الآية ١٣ من سورة الملك

الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ١٣ من سورة الملك

وَأَسِرُّوا۟ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُوا۟ بِهِۦٓ ۖ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة الملك: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة الملك عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى منبها على أنه مطلع على الضمائر والسرائر : ( وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ) أي : بما خطر في القلوب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدورقوله تعالى : وأسروا قولكم أو اجهروا به اللفظ لفظ الأمر والمراد به الخبر ; يعني إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أو جهرتم به ف إنه عليم بذات الصدور يعني بما في القلوب من الخير والشر .

ابن عباس : نزلت في المشركين ، كانوا ينالون من النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل عليه السلام ; فقال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كي لا يسمع رب محمد ; فنزلت : " وأسروا قولكم أو اجهروا به " .

يعني : أسروا قولكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل في سائر الأقوال .

أو اجهروا به ; أعلنوه .إنه عليم بذات الصدور ذات الصدور : ما فيها ; كما يسمى ولد المرأة وهو جنين " ذا بطنها " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا إخبار من الله بسعة علمه، وشمول لطفه فقال: { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ } أي: كلها سواء لديه، لا يخفى عليه منها خافية، فـ { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما فيها من النيات، والإرادات، فكيف بالأقوال والأفعال، التي تسمع وترى؟!

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور"، قال ابن عباس : نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيخبره جبريل عليه السلام بما قالوا فقال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كي لا يسمع إله محمد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأسِرّوا» أيها الناس «قولكم أو اجهروا به إنه» تعالى «عليم بذات الصدور» بما فيها فكيف بما نطقتم به، وسبب نزول ذلك أن المشركين قال بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم لا يسمعكم إله محمد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأخفوا قولكم- أيها الناس- في أي أمر من أموركم أو أعلنوه، فهما عند الله سواء، إنه سبحانه عليم بمضمرات الصدور، فكيف تخفى عليه أقوالكم وأعمالكم؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بأبلغ أسلوب ، أن السر يتساوى مع العلانية بالنسبة لعلمه - تعالى - فقال : ( وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور .

.

.

) .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية ، أن المشركين كانوا ينالون من النبى صلى الله عليه وسلم فلما أطلعه الله - تعالى - على أمرهم ، فقال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كى لا يسمعه رب محمد .

.وصيغة الأمر فى قوله : ( وَأَسِرُّواْ ) و ( اجهروا ) مستعملة فى التسوية بين الأمرين ، كما فى قوله - تعالى - ( فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ .

.

.

)أى : إن إسراركم - أيها الكافرون - بالإِساءة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - أو جهركم بهذه الإِساءة ، يستويان فى علمنا ، لأننا لا يخفى علينا شئ من أحوالكم ، فسواء عندنا من أسر منكم القول ومن جهر به .وجملة ( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) تعليق للتسوية المستفادة من صيغة الأمر أى : سواء فى علمه - تعالى- إسراركم وجهركم ، لأنه - سبحانه - عليم علما تاما بما يختلج فى صدوركم ، وما يدور فى نياتكم التى هى بداخل قلوبكم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه وجهان: الوجه الأول: قال ابن عباس كانوا ينالون من رسول الله فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فأنزل الله هذه الآية القول الثاني: أنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحد في علمه تعالى بهذا فاحذروا من المعاصي سراً كما تحترزون عنها جهراً فإنه لا يتفاوت ذلك بالنسبة إلى علم الله تعالى، وكما بين أنه تعالى عالم بالجهر وبالسر بين أنه عالم بخواطر القلوب.

ثم إنه تعالى لما ذكر كونه عالماً بالجهر وبالسر وبما في الصدور ذكر الدليل على كونه عالماً بهذه الأشياء فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ظاهره الأمر بأحد الأمرين: الإسرار والإجهار.

ومعناه: ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما، ثم أنه علله ب (بإنه عليم بذات الصدور) أي بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلم به.

ثم أنكر أن لا يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير، المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن.

ويجوز أن يكون ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ منصوباً بمعنى: ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله.

وروي أنّ المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء، فيظهر الله رسوله عليها، فيقولون: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد، فنبه الله على جهلهم.

فإن قلت: قدرت في ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ ﴾ مفعولاً على معنى: ألا يعلم ذلك المذكور مما أضمر في القلب وأظهر باللسان من خلق، فهلا جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؛ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالماً من هو خالق؛ لأنّ الخلق لا يصح إلا مع العلم؟

قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: ﴿ وَهُوَ اللطيف الخبير ﴾ لأنك لو قلت: ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير: لم يكن معنى صحيحاً؛ لأنّ ألا يعلم معتمد على الحال.

والشيء لا يوقت بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ يَخافُونَ عَذابَهُ غائِبًا عَنْهم لَمْ يُعايِنُوهُ بَعْدُ، أوْ غائِبِينَ عَنْهُ أوْ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أوْ بِالمَخْفِيِّ مِنهم وهو قُلُوبُهم.

﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ لِذُنُوبِهِمْ.

﴿ وَأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ تَصْغُرُ دُونَهُ لَذائِذُ الدُّنْيا.

﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ بِالضَّمائِرِ قَبْلَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْها سِرًّا أوْ جَهْرًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ} ظاهره الأمر بأحد الأمرين الاسرار والإجهار ومعناه وليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما رُوي

أن مشركي مكة كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل مما قالوه فيه ونالوه منه فقالوا فيما بينهم أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فنزلت ثم عللت بقوله {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} أي بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها فكيف لا يعلم ما تكلم به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ خَطابٌ عامٌّ لِلْمُكَلَّفِينَ كَما في قَوْلِهِ أوَّلًا ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ قالَ في الكَشْفِ أصْلُ الكَلامِ ولِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنكم أيُّها المُكَلَّفُونَ المُبْتَلُونَ ولِلَّذِينَ يَخْشَوْنَ مِنكم فَقَطَعَ هَذا الثّانِي جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الَّذِي يَقْطُرُ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ مَعَ أنَّ ذِكْرَهم بِالعَرْضِ وهو ماذا حالُ مَن أحْسَنُ عَمَلًا ومَن خَرَجَ مُمَحَّصًا عِنْدَ الِابْتِلاءِ فَأُجِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ ﴾ إلَخِ فَأثْبَتَ لَهم كَمالَ العِلْمِ ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ  ﴾ .

وكَمالَ التَّقْوى لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ وفي هَذا القَطْعِ تَرْشِيحٌ لِلْمَعْنى المَرْمُوزِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ أيْ: ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكُمْ ﴾ المُتَّقِي تَخْصِيصًا لَهم بِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ ولَوْ عُطِفَ لَدَلَّ عَلى التَّساوِي، ثُمَّ قِيلَ فاتَّقُوهُ في السِّرِّ والعَلَنِ ودُومُوا أنْتُمْ أيُّها الخاشِعُونَ عَلى خَشْيَتِكم وأنِيبُوا إلى الخَشْيَةِ والتَّقْوى أيُّها المُغْتَرُّونَ، واعْتَقِدُوا اسْتِواءَ أسْرارِكم وجَهْرِكم في عِلْمِ رَبِّكم فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ واخْشَوْهُ حَقَّ الخَشْيَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى هَذا المُضْمَرِ.

وجُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ ﴾ إلَخِ اسْتِطْرادٌ عَقِيبَ ذِكْرِ الكُفّارِ وجَزائِهِمْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ وأسِرُّوا ﴾ ﴿ أوِ اجْهَرُوا ﴾ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ إلى أصْحابِ السَّعِيرِ لِبُعْدِ العَهْدِ وزِيادَةِ الِاخْتِصاصِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ ولِلْكافِرِينَ بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ثُمَّ قِيلَ مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتُ، وإسْرارُكم بِالقَوْلِ وجَهْرُكم بِهِ أيُّها الكافِرُونَ سِيّانِ فَلا تَفُوتُونَنا جَهَرْتُمْ بِالكُفْرِ والبَغْضاءِ، أوْ أبْطَنْتُمُوهُما فَهو مِن تَتِمَّةِ الوَعِيدِ ثُمَّ قالَ والأوَّلُ امْلَأُ بِالقَبُولِ انْتَهى ويَظْهَرُ لِي بُعْدُ الأوَّلِ ويُؤَيِّدُ الثّانِي ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ نَزَلَتْ ﴿ وأسِرُّوا ﴾ إلَخِ في المُشْرِكِينَ كانُوا يَنالُونَ مِنَ النَّبِيِّ  فَيُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم كَيْلا يَسْمَعَ رَبُّ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ لَهم أسِرُّوا ذَلِكَ أوِ اجْهُرُوا بِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ.

وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ لِلْإيذانِ بِافْتِضاحِهِمْ ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والمُبالَغَةُ في شُمُولِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ المُحِيطِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كَأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يَجْهَرُونَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِما في الحَقِيقَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ الجَهْرِ إذْ ما مِن شَيْءٍ يَجْهَرُ بِهِ إلّا وهو أوْ مَبادِئُهُ مُضْمَرٌ في القَلْبِ غالِبًا فَتَعَلُّقُ عِلْمُهُ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَقْرِيرٌ لَهُ وفي صِيغَةِ الفَعِيلِ وتَحْلِيَةِ الصُّدُورِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ ووَصْفُ الضَّمائِرِ بِصاحِبَتِها مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُبالِغٌ في الإحاطَةِ بِمُضْمِراتِ جَمِيعِ النّاسِ وأسْرارِهِمُ الخَفِيَّةِ المُسْتَكِنَّةِ في صُدُورِهِمْ بِحَيْثُ لا تَكادُ تُفارِقُها أصْلًا فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وتَجْهَرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذاتِ الصُّدُورِ القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ مِن أسْرارِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعني: يخافون الله تعالى ويخافون عذابه، الذي هو بِالْغَيْبِ، فهو عذاب يوم القيامة.

لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يعني: مغفرة لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يعني: ثواباً عظيماً في الجنة ثم قال: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ.

اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد  أو جهرتم به.

إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: بما في القلوب من الخير والشر، وذلك أن جماعة من الكفار كانوا يتشاورون فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: لا تجهروا بأصواتكم، فإن رب محمد يسمع فيخبره، قال الله تعالى للنبي  : قل لهم يا محمد: أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ فإنه يعلم به.

ثم أخبر بما هو أخفى من هاتين الحالتين، فقال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: فكيف لا يعلم قول السر.

ثم قال عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ يعني: ألا يعلم السر، من خلق السر يعني: هو خلق السر في قلوب العباد، فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد؟

ثم قال: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ يعني: لطف علمه بكل شيء، يعني: يرى أثر كل شيء بما في القلوب من الخير والشر ويقال: لَطِيفٌ يرى أثر النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، خَبِيرٌ يعني: عالم بأفعال العباد وأقوالهم.

ثم ذكر نعمه على خلقه، ليعرفوا نعمته، فيشكروه ويوحدوه، فقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا يعني: خلق لكم الأرض ذلولاً، ومدها وذللها وجعلها لينة، لكي تزرعوا فيها، وتنتفعوا منها بألوان المنافع، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها يعني: لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها وجبالها.

وهذا خبر بلفظ الأمر وقال القتبي: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها يعني: جوانبها.

ومنكبا الرجل: جانباه.

وقال قتادة: مَناكِبِها: جبالها.

قال: وكان لبشر بن كعب سرية، فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة لوجه الله؟

فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حرة.

فأراد أن يتزوجها، فسأل أبو الدرداء، فقال له: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

ويقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا، أي: سهل لكم السلوك فَامْشُوا فِي مَناكِبِها، أي: تمشون فيها.

وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ يعني: تأكلون من رزق الله تعالى وتشكرونه.

وَإِلَيْهِ النُّشُورُ يعني: إلى الله تبعثون من قبوركم.

ويقال: معناه: هو الذي ذلل لكم الأرض، قادر على أن يبعثكم، لأنه ذكر أولاً خلق السماء، ثم ذكر خلق الأرض، ثم ذكر النشور.

ثم خوفهم، فقال عز وجل: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ؟

قال الكلبي، ومقاتل: يعني: أمنتم عقوبة من في السماء؟

يعني: الرب تعالى إن عصيتموه.

ويقال: هذا على الاختصار ويقال: أمنتم عقوبة من هو جار حكمه في السماء.

قرأ أبو عمرو، ونافع أَمِنتُمْ بالمد، والباقون بغير مد بهمزتين، ومعناهما واحد وهو الاستفهام، والمراد به التوبيخ.

وقرأ ابن كثير بهمزة واحدة بغير مد، على لفظ الخبر.

أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ يعني: يغور بكم الأرض، كما فعل بقارون.

فَإِذا هِيَ تَمُورُ يعني: تدور بكم إلى الأرض السفلى.

أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ يعني: عذاب من في السماء.

أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً يعني: حجارة كما أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ.

وقال القتبي: «أم» على وجهين، مرة يراد بها الاستفهام، كقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ، ومرة يراد بها أو، كقوله: أَمْ أَمِنْتُمْ ويعني: أو أمنتم.

وهذا كقوله: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً [الإسراء: 68] .

ثم قال: فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ يعني: تعبيري عليهم بالعذاب.

ويقال: معناه سيظهر لكم كيف عذابي.

ثم قال: وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الأمم الخالية كذبوا رسلهم، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ؟

يعني: كيف كانت عقوبتي إياهم وإنكاري لهم؟

ثم قال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ؟

يعني: أو لم يعتبروا في خلق الله تعالى كيف خلق الطيور؟

فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ يعني: باسطات أجنحتها في الهواء.

وَيَقْبِضْنَ يعني: ويضممن أجنحتهن ويضربن بها.

مَا يُمْسِكُهُنَّ يعني: ما يحفظهن في الهواء عند القبض والبسط.

إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ يعني: عالماً بصلاح كل شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

معناه: على الكَفَرَةِ باللَّهِ، والفَوْجُ: الفريقُ من الناس، وظاهر الآية أَنَّه لا يُلْقَى في جهنَّمَ أحَدٌ إلا سُئِلَ عَلى جهة التوبيخ.

وقوله سبحانه: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يحتملُ أنْ يكونَ من قولِ الملائكةِ، ويحتملُ أنْ يكونَ من تمامِ كَلاَمِ الكفارِ للنُّذُرِ، قال الفخر «١» : وقوله- تعالى- عنهم: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ قيل إنما جَمَعُوا بين السَّمْعِ والعَقْلِ [لأن مَدَارَ التكليف على أدلة السمع والعقل] ، انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يحتملُ معنيين: أحدُهما بالغَيْبِ الذي/ أُخْبِروا بهِ مِن النَّشْرِ والحشر والجنة والنار، فآمنوا بذلك وخَشُوا ربَّهم فيه ونحا إلى هذا قتادة «٢» ، والمعنى الثاني: أنهم يَخْشَوْنَ ربهم إذا غَابُوا عن أعْيُنِ الناس، أي: في خلَواتِهم في صلاتهم وعباداتهم.

وقوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ ...

الآية، خطاب لجميع الخلق، وذَلُولًا بمعنى مذلولة، ومَناكِبِها قال مجاهد: هي الطُّرُقُ والفجاجُ «٣» ، وقال البخارِي: مَناكِبِها:

جَوَانِبُها، قال الغزالي- رحمه اللَّه-: جَعَلَ اللَّهُ سبحانَه الأَرْضَ ذَلُولاً لِعِبَادِه لاَ لِيَسْتَقِرُّوا في مناكِبها، بلْ لِيَتَّخِذُوهَا مَنْزِلاً فَيَتزَوَّدُونَ منها مُحْتَرِزِينَ من مصائدِها ومَعَاطبِها، ويتحقَّقُون أنّ العُمْرَ يَسِيرُ بهم سَيْرَ السفينةِ بِرَاكِبِها، فالناسُ في هَذَا العَالَمِ سُفْرُ وأوَّلُ منازلِهم المَهْدُ، وآخرُها اللحدُ، والوَطَنُ هو الجنَّةُ أو النَّارُ، والعُمْرُ مسافة السّفر، فسنوه مراحله، وشهوره

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٤٩] "لَهم مَغْفِرَةٌ" لِذُنُوبِهِمْ "وَأجْرٌ كَبِيرٌ" وهُوَ: الجَنَّةُ.

ثُمَّ عادَ إلى خِطابِ الكُفّارِ، «فَقالَ تَعالى: ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ كانُوا يَنالُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ  ، فَيُخْبِرُهُ جِبْرائِيلُ بِما قالُوا، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: أسِرُّوا قَوْلَكم حَتّى لا يَسْمَعَ إلَهُ مُحَمَّدٍ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ ﴾ ؟!

أيْ: ألا يَعْلَمُ ما في الصُّدُورِ خالِقُها؟!

واللَّطِيف مَشْرُوحٌ في [الأنْعامِ: ١٠٣] والخَبِير في [البَقَرَةِ: ٢٣٤] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا ﴾ أيْ: مُذَلَّلَةً سَهْلَةً لَمْ يَجْعَلْها مُمْتَنِعَةً بِالحُزُونَةِ والغِلَظِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فامْشُوا في مَناكِبِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: طُرُقاتُها، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: جِبالُها، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: لِأنَّ المَعْنى: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ فِيها، فَإذا أمْكَنَكُمُ السُّلُوكُ في جِبالِها، فَهو أبْلَغُ في التَّذْلِيلِ.

والثّالِثُ: في جَوانِبِها، قالَهُ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ أيْ: إلَيْهِ تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُشُورُ ﴾ المَعْنى وقالَ الكُفّارُ لِلْخَزَنَةِ في مُحاوَرَتِهِمْ: لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ سَمْعًا أو عَقْلًا يَنْتَفِعُ بِهِ ويُغْنِي شَيْئًا لَآمَنّا ولَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في السَعِيرِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا  أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ في وقْتٍ لا يَنْفَعُ فِيهِ الِاعْتِرافُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسُحْقًا" نُصِبَ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ وهو مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ هَذا القَوْلُ مُسْتَقِرٌّ أزَلًا وُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ ولا يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى فِيهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، وتُنْصَبٌ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وأمّا ما وقَعَ وثَبَتَ فالوَجْهُ فِيهِ الرَفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ "وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ"  ﴾ و ﴿ "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"،  ﴾ وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَسَحْقًا" بِسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "فَسَحُقًا" بِضَمِّ الحاءِ وهُما لُغَتانِ.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى أهْلَ الإيمانِ وهُمُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:"بِالغَيْبِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بِالغَيْبِ الَّذِي أخْبَرُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ والصِراطِ والمِيزانِ والجَنَّةِ والنارِ، فَآمَنُوا بِذَلِكَ وخَشُوا رَبَّهم فِيهِ، ونَحا إلى هَذا قَتادَةُ، والمَعْنى الثانِي: أنَّهم يَخْشَوْنَ رَبَّهم إذا غابُوا عن أعْيُنِ الناسِ، أيْ: في خَلَواتِهِمْ، ومِنهُ تَقَوُّلُ العَرَبِ: "فُلانٌ سالِمُ الغَيْبِ"، أيْ: لا يَضُرُّ، فالمَعْنى: يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الخَشْيَةِ في صَلاتِهِمْ وعِباداتِهِمْ وانْفِرادِهِمْ، فالِاحْتِمالُ الأوَّلُ مَدْحٌ بِالإخْلاصِ والإيمانِ، والثانِي مَدْحٌ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ في الخَلَواتِ، وذَلِكَ أحْرى أنْ يَفْعَلُوها عَلانِيَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَبَبُها أنَّ المُشْرِكِينَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلّا مُحَمَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّ الأمْرَ سَواءٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما هَجَسَ في الصَدْرِ دُونَ أنْ يَنْطِقَ بِهِ، فَكَيْفَ إذا نَطَقَ بِهِ سِرًّا أو جَهْرًا، و"ذاتُ الصُدُورِ": ما فِيها، وهَذا كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَن" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: إعْرابُها رَفْعٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ خَلْقَهُ؟

فالمَفْعُولُ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ، ومِنهم مَن قالَ: إعْرابُها نَصْبٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألا يَعْلَمُ اللهُ مَن خَلَقَ؟

وقالَ مَكِّيٌّ: وتَعَلَّقَ أهْلُ الزَيْغِ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي أنَّ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعالى هُمُ العِبادُ مِن حَيْثُ قالَ: "مَن"، فَتَخْرُجُ الأعْمالُ عن ذَلِكَ، لِأنَّ المُعْتَزِلَةَ تَقُولُ: العِبادُ يَخْلُقُونَ أعْمالَهُمْ، وتَعَلُّقُهم بِهَذا التَأْوِيلِ ضَعِيفٌ، والكَلامُ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ مَأْخَذُهُ غَيْرُ هَذا؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ فِيها لَهم ولا عَلَيْهِمْ.

و"الذَلُولُ" فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٍ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، يُقالُ: ذَلُولٌ بَيِّنُ الذِلِّ، بِكَسْرِ الذالِ، وذَلِيلٌ بَيِّنُ الذُلِّ، بِضَمِّ الذالِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "المَناكِبِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَناكِبُها: أطْرافُها، وهي الجِبالُ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، وهي النَواحِي، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الطُرَفُ والفِجاجُ، وهَذا قَوْلٌ جارٍ مَعَ اللُغَةِ؛ لِأنَّها تَنْكَبُّ يَمْنَةً ويَسْرَةً، ويَنْكَبُّ الماشِي فِيها، في مَناكِبَ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعَمٍ في تَقْرِيبِ التَصَرُّفِ لِلنّاسِ، وفي التَمَتُّعِ في رِزْقِ اللهِ تَعالى، و"النُشُورُ": الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على الجمل السابقة عطف غرض على غرض، وهو انتقال إلى غرض آخر لِمناسبة حكاية أقوالهم في الآخرة بذكر أقوالهم في الدنيا وهي الأقوال التي كانت تصدر منهم بالنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الله يطلعه على أقوالهم فيخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنكم قلتم كذا وكذا، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمعه رب محمد فأنزل الله ﴿ وأسروا قولكم أو اجهروا به ﴾ كذا روي عن ابن عباس.

وصيغة الأمر في ﴿ وأسروا ﴾ و ﴿ اجهروا ﴾ مستعملة في التسوية كقوله تعالى: ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ [الطور: 16]، وهذا غالب أحوال صيغة افعل إذا جاءت معها ﴿ أو ﴾ عاطفة نقيض أحد الفعلين على نقيضه.

فقوله: ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ تعليل للتسوية المستفادة من صيغة الأمر بقرينة المقام وسبب النزول، أي فسواء في علم الله الإِسرار والإِجهار لأن علمه محيط بما يختلج في صدور الناس بَلْهَ ما يسرون به من الكلام، ولذلك جيء بوصف عليم إذ العليم من أمثلة المبالغة وهو القويّ علمُه.

وضمير ﴿ إنه ﴾ عائد إلى الله تعالى المعلوم من المقام، ولا معاد في الكلام يعود إليه الضمير، لأن الاسم الذي في جملة ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ [الملك: 12] لا يكون معاداً لكلام آخر.

و (ذات الصدور) مَا يتردد في النفس من الخواطر والتقادير والنوايا على الأعمال.

وهو مركب من (ذات) التي هي مؤنث (ذُو) بمعنى صاحب، و ﴿ الصدور ﴾ بمعنى العقول وشأن (ذُو) أن يضاف إلى ما فيه رفعة.

وجملة ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ بأن يسأل سائل منهم: كيف يعلم ذات الصدور، والمعروف أن ما في نفس المرء لا يعلمه غير نفسه؟

فأجيبوا بإنكار انتفاء علمه تعالى بما في الصدور فإنه خالق أصحاب تلك الصدور، فكما خلقهم وخلق نفوسهم جعل اتصالاً لتعلق علمه بما يختلج فيها وليس ذلك بأعجب من علم أصحاب الصدور بما يدور في خَلدها، فالإِتيان ب ﴿ مَن ﴾ الموصولة لإِفادة التعليل بالصلة.

فيجوز أن يكون ﴿ مَن خَلَق ﴾ مفعول ﴿ يعلم ﴾ فيكون ﴿ يعلم ﴾ و ﴿ خلَق ﴾ رافعين ضميرين عائديْن إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ ، فيكون ﴿ مَن ﴾ الموصولة صادقة على المخلوقين وحُذف العائد من الصلة لأنه ضمير نصب يكثر حذفه.

والتقدير: من خلقهم.

ويجوز أن يكون ﴿ من خلق ﴾ فاعل ﴿ يعلم ﴾ والمراد الله تعالى، وحُذف مفعول ﴿ يعلم ﴾ لدلالة قوله: ﴿ وأسروا قولَكم أو اجهروا به ﴾ .

والتقدير: ألا يعلم خالقكم سركم وجهركم وهو الموصوف بلطيف خبير.

والعلم يتعلق بذوات الناس وأحوالهم لأن الخلق إيجاد وإيجاد الذوات على نظام مخصوص دالٌ على إرادة ما أودع فيه من النظام وما ينشأ عن قوى ذلك النظام، فالآية دليل على عموم علمه تعالى ولا دلالة فيها على أنه تعالى خالق أفعال العباد للانفكاك الظاهر بين تعلق العلم وتعلق القدرة.

وجملة ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ الأحسن أن تجعل عطفاً على جملة ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ لتفيد تعليماً للناس بأن علم الله محيط بذوات الكائنات وأحوالها فبعد أن أنكر ظنهم انتفاء على الله بما يسرون، أعلمهم أنه يعلم ما هو أعم من ذلك وما هو أخفى من الإِسرار من الأحوال.

و ﴿ اللطيف ﴾ : العالم خبايا الأمور والمدبر لها برفق وحكمة.

و ﴿ الخبير ﴾ : العليم الذي لا تعزب عنه الحوادثُ الخفية التي من شأنها أن يخبر الناس بعضهم بعضاً بحدوثها فلذلك اشتق هذا الوصف من مادة الخبر، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ﴾ في الأنعام (103) وعند قوله: ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ في سورة لقمان (16).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الغَيْبَ اللَّهُ تَعالى ومَلائِكَتُهُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: الجَنَّةُ والنّارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الإسْلامُ لِأنَّهُ يَغِيبُ، قالَهُ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ القَلْبُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

السّادِسُ: أنَّهُ الخَلْوَةُ إذا خَلا بِنَفْسِهِ فَذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغَفَرَ رَبَّهُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ.

الثّانِي: بِخَشْيَةِ رَبِّهِمْ بِالغَيْبِ.

الثّالِثُ: لِأنَّهم حَلُّوا بِاجْتِنابِ الذُّنُوبِ مَحَلَّ المَغْفُورِ لَهُ.

﴿ وَأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنَّهُ العَفْوُ عَنِ العِقابِ ومُضاعَفَةُ الثَّوابِ.

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا ﴾ يَعْنِي مُذَلَّلَةً سَهْلَةً.

حَكى قَتادَةُ عَنْ أبِي الجَلَدِ: أنَّ الأرْضَ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ، فَلِلسُّودانِ اثْنا عَشَرَ [ألْفًا]، ولِلرُّومِ [ثَمانِيَةُ آلافٍ]، ولِلْفُرْسِ ثَلاثَةُ آلافٍ ولِلْعَرَبِ ألْفٌ.

﴿ فامْشُوا في مَناكِبِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في جِبالِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: في أطْرَفاها وفِجاجِها، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: في طَرَفِها.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: في مَنابِتِ زَرْعِها وأشْجارِها، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِمّا أحَلَّهُ لَكم، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: مِمّا أنْبَتَهُ لَكم، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

﴿ وَإلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ أيِ البَعْثُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ سمعوا لها شهيقاً ﴾ قال: صياحاً.

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى قال: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟

قالت: إنه كان يستحي مني فيقول: أرسلوا عبدي قال: وإن العبد ليجر إلى النار فيقول يا رب ما كان هذا الظن بك، قال: فما كان ظنك؟

قال: كان ظني أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، قال: وإن الرجل ليخر إلى النار فتشهق إليه شهيق البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.

وأخرج هناد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وهي تفور ﴾ قال: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: تتفرق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: يفارق بعضها بعضاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول حسان: ألا من مبلغ عني أبياً ** فقد ألقيت في سحق السعير وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فسحقاً لأصحاب السعير ﴾ قال: سحق واد في جهنم.

قوله تعالى: ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ قال: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم رجع إلى خطاب الكفار فقال: ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ قال مقاتل والكلبي: أسروا قولكم في محمد أو اجهروا له بالعداوة وتكلموا علانية (١) ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ بما في القلوب.

قال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله فيخبره جبريل، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمع إله محمد.

فأنزل الله هذه الآية (٢) ثم احتج على ذلك بقوله: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ ، والظاهر أن من خلق هو الله تعالى.

والمعنى: ألا يعلم ما في الصدور من خلقها وخلق القول.

أي خالق الصدور (٣) (٤) (٥) قوله: ﴿ وَهُوَ اَللًطِيفُ ﴾ قال مقاتل: لطف علمه بما في القلوب، ﴿ الْخَبِيرُ ﴾ بما فيها من السر والوسوسة (٦) وتكلم صاحب النظم في هذه الآية فقال: قوله: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ ﴾ استفهام إنكار لما يذهب إليه الكفار والجهال من أنه تخفى عليه الضمائر.

واختلف في قوله (مَنْ)، فزعم بعضهم أنه هو الله جل وعز على تأويل: ألا يعلم الخالق الذي خلق الخلق، فيكون (مَنْ) في موضع رفع.

وزعم غيره أن (مَنْ) في موضع نصب (٧) ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا  ﴾ ، وإذا كان بمعنى (ما) كان اسمًا لما يسر الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، فيكون قد جعل أفعال العباد مخلوقة على تأويل: ألا يعلم الله ما هو خلقه من أفعالهم، وإن كان سرًّا أو إضمارًا فيكون ذلك حجة لمن أثبت القدر، لأنه جعله مخلوقًا (٨) قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ﴾ ، الذلول من كل شيء: المنقاد الذي يذل لك.

ومصدره الذل، وهو الانقياد واللين، ومنه يقال: دابة ذلول (٩) أحدهما: قال ابن عباس: سهل لكم الأرض (١٠) (١١) (١٢) وقال مقاتل: أثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها (١٣) (١٤) قوله: ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾ أمر إباحة.

ومعناه البيان عن كونها ذلولًا.

وفي المناكب قولان: أحدهما: أنها الجبال، وهو قول قتادة والضحاك وابن عباس.

قالوا: جبالها وآكامها (١٥) (١٦) القول (١٧) (١٨) ﴿ مَنَاكِبِهَا ﴾ : جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه (١٩) وذكر أبو إسحاق القولين واختار القول الأول وقال: أشبه التفسير من قال في جبالها؛ لأن قوله: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ﴾ معناه سهل لكم السلوك فيها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ في التذلل (٢٠) قوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾ أي مما خلقه رزقًا لكم في الأرض.

وقال ابن عباس: يريد ما أنبت لكم في السهل والجبل (٢١) ﴿ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ قال مقاتل: وإلى الله تبعثون من قبوركم (٢٢) قال أبو إسحاق: والمعنى أن الذي خلق السموات بلا تفاوت وذلل الأرض قادر أن ينشركم ويبعثكم (٢٣) ثم خوف أهل مكة فقال: ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ قال المفسرون: يعني عقوبة من في السماء وعذاب من في السماء (٢٤) ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ  ﴾ ما يجري فيهما بإذنه وإرادته لا يخفى عليه شيء منه.

لابد أن يكون هذا لاستحالة أن يكون الله تعالى في مكان أو موصوفًا بجهة.

وذهب بعض أهل المعاني إلى أن (٢٥) ﴿ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ هو الملك (٢٦) (٢٧) ﴿ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾ قال ابن عباس: يريد كما تمور السفينة حتى تغرق (٢٨) وقال مقاتل: تدور بكم إلى الأرض السفلى (٢٩) (٣٠) ﴿ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾ وذكرنا تفسير المور فيما تقدم (٣١) ثم زاد في التخويف فقال: ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ﴾ قال ابن عباس: كما أرسل على قوم لوط (٣٢) ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ قيل في النذير هاهنا: أنه المنذر، يعني محمدًا -  -.

وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك (٣٣) (٣٤) (٣٥) و (كيف) في قوله: ﴿ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ ينبئ عما ذكرنا من صدق الرسول أو عقوبة الإنذار.

ثم أخبر عن غيرهم من الكفار بقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد عادًا وثمودًا، وكفار الأمم (٣٦) ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ قال مقاتل: تغييري وإنكاري أليس وجدوا العذاب حقًّا (٣٧) ثم وعظهم ليعتبروا فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ ﴾ ، قال المفسرون: تصف أجنحتها في الهواء.

﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ ، أي: يقبضنها إلى أنفسها بعد الصف.

قال ابن قتيبة: يضربن بها جنوبهن (٣٨) (٣٩) كَأَنَّهُمُ يُشَبَّثُونَ بِطَائِرٍ ...

خَفِيفِ المُشَاشِ عَظْمُهُ غَيْرُ ذي نُحْضِ يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فَهْوُ مُهَابِذٌ ...

يَحُثُّ الجَنَاحَ بالتَّبَسُّطِ والقَبْضِ (٤٠) وعطف قوله: ﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ على ﴿ صَافَّاتٍ ﴾ لأن معناه: وقابضات، وهذا بيان عما يوجبه حال الطير في قبضها وبسطها متصرفة في الهواء من الاعتبار، بتمكينها حتى أمسكت على ثقلها وضخم أبدانها، من الذي أمسكها وسخر لها الهواء؟

وهو معنى قوله: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ﴾ ، أي: في الحالتين، جميعًا.

في حال الصف والقبض، وفي ذلك أكبر الآية، وأوضح العبرة.

وهذا كقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ ﴾ الآية [النحل: 79].

(١) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 213.

(٢) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 157 أ، و"أسباب النزول" للواحدي ص 508، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

قلت: وفي الآية وجه آخر، وهو حملها على العموم، والمراد أن قولكم وعملكم لا يخفى على من يعلم السر وأخفى، فاحذروا من المعاصي.

ويدخل في هذا ما يسره المشركون في أمر النبي -  -، وهذا المعنى هو المعتمد عند ابن جرير، وابن كثير.

انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 5، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 397.

(٣) في (س): (من خلقها وخلق القول.

أي خالق: الصدور) زيادة.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، ونسبه الثعلبي لأهل المعاني.

"الكشف والبيان" 12/ 157 أ، وهذا هو المعتمد عند ابن جرير.

انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 5.

(٥) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 371، و"الكشاف" 4/ 123.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

(٧) وهذا التأويل مردود عند مكي؛ لأنه يخرج الكلام عن عمومه ويدفع عموم الخلق عن الله عز وجل.

انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 746.

قلت: وما ذهب إليه مكي أولى في تفسير كلام الله تعالى، وحيث وجد وجه آخر لتفسير الآية فلا حاجة إلى مثل هذا التأويل، والله أعلم.

(٨) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 746.

قلت: والعلماء من أهل السنة يرون القول الأول، وهو أن يكون (من) فاعلًا مرادًا به الخالق ومفعول العلم محذوف، وكذا مفعول الخلق.

والتقدير: ألا يعلم السر والجهر من خلقهما.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 473، و"دقائق التفسير" 5/ 13، و"الانتصاف بهامش الكشاف" 4/ 123.

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 12، و"مفردات الشراب" (180) (ذل).

(١٠) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 157 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

(١١) في (ك): (على) زيادة.

(١٢) الحزونة: الخشونة، "اللسان" 1/ 627 (حزن).

(١٣) وهو القول الثاني.

انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 215.

(١٤) في (س): (وهو قول الكلبي) زيادة.

(١٥) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 305، و"جامع البيان" 12/ 29/ 5، و"غرائب القرآن" 29/ 9.

(١٦) في (ك): (طرافته).

(١٧) في (ك): (قوله القول).

(١٨) (س): (والكلبي، والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس، وابن قتية) زيادة.

وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير مجاهد" 2/ 685، و"تفسير مقاتل" 161 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 157 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

(١٩) انظر: "معاني القرآن" 3/ 171، و"تفسير غريب القرآن" ص 475.

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 199، و"تهذيب اللغة" 10/ 286، و"اللسان" 3/ 713 (نكب)، وقد وهم ابن منظور -رحمه الله- بنسبة هذا القول للأزهري مع أن الأزهري نص على نسبته لأبي إسحاق.

(٢١) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 371.

(٢٢) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"زاد المسير" 8/ 322.

(٢٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 200.

(٢٤) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

(٢٥) (س): (أن) زيادة.

(٢٦) (س): (الملك) زيادة.

(٢٧) نقل البيهقي عن أحمد بن إسحاق عند هذه الآية قوله: قوله ﴿ فِي السَّمَاءِ ﴾ ، أي: على العرش فوق السماء كما صحت الأخبار عن النبي -  -.

انظر: "الأسماء والصفات" 2/ 324.

وفي 2/ 330 قال: ومعنى قوله في هذه الأخبار ﴿ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ ، أي: فوق السماء على العرش، كما نطق به الكتاب والسنة ..

قلت: وما ذكره الواحدي هنا -غفر الله له- مخالف لما عليه سلف الأمة من إثبات == صفة العلو لله تعالى كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة.

وقد أورد الذهبي -رحمه الله- في كتابه "العلو" أكثر من تسعين حديثًا، وآثارًا كثيرة عن السلف -رحمهم الله-.

والكتاب كله في إثبات هذه الصفة، وجمع ما ورد فيها عن الرسول -  - وما قاله علماء الصحابة ومن بعدهم في هذه الصفة.

وانظر: "الصواعق المرسلة" 4/ 1244، 1295، 1297، 1417، و"روح المعاني" 29/ 15، و"أضواء البيان" 12/ 8/ 407.

(٢٨) لم أجده.

(٢٩) انظر: "تفسير مقاتل" 1462 أ، و"تنوير المقباس" 6/ 109.

(٣٠) في (ك): (تحوط بكم).

وانظر: "الكشف والبيان" 12/ 158 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.

(٣١) المور: التحرك والاضطراب.

مار الشيء يمور مورًا: أي تحرك وجاء وذهب كما تتكفأ النخلة العيدانة.

وهي أطول ما يكون من النخل، ولا تكون عيدانة حتى يسقط كربها كله، ويصير جذعها أجرد من أعلاه إلى أسفله.

انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 297، و"اللسان" 3/ 548 (مور)، 2/ 939 (عيد).

(٣٢) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"التفسير الكبير" 30/ 70.

(٣٣) في (س): (والضحاك) زيادة.

وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 70، و"غرائب القرآن" 29/ 9.

(٣٤) في (ك): (وصدقه إلى حين)، والصواب ما أثبته.

(٣٥) انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 6، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 398.

(٣٦) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"زاد المسير" 8/ 322، و"التفسير الكبير" 30/ 71.

(٣٧) انظر: "تفسير مقاتل" 162 أ.

(٣٨) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 475.

(٣٩) في (س): (قول أبي خراش) زيادة.

(٤٠) انظر: "ديوان الهذليين" 2/ 159 و"الحماسه" لأبي تمام 1/ 386، و"الإنصاف" لابن الأنباري ص 390، و"تهذيب اللغة" 6/ 276، و"اللسان" 3/ 761 (هبذ)، و"الخزانة" 5/ 419.

والنحض: اللحم، والقطعة الضخمة منه تسمى نحضة، والمنحوض والنحيض: الذي ذهب لحمه.

والمهابذة: الإسراع.

وهابذ: أسرع في مشيته أو طيرانه، والمشاش: رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين.

انظر: "اللسان" 3/ 488، 597، 761 (مشش، نحض، هبذ).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بالغيب ﴾ فيه قولان أحدهما: أن معناه وهم غائبون عن الناس، ففي ذلك وصف لهم بالإخلاص والآخر أن الغيب ما غاب عنهم من أمور الآخرة وغيرها.

على أن هذا القول إنما يحسن في قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ [البقرة: 3].

﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ ﴾ المعنى سواء جهرتم أو أسررتم، فإن الله يعلم الجهر والسر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ من تفوّت ﴾ من التفعل: حمزة وعلي ﴿ هل ترى ﴾ بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام ﴿ ولقد زينا ﴾ مثل ﴿ لقد سمع ﴾ : ابن فليح ﴿ فسحقا ﴾ بالضم: يزيد وعلي الآخرون: بالسكون ﴿ أءمنتم ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر.

والباقون ﴿ ءأمنتم ﴾ بتوسيط ألف بين الهمزتين ﴿ نذيري ﴾ ﴿ ونكيري ﴾ كنظائرهما.

﴿ سيئت ﴾ مثل ضربت: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

﴿ يدعون ﴾ بسكون الدال: يعقوب.

﴿ أهلكني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة ﴿ معي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد ﴿ فسيعلمون ﴾ على الغيبة: علي.

الوقوف ﴿ الملك ﴾ ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقدم الظرف في الأولى ﴿ قدير ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ عملاً ﴾ ه ﴿ الغفور ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل ﴿ طباقاً ﴾ ط ﴿ تفاوت ﴾ ط ﴿ البصر ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر ﴿ فطور ﴾ ه ﴿ حسير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تفور ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل ﴿ الغيظ ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ يذنبهم ﴾ ج لابتداء الشتم مع الفاء ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ أو اجهروا به ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ خلق ﴾ ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالاً.

﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من رزقه ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ هي تمور ﴾ ه لا لأن أم معادل ﴿ أم أمنتم ﴾ ﴿ حاصبا ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ ويقبض ﴾ م ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ غرور ﴾ ه ﴿ رزقه ﴾ ط ﴿ ونفور ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ص ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ رحمنا ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج ومن قرأ ﴿ فسيعلمون ﴾ بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ معين ﴾ ه.

التفسير: كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ وهو على ﴾ إيجاد ﴿ كل ﴾ ممكن وإعدامه ﴿ قدير ﴾ بيانه أنه ﴿ خلق الموت والحياة ﴾ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك.

فالموت نظير الإعدام والحياة مثلا الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.

وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا يكون جوهراً.

أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى.

قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم.

زعم الكلبي أنه  قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد.

وقالت الأشاعرة: إنه قادر على القبيلين وإلا لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه.

ومعنى الغاية في قوله ﴿ ليبلوكم ﴾ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعياً إلى جسن العمل وزاجراً عن ضده.

وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة.

عن النبي  أنه تلاها فلما بلغ قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله.

وعنه  أنه قال لقومه " لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى" والابتلاء مجاز كما مر في قوله ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ﴾ وفي الكهف قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ مفعول ثاني ﴿ ليبلوكم ﴾ على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ﴿ الغفور ﴾ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما ﴿ الذي خلق سبع سموات طباقاً ﴾ أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا طار طارقها.

ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ أو تفوّت قال الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله  أو لكل راءٍ.

والأصل ما ترى فيهن فعدل إلى العبارة الموجودة تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على أنه سبب تناسبهن كقوله " خلق الرحمن ".

فلو علم للمكلفين أنفع من هذا الخلق لفعل.

وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ أي صدوع وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول " ق " ﴿ وما لها من فروج  ﴾ وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى ﴿ خاسئاً ﴾ بعيداً عن إصابة الملمس، قوله ﴿ ولقد زينا ﴾ قد مر تفسيره في " حم السجدة ".

والرجوم جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به.

وقيل: معناه جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم.

وحين بين أنه أعد لهؤلاء عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله ﴿ وللذين كفروا ﴾ الآية.

ثم وصف جهنم بصفات منمها أن ﴿ لها شهيقاً ﴾ تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بصوت الحمار.

ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو من أنفسهم ومنها الفوران.

قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل.

وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.

ويجوز أن يكون من فور الغضب يؤيده قوله ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ يقال فلان يتميز غيظاً وغضباً فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم حجماً ومقداراً فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله ﴿ كلما ألقي ﴾ الآية.

على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه  حكى عن كل من ألقي فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود الشرع.

احتجوا بأنه  ما عذبهم إلا بعد مجيء النذير.

ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة ﴿ لو كنا نسمع ﴾ الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر ﴿ ما كنا في أصحاب السعير ﴾ وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه  جعل مناط الفوز السمع ولم يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم.

احتج بأنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي.

وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع قول الرسول ثم يتفكر فيه.

قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أوعلى مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة.

قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن , وأيضاً لا يلزم من كونهما ناجمين كون غيرهما من أهل الوعيد.

وأيضاً على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل النجاة قطعاً فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلاً عن حادي عشر فيكون دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب.

والفاء في قوله ﴿ فاعترفوا ﴾ للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا ﴿ بذنبهم ﴾ قال مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل.

قال الفراء: الذنب ههنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.

ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلاً فيه ﴿ فسحقاً ﴾ أي فبعداً لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا.

والتخفيف والتثقيل لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقاً.

وقال أبو علي: إسحاقاً إلا أن المصدر جاء على الحذف كقولهم " عمرك الله " ثم أتبهم الوعيد الوعد قائلاً ﴿ إن الذين ﴾ الآية.

وقد مر مراراً.

ثم هدد على العموم فقال ﴿ وأسروا ﴾ وهو من التسرية وعلل ذلك بقوله ﴿ أنه عليم بذات الصدور ﴾ قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله الآية بياناً لجهلهم.

ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلاً ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ ومحل " من " رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته من خلقه، وجوز أن يكون " من " بمعنى " ما " ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله  .

وقد يستدل بالوجهين الأولين أيضاً على ذلك لأن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها بناء على الآية.

ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل من أفعاله.

وأنكر في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقادير كون " من " مرفوع المحل نحو " فلان يعطي " قال: لأن قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله ﴿ وهو اللطيف ﴾ حال فممنوع ولم لا يجوز أن يكون مستأنفاً، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقدير كون " من " مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور.

وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة.

قوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ﴾ قال أهل النظم: وجه التعلق أنه  وتعالى قال: أيها الكافرون أنا عالم بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المناقد الذي يذل لك، ومن ذلها أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء عند المركز.

قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا كان هذا الموضع ذلولاً فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة فغيرها أولى.

قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل جانباه فيكون كقوله ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً  ﴾ ﴿ وكلوا من رزقه ﴾ الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة.

ثم قال ﴿ وإليه النشور ﴾ يعني ينبغي أن يكون مشيكم في الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، والمراد التحذير من المعاصي سراً وجهراً.

ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، واستدلال المشبهة بقوله ﴿ من في السماء ﴾ ظاهر.

وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم ﴿ أأمنتم من ﴾ تزعمون أنه ﴿ في السماء ﴾ ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من السماء ملكوته أو سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء.

ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في اضطراب وقد مر في " الطور".

والحاصل ريح فيها حصباء وقد مر أيضاً.

ثم هدد وأوعد قائلاً ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ قال عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمداً  والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك.

وقيل: بمعنى الإنذار أي عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة.

قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر.

وقال الواحدي: أراد إنكاري وتغييري.

ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول ﴿ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ أي باسطات أجنحتهن لأنهم إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً.

قال أهل المعاني: وإنما قيل ﴿ ويقبضن ﴾ دون " قابضات " على نحو " صافات " لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارىء على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح.

وإنما قال في " النحل " ﴿ ما يمسكهن إلا الله  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن ﴾ لأن التسخير في جو السماء محض الآلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.

﴿ إنه بكل شيء بصير ﴾ فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب.

قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله  ، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها وقد أضافه الله  إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة من جهة الإخوان والأعوان.

والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله الأول بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي ﴿ هو جند لكم ﴾ هو ﴿ ينصركم من دون الرحمن ﴾ إن أرسل عذابه عليكم ﴿ إن الكافرون إلا في غرور ﴾ من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم, وأبطل الثاني بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يشار إليه هذا الذي ﴿ يرزقكم ﴾ بزعمكم ﴿ إن أمسك ﴾ الله ﴿ رزقه ﴾ بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم ﴿ بل لجوا في عتو ﴾ وتباعد عن الحق ﴿ ونفور ﴾ عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني إشارة إلى فساد القوة النظرية.

ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلاً ﴿ أفمن يمشي مكباً ﴾ قال الواحدي " أكب " مطاوع " كب".

وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن مطاوع " كب " هو " انكب" ومثله " قشعت الريح السحاب فانقشع " وأما الهمزة في " أكب " و " أقشع " فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو العالم والجاهل.

وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة.

ومنهم من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي  وقال عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب.

وعن عكرمة: أبو جهل وعمار بن ياسر.

والأصح التعميم وإن كان السبب خاصاً.البرهان الثاني ابتداء خلق الإنسان وتبيين جوارحه.

وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ إشارة إلى أنه أعطاهم هذه القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله.

البرهان الثالث ذرء الناس ونشرهم ﴿ في الأرض ﴾ ثم أشار إلى المعاد بقوله ﴿ وإليه تحشرون ﴾ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة " المؤمنين".

وحين أمر نبيه  أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم طالبوه بتعيين الوقت.

قال أبو مسلم: المراد كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ يعني العذاب النازل بعاد وثمود وغيرهما لقوله بعد ذلك ﴿ فلما رأوه ﴾ ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد بالقيامة كان قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ من قبيل ﴿ وسيق  ﴾ وأجابهم الله بقوله ﴿ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ﴾ العلم بوقوعه حاصل عندي وكان كافياً الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حجة في النذارة إلى ذلك.

والضمير في ﴿ رأوه ﴾ للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة القرب.

قال الحسن: أراد عياناً لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة.

وقال في الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكاناً ذا زلفة.

قوله ﴿ سيئت ﴾ قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى القتل.

وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازماً ومتعدياً بمعنى القبح أو التقبيح.

قوله ﴿ وقيل هذا الذي ﴾ الأكثرون على أن القائلين هم الزبانية.

وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض.

و ﴿ تدعون ﴾ تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ بالتخفيف.

وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه مدعين.

وقيل: استفهام على سبل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه تدعون عدمه.

يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول  وعلى المؤمنين.

بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب الأول.

﴿ قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ﴾ كما تتمنون فنقلب إلى الجنة ﴿ أو رحمنا ﴾ بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو ﴿ فمن يجير الكافرين من عذاب ﴾ النار فنحن متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟

وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟

وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص للكافرين؟

وإن رحمنا لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟

النوع الثاني في الجواب ﴿ قل هو الرحمن آمنا به ﴾ ولم نكفر كما كفرتم ﴿ وعليه ﴾ خاصة ﴿ توكلنا ﴾ لا على غيره، وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟

ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً ﴾ أي غائراً مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة.

عن الكلبي: لا تناله الدلاء.

والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا الخلاف في اشتقاقه في " الصافات ".

يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز.

قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ فالمصير: هو الطريق، أي: فبئس الطريق طريق من سلكه أفضى به إلى عذاب السعير].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً ﴾ .

الشهيق: هو الصوت المنكر.

ثم من الناس من يقول: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ ، أي: لجهنم.

ومنهم من جعل الشهيق من أهلها، وقد يجوز أن يذكر المكان والمراد منه الأهل؛ كما قال: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا  ﴾ ، وكلا الأمرين يحتمل عندنا، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ لأن الصوت المنكر أمر ظاهر ممن لا يعقل الصوت كهو [من الذي يعقل]، فليس الذي يعقل الصوت أولى أن يجعل الفعل له من الذي لا يعقل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

أي: تغلي، ثم النار بنفسها لا تغلي، وإنما تغلي بالذي يجعل فيها؛ ففيه أن طعامهم وشرابهم في النار النار [فيغلي النار بطعامهم وشرابهم].

وقوله: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

فجائز أن يكون [هذا] كناية عن الخزنة.

وجائز أن يكون هذا وصف النار، ولله  أن يجعل في جهنم، وفيما شاء من الأموات ما يعرف به عظمته وجلاله، فيغضب له على أعدائه غضبا يكاد أن ينقطع في نفسه؛ ويسلم لأوليائه.

ثم في ذكر غضبها تذكير أن من حق الله  على أوليائه أن يغضبوا له على أعدائه غضب جهنم عليهم، بل جهنم أبعد عن أن تمتحن بذلك منا، ثم هي بلغت من الغضب على أعداء الله  مبلغا كادت تتقطع بنفسها، فالأولياء أحق أن يوجد منهم هذا الوصف، وقد مدح الله  الذين مع رسول الله  ؛ لما [وجد] فيهم من الشدة على الأعداء، وذلك قوله -  : ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ  ﴾ ، وقال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وهكذا الحق على كل مؤمن أن يكون على هذا الوصف.

وفيه حكمة أخرى: وهي أنه ذكر شدة النار على أهلها؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ \[ينذركم لقاء يومكم هذا\] ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ .

وهذا هو إخبار عن نهاية أمرهم وآخر شأنهم؛ وذلك أنهم فزعوا في الآخرة إلى اليمين بالكذب، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة كما كانت تنفعهم في الدنيا، فلما ألقوا فيها، أيقنوا أن أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب؛ ففزعوا إلى الاعتراف والصدق؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فقالوا: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ ينذرنا عن لقاء هذا اليوم، ﴿ فَكَذَّبْنَا ﴾ بالذي كان ينذرنا النذر، وقلنا: ﴿ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ مما تنذروننا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .

فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة، أو هذا خطاب في الدنيا ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ .

ففي قوله: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ اعتراف منهم بأنهم قد سمعوا وعقلوا، فقوله: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ ، ليس هو على نفي السمع والعقل؛ إذ قد أقروا أنهم سمعوا وعقلوا، وإنما هو على نفي الانتفاع بما سمعوا وعقلوا؛ لأن الانتفاع بالمسموع هو الإجابة لما سمع، والانتفاع بالعقل أن يقوم بوفاء ما عقل، وهم لم يجيبوا لما سمعوا، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا.

وقال بعضهم: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾ : في الدنيا كما نسمع الآن، أو كنا نعقل كما نعقل الآن ﴿ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

وهذا غير مستقيم؛ لأن تلك الدار ليست بدار إسماع وإفهام، وإنما المعنى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

أي: بعدا، على معنى الدعاء عليهم.

وقيل: السحق: واد في جهنم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

يحتمل: أي: الذين يخشون عذاب ربهم والعذاب عنهم غائب، فأهل الإسلام يخشون عذاب الله وهو غائب عنهم، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: يخشون الله -  - أن يعذبهم.

أو أن يخشوه فيما أوعدهم.

ثم الأصل: أن ما من مؤمن بالبعث - سوى المعتزلة - إلا وهو يخشى الله  ، لكنهم يتفاوتون في الخشية.

ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف، ليس كالأمن والإياس الذي لا يقتضي كل واحد منهما إلا وجها واحداً، وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا، فكل مؤمن يخاف عذاب الله  ؛ لما رأى من كثرة نعم الله  وغفلته عن حقوق تلك النعم؛ لأن من حقها أن يشكر الله  عليها، وقد عرف كل [مؤمن تقصيره] في أداء الشكر وتفريطه في قضاء الحقوق؛ فيرجو رحمته، لما عرف من سعة رحمته، وعرفه متفضلاً عفوّاً غفورا، لكن فيهم تفاوت في الخشية والرهبة: فمن كان أذكر لغفلته، فهو لعقوبته أكثر خشية، ومن كان أقل ذكراً لغفلته فهو أقل خشية؛ فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعاً ويتيقنون بحلوله، لكنم يتفاوتون في ذلك: فمن كان له أكثر ذكرا، كان أبلغ في التيقظ، وأكثر رهبة، ومن كان أغفل عن ذكره فهو له أقل رهبة.

ولقائل أن يقول: كيف جعلتم كل مؤمن خائفاً راجياً، والراجي: هو الذي يطلب، والخائف: هو الذي يهرب، فكل من رجا شيئاً يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال وأسباب، فهو يقوم بتلك الأعمال، بغاية ما يحمله وسعه؛ ليصل إلى مأموله، وإذا لم يقم بها لم يكن راجيا في الحقيقة، بل كان متمنيا، وكذلك من خاف حقيقة الخوف، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب؛ فهو يهرب مما يخافه أشد الهرب.

ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ الآمال، ولا يهربون مما يخافون منه أشد الهرب وغاية الخوف، فكيف وصفتم كل مؤمن بالخوف والرجاء وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف؟!

واستدل على صحة ما ذكر بقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فالراجي لرحمة الله من دأب في طاعته، وقال -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 60\]، فقيل: يا رسول الله، هم الذين يزنون ويسرقون؟!

فقال: "بل هم الذين يصومون ويصلون وقلوبهم وجلة" ، وقال -  -: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  ﴾ .

فجوابه: أن المؤمن ليس يرى كل خلاصه من العذاب وأمنه من العقاب بعمله حتى إذا وجد التقصير في العمل أظهر ذلك المعنى فساد الرجاء والخوف، وإنما يتوقع خلاصه بتوفيق الله وعفوه، ويرجو رحمته؛ بكرمه وجوده؛ لذلك لم يوجب التقصير في العمل إبطال الرجاء والخوف، وهذا إذا كان غير معتزلي المذهب ولم يكن من الخوارج، فأما إذا كان الراجي والخائف أحد هذين؛ فتقصيره في العمل يدل على فساد الرجاء والخوف؛ لأن كل واحد منهما ليس يرى لنفسه شفيعا إلا عمله، به ينجو وبه يهلك، فإذا لم يبالغ في الطلب من جهة العمل، ولم يبالغ في الهرب من الخوف بالعمل - ظهر أنه ليس براجٍ ولكنه متمنٍّ، وتبين أنه غير خائف في الحقيقة.

ثم المعتزلة لا يخافون الله  ولا يرجون رحمته في الحقيقة؛ لأنهم يزعمون أن العبد إذا ارتكب الكبيرة، فليس لله -  - ألا يعذبه عليها وأن يغفرها له، وإذا اجتنب الكبيرة استوجب المغفرة وإن ارتكب الصغائر، وليس لله -  - أن يعذبه عليها، والقائل بهذا غير راج لرحمة الله  ، ولا خائف من عذابه، وإنما يقع الخوف والرجاء من عند نفسه؛ لأن الزلة التي استوجب بها العذاب فهو الذي اكتسبها، ولو لم يعملها، لم يعذب، وفاز بالنجاة؛ فصار رجاؤه وخلاصه بعمله، لا برحمة الله  وفضله، ولا بذلك وصف الله  المؤمنين في كتابه، ولأن الله  أثنى على الذين يدعونه؛ خوفا وطمعا ورغبا ورهبا، وعلى قول أهل الاعتزال لا يدعو أحد ربه على الرغبة والرهبة والخوف والطمع؛ لأن الداعي إن كان صاحب كبيرة فهو فيما يدعو الله  ؛ ليغفر له، إنما يدعو ليجور عليه؛ إذ لا يسعه أن يغفر له ولا يعذب عليه، فدعاؤه بالمغفرة معناه يقتضي أن جُرْ عليَّ، وذلك عظيم، وإن كان صاحب صغيرة فهو فيما يطلب المغفرة منه -  - يسأله ألا يجور عليه؛ لأنه ليس له أن يعذب على الصغائر على مذهبه ولو عذب صار به جائراً، فإذا خاف عذابه حتى إذا فزع إلى الدعاء، فقد خاف جوره، ومن لم يأمن من ربه الجور بل خاف ذلك منه، فهو لم يعرف ربه حقيقة المعرفة؛ وكذلك من دعا الله  ؛ ليجور عليه، فقد دعا إلى أن يسفه، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها؛ فثبت أن الداعي على الرغبة والرهبة غير ممدوح عنده، ولا هو ممن يستحق الثناء عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ .

أي: من يرجو الله  ويخافه، فله مغفرة لذنوبه، وأجر كبير، وهو الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

فهذه الآية كأنها في إلزام الوعيد؛ يقول: إنه عالم بالأنفس التي فيها الصدور بما يضمرون فيها، وما يودعون، وما يكتمون، وما يخبرون عما أودعوا فيها ويظهرون.

والصدر: هو ساحة القلب، سميت صدرا؛ لأن الآراء تصدر عنها؛ فهو عالم بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم، وعالم بما يضمر فيها من الأسرار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ .

تأويله عند أهل الإسلام: ألا يعلم من خلق ما أسروا أو جهروا، و (من) راجع إلى الله  دون الخلق، كأنه يقول: ألا يعلم الخالق ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ ، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر؛ فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد.

وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم: إن حرف ﴿ مَنْ ﴾ لا يرجع إلى الله  ، وإنما يرجع إلى الخلق؛ فكأنه يقول: ألا يعلم الله من خلق؛ على إضمار اسم الله  فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال؛ لأن حرف ﴿ مَنْ ﴾ يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال.

وذلك فاسد؛ لأن الآية في موضع الوعيد، ولو كان قوله: ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ راجعا إلى الأنفس، لزال موضع الوعيد؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم بأفعال وجدت منهم، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال؛ ولأنه لو لم يكن الله  خالقا لما يهجر به العبد ولما يخفيه لم يكن ليحتح به على عمله؛ إذ قد يجوز جواز الجهل من غير الذي يفعله؛ فلا يجوز أن يحتج عليهم بفعل غيره؛ ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس إثبات العلم بما أسروا أو جهروا، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان إيجاب الخلق لأفعالهم، ومعلوم بأن الآية في تحقيق العلم بما أسروا أو جهروا؛ لأن قوله: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ مذكور على أثر قوله: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ أي: عليم بما تسرون وما تجهرون؛ فثبت أن الخلق راجع إلى ما أسروا أو جهروا، ثم إن الناس على اختلافهم اتفقوا أن كل واقع بالطبع والضرورة مخلوق لله  ، وإنما اختلفوا في الفعل الواقع بكسب العبد: فمنهم من أثبت فيه الخلق وهو قول أهل الهدى، ومنهم من أبى القول بخلقه.

ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في العمل الذي جعل في طبع اليد احتمال ذلك العمل، ولا يتهيأ له أن يستعمله في الوجه الذي لم يجعل في طبعها احتمال ذلك؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه، أو يسمع بهما لم يملك ذلك؛ فثبت أنه ملك استعمالهما في القبض والبسط، والأخذ والتسليم؛ بما جعل في طبعهما احتمال ذلك، وإذا كان كذلك، فقد ثبت الخلق فيما يعمل بيديه وفيما يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .

في تدبيره؛ إذ دبر لسان الإنسان على ما إذا استعمله يخرج منه الكلام، وإذا أراد [أحد] أن يتعرف المعنى الذي به صلح للنطق، لم يقف عليه، ودبر قلبه على أن يصور ما يقع فيه من الخيال، فيؤديه بلسانه، ودبره على وجه يصلح أن يدع الأسرار والودائع من وجه لو أراد الخلائق أن يتعرفوا الوجه الذي صلح القلب أن يكون مصورا وحافظا ومعدنا للأسرار، لم يقفوا عليه.

وقيل: اللطيف: هو الذي لا يعزب عنه علم ما جل ودق.

وقيل: اللطيف بعباده في الإحسان إليهم والإنعام عليهم، الخبير بما فيه مصالحهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأخفوا -أيها الناس- كلامكم أو أعلنوه، فالله يعلمه، إنه سبحانه عليم بما في قلوب عباده، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.g1BWn"

مزيد من التفاسير لسورة الملك

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد