الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ٢٠ من سورة الملك
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 44 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٠ من سورة الملك من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا غيره ، يبتغون عندهم نصرا ورزقا ، منكرا عليهم فيما اعتقدوه ، ومخبرا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه ، فقال : ( أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن ) أي : ليس لكم من دونه من ولي ولا واق ، ولا ناصر لكم غيره ; ولهذا قال : ( إن الكافرون إلا في غرور )
يقول تعالى ذكره: ولقد كذّب الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأمم الخالية رسلهم.(فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ) يقول: فكيف كان نكيري تكذيبهم إياهم (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ ) يقول: أولم ير هؤلاء المشركون إلى الطير فوقهم صافات أجنحتهنّ(وَيَقْبِضْنَ ) يقول: ويقبضن أجنحتهنّ أحيانا.
وإنما عُنِي بذلك أنها تصُفُّ أجنحتها أحيانا، وتقبض أحيانا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، مقال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (صَافَّاتٍ ) قال: الطير يصفّ جناحه كما رأيت، ثم يقبضه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ) بسطهنّ أجنحتهنّ وقبضهنّ.
وقوله: (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ ) يقول: ما يمسك الطير الصافات فوقكم إلا الرحمن.
يقول: فلهم بذلك مذكر إن ذكروا، ومعتبر إن اعتبروا، يعلمون به أن ربهم واحد لا شريك له (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ) يقول: إن الله بكل شيء ذو بصر وخبرة، لا يدخل تدبيره خلل، ولا يرى في خلقه تفاوت.
قوله تعالى : أم من هذا الذي هو جند لكم قال ابن عباس : حزب ومنعة لكم .ينصركم من دون الرحمن فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه .
ولفظ الجند يوحد ; ولهذا قال : هذا الذي هو جند لكم وهو استفهام إنكار ; أي لا جند لكم يدفع عنكم عذاب الله من دون الرحمن أي من سوى الرحمن .إن الكافرون إلا في غرور من الشياطين ; تغرهم بأن لا عذاب ولا حساب .
يقول تعالى للعتاة النافرين عن أمره، المعرضين عن الحق: { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ } أي: ينصركم إذا أراد بكم الرحمن سوءًا، فيدفعه عنكم؟
أي: من الذي ينصركم على أعدائكم غير الرحمن؟
فإنه تعالى هو الناصر المعز المذل، وغيره من الخلق، لو اجتمعوا على نصر عبد، لم ينفعوه مثقال ذرة، على أي عدو كان، فاستمرار الكافرين على كفرهم، بعد أن علموا أنه لا ينصرهم أحد من دون الرحمن، غرور وسفه.
( أمن هذا الذي هو جند لكم ) استفهام إنكار .
قال ابن عباس : أي منعة لكم ( ينصركم من دون الرحمن ) يمنعكم من عذابه ويدفع عنكم ما أراد بكم .
( إن الكافرون إلا في غرور ) أي في غرور من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم .
«أمَّن» مبتدأ «هذا» خبره «الذي» بدل من هذا «هو جند» أعوان «لكم» صلة الذي «ينصركم» صفة الجند «من دون الرحمن» أي غيره يدفع عنكم عذابه، أي لا ناصر لكم «إن» ما «الكافرون إلا في غرور» غرهم الشيطان بأن العذاب لا ينزل بهم.
أغَفَل هؤلاء الكافرون، ولم ينظروا إلى الطير فوقهم، باسطات أجنحتها عند طيرانها في الهواء، ويضممنها إلى جُنوبها أحيانًا؟
ما يحفظها من الوقوع عند ذلك إلا الرحمن.
إنه بكل شيء بصير لا يُرى في خلقه نقص ولا تفاوت.
بل مَن هذا الذي هو في زعمكم- أيها الكافرون- حزب لكم ينصركم من غير الرحمن، إن أراد بكم سوءًا؟
ما الكافرون في زعمهم هذا إلا في خداع وضلال من الشيطان.
بل مَن هذا الرازق المزعوم الذي يرزقكم إن أمسك الله رزقه ومنعه عنكم؟
بل استمر الكافرون في طغيانهم وضلالهم في معاندة واستكبار ونفور عن الحق، لا يسمعون له، ولا يتبعونه.
ثم لفت أنظارهم للمرة الثانية إلى قوة بأسه ، ونفاذ إرادته ، وعدم وجود من يأخذ بيدهم إذا ما أنزل بهم عقابه فقال : ( أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمن ) .والاستفهام للتحدى والتعجيز ، و ( أم ) منقطعة بمعنى بل ، فهى للإِضراب الانتقالى من غرض إلى آخر ، ومن حجة إلى أخرى .و ( من ) اسم استفهام مبتدأ ، وخبره اسم الإِشارة ، وما بعده صفته .والمراد بالجند : الجنود الذين يهرعون لنصرة من يحتاج إلى نصرتهم .
ولفظ ( دُونِ ) أصله ظرف للمكان الأسل .
.
ويطلق على الشئ المغاير ، فيكون بمعنى غير كما هنا ، والمقصود بالآية تحقير شأن هؤلاء الجند ، والتهوين من شأنهم .والمعنى : بل أخبرونى - أيها المشركون - بعد أن ثبتت غفلتكم وعدم تفكيركم تفكيرا ينفعكم ، من هذا الحقير الذى تستعينون به فى نصركم ودفع الضر عنكم ، متجاوزين فى ذلك إرادة الرحمن ومشيئته ونصره .
أو من هذا الذى ينصركم نصرا كائنا غير نصرا الرحمن ، أو من ينصركم من عذاب كائن من عنده - تعالى - .والجواب الذى لا تستطيعون جوابا سواه : هو أنه لا ناصر لكم يستطيع أن ينصركم من دون الله - تعالى - ، كما قال - سبحانه - ( وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ .
.
.
) وكما قال - عز وجل - : ( مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ) وقوله - سبحانه - : ( إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ ) كلام معترض بين ما قبله وما بعده ، لبيان حالهم القبيح وواقعهم المنكر .
اعلم أن الكافرين كانوا يمتنعون عن الإيمان، ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان تعويلهم على شيئين أحدهما: القوة التي كانت حاصلة لهم بسبب مالهم وجندهم والثاني: أنهم كانوا يقولون: هذه الأوثان، توصل إلينا جميع الخيرات، وتدفع عنا كل الآفات وقد أبطل الله عليهم كل واحد من هذين الوجهين، أما الأول فبقوله: ﴿ أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ الرحمن ﴾ وهذا نسق على قوله: ﴿ أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِي السماء ﴾ والمعنى أم من يشار إليه من المجموع، ويقال: هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الله إن أرسل عذابه عليكم، ثم قال: ﴿ إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ ﴾ أي من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّن فِي السمآء ﴾ فيه وجهان: أحدهما من ملكوته في السماء؛ لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه.
والثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، وأنّ الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو بحاصب، كما تقول لبعض المشبهة: أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل، إذا رأيته يركب بعض المعاصي ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ قرئ: بالتاء والياء ﴿ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم ﴿ صافات ﴾ باسطات أجنحتهنّ في الجوّ عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً ﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن.
فإن قلت: لم قيل: ويقبضن، ولم يقل: وقابضات؟
قلت: لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة؛ لأنّ الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مدّ الأطراف وبسطها.
وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن ﴾ بقدرته وبما دبر لهن من القوادم والخوافي، وبني الأجسام على شكل وخصائص قد تأتى منها الجري في الجو ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء بَصِيرٌ ﴾ يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ العَذابِ، وهو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَهْدِيدٌ لِقَوْمِهِ المُشْرِكِينَ.
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ﴾ باسِطاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها، فَإنَّهُنَّ إذا بَسَطْنَها صَفَفْنَ قَوادِمَها.
﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جَنُوبَهُنَّ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ لِلِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى التَّحْرِيكِ، ولِذَلِكَ عَدَلَ بِهِ إلى صِيغَةِ الفِعْلِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأصْلِ في الطَّيَرانِ والطّارِئِ عَلَيْهِ.
﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ ﴾ في الجَوِّ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ.
﴿ إلا الرَّحْمَنُ ﴾ الشّامِلُ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ بِأنْ خَلَقَهُنَّ عَلى أشْكالِ وخَصائِصِ هَيْأتِهِنَّ لِلْجَرْيِ في الهَواءِ.
﴿ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ يَعْلَمُ كَيْفَ يَخْلُقُ الغَرائِبَ ويُدَبِّرُ العَجائِبَ.
<div class="verse-tafsir"
{أمن} مبتدأ خبره {هذا} ويدل من هذا {الذى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ} ومحل {ينصركم من دون الرحمن} رفع نعت لجند محمول على اللفظ والمعنى من المشار إليه بالنصر غير الله تعالى {إِنِ الكافرون إِلاَّ في غرور} أي ماهم إلا في غرور
﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ عِنْدَ كَثِيرٍ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ ﴾ فَقالَ في الإرْشادِ هو تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم ناصِرٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى كَما يَلُوحُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ما ﴿ يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَّحْمَنُ ﴾ أوْ ناصِرٌ مِن عَذابِهِ تَعالى كَما هو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ أنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا ﴾ في المَعْنَيَيْنِ مَعًا خَلا أنَّ الِاسْتِفْهامَ هُناكَ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْسِ المانِعِ وتَحَقُّقُهُ هُنا مُتَوَجِّهٌ إلى تَعْيِينِ النّاصِرِ لِتَبْكِيَتِهِمْ بِإظْهارِ عَجْزِهِمْ عَنْ تَعْيِينِهِ و(أمْ مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ التَّأمُّلِ فِيما يُشاهِدُونَهُ مِن أحْوالِ الطَّيْرِ المُنْبِئَةِ عَنْ تَعاجِيبِ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى التَّبْكِيتِ بِما ذَكَرَ والِالتِفاتُ لِلتَّشْدِيدِ في ذَلِكَ، ولا سَبِيلَ إلى تَقْدِيرِ الهَمْزَةِ مَعَها لِأنَّ بَعْدَها مَنِ الِاسْتِفْهامِيَّةَ والِاسْتِفْهامُ لا يَدْخُلُ عَلى الِاسْتِفْهامِ في المَعْرُوفِ عِنْدَهم وهي مُبْتَدَأٌ وهَذا خَبَرُهُ وفي المَوْصُولِ هُنا الِاحْتِمالاتُ المَشْهُورَةُ في مِثْلِهِ.
وجُمْلَةُ ( يَنْصُرُكم ) صِفَةٌ لِجُنْدٍ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ ( ومِن دُونِ الرَّحْمَنِ ) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يَنْصُرُكُمْ ﴾ أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرِهِ وعَلى الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِيَنْصُرُكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللَّهِ ﴾ فالمَعْنى مَن هَذا الحَقِيرُ الَّذِي هو في زَعْمِكم جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مُتَجاوِزًا نَصْرَ الرَّحْمَنِ أوْ يَنْصُرُكم نَصْرًا كائِنًا مَن دُونِ نَصْرِهِ تَعالى أوْ يَنْصُرُكم مِن عَذابٍ كائِنٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ناعٍ عَلَيْهِمْ ما هم فِيهِ مِن غايَةِ الضَّلالِ أيْ ما هم في زَعْمِهِمْ أنَّهم مَحْفُوظُونَ مِنَ النَّوائِبِ بِحِفْظِ آلِهَتِهِمْ لا بِحِفْظِهِ تَعالى فَقَطْ، وأنَّ آلِهَتَهم تَحَفُّظُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى إلّا في غُرُورٍ عَظِيمٍ وضَلالٍ فاحِشٍ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ لَيْسَ لَهم في ذَلِكَ شَيْءٌ يُعْتَدُّ بِهِ في الجُمْلَةِ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ حالِهِمُ الإعْراضَ عَنْهم وبَيانِ قَبائِحِهِمْ لِلْغَيْرِ والإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ وتَعْلِيلِ غُرُورِهِمْ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعني: يخافون الله تعالى ويخافون عذابه، الذي هو بِالْغَيْبِ، فهو عذاب يوم القيامة.
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يعني: مغفرة لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يعني: ثواباً عظيماً في الجنة ثم قال: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ.
اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد أو جهرتم به.
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: بما في القلوب من الخير والشر، وذلك أن جماعة من الكفار كانوا يتشاورون فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: لا تجهروا بأصواتكم، فإن رب محمد يسمع فيخبره، قال الله تعالى للنبي : قل لهم يا محمد: أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ فإنه يعلم به.
ثم أخبر بما هو أخفى من هاتين الحالتين، فقال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: فكيف لا يعلم قول السر.
ثم قال عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ يعني: ألا يعلم السر، من خلق السر يعني: هو خلق السر في قلوب العباد، فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد؟
ثم قال: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ يعني: لطف علمه بكل شيء، يعني: يرى أثر كل شيء بما في القلوب من الخير والشر ويقال: لَطِيفٌ يرى أثر النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، خَبِيرٌ يعني: عالم بأفعال العباد وأقوالهم.
ثم ذكر نعمه على خلقه، ليعرفوا نعمته، فيشكروه ويوحدوه، فقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا يعني: خلق لكم الأرض ذلولاً، ومدها وذللها وجعلها لينة، لكي تزرعوا فيها، وتنتفعوا منها بألوان المنافع، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها يعني: لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها وجبالها.
وهذا خبر بلفظ الأمر وقال القتبي: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها يعني: جوانبها.
ومنكبا الرجل: جانباه.
وقال قتادة: مَناكِبِها: جبالها.
قال: وكان لبشر بن كعب سرية، فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة لوجه الله؟
فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حرة.
فأراد أن يتزوجها، فسأل أبو الدرداء، فقال له: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
ويقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا، أي: سهل لكم السلوك فَامْشُوا فِي مَناكِبِها، أي: تمشون فيها.
وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ يعني: تأكلون من رزق الله تعالى وتشكرونه.
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ يعني: إلى الله تبعثون من قبوركم.
ويقال: معناه: هو الذي ذلل لكم الأرض، قادر على أن يبعثكم، لأنه ذكر أولاً خلق السماء، ثم ذكر خلق الأرض، ثم ذكر النشور.
ثم خوفهم، فقال عز وجل: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ؟
قال الكلبي، ومقاتل: يعني: أمنتم عقوبة من في السماء؟
يعني: الرب تعالى إن عصيتموه.
ويقال: هذا على الاختصار ويقال: أمنتم عقوبة من هو جار حكمه في السماء.
قرأ أبو عمرو، ونافع أَمِنتُمْ بالمد، والباقون بغير مد بهمزتين، ومعناهما واحد وهو الاستفهام، والمراد به التوبيخ.
وقرأ ابن كثير بهمزة واحدة بغير مد، على لفظ الخبر.
أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ يعني: يغور بكم الأرض، كما فعل بقارون.
فَإِذا هِيَ تَمُورُ يعني: تدور بكم إلى الأرض السفلى.
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ يعني: عذاب من في السماء.
أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً يعني: حجارة كما أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ.
وقال القتبي: «أم» على وجهين، مرة يراد بها الاستفهام، كقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ، ومرة يراد بها أو، كقوله: أَمْ أَمِنْتُمْ ويعني: أو أمنتم.
وهذا كقوله: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً [الإسراء: 68] .
ثم قال: فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ يعني: تعبيري عليهم بالعذاب.
ويقال: معناه سيظهر لكم كيف عذابي.
ثم قال: وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الأمم الخالية كذبوا رسلهم، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ؟
يعني: كيف كانت عقوبتي إياهم وإنكاري لهم؟
ثم قال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ؟
يعني: أو لم يعتبروا في خلق الله تعالى كيف خلق الطيور؟
فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ يعني: باسطات أجنحتها في الهواء.
وَيَقْبِضْنَ يعني: ويضممن أجنحتهن ويضربن بها.
مَا يُمْسِكُهُنَّ يعني: ما يحفظهن في الهواء عند القبض والبسط.
إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ يعني: عالماً بصلاح كل شيء.
<div class="verse-tafsir"
معناه: على الكَفَرَةِ باللَّهِ، والفَوْجُ: الفريقُ من الناس، وظاهر الآية أَنَّه لا يُلْقَى في جهنَّمَ أحَدٌ إلا سُئِلَ عَلى جهة التوبيخ.
وقوله سبحانه: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يحتملُ أنْ يكونَ من قولِ الملائكةِ، ويحتملُ أنْ يكونَ من تمامِ كَلاَمِ الكفارِ للنُّذُرِ، قال الفخر «١» : وقوله- تعالى- عنهم: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ قيل إنما جَمَعُوا بين السَّمْعِ والعَقْلِ [لأن مَدَارَ التكليف على أدلة السمع والعقل] ، انتهى.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يحتملُ معنيين: أحدُهما بالغَيْبِ الذي/ أُخْبِروا بهِ مِن النَّشْرِ والحشر والجنة والنار، فآمنوا بذلك وخَشُوا ربَّهم فيه ونحا إلى هذا قتادة «٢» ، والمعنى الثاني: أنهم يَخْشَوْنَ ربهم إذا غَابُوا عن أعْيُنِ الناس، أي: في خلَواتِهم في صلاتهم وعباداتهم.
وقوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ ...
الآية، خطاب لجميع الخلق، وذَلُولًا بمعنى مذلولة، ومَناكِبِها قال مجاهد: هي الطُّرُقُ والفجاجُ «٣» ، وقال البخارِي: مَناكِبِها:
جَوَانِبُها، قال الغزالي- رحمه اللَّه-: جَعَلَ اللَّهُ سبحانَه الأَرْضَ ذَلُولاً لِعِبَادِه لاَ لِيَسْتَقِرُّوا في مناكِبها، بلْ لِيَتَّخِذُوهَا مَنْزِلاً فَيَتزَوَّدُونَ منها مُحْتَرِزِينَ من مصائدِها ومَعَاطبِها، ويتحقَّقُون أنّ العُمْرَ يَسِيرُ بهم سَيْرَ السفينةِ بِرَاكِبِها، فالناسُ في هَذَا العَالَمِ سُفْرُ وأوَّلُ منازلِهم المَهْدُ، وآخرُها اللحدُ، والوَطَنُ هو الجنَّةُ أو النَّارُ، والعُمْرُ مسافة السّفر، فسنوه مراحله، وشهوره
ثُمَّ خَوَّفَ الكُفّارَ فَقالَ: ﴿ أأمِنتُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَإلَيْهِ النُّشُورُ وأمِنتُمْ" وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "النُّشُورُآمِنتُمْ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أأمِنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ "مَن في السَّماءِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمِنتُمْ عَذابَ مَن في السَّماءِ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ؟!
"وَتَمُورُ" بِمَعْنى: تَدُورُ.
قالَ مُقاتِلٌ: والمَعْنى: تَدُورُ بِكم إلى الأرْضِ السُّفْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ﴾ وهِيَ: الحِجارَةُ، كَما أُرْسِلَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ أيْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ إنْذارِي لَكم في الدُّنْيا إذا نَزَلَ بِكُمُ العَذابُ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ الأُمَمِ ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ.
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ﴾ أيْ: تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ، وتَقْبِضُ أجْنِحَتَها بَعْدَ البَسْطِ، وهَذا مَعْنى الطَّيَرانِ، وهو بَسْطُ الجَناحِ وقَبْضُهُ بَعْدَ البَسْطِ ﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ ﴾ أنْ يَقَعْنَ ﴿ "إلا الرَّحْمَنُ" .
﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أأمِنتُمْ مَن في السَماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ ﴾ ﴿ أمْ أمِنتُمْ مَن في السَماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَحْمَنِ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "أمِنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ: "النُشُورُ آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ: "النُشُورُ وأمِنتُمْ"، يُبْدِلُ الهَمْزَةَ واوًا لِكَوْنِها بَعْدَ ضَمَّةٍ، وبِمَدٍّ بَعْدَ الواوِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( مَن في السَماءِ ) جارٍ عَلى عُرْفِ تَلَقِّي البَشَرِ أوامِرَ اللهِ تَعالى، ونُزُولُ القَدْرِ بِحَوادِثِهِ ونِعَمِهِ ونِقَمِهِ وآياتِهِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وعَلى ذَلِكَ صارَ رَفْعُ الأيْدِي والوُجُوهِ في الدُعاءِ إلى تِلْكَ الجِهَةِ، وعَلى ذَلِكَ صارَ رَفْعُ الأيْدِي والوُجُوهِ في الدُعاءِ إلى تِلْكَ الجِهَةِ والناحِيَةِ.
"وَخَسْفُ الأرْضِ": أنْ تَذْهَبَ سُفْلًا.
و"تَمُورُ" مَعْناهُ: تَتَمَوَّجُ وتَذْهَبُ كَما يَذْهَبُ التُرابُ المَوّارُ في الرِيحِ، وكَما يَذْهَبُ الدَمُ المَوّارُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا".
و"الحاصِبُ": البَرْدُ وما جَرى مَجْراهُ؛ لِأنَّهُ في اللُغَةِ الرِيحُ تَرْمِي بِالحَصْباءِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَرْجُمُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورُ وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "فَسَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فَسَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ السَبْعَةُ وغَيْرُهُمْ: "نَذِيرٌ" بِغَيْرِ ياءٍ، عَلى طَرِيقِهِمْ في الفَواصِلِ المُشَبَّهَةِ بِالقَوافِي، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ وحْدَهُ: "نَذِيرِي" بِالياءِ عَلى الأصْلِ، وكَذَلِكَ في "نَكِيرِي"، و"النَكِيرُ": كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: فَأنْذَرَ مِثْلَها نُصْحًا قُرَيْشًا ∗∗∗ مِنَ الرَحْمَنِ إنْ قَبِلْتَ نَذِيرِي ثُمَّ أحالَ عَلى العِبْرَةِ في أمْرِ الطَيْرِ وما أحْكَمَ مِن خِلْقَتِها، وذَلِكَ يُبَيِّنُ عَجْزَ الأصْنامِ والأوثانِ، و"صافّاتٍ" جَمْعُ "صافَّةٍ" وهي الَّتِي تَبْسُطُ جَناحَيْها وتَصِفُهُما حَتّى كَأنَّها ساكِنَةٌ، و"قَبْضُ الجَناحِ" ضَمُّهُ إلى الجَنْبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ: ............
∗∗∗ يُحِثُّ الجَناحَ بِالتَبَسُّطِ والقَبْضِ وهاتانِ حالانِ لِلطّائِرِ يَسْتَرِيحُ مِن إحْداهُما لِلْأُخْرى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَيَقْبِضْنَ" عَطْفُ المُضارِعِ عَلى اسْمِ الفاعِلِ، وذَلِكَ كَما عَطَفَ اسْمَ الفاعِلِ عَلى المُضارِعِ في قَوْلِ الشاعِرِ: باتَ يُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَقْصِدُ في أسْوُقِها وجائِرِ وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أمَن" بِتَخْفِيفِ المِيمِ في هَذِهِ، وقَرَأ الَّتِي بَعْدَها مُثَقَّلَةً كالجَماعَةِ، و"الجُنْدُ" أعْوانُ الرَجُلِ عَلى مَذاهِبِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ ﴾ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ بَعْدَ تَقْرِيرٍ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: أمَّنْ هَذا.
<div class="verse-tafsir"
(أم) منقطعة وهي للإِضراب الانتقالي من غرض إلى غرض فبعد استيفاء غرض إثبات الإلهية الحق لله تعالى بالوحدانية وتذكيرهم بأنهم مفتقرون إليه، انتقل إلى إبطال أن يكون أحد يدفع عنهم العذاب الذي توعدهم الله به فوُجه إليهم استفهام أن يدلّوا على أحد من أصنامهم أو غيرها يقال فيه هذا هو الذي ينصر من دون الله، فإنهم غير مستطيعين تعيين أحد لذلك إلاّ إذا سلكوا طريق البهتان وما هم بسالكيه في مثل هذا لافتضاح أمره.
وهذا الكلام ناشئ عن قوله: ﴿ أأمنتم من في السماء ﴾ [الملك: 16] الآية فهو مثله معترض بين حجج الاستدلال.
و (أم) المنقطعة لا يفارقها معنى الاستفهام، والأكثر أن يكون مقدراً فإذا صرح به كما هنا فأوضح ولا يتوهم أن الاستفهام يقدر بعدها ولو كان يليها استفهام مصرح به فيشكل اجتماع استفهامين.
والاستفهام مستعمل في التعجيز عن التعيين فيؤول إلى الانتفاء، والإشارة مشار بها إلى مفهوم ﴿ جند ﴾ مفروض في الأذهان استُحضر للمخاطبين، فجعل كأنه حاضر في الخارج يشاهده المخاطبون، فيطلب المتكلم منهم تعيين قبيله بأن يقولوا: بنو فلان.
ولما كان الاستفهام مستعملاً في التعجيز استلزم ذلك أن هذا الجند المفروض غير كائن.
وقريب من ذلك قوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ [البقرة: 255] ونحوه.
و (مَن) في موضع مبتدأ واسم الإشارة خبر عن المبتدأ.
وكتب في المصحف ﴿ أمَّن ﴾ بميم واحدة بعد الهمزة وهما ميم (أم) وميم (مَن) المدغمتين بجعلهما كالكلمة الواحدة كما كتب ﴿ عمّ يتساءَلون ﴾ [النبأ: 1] بميم واحدة بعد العين، ولا تقرأ إلاّ بميم مشددة إذ المعتبر في قراءة القرآن الرواية دون الكتابة وإنما يكتب القرآن للإعانة على مراجعته.
و ﴿ الذي هو جند ﴾ صفة لاسم الإِشارة و ﴿ لكم ﴾ صفة ل ﴿ جند ﴾ و ﴿ ينصركم ﴾ جملة في موضع الحال من ﴿ جُندٌ ﴾ أو صفة ثانية ل ﴿ جند ﴾ .
ويجوز أن يكون اسم الإشارة مشاراً به إلى جماعة الأصنام المعروفة عندهم الموضوعة في الكعبة وحولَها الذي اتخذتموه جنداً فمَن هو حتى ينصرَكم من دون الله.
فتكون (مَنْ) استفهامية مستعملة في التحقير مثل قوله: ﴿ من فرعون ﴾ [الدخان: 31] في قراءة فتح ميم (مَن) ورفع فرعون، أي من هذا الجند فإنه أحقر من أن يعرف، واسم الإِشارة صفة لاسم الاستفهام مبينة له، و ﴿ الذي هو جند لكم ﴾ صفة لاسم الإِشارة وجملة ﴿ ينصركم ﴾ خبر عن اسم الاستفهام، أي هو أقل من أن ينصركم من دون الرحمان.
وجيء بالجملة الإسمية ﴿ الذي هو جند لكم ﴾ لدلالتها على الدوام والثبوت لأن الجند يكون على استعداد للنصر إذا دعي إليه سواء قاتل أم لم يقاتل لأن النصر يحتاج إلى استعداد وتهيُّؤ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها» أي هيعة جهاد.
فالمعنى: ينصركم عند احتياجكم إلى نصره، فهذا وجه الجمع بين جملة ﴿ هو جند لكم ﴾ وجملة ﴿ ينصركم ﴾ ولم يُستغن بالثانية عن الأولى.
و ﴿ دون ﴾ أصله ظرف للمكان الأسفل ضِد (فَوق)، ويطلق على المغاير فيكون بمعنى غير على طريقة المجاز المرسل.
فقوله: ﴿ مِن دون الرحمان ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً مستقراً في موضع الحال من الضمير المستتر في ﴿ ينصركم ﴾ .
أي حالة كون الناصر من جانب غير جانب الله، أي مَن مستطيع غير الله يدفع عنكم السوء على نحو قوله تعالى: ﴿ أم لهم ءالهة تمنعهم من دوننا ﴾ [الأنبياء: 43] فتكون ﴿ مِن ﴾ زائدة مؤكدة للظرف وهي تزاد مع الظروف غير المتصرفة، ولا تجر تلك الظروف بغير ﴿ مِن ﴾ ، قال الحريري في المقامة الرابعة والعشرين: ومَا منصوب على الظرف لا يخفضه سوى حرف.
وفسره بظرف (عند) ولا خصوصية ل (عند) بل ذلك في جميع الظروف غير المتصرفة.
وتكرير وصف ﴿ الرحمان ﴾ عقب الآية السابقة للوجه الذي ذكرنا في إيثار هذا الوصف في الآية السابقة.
وذيل هذا بالاعتراض بقوله: ﴿ إن الكافرون إلا في غرور ﴾ ، أي ذلك شأن الكافرين كلهم وهم أهل الشرك من المخاطبين وغيرهم، أي في غرور من الغفلة عن توقع بأس الله تعالى، أو في غرور من اعتمادهم على الأصنام فكما غَر الأمم السالفة دينُهم بأن الأوثان تنفعهم وتدفع عنهم العذاب فلم يجدوا ذلك منهم وقت الحاجة فكذلك سيقع لأمثالهم قال تعالى: ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ [محمد: 10] وقال ﴿ أكفّاركُم خير من أولئكم ﴾ [القمر: 43] فتعريف ﴿ الكافرون ﴾ للاستغراق.
وليس المراد به كافرون معهودون حتى يكون من وضع المظهر موضع الضمير.
والغرور: ظن النفس وقوع أمر نافع لها بمخائل تتوهمها، وهو بخلاف ذلك أو هو غير واقع.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ في آخر آل عمران (196) وقوله: ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴾ في الأنعام (112) وقوله: ﴿ فلا تغرنكم الحياة الدنيا ﴾ في سورة فاطر (5).
والظرفية مجازية مستعملة في شدة التلبس بالغرور حتى كأنَّ الغرور محيط بهم إحاطة الظرف.
والمعنى: ما الكافرون في حال من الأحوال إلاّ في حال الغرور، وهذا قصر إضافي لقلب اعتقادهم أنهم في مأمن من الكوارث بحماية آلهتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَتَحَرَّكُ، قالَهُ يَحْيى.
الثّانِي: تَدُورُ، قالَهُ قُطْرُبٌ وابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: تُسِيلُ ويَجْرِي بَعْضُها في بَعْضٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ رَمَيْنَ فَأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرى دَمًا مائِرًا إلّا جَرى في الخَيازِمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ سمعوا لها شهيقاً ﴾ قال: صياحاً.
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى قال: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟
قالت: إنه كان يستحي مني فيقول: أرسلوا عبدي قال: وإن العبد ليجر إلى النار فيقول يا رب ما كان هذا الظن بك، قال: فما كان ظنك؟
قال: كان ظني أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، قال: وإن الرجل ليخر إلى النار فتشهق إليه شهيق البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.
وأخرج هناد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وهي تفور ﴾ قال: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: تتفرق.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: يفارق بعضها بعضاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول حسان: ألا من مبلغ عني أبياً ** فقد ألقيت في سحق السعير وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فسحقاً لأصحاب السعير ﴾ قال: سحق واد في جهنم.
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ قال: الجنة.
<div class="verse-tafsir"
ولما كان الكفار يمتنعون عن الإيمان وينكرون التوحيد مع وضوح الأدلة صاروا كأنهم يمتنعون من عذاب الله بجند، وأشبهت حالهم من يملك دفع العذاب إن أتاه، فقال الله تعالى منكرا عليهم أن (١) (٢) ﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُم ﴾ ، وهذا نسق على قوله: ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ ، ﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ ﴾ ، ولفظ الجند يوحد، ولذلك قال (٣) ﴿ هَذَا الَّذِي هُوَ ﴾ وهو استفهام إنكار.
أي: لا جند لكم ﴿ يَنْصُرُكُمْ ﴾ يمنعكم من عذاب الله.
قال ابن عباس ينصركم مني إن أردت عذابكم (٤) ثم ذكر أن ما هم فيه غرور فقال: ﴿ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ﴾ ، أي: من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم، ﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ﴾ ، أي: من الذي يرزقكم من آلهتكم المطر إن أمسكه الله عنكم، قاله مقاتل (٥) ثم قال: ﴿ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴾ أي: ليسوا يعتبرون ولا يتفكرون، لجوا في طغيانهم وتماديهم وتباعدهم عن الإيمان (٦) ثم ضرب مثلًا فقال: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى ﴾ (٧) (٨) ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُم ﴾ ، ويقال للسادر والهائم (٩) ﴿ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا ﴾ معتدلًا يبصر الطريق ﴿ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو الإسلام، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي، وقول مقاتل، ومجاهد، والضحاك (١٠) وقال الكلبي: راكبًا رأسه في الكفر والضلالة كما تركب البهيمة رأسها (١١) - (١٢) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل وحمزة بن عبد المطلب (١٣) وقال عكرمة (١٤) وقال قتادة: هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبًّا على وجهه يوم القيامة، كما قال: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ﴾ ، والمؤمن يمشي سويًّا (١٥) قوله: ﴿ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون ﴾ قال ابن عباس: يريد أنكم لله غير طائعين (١٦) وقال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه (١٧) وذكر الله تعالى أنهم يستعجلون وعد العذاب بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْد ﴾ ، ثم ذكر حالهم عند معاينة العذاب فقال: (١) في (س): (أن) زيادة.
(٢) (ك): (عذابه قوله تعالى).
(٣) (س): (قيل).
(٤) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 110، و"معالم التنزيل" 4/ 372، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 218.
(٥) (س): (قاله مقاتل) زيادة وانظر: "تفسير مقاتل" 162 أ.
قلت: حمل الآية على عموم الرزق من إعطاء ومنع وخلق ورزق ونصر وغير ذلك أولى، وما ذكره مقاتل من باب التمثيل أخذًا من قوله تعالى: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ ، والله أعلم.
(٦) لج: اللجاج: التمادي والعناد في تعاطي الفعل.
"المفردات" (447) (لج).
(٧) (أهدى) ساقطة من (س).
(٨) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 72، و"البحر المحيط" 8/ 303، و"روح المعاني" 29/ 20، وذكر جواز الوجهين وقول بعض الأئمة بتسوية المطاوعة والصيرورة.
ورد الزمخشري هذا حيث قال: (أكب من باب أنفض وألام، ومعناه دخل في الكب، وصار ذا كب، ومطاوع كب وقشع وانكب وانقشع) "الكشاف" 4/ 124.
قال النيسابوري: ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، و"غرائب القرآن" 29/ 11.
ومعنى المطاوعة: الموافقة، والنحويون ربما سموا الفعل اللازم مطاوعًا.
"اللسان" 2/ 615 (طوع).
(٩) السادر: هو الذي لا يهتم لشيء ولا يبالي ما صنع.
والهائم: الحائر.
يقال: هام في الأمر يهيم إذا تحير فيه.
"اللسان" 2/ 119 (سدر) 3/ 857 (هيم).
(١٠) في (س): (وهذا قول ابن عباس) إلى (الضحاك) زيادة.
وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 110، 111، و"تفسير مقاتل" 162 أ، و"جامع البيان" 12/ 29/ 7، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 219.
(١١) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 158 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 372.
(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 162 أ، و"غرائب القرآن" 29/ 11.
(١٣) انظر: "غرائب القرآن" 29/ 11.
(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 73، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 219.
(١٥) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 305، و"جامع البيان" 12/ 29/ 7.
(١٦) لم أجده.
(١٧) انظر: "تفسير مقاتل" 162 أ، و"زاد المسير" 8/ 324.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ﴾ تنبيه على الاعتبار بطيران الطيور في الهواء من غير شيء يمسكها، وصافَّات جمع صافة وهي التي تبسط جناحها للطيران، والقبض: ضم الجناحين إلى الجنب وعطف يقبض على صافات، لأن الفعل في معنى الاسم تقديره: قابضات.
فإن قيل: لِمَ لم يقل قابضات على طريقة صافات؟
فالجواب: أن يبسط الجناحين هو الأصل في الطيران، كما أن مدَّ الأطراف هو الأصل في السباحة، فذكر بصيغة اسم الفاعل لدوامه وكثرته، وأما قبض الجناحين فإما يفعله الطائر قليلاً للاستراحة والاستعانة، فذكر بلفظ الفعل لقلته.
<div class="verse-tafsir"
[قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ فالمصير: هو الطريق، أي: فبئس الطريق طريق من سلكه أفضى به إلى عذاب السعير].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً ﴾ .
الشهيق: هو الصوت المنكر.
ثم من الناس من يقول: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ ، أي: لجهنم.
ومنهم من جعل الشهيق من أهلها، وقد يجوز أن يذكر المكان والمراد منه الأهل؛ كما قال: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾ ، وكلا الأمرين يحتمل عندنا، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ لأن الصوت المنكر أمر ظاهر ممن لا يعقل الصوت كهو [من الذي يعقل]، فليس الذي يعقل الصوت أولى أن يجعل الفعل له من الذي لا يعقل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .
أي: تغلي، ثم النار بنفسها لا تغلي، وإنما تغلي بالذي يجعل فيها؛ ففيه أن طعامهم وشرابهم في النار النار [فيغلي النار بطعامهم وشرابهم].
وقوله: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .
فجائز أن يكون [هذا] كناية عن الخزنة.
وجائز أن يكون هذا وصف النار، ولله أن يجعل في جهنم، وفيما شاء من الأموات ما يعرف به عظمته وجلاله، فيغضب له على أعدائه غضبا يكاد أن ينقطع في نفسه؛ ويسلم لأوليائه.
ثم في ذكر غضبها تذكير أن من حق الله على أوليائه أن يغضبوا له على أعدائه غضب جهنم عليهم، بل جهنم أبعد عن أن تمتحن بذلك منا، ثم هي بلغت من الغضب على أعداء الله مبلغا كادت تتقطع بنفسها، فالأولياء أحق أن يوجد منهم هذا الوصف، وقد مدح الله الذين مع رسول الله ؛ لما [وجد] فيهم من الشدة على الأعداء، وذلك قوله - : ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ ، وقال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وهكذا الحق على كل مؤمن أن يكون على هذا الوصف.
وفيه حكمة أخرى: وهي أنه ذكر شدة النار على أهلها؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ \[ينذركم لقاء يومكم هذا\] ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ .
وهذا هو إخبار عن نهاية أمرهم وآخر شأنهم؛ وذلك أنهم فزعوا في الآخرة إلى اليمين بالكذب، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة كما كانت تنفعهم في الدنيا، فلما ألقوا فيها، أيقنوا أن أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب؛ ففزعوا إلى الاعتراف والصدق؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فقالوا: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ ينذرنا عن لقاء هذا اليوم، ﴿ فَكَذَّبْنَا ﴾ بالذي كان ينذرنا النذر، وقلنا: ﴿ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ مما تنذروننا به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .
فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة، أو هذا خطاب في الدنيا ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ .
ففي قوله: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ اعتراف منهم بأنهم قد سمعوا وعقلوا، فقوله: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ ، ليس هو على نفي السمع والعقل؛ إذ قد أقروا أنهم سمعوا وعقلوا، وإنما هو على نفي الانتفاع بما سمعوا وعقلوا؛ لأن الانتفاع بالمسموع هو الإجابة لما سمع، والانتفاع بالعقل أن يقوم بوفاء ما عقل، وهم لم يجيبوا لما سمعوا، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا.
وقال بعضهم: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾ : في الدنيا كما نسمع الآن، أو كنا نعقل كما نعقل الآن ﴿ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
وهذا غير مستقيم؛ لأن تلك الدار ليست بدار إسماع وإفهام، وإنما المعنى ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
أي: بعدا، على معنى الدعاء عليهم.
وقيل: السحق: واد في جهنم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
يحتمل: أي: الذين يخشون عذاب ربهم والعذاب عنهم غائب، فأهل الإسلام يخشون عذاب الله وهو غائب عنهم، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: يخشون الله - - أن يعذبهم.
أو أن يخشوه فيما أوعدهم.
ثم الأصل: أن ما من مؤمن بالبعث - سوى المعتزلة - إلا وهو يخشى الله ، لكنهم يتفاوتون في الخشية.
ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف، ليس كالأمن والإياس الذي لا يقتضي كل واحد منهما إلا وجها واحداً، وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا، فكل مؤمن يخاف عذاب الله ؛ لما رأى من كثرة نعم الله وغفلته عن حقوق تلك النعم؛ لأن من حقها أن يشكر الله عليها، وقد عرف كل [مؤمن تقصيره] في أداء الشكر وتفريطه في قضاء الحقوق؛ فيرجو رحمته، لما عرف من سعة رحمته، وعرفه متفضلاً عفوّاً غفورا، لكن فيهم تفاوت في الخشية والرهبة: فمن كان أذكر لغفلته، فهو لعقوبته أكثر خشية، ومن كان أقل ذكراً لغفلته فهو أقل خشية؛ فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعاً ويتيقنون بحلوله، لكنم يتفاوتون في ذلك: فمن كان له أكثر ذكرا، كان أبلغ في التيقظ، وأكثر رهبة، ومن كان أغفل عن ذكره فهو له أقل رهبة.
ولقائل أن يقول: كيف جعلتم كل مؤمن خائفاً راجياً، والراجي: هو الذي يطلب، والخائف: هو الذي يهرب، فكل من رجا شيئاً يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال وأسباب، فهو يقوم بتلك الأعمال، بغاية ما يحمله وسعه؛ ليصل إلى مأموله، وإذا لم يقم بها لم يكن راجيا في الحقيقة، بل كان متمنيا، وكذلك من خاف حقيقة الخوف، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب؛ فهو يهرب مما يخافه أشد الهرب.
ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ الآمال، ولا يهربون مما يخافون منه أشد الهرب وغاية الخوف، فكيف وصفتم كل مؤمن بالخوف والرجاء وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف؟!
واستدل على صحة ما ذكر بقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ ، فالراجي لرحمة الله من دأب في طاعته، وقال - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 60\]، فقيل: يا رسول الله، هم الذين يزنون ويسرقون؟!
فقال: "بل هم الذين يصومون ويصلون وقلوبهم وجلة" ، وقال - -: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ .
فجوابه: أن المؤمن ليس يرى كل خلاصه من العذاب وأمنه من العقاب بعمله حتى إذا وجد التقصير في العمل أظهر ذلك المعنى فساد الرجاء والخوف، وإنما يتوقع خلاصه بتوفيق الله وعفوه، ويرجو رحمته؛ بكرمه وجوده؛ لذلك لم يوجب التقصير في العمل إبطال الرجاء والخوف، وهذا إذا كان غير معتزلي المذهب ولم يكن من الخوارج، فأما إذا كان الراجي والخائف أحد هذين؛ فتقصيره في العمل يدل على فساد الرجاء والخوف؛ لأن كل واحد منهما ليس يرى لنفسه شفيعا إلا عمله، به ينجو وبه يهلك، فإذا لم يبالغ في الطلب من جهة العمل، ولم يبالغ في الهرب من الخوف بالعمل - ظهر أنه ليس براجٍ ولكنه متمنٍّ، وتبين أنه غير خائف في الحقيقة.
ثم المعتزلة لا يخافون الله ولا يرجون رحمته في الحقيقة؛ لأنهم يزعمون أن العبد إذا ارتكب الكبيرة، فليس لله - - ألا يعذبه عليها وأن يغفرها له، وإذا اجتنب الكبيرة استوجب المغفرة وإن ارتكب الصغائر، وليس لله - - أن يعذبه عليها، والقائل بهذا غير راج لرحمة الله ، ولا خائف من عذابه، وإنما يقع الخوف والرجاء من عند نفسه؛ لأن الزلة التي استوجب بها العذاب فهو الذي اكتسبها، ولو لم يعملها، لم يعذب، وفاز بالنجاة؛ فصار رجاؤه وخلاصه بعمله، لا برحمة الله وفضله، ولا بذلك وصف الله المؤمنين في كتابه، ولأن الله أثنى على الذين يدعونه؛ خوفا وطمعا ورغبا ورهبا، وعلى قول أهل الاعتزال لا يدعو أحد ربه على الرغبة والرهبة والخوف والطمع؛ لأن الداعي إن كان صاحب كبيرة فهو فيما يدعو الله ؛ ليغفر له، إنما يدعو ليجور عليه؛ إذ لا يسعه أن يغفر له ولا يعذب عليه، فدعاؤه بالمغفرة معناه يقتضي أن جُرْ عليَّ، وذلك عظيم، وإن كان صاحب صغيرة فهو فيما يطلب المغفرة منه - - يسأله ألا يجور عليه؛ لأنه ليس له أن يعذب على الصغائر على مذهبه ولو عذب صار به جائراً، فإذا خاف عذابه حتى إذا فزع إلى الدعاء، فقد خاف جوره، ومن لم يأمن من ربه الجور بل خاف ذلك منه، فهو لم يعرف ربه حقيقة المعرفة؛ وكذلك من دعا الله ؛ ليجور عليه، فقد دعا إلى أن يسفه، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها؛ فثبت أن الداعي على الرغبة والرهبة غير ممدوح عنده، ولا هو ممن يستحق الثناء عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ .
أي: من يرجو الله ويخافه، فله مغفرة لذنوبه، وأجر كبير، وهو الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .
فهذه الآية كأنها في إلزام الوعيد؛ يقول: إنه عالم بالأنفس التي فيها الصدور بما يضمرون فيها، وما يودعون، وما يكتمون، وما يخبرون عما أودعوا فيها ويظهرون.
والصدر: هو ساحة القلب، سميت صدرا؛ لأن الآراء تصدر عنها؛ فهو عالم بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم، وعالم بما يضمر فيها من الأسرار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ .
تأويله عند أهل الإسلام: ألا يعلم من خلق ما أسروا أو جهروا، و (من) راجع إلى الله دون الخلق، كأنه يقول: ألا يعلم الخالق ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ ، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر؛ فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد.
وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم: إن حرف ﴿ مَنْ ﴾ لا يرجع إلى الله ، وإنما يرجع إلى الخلق؛ فكأنه يقول: ألا يعلم الله من خلق؛ على إضمار اسم الله فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال؛ لأن حرف ﴿ مَنْ ﴾ يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال.
وذلك فاسد؛ لأن الآية في موضع الوعيد، ولو كان قوله: ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ راجعا إلى الأنفس، لزال موضع الوعيد؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم بأفعال وجدت منهم، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال؛ ولأنه لو لم يكن الله خالقا لما يهجر به العبد ولما يخفيه لم يكن ليحتح به على عمله؛ إذ قد يجوز جواز الجهل من غير الذي يفعله؛ فلا يجوز أن يحتج عليهم بفعل غيره؛ ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس إثبات العلم بما أسروا أو جهروا، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان إيجاب الخلق لأفعالهم، ومعلوم بأن الآية في تحقيق العلم بما أسروا أو جهروا؛ لأن قوله: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ مذكور على أثر قوله: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ أي: عليم بما تسرون وما تجهرون؛ فثبت أن الخلق راجع إلى ما أسروا أو جهروا، ثم إن الناس على اختلافهم اتفقوا أن كل واقع بالطبع والضرورة مخلوق لله ، وإنما اختلفوا في الفعل الواقع بكسب العبد: فمنهم من أثبت فيه الخلق وهو قول أهل الهدى، ومنهم من أبى القول بخلقه.
ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في العمل الذي جعل في طبع اليد احتمال ذلك العمل، ولا يتهيأ له أن يستعمله في الوجه الذي لم يجعل في طبعها احتمال ذلك؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه، أو يسمع بهما لم يملك ذلك؛ فثبت أنه ملك استعمالهما في القبض والبسط، والأخذ والتسليم؛ بما جعل في طبعهما احتمال ذلك، وإذا كان كذلك، فقد ثبت الخلق فيما يعمل بيديه وفيما يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .
في تدبيره؛ إذ دبر لسان الإنسان على ما إذا استعمله يخرج منه الكلام، وإذا أراد [أحد] أن يتعرف المعنى الذي به صلح للنطق، لم يقف عليه، ودبر قلبه على أن يصور ما يقع فيه من الخيال، فيؤديه بلسانه، ودبره على وجه يصلح أن يدع الأسرار والودائع من وجه لو أراد الخلائق أن يتعرفوا الوجه الذي صلح القلب أن يكون مصورا وحافظا ومعدنا للأسرار، لم يقفوا عليه.
وقيل: اللطيف: هو الذي لا يعزب عنه علم ما جل ودق.
وقيل: اللطيف بعباده في الإحسان إليهم والإنعام عليهم، الخبير بما فيه مصالحهم.
<div class="verse-tafsir"
لا جند لكم -أيها الكفار- يمنعكم من عذاب الله إن أراد أن يعذبكم، ليس الكافرون إلا مخدوعين، خدعهم الشيطان فاغترّوا به.
<div class="verse-tafsir" id="91.V6e4j"