويَ أنه لما نزلتْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لأَزِيدَنَّ على السبعينَ، وفي حديثٍ آخَرَ: لَوْ عَلِمْتُ أنِّي لَوْ زِدْتُ على السبعينَ لَغَفَرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ عَلَى رَفْضِ دليلِ الخطابِ، فَلَمَّا فعل ابْنُ أُبَيٍّ وأصحابهُ مَا فَعَلُوا شَدَّدَ اللَّه عليهم في هذه الآيةِ، وأَعْلَم أَنَّه لَنْ يَغْفِرَ لهم دون حدّ في الاستغفار.
وقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ إشارةٌ إلى ابن أُبَيٍّ ومَنْ قَالَ بقوله، ثم سفه تعالى أحلامَهم في أن ظَنُّوا أنَّ إنْفَاقَهم هو سَبَبُ رزقِ المهاجرينَ، ونَسَوا أن جَرَيَانِ الرزقِ بِيَدِ اللَّهِ تعالى إذَا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُه ثم أعْلَمَ تعالى أنَّ العزةَ لِلَّهِ ولرسولهِ وللمؤمنِين، وفي ذلكَ وعيدٌ وَرُوِي/ أن عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أُبَيٍّ وكَانَ رَجُلاً صَالِحاً لَمَّا سَمِعَ الآيةَ، جَاءَ إلى أبيه فَقَالَ له: أنْتَ واللَّهِ يا أبَتِ الذليلُ، ورَسُولُ اللَّهِ العزيزُ، وَوَقَفَ عَلَى بَابِ السِّكَّةِ التي يَسْلُكُها أبوه، وجَرَّدَ السَّيْفَ وَمَنَعَهُ الدُّخُولَ، وقال: واللَّهِ لاَ دَخَلْتَ إلى مَنْزِلِكَ إلاَّ أنْ يأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حال، وبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَبَعَثَ إلَيْهِ أنْ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنْزِلِهِ، فقال: أمّا الآن، فنعم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ...
الآية، الإلهاءُ: الاشْتِغَالُ بِمَلَذ وَشَهْوَةٍ، وذكرُ اللَّه هنا عامٌّ في الصلوات، والتوحيدِ،
والدعاء، وغيرِ ذلكَ مِنْ مَفْرُوضٍ، ومنْدُوبٍ، وكذلك قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا رَزَقْناكُمْ عامٌّ من المفرُوضِ والمندوبِ قاله جماعة من المفسرينَ، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس» : وَمِنْ عيوبِها تضييعُ أوقاتِها بالاشْتِغَالِ بما لا يَعْنِي مِنْ أُمورِ الدُّنْيا، والخَوْضِ فيها مَعَ أهلِها، ومُدَاوَاتُها أنْ يَعْلَمَ أنَّ وَقْتَه أعزُّ الأشياءِ فَيَشْغَلَه بِأَعَزّ الأَشْيَاءِ، وهو ذِكْرُ اللَّهِ، والمُدَاوَمَةُ على الطاعةِ ومطالبةُ الإخْلاَصِ من نفسهِ فإنَّه رُوِيَ عنِ النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعْنِيهِ» «١» وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ: عَلَيْكَ بنفسِكَ فَإنْ لَمْ تَشْغَلْها شَغَلَتْكَ، انتهى.
وقولهُ: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمهَالِ، وسَمَّاه قَرِيباً لأنّه آتٍ، وأيْضاً فإنَّما يتمنى ذلك لِيقْضِيَ فيه العملَ الصالحَ فَقَطْ/ وليس يتّسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونظرته.
وقوله: وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ظاهرَه العمُومُ، وقال ابن عباس: هو الحج «٢» وَرَوَى الترمذيُّ عنه أنَّه قال: مَا مِنْ رَجُلٍ لاَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلاَ يَحُجُّ إلاَّ طَلَبَ الْكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ «٣» ، قَال الثعلبيُّ: قَال ابن عباس: إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يريدُ مِثْلَ آجالِنَا في الدنيا «٤» ، انتهى، وقرأ أبو عمرو «٥» : «وَأَكُونَ» ، وفي قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها حَضٌّ عَلَى المُبَادَرَةِ ومُسَابَقَةِ الأَجَلِ بالعملِ الصالح.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﴾ قَدْ بَيَّنّا سَبَبَهُ في نُزُولِ السُّورَةِ ﴿ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: "لَوَوْا" بِالتَّخْفِيفِ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ التَّشْدِيدَ.
وقالَ: لِأنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: تَعالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ لَوى رَأْسَهُ، قالَ: ماذا قُلْتُ؟
وقالَ مُقاتِلٌ: عَطَفُوا رُؤُوسَهم رَغْبَةً عَنِ الِاسْتِغْفارِ.
وقالَ الفَرّاءُ: حَرَّكُوها اسْتِهْزاءً بِالنَّبِيِّ وبِدُعائِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ.
﴿ وَهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: مُتَكَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ اسْتِغْفارَهُ لَهم لا يَنْفَعُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( آسْتَغْفَرْتَ ) بِالمَدِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ قَوْلُ ابْنِ أُبَيٍّ.
و ﴿ يَنْفَضُّوا ﴾ بِمَعْنى: يَتَفَرَّقُوا.
﴿ وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: خَزائِنُ السَّمَواتِ: المَطَرُ، وخَزائِنُ الأرْضِ: النَّباتُ.
والمَعْنى: أنَّهُ هو الرَّزّاقُ لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ، لا أُولَئِكَ، ﴿ وَلَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رازِقُهم في حالِ إنْفاقِ هَؤُلاءِ عَلَيْهِمْ ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا ﴾ مِن هَذِهِ الغَزْوَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها وهَذا قَوْلُ ابْنِ أُبَيٍّ ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ ﴾ يَعْنِي: نَفْسَهُ، وعَنى بِـ ﴿ الأذَلَّ ﴾ رَسُولَ اللَّهِ .
وقَرَأ الحَسَنُ: ( لَنُخْرِجَنَّ ) بِالنُّونِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، ( الأعَزَّ ) بِنَصْبِ الزّايِ [والأذَلَّ مَنصُوبٌ] عَلى الحالِ [بِناءً عَلى جَوازِ تَعْرِيفِ الحالِ، أوْ زِيادَةِ "ألْ" فِيهِ، أوْ بِتَقْدِيرِ "مِثْلَ"] .
المَعْنى: لِنُخْرِجَنَّهُ ذَلِيلًا عَلى أيِّ حالِ ذُلٍّ.
والكُلُّ نَصَبُوا "الأذَلَّ" فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ وَلِلَّهِ العِزَّةُ ﴾ وهِيَ: المَنعَةُ والقُوَّةُ ﴿ وَلِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بِإعْزازِ اللَّهِ ونَصْرِهِ إيّاهم ﴿ وَلَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كانَ أمْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَبَلَغَ الناسُ إلى ماءٍ سَبَقَ إلَيْهِ المُهاجِرُونَ، وكَأنَّهم غَلَبُوا الأنْصارَ عَلَيْهِ بَعْضَ الغَلَبَةِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَكم في هَؤُلاءِ الجَلابِيبِ ما قُلْتُ فَلَمْ تَسْمَعُوا مِنِّي، وكانَ المُنافِقُونَ ومَن لا يَتَحَرّى، يُسَمُّونَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُمُ الجَلابِيبَ، ومِنهُ «قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: أرى الجَلابِيبَ قَدْ عَزُّوا وقَدْ كَثُرُوا وابْنُ القُرَيْعَةِ أمْسى بَيْضَةَ البَلَدِ فَقالَ النَبِيُّ : أتَحُضُّ عَلَيْنا يا حَسّانُ ؟» ثُمَّ «إنَّ الجَهْجاهَ الغِفارِيَّ، كانَ أجِيرًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورَدَ الماءَ بِفَرَسٍ لِعُمَرَ، فازْدَحَمَ هو وسِنانُ بْنُ وبْرَةَ الجُهَنِيُّ -وَكانَ حَلِيفًا لِلْأوسِ-، فَكَسَعَ الجَهْجاهُ سِنانًا، فَغَضِبَ سِنانُ فَتَأثَّرُوا، ودَعا الجِهْجاهُ بِالمُهاجِرِينَ، ودَعا سِنانُ بِالأنْصارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ فَقالَ: "ما بالُ دَعْوى الجاهِلِيَّةِ"، فَلَمّا أخْبَرَ بِالقِصَّةِ قالَ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ"، واجْتَمَعَ في الأمْرِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وكانَ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ فَتًى صَغِيرًا لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنهُ-، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أوَقَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا؟
واللهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: "سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلُكَ"، وقالَ لَهُمْ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجْنَ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، وقالَ لَهُمْ: إنَّما يُقِيمُ هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ مَعُونَتِكم لَهم وإنْفاقِكم عَلَيْهِمْ، ولَوْ قَطَعْتُمْ ذَلِكَ عنهم لَفَرُّوا، فَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ إلى عَمِّهِ- وكانَ في حِجْرِهِ- وأخْبَرَهُ، فَأتى بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ فَأخْبَرَهُ، وقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "يا زَيْدُ، غَضِبْتَ عَلى الرَجُلِ، أو لَعَلَّكَ وُهِمْتَ"؟، فَأقْسَمَ زَيْدٌ ما كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولَقَدْ سَمِعَ مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ما حَكى، فَعاتَبَ رَسُولُ اللهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ عِنْدَ رِجالٍ مِنَ الأنْصارِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجاءَ وحَلَفَ ما قالَ، وكَذَّبَ زَيْدًا، وحَلَفَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَكَذَّبَ رَسُولُ اللهِ زَيْدًا وصَدَّقَ أيْمانَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَبَقِيَ زَيْدٌ في مَنزِلِهِ لا يَتَصَرَّفُ حَياءً مِنَ الناسِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ فِيزَيْدٍ وقالَ: لَقَدْ صَدَّقَكَ اللهُ يا زَيْدُ ووَفَتْ أُذُنُكَ، فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، ومَقَتَهُ الناسُ، ولامَهُ المُؤْمِنُونَ مَن قَوْمِهِ، وقالَ بَعْضٌ مِنهُمْ: امْضِ إلى رَسُولِ اللهِ واعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ فَيَسْتَغْفِرُ لَكَ، فَلَوّى رَأْسَهُ إنْكارًا لِهَذا الرَأْيِ وقالَ لَهُمْ: لَقَدْ أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ، وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ لَكم إلّا أنْ تَأْمُرُونِي بِالسُجُودِ لِمُحَمَّدٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا هو قَصَصُ هَذِهِ السُورَةِ مُوجَزًا.
و"تَعالَ" نِداءٌ يَقْتَضِي لَفْظَهُ أنَّهُ دُعاءُ الأعْلى لِلْأسْفَلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ داعٍ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الأدَبِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "لَوَوْا" بِتَخْفِيفِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ -بِخِلافٍ-، ومُجاهِدٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: "لوَّوْا" بِشَدِّ الواوِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ، وزِرٍّ، والأعْرَجِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ هُنا: "يَصُدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، والجُمْهُورُ بِضَمِّها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ.
رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ﴾ قالَ رَسُولُ اللهِ : "لَأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "لَوْ عَلِمْتُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهم لَزِدْتُ"»، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجا أنَّ هَذا الحَدَّ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَتْمِ جُمْلَةً، بَلْ عَلى أنَّ ما يُجاوِزُهُ يَخْرُجُ عن حُكْمِهِ، فَلَمّا فَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ما فَعَلُوا شَدَّدَ الله تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُورَةِ، وأعْلَمُ أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَهم دُونَ حَدٍّ في الِاسْتِغْفارِ، وفي قَوْلِ النَبِيِّ : « "لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهُمْ"» نَصَّ عَلى رَفْضِ دَلِيلِ الخِطابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أسْتَغْفَرْتُ" بِالقَطْعِ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "اسْتَغْفَرْتُ" بِمَدٍّ عَلى الهَمْزَةِ، وهي ألِفُ التَسْوِيَةِ، وقَرَأ أيْضًا بِوَصْلِ الألِفِ دُونَ هَمْزٍ عَلى الخَبَرِ، وفي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ في الأُولى أثْبَتَ هَمْزَةَ الوَصْلِ وقَدْ أغْنَتْ عنها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وفي الثانِيَةِ حَذْفُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو يُرِيدُها، وهَذا مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ﴾ أشارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، ثُمَّ سَفَّهَ تَعالى أحْلامَهم في أنْ ظَنُّوا إنْفاقَهم هو سَبَبُ رِزْقِ المُهاجِرِينَ، ونَسُوا أنَّ حِرْمانَ الرِزْقِ بِيَدِ اللهِ تَعالى، إذا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُهُ.
وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرُقاشِيُّ: "حَتّى يُنْفَضُوا" بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيف الضادِ، يُقالُ: "أنْفَضَ" الرَجُلُ إذا فَنِيَ طَعامُهُ فَنَفَضَ وِعاءَهُ.
و"الخَزائِنُ" مَوْضِعُ الإعْدادِ، ونَجِدُ القُرْآنَ قَدْ نَطَقَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالخَزائِنِ، ونَجِدُ في الحَدِيثِ: « "خَزَنَةُ الرِبْحِ"،» وفي القُرْآنِ ﴿ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ ﴾ ، فَجائِزٌ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إيجادُها عِنْدَ ظُهُورِها، وجائِزٌ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّ مِنها أشْياءَ مَخْلُوقَةً مَوْجُودَةً يَصْرِفُها اللهُ تَعالى حَيْثُ شاءَ، وظَواهِرُ ألْفاظِ الشَرِيعَةِ تُعْطِي هَذا، ومَعْناهُ في التَفْسِيرِ قالَ: عَتَتْ عَلى الخُزّانِ، وفي الحَدِيثِ: « "ما انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِبْحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لَهَلَكَتِ الدُنْيا"»، وقالَ رَجُلٌ لِحاتِمٍ الأصَمِّ: مِن أيْنَ تَأْكُلُ؟
فَقَرَأ: "وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ"، وقالَ الجُنَيْدُ: "خَزائِنُ السَماءِ الغُيُوبُ، وخَزائِنُ الأرْضِ القُلُوبُ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ"" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ العَزِيزَ يُخْرِجُ الذَلِيلَ ويُبْعِدُهُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِنُونِ الجَماعَةِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الراءِ "الأعَزَّ" نَصْبًا "مِنها الأذَلُّ" أيْضًا نَصْبًا عَلى الحالِ، وذَكَرَها أبُو عُمَرَ الدانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ فِيما حَكى الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ-: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ.
وَنُصِبَ "الأذَلَّ" عَلى الحالِ، بِمَعْنى أنَّ نَحْنُ الَّذِينَ كُنّا أعِزَّةً سَنَخْرُجُ أذِلّاءَ، وجاءَتْ هَذِهِ الحالُ مَعْرِفَةً، وفِيها شُذُوذٌ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: "ادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ".
ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ولِلرَّسُولِ ، ولِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، -وَكانَ رَجُلًا صالِحًا- لَمّا سَمِعَ الآيَةَ جاءَ إلى أبِيهِ وقالَ لَهُ: أنْتَ واللهِ يا أبَتِ الذَلِيلُ ورَسُولُ اللهِ العَزِيزُ، فَلَمّا وصَلَ الناسُ إلى المَدِينَةِ وقَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلى بابِ السِكَّةِ الَّتِي يَسْلُكُها أبُوهُ، وجَرَّدَ السَيْفَ ومَنَعَهُ الوُصُولَ، وقالَ: واللهِ لا دَخَلْتَ إلى مَنزِلِكَ إلّا أنْ يَأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ، وعَبْدُ اللهِ ابْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حالٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ فَبَعَثَ إلَيْهِ أنَّ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنزِلِهِ، فَقالَ: أمّا الآنَ فَنَعَمْ.» <div class="verse-tafsir"
﴿ هُمُ الذين يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السماوات والارض ولكن المنافقين لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .
هذا أيضاً من مقالاتهم في مجامعهم وجماعتهم يقولونها لإخوانهم الذين كانوا ينفقون على فقراء المسلمين تظاهراً بالإِسلام كأنهم يقول بعضهم لبعض تظاهَرْ الإِسلام بغير الإِنفاق مثل قولهم لمن يقول لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله، ولذلك عقبت بها.
وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أن قائل هذه المقالة عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول كما تقدم في طالعة تفسير هذه السورة فإسناد هذا القول إلى ضمير المنافقين لأنهم تقبلوه منه إذ هو رأس المنافقين أو فشا هذا القول بين المنافقين فأخذوا يبثونه في المسلمين.
وموقع الجملة الاستئناف الابتدائي المعْرببِ عن مكرهم وسوء طواياهم انتقالاً من وصف إعراضهم عند التقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وصف لون آخر من كفرهم وهو الكيد للدِّين في صورة النصيحة.
وافتتحت الجملة بضميرهم الظاهر دون الاكتفاء بالمستتر في ﴿ يقولون ﴾ معاملة لهم بنقيض مقصودهم فإنهم سَتروا كيدهم بإظهار قصد النصيحة ففضح الله أمرهم بمزيد التصريح، أي قد علمتُ أنكم تقولون هذا.
وفي إظهار الضمير أيضاً تعريض بالتوبيخ كقوله تعالى: ﴿ أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار ﴾ [ص: 60].
وليَكون للجملة الاسمية إفادةُ ثبات الخبر، وليكون الإِتيان بالموصول مشعراً بأنهم عرفوا بهذه الصّلة.
وصيغة المضارع في ﴿ يقولون ﴾ يشعر بأنّ في هذه المقالة تتكرّر منهم لقصد إفشائها.
و ﴿ من عند رسول الله ﴾ من كانوا في رعايته مثل أهل الصُفّة ومن كانوا يَلحقون بالمدينة من الأعراب العُفاة أو فريق من الأعراب كان يموّنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق.
روى البخاري عن زيد بن أرقم قال: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناسَ فيه شدة فقال عبد الله بن أُبَيّ: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله» وهذا كلام مَكر لأن ظاهره قصد الرفق برسول الله صلى الله عليه وسلم من كلفة إنفاق الأعراب الذين ألمُّوا به في غزوة بني المصطلق، وباطنه إرادة إبعاد الأعراب عن تلقي الهدي النبوي وعن أن يتقوى بهم المسلمون أو تفرقُ فقراء المهاجرين لتضعف بتفرقهم بعض قوة المسلمين.
وروايات حديث زيد مختلطة.
وقوله: ﴿ رسول الله ﴾ يظهر أنه صدر من عبد الله بن أُبيّ ومن معه من المنافقين بهذا اللفظ إذا كانوا قالوا ذلك جهراً في ملإِ المسلمين إذ هم يتظاهرون ساعتئذٍ بالإِسلام.
و ﴿ حتّى ﴾ مستعملة في التعليل بطريقة المجاز المرسل لأن معنى ﴿ حتى ﴾ انتهاء الفعل المذكور قبلها وغايةُ الفعل ينتهي الفاعل عن الفعل إذَا بلغها، فهي سبب للانتهاء وعلّة له، وليس المراد فإذا نفضوا فأنفقوا عليهم.
والإِنفضاض: التفرق والابتعاد.
﴿ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السماوات والارض ولكن المنافقين لاَ ﴾ .
عطف على جملة ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ﴾ إبطال لمكر المنافقين فيما قصدوه من قولهم المتظاهرين بأنهم قصدوا به نصح المسلمين، أي لو تمشت حيلتهم على المسلمين فأمسكوا هم وبعض المسلمين عن إنفاق الأعراب ومن يأوون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من العفاة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقطع عنهم الإِنفاق وذلك دأبَه كما دل عليه حديث عمر بن الخطاب «أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما عندي شيء ولكن ابتع عليَّ فإذا جاءني شيء قضيتُه.
فقال عمر: يا رسول الله ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي صلى الله عليه وسلم قول عمر.
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أَنفق ولا تخشَ من ذِي العرششِ إقلالاً.
فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعُرف في وجهه البشر لقول الأنصاري ثم قال: بهذا أُمرتُ».
رواه الترمذي في كتاب «الشمائل».
وهذا جواب من باب طريقة النقض لكلامهم في مصطلح آداب البحث.
و ﴿ خزائن ﴾ جمع خزانة بكسر الخاء.
وهي البيت الذي تُخزن فيه الطعام قال تعالى: ﴿ قال اجعلني على خزائن الأرض ﴾ تقدم في سورة يوسف (55).
وتطلق على الصندوق الكبير الذي يخزن فيه المال على سبيل التوسع وعلى بيوت الكتب وصناديقها، ومن هذا ما جاء في حديث الصرف من الموطأ } «حتى يحضر خازني من الغابة».
و ﴿ خزائن السماوات ﴾ مقارّ أسباب حصول الأرزاق من غيوث رسمية وأشعة الشمس والرياح الصالحة فيأتي ذلك بتوفير الثمار والحبوب وخصب المرعى وتزايد النتاج.
وأما خزائن الأرض فما فيها من أهرية ومطاميرَ وأندر، ومن كنوز الأحوال وما يفتح الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من البلاد وما يفيء عليه من أهل القرى.
واللام في ﴿ لله ﴾ الملك أي التصرف في ذلك ملك لله تعالى.
ولما كان الإِنفاق على فقراء المسلمين مما يعين على ظهور الدين الذي أرسل الله به رسوله صلى الله عليه وسلم كان الإِخبار بأن الخزائن لله كنايةً عن تيسير الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حصول ما ينفق منه كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لما قال له الأنصاري «ولا تَخشَ من ذي العرش إقلالاً» «بهذا أُمرت».
وذلك بما سيره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من زكوات المسلمين وغنائم الغزوات، وما فتح الله عليه من البلاد بخيراتها، وما أفاء الله عليه بغير قتال.
وتقديم المجرور من قوله: ﴿ ولله خزائن السماوات والأرض ﴾ لإِفادة قصر القلب وهو قلب للازم قولهم لا لصريحه لأن المنافقين لما قالوا: ﴿ لا تنفقوا على من عند رسول الله ﴾ حسبوا أنهم إذا قطعوا الإِنفاق على مَن عند رسول الله لا يجد الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينفق منه عليهم فأعلم الله رسوله مباشرة وأعلمهم تبعاً بأن ما عند الله من الرزق أعظم وأوسع.
واستدراك قوله: ﴿ ولكن المنافقين لا يفقهون ﴾ لرفع ما يتوهم من أنهم حين قالوا: ﴿ لا تنفقوا على من عند رسول الله ﴾ كانوا قالوه عن بصيرة ويقين بأن انقطاع إنفاقهم على الذين يلوذون برسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع رزقهم فينفضون عنه بناء على أن القدرة على الإِنفاق منحصرة فيهم لأنهم أهل الأحوال وقد غفلوا عن تعدد أسباب الغنى وأسباب الفقر.
والمعنى: أنهم لا يدركون دقائق المدركات وخفاياها.
ومفعول ﴿ يفقهون ﴾ محذوف، أي لا يفقهون ذلك وهو مضمون ﴿ لله خزائن السماوات والأرض ﴾ ، أو نُزل الفعل منزلة اللازم مبالغة في انتفاء فقه الأشياء عنهم في كل حال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ.
رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ النَّبِيَّ كانَ إذا نَزَلَ مَنزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنهُ حَتّى يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمّا كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ بَلَغَهُ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ آخِرُ النّاسِ، وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: ائْتِ النَّبِيَّ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَلَوى رَأْسَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ إشارَةً إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ، أيْ حَرَّكُوها، وأعْرَضُوا يُمْنَةً ويُسْرَةً إلى غَيْرِ جِهَةِ المُخاطَبِ يَنْظُرُونَ شَزَرًا.
وَيُحْتَمَلُ قَوْلًا ثانِيًا: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﴾ يَسْتَتِيبُكم مِنَ النِّفاقِ لِأنَّ التَّوْبَةَ اسْتِغْفارٌ.
وَفِيما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ لَوى رَأْسَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً وامْتِناعًا مِن فِعْلِ ما دُعِيَ إلَيْهِ مِن إتْيانِ الرَّسُولِ لِلِاسْتِغْفارِ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوى رَأْسَهُ بِمَعْنى ماذا قُلْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَمْتَنِعُونَ، قالَ الشّاعِرُ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا الثّانِي: يُعْرِضُونَ، قالَ الأعْشى صَدَّقَ هُرَيْرَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا ∗∗∗ جَهْلًا بِأُمِّ خُلَيْدٍ حَبْلُ مَن تَصِلُ وَفِيما يَصُدُّونَ عَنْهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَمّا دُعُوا إلَيْهِ مِنَ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ .
الثّانِي: عَنِ الإخْلاصِ لِلْإيمانِ.
﴿ وَهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُتَكَبِّرُونَ.
الثّانِي: مُمْتَنِعُونَ.
﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ، وسَبَبُهُ أنَّ النَّبِيَّ بَعْدَ انْكِفائِهِ مِن غَزاةِ بَنِي المُصْطَلَقِ في شَعْبانَ سَنَةَ سِتٍّ نَزَلَ عَلى ماءِ المُرَيْسِيعِ، فَتَنازَعَ عَلَيْهِ جَهْجاهٌ، وكانَ مُسْلِمًا وهو رَجُلٌ مِن غِفارٍ، وَرَجُلٌ يُقالُ لَهُ سِنانٌ، وكانَ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَلَطَمَهُ جَهْجاهٌ، فَغَضِبَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وقالَ: يا مَعاشِرَ الأوْسِ والخَزْرَجِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، أوْطَأْنا هَذا الرَّجُلَ دِيارَنا وقاسَمْناهم أمْوالَنا ولَوْلانا لانْفَضُّوا عَنْهُ، ما لَهم، رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى جَهْجاهٍ، لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَمِعَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ غُلامًا، فَأعادَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فاعْتَذَرَ لَهُ قَوْمُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها.
﴿ وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ السَّماواتِ: المَطَرُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: النَّباتُ.
الثّانِي: خَزائِنُ السَّماواتِ: ما قَضاهُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: ما أعْطاهُ.
وَفِيهِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ (ثالِثٌ: أنَّ خَزائِنَ السَّماواتِ: الغُيُوبُ، وخَزائِنَ الأرْضِ القُلُوبُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلاً في السفر لم يرتحل منه حتى يصلي فيه، فلما كان غزوة تبوك نزل منزلاً، فقال عبدالله بن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتحل ولم يصل، فذكروا ذلك فذكر قصة ابن أبيّ، ونزل القرآن ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ﴾ وجاء عبدالله بن أبيّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يعتذر ويحلف ما قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: تب، فجعل يلوي رأسه» ، فأنزل الله عز وجل ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ﴾ قال: عبدالله بن أبيّ بن سلول، قيل له: تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلوى رأسه وقال: ماذا قلت؟
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ﴾ قال: حركوها استهزاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية، قال: نزلت في عبدالله بن أبيّ وذلك أن غلاماً من قرابته انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحديث وتكذيب شديد، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يحلف ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعذلوه، وقيل لعبدالله رضي الله عنه: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغفر لك فجعل يلوي رأسه، ويقول: لست فاعلاً وكذب علي، فأنزل الله ما تسمعون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الحكم عن عكرمة «أن عبدالله بن أبيّ بن سلول كان له ابن يقال له حباب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله، فقال يا رسول الله: إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتل أباك ثم جاءه أيضاً، فقال له: يا رسول الله إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، فقال له رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتل أباكثم جاءه أيضا فقال: يا رسول الله إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني أقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتل أباك فقال: يا رسول الله فذرني حتى أسقيه من وضوئك لعل قلبه يلين، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه، فذهب به إلى أبيه فسقاه ثم قال له: هل تدري ما سقيتك؟
قال له والده: سقيتني بول أمك، فقال له ابنه: والله ولكن سقيتك وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم» قال عكرمة: وكان عبدالله بن أبيّ عظيم الشأن، وفيه أنزلت هذه الآية في المنافقين هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وهو الذي قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
قال الحكم: ثم حدثني بشر بن مسلم أنه قيل له: يا أبا حباب إنه قد نزل فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فقد آمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن الزهري قال: كان لعبدالله بن أبيّ مقام يقومه كل جمعة لا يتركه شرفاً له في نفسه وفي قومه، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب قام فقال: أيها الناس هذا رسو ل الله بين أظهركم أكرمكم الله به، وأعزكم به فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد وصنع المنافق ما صنع في أحد، فقام يفعل كما كان يفعل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس يا عدو الله، لست لهذا المقام بأهل.
قد صنعت ما صنعت.
فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأني قلت هجراً أن قمت أسدد أمره، فقال له رجل: ويحك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المنافق: والله لا أبغي أن يستغفر لي.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «لما نزلت آية براءة ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ﴾ [ التوبة: 80] قال النبي صلى الله عليه وسلم: اسمع ربي قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم فنزلت ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عروة قال: «لما نزلت ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ [ التوبة: 80] قال النبي صلى الله عليه وسلم: لأزيدن على السبعين» فأنزل الله: ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: نزلت هذه الأية ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ﴾ في عسيف لعمر بن الخطاب.
وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم وعبدالله بن مسعود أنهما كانا يقرآن ﴿ لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ﴾ قال: إن عبدالله بن أبيّ قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله، فإنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا، وفي قوله: ﴿ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ قال: قد قالها منافق عظيم النفاق في رجلين اقتتلا أحدهما غفاري والآخر جهني، فظهر الغفاري على الجهني، وكان بين جهينة وبين الأنصار حلف، فقال رجل من المنافقين: وهو عبدالله بن أبيّ، يا بني الأوس والخزرج، عليكم صاحبكم وحليفكم.
ثم قال: والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك.
والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
فسعى بها بعضهم إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: يا نبي الله مر معاذاً أن يضرب عنق هذا المنافق.
فقال: لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه.
وذكر لنا أنه كثر على رجلين من المنافقين عنده فقال عمر: هل يصلي؟
قالوا: نعم ولا خير في صلاته.
قال نهيت عن المصلين، نهيت عن المصلين، نهيت عن المصلين.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ﴾ يقول: لا تطعموا محمداً وأصحابه حتى تصيبهم مجاعة فيتركوا نبيهم وفي قوله: ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ قال: قال ذلك عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين وأناس معه من المنافقين.
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبدالله قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، قال سفيان: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع رجل من المنافقين رجلاً من الأنصار فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟
قالوا: رجل من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها منتنة» فسمع ذلك عبدالله بن أبيّ، فقال: أو قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» زاد الترمذي، فقال له ابن عبدالله: والله لا تنقلب حتى تَقِرَّ أنك الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان بين غلام من الأنصار وغلام من بني غفار في الطريق كلام، فقال عبدالله بن أبيّ: هنيئاً، لكم بأس، هنيئاً جمعتم سوّاق الحجيج من مزينة وجهينة فغلبوكم على ثماركم، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما حضر عبدالله بن أبيّ الموت قال ابن عباس رضي الله عنهما: فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى بينهما كلام، فقال له عبدالله بن أبيّ: قد أفقه ما تقول، ولكن منَّ عليَّ اليوم وكفّنّي بقميصك هذا وصلّ عليّ.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: فكفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقميصه، وصلى عليه والله أعلم أي صلاة كانت، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يخدع إنساناً قط، غير أنه قال يوم الحديبية كلمة حسنة، فسئل عكرمة رضي الله عنه ما هذه الكلمة؟
قال: قالت له قريش: يا أبا حباب إنا قد منعنا محمداً طواف هذا البيت، ولكنا نأذن لك، فقال: لا لي في رسول الله أسوة حسنة.
قال: فلما بلغوا المدينة أخذ ابنه السيف ثم قال لوالده: أنت تزعم لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، والله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الحميدي في مسنده عن أبي هارون المدني قال: قال عبدالله بن عبدالله بن أبيّ لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل.
وأخرج الطبراني عن أسامة بن زيد رضي الله عنه: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني المصطلق قام عبدالله بن عبدالله بن أبيّ فسلّ على أبيه السيف، وقال: والله عليّ أن لا أغمده حتى تقول: محمد الأعز وأنا الأذل.
فقال: ويلك محمد الأعز وأنا الأذل.
فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبته، وشكرها له.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما قدموا المدينة سلّ عبدالله بن عبدالله بن أبيّ على أبيه السيف وقال: لأضربنك أو تقول: أنا الأذل ومحمد الأعز.
فلم يبرح حتى قال ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة بن الزبير رضي الله عنه «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق لما أتوا المنزل كان بين غلمان من المهاجرين وغلمان من الأنصار، فقال غلمان من المهاجرين: يا للمهاجرين، وقال غلمان من الأنصار: يا للأنصار، فبلغ ذلك عبدالله بن أبيّ بن سلول فقال: أما والله لو أنهم لم ينفقوا عليهم انفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالرحيل، فأدرك ركباً من بني عبد الأشهل في المسير، فقال لهم: ألم تعلموا ما قال المنافق عبدالله بن أبي؟
قالوا: وماذا قال: يا رسول الله قال: قال أما والله لو لم تنفقوا عليهم لانفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قالوا: صدق يا رسول الله، فأنت والله الأعز العزيز وهو الذليل» .
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معسكراً وأن رجلاً من قريش كان بينه وبين رجل من الأنصار كلام حتى اشتد الأمر بينهما، فبلغ ذلك عبدالله بن أبيّ، فخرج فنادى: غلبني على قومي من لا قوم له، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخذ سيفه ثم خرج عامداً ليضربه، فذكر هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ [ الحجرات: 1] فرجع حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك يا عمر؟
قال: العجب من ذلك المنافق، يقول غلبني على قومي من لا قوم له، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال النبي صلى الله عليه وسلم: قم فناد في الناس يرتحلوا، فارتحلوا فساروا حتى إذا كان بينهم وبين المدينة مسيرة ليلة، فعجل عبدالله بن عبدالله بن أبيّ حتى أناخ بجامع طرق المدينة، ودخل الناس حتى جاء أبوه عبدالله بن أبيّ فقال: وراءك.
فقال: ما لك ويلك؟
قال: والله لا تدخلها أبداً إلا أن يأذن رسول الله، وليعلمن اليوم من الأعز من الأذل.
فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ما صنع ابنه.
فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن خلِّ عنه حتى يدخل ففعل، فلم يلبثوا إلا أياماً قلائل حتى اشتكى عبدالله فاشتد وجعه فقال لابنه عبدالله: يا بني ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه فإنك إذ أنت طلبت ذلك إليه فعل.
ففعل ابنه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا رسول إن عبدالله بن أبيّ شديد الوجع، وقد طلب إليّ أن آتيك فتأتيه فإنه قد اشتاق إلى لقائك، فأخذ نعليه فقام، وقام معه نفر من أصحابه حتى دخلوا عليه، فقال لأهله حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم: أجلسوني، فأجلسوه فبكى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجزعاً يا عدو الله الآن؟
فقال: يا رسول الله إني لم أدعك لتؤنبني، ولكن دعوتك لترحمني، فاغرورقت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما حاجتك؟
قال: حاجتي إذا أنا مت أن تشهد غسلي وتكفني في ثلاثة أثواب من ثيابك، وتمشي مع جنازتي، وتصلي عليّ.
ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية بعد ﴿ ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ﴾ [ التوبة: 84] » .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ رُوي «أنه لما نزلت ﴿ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ﴾ [التوبة: 80] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأزيدن على السبعين» فلما فعل عبد الله بن أبيّ وأصحابه ما فعلوا شدّد الله عليهم في هذه السورة، وأخبر أنه لا يغفر لهم بوجه.
وفي هذه نظر؛ لأن هذه السورة نزلت في غزوة بني المصطلق قبل الآية الأخرى بمدّة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ خشب ﴾ بالسكون: أبو عمرو وعلي وابن مجاهد ﴿ لووا ﴾ بالتخفيف: نافع وقالون ﴿ تعملون ﴾ على الغيبة: يحي وحماد.
الوقوف: ﴿ لرسول الله ﴾ ط م لئلا يوهم أن قوله ﴿ والله يعلم ﴾ من مقول المنافقين ﴿ لرسوله ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ط ﴿ أجسامهم ﴾ ط ﴿ لقولهم ﴾ ط ﴿ مسندة ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ فاحذرهم ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ط ز لابتداء الاستفهاهم مع اتصال المعنى ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ ينفضوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ الأذل ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ عن ذكر الله ﴾ ط للشرط مع الواو ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ج ه لتعلق الجواب ﴿ الصالحين ﴾ ه ز ﴿ أجلها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: قال علماء المعاني: أرادوا بقولهم نشهد إنك لرسول الله شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم كما ينبىء عنه " إن واللام " وكون الجملة اسمية مع تصديرها بما يجري مجرى القسم وهو الشهادة، فكذبهم الله لأجل علمه بعدم المواطأة.
أو يراد والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم إنك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.
قلت: هذا مذهب الجاحظ وأنه خلاف ما عليه الجمهور وهو أن مرجع كون الخبر صدقاً أو كذباً إلى طباق الحكم للواقع أو لإطباقه ولهذا أوّلوا الآية بما أوّلوا، وهو أن التكذيب توجه إلى ادّعائهم أن قولهم قول عن صميم القلب، ومما يدل على أن مرجع كون الخبر صدقاً إلى ما قلنا لا إلى طباقه اعتقاد المخبر أو ظنه ولا إلى عدم طباقه لذلك الاعتقاد والظن تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل مع أنه مطابق لاعتقاده، وتصديقنا له إذا قال: الإسلام حق مع أنه غير مطابق لاعتقاده.
وفائدة إقحام قوله ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ التنصيص على التأويل المذكور وإلا أمكن ذهاب الوهم إلى أن نفس قولهم ﴿ إنك لرسول الله ﴾ كذب.
ثم أخبر عن استثباتهم بالايمان الكاذبة كما مر في " المجادلة ".
وجوز في الكشاف أن تكون اليمين الكاذبة ههنا إشارة إلى قولهم ﴿ نشهد ﴾ لأن الشهادة تجري في إفادة التأكيد مجرى الحلف وبه استدل أبو حنيفة على أن أشهد يمين.
﴿ ذلك ﴾ الذي مر من أوصافهم وأخلاقهم أو من التسجيل عليهم أنهم مقول في حقهم ساء ما كانوا يعملون ﴿ بـ ﴾ سبب ﴿ أنهم آمنوا ﴾ باللسان ﴿ ثم كفروا ﴾ بظهور نفاقهم أو نطقوا بالإسلام عند المؤمنين ثم نطقوا بكلمة الكفر إذا خلوا إلى شياطينهم، ويجوز أن يراد أهل الردة منهم وكان عبد الله بن أبيّ رجلاً جسيماً فصيحاً وكذا أضرابه من رؤساء النفاق يحضرون مجلس رسول الله فيستندون، فيه وكان النبي والحاضرون يعجبون بهياكلهم ويستمعون إلى كلامهم فنزلت ﴿ وإذا رأيتهم ﴾ أيها الرسول أو يا من له أهلية الخطاب.
ثم شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام فارغة عن الإيمان والخير بالخشب المستندة إلى الحائط.
ويجوز أن تكون الخشب أصناماً منحوتة شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم.
قال في الكشاف: ويجوز أن يكون وجه التشبيه مجرد عدم الانتفاع لأن الخشب المنتفع بها هي التي تكون في سقف أو جدار أو غيرهما، فأما المسندة الفارعة المتروكة فلا نفع فيها.
قلت: فعلى هذا لا يكون لتخصيص الخشب بالذكر فائدة لاشتراكها في هذا الباب مع الحجر والمدر المتروكين وغيرهما، والخشب جمع خشبة كثمرة وثمر، ومحل الجملة رفع على " هم كأنهم خشب " أو هو كلام مستأنف فلا محل له.
قوله ﴿ عليهم ﴾ ثاني مفعولي ﴿ يحسبون ﴾ أي يحسبونها واقعة عليهم صادرة لهم لجبنهم والصيحة كنداء المنادي في العسكر ونحو ذلك، أو هي أنهم كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم.
ثم أخبر عنهم بأنهم ﴿ هم العدو ﴾ أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء هو العدوّ المداجي المكاشر تظنه جاراً مكاشراً وتحت ضلوعه داء لا دواء له.
ويقال: ما ذم الناس مذمة أبلغ من قولهم " فلان لا صديق له في السر ولا عدوّ له في العلانية " وذلك أن هذه من آيات النفاق ﴿ فاحذرهم ﴾ ولا تغتر بظاهرهم، وجوز أن يكون ﴿ هم العدو ﴾ المفعول الثاني و ﴿ عليهم ﴾ لغو.
وإنما لم يقل" هي العدو " نظراً إلى الخبر أو بتأويل كل أهل صيحة ﴿ قاتلهم الله ﴾ دعاء عليهم باللعن والإخزاء أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر.
ويجوز أن يكون تعليماً للمؤمنين أي ادعوا عليهم بهذا.
يروى أن رسول الله لما لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جمع من المهاجرين والأنصار واقتتلا، فلطم أحد فقراء المهاجرين شاباً حليفاً لعبد الله بن أبيّ، فبلغ ذلك عبدالله فقال: ما صحبنا محمداً إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل " سمن كلبك يأكلك "، أما والله ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ عنى بالأعز نفسه وبالأذل أصحاب النبي ، ثم قال لقومه: لو أمسكتم عن هؤلاء الفقراء فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا نفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل.
فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب.
فأخبر زيد رسول الله فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب.
قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجريّ فأمر به أنصارياً فقال: فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً قتل أصحابه.
ولما أنزل الله تصديق قول زيد وبان نفاق عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا ﴾ ولم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات وقد تقدم قصة هذا المنافق في سورة " براءة " بأكثر من هذا، وقد نفى عن المنافقين الفقه أولاً وهو معرفة غوامض الأشياء، ثم نفى عنهم العلم رأساً كأنه قال: لا فقه لهم بل لا علم.
أو نقول: إن معرفة كون الخزائن لله مما يحتاج إلى تدبر وتفقه لمكان الأسباب والوسائط والروابط المفتقرة في رفعها من البين إلى مزيد توجه وكمال نظر، فأما كون الغلبة والقوة لدين الإسلام فذلك بظهور الإمارات وسطوع الدلائل بلغ مبلغاً لم يبق في وقوعه شك لمن به أدنى مسكة وقليل علم، فلا جرم أورد في خاتمة كل آية ما يليق بها.
وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر بعده.
وعن الحسن بن علي أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً فقال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا الآية.
وحينئذ عير المنافقين بما عير.
وحث المؤمنين على ذكر الله في كل حال بحيث لا يشغلهم عنه التصرف في الأموال والسرور بالأولاد وكل ما سوى الله حقير في جنب ما عند الله، فإن من تصرف في شيء ما المال أو صرف زمانه في طرف من أمر الأولاد فلله وبالله وفي الله.
وقال الكلبي: ذكر الله الجهاد مع رسول الله .
وعن الحسن: جميع الفرائض.
وقيل: القرآن.
وقيل: الصلوات الخمس ﴿ يفعل ذلك ﴾ أي ومن أشغلته الدنيا عن الدين.
ثم حثهم على الإنفاق إما على الإطلاق وإما في طريق الجهاد.
وإتيان الموت إتيان سلطانه وأماراته حين لا يقبل توبته ولا ينفع عمل فيسأل الله التأخير في الأجل لتدارك ما فات ومن له بذلك كما قال ﴿ ولن يؤخر الله نفساً ﴾ والمعنى هلا أخرت موتي إلى زمان قليل ﴿ فأصدّق وأكون ﴾ من قرأ بالنصب فظاهر، ومن قرأ بالجزم فعلى وهم أن الأول مجزوم كأنه قال: إن أخرتني أصدق وأكن.
وقيل: هذا الوعيد لمانع الزكاة.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ .
اختلفوا في تأويل قوله : ﴿ نَشْهَدُ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ بمعنى: نقسم ونحلف.
وقال بعضهم: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ على ابتداء الشهادة.
فمن حمله على القسم قرأه ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ يعني: حلفهم، ومن حمله على الشهادة ابتداء قرأ: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ يعني: تصديقهم، ليس أنها قراءة واحدة فقرئت بلفظين، ولكنهما كانا جميعا فقرئت بالمعنيين جميعاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
والإشكال أن كيف قال الله : ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، وهم إنما قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، ومعلوم أن هذا القول منهم صدق، ولكن المعنى من هذا -والله أعلم- أنهم طعنوا فيما أظهروا من الخلاف والتكذيب عند غير رسول الله، فحسبوا أن رسول الله اطلع على صنيعهم فأتوا رسول الله يعتذرون إليه، ويقولون: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ وأن ما بلغك منا من القول كذب وما قلناه، فأخبر الله أنهم لكاذبون فيما أخبروا أنهم ما قالوه، ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .
ويحتمل أن يكون معناه: إنا نشهد أن في قلوبنا إنك لرسول الله كما نظهره بألسنتنا، فأخبر الله أن المنافقين لكاذبون فيما يشهدون بالإيمان في قلوبهم، ويعلم أن يكون المعنى من قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ أي: نعلم برسالتك في قلوبنا، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما أخبروا أنهم يعلمون رسالته في قلوبهم، وقد كان ألزمهم برسالته من جهة الآيات والحجج، ولكن تعاموا عن ذلك العلم استخفافا منهم وتعنتا؛ فصار ذلك العلم كالجهل الحقيقي، ثم أخبروا هم عن أنفسهم وضمائرهم أنهم يعلمون، وأخبر الله أنهم لكاذبون أنهم يعلمون برسالته، والله أعلم.
ثم الواجب أن يعلم ما الذي أحوجهم إلى أن قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، وقد كان كثير من المؤمنين يلقون رسول الله ولا يقولون ذلك، فكيف قال المنافقون ذلك؟!
فمعناه عندنا - والله أعلم -: أنهم حيث اعتادوا مخادعة الله ورسوله امتحنهم الله بهذه المقالة.
ويحتمل أن يكونوا جروا على عادتهم أنهم إذا لقوا المسلمين قالوا: بمثل ما ءامنتم، وإذا لقوا المشركين قالوا: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ ، فإذا لقوا رسول الله قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ على عادتهم في كل جنس بما يليق به وبمذهبه، والله أعلم.
ويجوز أن يكونوا يخافون أن قد بلغ رسول الله خلافهم وتكذيبهم؛ فكانوا إذا لقوه قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، اعتذارا عن ذلك الخلاف لو بلغه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ كانوا يحسبون من سوء ما يضمرون في قلوبهم من النفاق أن كل من كلم رسول الله فإنما كلمه بسببهم، فكذلك الأول، والله أعلم.
ثم قال هاهنا: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ ولم يقل (نشهد بالله)؛ لأن المعنى من هذا الحلفُ، والحلف من المؤمنين في المتعارف إنما يكون بالله ؛ فلذلك أجزئ بقوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ عن قول: (بالله) فيكون هذا دليلا لقول أصحابنا: إن قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ يكون يمينا حيث ذكر هاهنا بطريق القسم، والمعنى ما أشير إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: ﴿ فَصَدُّواْ ﴾ أي: أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله والإيمان برسوله.
والثاني: أن صدوا الضعفة عن اتباع رسول الله ، وعن الإيمان.
وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: بئس ما كانوا يعملون من الإعراض عن الآيات والحجج، وحيث آثروا الكفر على الإيمان.
ويحتمل: بئس ما كانوا يصنعون من صد الضعفة والأتباع عن الإيمان برسول الله، .
وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: ذلك بأنهم آمنوا بلسانهم ثم كفروا بقلوبهم.
والثاني: على حقيقة الإيمان والكفر، وذلك أنهم لما رأوا قلة المسلمين وضعفهم في أنفسهم يوم بدر، ثم رأوهم مع هذه القلة والضعف غلبوا على الكفار مع كثرتهم - آمنوا برسول الله ورأوا أنهم لا يغلبون أبداً، ثم إن المسلمين لما غلبوا يوم أحد وأصابهم [الكفار]، اضطربوا في إيمانهم وشكوا وكفروا؛ وذلك بمعنى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ فكذلك تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ .
وقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى أن السبب الذي تولد منه نفاقهم وحلفهم.
وقولهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ هو أنهم آمنوا ثم كفروا.
وجائز أنه لم يكن منهم حقيقة إيمان ولا كفر، ولكنهم كانوا أقواما همتهم الدنيا وسعتها، وكانوا يكونون مع من يكون معه الدنيا إن رأوها مع المؤمنين أظهروا من أنفسهم أنهم مؤمنون، وإن رأوها مع الكفار أظهروا أنهم كفار دون أن يكون منهم حقيقة إيمان أو كفر، والله المستعان.
وقوله: ﴿ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ .
الطبع يجوز أن يكون كناية عن ستر وظلمة في قلوبهم؛ فلا يرون بها الحق وحججه.
قال: ويجوز أن يجعل الله الكفر ظلمة في القلب لا يبصرون به الحجج والآيات.
أو يجوز أن يجعل الكفر كنّاً في قلبه؛ ليضيق؛ فلا يرى من بعد ذلك منافعه ومضاره إلا من ذلك الوجه فيكفر، وأيهما كان فذلك معنى الآية، يعني: أن اشتغالهم بالكفر وكسبهم إياه غطى قلوبهم وسترها عن أن يبصروا الحق وحججه، والله أعلم.
قال الفقيه - - في قوله: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ أن المنافقين لم يجيئوا بأجمعهم رسول الله، وإنما جاءه بعضهم، وكذلك في قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ أن المعنى من قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ في بعض التأويلات: نقسم، والقسم ليس من فعل الأتباع والسفلة، وإنما ذلك من فعل الأجلة والرؤساء؛ فدل أنه إنما تعاطى هذا الفعل بعض المنافقين، ثم ذكر الله ذلك البعض بصيغة الكل؛ فعلم أنه ليس كل ما خرج في الظاهر مخرج العموم يتناول كل من دخل تحت ذلك الاسم، ولكنه ينظر في معنى اللفظ وحقيقته، فإن كان الدليل يوجب تعميمه أجري على عمومه، وإن كان يوجب تخصيصه أجري على خصوصه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .
يحتمل أن يكون معناه، أي: لا يفقهون؛ لأنه طبع على قلوبهم، وإلا لم يعرضوا عن الحق والآيات، وذلك بأنهم كانوا يظنون أنهم كانوا على الحق، فأخبر أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم حتى ظنوا أنهم على الحق، وجعلوا جميع همتهم في المنافع والمضار الدنيوية، وإلا لو فقهوا أن لله دارا أخرى يجازون فيه بأعمالهم، لعلموا أنه لا بد من دين يدينون به، ولم ينظروا إلى منافعهم ومضارهم، والله المستعان.
ويحتمل: أي: لا يفقهون عن الله ، وأن تعبدهم وأمرهم بطاعة رسوله واتباعه ويحتمل أي: لا يفقهون أنهم يتعبدون، وأن لله دارا أخرى يسألهم عما فعلوا، ويجازيهم على جميع ذلك.
ثم قال هاهنا: ﴿ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ ، ولم يقل: (لا يعلمون)؛ لأن الفقه إنما هو الذي يعرف به الشيء بالشيء، فأخبر أنهم لا يعرفون الآخرة بالدنيا.
وقال ابن الراوندي: الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره.
وعندنا أن الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على غيره كان ذلك نظيرا له أو لم يكن؛ لأن من عرف الخلق بمعناهم دله ذلك على معرفة الصانع، ومن عرف الدنيا دله ذلك على معرفة الآخرة، وليسا بنظيرين.
ثم بين الفقه والعلم فصل من وجه وإن كانا جميعا في الحقيقة يرجعان إلى معنى واحد؛ لأن العلم إنما يجلي الشيء له، وظهوره بنفسه، والفقه يعرف بغيره استدلالا؛ ولذلك جاز أن يقال: الله عالم؛ لتجلي الأشياء له، ولم يجز أن يقال: إن الله فقيه؛ لأنه لا يعرف الأشياء بالاستدلال، والله الموفق.
والحكمة: وضع الأشياء موضعها، والإيقان: إنما هو يتولد عن ظهور الأسباب؛ ولذلك جاز أن يقال: إن الله حكيم، ولم يجز أن يقال: إنه موقن، والله المستعان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ .
في هذا بيان أن الله قد كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، وأنه قد آتاهم العلم؛ لأن حسن البيان لا يكاد يكون إلا عن علم؛ فكأن الله ذكر نعمه التي آتاهم؛ فإنهم لم يشكروا نعمه وأساءوا صحبتها، فكأنه يقول: كيف ترجو منهم حسن الصحبة لك، وإنهم لم يحسنوا صحبة نعمة رب العالمين؟!
فيكون [له] بعض التسلي؛ لما اهتم رسول الله من سوء صنيعهم به، وإعراضهم عن اتباعه وطاعته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ .
يعني: وإن يقولوا تحسب قولهم حقّاً؛ فتسمع لقولهم لتقبله.
ويحتمل: تسمع لقولهم لما يعجبك قولهم، أو تسمع لقولهم على ما كانت عادته - - في كل من كلمه أنه لا يغير عليه ولا يقطع عليه كلامه حتى يفرغ منه، ثم قبله إن كان مما يجب قبوله، وغيره على صاحبه ورده إن كان مستحقّاً للتغيير عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ .
يقول: إنهم فيما يكون من جانبهم وناحيتهم من حسن الصورة والبيان بحيث يعجبك، وفيما يلقى إليهم من الحق والدين والحكمة كأنهم خشب مسندة لا ينجع فيهم الحق ولا يقبلونه كالخشب المسندة.
ويحتمل هذا تمثيلا بالخشب؛ من حيث إن الخشب المسندة في الظاهر هي الخشب اليابسة التي لا أجواف لها فيوضع فيها شيء، فكذلك المنافقون كأنهم لا أجواف لهم يوضع فيها الحكمة والدين والحق، والله أعلم.
وجائز أن يكون معناه: كأنهم خشب مسندة؛ من حيث إن الخشب المسندة، ليس لها أسماع ولا أبصار ولا قلوب، فكذلك المنافقون كأنهم بكم عمي في ناحية الحق وقبوله، والله المستعان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: يحسبون كل صيحة سمعوها كلمة تهتك عليهم سرهم [و] تفضحهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ ، فأخبر أنهم كانوا يحسبون فضيحتهم وهتك أستارهم والاطلاع على ما في قلوبهم، فكذلك يحسبون أن من كلم رسول الله فإنما تكلم بما يهتك عليهم أستارهم ويفضحهم، والله المستعان.
والثاني: يحتمل أن يكون ذلك في الحرب: أنهم كلما سمعوا صيحة في الحرب خافوا أن يكون فيه هلاكهم، وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكل فريق على حدة، وإذا وافقوا هذا الفريق صاروا حرباً للفريق الآخر، وإذا وافقوا الآخر صاروا حرباً لهؤلاء، فأخبر الله أنهم يحسبون من كل صيحة سمعوها أن يكون ذلك سبباً لهلاكهم.
ويحتمل أن يكون الله عاقبهم بالخوف الدائم؛ لتأميلهم الأمن من وجه لم يؤذنوا فيه؛ وذلك لما وصفنا أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكلٍّ؛ رجاء أمنهم، وكان جميع مقاصدهم في ذلك تحصيل منافع الدنيا دون الديانة بدين من الأديان، وذلك غير مأذون فيه، فلما آثروا ذلك واختاروه من غير أن يؤذن لهم، عاقبهم بالخوف الدائم إما من الافتضاح والاطلاع على ما في قلوبهم أو من الهلاك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ﴾ ، له أوجه من التأويل: أحدها: أن يقول: هم العدو، يعني: أنهم أدنى عدوكم؛ فاحذرهم في جميع أحوالهم في المطعم والمشرب وغيره؛ لأن الحذر عمن قرب من الأعداء ودنا أوجب ممن بعد ونأي.
أو احذرهم أن تطلعهم على سر فيما تراه وتضمره من الجهاد والحرب؛ فيحتالون به على هلاكك، أو يطلعون الكفرة على سرك.
أو احذرهم أن تقبل منهم قولا يقولونه عن أصحابك؛ لأنهم يغرون أصحابك عليك، فاحذرهم أن تقبل قولهم على أصحابك.
وقوله: ﴿ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ يعني: لعنهم.
وقوله: ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أن يقول: أي سبب يمنعهم عن الإيمان بك وطاعتك، وقد أتيتهم بالآيات والحجج في اطلاعك على سرائرهم، وذلك لا يكون إلا عن الوحي.
أو يقول: ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ يعني: أنى يكذبون؛ تقليدا لأولئك الكفرة من غير أن يظهر لهم في ذلك آية وحجة، ولا يقلدون البرهان والحجة فيتبعونك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ﴾ .
ظاهر هذه الآية أن هذا القول منه إنما كان لجملة المنافقين، وكذلك قوله : ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ .
وروى في الخبر أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أُبيٍّ ابن سلول المنافق؛ لأنه روي "أن رسول الله كان كلما قام يوم الجمعة قام عبد الله بن أُبيٍّ [ابنُ] سلول في ناحية المسجد، وقال: هذا رسول الله، فوقروه، وعظموه، حتى نزلت هذه السورة، فقال بمثل مقالته، فقال له عمر - -: اجلس يا كافر؛ فإن الله قد فضحك، قال: فخرج من المسجد قبل أن يصلي الجمعة، فاستقبله بعض القوم فسألوه عن خروجه من المسجد قبل أداء الجمعة، فأخبرهم عن القصة، فقالوا: ارجع إلى رسول الله وسله أن يستغفر لك، فلوى رأسه وقال: ما لي إلى استغفاره حاجة" .
وروي "أنه لما قال: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ، ثم أراد دخول المدينة من بعد هذه المقالة، فحبسه ابنه وقال: لا أدعك تدخلها ما لم تقر أنك الأذل وأن رسول [الله] هو الأعز، فبلغ ذلك رسول الله فأمره أن يخلي عن أبيه، ثم قال له: إنك أولى أن تسمى: عبد الله بن أبيك" ، فسمى من بعد ذلك: عبد الله، وكان يسمى حباباً.
فهذان الخبران يدلان على أن هذه الآية إنما نزلت في واحد منهم، وظاهرها يدل على [أن] ذلك كان في جملة المنافقين.
ولكن الوجه في ذلك عندنا - والله أعلم - أنه يجوز أن يكون اعتقاد جملتهم على ذلك، فذكرهم الله ؛ لاعتقادهم عليه، وذلك أنهم كانوا أقواماً لا يؤمنون بالآخرة.
والاستغفار إنما هو طلب المغفرة، وذلك إنما يتحقق في الآخرة، فإذا كان على هذا أصل اعتقادهم جملة ذكرهم الله على ذلك؛ وكذلك قوله: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ كان عندهم أن الله إنما آتاهم العز والغناء والشرف؛ لفضيلة لهم على محمد ؛ فكانوا ينكرون عليه من ذلك الوجه، ثم إن الله قد ذكر في هذه الآية أنباء أنه قد كان آتاهم جميع ما به العز والشرف في الدنيا؛ ليمتحنهم بحقوق هذه النعم وتعظيمها وشكرها، وأنهم بلغوا في كل ذلك غاية ما عليه عمل الكفرة في سوء الصحبة بالنعم، وذلك أنه لما قال: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ ، دل أنه كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، ولما قال: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ ؛ دل أنه قد كان آتاهم الغناء، ولما قال: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ دل أنه قد كان آتاهم العز والشرف، ومعلوم أن هذه الأسباب التي وصفنا هي أسباب العز والشرف في الظاهر، ثم أخبر أنهم تركوا شكر ما أنعم عليهم في تعظيم الحق ولم يؤدوا شكره، وأنهم بلغوا في الباطن في كل شيء من ذلك غايته في سوء الصنع؛ لأنه دل بقوله : ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ ﴾ على غاية البخل؛ حيث امتنع عن الإنفاق بنفسه، وأمر غيره ألا ينفق أيضاً وذلك في غاية البخل، ولما قال: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ ، فكأنهم كانوا في الغفلة عن ذكر الله وقبول الموعظة غايته، ولما قال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ﴾ دل أنهم كانوا في الاستخفاف به - حيث تركوا الإنصاف، وأخذوا سبيل الاعتساف والاستكبار عليه - غايته، ولما قال: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ دل أنهم كانوا في سوء السريرة غايته.
قال: ويجوز أن يقع ذلك منهم لوجهين: أحدهما: أنهم رأوا ذلك حقّاً لهم على الله .
أو يروا أن الله آتاهم ذلك؛ تفضيلا لهم على غيرهم، فكانوا يتكبرون ويستعظمون على غيرهم، ويستخفون برسول الله لذلك الوجه، ولم يتأملوا ولم يتفكروا فيتبين لهم أن الله آتاهم جميع تلك النعم محنة عليهم، تعبدهم بأداء شكرها وتعظيم حقها، وذلك معنى ﴿ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ أي: لا يستعملون النظر في هذه النعم، وذلك أنه لو لم يكن رسول الله، كان يلزمهم أن يتأملوا فيما أوتوا من النعم وينظروا، فإذا تفكروا في ذلك، ولم يجدوا لهم عند الله صنعا استوجبوا به عنده مكافأة لذلك، ولا لهم فضل يفضلهم الله به على غيرهم؛ فكان يتبين لهم أن الله إنما أعطاهم هذه النعم محنة؛ ليتعبدهم بأداء شكرها؛ ولذلك وقع الفصل فيما بين العلم والفقه: أن ما كان حقه التأمل والنظر، فحق اللفظ فيه أن يقال: يفقهون، ولا يفقهون، وما كان حق العلم به السماع والخبر، أطلق فيه لفظ (العلم)؛ ولذلك قال عند العزة والغلبة والنصر: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون النصر والغلبة لو لم يكن رسول الله .
وقوله: ﴿ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: رأيتهم يصدون عن طاعتك واتباعك.
والثاني: يصدون ضعفتهم عن اتباعك.
وقوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ؛ لأنهم لم يعدوا ذلك زلة وذنبا؛ لأنه كان عندهم أنهم على الحق.
والثاني: ما قلنا: إنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، والمغفرة إنما تطلب من الله، ويتحقق ذلك في الآخرة.
وقوله: ﴿ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ .
على ذلك أيضاً أنه لا يغفر أَستغفرت أم لم تستغفر.
قال - رحمه الله -: ورسول الله - - كان لا يستغفر للمنافقين بعدما ظهر عنده نفاقهم، ولكنه يجوز أن يكون هذا قبل ظهور نفاقهم، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: لن يغفر الله لهم ما داموا على النفاق، ولم يتوبوا عنه.
والثاني: أن يقول: لن يغفر لهم في قوم علم الله منهم: أنهم لا يؤمنون أبداً، فقال في أولئك: لن يغفر الله لهم؛ وكذلك هذا في قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وقوله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴾ .
فيه أن الله يملك هداية وراء هداية البيان؛ لأن من لم يملك شيئاً لم يستقم أن يوصف بالتعظيم أنه لا يفعل؛ لأنه يعلم إذا لم يقدر ولم يملك لا يفعل، وإنما يوصف بهذا من يملك ذلك، ولكن لا يفعل، فلو لم يملك ولم يقدر خلق فعل الاهتداء فيمن أراد، لم يوصف بأنه لا يهدي الفاسقين؛ فدل أنه يملك هداية وراء هداية البيان، وهو خلق الاهتداء فيمن علم منه ذلك، والله الموفق.
وقال أبو بكر: معنى قوله: ﴿ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴾ أي: لا يهديهم لفسقهم.
وقالت المعتزلة: أي: لا يسميهم مهتدين إذا فسقوا وضلوا.
وأيهما كان فهو محال؛ لأن من هدى ضالا لضلالته فهو سفيه، فكأنه يقول: لا يسفه: ومن سمى الضال: مهتديا فهو كاذب، فكأنه قال: لا يكذب، وهما جميعا غير مستقيم؛ لأنا نعلم أنه لا يسفه ولا يكذب، فثبت أن في ملكه هداية يهدي من يشاء من عباده سوى هداية البيان، وإذا ثبت ما وصفنا أن في ملكه هداية سوى هداية البيان، ثبت أن له فيها مشيئة؛ لأن من ملك سبباً لم يجز أن يقطع عنه سببه؛ فلذلك قلنا: إن الله يضل من يشاء من عباده لمن علم أنه يؤثر الضلال ويختاره على الهدى، ويهدي من يشاء لمن علم أنه يؤثر الهدى على الضلالة؛ فيهديه لذلك ويوفقه ويسدده، والله المستعان.
وقوله : ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ .
قد وصفنا أن هذا من غاية بخلهم.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ دلالة أنهم أرادوا إطفاء هذا النور وإخفاءه، فأبى الله إلا إظهاره.
وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
يبسطها على المنافقين؛ ليمتحنهم بالإنفاق على المؤمنين.
أو لله خزائن السماوات والأرض يضيقها على المؤمنين؛ ليمتحنهم بالصبر في حال الضيق.
أو يجوز أن يكون هذا بشارة للمؤمنين بأن الله يوسع عليهم الدنيا بعدما ضاقت، وقد جعل حيث فتح لهم الفتوح وآتاهم النصر والغلبة على أعدائهم، والله أعلم.
وقوله -تعالى-: ﴿ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ .
الأعز قد يحتمل معاني: أحدها: الأغلب، وإلا فهو على مثال قوله: ﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ ، أي: غلبني في الخصومة.
والثاني: الأقوى والأشد، على مثال قوله -تعالى-: ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ يعني: أقوياء وأشداء.
والثالث: الأعلى الأجل، وكذلك قوله: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فإن كان الأعلى والأجل فذلك أن المؤمنين أعلى وأجل؛ لأنهم اتبعوا الحجة بالحجج، والكفار اتبعوا أهواءهم.
وإن كان على الأغلب والأقهر فذلك للمؤمنين بالغلبة والنصرة على أعدائهم.
وإن كان على القوة والشدة، فقد كان ذلك للمؤمنين؛ لأنه لو لم يوجد ذلك للمؤمنين لم يكن أهل النفاق يظهرون الوفاق للمؤمنين، ولكنهم رأوا القوة والشدة للمؤمنين مرة، وللكفار أخرى - أظهروا الموافقة للفريقين جميعاً؛ ولذلك قال ذلك المنافق: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ؛ لأنه لما رأى العزة والشدة للكافرين يوم أحد، توهم أنهم يغلبونهم أبداً؛ فأظهر النفاق، وقال عند ذلك: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هم الذين يقولون: لا تنفقوا أموالكم على من عند رسول الله من الفقراء والأعراب حول المدينة حتَّى يتفرقوا عنه، ولله وحده خزائن السماوات، وخزائن الأرض، يرزقها من يشاء من عباده، ولكنّ المنافقين لا يعلمون أن خزائن الرزق بيده سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.bBOxK"