الآية ٦٥ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٦٥ من سورة الأنفال

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ ٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٥ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٥ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال : ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ) أي : حثهم وذمر عليه ؛ ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرض على القتال عند صفهم ومواجهة العدو ، كما قال لأصحابه يوم بدر ، حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض .

فقال عمير بن الحمام : عرضها السماوات والأرض !

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم فقال : بخ بخ ، فقال : ما يحملك على قولك بخ بخ ؟

قال : رجاء أن أكون من أهلها !

قال : فإنك من أهلها ، فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه ، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن ، ثم ألقى بقيتهن من يده ، وقال : لئن أنا حييت حتى آكلهن إنها لحياة طويلة !

ثم تقدم فقاتل حتى قتل ، رضي الله عنه .

وقد روي عن سعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير : أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر بن الخطاب ، وكمل به الأربعون .

وفي هذا نظر ؛ لأن هذه الآية مدنية ، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة ، والله أعلم .

ثم قال تعالى مبشرا للمؤمنين وآمرا : ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ) كل واحد بعشرة ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة .

قال عبد الله بن المبارك : حدثنا جرير بن حازم ، حدثني الزبير بن الخريت عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة ، ثم جاء التخفيف ، فقال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال)، حُثَّ متبعيك ومصدِّقيك على ما جئتهم به من الحق، على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين (23) =(إن يكن منكم عشرون) رجلا=(صابرون)، عند لقاء العدو, ويحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم =(يغلبوا مئتين)، من عدوهم ويقهروهم =(وإن يكن منكم مئة)، عند ذلك (يغلبوا)، منهم (ألفا) =(بأنهم قوم لا يفقهون) ، يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر ولا احتساب، لأنهم لم يفقهوا أن الله مُوجبٌ لمن قاتل احتسابًا، وطلب موعود الله في الميعاد، ما وعد المجاهدين في سبيله, فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء، خشية أن يُقتلوا فتذهب دنياهم.

--------------------- الهوامش : (23) انظر تفسير " التحريض " فيما سلف 8 : 579 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهونقوله تعالى ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال أي حثهم وحضهم .

يقال : حارض على الأمر وواظب وواصب وأكب بمعنى واحد .

والحارض : الذي قد قارب الهلاك ، ومنه قوله عز وجل : حتى تكون حرضا أي تذوب غما ، فتقارب الهلاك فتكون من الهالكينإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين لفظ خبر ، ضمنه وعد بشرط ، لأن معناه إن يصبر منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين .

وعشرون وثلاثون وأربعون كل واحد منها اسم موضوع على صورة الجمع لهذا العدد .

ويجري هذا الاسم مجرى فلسطين .

فإن قال قائل : لم كسر أول عشرين وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى الثمانين إلا ستين ؟

فالجواب عند سيبويه أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد ، فكسر أول عشرين كما كسر اثنان .

والدليل على هذا قولهم : ستون وتسعون ، كما قيل : ستة وتسعة .

وروى أبو داود عن ابن عباس قال : نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين فشق ذلك على المسلمين ، حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة ،

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ‏}‏ أي‏:‏ حثهم وأنهضهم إليه بكل ما يقوي عزائمهم وينشط هممهم، من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضد ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتب على ذلك من خير في الدنيا والآخرة، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم ‏{‏إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ‏}‏ ‏{‏إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ‏}‏ أيها المؤمنون ‏{‏عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ يكون الواحد بنسبة عشرة من الكفار،‏.‏وذلك بأن الكفار ‏{‏قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا علم عندهم بما أعد اللّه للمجاهدين في سبيله، فهم يقاتلون لأجل العلو في الأرض والفساد فيها،‏.‏وأنتم تفقهون المقصود من القتال، أنه لإعلاء كلمة اللّه وإظهار دينه، والذب عن كتاب اللّه، وحصول الفوز الأكبر عند اللّه،‏.‏وهذه كلها دواع للشجاعة والصبر والإقدام على القتال‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ) أي : حثهم على القتال .

( إن يكن منكم عشرون ) رجلا ( صابرون ) محتسبون ، ( يغلبوا مائتين ) من عدوهم يقهروهم ، ( وإن يكن منكم مائة ) صابرة محتسبة ، ( يغلبوا ألفا من الذين كفروا ) ذلك ( بأنهم قوم لا يفقهون ) أي : إن المشركين يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب ، ولا يثبتون إذا صدقتموهم القتال ، خشية أن يقتلوا .

وهذا خبر بمعنى الأمر ، وكان هذا يوم بدر فرض الله على الرجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين ، فثقلت على المؤمنين ، فخفف الله عنهم ، فنزل :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها النبي حرِّض» حث «المؤمنين على القتال» للكفار «إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين» منهم «وإنْ يكن» بالياء والتاء «منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم» أي بسبب أنهم «قوم لا يفقهون» وهذا خبر بمعنى الأمر أي ليقاتل العشرون منكم المائتين والمائة الألف ويثبتوا لهم ثم نُسخ لما كثروا بقوله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها النبي حُثَّ المؤمنين بك على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون عند لقاء العدو يغلبوا مائتين منهم، فإن يكن منكم مائة مجاهدة صابرة يغلبوا ألفًا من الكفار؛ لأنهم قوم لا عِلْم ولا فهم عندهم لما أعدَّ الله للمجاهدين في سبيله، فهم يقاتلون من أجل العلو في الأرض والفساد فيها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بتحريض المؤمنين على القتال من أجل إعلاء كلمة الحق ، فقال - تعالى - : ( ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال .

.

.

) .وقوله : ( حَرِّضِ ) من التحريض بمعنى الحق على الشئ بكثرة التزيين له ، وتسهيل اللأمر فيه حتى تقدم عليه النفس برغبة وحماس .قال الراغب : الحرض ما لا يعتد به ولا خير فيه ، ولذلك يقال لمن أشرف على الهلاك حرض .

قال - تعالى - ( حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين .

.

.

) .والتحريض : الحث على الشئ .

.

فكأنه فى الأصل إزالة الحرض نحو حرضته وقذيته أى : أزلت عنه الحرض والقذى ..والمعنى : يأيها النبى بالغ فى حث المؤمنين وإحمائهم على القتال بصبر وجلد ، من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل .ولهذا " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرض أصحابه على القتال عند وصفهم ومواجهة الأعداء كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون فى عددهم وعددهم : " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض " .

فقال عمير بن الحمام : عرضها السماوات والأرض؟

فقال رسول الله : نعم فقال عمير : بخ بخ فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ما يحملك على قولك بخ بخ "؟

قال : رجاء أن أكون من أهلها ، قال - صلى الله عليه وسلم - " فإنك من أهلها " فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن " ثم ألقى بقيتهن من يده وقال : لئن أنا حييت حتى آكلهن ، إنها لحياة طويلة ، ثم تقدم فقاتل حتى قتل - رضى الله عنه - " .وقوله : ( إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفاً مِّنَ الذين كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ) بشارة من الله - تعالى - للمؤمنين ووعد لهم بالظفر على أعدائهم .أى : قابلوا - أيها المؤمنون أعداءكم بقوة وإقدام ، فإنكم إن يوجد منكم عشرون رجلاً صابروا يغلبوا - بسبب إيمانهم وصبرهم - مائتين من الكافرين ، وإن يوجد منكم مائة يغلبوا ألفاً منهم ، وذلك بسبب أن هؤلاء الكافرين قوم جهلة بحقوق الله - تعالى - وبما يجب عليهم نحوه .فهم - كما يقول صاحب الكشاف - : " يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم " فيقل ثباتهم .

ويعدمون لجهلهم بالله نصرته ، ويستحقون الخذلان .

بخلاف من يقاتل على بصيرة ومعه يستوجب به النصر والإِظهار من الله - تعالى .وقال صاحب المنار : والآية تدل على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين وأفقه منهم بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر وإرتقاء الأمم .

وأن حرمان الكفار من هذا العلم هو السب فى كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين .

.وهكذا كان المؤمنون فى قرونهم الأولى .

.

أما الآن فقد أصبح المسلمون غافلين عن هذه المعانى الجليلة ، فزال مجدهم .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء.

وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار، لأن المعنى في الآية الأولى، إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم.

والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال والمراد بقوله: ﴿ وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ الأنصار وعن ابن عباس رضي الله عنهما، نزلت في إسلام عمر، قال سعيد بن جبير أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر، فنزلت هذه الآية.

قال المفسرون: فعلى هذا القول هذه الآية مكية، كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الآية قولان: الأول: التقدير، الله كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين.

قال الفراء: الكاف في حسبك خفض و ﴿ مِنْ ﴾ في موضع نصب والمعنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك، قال الشاعر: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا *** فحسبك والضحاك سيف مهند قال وليس بكثير من كلامهم أن يقولوا حسبك وأخاك، بل المعتاد أن يقال حسبك وحسب أخيك.

والثاني: أن يكون المعنى كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين.

قال الفراء وهذا أحسن الوجهين، أي ويمكن أن ينصر القول الأول بأن من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله أو ينقص بسبب نصرة غير الله، وأيضاً إسناد الحكم إلى المجموع يوهم أن الواحد من ذلك المجموع لا يكفي في حصول ذلك المهم.

وتعالى الله عنه ويمكن أن يجاب عنه بأن الكل من الله، إلا أن من أنواع النصرة ما لا يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة، ومنها ما يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة.

فلهذا الفرق اعتبر نصرة المؤمنين، ثم بين أنه تعالى وإن كان يكفيك بنصره وبنصر المؤمنين، فليس من الواجب أن تتكل على ذلك إلا بشرط أن تحرض المؤمنين على القتال فإنه تعالى إنما يكفيك بالكفاية بشرط أن يحصل منهم بذل النفس والمال في المجاهدة.

فقال: ﴿ المؤمنين ياأيها النبى حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال ﴾ والتحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء، وذكر الزجاج في اشتقاقه وجهاً آخر بعيداً، فقال: التحريض في اللغة أن يحث الإنسان غيره على شيء حثاً يعلم منه أنه إن تخلف عنه كان حارضاً، والحارض الذي قارب الهلاك، أشار بهذا إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا حارضين، أي هالكين.

فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض.

ثم قال: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ﴾ وليس المراد منه الخبر بل المراد الأمر كأنه قال: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ ﴾ فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى ﴿ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ﴾ والذي يدل على أنه ليس المراد من هذا الكلام الخبر وجوه: الأول: لو كان المراد منه الخبر، لزم أن يقال: إنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ومعلوم أنه باطل.

الثاني: أنه قال: ﴿ الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ  ﴾ والنسخ أليق بالأمر منه بالخبر.

الثالث: قوله من بعد: ﴿ والله مَعَ الصابرين  ﴾ وذلك ترغيباً في الثبات على الجهاد، فثبت أن المراد من هذا الكلام هو الأمر وإن كان وارداً بلفظ الخبر، وهو كقوله تعالى: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ  ﴾ ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون ﴾ يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابراً قاهراً على ذلك، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء؛ منها: أن يكون شديد الأعضاء قوياً جلداً، ومنها: أن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان، ومنها: أن يكون غير منحرف إلا لقتال أو متحيزاً إلى فئة، فإن الله استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة.

واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى: ﴿ حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلاً لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ الذين كَفَرُواْ ﴾ حاصله وجوب ثبات الواحد في مقابلة العشرة، فما الفائدة في العدول عن هذه اللفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة؟

وجوابه أن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة، وكان رسول الله يبعث السرايا، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة، فلهذا المعنى ذكر الله هذين العددين.

المسألة الثالثة: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ ءانٍ تَكُنْ ﴾ بالتاء، وكذلك الذي بعده ﴿ وَأَنْ تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ ﴾ وقرأ أبو عمرو الأول بالياء والثاني بالتاء والباقون بالياء فيهما.

المسألة الرابعة: أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة، وهو قوله: ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ وتقرير هذا الكلام من وجوه: الوجه الأول: أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد، فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية.

ومن كان هذا معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها وزناً، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح، ومتى كان الأمر كذلك، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من الباب الأول.

الوجه الثاني: أن الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستعينون بربهم بالدعاء والتضرع، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى.

الوجه الثالث: وهو وجه لا يعرفه إلا أصحاب الرياضات والمكاشفات، وهو أن كل قلب اختص بالعلم والمعرفة كان صاحبه مهيباً عند الخلق، ولذلك إذا حضر الرجل العالم عند عالم من الناس الأقوياء الجهال الأشداء، فإن أولئك الأقوياء الأشداء الجهال يهابون ذلك العالم ويحترمونه ويخدمونه، بل نقول: إن السباع القوية إذا رأت الآدمي هابته وانحرفت عنه، وما ذاك إلا أن الآدمي بسبب ما فيه من نور العقل يكون مهيباً، وأيضاً الرجل الحكيم إذا استولى على قلبه نور معرفة الله تعالى، فإنه تقوى أعضاؤه وتشتد جوارحه، وربما قوي عند ظهور التجلي في قلبه على أعمال يعجز عنها قبل ذلك الوقت.

إذا عرفت هذا فالمؤمن إذا أقدم على الجهاد فكأنه بذل نفسه وماله في طلب رضوان الله.

فكان في هذه الحالة كالمشاهد لنور جلال الله فيقوى قلبه وتكمل روحه ويقدر على ما لا يقدر غيره عليه، فهذه أحوال من باب المكاشفات تدل على أن المؤمن يجب أن يكون أقوى قوة من الكافر فإن لم يحصل فذاك لأن ظهور هذا التجلي لا يحصل إلا نادراً وللفرد بعد الفرد.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

التحريض: المبالغة في الحث على الأمر من الحرض، وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه حتى يشفى على الموت، أو أن تسميه حرضاً: وتقول له: ما أراك إلا حرضاً في هذا الأمر وممرضاً فيه، ليهيجه ويحرّك منه.

ويقال: حركه وحرضه وحرصه وحرشه وحربه، بمعنى، وقرئ ﴿ حرص ﴾ ، بالصاد غير المعجمة، حكاها الأخفش، من الحرص، وهذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله تعالى وتأييده، ثم قال: ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ أي بسبب أنَّ الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته ويستحقون خذلانه، خلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله تعالى.

وعن ابن جريج كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد منهم للعشرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حمزة رضي الله عنه في ثلاثين راكباً، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب.

قيل: ثم ثقل عليهم ذلك وضجوا منه، وذلك بعد مدّة طويلة، فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين، وقيل: كان فيهم قلة في الابتداء، ثم لما كثروا بعد نزل التخفيف.

وقرئ ﴿ ضعفاً ﴾ ، بالفتح والضم، كالمكث والمكث، والفقر والفقر.

وضعفاً: جمع ضعيف.

وقرئ الفعل المسند إلى المائة بالتاء والياء في الموضعين، والمراد بالضعف: الضعف في البدن.

وقيل: في البصيرة والاستقامة في الدين، وكانوا متفاوتين في ذلك فإن قلت: لم كرّر المعنى الواحد وهو مقاومة الجماعة لأكثر منها مرّتين قبل التخفيف وبعده؟

قلت: للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت؛ لأن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف، وكذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ ﴾ بالَغَ في حَثِّهِمْ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ الحَرَضُ وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ حَتّى يَشْفِيَ عَلى المَوْتِ وقُرِئَ « حَرِّصِ» مِنَ الحِرْصِ.

﴿ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ شَرْطٌ في مَعْنى الأمْرِ بِمُصابَرَةِ الواحِدِ لِلْعِشَرَةِ، والوَعْدُ بِأنَّهم إنْ صَبَرُوا غَلَبُوا بِعَوْنِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « تَكُنْ» بِالتّاءِ في الآيَتَيْنِ ووافَقَهُمُ البَصْرِيّانِ في (وَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ) .

﴿ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ بِسَبَبٍ أنَّهم جَهَلَةٌ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يُثْبِتُونَ ثِيابَ المُؤْمِنِينَ رَجاءَ الثَّوابِ وعَوالِي الدَّرَجاتِ قَتَلُوا أوْ قُتِلُوا ولا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ اللَّهِ إلّا الهَوانَ والخِذْلانَ.

﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ لَمّا أوْجَبَ عَلى الواحِدِ مُقاوَمَةَ العَشَرَةِ والثَّباتَ لَهم وثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ خَفَّفَ عَنْهم بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ كانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ فَأُمِرُوا بِذَلِكَ ثُمَّ لَمّا كَثُرُوا خَفَّفَ عَنْهم، وتَكْرِيرُ المَعْنى الواحِدِ بِذِكْرِ الأعْدادِ المُتَناسِبَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حُكْمَ القَلِيلِ والكَثِيرِ واحِدٌ والضَّعْفَ ضَعْفُ البَدَنِ.

وقِيلَ ضَعْفُ البَصِيرَةِ وكانُوا مُتَفاوِتِينَ فِيها، وفِيهِ لُغَتانِ الفَتْحُ وهو قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والضَّمُّ وهو قِراءَةُ الباقِينَ.

﴿ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ﴾ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ فَكَيْفَ لا يَغْلِبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال} التحريض المبالغة في الحث على الأمر من الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفي على الموت {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الذين كَفَرُواْ} هذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله وتأييده {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته بخلاف من يقاتل على بصيرة وهو يرجو النصر من الله قيل كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة ثم ثقل عليهم ذلك فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ ﴾ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الكِفايَةَ أمَرَ جَلَّ شَأْنُهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَرْتِيبِ بَعْضِ مُبادِيها، وتَكْرِيرُ الخِطابِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، والتَّحْرِيضُ الحَثُّ عَلى الشَّيْءِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو في اللُّغَةِ أنْ يَحُثَّ الإنْسانَ عَلى شَيْءٍ حَتّى يَعْلَمَ مِنهُ أنَّهُ حارِضٌ أيْ مُقارِبٌ لِلْهَلاكِ، وعَلى هَذا فَهو لِلْمُبالَغَةِ في الحَثِّ، وزَعَمَ في ”الدُّرِّ المَصُونِ“ أنَّ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ مِنَ الزَّجّاجِ، والحَقُّ مَعَهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما قالَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّ الحَرَضَ يُقالُ لِما أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ والتَّحْرِيضُ الحَثُّ عَلى الشَّيْءِ بِكَثْرَةِ التَّزْيِينِ وتَسْهِيلِ الخَطْبِ فِيهِ كَأنَّهُ في الأصْلِ إزالَةُ الحَرَضِ نَحْوَ قَذَيْتُهُ أزَلْتُ عَنْهُ القَذى، ويُقالُ: أحْرَضْتُهُ إذا أفْسَدْتَهُ نَحْوَ أقْذَيْتُهُ إذا جَعَلْتَ فِيهِ القَذى، فالمَعْنى هُنا يا أيُّها النَّبِيُّ بالِغْ في حَثِّ المُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِ الكُفّارِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن تَحْرِيضِ الشَّخْصِ وهو أنْ يُسَمِّيَهُ حَرَضًا ويُقالُ لَهُ: ما أراكَ إلّا حَرَضًا في هَذا الأمْرِ ومُحَرِّضًا فِيهِ، ونَحْوَهُ فَسُقْتُهُ أيْ سَمَّيْتُهُ فاسِقًا، فالمَعْنى سَمَّهم حَرَضًا وهو مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وقُرِئَ ( حَرَصٌ ) بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ مِنَ الحِرْصِ وهو واضِحٌ.

﴿ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا ﴾ شَرْطٌ في مَعْنى الأمْرِ بِمُصابَرَةِ الواحِدِ العَشْرَةَ والوَعْدِ بِأنَّهم إنْ صَبَرُوا غَلَبُوا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ، فالجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشائِيًا مَعْنًى، والمُرادُ لِيَصْبِرَنَّ الواحِدُ لِعِشْرَةٍ ولَيْسَتْ بِخَبَرٍ مَحْضٍ، وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ عِدَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِشارَةً وهو ظاهِرٌ في كَوْنِها خَبَرِيَّةً، والآيَةُ كَما سَتَعْلَمُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَنسُوخَةٌ، والنَّسْخُ في الخَبَرِ فِيهِ كَلامٌ في الأُصُولِ، عَلى أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ لَوْ كانَ الكَلامُ خَبَرًا لَزِمَ أنْ لا يَغْلِبَ قَطُّ مِائَتانِ مِنَ الكَفّارِ عِشْرِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّ التَّعْلِيقَ الشُّرْطِيَّ يَكْفِي فِيهِ تَرَتُّبُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ في بَعْضِ الأزْمانِ لا في كُلِّها لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما بَيَّنَهُ الشِّهابُ، وذِكْرُ الشُّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ مَعَ انْفِهامِ مَضْمُونِها مِمّا قَبْلَها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحالَ مَعَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ واحِدَةٌ لا تَتَفاوَتُ لِأنَّ الحالَ قَدْ تَتَفاوَتُ بَيْنَ مُقاوَمَةِ العِشْرِينَ المِائَتَيْنِ والمِائَةِ الألْفَ وكَذا يُقالُ فِيما يَأْتِي.

و( ﴿ يَكُنْ ﴾ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تامًّا والمَرْفُوعُ فاعِلُهُ و( ﴿ مِنكُمْ ﴾ ) حالٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ناقِصًا والمَرْفُوعُ اسْمُهُ و( ﴿ مِنكُمْ ﴾ ) خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بَيانٌ لِلْألْفِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَغْلِبُوا أيْ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ بِاللَّهِ تَعالى وبِاليَوْمِ الآخِرِ لا يُقاتِلُونَ احْتِسابًا وامْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وإعْلاءً لِكَلِمَتِهِ وابْتِغاءً لِرِضْوانِهِ كَما يَفْعَلُ المُؤْمِنُونَ، وإنَّما يُقاتِلُونَ لِلْحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ واتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ وإثارَةِ ثائِرَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ فَلا يَسْتَحِقُّونَ إلّا القَهْرَ والخِذْلانَ، وقالَ بَعْضُهم: وجْهُ التَّعْلِيلِ بِما ذُكِرَ أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ لا يُؤْمِنُ بِالمَعادِ والسَّعادَةِ عِنْدَهُ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا فَيَشِحُّ بِها ولا يُعَرِّضُها لِلزَّوالِ بِمُزاوَلَةِ الحُرُوبِ واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ فَيَمِيلُ إلى ما فِيهِ السَّلامَةُ فَيَفِرُّ فَيَغْلِبُ، وأمّا مَنِ اعْتَقَدَ أنْ لا سَعادَةَ في هَذِهِ الحَياةِ الفانِيَةِ وإنَّما السَّعادَةُ هي الحَياةُ الباقِيَةُ فَلا يُبالِي بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، فَيُقْدِمُ عَلى الجِهادِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ وعَزْمٍ صَحِيحٍ فَيَقُولُ الواحِدُ مِن مَثَلِهِ مَقامُ الكَثِيرِ انْتَهى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ كَلامُ حَقٍّ لَكِنَّهُ لا يُلائِمُ المَقامَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ بالنصر والعون لك، وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

قال بعضهم: مَنِ في موضع الرفع، ومعناه: حسبك من اتبعك من المؤمنين خاصة وهم الأنصار.

ويقال: يعني عمر بن الخطاب  ، ويقال: هذه الآية خاصة من هذه السورة، نزلت بمكة، حين أسلم عمر وكان المسلمون تسعة وثلاثين، فلما أسلم عمر  تمّ أربعون، وظهر الإسلام بمكة بإسلام عمر (١) ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، يعني: حثَّهم على قتال الكفار.

إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ، يعني: محتسبين في الجهاد، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ يعني: يقاتلون مائتين، ويثبتوا على القتال لينصرهم الله.

وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابرة يعني: محتسبة يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ أمر الله تعالى.

وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ألفاً يوم بدر، جعل على كل رجل منهم قتال عشرة، فرفعوا أصواتهم بالدعاء فضجوا، فجعل على كل رجل قتال رجلين تخفيفاً من الله، وهو قوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ يعني: هوَّن الله عليكم القتال الذي افترض الله عليكم يوم بدر.

وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً يعني: عجزاً عن القتال.

فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ، يعني: محتسبة صادقة، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ من المشركين.

وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ من المشركين بِإِذْنِ اللَّهِ، يعني: بأمر الله تعالى وبنصرته.

وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصرة لهم على عدوهم.

وقال مقاتل: لم تكن فريضة، ولكن كان تحريضاً، فلم يطق المؤمنون، فخفف الله عنهم بعد قتال بدر فنزل: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وروى عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: «فرض على المسلمين أن لا يفر رجل من عشرة، ولا عشرة من مائة، فجهد الناس وشقّ عليهم، فنزلت هذه الآية (٢) (١) عزاه السيوطي 4/ 101 إلى الطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه.

(٢) عزاه السيوطي: 4/ 102 إلى البخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ لَجَلاَلي؟

اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي» «١» .

قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد» : ورُوينا عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنه قال: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي، أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟

قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الوِلاَيَةُ في اللَّهِ: الحُبُّ والبُغْضُ فِيهِ» «٢» ، ورواه البراءُ بنُ عَازِبٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أيضاً «٣» ، وعن عبد اللَّهِ في قوله تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، قال: نزلَتْ في المتحابِّين في اللَّه «٤» قال أبو عمر: وأما قوله: الَيْومَ أُظلُّهُمْ فِي ظِلِّي، فإِنه أراد- واللَّه أعلم- في ظلِّ عرشه، وقد يكونُ الظِّلُّ كنايةً عن الرحْمةِ كما قال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات: ٤١] ، يعني: بذلك مَا هُمْ فيه مِنَ الرحمة والنعيم.

انتهى.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قال النَّقَّاش:

نزلَتْ هذه الآية بالبَيْداء «١» في غزوة بَدْر، وحُكِيَ عن ابنِ عبَّاس: أنها نزلَتْ في الأوس والخزرج.

وقيل: إِنها نزلَتْ حين أسلم عمر وكمَلَ المسلمون أَربَعِينَ.

قاله ابن عمر، وأنس فهي على هذا مكِّيَّة: و «حسبك» في كلام العرب، وشرعك: بمعنى كافِيكَ ويَكْفِيك، والمحسب: الكافي، قالت فرقة: معنى الآية: يَكْفِيكَ اللَّهِ، ويكفيكَ مَنِ اتبعك، ف «مَنْ» في موضع رفع.

وقال الشَّعْبِيُّ وابن زَيْد: معنى الآية: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتبعك من المؤمنين، ف «مَنْ» في موضع نَصْب عطفاً على موضع الكاف لأن موضعها نَصْبٌ على المعنى ب «يكفيك» التي سدَّتْ «حَسْبُكَ» مسدَّها.

قال ص: ورد بأنَّ الكاف لَيْسَ موضعها نصْب لأن إضافة حسب إليها إضافة صحيحة انتهى.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ...

الآية: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ، أي: حُثَّهم وحُضَّهم، وقوله سبحانه: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ ...

إلى آخر الآية، لفظُ خبرٍ، مضمَّنه وعدٌ بشرط لأن قوله: إِنْ يَكُنْ/ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ، بمنزلة أنْ يقال: إِنْ يَصْبِرْ منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصَّبر، قال الفخر: وحَسُنَ هذا التكليفُ لما كان مسبوقاً بقوله: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فلمَّا وعد اللَّه المؤمنين بالكِفَايَة والنصرِ، كان هذا التكليفُ سَهْلاً لأن مَنْ تكلَّف اللَّه بنصره، فإِن أَهْلَ العَالَمِ لاَ يقدرون على إذاءته انتهى، وتظاهرت الرواياتُ عن ابن عبَّاس وغيره من الصحابة بأنَّ ثبوت الواحدِ للعَشَرةِ، كان فرضاً على المؤمنين، ثم لمَّا شَقَّ ذلك عليهم، حطّ الله

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ حَثُّهم.

وَتَأْوِيلُ التَّحْرِيضِ في اللُّغَةِ: أنْ يَحُثَّ الإنْسانَ عَلى الشَّيْءِ حَثًّا يَعْلَمُ مَعَهُ أنَّهُ حارِضٌ إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ.

والحارِضُ:الَّذِي قَدْ قارَبَ الهَلاكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ لَفْظُ هَذا الكَلامِ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، والمُرادُ: يُقاتِلُوا مِائَتَيْنِ، وكانَ هَذا فَرْضًا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ فَفَرَضَ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَثْبُتَ لَرَجُلَيْنِ، فَإنْ زادُوا جازَ لَهُ الفِرارُ.

قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا التَّشْدِيدُ كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ.

واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قَوْلِهِ ﴿ إنْ يَكُنْ مِنكُمْ ﴾ فَقَرَؤُوا "يَكُنْ" بِالياءِ، واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا ﴾ وفي قَوْلِهِ: ( فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَة صابِرَة ) فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِالتّاءِ فِيهِما.

وقَرَأهُما عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا" بِالياءِ، "فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ "بِالتّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن أنَّثَ، فَلِلَفْظِ المِائَةِ؛ ومَن ذَكَّرَ، فَلِأنَّ المِائَةَ وقَعَتْ عَلى عَدَدٍ مُذَكَّرٍ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ المُذَكِّرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "يَغْلِبُوا" وكَذَلِكَ المِائَةُ الصّابِرَةُ هم رِجالٌ، فَقَرَؤُوها بِالياءِ، لِمَوْضِعِ التَّذْكِيرِ.

فَأمّا أبُو عَمْرٍو، فَإنَّهُ لَمّا رَأى صِفَةَ المِائَةِ مُؤَنَّثَةً بِقَوْلِهِ: "صابِرَةٌ" أنَّثَ الفِعْلَ، ولَمّا رَأى "يَغْلِبُوا" مُذَكَّرًا، ذَكَّرَ.

ومَعْنى الكَلامِ: إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَثْبُتُونَ عِنْدَ اللِّقاءِ، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَحْتَسِبُونَ أفْعالَهم، وأهْلُ الشِّرْكِ يُقاتِلُونَ عَلى غَيْرِ احْتِسابٍ ولا طَلَبِ ثَوابٍ، فَإذا صَدَقَهُمُ المُؤْمِنُونَ القِتالَ لَمْ يَثْبُتُوا؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَفْقَهُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: وعِلْم ورَوى المُفَضَّلُ "وَعُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ "أنَّ فِيكم ضَعْفًا" بِضَمِّ الضّادِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: بِفَتْحِ الضّادِ.

وكَذَلِكَ خِلافُهم في [الرُّومِ:٥٥]، قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةً قُرَيْشٌ، والفَتْحُ لُغَةً تَمِيمٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، يُقالُ: هو الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والمَكْثُ والمُكْثُ، والفَقْرُ والفُقْرُ، وفي اللُّغَةِ كَثِيرٌ مِن بابِ فَعْلٍ وفُعْلٍ، والمَعْنى واحِدٌ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "وَعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعَفاءَ" عَلى فَعَلاءَ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فَهو إعْلامٌ بِأنَّ الغَلَبَةَ لا تَقَعُ إلّا بَإرادَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللهُ عنكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللهُ واللهُ مَعَ الصابِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَرِّضِ ﴾ مَعْناهُ: حُثَّهم وحُضَّهُمْ، قالَ النَقّاشُ: وقُرِئَتْ "حَرِّصْ" بِالصادِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والحارِضُ -الَّذِي هو القَرِيبُ مِنَ الهَلاكِ- لَفْظَةٌ مُبايِنَةٌ لِهَذِهِ لَيْسَتْ مِنها في شَيْءٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى: حَرِّضْ عَلى القِتالِ حَتّى يَبِينَ لَكَ فِيمَن تَرَكَهُ أنَّهُ حُرِّضَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ غَيْرُ مُلْتَئِمٍ ولا لازِمٍ مِنَ اللَفْظِ، ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ.

والقِتالُ مُفْتَرَضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِغَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أمْرَ النَبِيِّ  ، بِتَحْرِيضِهِمْ عَلى أمْرٍ قَدْ وجَبَ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُنْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ في لَفْظِ خَبَرٍ ضِمْنُهُ وعْدٌ بِشَرْطٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ ﴾ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: إنْ يَصْبِرْ مِنكم عِشْرُونَ يَغْلِبُوا، وفي ضِمْنِهِ الأمْرُ بِالصَبْرِ، وكُسِرَتِ العَيْنُ مِن "عِشْرُونَ" لِأنَّ نِسْبَةَ عِشْرِينَ مِن عَشْرَةٍ نِسْبَةُ اثْنَيْنِ مِن واحِدٍ، فَكَما جاءَ أوَّلُ اثْنَيْنِ مَكْسُورًا كُسِرَتِ العَيْنُ مِن عِشْرِينَ، ثُمَّ اطَّرَدَ في جُمُوعِ أجْزاءِ العَشْرَةِ، فالمَفْتُوحُ كَأرْبَعَةٍ وخَمْسَةٍ وسَبْعَةٍ فُتِحَ أوَّلُ جَمْعِهِ، والمَكْسُورُ كَسِتَّةٍ وتِسْعَةٍ كُسِرَ أوَّلُ جَمْعِهِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وذَهَبَ غَيْرُهُ إلى أنْ "عِشْرِينَ" جَمْعُ عِشْرِ الإبِلِ، وهو وِرْدُها لِلتِّسْعِ، فَلَمّا كانَ في عَشْرَةٍ وعَشْرَةٍ عِشْرٌ وعِشٍرٌ ويَوْمانِ مِنَ الثالِثِ جُمِعَ ذَلِكَ عَلى عِشْرِينَ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: .............................

∗∗∗ ثَلاثُونَ شَهْرًا في ثَلاثَةِ أحْوالِ لَمّا كانَ في الثَلاثِينَ حَوْلٌ وحَوْلٌ وبَعْضُ الثالِثِ.

وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرِهِ مِنَ الصَحابَةِ بِأنَّ ثُبُوتَ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ كانَ فَرْضًا مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ لَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَطَّ الفَرْضَ إلى ثُبُوتِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو النَسْخُ، لِأنَّهُ رَفْعُ حُكْمٍ مُسْتَقِرٍّ بِحُكْمٍ آخَرَ شَرْعِيٍّ، وفي ضِمْنِهِ التَخْفِيفُ إذْ هَذا مِن نَسْخِ الأثْقَلِ بِالأخَفِّ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ ثُبُوتَ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ نَدْبِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ، ثُمَّ حُطَّ ذَلِكَ حِينَ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ إلى ثُبُوتِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ، ورُوِيَ أيْضًا هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: وهَذا تَخْفِيفٌ لا نَسْخٌ إذْ لَمْ يَسْتَقِرَّ لِفَرْضِ العَشْرَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، قالَ مَكِّيٌّ: وإنَّما هو كَتَخْفِيفِ الفِطْرِ في السَفَرِ وهو لَوْ صامَ لَمْ يَأْثَمْ وأجْزَأهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، ولا يَمْتَنِعُ كَوْنُ المَنسُوخِ مُباحًا مِن أنْ يُقالَ: نَسْخٌ، واعْتُبِرَ ذَلِكَ في صَدَقَةِ النَجْوى، وهَذِهِ الآيَةُ التَخْفِيفُ فِيها نَسْخٌ لِلثُّبُوتِ لِلْعَشَرَةِ، وسَواءٌ كانَ الثُبُوتُ لِلْعَشَرَةِ فَرْضًا أو نَدْبًا هو حُكْمٌ شَرْعِيٌّ عَلى كُلِّ حالٍ، وقَدْ ذَكَرَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ أنَّ الحُكْمَ إذا نُسِخَ بَعْضُهُ أو بَعْضُ أوصافِهِ أو غُيِّرَ عَدَدُهُ فَجائِزٌ أنْ يُقالَ لَهُ: نَسْخٌ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِالأوَّلِ، وهو غَيْرُهُ، وذَكَرَ في ذَلِكَ خِلافًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّ النَسْخَ إنَّما يُقالُ حِينَئِذٍ عَلى الحُكْمِ الأوَّلِ مُقَيَّدًا لا بِإطْلاقٍ، واعْتُبِرَ ذَلِكَ في نَسْخِ الصَلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ: "إنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ" في المَوْضِعَيْنِ بِياءٍ عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ، ورَواها خارِجَةُ عن نافِعٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بِحَسَبِ المَعْنى، لِأنَّ الكائِنَ في تِلْكَ المِائَةِ إنَّما هم رِجالٌ، فَذَلِكَ في الحَمْلِ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها  ﴾ إذْ أمْثالُها حَسَناتٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "إنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ" بِالتاءِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى تَأْنِيثِ العَلامَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بِحَسَبِ اللَفْظِ والمَقْصِدِ، كَأنَّهُ أرادَ: إنْ تَكُنْ فَرِقَةٌ عَدَدُها مِائَةٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ في صَدْرِ الآيَةِ، وبِالتاءِ في آخِرِها، ذَهَبَ في الأُولى إلى مُراعاةِ "يَغْلِبُوا"، وفي الثانِيَةِ إلى مُراعاةٍ "صابِرَةٌ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ الأعْرَجُ "إنْ تَكُنْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ "مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ" وجَعَلَها كُلَّها عَلى "التاءِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ ﴾ فَإنَّهُ لا خِلافَ في الياءِ مِن تَحْتٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَفْقَهُونَ ﴾ مَعْناهُ: لا يَفْهَمُونَ مَراشِدَهم ولا مَقْصِدَ قِتالِهِمْ، لا يُرِيدُونَ بِهِ إلّا الغَلَبَةَ الدُنْياوِيَّةَ، فَهم يَخافُونَ المَوْتَ إذا صَبَرَ لَهُمْ، ومَن يُقاتِلُ لِيَغْلِبَ أو يَسْتَشْهِدَ فَيَصِيرُ إلى الجَنَّةِ أثْبَتُ قَدَمًا لا مَحالَةَ.

ورَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَعُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِ اللامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَمْرٍو، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "ضُعْفًا" بِضَمِّ الضادِ وسُكُونِ العَيْنِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ: "ضَعْفًا" بِفَتْحِ الضادِ وسُكُونِ العَيْنِ، وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ الرُومِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "ضُعُفًا" بِضَمِّ الضادِ والعَيْنِ وذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهي مَصادِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: مَن ضَمَّ الضادَ جازَ لَهُ ضَمَّ العَيْنِ، وهي لُغَةٌ، وحَكى سِيبَوَيْهِ الضَعْفَ والضُعْفَ لُغَتانِ بِمَنزِلَةِ الفَقْرِ والفُقْرِ، حَكى الزَهْراوِيُّ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: ضَمُّ الضادِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وفَتْحُها لُغَةُ تَمِيمٍ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما في المَعْنى، وقالَ الثَعالِبِيُّ في كِتابِ "فِقْهِ اللُغَةِ" لَهُ: الضَعْفُ بِفَتْحِ الضادِ في العَقْلِ والرَأْيِ، والضُعْفُ بِضَمِّها في الجِسْمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ تَرُدُّهُ القِراءَةُ، وذَكَرَهُ أبُو غالِبِ بْنِ التَيّانِيِّ غَيْرَ مَنسُوبٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ ابْنُ القَعْقاعِ أيْضًا "ضُعَفاءَ" بِالجَمْعِ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ، وحَكاها النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ مَعَ الصابِرِينَ ﴾ لَفْظٌ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ وعْدٌ وحَضٌّ عَلى الصَبْرِ، ويُلْحَظُ مِنهُ وعِيدٌ لِمَن لَمْ يَصْبِرْ بِأنَّهُ يُغْلَبُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعيد نداء النبي صلى الله عليه وسلم للتنويه بشأن الكلام الوارد بعد النداء وهذا الكلام في معنى المقصد بالنسبة للجملة التي قبله، لأنّه لما تكفّل الله له الكفاية، وعطف المؤمنين في إسناد الكفاية إليهم، احتيج إلى بيان كيفية كفايتهم، وتلك هي الكفاية بالذبّ عن الحوزة وقتال أعداء الله، فالتعريف في ﴿ القتال ﴾ للعهد، وهو القتال الذي يعرفونه، أعني: قتال أعداء الدين.

والتحريض: المبالغةُ في الطلب.

ولمّا كان عموم الجنس الذي دل عليه تعريف القتال يقتضي عموم الأحوال باعتبار المقاتَلين بفتح التاء وكان في ذلك إجمال من الأحوال، وقد يكون العدو كثيرين ويكون المؤمنون أقلّ منهم، بيّن هذا الإجمال بقوله: ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ الآية.

وضمير ﴿ منكم ﴾ خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.

وفصلت جملة ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ لأنها لمّا جعلت بياناً لإجمال كانت مستأنفة استئنافاً بيانيا، لأن الإجمال من شأنه أن يثير سؤال سائل عمّا يعمل إذا كان عدد العدوّ كثيراً، فقد صار المعنى: حرض المؤمنين على القتال بهذه الكيفية.

و ﴿ صابرون ﴾ ثابتون في القتال، لأنّ الثبات على الالآم صبر، لأنّ أصل الصبر تحمّل المشاقّ، والثباتُ منه، قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ﴾ وفي الحديث: «لا تتمنّوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية فإذا لاقيتم فاصبروا» وقال النابغة: تجنب بَني حُنَ فإنّ لقاءهم *** كَريه وإن لم تَلق إلاّ بصابر وقال زفر بن الحارث الكلابي: سقيناهم كأساً سقونا بمثلها *** ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا والمعنى: عُرفوا بالصبر والمقدرة عليه، وذلك باستيفاء ما يقتضيه من أحوال الجسد وأحوال النفس، وفيه إيماء إلى توخّي انتقاء الجيش، فيكون قيداً للتحريض، أي: حرّض المؤمنين الصابرين الذين لا يتزلزلون، فالمقصود أن لا يكون فيهم من هو ضعيف النفس فيفشل الجيش، كقول طالوت ﴿ إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ﴾ [البقرة: 249].

وذُكر في جانب جيش المسلمين في المرّتين عدد العشرين وعددُ المائة، وفي جانب جيش المشركين عددُ المائتين وعدد الألف، إيماءً إلى قلّة جيش المسلمين في ذاته، مع الإيماء إلى أنّ ثباتهم لا يختلف باختلاف حالة عددهم في أنفسهم، فإنّ العادة أنّ زيادة عددُ الجيش تقوي نفوس أهله، ولو مع كون نسبة عددهم من عدد عدوّهم غير مختلفة، فجعل الله الإيمان قوّةً لنفوس المسلمين تدفع عنهم وهَن استشعار قلّة عدد جيشهم في ذاته.

أمّا اختيار لفظ العشرين للتعبير عن مرتبة العشرات دون لفظ العشرة: فلعل وجهه أنّ لفظ العشرين أسعد بتقابل السكنات في أواخر الكلم لأنّ للفظِه مائتين من المناسبة بسكنات كلمات الفواصل من السورة، ولذلك ذكر المائة مع الألف، لأنّ بعدها ذِكرَ مميز العدد بألفاظ تناسب سكنات الفاصلة، وهو قوله: ﴿ لا يفقهون ﴾ فتعيّن هذا اللفظ قضاء لحقّ الفصاحة.

فهذا الخبر كفالة للمسلمين بنصر العدد منهم على عشرة أمثاله، من عددهم وهو يستلزم وجوب ثبات العدد منهم، لِعشرة أمثاله، وبذلك يفيد إطلاق الأمر بالثبات للعدوّ الواقع في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ﴾ [الأنفال: 45]، وإطلاق النهي عن الفرار الواقع في قوله: ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ [الأنفال: 15] الآية كما تقدّم.

وهو من هذه الناحية التشريعية حكم شديد شاقّ اقتضته قلّة عدد المسلمين يومئذ وكثرة عدد المشركين، ولم يصل إلينا أنّ المسلمين احتاجوا إلى العمل به في بعض غزواتهم، وقصارى ما علمنا أنّهم ثبتوا لثلاثة أمثالهم في وقعة بدر، فقد كان المسلمون زهاء ثلاثمائة وكان المشركون زهاء الألف، ثمَّ نزل التخفيف من بعد ذلك بالآية التّالية.

والتعريف بالموصول في ﴿ الذين كفروا ﴾ للإيماء إلى وجه بناء الخير الآتي: وهو سلب الفقاهة عنهم.

والباء في قوله: ﴿ بأنهم ﴾ للسببية.

أي بعدم فقههم.

وإجراء نفي الفقاهة صفة ل ﴿ قوم ﴾ دون أن يجعل خبراً فيقال: ذلك بأنّهم لا يفقهون، لقصد إفادة أنّ عدم الفقاهة صفة ثابتة لهم بما هم قوم، لئلاّ يتوهّم أنّ نفي الفقاهة عنهم في خصوص هذا الشأن، وهو شأن الحرب المتحدّث عنه، للفرق بين قولك: حدّثت فلاناً حديثاً فوجدته لا يفقه، وبين قولك: فوجدته رجلاً لا يفقه.

والفقه فهم الأمور الخفية، والمراد نفي الفقه عنهم من جانب معرفة الله تعالى بقرينة تعليق الحكم بهم بعد إجراء صلة الكفر عليهم.

وإنّما جعَل الله الكفر سبباً في انتفاء الفقاهة عنهم: لأنّ الكفر من شأنه إنكار ما ليس بمحسوس فصاحبه ينشأ على إهمال النظر، وعلى تعطيل حركات فكره، فهم لا يؤمنون إلاّ بالأسباب الظاهرية، فيحسبون أنّ كثرتهم توجب لهم النصر على الأقلّين لقولهم: «إنما الغرة للكاثر»، ولأنّهم لا يؤمنون بما بَعد الموت من نعيم وعذاب، فهم يخشون الموت فإذا قاتلوا ما يقاتلون إلاّ في الحالة التي يكون نصرهم فيها أرجح، والمؤمنون يعوّلون على نصر الله، ويثبتون للعدوّ رجاء إعلاء كلمة الله، ولا يهابون الموت في سبيل الله، لأنّهم موقنون بالحياة الأبدية المسِرّة بعد الموت.

وقرأ الجمهور ﴿ إن يكن ﴾ بالتاء المثناة الفوقية نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، وذلك الأصل، لمراعاة تأنيث لفظ مائة.

وقرأها الباقون بالمثنّاة التحتية، لأنّ التأنيث غير حقيقي، فيجوز في فعله الاقتران بتاء التأنيث وعدمه، لا سيما وقد وقع الفصل بين فعله وبينه.

والفصل مسوّغ لإجراء الفعل على صيغة التذكير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَسْبُكَ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: حَسْبُكَ اللَّهُ أنْ تَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ والمُؤْمِنُونَ أنْ تُقاتِلَ بِهِمْ.

قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالبَيْداءِ مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا ﴾ يَعْنِي يُقاتِلُوا ألْفًا قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قِتال عَشَرَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَسَخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ كُلَّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى عَشَرَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن قَبْلُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق سفيان عن عمرو بن دينارعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً ﴾ فكتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، وأن لا يفر عشرون من مائتين، ثم نزلت ﴿ الآن خفف الله عنكم...

﴾ الآية.

فكتب أن لا يفر مائة من مائتين قال سفيان: وقال ابن شبرمة رضي الله عنه: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، إن كانا رجلين أمرهما وإن كانا ثلاثة فهو في سعة من تركهم.

وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ﴾ فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم.

وأخرج اسحق بن راهويه في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: افترض أن يقاتل كل رجل عشرة، فثقل ذلك عليهم وشق عليهم، فوضع عنهم ورد عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين، فأنزل الله في ذلك ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ إلى آخر الآيات.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: افترض عليهم أن يقاتل كل رجل عشرة، فثقل ذلك عليهم وشق عليهم، فوضع عنهم ورد عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين، فأنزل الله في ذلك ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ إلى آخر الآيات.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ ثقلت على المسلمين فاعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفاً، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى، فقال: ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً...

﴾ الآية.

قال: فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحرزوا عنهم، ثم عاتبهم في الأسارى وأخذ المغانم ولم يكن أحد قبله من الأنبياء عليهم السلام يأكل مغنماً من عدوّ هو لله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون...

﴾ الآية.

قال: ففرض عليهم أن لا يفر رجل من عشرة ولا قوم من عشرة أمثالهم، فجهد الناس ذلك وشق عليهم، فنزلت الآية ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ إلى قوله: ﴿ ألفين ﴾ ففرض عليهم أن لا يفر رجل من رجلين ولا قوم من مثليهم، ونقص من الصبر بقدر ما تخفف عنهم من العدة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن يكن منكم عشرون...

﴾ الآية.

قال: كان يوم بدر، جعل الله على المسلمين أن يقاتل الرجل الواحد منهم عشرة من المشركين لقطع دابرهم، فلما هزم الله المشركين وقطع دابرهم خفف على المسلمين بعد ذلك، فنزلت ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ يعني بعد قتال بدر.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ قال: نزلت في أهل بدر، شدد عليهم فجاءت الرخصة بعد.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: هذا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر جعل الله كل رجل منهم يقاتل عشرة من الكفار، فضجوا من ذلك فجعل على كل رجل منهم قتال رجلين تخفيف من الله عز وجل.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمير رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ قال: نزلت فينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الشيرازي في الألقاب وابن عدي والحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ رفع .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي.

أنه قرأ ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قرأ ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ وقرأ كل شيء في القرآن ضعف» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ﴾ الآية، معنى التحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء، قال ابن عباس: يريد: الحث على نصر دين الله (١) (٢) أشار بهذا إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي  كانوا حارضين أي: هالكين، فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض (٣) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: الرجل بعشرة (٤) وقال الليث: قلت للخليل: ما معنى العشرين؟

قال: جماعة (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) قال النحويون: وهذا خطأ فاسد من الكلام، ولم يقل الخليل هذا (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قرئ (يكن) (١٦) (١٧) ﴿ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ فأنث الأمثال على المعنى لما كانت حسنات.

ومن قرأ بالتاء حمل الكلام على اللفظ، واللفظ مؤنث، وكان أبو عمرو يقرأ هذا بالياء، وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ ﴾ بالتاء (١٨) ﴿ يَغْلِبُوا ﴾ فكان التذكير أشد مشاكلة لـ ﴿ يَغْلِبُوا ﴾ (١٩) وأما الكلام في (مائة) فقال الفراء: إنها منقوصة من آخرها نحو: السنة وبابها، قال: وقد أتم بعض الشعراء المائة فقال (٢٠) (٢١) (٢٢) مثل: مِعْيات (٢٣) (٢٤) ابن السكيت: أمأت الدراهم: إذا صارت مائة، وأمأيتها أنا، وجمع مائة: مئين، ومئ (٢٥) وما زودوني غير سحق عمامة ...

وخمسمئٍ منها قسي وزائف (٢٦) (٢٧) وذكر أبو علي الفارسي في "المسائل الحلبية" (٢٨) (٢٩) فغظناهم حتى أتى الغيظ منهم ...

قلوبًا وأكبادًا لهم، ورئينا (٣٠) فهذا مثل مئين، فأما ما أنشده أبو زيد (٣١) وحاتم الطائي وهاب المئي فالقول في المئي: إنها جمع مائة على (فعول) وقلبت الواو ياءً كما قالوا: حقو وحقين ودلو ودلي، وفي التنزيل: ﴿ حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ  ﴾ ، وقالوا (٣٢) (٣٣) يأكل أزمان الهزال والسني وهذا على لغة من جعل اللام من (سنة) واوًا ثم أبدل من الواو ياءً، كما أبدلت في حِقِي وعِصِي (٣٤) (٣٥) (٣٦) ولا أسمع أجراس المطي قال (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وخمسمئٍ منها قسي وزائف فإن قيل: فلم لا يكون (المئي) على فِعِل؟

قيل: لا يستقيم ذلك لقلة هذا الوزن في الآحاد، ألا ترى أن سيبويه إنما حكى منه الإِبِل (٤١) وقوله تعالى: ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ ، قال ابن (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ أي: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون علي غير احتساب، ولا طلب ثواب؛ فهم لا يثبتون إذا صدقتموهم القتال خشية أن (٤٦) ﴿ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ أي هم على جهالة، خلاف من يقاتل على بصيرة يرجو به ثواب الآخرة (٤٧) ﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ الآية (٤٨) ﴿ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ الآية (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (١) "تنوير المقباس" ص 185 بمعناه (٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 423.

(٣) قال صاحب القاموس في مادة (حرض) ص 639: الحَرَض: الفساد في البدن وفي المذهب وفي العقل، والرجل الفاسد المريض، كالحارضة والحرِض ككتف، والكالّ المعيي، والمشرف على الهلاك اهـ.

وفي "مجمل اللغة" (حرض) 1/ 226: الحرض: المشرف على الهلاك، قال الله -جل ثناؤه-: ﴿ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا ﴾ وحرضت فلانًا على كذا: إذا أمرته به، وهو من الأول؛ لأنه إذا خالف فقد هلك، كذا فسر بعض أهل العلم قوله تعالى: ﴿ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ﴾ .

(٤) رواه بنحوه البخاري في "صحيحه" (4653) كتاب التفسير، باب: الآن خفف الله عنكم، وابن جرير 10/ 38، وابن أبي حاتم 5/ 1728.

(٥) في (ح): (جمع جماعة عشر)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.

(٦) بكسر العين وإسكان الشين، قال الخليل في كتاب "العين" (عشر): العِشْر: ورد == الإبل اليوم العاشر، وفي حسابهم: العِشْر: التاسع، وإبل عواشر: وردت الماء عشرًا.

(٧) هو: النعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي، التيمي مولاهم، الإمام، فقيه الملة، وعالم العراق، وصاحب المذهب المشهور، ولد سنة 80 هـ في حياة صغار الصحابة، ورأى أنس بن مالك، عني بطلب الآثار، وصار إليه المنتهى في الرأي وغوامض الفقه، توفي سنة 150 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 13/ 323، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 390، و"تهذيب التهذيب" 4/ 229.

(٨) انظر: مذهب أبي حنيفة في احتساب بعض التطليقة تطليقة كاملة في "تحفة الفقهاء" للسمرقندي 2/ 268، و"بدائع الصنائع" 4/ 1885، وكتاب "المبسوط" 6/ 139.

(٩) "تهذيب اللغة" (عشر) 3/ 2445 - 2447 مع اختلاف يسير، كتاب "العين" للخليل (عشر) 1/ 246 بمعناه.

(١٠) الراوي عن الخليل هو الليث بن المظفر راوي كتاب "العين" للخليل، وقد أثنى عليه خصمه ومتتبع زلاته وهو الأزهري صاحب "تهذيب اللغة" فقال عن كتاب "العين" الذي ينسبه لليث: فلا تشكن فيه من أجل أنه زل في حروف معدودة، هي قليلة في جنب الكثير الذي جاء به صحيحًا، كما نقل وصف الإمام إسحاق بن راهويه الرجل بالصلاح.

انظر: "مقدمة تهذيب اللغة" 1/ 28 - 29، وانظر: تحامل النحاة البصريين على == الليث في "مقدمة كتاب العين" 1/ 18 - 27 للدكتور مهدي المخزومي، والدكتور إبراهيم السامرائي.

(١١) هكذا في جميع النسخ، والعبارة مضطربة، ونص ما بين المعقوفين في "سر صناعة الإعراب": الواحد من تثليثها فوق العشرة نحو (ثلاثة وثلاثين)؛ لأن الواحد من تثليث هذه (أحد عشر).

(١٢) في "سر صناعة الإعراب": أربعين.

(١٣) في (ج): (فإنه).

(١٤) نص ما بين المعقوفين في "سر صناعة الإعراب": فكأن (ثلاثين) جمع (ثلاث) و (ثلاث): جماعة.

(١٥) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 626، 627، وقد تصرف الواحدي في عبارته كثيراً وزاد بعض الجمل.

(١٦) ساقط من (ح) و (س).

(١٧) في قوله ﴿ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ ﴾ : قرأ الكوفيون بالياء في الموضعين، ووافقهم البصريان في الموضع الأول فقط، والباقون بالتاء على التأنيث في الموضعين.

انظر: "التبصرة في القراءات" ص 212، و"تحبير التيسير" ص 118، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 238.

(١٨) انظر: تخريج القراءة في التعليق الأسبق، وكتاب "السبعة"ص 308، و"التيسير" ص 117.

(١٩) القراءة سنة ينقلها السابق للاحق، وليس للقراء إنشاؤها وابتداؤها، ولعل المؤلف يقصد بيان سبب اختيار أبي عمرو لهذه القراءة دون غيرها.

(٢٠) البيت لتميم بن مقبل كما في "المقاصد النحوية" 2/ 376، ولم أجده في "ديوانه" ولا "ذيله"، وله أو لأبي شبل الأعرابي كما في "الدرر اللوامع" 1/ 130، وانظره بلا نسبة في: "تذكرة النحاة" ص 508، و"لسان العرب" (ضربج) 5/ 2570.

(٢١) في (ح): (ميتته)، وفي "لسان العرب": مُنْيَتُه، مفرد أماني، وضبطه صاحب "المعجم المفصل" 1/ 136 هكذا: مُنِيَّته، مفرد منايا، والصواب ما ورد في اللسان بدلالة سياق الأبيات ونصها: قد كنت أحجو أبا عمرو أخًا ثقة ..

حتى أمت بنا يوماً ملمات فقلت ولا مرء قد تخطيه مُنْيَتُه ...

أدنى عطياته إياي مئيات فكان ما جاد لي لا جاد من سعة ...

دراهم زائفات ضربجيات انظر: "لسان العرب" (ضربج) 2/ 315.

(٢٢) في "الدرر اللوامع": ميآت، وما أثبته موافق لـ "تذكرة النحاة"، و"لسان العرب".

(٢٣) في (ح): (ميعاد).

(٢٤) لم أقف على مصدره.

(٢٥) هكذا وهو موافق لما في "إصلاح المنطق"، وفي "المشوف المعلم": مئي، مثل: مِعي، وانظر ما ذكره ابن منظور في: رد (مئٍ) في "لسان العرب" (مأي) 7/ 4124، وقال الأخفش: قولهم: ثلاث مئي، فإنهم أرادوا بمئي جماعة المائة، كتمرة وتمر، تقول فيه: رأيت مئْيًا، مثل: معْيًا، وقولهم: رأيت مِئًا، مثل: مِعًا، خطأ؛ لأن الميء إنما جاءت في الشعر.

(٢٦) البيت لمزرد بن ضرار كما في "ديوانه" ص 53، و"إصلاح المنطق" ص 300، و"الصحاح" للجوهري (مأى) 6/ 2489، "لسان العرب" (مأى) 7/ 4124، ونص الشطر الأول في الديوان: فكانت سراويل وجردٌ خميصة ...

والسحق: الخَلقِ البالي.

ودرهم قسي: رديء، وقيل: هو ضرب من الزيوف لرداءة فضته وصلابتها.

انظر: "لسان العرب" (سحق) و (قسا).

(٢٧) "إصلاح المنطق" ص 300، و "المشوف المعلم" 2/ 709.

(٢٨) في "المسائل الحلبيات" ص 61، بعض هذا القول من قوله: يدل على ذلك ....

إلى آخر البيت الأول، ولم أجد أول القول فيها، والنسخة المطبوعة فيها نقص كبير، كما أشار المحقق في المقدمة (ص: د).

(٢٩) في (ج): (أصبت).

(٣٠) البيت للأسود بن يعفر وهو في "ديوانه" ص 63، وذكره أبو زيد في "نوادر اللغة" ص 24 ونسبه له.

(٣١) "نوادر اللغة" ص 91، ونسبه لامرأة من بني عقيل، وقبله: حيدة خالي ولقيط وعلي وانظر: "المسائل العسكريات" ص 177، و"لسان العرب" (مأي) 7/ 4124، و"خزانة الأدب" 7/ 375، ونسبه في "المفاسد النحوية" 4/ 565 لقصي بن كلاب.

(٣٢) يعني العرب، قال ابن منظور في "لسان العرب" (نحا) (4371): في بعض كلام العرب: إنكم لتنظرون في نحو كثيرة، أي في ضروب من النحو.

(٣٣) "نوادر اللغة" ص 91، وهو تابع للرجز السابق، وقبل هذا البيت: ولم يكن كخالك العبد الدعي (٣٤) حقي وعصي: جمعا حقو وعصا، والحقو: الخصر ومشد الإزار من الجنب.

"اللسان" (حقو) 2/ 948، ويقصد بالإبدال فيهما أن أصلهما: حُقُوْوُ وعُصُوْوُ، على وزن (فعول) ثم قلبت الواو الأخيرة ياء، فصارا في التقدير: حُقُوْي، وعُصُوْي ثم قلبت الواو ياء لسكونها ووقوعها قبل ياء مسبوقة بساكن، فصار: حُقُييْ، وعُصُيْ، ولكي تسلم الياء أبدلت حركة الحرف السابق لها كسرة، وأدغمت الياء في الياء، ثم جاز إبدال ضمة الفاء كسرة إتْباعًا لكسرة العين.

انظر: "المقتضب" 1/ 183 فقد نص على الميزان الصرفي لجمع (عصا).

(٣٥) ساقط من (م) و (س).

(٣٦) انظر "كتاب سيبويه" 3/ 95، وهو بعض عجز بيت نصه: متى أنام لا يؤرقني الكرِي ...

ليلاً ولا أسمع أجراس المطي وهو من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها، وهو أيضًا بلا نسبة في "جمهرة اللغة" (ركي) 2/ 801، و"خزانة الأدب" 10/ 323، و"الصحاح" (شمم) 5/ 1962، و"لسان العرب" (شمم) 4/ 2333، و"المنصف" 2/ 191.

(٣٧) يعني الفارسي في "المسائل الحلبيات"، ولم أجده فيها، ولعله من الجزء الناقص، انظر "مقدمة المحقق" (ص: د)، وكذلك لم أجده في كتبه الأخرى التي بين يدي.

(٣٨) قال أبو علي الفارسي في كتاب "التكملة" ص 412: وكسروا حروفًا على (فُعْل) كما كسّروا عليه (فَعَلًا) نحو: أَسَد وأُسْد، وذلك أن (فُعْلًا) مثل (فَعَلٌ) في نحو: البُخْل والبَخَل، والسُّقْم والسَّقَم، اهـ ومعنى كسروا: جمعوا جمع تكسير.

(٣٩) في (ح): (منير)، قال الجوهري في "الصحاح" (نتن) 6/ 2210: نتن الشيء وأنتن بمعنى، فهو مُنتن ومِنتن، كسرت الميم اتباعًا لكسرة التاء؛ لأن (مِفْعِلاً) ليس من الأبنية.

اهـ.

وفي "كتاب سيبويه" 4/ 109: وأما الذين قالوا: مِغِيرة ومِعِين فليس على هذا ، ولكنهم أتبعوا الكسرة الكسرة، كما قالوا: مِنتن.

(٤٠) سبق تخريجه في أول الأنفال.

(٤١) انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 574.

(٤٢) في (م) و (س): (أبو)، وهو خطأ.

(٤٣) هكذا، وفي "السيرة النبوية"، و"تفسير ابن جرير" 10/ 41: نية.

(٤٤) "السيرة النبوية" 2/ 322 وفيها: ولا معرفة بخير ولا شر.

(٤٥) اللفظ لأبي إسحاق الثعلبي، انظر "تفسيره" 6/ 70 ب، ونحوه في "تفسير ابن جرير" 10/ 38، والزمخشري 1/ 167.

(٤٦) في (ح): (لئن لا)، وهو خطأ.

(٤٧) ذكر نحوه الحوفي في "البرهان" 11/ 102 ب.

(٤٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 38 - 41، وابن أبي حاتم 5/ 1729، والثعلبي 6/ 70 ب، و"الدر المنثور" 3/ 362 - 364، فقد ذكروه عن ابن عباس وسعيد ابن جبير والحسن البصري ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وزيد بن أسلم وعطاء الخرساني والضحاك.

(٤٩) رواه ابن جرير 10/ 39.

(٥٠) لم أجد من ذكر هذه الرواية بلفظها سوى الفخر الرازي 15/ 195، وقد روى هذا الأثر عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس مختصراً ابن جرير 10/ 39، وابن إسحاق في "السيرة النبوية" 2/ 323.

ورواه بمعناه من طريق آخر البخاري (4653) كتاب التفسير، باب: الآن خفف الله عنكم 6/ 122، وأبو داود (2646) كتاب الجهاد، باب: في التولي يوم الزحف.

(٥١) رواه بمعناه ابن جرير 10/ 40، ورواه في الموضع نفسه بلفظه عن ابن عباس.

(٥٢) رواه الطبراني في "الكبير" 11/ 113 (11151)، ورجاله ثقات كما في "مجمع الزوائد" 5/ 591، ورواه بنحوه الصنعاني في "المصنف" 5/ 252، والبيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 130.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ عطف على اسم الله، وقال الزمخشري مفعول معه، والواو بمعنى مع أي حسبك وحسب من اتبعك الله ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون ﴾ الآية: إخبار يتضمن وعداً بشرط الصبر ووجود ثبوت الواحد للعشرة ثم نسخ بثبوت الواحد للاثنين ذلك ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ أي: يقاتلون على غير دين ولا بصيرة فلا يثبتون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تتوفى ﴾ بتاء التأنيث: شامي.

الباقون: بالتذكير ﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل.

الآخرون: بتاء الخطاب.

﴿ أنهم ﴾ بالفتح: ابن عامر ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: أبو بكر وحماد ﴿ ترهبون ﴾ بالتشديد: رويس.

الباقون: بالتخفيف من الإرهاب ﴿ وإن يكن منكم ﴾ بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ وعلم ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ضعفاء ﴾ بالمد جمعاً: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ﴿ ضعفاً ﴾ بفتح الضاد.

الآخرون بالضم.

﴿ فإن لم يكن منكم مائة ﴾ بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ كفروا ﴾ لا لأن فاعل ﴿ يتوفى ﴾ الملائكة.

وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة.

﴿ وأدبارهم ﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ فرعون ﴾ لا للعطف.

﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ بأنفسهم ﴾ لا لعطف "أنّ" على "أنَّ" ﴿ عليم ﴾ ه لا للكاف ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بآيات ربهم ﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿ آل فرعون ﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿ لا يتقون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ سبقوا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ لا يعجزون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿ لا تعلمونهم ﴾ ج لذلك ﴿ يعلمهم ﴾ ط ﴿ لا تظلمون ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حسبك الله ﴾ ط ﴿ بين قلوبهم ﴾ الأول ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ على القتال ﴾ ط ﴿ مائتين ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ ضعفاً ﴾ ج ﴿ مائتين ﴾ ج ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم.

وجواب "لو" محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية "لو"، وكذا ﴿ يتوفى ﴾ لخاصية "إذ" وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف.

ويمكن أن يكون مفعولاً به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً فظيعاً.

﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني.

وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال.

وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر.

وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف.

وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم.

ومعنى ﴿ عذاب الحريق ﴾ مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيراً لهم بذلك.

وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.

قوله ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن يكون هنا حكاية كلام الملائكة.

ولما بين  ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً أم آجلاً ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق.

ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ﴿ ذلك بأن الله لم يك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال.

ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير ﴿ نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ﴾ بهم من الأحوال والأخلاق.

والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن ﴿ وأن الله سميع ﴾ للأقوال ﴿ عليم ﴾ بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله.

ثم ذكر مرة أخرى قوله ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب.

ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت.

قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب.

ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.

والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق.

ومنها أن المراد في الأول ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فعلوا وفي الثاني ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فُعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني.

ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم.

ومنها أن يجعل الضمير في ﴿ كفروا ﴾ و ﴿ كذبوا ﴾ لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون.

ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإليهة فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وكل كانوا ظالمين ﴾ أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم.

ثم خص من الظلمة سرهم فقال ﴿ إن شر الدواب ﴾ الآية.

جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وشر المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ و "من" للتبعيض ومفعول ﴿ عاهدت ﴾ محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ﴿ ثم ينقضون ﴾ عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد ﴿ في كل مرة ﴾ من مرات المعاهدة.

ومعنى "ثم" تبعيد النقض عن المعاهدة.

قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله  وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق ﴿ وهم لا يتقون ﴾ عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار.

ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال ﴿ فأما تثقفنهم ﴾ تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم.

وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم.

والضمير في ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظاً بحالهم ﴿ وإما تخافنّ من قوم ﴾ معاهدين ﴿ خيانة ﴾ ونكثاً بأمارات تلوح لك ﴿ فانبذ إليهم ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿ على سواء ﴾ على طريق مستوٍ قصد أي أخبرهم أخباراً مكشوفاً بيناً أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك.

وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد.

وقيل: على استواء في العداوة.

قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعاً على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ.

قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به.

فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية.

وذلك أن قريظة عاهدوا النبي  ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً قطعياً فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله  بأهل مكة لما نقضوا العهد.

ثم بيّن حال من فاته يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغاً عظيماً فقال ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله الأول ﴿ الذين كفروا ﴾ وثانيه ﴿ سبقوا ﴾ أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلاً سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟

فأجيب بما أجيب.

والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.

أو عجزت فلاناً وعجزته جعلته أو وجدته عاجزاً.

والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلاً أم آجلاً.

ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوهاً منها "أن" فاعله ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه ﴿ سبقوا ﴾ على أن الأصل أن سبقوا فحذفت "أن" كقوله ﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا.

ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال.

ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا.

ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا.

ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي  في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ عن عكرمة: هي الحصون.

وعن عقبة بن عامر أن رسول الله  قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة.

وقوله  : "القوة الرمي" كقوله: "الحج عرفة" وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها.

ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابط.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله ﴿ وجبريل وميكائيل ﴾ فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد.

روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها.

فقيل له: إنما أوصى في الحصون.

فقال: ألم تسمع قول الشاعر: ولقد علمت على توقّي الردى *** أن الحصون الخيل لا مدر القرى وعن عكرمة أن الخيل ههنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل.

وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر.

والظاهر العموم.

ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال ﴿ ترهبون به ﴾ أي بما استطعتم ﴿ عدو الله وعدوكم ﴾ لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله ﴿ لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ والمنافقين على قول.

واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهراً.

وأجيب بأن الخائن خائف فلكما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفاً ورعباً فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص.

وعن السدي: هم أهل فارس.

وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن.

وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر.

ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ﴾ أي ثوابه ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ الآية جنح له وإليه جنوحاً إذا مال.

وإنما قيل ﴿ فاجنح لها ﴾ لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة.

عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله  ﴾ وبقوله { ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  ﴾ والأوْلى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك.

والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم.

وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادن أربعة أشهر فما دونها لقوله  ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر  ﴾ وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله  منصرفه من تبوك.

وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله  حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين: إلا أنهمنقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد.

ثم قال ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة وينصرك عليهم.

إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير.

وعن مجاهد نزلت فيهم ﴿ إنه هو السميع ﴾ للأقوال ﴿ العليم ﴾ بالأحوال.

وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن.

ثم ذكر حكماً من أحكام المهادنة فقال ﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ﴾ محسبك وكافيك ﴿ الله ﴾ والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر.

ولا تنافي بين هذه الاية وبين ما تقدم من قوله ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم  ﴾ لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خيفة تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة.

ثم أكد كون الله  كافياً له بقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره ﴾ أي من غير واسطة أسباب معتادة.

﴿ وبالمؤمنين ﴾ أي بوساطة الأنصار.

ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله  ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله  من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال.

والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب.

ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمراً سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالاً حقيقياً روحانياً دائماً لم يتصور لها تغير وزوال.

ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي  مقبلين على المفاخرة والتسابق في المار والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي  إلى عبادة الله  والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخواناً متراحمين متحابين في الله ولله.

﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر والقدر.

قال القاضي: لولا ألطاف الله  ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال.

ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله  وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء.

ثم إنه  لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ﴾ ومحل ﴿ ومن اتبعك ﴾ منصوب بمنزلة "زيداً" في قولك "حسبك وزيداً درهم" قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار.

فلو كان قوله ﴿ ومن اتبعك ﴾ مجروراً لقيل حسبك وحسب من اتبعك.

ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً.

وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ ويؤكده ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي  ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله  الآية.

ثم بيّن  أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ والتحريض.

في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء.

وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف.

وفي قوله ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر.

قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله { ﴿ والوالدات يرضعن  ﴾ ﴿ والمطلقات يتربصن  ﴾ بدليل قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهمالمتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل.

قال الفراء: قد جمع بين "إما" و "أن" في هذه الآية بخلاف قوله ﴿ وما يعذبهم ﴾ ﴿ وإما يتوب عليهم ﴾ لأن الفعل ههنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا.

كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك.

قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر.

فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر ألبتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة.

فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة.

والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير.

الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس  ﴾ قال القاضي: لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه.

وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.

وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى { ﴿ واسترهبوهم  ﴾ أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم.

وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿ وجاؤا بسحر عظيم  ﴾ كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض.

عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى  أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك.

وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي ههنا الإلهام وههنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف.

قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و "ما" في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟

قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله  وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة.

وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فمل يفر، فإن فر من اثنين فقد فر.

والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر.

سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ.

ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء.

ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان.

وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم.

ومعنى قوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه  لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها.

والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك.

والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً  ﴾ .

التأويل: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و ﴿ لم يك مغيراً نعمة ﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿ حتى يغيروا ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ ما بأنفسهم ﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿ فشرد ﴾ يا روح ﴿ بهم من خلفهم ﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿ وجاهدهم ﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل} ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ ترهبون ﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿ لا تعلمونهم ﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿ الله يعلمهم ﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من شيء ﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿ يوف إليكم ﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها.

﴿ لو أنفقت ما في أرض ﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ ولكن الله ألف ﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قال بعضهم: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، أي: كفاك الله في العون والنصر لك، وكفاك المؤمنين - أيضاً - فيما ذكرنا.

وقال بعضهم: ﴿ حَسْبُكَ ٱللَّهُ ﴾ : نصر الله، وحسبك نصر المؤمنين، وهو على ما ذكر: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

والأول أشبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ﴾ .

التحريض على القتال يكون بوجهين: أحدهما: أن يعدهم من المنافع في الدنيا، ويطمع لهم ذلك، من نحو ما جاء من التنفيل: أن من فعل كذا فله كذا، أو يعدهم المنافع في الآخرة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...

﴾ الآية [التوبة: 111]، وما ذكر من الثواب في الآخرة بالنفقة التي ينفقونها في سبيل الله؛ كقوله: ﴿ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ الآية [الصف: 10]، فما ذكرنا فيه وعد المنافع لهم في الدنيا والآخرة، ووعد النصر لهم.

والثاني: يكون التحريض بضرر يلحق أولئك، ونكبة تصل إليهم؛ كقوله: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 13]، إلى قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ  وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ  ﴾ ، جمع الله - عز وجل - في هذه الآية جميع أنواع الخير الذي يكون في القتال مع العدو، من وعد النصر للمؤمنين عليهم، وإدخال السرور في صدورهم، ونفي الحزن عنهم، وتعذيب أولئك بأيديهم.

وفيه إغراء على العدو بقوله: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ  ﴾ ، فذلك كله يحرض على القتال، ويرغبهم في الحرب مع العدو، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية.

اختلف في معنى هذا: قال بعضهم: قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ...

﴾ ، على الأمر، كأنه قال: ليكن منكم عشرون صابرون يغلبوا؛ أمر العشرة القيام للمائة؛ وقالوا: دليل أنه على الأمر قوله: ﴿ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ ﴾ الآية، ولو لم يكن على الأمر والعزيمة، لم يكن لذكر التخفيف معنى.

وقال آخرون: هو على الوعد أنهم إذا صبروا وثبتوا لعدوهم غلبوا عدوهم؛ على ما أخبر: ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [البقرة: 249]، ليس على الأمر؛ لأنه قال: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ ، أخبر أنهم إذا صبروا غلبوهم، وهو كذلك - والله أعلم - إذ ظاهره وعد وخبر.

والأشبه: أن يكون على الأمر، ليس على الخبر، على ما ذكرنا من قوله: ﴿ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ .

ما لهم وعليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ﴾ .

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ﴾ ، وقد كان يعلم أن فيهم ضعفاً وقت ما أمر العشرة القيام لمائة، والعشرين لمائتين؟!

قيل: أمر بذلك مع علمه أن فيهم ضعفاً، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسهم، وذلك منه عدل؛ إذ له الأنفس إن شاء أتلفها بالموت، وإن شاء بالقتل بقتل العدو، والتخفيف منه رحمة وفضل، أمر الواحد القيام لعشرة على علم منه بالضعف ابتداء؛ امتحاناً منه، وله أن يمتحن عباده بما فيه وسعهم وبما لا وسع لهم فيه، وفي الحكمة ذلك؛ إذ له الأنفس، له أن يتلفها كيف شاء بما شاء، وهو ما ذكر بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [النساء: 66]، ولو لم يكن له في الحكمة ذلك لا يحتمل أن يكتب ذلك عليهم.

والثاني: يعلم فيهم الضعف كائناً شاهداً كما علم أنه يكون، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ...

﴾ الآية [محمد: 31]، أي: يعلمه مجاهداً كما علم أنه يجاهد؛ فعلى ذلك هذا.

ثم ذكر العشرة والعشرين يحتمل على التحديد.

ويحتمل لا على التحديد.

ألا ترى أنه ذكر في الناسخ عدداً غير العدد الذي في المنسوخ؛ ذكر العشرين لمائتين، وفي الناسخ ذكر الألف لألفين بقوله: ﴿ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

فإن كان لا على التحديد فيلزم الواحد القيام لاثنين، وفي الأول الواحد لعشرة؛ وعلى ذلك روي عن عمر -  - قال: إذا لقي الرجل رجلين من الكفار فاستأسر، فلا فداء له علينا، فإذا لقي ثلاثة فأسر، فعلينا فداؤه.

ولم يجعل للواحد الفرار من اثنين؛ حيث لم يوجب عليه الفداء، وقد جعل له الفرار عن ثلاثة؛ حيث جعل عليه الفداء.

وكذلك روي عن ابن عباس -  - أنه قال ذلك.

ويحتمل على التحديد، إذ كمل العدد الذي ذكر لم يسع الفرار، ويلزمهم القيام لهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يلزم.

وكذلك قال الحسن: أمر أن يصبر عشرون لمائتين، إن فروا منهم لم يعذروا، وإن يصبر الألف لألفين، إن فروا منهم لم يعذروا.

قال: ثم أنزل الله: ﴿ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ﴾ فأمر أن يصبر مائة لمائتين، وإن فروا منهم لم يعذروا، وأن يصبر الألف لألفين، إن فروا منهم لم يعذروا؛ فإن كان على التحديد، فهو على ما يقولون أنهم [ما] لم يكونوا منعة فإنه يسعهم ألا يقاتلوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ ﴾ .

قال بعضهم: الصبر: هو حبس النفس على ما أمر الله، وكفها عن جميع شهواتها ولذاتها، فإذا فعل ذلك غلب على العدو وقهره.

وقال بعضهم: الصبر: هو أن يوطن نفسه في القتال مع العدو ويحبسها في ذلك.

والشكر، قيل: هو أن يبذل نفسه وما تحويه يده لله، لا يجعل لغيره، فيكون الشكر والصبر في الحاصل سواء، وإن كانا في العبادة مختلفين؛ لأن الشكر: هو بذل النفس وما حوته يده لله، والصبر: هو الكف والإحباس على جميع ما أمر الله ، وأداء ما فرض الله عليه، فإذا حبسها عن غيره يكون باذلاً؛ ولهذا سمي الصبر إيماناً بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...

﴾ الآية [هود: 11]، ذكر الصبر - هاهنا - مكان ما ذكر في غيرها الإيمان بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ الآية [الشعراء: 227].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .

في النصر لهم على عدوهم والغلبة عليهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها النبي حُثَّ المؤمنين على القتال وحُضَّهم عليه بما يقوي عزائمهم وينشط هممهم، إن يكن منكم -أيها المؤمنون- عشرون صابرون على مقاتلة الكفار يغلبوا مئتين من الكفار، وإن تكن منكم مئة صابرة يغلبوا ألفًا من الكافرين؛ ذلك بأن الكافرين قوم لا يفهمون سُنَّة الله بنصر أوليائه، ودَحْر أعدائه، ولا يدركون المقصود من القتال، فهم يقاتلون من أجل العلو في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.OgbdD"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله