الآية ١٨ من سورة الجن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 72 الجن > الآية ١٨ من سورة الجن

وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدًۭا ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة الجن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الجن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا عباده أن يوحدوه في مجال عبادته ، ولا يدعى معه أحد ولا يشرك به كما قال قتادة في قوله : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) قال : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم ، أشركوا بالله ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوحدوه وحده .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر علي بن الحسين : حدثنا إسماعيل ابن بنت السدي ، أخبرنا رجل سماه ، عن السدي ، عن أبي مالك - أو أبي صالح - عن ابن عباس في قوله : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) قال : لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا : بيت المقدس .

وقال الأعمش : قالت الجن : يا رسول الله ، ائذن لنا نشهد معك الصلوات في مسجدك ، فأنزل الله : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) يقول : صلوا ، لا تخالطوا الناس .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، حدثنا سفيان ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن محمود ، عن سعيد بن جبير : ( وأن المساجد لله ) قال : قالت الجن لنبي الله صلى الله عليه وسلم : كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناءون [ عنك ] ؟

، وكيف نشهد الصلاة ونحن ناءون عنك ؟

فنزلت : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) وقال سفيان ، عن خصيف ، عن عكرمة : نزلت في المساجد كلها .

وقال سعيد بن جبير .

نزلت في أعضاء السجود ، أي : هي لله فلا تسجدوا بها لغيره .

وذكروا عند هذا القول الحديث الصحيح ، من رواية عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة - أشار بيديه إلى أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا) أيها الناس ( مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) ولا تشركوا به فيها شيئا، ولكن أفردوا له التوحيد، وأخلصوا له العبادة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه أن يوحد الله وحده.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمود، عن سعيد بن جبير ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ) قال، قالت الجنّ لنبيّ الله: كيف لنا نأتي المسجد، ونحن ناءون عنك، وكيف نشهد معك الصلاة ونحن ناءون عنك ؟

فنـزلت: ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ).

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه أن يخلص له الدعوة إذا دخل المسجد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خَصِيف، عن عكرِمة ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ) قال: المساجد كلها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدافيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : وأن المساجد لله ( أن ) بالفتح ، قيل : هو مردود إلى قوله تعالى : قل أوحي إلي أي قل أوحي إلي أن المساجد لله .

وقال الخليل : أي ولأن المساجد لله .

والمراد البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة .

وقال سعيد بن جبير : قالت الجن كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناءون عنك ؟

فنزلت : وأن المساجد لله أي بنيت لذكر الله وطاعته .وقال الحسن : أراد بها كل البقاع ; لأن الأرض كلها مسجد للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : " أينما كنتم فصلوا فأينما صليتم فهو مسجد " ، وفي الصحيح : وجعلت لي الأرض [ ص: 20 ] مسجدا وطهورا .وقال سعيد بن المسيب وطلق بن حبيب : أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد ، وهي القدمان والركبتان واليدان والوجه ; يقول : هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك ، فلا تسجد لغيره بها ، فتجحد نعمة الله .قال عطاء : مساجدك : أعضاؤك التي أمرت أن تسجد عليها لا تذللها لغير خالقها .وفي الصحيح عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين .

وقال العباس : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب " .وقيل : المساجد هي الصلوات ; أي لأن السجود لله .

قاله الحسن أيضا .

فإن جعلت المساجد المواضع فواحدها مسجد بكسر الجيم ، ويقال بالفتح ; حكاه الفراء .

وإن جعلتها الأعضاء فواحدها مسجد بفتح الجيم .

وقيل : هو جمع مسجد وهو السجود ، يقال : سجدت سجودا ومسجدا ، كما تقول : ضربت في الأرض ضربا ومضربا بالفتح : إذا سرت في ابتغاء الرزق .وقال ابن [ ص: 21 ] عباس : المساجد هنا مكة التي هي القبلة وسميت مكة المساجد ; لأن كل أحد يسجد إليها .

والقول الأول أظهر هذه الأقوال إن شاء الله ، وهو مروي عن ابن عباس - رحمه الله - .الثانية : قوله تعالى : لله إضافة تشريف وتكريم ، ثم خص بالذكر منها البيت العتيق فقال : وطهر بيتي .وقال - عليه السلام - : لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد الحديث خرجه الأئمة .

وقد مضى الكلام فيه .وقال - عليه السلام - : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام .قال ابن العربي : وقد روي من طريق لا بأس بها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، فإن صلاة فيه خير من مائة صلاة في مسجدي هذا ولو صح هذا لكان نصا .قلت : هو صحيح بنقل العدل عن العدل حسب ما بيناه في سورة ( إبراهيم ) .الثالثة : المساجد وإن كانت لله ملكا وتشريفا فإنها قد تنسب إلى غيره تعريفا ; فيقال : مسجد فلان .

وفي صحيح الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل التي أضمرت من [ ص: 22 ] الحفياء وأمدها ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق .

وتكون هذه الإضافة بحكم المحلية كأنها في قبلتهم ، وقد تكون بتحبيسهم ، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك .الرابعة : مع أن المساجد لله لا يذكر فيها إلا الله فإنه تجوز القسمة فيها للأموال .

ويجوز وضع الصدقات فيها على رسم الاشتراك بين المساكين وكل من جاء أكل .

ويجوز حبس الغريم فيها ، وربط الأسير والنوم فيها ، وسكنى المريض فيها ، وفتح الباب للجار إليها ، وإنشاد الشعر فيها إذا عري عن الباطل .

وقد مضى هذا كله مبينا في سورة ( براءة ) و ( النور ) وغيرهما .الخامسة : قوله تعالى : فلا تدعوا مع الله أحدا هذا توبيخ للمشركين في دعائهم مع الله غيره في المسجد الحرام .

وقال مجاهد : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله ، فأمر الله نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها .

يقول : فلا تشركوا فيها صنما وغيره مما يعبد .

وقيل : المعنى أفردوا المساجد لذكر الله ، ولا تتخذوها هزوا ومتجرا ومجلسا ، ولا طرقا ، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيبا .وفي الصحيح : من نشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك ; فإن المساجد لم تبن لهذا وقد مضى في سورة ( النور ) ما فيه كفاية من أحكام المساجد والحمد لله .السادسة : روى الضحاك عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : كان إذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى .

وقال : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا اللهم أنا عبدك وزائرك وعلى كل [ ص: 23 ] مزور حق وأنت خير مزور فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار .

فإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى ; وقال : " اللهم صب علي الخير صبا ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبدا ولا تجعل معيشتي كدا ، واجعل لي في الأرض جدا " أي غنى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } أي: لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة، فإن المساجد التي هي أعظم محال العبادة مبنية على الإخلاص لله، والخضوع لعظمته، والاستكانة لعزته،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأن المساجد لله ) يعني المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله ( فلا تدعوا مع الله أحدا ) قال قتادة : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد وأراد بها المساجد كلها .

وقال الحسن : أراد بها البقاع كلها لأن الأرض جعلت كلها مسجدا للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال سعيد بن جبير : قالت الجن للنبي - صلى الله عليه وسلم - كيف لنا أن [ نأتي المسجد وأن ] نشهد معك الصلاة ونحن ناءون ؟

فنزلت : " وأن المساجد لله " .

وروي عن سعيد بن جبير أيضا : أن المراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان وهي سبعة : الجبهة واليدان والركبتان والقدمان ؟

يقول : هذه الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، حدثنا علي بن الحسن الهلالي والسري بن خزيمة قالا حدثنا يعلى بن أسد ، حدثنا وهيب ، عن عبد الله بن طاووس ، عن أبيه ، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء : الجبهة - وأشار بيده إليها - واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا أكف الثوب ولا الشعر " .

فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة فواحدها مسجد بكسر الجيم ، وإن جعلتها الأعضاء فواحدها مسجد بفتح الجيم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأن المساجد» مواضع الصلاة «لله فلا تدعوا» فيها «مع الله أحدا» بأن تشركوا كما كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأن المساجد لعبادة الله وحده، فلا تعبدوا فيها غيره، وأخلصوا له الدعاء والعبادة فيها؛ فإن المساجد لم تُبْنَ إلا ليُعبَدَ اللهُ وحده فيها، دون من سواه، وفي هذا وجوب تنزيه المساجد من كل ما يشوب الإخلاص لله، ومتابعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن المساجد التى تقام فيها الصلاة والعبادات ، يجب أن تنسب إلى الله - تعالى - وحده ، فقالك ( وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً ) .والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : ( أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ) والمساجد : جمع مسجد ، وهو المكان المعد لإقامة الصلاة والعبادة فيه .

واللام فى قوله ( لله ) للاستحقاق .أى : وأوحى إلىَّ - أيضا - أن المساجد التى هى أماكن الصلاة والعبادة لا تكون إلا الله - تعالى - وحده ، ولا يجوز أن تنسب إلى صنم من الأصنام ، أو طاغوت من الطواغيت .قال الإِمام ابن كثير : قال قتادة : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كناسئهم وبيعهم ، أشركو بالله ، فأمر الله نبيه والمؤمنين ، أن يوحدوه وحده .وقال سعيد بن جبير : نزلت فى أعضاء السجود : أى : هى لله فلا تسجدوا بها لغيره .

.

وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أسجد على سبعه أعظم : على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين .ويبدو لنا أن المراد بالمساجد هنا الأماكن المعدة للصلاة والعبادة ، لأن هذا هو المتبادر من معنى الآية ، وأن المقصود بها توبيخ المشركين الذين وضعوا الأنصاب والأصنام ، فى المسجد الحرام وأشركوها فى العبادة مع الله - تعالى - .وأضاف - سبحانه - المساجد إليه ، على سبيل التشريف والتكريم وقد تضاف إلى غيره - تعالى - على سبيل التعريف فحسب ، وفى الحديث الشريف : " الصلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فى غيره ، إلا المسجد الحرام " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: التقدير: قل أوحي إلي أن المساجد لله، ومذهب الخليل أن التقدير: ولأن المساجد لله فلا تدعوا، فعلى هذا اللام متعلقة، (بلا تدعوا، أي) فلا تدعوا مع الله أحداً في المساجد لأنها لله خاصة، ونظيره قوله: ﴿ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ ﴾ على معنى، ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، أي لأجل هذا المعنى فاعبدون.

المسألة الثانية: اختلفوا في المساجد على وجوه: أحدها: وهو قول الأكثرين: أنها المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله ويدخل فيها الكنائس والبيع ومساجد المسلمين، وذلك أن أهل الكتاب يشركون في صلاتهم في البيع والكنائس، فأمر الله المسلمين بالإخلاص والتوحيد.

وثانيها: قال الحسن: أراد بالمساجد البقاع كلها قال عليه الصلاة والسلام: «جعلت لي الأرض مسجداً» كأنه تعالى قال: الأرض كلها مخلوقة لله تعالى فلا تسجدوا عليها لغير خالقها.

وثالثها: روي عن الحسن أيضاً أنه قال: المساجد هي الصلوات فالمساجد على هذا القول جمع مسجد بفتح الجيم والمسجد على هذا القول مصدر بمعنى السجود.

ورابعها: قال سعيد بن جبير: المساجد الأعضاء التي يسجد العبد عليها وهي سبعة القدمان والركبتان واليدان والوجه، وهذا القول اختيار ابن الأنباري، قال: لأن هذه الأعضاء هي التي يقع السجود عليها وهي مخلوقة لله تعالى، فلا ينبغي أن يسجد العاقل عليها لغير الله تعالى، وعلى هذا القول معنى المساجد مواضع السجود من الجسد واحدها مسجد بفتح الجيم.

وخامسها: قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد بالمساجد مكة بجميع ما فيها من المساجد، وذلك لأن مكة قبلة الدنيا وكل أحد يسجد إليها، قال الواحدي: وواحد المساجد على الأقوال كلها مسجد بفتح الجيم إلا على قول من يقول: إنها المواضع التي بنيت للصلاة فإن واحدها بكسر الجيم لأن المواضع والمصادر كلها من هذا الباب بفتح العين إلا في أحرف معدودة وهي: المسجد والمطلع والمنسك والمسكن والمنبت والمفرق والمسقط والمجزر والمحشر والمشرق والمغرب، وقد جاء في بعضها الفتح وهو المنسك والمسكن والمفرق والمطلع، وهو جائز في كلها وإن لم يسمع.

المسألة الثالثة: قال الحسن: من السنة إذا دخل الرجل المسجد أن يقول لا إله إلا الله لأن قوله: ﴿ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً ﴾ في ضمنه أمر بذكر الله وبدعائه.

النوع الرابع: من جملة الموحى قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأَنَّ المساجد ﴾ من جملة الموحى.

وقيل معناه: ولأن المساجد ﴿ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ ﴾ على أنّ اللام متعلقة بلا تدعوا، أي: فلا تدعوا ﴿ مَعَ الله أَحَداً ﴾ في المساجد، لأنها لله خاصة ولعبادته.

وعن الحسن: يعني الأرض كلها؛ لأنها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجداً.

وقيل: المراد بها المسجد الحرام، لأنه قبلة المساجد.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه ﴾ [البقرة: 114] وعن قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله، فأمرنا أن نخلص لله الدعوة إذا دخلنا المساجد.

وقيل: المساجد أعضاء السجود السبعة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أسجد على سبعة آراب: وهي الجبهة، والأنف، واليدان، والركبتان، والقدمان» وقيل: هي جمع مسجد وهو السجود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ مُخْتَصَّةٌ بِهِ.

﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ فَلا تَعْبُدُوا فِيها غَيْرَهُ، ومَن جَعَلَ أنَّ مُقَدَّرَةٌ بِاللّامِ عِلَّةً لِلنَّهْيِ ألْغى فائِدَةَ الفاءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِ المَساجِدَ الأرْضُ كُلُّها لِأنَّها جُعِلَتْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسْجِدًا.

وقِيلَ: المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ ومَواضِعُ السُّجُودِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وآرابُهُ السَّبْعَةُ أوِ السَّجَداتُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ مَسْجِدٍ.

﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾ أيِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ العَبْدِ لِلتَّواضُعِ فَإنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ كَلامِهِ عَنْ نَفْسِهِ، والإشْعارُ بِما هو المُقْتَضِي لِقِيامِهِ.

﴿ يَدْعُوهُ ﴾ يَعْبُدُهُ ﴿ كادُوا ﴾ كادَ الجِنُّ.

﴿ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ مُتَراكِمِينَ مِنِ ازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ وسَمِعُوا مِن قِراءَتِهِ، أوْ كادَ الإنْسُ والجِنُّ يَكُونُونَ عَلَيْهِ مُجْتَمِعِينَ لِإبْطالِ أمْرِهِ، وهو جَمْعُ لِبْدَةٍ وهي ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ كَلِبْدَةِ الأسَدِ، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ «لُبَدًا» بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ وهي لُغَةٌ.

وقُرِئَ «لُبَّدًا» كَـ سُجَّدًا جَمْعُ لابِدٍ ولُبْدًا كَصُبْرٍ جَمْعُ لَبُودٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وأن المساجد لله} من جملة الموحى أن اللام متعلقة بلا تَدْعُواْ أي {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً} في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته وقيل المساجد أعضاء السجود وهي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ أنَّهُ اسْتَمَعَ ﴾ فَهو مِن جُمْلَةِ المُوحى والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَساجِدِ المَواضِعُ المُعَدَّةُ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ أيْ وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ فَلا تَدْعُوا ﴾ أيْ فَلا تَعْبُدُوا فِيها ﴿ مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ.

وقالَ الحَسَنُ المُرادُ كُلُّ مَوْضِعِ سُجِدَ فِيهِ مِنَ الأرْضِ سَواءُ أُعِدَّ لِذَلِكَ أمْ لا إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وكَأنَّهُ ذَلِكَ مِمّا في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا»» .

واشْتُهِرَ أنَّ هَذا مِن خَصائِصِ نَبِيِّنا  أيْ شَرِيعَتِهِ فَيَكُونُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ مِن قَبْلُ إنَّما تُباحُ لَهُمُ الصَّلاةُ في البِيَعِ والكَنائِسِ واسْتَشْكَلَ بِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُكْثِرُ السِّياحَةَ وغَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُسافِرُونَ فَإذا لَمْ تَجُزْ لَهُمُ الصَّلاةُ في غَيْرِ ما ذَكَرَ لَزِمَ تَرْكُ الصَّلاةِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ وهو بَعِيدٌ لا سِيَّما في الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِذا قِيلَ المَخْصُوصُ كَوْنُها مَسْجِدًا وطَهُورًا أيِ المَجْمُوعُ ويَكْفِي في اخْتِصاصِهِ اخْتِصاصُ التَّيَمُّمِ وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ الِاخْتِصاصُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَمِ السّالِفَةِ دُونَ أنْبِيائِها عَلَيْهِمُ السَّلامُ والخَضِرُ إنْ كانَ حَيًّا اليَوْمَ فَهو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَواءً كانَ نَبِيًّا أمْ لا لِخَبَرِ «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» وحُكْمُهُ قَبْلَهُ نَبِيًّا ظاهِرٌ والأمْرُ فِيهِ غَيْرَ نَبِيٍّ سَهْلٌ وقِيلَ المُرادُ بِها المَسْجِدُ الحَرامُ أيِ الكَعْبَةُ نَفْسُها أوِ الحَرَمُ كُلُّهُ عَلى ما قِيلَ والجَمْعُ لِأنَّ كُلَّ ناحِيَةٍ مِنهُ مَسْجِدٌ لَهُ قِبْلَةٌ مَخْصُوصَةٌ أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ قِبْلَةَ المَساجِدِ فَإنَّ كُلَّ قِبْلَةٍ مُتَوَجِّهَةٍ نَحْوَهُ جَعَلَ كَأنَّهُ جَمِيعُ المَساجِدِ مَجازًا وقِيلَ: المُرادُ هو وبَيْتُ المَقْدِسِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نَزَلَتْ ﴿ وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ إلَخِ في الأرْضِ =مَسْجِدًا لا المَسْجِدُ الحَرامُ ومَسْجِدُ إيلِيّا بَيْتُ المَقْدِسِ وأمْرُ الجَمْعِ عَلَيْهِ أظْهَرُ مِنهُ عَلى الأوَّلِ لا أنَّهُ كالأوَّلِ خِلافَ الظّاهِرِ وما ذُكِرَ لا يَتِمُّ دَلِيلًا لَهُ.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والزَّجّاجُ والفَرّاءُ المُرادُ بِها الأعْضاءُ السَّبْعَةُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ وهي القَدَمانِ والرُّكْبَتانِ والكَفّانِ والوَجْهُ أيِ الجَبْهَةُ والأنْفُ ورُوِيَ أنَّ المُعْتَصِمَ سَألَ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الكاظِمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَنْ ذَلِكَ فَأجابَ بِما ذَكَرَ.

وقِيلَ السَّجَداتُ عَلى أنَّ المَسْجَدَ بِفَتْحِ الجِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ ونُقِلَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وأنَّ المَساجِدَ ﴾ بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدُ والمَساجِدُ بِمَعْناها المَعْرُوفِ أيْ لِأنَّ ﴿ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ ولَمّا لَمْ تَكُنِ الفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ كانَتْ في الحَقِيقَةِ زائِدَةً فَلا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ ما بَعْدَها عَلَيْها نَعَمْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ جِيءَ بِها لِتَضَمُّنِ الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ أنْ يُوَحَّدَ ولا يُشْرَكَ بِهِ أحَدٌ فَإنْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ في سائِرِ المَواضِعِ فَلا تَدْعُوا مَعَهُ أحَدًا في المَساجِدِ لِأنَّ المَساجِدَ لَهُ سُبْحانَهُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ عَزَّ وجَلَّ فالإشْراكُ فِيها أقْبَحُ وأقْبَحُ ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ ﴿ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ﴾ ﴿ فَلْيَعْبُدُوا  ﴾ عَلى وجْهٍ ولا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الشَّرْطِ المُحَقِّقِ ويَنْدَفِعُ بِما ذَكَرَ لُزُومُ جَعِلِ الفاءِ لَغْوًا لِأنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ ومَعْناها مُسْتَفادٌ مِنَ اللّامِ المُقَدَّرَةِ وقِيلَ في دَفْعِهِ أيْضًا أنَّها تَأْكِيدٌ لِلّامِ أوْ زائِدَةٌ جِيءَ بِها لِلْإشْعارِ بِمَعْناها وأنَّها مُقَدَّرَةٌ والخِطابُ في ﴿ تَدْعُوا ﴾ قِيلَ لِلْجِنِّ وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّ الجِنَّ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عَنْكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

لِيُخاطِبَهم عَلى مَعْنى أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كانَتْ مَقْبُولَةً إذا لَمْ تُشْرِكُوا فِيها.

وقِيلَ هو خِطابٌ عامٌّ وعَنْ قَتادَةَ كانَ اليَهُودُ والنَّصارى إذا دَخَلُوا كَنائِسَهم وبَيَعَهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأُمْرِنا أنْ نُخْلِصَ لِلَّهِ تَعالى الدَّعْوَةَ إذا دَخَلْنا المَساجِدَ يَعْنِي بِهَذِهِ الآيَةِ.

وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بَدَلٌ (فَأُمِرْنا إلَخِ «فَأمَرَهم أنْ يُوَحِّدُوهُ» وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أيْضًا وقَرَأ كَما في البَحْرِ ابْنُ هُرْمُزٍ وطَلْحَةُ «وإنَّ المَساجِدَ» بِكَسْرِ هَمْزَةِ «إنَّ» وحَمْلِ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ.

قال الحسن: يعني: الصلاة لله تعالى وقال قتادة: كانت اليهود والنصارى يدخلون كنائسهم، ويشركون بالله تعالى.

فأمر الله تعالى نبيه  أن يخلص الدعوة له إذا دخل المسجد.

وقال القتبي: قوله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ يعني: السجود لله.

ويقال: هي المساجد بعينها يعني: بنيت المساجد، ليعبدوا الله تعالى فيها.

فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً يعني: لا تعبدوا أحداً غير الله تعالى.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم يَسْلُكْهُ بالياء، والباقون بالنون، وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

يقال: سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته، إذا أدخلته.

قوله عز وجل: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يعني: محمدا  لما قام إلى الصلاة ببطن نخلة.

يَدْعُوهُ يعني: يصلي لله تعالى، ويقرأ كتابه.

كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً يعني: يركب بعضهم بعضاً، ويقع بعضهم على بعض.

ثم قال عز وجل: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي.

قرأ حمزة، وعاصم: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي على معنى الأمر، يعني: قل يا محمد إنما أدعوا ربي، يعني: أعبده.

وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً.

قرأ الباقون على معنى الخبر عنهم.

قرأ ابن عامر في رواية هشام عَلَيْهِ لِبَداً بضم اللام، والباقون بكسرها ومعناهما واحد.

وقال القتبي: يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً أي: يتلبدون به رغبة في استماع القرآن.

يقال: لبدت به، أي: لصقت به، ومعناه: كادوا أن يلصقوا به.

قوله تعالى: قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً يعني: لا أقدر لكم خذلاناً ولا هداية.

قوله تعالى: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ يعني: لن يمنعني من عذاب الله أحد إن عصيته، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً يعني: ملجأ ولا مفراً.

إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ يعني: فذلك الذي يجيرني من عذاب الله ويقال في الآية تقديم، ومعناه قل: لا أملك لكم ضرا إلا أن أبلغكم رسالات ربي، يعني: ليس بيدي شيء من الضر والنفع والهداية، إلا بتبليغ الرسالة.

وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في التوحيد، ولم يؤمن به، فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي: مقيمين في النار أبداً، يعني: دائماً.

وقد تم الكلام.

ثم قال عز وجل: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ من العذاب يعني: لما رأوا العذاب، ويقال: معناه أمهلهم حتى إذا رأوا ما يوعدون في الدنيا وفي الآخرة، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً يعني: مانعاً من العذاب.

وَأَقَلُّ عَدَداً يعني: رجالاً.

فقالوا: متى هذا العذاب الذي تعدنا يا محمد؟

فنزل: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ يعني: ما أدري أقريب ما توعدون من العذاب، أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً؟

يعني: أجلاً ينتهي إليه.

قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ يعني: هو عالم الغيب، فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً يعني: هو الذي يعلم وقت نزول العذاب، ولا يطلع على غيبه أحداً من خلقه.

قوله تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ يعني: إلا من اختار لرسالته، فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب، ليكون دلالة لنبوته.

فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً يعني: من الملائكة بين يدي رسول الله  ومن خلفه، ليحفظوه من الشياطين لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ يعني: ليعلموا الرسول أن الذي أنزل إليه من رسالات الله وذلك أن الملائكة لو لم يرصدوهم، لما يستمعوا حين يقرأ جبريل، ثم يفشون ذلك قبل أن يخبرهم الرسول، فلا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق، ولا يكون للأنبياء دلالة، ثم لا يقبل قولهم.

وروى أسباط، عن السدي في قوله: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً إذا بعث إليه تعالى نبياً، جعل معه حفظة من الملائكة.

فإذا جاء الوحي من الله تعالى، قالت الملائكة: هذا من الله.

فإذا جاءه الشيطان، قالت الحفظة: هذا من الشيطان.

لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ يعني: ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا الرسالة لأنهم تمازحوا من استراق السمع.

وقال سعيد بن جبير: لم يجيء جبريل قط بالقرآن، إلا ومعه أربعة من الحفظة.

ثم قال عز وجل: وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ يعني: الله تعالى عالم بما عند الأنبياء ويقال: عالم بهم.

وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً يعني: عدد الملائكة، وعلم نزول العذاب ووقته وغير ذلك والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨)

وقوله سبحانه: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ...

الآية، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير: الضميرُ في قوله: اسْتَقامُوا عائِدٌ عَلى القاسِطينَ، والمعنى: لوِ اسْتَقَامُوا على طريقةِ الإسْلاَمِ والحَقِّ لأَنْعَمْنَا عليهم «١» ، وهذا المعنى نحوُ قوله تعالى:

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ...

[المائدة: ٦٥] الآية إلى قوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ والقَاسِطُ الظَّالِم، والماء الغَدَقُ هو الماءُ الكثيرُ، ولِنَفْتِنَهُمْ: معناه: لنختبرَهم، قال عمر بن الخطاب- رضي اللَّه عنه-: حيْثُ يكونُ الماءُ فَثَمَّ المالُ، وحَيْثُ المالُ فَثَمَّ الفِتْنَةُ «٢» ، ونَزَعَ بهذه الآية، وقال الحسن وجماعة من التابعين: كانتِ الصحابَةُ- رضي اللَّه عنهم- سَامِعينَ مُطِيعينَ فَلَمَّا فُتِحْتْ كُنُوزُ كِسْرَى وقَيْصَرَ على الناس، ثَارَتِ الفِتَن «٣» ، و «نسلكه» ندخله، وصَعَداً: معناه: شَاقًّا، وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري: صَعَداً جَبَلٌ في النارِ «٤» ، وأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ قيل:

أرادَ البيوتَ التي للعبادةِ والصلاةِ في كلِّ ملةٍ، وقال الحسن: أرادَ بها كلَّ موضِع يُسْجَدُ فيه إذ الأَرْضُ كلها جُعِلَتْ مَسْجِداً لهذه الأمة «٥» ، ورُوِيَ: أنّ هذه الآيةَ نَزَلَتْ بسبب تَغَلُّبِ قريشٍ عَلى الكعبةِ حينئذ، فقيل للنبي صلّى الله عليه وسلّم: المواضعُ كلُّها لِلَّهِ فَاعْبُدْه حيثُ كنتَ، قال ع «٦» : والمسَاجِدُ المخصوصَةُ بَيِّنَةُ التَمَكُنِ في كونها لِلَّهِ تعالى، فيصلُحُ أنْ تُفْرَدَ للعبادةِ، وكلِّ مَا هُوَ خَالِصٌ لِلَّهِ تعالى، وأنْ لاَ يُتَحَدَّثَ بها في أمورِ الدنيا، ولا يُجْعَلُ فيها لغير الله نصيب.

وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَساجِدُ الَّتِي هي بُيُوتُ الصَّلَواتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ قَتادَةُ: كانَتِ اليَهُودُ والنَّصارى إذا دَخَلُوا كَنائِسَهم وبِيَعَهم أشْرَكُوا، فَأمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُسْلِمِينَ أنْ يُخْلِصُوا لَهُ إذا دَخَلُوا مَساجِدَهم.

والثّانِي: الأعْضاءُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها العَبْدُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

فَيَكُونُ المَعْنى، لا تَسْجُدُوا عَلَيْها لِغَيْرِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالمَساجِدِ ها هُنا: البِقاعُ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ.

فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الأرْضَ كُلَّها مَواضِعُ لِلسُّجُودِ، فَلا تَسْجُدُوا عَلَيْها لِغَيْرِ خالِقِها.

والرّابِعُ: أنَّ المَساجِدَ: السُّجُودُ، فَإنَّهُ جَمْعُ مَسْجِدٍ.

يُقالُ: سَجَدْتُ سُجُودًا، ومَسْجِدًا، كَما يُقالُ: ضَرَبْتُ في الأرْضِ ضَرْبًا، ومَضْرِبًا، ثُمَّ يُجْمَعُ، فَيُقالُ: المَساجِدُ، والمَضارِبُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ واحِدُها: مَسْجَدًا: بِفَتْحِ الجِيمِ.

والمَعْنى: أخْلِصُوا لَهُ، ولا تَسْجُدُوا لِغَيْرِهِ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ الجِنِّ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا  "يَدْعُوهُ" أيْ: يَعْبُدُهُ.

وكانَ يُصَلِّي بِبَطْنِ نَخْلَةَ عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ في [الأحْقافِ: ٢٩] ﴿ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "لِبَدًا" بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ.

وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ "لُبَدًا" بِضَمِّ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مَعَ تَخْفِيفِها.

قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.

يُقالُ: لِبَدَةٌ، ولُبَدَةٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: كادَ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا.

ومِنهُ اشْتِقاقُ اللِّبَدِ الَّذِي يُفْتَرَشُ.

وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى شَيْءٍ فَقَدْ لَبَّدْتَهُ.

وقَرَأ قَوْمٌ مِنهُمُ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللّامِ مَعَ تَشْدِيدِ الباءِ.

قالَ الفَرّاءُ: فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ صِفَةً لِلرِّجالِ، كَقَوْلِكَ: رُكَّعًا ورُكُوعًا، وسُجَّدًا وسُجُودًا.

قالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ لابِدٍ، مِثْلُ راكِعٍ، ورُكَّعٍ.

وفي مَعْنى الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الجِنِّ يَحْكِي حالَهم.

والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا قامَ يُصَلِّي كادَ الجِنُّ لِازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، حِرْصًا عَلى سَماعِ القُرْآنِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، فَوَصَفُوا لَهم طاعَةَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ  وائْتِمامَهم بِهِ في الرُّكُوعِ، والسُّجُودِ فَكَأنَّهم قالُوا: لَمّا قامَ يُصَلِّي كادَ أصْحابُهُ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا.

وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لَمّا قامَ رَسُولُ اللَّهِ  بِالدَّعْوَةِ تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ، وتَظاهَرُوا عَلَيْهِ، لِيُبْطِلُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ "قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي" بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الباقُونَ "قالَ" عَلى الخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ  .

قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنَّكَ جِئْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فارْجِعْ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ﴾ أيْ: لا أدْفَعُهُ عَنْكم "وَلا" أسُوقُ إلَيْكم "رَشَدًا" أيْ: خَيْرًا، أيْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْلِكُ ذَلِكَ، لا أنا ﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ﴾ أيْ: إنْ عَصَيْتُهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنهُ أحَدٌ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ ﴿ وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ وقَدْ بَيَّنّاهُ في [الكَهْفِ ٢٧] ﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ إلّا أنْ أُبَلِّغَكم.

والثّانِي: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ إنْ لَمْ أُبْلِغْ رِسالَتَهُ.

وبِالأوَّلِ قالَ ابْنُ السّائِبِ.

وَبِالثّانِي قالَ مُقاتِلٌ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لَنْ يُجِيرَنِي مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما أُرْسِلْتُ، فَذَلِكَ البَلاغُ هو الَّذِي يُجِيرُنِي ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا رَأوْا ﴾ يَعْنِي: الكَفّارَ ﴿ ما يُوعَدُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، وهو القَتْلُ، وفي الآخِرَةِ ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا ﴾ أيْ: جُنْدًا ونَصْرًا، أهُمْ، أمِ المُؤْمِنُونَ؟

﴿ قُلْ إنْ أدْرِي ﴾ أيْ: ما أدْرِي ﴿ أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا ﴾ أيْ: غايَةً وبُعْدًا.

وذَلِكَ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لِلَّهِ وحْدَهُ ﴿ فَلا يُظْهِرُ ﴾ أيْ: فَلا يُطْلِعُ عَلى غَيْبِهِ الَّذِي يَعْلَمُهُ أحَدًا مِنَ النّاسِ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ لِأنَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ إخْبارَهم بِالغَيْبِ.

والمَعْنى: أنَّ مَنِ ارْتَضاهُ لِلرِّسالَةِ أطْلَعَهُ عَلى ما شاءَ مِن غَيْبِهِ.

وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن زَعَمَ أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّ عَلى الغَيْبِ فَهو كافِرٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ يَحْفَظُ ذَلِكَ الَّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ الرَّسُولَ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ يَدَيِ الرَّسُولِ ﴿ وَمِن خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ أيْ: يَجْعَلُ لَهُ حَفَظَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ الوَحْيَ مِن أنْ تَسْتَرِقَهُ الشَّياطِينُ، فَتُلْقِيَهُ إلى الكَهَنَةِ، فَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ  النّاسَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيِ المَلَكِ ومِن خَلْفِهِ رَصْدًا.

وقِيلَ: يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيِ الوَحْيِ.

فالرَّصَدُ مِنَ المَلائِكَةِ يَدْفَعُونَ الشَّياطِينَ عَنْ أنْ تَسْتَمِعَ ما يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ  أنَّ جِبْرائِيلَ قَدْ بَلَّغَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ  أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ "قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ" وأنَّ اللَّهَ قَدْ حَفِظَها فَدَفَعَ عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: لِيَعْلَمَ مُكَذِّبُو الرُّسُلِ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ مَوْجُودًا ظاهِرًا يَجِبُ بِهِ الثَّوابُ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ  ﴾ ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والخامِسُ: لِيَعْلَمَ النَّبِيُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهُ، ولَمْ تَصِلْ إلى غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

وَقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ "لِيُعْلَمَ" بِضَمِّ الياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقْرَأُ "لِتَعْلَمَ" بِالتّاءَ، يُرِيدُ: لِتَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ عَنْ إلِاهِهِمْ بِما رَجَوْا مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ "وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ" أيْ: عَلِمَ اللَّهُ ما عِنْدَ الرُّسُلِ "وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا" فَلَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ حَتّى الذَّرُّ والخَرْدَلُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ ﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِنَ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "اسْتَقامُوا".

قالَ أبُو مِجْلَزٍ، والفَرّاءُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَحّاكُ -بِخِلافٍ عنهُ-: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مَن أسْلَمَ"، "الطَرِيقَةُ" طَرِيقَةُ الكُفْرِ، لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ الناسِ لَأسْقَيْناهم ماءً إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "القاسِطِينَ"، والمَعْنى: عَلى طَرِيقَةِ الإسْلامِ والحَقِّ، وهَذا المَعْنى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عنهم سَيِّئاتِهِمْ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ أبْيَنُ، لِأنَّ اسْتِعارَةَ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا" بِضَمِّ الواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا تَشْبِيهٌ بِواوِ الجَماعَةِ ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى  ﴾ ، والماءُ الغَدَقُ هو الماءُ الكَثِيرُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غَدَقًا" بِفَتْحِ الدالِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ الأعْمَشِ عنهُ- بِكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِنَفْتِنَهم فِيهِ" إنْ كانَ المُسْلِمُونَ فَمَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، وإنْ كانَ القاسِطُونَ فَمَعْناهُ: لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهُمْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَيْثُ يَكُونُ الماءُ فَثَمَّ المالُ، وحَيْثُ المالُ فَثَمَّ الفِتْنَةُ"، ونَزَعَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ: كانَتِ الصَحابَةُ مُطِيعِينَ سامِعِينَ، فَلَمّا فَتُحِتْ كُنُوزُ كِسْرى وقَيْصَرَ وثَبَ بِعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقَتَلَ وثارَتِ الفِتَنُ.

و"يَسْلُكْهُ" مَعْناهُ: يَدْخُلْهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَسْلُكْهُ" بِفَتْحِ الياءِ أيْ: يَسْلُكُهُ اللهُ، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "يُسْلِكُهُ" بِضَمِّ الياءِ، مِن أسْلَكَ، وهُما بِمَعْنًى، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "نَسْلُكُهُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: "نَسْلُكُهُ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ، و"صَعَدًا" مَعْناهُ: شاقًّا، تَقُولُ: "فُلانٌ في صَعَدٍ مِن أمْرِهِ" أيْ في مَشَقَّةٍ، و"هَذا أمْرٌ يَتَصَعَّدُنِي"، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ما تَصَعَّدَنِي شَيْءُ كَما تَتَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِكاحِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: صَعِدَ: جَبَلٌ في النارِ، وقَرَأ قَوْمٌ: "صُعُدًا" بِضَمِّ الصادِ والعَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الصادِ والعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بِضَمِّ الصادِ وفَتْحِ العَيْنِ، قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: لا راحَةَ فِيهِ.

ومَن فَتَحَ الألِفَ مِن "وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ" جَعَلَها عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ  ﴾ ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، و"المَساجِدَ" قِيلَ: أرادَ بِها البُيُوتَ الَّتِي هي لِلْعِبادَةِ والصَلاةِ في كُلِّ مِلَّةٍ، وقالَ الحَسَنُ: أرادَ كُلَّ مَوْضِعِ سَجَدَ فِيهِ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أو لَمْ يَكُنْ؛ إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَغَلُّبِ قُرَيْشٍ عَلى الكَعْبَةِ حِينَئِذٍ، فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ  : المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى فاعْبُدْهُ حَيْثُ كانَ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: المَساجِدُ: الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ -بِفَتْحِ الجِيمِ-، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عنكَ؟

فَنَزَلَتِ الآيَةُ يُخاطِبُهم بِها عَلى مَعْنى: أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ، وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: مَعْنى الآيَةِ: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا -أيْ لِهَذا السَبَبِ-، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ "لِإيلافِ قُرَيْشٍ...

فَلْيَعْبُدُوا"، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً  ﴾ والمَساجِدُ المَخْصُوصَةُ بَيِّنَةُ التَمَكُّنِ في كَوْنِها لِلَّهِ تَعالى فَيَصِحُّ أنَّ تُفْرَدَ لِلصَّلاةِ والدُعاءِ وقِراءَةِ العِلْمِ وكُلِّ ما هو خالِصٌ لِلَّهِ تَعالى، وألّا يَتَحَدَّثَ فِيها في أُمُورِ الدُنْيا، ولا يَتَّجِرُ، وتُتَّخَذُ طُرُقًا، ولا يُجْعَلُ فِيها لِغَيْرِ اللهِ نَصِيبٌ، ولَقَدْ قَعَدْتُ لِلْقَضاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالمِرْيَةِ ثُمَّ رَأيْتُ فِيهِ مِن سُوءِ خُلُقِ المُتَخاصِمِينَ وصِياحِهِمْ وأيْمانِهِمْ وفُجُورِ الخِصامِ وغائِلَتِهِ ودُخُولِ النِسْوانِ ما رَأيْتُ تَنْزِيهَ البَيْتِ عنهُ فَقَطَعَتِ القُعُودُ لِلْأحْكامِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللهِ تَعالى ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الجِنِّ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ -عَلى ما تَقَدَّمَ-: "وَأنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، و"العَبْدُ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، قالَ قَوْمٌ: هو نُوحٌ والضَمِيرُ في "كادُوا" لِلْجِنِّ، والمَعْنى أنَّهم كادُوا يَتَقَصَّفُونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ، وقَرَأ آخَرُونَ: "وَإنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، و"العَبْدُ" مُحَمَّدٌ  ، والضَمِيرُ في "كادُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْجِنِّ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِكُفّارِ قَوْمِهِ ولِلْعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ، ولا يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "العَبْدُ" نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ إلّا عَلى تَحامُلٍ في تَأْوِيلِ نَسَّقَ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى الآيَةِ إنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، و"العَبْد" مُحَمَّد  ، والضَمِيرُ في "كادُوا" لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يُطَوِّعُونَ لَهُ وَيَقْتَدُونَ بِهِ في الصَلاةِ، فَهم عَلَيْهِ لِبَدُ، واللُبَدُ الجَماعاتُ، شُبِّهَتْ بِالشَيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ بْنِ مَنافِ بْنِ رُبْعٍ: صابُوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ....

حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِيًا لَبَدا يُرِيدُ الجَرادَ، سَمّاهُ جانِيًا لِأنَّهُ يَجْنِي كُلَّ الأشْياءِ بِأكْمَلِهِ، [وَيُرْوى جابِيًا بِالباءِ لِأنَّهُ يَجْبِي الأشْياءَ بِأكْلِهِ].

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لَبَدا" بِكَسْرِ اللامِ، جَمْعُ لُبْدَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَبَدا" بِضَمِّ اللامِ وتَخْفِيفِ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وهو جَمْعٌ أيْضًا، ورُوِيَ عَنِ الجَحْدَرِيِّ "لُبُدًا" بِضَمِّ اللامِ والباءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِبَّدا" بِكَسْرِ اللامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُما-: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وشَدِّ الباءِ، وهو جَمْعُ "لابُدَ"، فَإنَّ قَدَّرْنا الضَمِيرَ لِلْجِنِّ فَبِتَقَصُّفِهِمْ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ الذِكْرِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَحّاكِ، وإنْ قَدَّرْناهُ لِلْكَفّارِ فَبِتَمالُئِهِمْ عَلَيْهِ وإقْبالِهِمْ عَلى أمْرِهِ بِالتَكْذِيبِ والرَدِّ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

و"يَدْعُوهُ" مَعْناهُ: يَعْبُدُهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بِنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "قالَ إنَّما أدْعُوا رَبِّي"، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ السَبْعَةِ، هو جَمْعٌ لا بُدَّ فَإنَّ قَدَّرْنا الضَمِيرَ لِلْجِنِّ فَتَقْصِفُهم عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ الذِكْرِ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأدْعُوا مَعْناهُ أعْبُدُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ تُؤَيِّدُ أنَّ "العَبْدَ" هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأيُّوبُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "قالَ إنَّما أدْعُوا"، وهَذِهِ تُؤَيِّدُ أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، وإنْ كانَ الِاحْتِمالُ باقِيًا مِن كِلَيْهِما، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ الياءِ مِن "رَبِّي" وفي سُكُونِها.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى مُحَمَّدًا  بِالتَبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ لِأحَدٍ ضَرًّا ولا رَشَدًا، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى وقَرَأ الأعْرَجُ "رُشُدا" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لا أمْلِكُ لَكم غَيًّا ولا رُشْدًا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ سِواهُ.

و"المُلْتَحَدُ": المَلْجَأُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ ويَرْكَنُ، ومِنهُ الإلْحادُ والمَيْلُ، ومِنهُ اللَحْدُ الَّذِي يُمالُ بِهِ إلى أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اتفق القراء العشرة على فتح الهمزة في ﴿ وأن المساجد لله ﴾ فهي معطوفة على مرفوع ﴿ أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن ﴾ [الجن: 1]، ومضمونها مما أوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأُمر بأن يقوله.

والمعنى: قل أوحي إلي أن المساجد لله، فالمصدر المنسبك مع ﴿ أنَّ ﴾ واسمها وخبرها نائب فاعل ﴿ أُوحي ﴾ [الجن: 1].

والتقدير: أوحي إلي اختصاص المساجد بالله، أي بعبادته لأن بناءها إنما كان ليعبد الله فيها، وهي معالم التوحيد.

وعلى هذا الوجه حمل سيبويه الآية وتبعه أبو علي في «الحُجة».

وذهب الخليل أن الكلام على حذف لام جر قبل ﴿ أنّ ﴾ ، فالمجرور مقدم على متعلَّقه للاهتمام.

والتقدير: ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً.

واللام في قوله ﴿ لله ﴾ للاستحقاق، أي الله مستحقها دون الأصنام والأوثان فمن وضع الأصنام في مساجد الله فقد اعتدى على الله.

والمقصود هنا هو المسجد الحرام لأن المشركين كانوا وضعوا فيه الأصنام والأنصاب وجعلوا الصنم (هُبَل) على سطح الكعبة، قال تعالى: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ﴾ [البقرة: 114] يعني بذلك المشركين من قريش.

وهذا توبيخ للمشركين على اعتدائهم على حق الله وتصرفهم فيما ليس لهم أن يغيروه قال تعالى: ﴿ وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه ﴾ [الأنفال: 34]، وإنما عبر في هذه الآية وفي آية ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ﴾ [البقرة: 114] بلفظ ﴿ مساجد ﴾ ليدخل الذين يفعلون مثل فعلهم معهم في هذا الوعيد ممن شاكلهم ممن غيّروا المساجد، أو لتعظيم المسجد الحرام، كما جُمع ﴿ رسلي ﴾ في قوله: ﴿ فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ﴾ [سبأ: 45]، على تقدير أن يكون ضمير ﴿ وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلاّ سحر مبين ﴾ [سبأ: 43] أي كذبوا رسولي.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وقوم نوح لما كذَّبوا الرسل أغرقناهم ﴾ [الفرقان: 37] يريد نوحاً، وهو أول رسول فهو المقصود بالجمع.

وفرع على اختصاص كون المساجد بالله النهي عن أن يدعوا مع الله أحداً، وهذا إلزام لهم بالتوحيد بطريق القول بالموجَب لأنهم كانوا يزعمون أنهم أهل بيت الله فعبادتهم غير الله منافية لزعمهم ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي الصَّلَواتِ لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: أنَّها الأعْضاءُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها لِلَّهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الثّالِثُ: أنَّها المَساجِدُ الَّتِي هي بُيُوتُ اللَّهِ لِلصَّلَواتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ مَوْضِعٍ صَلّى فِيهِ الإنْسانُ، فَإنَّهُ لِأجْلِ السُّجُودِ فِيهِ يُسَمّى مَسْجِدًا.

﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ أيْ فَلا تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، وفي سَبَبِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ الأعْمَشُ أنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنا نَشْهَدْ مَعَكَ الصَّلاةَ في مَسْجِدِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّانِي: ما حَكاهُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أنَّ الحُمْسَ مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وهم كِنانَةُ وعامِرٌ وقُرَيْشٌ كانُوا يُلَبُّونَ حَوْلَ البَيْتِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ نَهْيًا أنْ يَجْعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا دَخَلَ المَسْجِدَ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُمْنى وقالَ: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ اللَّهُمَّ أنا عَبْدُكَ وزائِرُكَ، وعَلى كُلِّ مَزُورٍ حَقٌّ وأنْتَ خَيْرُ مَزُورٍ فَأسْألُكَ بِرَحْمَتِكَ أنْ تَفُكَّ رَقَبَتِي مِنَ النّارِ وإذا خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرى وقالَ: اللَّهُمَّ صُبَّ الخَيْرَ صَبًّا ولا تَنْزِعْ عَنِّي صالِحَ ما أعْطَيْتَنِي أبَدًا ولا تَجْعَلْ مَعِيشَتِي كَدًّا واجْعَلْ لِيَ في الخَيْرِ جِدًّا» ( .

﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قامَ إلى الصَّلاةِ يَدْعُو رَبَّهُ فِيها، وقامَ أصْحابُهُ خَلْفَهُ مُؤْتَمِّينَ، فَعَجِبَتِ الجِنُّ مِن طَواعِيَةِ أصْحابِهِ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ قامَ إلى اليَهُودِ داعِيًا لَهم إلى اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أعْوانًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: جَماعاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ، ومِنهُ اللَّبَدُ لِاجْتِماعِ الصُّوفِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقالَ ذُو الرُّمَّةِ ومَنهَلٍ آجِنٍ قَفْرٍ مَوارِدُهُ خُضْرٍ كَواكِبُهُ مِن عَرْمَصٍ لَبِدِ.

وَفِي كَوْنِهِمْ عَلَيْهِ لِبَدًا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الجِنُّ حِينَ اسْتَمَعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ قِراءَتَهُ، قالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ الجِنُّ والإنْسُ في تَعاوُنِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ في الشِّرْكِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ يَعْنِي ضَرًّا لِمَن آمَنَ ولا رَشَدًا لِمَن كَفَرَ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَذابًا ولا نَعِيمًا.

الثّانِي: مَوْتًا ولا حَياةً.

الثّالِثُ: ضَلالًا ولا هُدًى.

﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ﴾ رَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْطَلَقْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  لَيْلَةَ الجِنِّ حَتّى أتى الحَجُونَ فَخَطَّ خَطًّا ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَقالَ سَيِّدٌ لَهم يُقالُ لَهُ ورْدانُ: أنا أزْجُلُهم عَنْكَ، فَقالَ: (إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ)» ويَحْتَمِلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنْ يُجِيرَنِي مَعَ إجارَةِ اللَّهِ لِي أحَدٌ.

الثّانِي: لَنْ يُجِيرَنِي مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أحَدٌ.

﴿ وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَلْجَأً ولا حِرْزًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ولِيًّا ولا مَوْلًى، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ.

الثّالِثُ: مَذْهَبًا ولا مَسْلَكًا، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يا لَهَفَ نَفْسِي ولَهْفِي غَيْرَ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ.

﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا أمْلِكُ ضَرًّا ولا رَشَدًا إلّا أنْ أُبْلِغَكم رِسالاتِ اللَّهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ إنْ لَمْ أُبْلِغْ رِسالاتِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

رَوى مَكْحُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ الجِنَّ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وكانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، وفَرَغُوا مِن بَيْعَتِهِ عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ يقول: منا المسلم ومنا المشرك ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ قال: أهواء شتى.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: ﴿ طرائق قدداً ﴾ قال: المنقطعة في كل وجه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر وهو يقول: ولقد قلت وزيد حاسر ** يوم ولت خيل زيد قدداً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ قال: أهواء مختلفة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ قال: مسلمين وكافرين.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن السدي في قوله: ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ يعني الجن هم مثلكم قدرية ومرجئة ورافضة وشيعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ الآية، قالوا: لن نمتنع منه في الأرض ولا هرباً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا يخاف بخساً ولا رهقاً ﴾ قال: لا يخاف نقصاً من حسناته ﴿ ولا رهقاً ﴾ ولا أن يحمل عليه ذنب غيره.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومنا القاسطون ﴾ قال: العادلون عن الحق.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ومنا القاسطون ﴾ قال: هم الظالمون.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ومنا القاسطون ﴾ قال: هم الجائرون، وفي قوله: ﴿ وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ قال: لو آمنوا كلهم ﴿ لأسقيناهم ﴾ لأوسعنا لهم من الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة ﴾ قال: أقاموا ما أمروا به ﴿ لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ قال: معيناً.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ﴾ الآية، قال: يقول لو استقاموا على طاعة الله وما أمروا به لأكثر الله لهم من الأموال حتى يغتنوا بها، ثم يقول الحسن: والله إن كان أصحاب محمد لكذلك، كانوا سامعين لله مطيعين له، فتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر، فتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة ﴾ قال: طريقة الإِسلام ﴿ لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ قال: لأعطيناهم مالاً كثيراً.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ماء غدقاً ﴾ قال: كثيراً جارياً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الشاعر يقول: تدني كراديس ملتفاً حدائقها ** كالنبت جادت به أنهارها غدقاً وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السري قال: قال عمر ﴿ وأَلَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ قال: لأعطيناهم مالاً كثيراً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ لأسقيناهم ماء غدقاً ﴾ قال: كثيراً، والماء المال.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ماء غدقاً ﴾ قال: عيشاً رغداً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ قال: لنبتليهم به.

وفي قوله: ﴿ ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً ﴾ قال: مشقة العذاب يصعد فيها.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ قال: لنبتليهم حتى يرجعوا إلى ما كتب عليهم وفي قوله: ﴿ عذاباً صعداً ﴾ قال: مشقة من العذاب.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسلكه عذاباً صعداً ﴾ قال: جبلاً في جهنم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ عذاباً صعداً ﴾ قال: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ عذاباً صعداً ﴾ قال: صعوداً من عذاب الله لا راحة فيه.

وأخرج هناد عن مجاهد وعكرمة في قوله: ﴿ عذاباً صعداً ﴾ قال: مشقة من العذاب.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ يسلكه ﴾ بالياء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأن المساجد لله ﴾ قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا بيت المقدس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال: قالت الجن: يا رسول الله ائذن لنا فنشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله: ﴿ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ يقول: صلوا لا تخالطوا الناس.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناؤون عنك؟

أو كيف نشهد الصلاة ونحن ناؤون عنك؟

فنزلت ﴿ وأن المساجد لله ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وأن المساجد لله ﴾ الآية، قال: إن اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بربهم، فأمرهم أن يوحدوه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخلص الدعوة لله إذا دخل المسجد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ ﴾ أراد المساجد على الاطلاق وهي بيوت عبادة الله، وروي أن الآية نزلت بسبب تغلب قريش على الكعبة، وقيل: أراد الأعضاء التي يسجد عليها، واحدها مَسْجَد بفتح الجيم وهذا بعيد، وعطف أن المساجد لله على أوحي إليّ أنه استمع، وقال الخليل: معنى الآية: لأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً، أي لهذا السبب فلا تعبدوا غير الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات {وأنه  } إلى قوله ﴿ وأنا منا المسلمون ﴾ بالفتح: يزيد وابن عامر وحمزة وعلي وخلف وحفص.

والمشهور عن أبي جعفر أنه كان يفتح الألف في سبعة مواضع ﴿ أنه ﴾ ﴿ وأنه ﴾ في خمسة مواضع، واثنين في قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ وهما بالفتح لا غير بالإتفاق.

﴿ تقول الإنس ﴾ بالتشديد من التفعل: يعقوب ﴿ يسلكه ﴾ على الغيبة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب الباقون: بالنون ﴿ وإنه لما قام ﴾ بالكسر: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ لبداً ﴾ بالضم: هشام.

﴿ قل إنما أدعو ﴾ على الأمر: عاصم وحمزة ويزيد الآخرون ﴿ قال ﴾ على صيغة الماضي والضمير لعبد الله ﴿ ربي أمداً ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ليعلم ﴾ مبنياً للمفعول: يعقوب.

الوقوف: ﴿ عجباً ﴾ ه لا ﴿ فآمنا به ﴾ ط للعدول عن الماضي المثبت إلى ضدهما.

ثم الوقف على الآيات التي بعد أن جائز ضرورة انقطاع النفس والوقف في قراءة الكسر أجوز ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ولا ولداً ﴾ ه ﴿ شططاً ﴾ ه لا ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ وشهباً ﴾ ه ﴿ للسمع ﴾ ط ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ قدداً ﴾ ه ﴿ هرباً ﴾ ه ﴿ آمنا به ﴾ ط ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ ومنا القاسطون ﴾ ه ط للابتداء بالشرط ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ حطباً ﴾ ه لا ﴿ غدقاً ﴾ ه لا ﴿ فيه ﴾ ج ﴿ صعداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وأنه ﴾ بالفتح ﴿ لبداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ ورسالاته ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ه لا لأن حتى للابتداء بما بعدها ﴿ عدداً ﴾ ه لا ﴿ أمداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لا ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ عدداً ﴾ ه.

التفسير: روى يونس وهارون عن أبي عمرو ﴿ وحي ﴾ بضم الواو من غير ألف.

والوحي والإيحاء بمعنى وهو إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء وسرعة كالإلهام وإنزال الملك وقد مر مراراً.

وقرىء ﴿ أحي ﴾ بقلب الواو همزة.

والكلام في الجنِّ اسماً وحقيقته قد سلف في الاستعاذة وكذا بيان اختلاف الروايات أنه  هل رأى الجن أم لا، وذلك في آخر سورة " حم الأحقاف ".

والذي أزيده ههنا ما ذكره بعض حكماء الإسلام أنه لا يبعد أن تكون الجن أرواحاً مجردة كالنفوس الناطقة، ثم يكون لكل واحد منهم تعلق بجزء من أجزاء الهواء كما أن أول متعلق النفس الناطقة هو الروح الحيوني في القلب، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل التدبير والتصرف فيه كما للنفس الناطقة في البدن، ومنهم من جوز أن يكون الجن عبارة عن النفوس الناطقة التي فارقت أبدان الإنسان فتتصرف فيما يناسبها من الأرواح البشرية التي لم تفارق بعد فتعينها بالإلهام إن كانت خيرة، وبالوسوسة إن كانت بالضد.

أما الذاهبون إلى أن الجن أجسام فمنهم الأشاعرة القائلون بأن البنية ليست شرطاً في الحياة وأنه لا يبعد أن يخلق الله  في الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة على أعمال شاقة، فعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة وسواء كان أجزاؤهم صغاراً أو كباراً.

ثم الأمر بالخروج إليهم وقراءة القرآن عليهم لا أنه رآهم وعرف جوابهم.

والله  أوحى في هذه السورة.

ومنهم من قال: البنية شرط وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة.

ومن الأولين من جوز أن يكون المرئي حاضراً والشرائط حاصلة والموانع مرتفعة، ثم أنا لا نراه.

وأعلم أن ما ذكرنا في تفسير الأحقاف عن ابن عباس أنه  ما رأة الجن.

وعن ابن مسعود أنه رآهم.

فالجمع بين القولين أن ما ذكره ابن عباس لعله وقع أولاً فأوحى الله إليه في هذه السورة أنهم قالوا كذا وكذا، أو رآهم وسمع كلامهم وآمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم وذكروا لقومهم على سبيل الحكاية ﴿ أنا سمعنا قرآناً عجباً ﴾ إلى آخره كقوله في " الأحقاف " ﴿ فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين  ﴾ أوحى الله  إلى نبيه محمد  ما جري بينهم وبين قومهم.

والفائدة فيه أن يعلم أنه مبعوث إلى الثقلين وأن الجن مكلفون كالأنس وأنهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا، وأن المؤمن منهم يدعو سائرهم إلى الإيمان.

وأجمع القراء على فتح ﴿ أنه استمع ﴾ لأنه فاعل ﴿ أوحي ﴾ وكذا على فتح ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ لأنه يعلم بالوحي فهما معطوفان على ﴿ أنه استمع ﴾ وأجمعوا على كسر ﴿ إنا ﴾ في قوله ﴿ إنا سمعنا ﴾ لأنه وقع بعد القول.

وفي البواقي خلاف، فمن كسر فمحمول على مقول القول وأنه صريح من كلام الجن، ومن فتح فعلى أنه فاعل ﴿ أوحى ﴾ ولا بد من تقدير ما في الحكاية ليكون حكاية كلام الجن كأنه قيل: وحكوا أنه  جد ربنا إلى آخره إلا في قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ فإنه كاللذين تقدماه يصح وقوعه فاعل ﴿ أوحي ﴾ من غير تقدير، وجوز صاحب الكشاف فيمن قرأ بفتح الكل في قوله {وأنه  جد ربنا} ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ وكذلك البواقي أن يكون معنا صدقنا.

قلت: وفيه نظر لنبوه عن الطبع في أكثر المواضع إذ لا معنى لقول القائل مثلا: صدقنا أنا لمسنا السماء وصدقنا أنا لما سمعنا الهدى آمنا به.

وبالجملة فكلامه في هذا المقام غير واضح ولا لائق بفضله.قوله  ﴿ عجباً ﴾ مصدر وضع موضع الوصف للمبالغة أي قرآناً عجباً بديعاً خارجاً عن حد أشكاله بحسن مبانيه وصحة معانية ﴿ يهدي إلى الرشد ﴾ أي الصواب أو التوحيد والإيمان ﴿ فآمنا به ﴾ لأن الإيمان بالقرآن إيمان بكل ما فيه من التوحيد والنبوة والمعاد، ويجوز أن يكون الضمير لله لأن قوله ﴿ ولن نشرك بربنا ﴾ يدل عليه بعد دلالة الحال ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك.

ذكر الحسن أن فيهم يهود ونصارى ومجوساً ومشركين.

قلت: ومما يدل على أن فيهم نصارى قوله  {وأنه  جد ربنا} أي عظمته مكن قولهم " جد فلان في عيني " أي عظم.

وفي حديث عمر كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا.

ويحتمل أن يراد ملكه وسلطانه أو غناه استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء المجودون.

وفي الحديث " "لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ " قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه.

وفي حديث آخر " قمت على باب الجنة فإذا غلقه من يدخلها من الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون " يعني أصحاب الغنى في الدنيا أي ارتفع غنى ربنا عن الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد كأنهم بسماع القرآن تنبهوا على خطا أهل الشرك من أهل الكتاب وغيرهم.

فقوله ﴿ ما اتخذ ﴾ بيان للأول.

وقيل: الجد أبو الأب وإن علا فهو مجاز عن الأصل أي  أصل ربنا وهو حقيقته المخصوصة عن جميع جهات التعلق بالغير قاله الإمام في التفسير الكبير.

النوع الثالث مما ذكره الجن قوله ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً ﴾ السفه خفة العقل، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولاً هو في نفسه شطط، وصف بالمصدر للمبالغة.

والسفيه إبليس أو غيره من مردة الجن الذين جاوزا الحد في طرف النفي إلى أن أفضى إلى التعطيل، أو في طرف الإثبات إلى أن أدى إلى الشريك والصاحبة والولد.

الرابع ﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً ﴾ أي إنما أخذنا قول الغير لأنا ظننا أن لا يفتري الكذب على الله أحد، فلما سمعنا القرآن عرفنا أنهم قد يكذبون.

وقال جار الله ﴿ كذباً ﴾ صفة أي قولاً مكذوباً فيه، أو مصدر لأن الكذب نوع من القول.

ومن قرأ بالتشديد وضع ﴿ كذباً ﴾ موضع تقولا ولم يجعله صفة لأن التقول لا يكون إلا كذباً.

قال بعض العلماء: فيه ذم لطريقة أهل الطريق وحث على الاستدلال والنظر.

الخامس ﴿ وأنه كان رجال من الإنس ﴾ الآية.

قال جمهور المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في واد قفر خاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت في جوار منهم حتى يصبح.

وقال آخرون: إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي أن يصيبنا آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما أفزعهم الجن فهربوا.

وقيل: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً لكن من شر الجن كأن يقول مثلاً: أعوذ برسول الله  من شر جن هذا الوادي.

وإنما ذهبوا إلى هذا التأويل ظناً منهم بأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وضعف بأنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلاً.

أما قوله ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ فمعناه أن الإنس لاستعاذتهم بهم زادوهم إثماً وجراءة وطغياناً وكبراً لأنهم إذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس.

وقيل: ضمير الفاعل للجن أي فزاد الجن الإنس خوفاً وغشيان شر بإغوائهم وإضلالهم فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استولوا واجترؤا عليهم.

السادس ﴿ وأنهم ﴾ أي الإنس ﴿ ظنوا كما ظننتم ﴾ أيها الجن قاله بعضهم لبعض.

وقيل: هذه الآية والتي قبلها من جملة الوحي بلا تقدير الحكاية.

والضمير في ﴿ وأنهم ﴾ للجن، والخطاب في ﴿ ظننتم ﴾ لأهل مكة.

والأولى أن يكون الكلام من كلام الجن لئلا يقع كلام أجنبي في البين.

السابع ﴿ وأنا لمسنا السماء ﴾ قال أهل البيان: اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب التعرف، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها.

والحرس إسم مفرد في معنى الحراس كالخدم بمعنى الخدام ولها لم يقل شداد.

الثامن ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إلى آخره وفي قوله ﴿ شهاباً رصداً ﴾ وجوه: قال مقاتل: يعني رمياً بالشهب ورصداً من الملائكة وهو اسم جمع كما قلنا في حرس.

فقوله ﴿ رصداً ﴾ كالخبر بعد الخبر وقال الفراء: هو فعل بمعنى مفعول أي شهاباً قد رصد ليرجم به.

وقيل: بمعنى فاعل أي شهاباً راصداً لأجله.

واعلم أنا قد بينا في هذا الكتاب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث نبينا  وقد جاء ذكرها في الجاهلية وفي كتب الفلاسفة، وإنما غلظت وشدد أمرها عند البعث لئلا يتشوش أمر الوحي بسبب تخليط الكهنة.

وفي قوله ﴿ كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إشارة إلى أن الجنّ كانوا يجدون بعض المقاعد خالية عن الشهب والحرس والآن ملئت المقاعد كلها.

التاسع ﴿ وأنا لا ندري ﴾ الآية.

وفيه قولان: أحدهما لا ندري أن المقصود من منع الإستراق شر أريد بمن في الأرض أم خير وصلاح.

وثانيهما لا نعلم أن المقصود من إرسال محمد الذي وقع المنع من الإستراق لأجله هو أن يكذبوه فيهلكوا كما هلك المكذبون من الأمم السالفة، أو أن يؤمنوا فيهتدوا، وفيه اعتراف من الجن بأنهم لا يعلمون الغيب على الإطلاق.

العاشر ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ أي قوم أدون حالاً في الصلاح من المذكورين حذف الموصوف واكتفى بالصفة كما في قوله ﴿ وما منا الإله مقام معلوم  ﴾ وهذا القسم يشمل المقتصدين والصالحين.

وقوله ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ بيان للقسمة المذكورة، فالطرائق جمع الطريقة بمعنى السيرة والمذهب، والقدد جمع قدة من قد كالقطعة من قطع أي كنا قبل الإسلام ذوي مذاهب متفرقة مختلفة أوعلى حذف المضاف أي كانت طرائقنا طرائق قدد، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة.

الحادي عشر ﴿ وأنا ظننا ﴾ أي تيقنا وقد استعمل الظن الغالب مكان اليقين ﴿ أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ إن أراد بنا أمر ﴿ ولن نعجزه هرباً ﴾ أي هاربين أو بسبب الهرب إن طلبنا وفيه إقرار منهم بأن الله غالب على كل شيء.

الثاني عشر ﴿ وأنا لما سمعنا الهدى ﴾ الآية.

عنوا سماعهم القرآن وإيمانهم به.

وقوله ﴿ فلا يخاف ﴾ في تقدير مبتدأ أو خبر أي فهو لا يخاف وإلا قيل بالجزم وبدون الفاء، والفائدة في هذا المساق تحقيق أن المؤمن ناجٍ لا محالة كأنه وقع فأخبر أنه لا يخاف ودلالة على أنه هو المختص بذلك دون غيره إذ يعلم من بناء الكلام على الضمير أن غيره خائف.

وقوله ﴿ بخساً ولا رهقاً ﴾ على حذف المضاف أي جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهق ظلم أحد، وفيه أن المؤمن ينبغي أن يكون غير باخس ولا ظالماً.

ويجوز أن يراد لا يخاف البخس من الله لأنه يجزي الجزاء الأحسن الأوفر ولا ترهقه ذلة.

الثالث عشر ﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾ أي الجائرون عن طريق الحق بالكفر والعدوان وهو قريب من العاشر إلا أن في هذا النوع تفصيل جزاء الفريقين فذكر الإيعاد صريحاً وفي الوعد اقتصر على ذكر سببه وهو تحري الرشد أي طلب الصواب المستتبع للثواب.

قال المبرد: أصل التحري من قولهم ذلك أحرى وأحق وأقرب.

وقال أبو عبيدة: تحروا توخوا.

وفي العدول عن الحقيقة إلى المجاز في جانب الوعد بشارة وإشارة إلى تحقيق الثواب لما عرفت مراراً أن المجاز أبلغ من الحقيقة.

قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ معطوف على ﴿ إنه استمع ﴾ كما مر ومعناه أوحى إليّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريق المثلى.

وجوز جمع من المفسرين أن يعود الضمير في ﴿ استقاموا ﴾ إلى الأنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بهم لا بالجن، ولأن الآية روي أنها نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين.

وزعم القاضي أن الثقلين.

يدخلون في الآية لأنه أثبت حكماً معللاً بعلة وهو الاستقامة فوجب أن يعم الحكم بعموم العلة.

وأما قول من يقول إن الضمير عائد إلى الجن فله معنيان: أحدهما لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم.

وذكر الماء الغدق وهو الكثير كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع لأنه أصل البركات، فتكون الآية نظير قوله ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم  ﴾ وثانيهما لو استقام الجن الذين استمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الإستماع ولو ينتقلوا عنها إلى الإسلام لو سعنا عليهم الرزق في الدنيا ليذهبوا بطيباتهم في الحياة الفانية ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا  ﴾ إلى آخره.

وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس فالوجهان جاريان فيه بعينهما.

وعن أبي مسلم: إن المراد بالماء الغدق جنات تجري من تحتها الأنهار يعني في الجنة.

واحتجاج الأشاعرة بقوله ﴿ لنفتنهم ﴾ على أنه  هو الذي يضل عباده ويوقعهم في الفتن والمحن.

والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هنا بمعنى الاختبار كقوله ﴿ ليبلوكم  ﴾ ثم بين وعيد المعرضين عن عبادة الله ووحيه.

وانتصب ﴿ عذاباً صعداً ﴾ على حذف الجار أي في عذاب صعد كقوله ﴿ ما سلككم في سقر  ﴾ أو على تضمين معنى الإدخال.

الصعد مصدر بمعنى الصعود، ووصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه.

وقد روى عكرمة عن ابن عباس أن ﴿ صعداً ﴾ جبل في جهنم من صخرة ملساء يكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، وإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسلفها ثم يكلف الصعود مرة أخرى، وهكذا أبداً ومن جملة الوحي قوله ﴿ وأن المساجد لله ﴾ ذهب الخليل أن الجار محذوف ومتعلقه ما بعده أي ولأجل أن المساجد لله خاصة ﴿ فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ فيها عن الحسن عني بالمساجد الأرض كلها لأنها جعلت للنبي  مسجداً وهو مناسب لمدح النبي  في هذا المقام أي كما أنه مفضل على الأنبياء ببعثه إلى الثقلين فكذلك خص بهذا المعجز الآخر.

وقال جمع كثير من المفسرين: إنها كل موضع بني للصلاة ويشمل مساجدنا والبيع والكنائس أيضاً.

قال قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا بالإخلاص والتوحيد وعن الحسن أيضاً أن المساجد جمع مسجد بالفتح فيكون مصدراً بمعنى السجود.

وعلى هذا قال سعيد بن جبير: المضاف محذوف أي مواضع السجود من الجسد لله وهي الآراب السبعة: الوجه والكفان والركبتان والقدمان.

وقال عطاء عن ابن عباس: هي مكة بجميع ما فيها من المساجد، وأنها قبة الدنيا فكل أحد يسجد إليها.

قال الحسن: من السنة أن الرجل إذا دخل المسجد أن يقول " لا إله إلا الله " لأن قوله ﴿ لا تدعوا مع الله أحداً ﴾ في ضمنه أمر بذكر الله بدعائه.

قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ هو النبي باتفاق المفسرين.

ثم قال الواحدي: هذا من كلام الجن لأن الرسول لا يليق به أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة.

ولا يخفى ضعفه فإنه وارد على طريق التواضع والأدب في الإفتخار بالانتساب إلى عبودية المعبود الحق، وهذا طريق مسلوك في المحاورات والمكاتبات.

يقولون: عبدك كذا وكذا دون أن يقال " فعلت كذا ".

وفي تخصيص هذا اللفظ بالمقام دون الرسول والنبي نكتة أخرى لطيفة هي أن ما قبله النهي عن عبادة غير الله وما بعده ذكر عبادة النبي إياه.

فإن كان هذا من جملة الوحي فلا إشكال في النسق، وإن كان من كلام الجن وفرض أن ما قبل قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ أيضاً من كلامهم كانت الآيتان المتوسطتان كالاعتراض بين طائفتي كلام الجن.

ومناسبة الاستقامة على الطريقة وتخصيص المساجد بعبادة الله وحده لما قبلها ظاهرة فلا اعتراض على هذا الاعتراض.

وفي قوله ﴿ كادوا ﴾ ثلاثة أوجه أظهرها أن الضمير للجن، والقيام قيام النبي  بصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته متزاحمين عليه متراكمين تعجباً مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه.

والثاني بأن الضمير للمشركين والمعنى لما قام رسولاً يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين كاد المشركون لتظاهرهم عليه يزدحمون على عداوته ودفعه.

والثالث قول قتادة أي لما قام عبد الله تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره.

و ﴿ لبداً ﴾ جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد.

والتركيب يدور على الإجتماع ومنه اللبد.

ومن قرأ ﴿ قل إنما أدعو ﴾ فظاهر وهو أمر من الله  لنبيه  بأن يقول لأمته المتظاهرين أو للجن عند ازدحامهم: ليس ما ترون من عبادتي ربي بأمر بديع وإنما يتعجب ممن يدعو غير الله وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام الجن لقومهم حكاية عن رسول الله  .

ثم أمر أن يخبر أمته بكلمات قاطعة للأسباب والوسائل سوى الإيمان والعمل الصالح.

والرشد بمعنى النفع، والضر بمعن الغي، وكل منها إمارة على ضده.

ثم من ههنا إلى قوله ﴿ إلا بلاغاً ﴾ اعتراض أكد به نفي الاستطاعة وإثبات العجز على معنى أن الله إن أراد به سوأ لن يخلصه منه أحد ولن يجد من غير الله ملاذاً ينحرف إليه.

والمقصود أني لا أملك شيئاً إلا البلاغ الكائن من الله ورسالاته، فالجار صفة لا صلة لأن التبليغ إنما يعدى بـ " عن " قال  " بلغوا عني ولو آية " قال الزجاج: انتصب ﴿ بلاغاً ﴾ على البدل أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به.

قلت: على هذا جاز أن يكون استثناء منقطعاً.

وقيل: أن لا أبلغ بلاغاً لم أجد ملتحداً كقولك " أن لا قياماً فقعوداً ".

استدل جمهور المعتزلة بقوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ الآية.

على أن الفساق من أهل القبلة مخلدون في النار، ولا يمكن حمل الخلود على المكث الطويل لاقترانه بقوله ﴿ أبداً ﴾ وأجيب بأن الحديث في التبليغ عن الله فلم لا يجوز أن تكون هذه القرينة مخصصة؟

أي ومن يعص الله في تبليغ رسالته وأداء وحيه، ومما يقوي هذه القرينة أن سائر عمومات الوعيد لم يقرن بها لفظ ﴿ أبداً ﴾ فلا بد لتخصيص المقام بها من فائدة وما هي إلا أن التقصير في التبيلغ أعظم الذنوب.

وقد يجاب أيضاً بأن قوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ لا يحتمل أن يجري على عمومه كأن يراد ومن يعص الله بجميع أنواع المعاصي.

فمن المحال أن يقول شخص واحد بالتجسيم وبالتعطيل، وإذا صار هذا العام مخصصاً بدليل العقل فلم لا يجوز أن يتطرق إليه تخصيص آخر كأن يقال: ومن يعص اله بالكفر.

وحينئذ لا يبقى للخصم شبهة بل نقول: لا حاجة إلى التزام تخصيص آخر، فإن الآتي بالكفر آت بجميع المعاصي الممكنة الجمع.

قال جار الله: ﴿ حتى إذا ﴾ متعلق بقوله ﴿ يكونون عليه لبداً ﴾ أي يتظاهرون عليه بالعداوة إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة حين يعلم يقيناً أن الكافر أضعف الفريقين.

وجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا.

ثم أمره بأن يفوّض علم تعيين الساعة إلى الله لأنه عالم الغيب ﴿ ومن رسول ﴾ بيان ﴿ لمن ارتضى ﴾ وفيه أن الإنسان المرتضى للنبوة قد يطلعه الله  على بعض غيوبه، وعلم الكهنة والمنجمين ظن وتخمين فلا يدخل فيه، وعلم الأولياء إلهامي لا يقوى قوة علوم الأنبياء كنور القمر بالنسبة إلى ضياء الشمس.

وههنا أسرار لا أحب إظهارها فلنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ فإنه يسلكه ﴾ الأكثرون على أن الضمير لله  .

وسلك بمعنى أسلك.

﴿ رصداً ﴾ مفعول أي يدخل الله من أمام المرتضى ووزائه حفظة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك.

وفي الكلام إضمار التقدير.

إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي ثم يسلك.

وقيل: الضمير للمرتضى وسلك بمعنى سار وفاعله الملائكة ﴿ ورصداً ﴾ حال.

قال في الكواشي: ثم بين غاية الإظهار والسلك فقال ﴿ ليعلم ﴾ أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، ومثل هذا التركيب قد مر مراراً.

قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن قد أبلغ جبرائيل ومن معه من الملائكة الوحي بلا تحريف وتغيير.

وقوله ﴿ من بين يديه ﴾ مع قوله ﴿ أن قد أبلغوا ﴾ كقوله ﴿ فإن له نار جهنم خالدين ﴾ من الحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى.

ثم ما ذكرنا وهو أن المراد بالعلم هو الظهور بقوله ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ من الحكم والشرائع أي وقد أحاط قبل به.

ثم عمم العلم فقال ﴿ وأحصى كل شيء ﴾ من ورق الأشجار وزبد البحار وقطر الأمطار.

و ﴿ عدداً ﴾ مصدر في معنى الإحصاء أو حال أي ضبط كل شيء معدوداً محصوراً أو تمييز والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ هم المؤمنون و ﴿ دُونَ ذَلِكَ ﴾ هم الكافرون.

ويشبه أن يكون ﴿ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ ، و ﴿ دُونَ ذَلِكَ ﴾ ليس على الإيمان والكفر؛ لأن هذا قد ذكر فيما تقدم من الآيات بقوله: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ ﴾ ، ولو كان التأويل على ما ذكروا، لكان يقع موقع التكرار؛ ولكن تأويله عندنا: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ ﴾ ، أي: منا من عرف بالصلاح والستر، ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ وهم الفسقة؛ فيكون فيه إبانة أن كل أهل دين فيهم الصالح المرضي، وفيهم الفاسق المفسد في دينه؛ قال الله  : ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ  ﴾ ، ولو لم يكن منا غير صالح، لم يكن لاشتراط الصالحين معنى، وكقوله  : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  ﴾ ، فلو لم يكن منا أهل فسق، لما قال هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً ﴾ .

أي: أهواء متفرقة، ولم يذكروا في الأهواء المتفرقة الأصلح والأدون، وذكروا ذلك عند ذكر الفاسق والصالح؛ لأن أهل الأهواء كلٌّ [يظن] في نفسه: أنه هو المحق، وغيره على الباطل، وأما الفاسق فهو يعرف أنه يتعاطى بفسقه ما لا يحل له، ويرتكب ما نهي عنه، وكذلك كل من شاهد فسقه يعرف أنه على الباطل؛ وإن كان كذلك، ظهر الدون فيه، وظهر الصالح، ولم يظهر ذلك في اعتقاد المذاهب؛ فلم يتكلم فيه بالدون والصلاح.

ثم الطرائق هي المذاهب والأهواء، والقدد: القطع، يقال: قَدَّه، أي: قطعه، فمعناه: أنا كنا على مذاهب متفرقة، وأهواء متشتتة، ففي الآية أن في الجن أهواء متفرقة، كما [أن] ذلك في الإنس، والأصل فيه أن طريق معرفة المذهب والدين الفكر والاجتهاد [ليتوصل به] إلى الحق، والمجتهد قد يصيب الطريق مرة، ويزيغ عنه أخرى؛ فلهذا ما أصاب البعض من الخلائق الطريق المستقيم، ومنهم من زاغ عنه.

ويعلم بهذا أن سبيل الجن في التوحيد وسبيل الإنس واحد، وهو الفكر، وله الاجتهاد، وأن فيهم آيات متشابهة كما في الإنس؛ إذ عن المتشابه يتولد الزيغ؛ لذلك تفرقوا على أهواء [متفرقة] مختلفة، وأما أسباب الفسق مجتمعة، فتعرف بالمعاينة، فيظهر الأدون والأرفع في الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ﴾ : ذكر أبو بكر الأصم أنه على كفرهم ظنوا ألا يعجزوا الله  .

ولكن أكثر أهل التأويل ذكروا أن الظن هاهنا في موضع العلم، ويؤيد تأويلهم قراءة حفصة -  ا - فإنها كانت تقرأ: ﴿ وأنا علمنا أن لن نعجز الله في الأرض فَرَرَةً ولن نسبقه هربا ﴾ .

فقوله: ﴿ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: لن نفوته، ولا يتهيأ لنا أن نعجز الله بأهل الأرض عن إيصال نقمته وعذابه إلينا.

ويخرج قوله: ﴿ فَرَرَةً ﴾ على ذلك، أي: لو فررنا من عذابه، لن نعجزه ألا يعذبنا.

والفرار قد يكون بدون الطلب؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، ولم يرد به الفرار من الطلب، وأما الهرب فإنه لا يكون إلا عن طلب؛ فكأنهم قالوا: لا يتهيأ لنا الفرار عن عذاب الله  ؛ لكثرة الأعوان والأنصار، ولا يعجزه هربنا عن طلب.

أو أن يكون قوله عز وجل: ﴿ لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وإن دخلنا تحت تخوم الأرضين، ولن نعجزه بالهرب على وجه الأرض، فيكون فيه إقرار بأنا لا نقدر بالحيل والأسباب أن نحترز من عذاب الله  ، كما يتهيأ الاحتراز عن ملوك الأرض بالحيل والأسباب.

ثم مثل هذا الكلام يصدر عن أهل الإسلام؛ لأن مثل هذا الكلام إنما يتكلم به من يخاف حلول نقم الله  عليه، والذي أيقن بالبعث، ويذكر مقامه بين يدي ربه، وأما أهل الكفر: فلم يؤمنوا بالبعث حتى يحملهم خوف العاقبة على النظر في مثل هذا؛ فثبت أن هذه المقالة صدرت عن أهل الإسلام، ليس عن أهل الكفر؛ كما ذكره أبو بكر الأصم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ﴾ .

فالهدى هو الدعاء إلى الحق، فيحتمل أن يكون لما دعينا إلى الحق - وهو القرآن - آمنا به؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ  ﴾ ، أي: يدعو إليه، وقال [الله  ] في أول السورة: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ  ﴾ .

ويجوز أن يكون الهدى هو الاهتداء، أي: لما سمعنا ما به اهتدينا.

وظن أبو بكر الأصم أنهم كانوا كفرة إلى أن سمعوا الهدى فآمنوا به؛ لأنه لو كانوا على الهدى من قبل لكان الإيمان منهم سابقا؛ فلا يكون قوله: ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ وقد آمنوا من قبل - معنى، وليس يثبت كفرهم بما ذكر؛ لأنه قد يجوز أن يكونوا على الإيمان فلما سمعوا الهدى، أحدثوا إيمانا بهذا الهدى على ما سبق منهم من الإيمان بالجملة؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ، وقال: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ  ﴾ ، أي: زادوا إيمانا؛ [بالتفسير على] ما سبق منهم من الإيمان بالجملة لأنهم لم يكونوا من قبل مؤمنين، فأحدثوه للحال، وكذلك قال: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، وقد هدوا الصراط المستقيم، ولكنهم يريدون بهذا الدعاء أن اهدنا بالإشارة والتعيين إليه الصراط [المستقيم] على ما هديتنا في الجملة؛ فكذلك إحداثهم الإيمان بما سمعوا من الهدى لا ينفي عنهم الإيمان فيما سبق من الأوقات، بل يجوز أن يكونوا مؤمنين من قبل، ثم يحدثوا الإيمان بكل أمر يجيئهم من عند الله - عز وجل -، ولا يدل إيمانهم [به] على أنهم لم يكونوا من قبل مسلمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً ﴾ .

قال - رحمه الله -: إنه لا أحد من أهل الإيمان من جني ولا إنسي يخاف البخس والرهق من الله  إلا المعتزلة؛ فإنهم يخافون ذلك؛ لأنهم ليسوا يخرجون مرتكبي الكبائر من الإيمان، ثم يطلقون القول فيهم: إنهم يخلدون في النار، وفي التخليد خوف البخس والرهق، بل فيه ما يزيد على البخس؛ لأن البخس هو النقصان، وفي التخليد ذهاب منفعة الإيمان ومنفعة الخيرات التي سبقت منهم.

وقال  : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا  ﴾ ، والمعتزلة تزعم أنه [لو] آخذهم بالخطأ والنسيان، كان جائراً.

وقال: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا  ﴾ وهم يزعمون أنه لو أزاغ قلوبهم بعد الهدى، كان ذلك منه جورا وظلما، فهم أبدا على خوف من جور ربهم.

ونحن نقول بأنه لو آخذهم به، كان يكون ذلك منه عدلا، وإذا عفا عنهم، كان ذلك منه إنعاما وإفضالا، فنحن ندعو الله  ، ونتضرع إليه ألا يعاملنا بعدله فنهلك، بل يعاملنا بالإفضال والإنعام.

وعلى قول المعتزلة من ارتكب كبيرة، ردت عليه حسناته، وصار عدوّاً لله  ، وخلد في النار أبد الآبدين، والله يقول: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا  ﴾ ، وأولى الحسنات التي يستوجب عليها المضاعفة هو الإيمان بالله  ، فلا يجوز أن يخلد في النار، ويذهب عنه منفعة الإيمان،  الله عما يقولون علوّاً كبيرا.

ثم قوله: ﴿ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: البخس: النقصان، أي: لا ينقص من حسناته، والرهق: الظلم؛ كقوله  : ﴿ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً  ﴾ ، وأن يحمل عليه من سيئات ارتكبها غيره.

والثاني: ﴿ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً ﴾ ، أي: ألا تقبل حسناته إذا تاب، ﴿ وَلاَ رَهَقاً ﴾ أي: ظلم؛ فلا يحسب له من حسناته شيئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ .

القاسط: الجائر والمقسط: العادل.

ثم في العدل ثلاث لغات؛ يقال عدل عنه: إذا مال وجار.

وعدل به: إذا جعل له شريكا وعديلا.

وعدل فيه: إذا حكم بالعدل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً ﴾ : التحري والتوخي هو القصد؛ فكأنه يقول: قصد الرشد بالإسلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: دلت الآية على أن للجن لحما ودما كما للإنس؛ [لأنه] قال في الإنس: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ  ﴾ ، فلو لم يكونوا لحما ودما، لم يصيروا لجهنم حطبا.

ولكن هذا لا يدل؛ لأن اللحم من شأنه أن يحترق وينضج، ولا يصلح أن يكون وقودا، ولكن الله  باللطف، صير لحمان الإنس وقودا، ليس أن صار حطبا بما كان لحما، فليس في الآية دلالة ما ذكر.

بل فيها أن الجن قد امتحنوا بالعبادة كما امتحن بها الإنس، وأنهم إذا عصوا ربهم استوجبوا العقاب مثل ما يستوجبه الإنس.

ثم ذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: ليس للجن ثواب، وعليهم العقاب إذا عصوا.

ومعنى قوله: ليس لهم ثواب عندنا، ليس يريد به أن الله  لا يرضى عنهم إذا عبدوه، ولا تعظم منزلتهم عنده، ولكنه يريد به أن الذي وعد للإنس من المآكل والمشارب والأزواج الحسان والحور في الجنة على الخلود - ليس لهم فيها؛ لأن الوعد من الله  بها جرى للإنس، ولم يجر الوعد للجن، ولا ذكر ذلك في شيء من القرآن، والذي وعد به الإنس طريقه الإفضال والإنعام، لا أن يكون ذلك حقّاً للإنس قِبَلَه، فإذا لم يجر لهم الوعد بذلك، لم يجب القول لهم بالموعود.

وأما العقاب فإن الحكمة توجب التعذيب لمن كفر به؛ فلا يجوز أن تكون الحكمة توجب تعذيب الكفرة، ثم لا يعذب الجن إذا كفروا؛ فلذلك وجب القول بعقابهم، ولم يجب القول بالثواب، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ﴾ ، اختلف فيه: فمنهم من قال: طريقة الهدى.

ومنهم من قال: طريقة الكفر.

فمن قال: المراد: هو طريقة الهدى، قالوا: إن الطريقة المعروفة المعهودة هي طريق الله  ، فعند الإطلاق، تنصرف إليه؛ كالدين متى ذكر مطلقا ينصرف إلى دين الحق، وكذلك: السبيل المطلق؛ قال الله  : ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، وهو الإسلام.

ثم يخرج هذا على وجوه: أحدها: ينصرف إلى الكفرة أنهم: ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ ، أي: لو أجابوا إلى ما يدعون إليه من الهدى، ﴿ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ﴾ ، أي: وسعنا عليهم العيش، وكثرنا أموالهم، ويكون ذكر الماء هاهنا كناية عن السعة؛ لأن سعة الدنيا كلها تتصل بالماء، والماء أصلها؛ قال الله  : ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  ﴾ ، فأخبر أن رزق الخلق في السماء، والذي ينزل من السماء الماء، وهو المطر، وجعل ذلك رزقا، إذ هو أصل رزق الخلق؛ فكذلك ذكر [الماء] هاهنا كناية عن السعة من الوجه الذي ذكرنا.

فإن كان على هذا؛ فيكون الخطاب راجعا إلى الوقت الذي كانوا ابتلوا فيه بالقحط والسنين؛ فوعد لهم أنهم لو أجابوا إلى ما دعوا إليه يرفع عنهم القحط والسنين، ويوسع عليهم في الرزق، وهو كقول نوح وهود وغيرهما، ووعدهم قومهم بإرسال الأمطار، وتكثير الأنزال والأموال والأولاد ونحوه.

ويجوز أن يكون هذا في أصحاب رسول الله  ؛ فإنهم كانوا في أول الإسلام في ضيق الحال، وشدة من العيش، وكانوا يتفرقون في الشعاب والأودية؛ لشدة ما حل بهم من الجوع؛ ليصيبوا من عشبها، وعند اشتداد الحال تخاف النفس من إهلاكها والتبديل، فوعدوا السعة في العيش ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ التي كانوا عليها، أي: داموا عليها ولم يبدلوا الدين بالهوى والحق بالباطل، كما وعد لهم النصر والظفر على الأعداء، مع قلة أنصارهم إن داموا على الإسلام.

ويحتمل ما قال بعضهم: أن تأويل قوله: ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ أي: لو أسلم أهل الأرض كلهم جميعا، لوسعنا عليهم الدنيا، وكثرنا أموالهم وأولادهم؛ حتى يفتنوا فيها ويمتحنوا بمحن شديدة، فيحتمل البعث منهم فيبقوا مؤمنين، ولا يتحمل البعض فيبغون ويعودون إلى ما كانوا عليه من الكفر؛ حتى لا يقع الخلف في وعدنا؛ فإن الله  وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولا يجوز أن يقع في وعيده خلف، وهم لو استقاموا على الطريقة، ولم يبغوا، أدى ذلك إلى خلف الوعيد؛ لأنه لا يملؤه إذا داموا على الطريقة ولم يبغوا، وتكون الحكمة في بغيهم أن يعرف الخلق أن الله -  - لم يخلقهم لمنافع تحصل له، ولكن خلقهم لأنفسهم: إن أحسنوا [أحسنوا] لأنفسهم، وإن أساءوا فعليهم، ولو أبقاهم على الطريقة المستقيمة، وظهرت الموالاة في الجملة، لكان يسبق إلى الأوهام: أنه إنما خلقهم لمنافع نفسه.

وهذا من الله  بيان علمه بما لا يكون أن لو كان كيف يكون؛ إذ الله  علم الإيمان من البعض، والكفر من البعض؛ للحكمة التي ذكرنا، وغيرها مما يقف على بعضها الخلق دون البعض، وحكم بذلك، ثم أخبر أنه لو حكم بأن يستقيم الكل على طريقة الحق، ويؤمنوا، لم يحكم على طريق الأبد في حق الكل، بل حكمه أن يستقيم عليها البعض إلى مدة، ثم يترك، ويبدل الحق بالباطل ويدوم البعض عليها؛ تحقيقا لما ذكرنا من الحكمة؛ وهو كقوله  : ﴿ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ ، أي: لو لم نفرض عليهم الجهاد والخروج إلى القتال، لبرز الذين [منتهى آجالهم القتل] إلى حوائج أنفسهم، فيقتلون، بيانا منه لحكمه الذي يحكم أنه لو حكم كيف كان؛ فكذا هذا.

وأما من قال: معناه: طريقة الكفر، فهو أن يكون المراد من الاستقامة هاهنا: الإقامة، ولفظة "الإقامة" يعبر بها عن الإقامة على الكفر والإسلام جميعا، وتكون ﴿ ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ هاهنا إشارة إلى الطريقة التي كانوا عرفوها قبل الإسلام وهي الكفر، وإن كانت الطريقة إذا أطلق ذكرها، أريد بها طريقة الهدى؛ لأن طريقة الكفر هي التي كانت معروفة فيما بينهم، وكذلك ذكر أهل التأويل: أن الطريقة [هاهنا طريقة الكفر] فقوله: ﴿ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ﴾ ، أي: وسعنا عليهم، وكثرنا أموالهم؛ ليعلموا جود ربهم؛ حيث بسط عليهم الرزق مع اختيارهم عداوته؛ كما بسط الرزق على أوليائه، وليعلموا أن حلمه يجاوز الحد حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم ولم يعجل بإنزال النقمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ فالفتنة: المحنة التي فيها الشدة، فإن كان هذا في أهل الكفر، ففي بسط الرزق عليهم محنة شديدة؛ لأن ذلك يمنعهم عن الخضوع والانقياد لرسول الله  ؛ لما يروا من الفضل على من دونهم في المال والسعة؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ  ﴾ وكذلك قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ .

وإن كان التأويل منصرفا إلى أهل الإسلام، ففي التوسيع عليهم محنة شديدة؛ وكذلك جميع ما امتحنا به فيه شدة، قال الله  : ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ فما من حال تعترض الإنسان إلا وله فيها شدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ : جائز أن يكون: ومن يعرض عن طاعة ربه وعبادته، أو يعرض عن توحيده، أو يعرض عن القرآن؛ إذ هو ذكر.

والإعراض هاهنا عبارة عن الإيثار والاختيار، أي: من يختار ذكر غير الله  على ذكره، أو طاعة غيره على طاعته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً  ﴾ فجائز أن يكون الصعد، والصعود على التحقيق؛ كما ذكره أهل التفسير: أنهم يكلفون الصعود على جبل من نار، فلا يقدرون إلا بعد شدة عظيمة، ثم إذا بلغوا أعلاها يهوون فيها، فيكون ذلك دأبهم.

وجائز أن يكون على التمثيل؛ وذلك لأن الصعود أشد من الهبود؛ فيكون الصعود عبارة عن المشقة هاهنا: أنه يستقبله ما يشق عليه.

وقيل: المشقة التي عليهم هي ما يحل بهم من العذاب متتابعا عذابا بعد عذاب.

وقال القتبي: الصعود: المشقة، يقال: صعد عليَّ هذا الأمر: يشق عليَّ.

وروي عن عمر -  - أنه قال: "ما يصعدني أمر ما يصعدني خطبة النكاح"، أي: ما يشق عليَّ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ﴾ : أي: ما يسجد فيه، وما يسجد به، فما يسجد فيه هو البقاع، وما يسجد به هو الجوارح؛ فكأنه يقول بأن البقاع التي يسجد فيها والأعضاء التي يسجد بها لله  ؛ لأنه هو الذي خلقها وأنشأها، والمساجد التي بنيت فإنما تبنى لعبادة الله  ، وليدعى فيها فلا يشركوا غيره في العبادة والدعاء.

وقال بعضهم: أراد بالمساجد المسجد الحرام؛ روي ذلك عن الضحاك وغيره؛ فكأنه إنما صرف التأويل إلى المسجد الحرام؛ لأن هذه السورة مكية ولم يكن في غيرها من البقاع مساجد.

وقال بعضهم: المساجد هاهنا البيع والكنائس؛ لأن البيع والكنائس بنيت؛ ليعبد الله  فيها، فنهاهم أن يعبدوا فيها غير الله  ، فيخرج هذا مخرج الاحتجاج أنكم قد علمتم أن المساجد بنيت لتعبدوا الله فيها فلا تعبدوا فيها غيره، وإذا كان الله منشئها وخالقها دون غيره، فكيف تشركون معه غيره في العبادة والدعاء وليس هو بمنشئ لها؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ﴾ .

جائز أن يكون على الدعاء نفسه، فيكون معناه: ألا تدعوا مع الله أحدا؛ لأن الإله اسم المعبود، [و] كان القوم إذا عبدوا شيئا سموه: إلها؛ فيقول: لا تدعوا مع الله أحداً [إلها؛ فإنه هو الإله، وهو المستحق للعبادة] من كل أحد.

وجائز أن يكون أريد بالدعاء العبادة؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: "الدعاء مخ العبادة" ، وقال  : ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ  ﴾ ؛ فجعل دعاءهم إياه عبادة منهم له؛ فيكون قوله: ﴿ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ﴾ ، أي: لا تشركوا غيره معه في العبادة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ : [منهم من يقول: إنهم ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ ] على جهة الرغبة فيه [والموالاة] له؛ فقوله ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ ، أي: كاد يلتصق بعضهم إلى بعض مثل اللبد ليتصلوا برسول الله  [أو ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: على رسول الله  ]، كادوا يلتصقون برسول الله؛ حبا لما سمعوا من رسول الله  أو حرصا على حفظ ما سمعوا أو تعجباً مما سمعوا؛ فكانوا يحرصون على حفظ ما سمعوا؛ لأنهم كانوا من منذري الجن؛ فحرصوا على حفظه ووعيه؛ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم؛ وتعجبوا مما سمعوا؛ لأنهم سمعوه من مكان لم يكن مكان قراءة الكتب، وسمعوا من الأمي الذي لم يقرأ كتابا قط، ولا عرف المكتوب؛ فتعجبوا منه أشد التعجب.

والتلبد: التصاق الشيء بالشيء التصاقا لا يفصل بعضه عن بعض، وسمي اللبد: لبدا من هذا؛ لأن الصوف يلتصق بعضه ببعض حتى لا يميز.

ومنهم من زعم أنهم فعلوا [هذا؛ لشدة] معاداتهم لرسول الله  ؛ فيكون على هذا منصرفا إلى الكفرة؛ الإنس منهم والجن، فيخبر أنهم اجتمعوا وتظاهروا؛ ليطفئوا نور الله، فأبى الله  إلا أن يتم نوره، فإن كان منصرفاً إلى الكفرة، فقوله: ﴿ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾ معناه: [أي]: لما قام محمد  [يدعو إلى الله ويوحده]، ويدعو الخلق إلى عبادته وطاعته - هَمَّ المشركون من [الإنس والجن]، وتلبدوا على هذا الأمر أن يطفئوه؛ فأبى الله  إلا أن ينصره ويمضيه.

وإن كان هذا من أهل الإسلام من الجن، والدعاء راجع إلى العبادة؛ فكأنه يقول: لما قام بعبادة الله  وهي الصلاة، كادوا يكونون عليه لبدا؛ لشدة حرصهم في تحفظ ما سمعوا، وشدة حبهم لرسول الله  ، ولما سمعوا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأن المساجد له سبحانه لغيره، فلا تدعوا مع الله فيها أحدًا، فتكونوا مثل اليهود والنصارى في كنائسهم وبيَعهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.nLrDA"

مزيد من التفاسير لسورة الجن

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله