الآية ٨٢ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٨٢ من سورة التوبة

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ٨٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 56 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٢ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال [ الله ] تعالى جل جلاله ، متوعدا لهؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا : ( فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ) قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : الدنيا قليل ، فليضحكوا فيها ما شاءوا ، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله - عز وجل - استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا .

وكذا قال أبو رزين ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن خثيم ، وعون العقيلي وزيد بن أسلم .

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش ، حدثنا محمد بن حميد عن ابن المبارك ، عن عمران بن زيد ، حدثنا يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يا أيها الناس ، ابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول ، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون .

فلو أن سفنا أزجيت فيها لجرت .

ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش ، عن يزيد الرقاشي ، به .

وقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا : حدثنا محمد بن العباس ، حدثنا حماد الجزري ، عن زيد بن رفيع ، رفعه قال : إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زمانا ، ثم بكوا القيح زمانا ، قال : فتقول لهم الخزنة : يا معشر الأشقياء ، تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا ، هل تجدون اليوم من تستغيثون به ؟

قال : فيرفعون أصواتهم : يا أهل الجنة ، يا معشر الآباء والأمهات والأولاد ، خرجنا من القبور عطاشا ، وكنا طول الموقف عطاشا ، ونحن اليوم عطاش ، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ، فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم ، ثم يجيبهم : ( إنكم ماكثون ) [ الزخرف : 77 ] فييأسون من كل خير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فرح هؤلاء المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله, فليضحكوا فرحين قليلا في هذه الدنيا الفانية بمقعدهم خلاف رسول الله ولَهْوهم عن طاعة ربهم, فإنهم سيبكون طويلا في جهنم مكانَ ضحكهم القليل في الدنيا =(جزاء)، يقول: ثوابًا منا لهم على معصيتهم، بتركهم النفر إذ استنفروا إلى عدوّهم، وقعودهم في منازلهم خلافَ رسول الله (18) =(بما كانوا يكسبون)، يقول: بما كانوا يجترحون من الذنوب.

(19) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17037- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية, عن إسماعيل, عن أبي رزين: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرًا)، قال يقول الله تبارك وتعالى: الدنيا قليل, فليضحكوا فيها ما شاءوا, فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا بكاءً لا ينقطع.

فذلك الكثير.

17038- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن منصور, عن أبي رزين, عن الربيع بن خثيم: (فليضحكوا قليلا)، قال: في الدنيا =(وليبكوا كثيرًا)، قال: في الآخرة.

17039- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن ويحيى قالا حدثنا سفيان, عن إسماعيل بن سميع, عن أبي رزين في قوله: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرًا)، قال: في الآخرة.

17040- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن منصور, عن أبي رزين أنه قال في هذه الآية: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرًا)، قال: ليضحكوا في الدنيا قليلا وليبكوا في النار كثيرًا.

وقال في هذه الآية: وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا ، [سورة الأحزاب: 16]، قال: إلى آجالهم = أحد هذين الحديثين رفعه إلى ربيع بن خثيم.

(20) 17041- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (فليضحكوا قليلا)، قال: ليضحكوا قليلا في الدنيا =(وليبكوا كثيرًا)، في الآخرة، في نار جهنم =(جزاء بما كانوا يكسبون).

17042- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (فليضحكوا قليلا)، : أي في الدنيا =(وليبكوا كثيرًا)، : أي في النار.

ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا.

ذكر لنا أنه نودي عند ذلك, أو قيل له: لا تُقَنِّط عبادي.

17043- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن أبي رزين, عن الربيع بن خثيم، (فليضحكوا قليلا)، قال: في الدنيا =(وليبكوا كثيرًا)، قال: في الآخرة.

17044-......

قال، حدثنا أبو معاوية, عن إسماعيل بن سميع, عن أبي رزين: (فليضحكوا قليلا)، قال: في الدنيا، فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا بكاءً لا ينقطع, فذلك الكثير.

17045- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرًا)، قال: هم المنافقون والكفار، الذين اتخذوا دينهم هُزُوًا ولعبًا.

يقول الله تبارك وتعالى: (فليضحكوا قليلا)، في الدنيا =(وليبكوا كثيرًا)، في النار.

17046- حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (فليضحكوا)، في الدنيا، (قليلا) =(وليبكوا)، يوم القيامة، (كثيرًا).

وقال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ، حتى بلغ: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ، [سورة المطففين: 36].

--------------------- الهوامش : (18) انظر تفسير "الجزاء" فيما سلف من فهارس اللغة (جزى).

(19) انظر تفسير " الكسب " فيما سلف من فهارس اللغة (كسب) .

(20) الأثر : 17040 - سيأتي هذا الجزء نفسه بإسناده في تفسيره آية " سورة الأحزاب " .

وكان في المطبوعة هنا : " قال : أجلهم " ، وفي المخطوطة : " قال : آجالهم " ، أسقط " إلى " ، أثبتها من نص الخبر في تفسير سورة الأحزاب .

وكان في المطبوعة في هذا الأثر ، والذي قبله ، وما سيأتي : " الربيع بن خيثم " ، والصواب : " خيثم " ، كما سلف مرارًا ، فغيرته ، ولم أنبه عليه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبونفيه مسألتان :الأولى قوله تعالى فليضحكوا قليلا أمر ، معناه معنى التهديد وليس أمرا بالضحك .

والأصل أن تكون اللام مكسورة فحذفت الكسرة لثقلها .

قال الحسن : فليضحكوا قليلا في الدنيا وليبكوا كثيرا في جهنم .

وقيل : هو أمر بمعنى الخبر .

أي إنهم سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا .

( جزاء ) مفعول من أجله ; أي للجزاء .الثانية : من الناس من كان لا يضحك اهتماما بنفسه وفساد حاله في اعتقاده من شدة الخوف ، وإن كان عبدا صالحا .

قال صلى الله عليه وسلم : والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى لوددت أني كنت شجرة تعضد خرجه الترمذي .

وكان الحسن البصري رضي الله عنه ممن قد غلب عليه الحزن فكان لا يضحك .

وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول : الله أضحك وأبكى .

وكان الصحابة يضحكون ; إلا أن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه ، وهو من فعل السفهاء والبطالة .

وفي الخبر : أن كثرته تميت القلب وأما البكاء من خوف الله وعذابه وشدة عقابه فمحمود ; قال عليه السلام : ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء ( فتقرح ) العيون فلو أن سفنا أجريت فيها لجرت خرجه ابن المبارك من حديث أنس وابن ماجه أيضا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا‏}‏ أي‏:‏ فليتمتعوا في هذه الدار المنقضية، ويفرحوا بلذاتها، ويلهوا بلعبها، فسيبكون كثيرا في عذاب أليم ‏{‏جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‏}‏ من الكفر والنفاق، وعدم الانقياد لأوامر ربهم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فليضحكوا قليلا ) في الدنيا ( وليبكوا كثيرا ) في الآخرة .

تقديره : فليضحكوا قليلا فسيبكون كثيرا ، ( جزاء بما كانوا يكسبون ) .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنبأنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الحسين الشرقي ، حدثنا عبد الله بن هاشم ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا شعبة عن موسى بن أنس عن أنس رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد الحارث ، حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي حدثنا عبد الله بن محمود ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال ، حدثنا عبد الله بن المبارك عن عمران بن زيد الثعلبي ، حدثنا يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يا أيها الناس ابكوا ، فإن لم تستطيعوا فتباكوا ، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول ، ثم تنقطع الدموع ، فتسيل الدماء فتقرح العيون ، فلو أن سفنا أجريت فيها لجرت " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فليضحكوا قليلا» في الدنيا «وليبكوا» في الآخرة «كثيرا جزاءً بما كانوا يكسبون» خبر عن حالهم بصيغة الأمر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فليضحك هؤلاء المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة (تبوك) قليلا في حياتهم الدنيا الفانية، وليبكوا كثيرًا في نار جهنم؛ جزاءً بما كانوا يكسبون في الدنيا من النفاق والكفر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً .

.

.

) وعيد لهم بسوء مصيرهم ، وإخبار عن عاجل أمرهم وآجله ، من الضحك القليل فى الدنيا والبكاء الكثير فى الآخرة .والمعنى : إنهم وإن فروا وضحكوا طوال أعمارهم فى الدنيا ، فهو قليل بالنسبة إلى بكائهم فى الآخرة ، لأن الدنيا فانية والآخرة باقية ، والمنقطع الفانى قليل بالنسبة إلى الدائم الباقى .قال صاحب المنار : وفى معنى الآية قوله - صلى الله عليه وسلم " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً " متفق عليه ، بل رواه الجماعة إلا أبا داود من حديث أنس ، ورواه الحاكم من حديث أبى هريرة بلفظ " لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلا " .ثم قال : وإنما كان الأمر فى الآية بمعنى الخبر ، لأنه إنذار بالجزاء لا تكليف وقد قيل فى فائدة هذا التعبير عن الخبر بالإِنشاء ، إنه يدل على أنه حتم لا يحتمل الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته فى احتمالها ، لأن الأصل فى الأمر أن يكون للإِيجاب وهو حتم .

.وقوله : ( جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) تذييل قصد به بيان عدالته ، سبحانه ، فى معاملة عباده .أى : أننا ما ظلمناهم بتوعدنا لهم بالضحك القليل وبالبكاء الكثير ، وإنما هذا الوعيد جزاء لهم على ما اكتسبوه من فنون المعاصى ، وما اجترحوه من محاربة دائمة لدعوة الحق .وقوله : ( جَزَآءً ) مفعول للفعل الثانى .أى : ليبكوا جزاء ، ويجوز أن يكون مصدرا حذف ناصبه .

أى : يجزون بما ذكر من البكاء الكثير جزاء .وجمع - سبحانه - فى قوله ( بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) بين صيغتى الماضى والمستقبل ، للدلالة على الاستمرار التجددى ما داموا فى الدنيا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين، وهو فرحهم بالقعود وكراهتهم الجهاد قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، والمخلف المتروك ممن مضى.

فإن قيل: إنهم احتالوا حتى تخلفوا، فكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون.

والجواب من وجوه: الأول: أن الرسول عليه السلام منع أقواماً من الخروج معه لعلمه بأنهم يفسدون ويشوشون، فهؤلاء كانوا مخلفين لا متخلفين.

والثاني: أن أولئك المتخلفين صاروا مخلفين في الآية التي تأتي بعد هذه الآية، وهي قوله: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّاً  ﴾ فلما منعهم الله تعالى من الخروج معه صاروا بهذا السبب مخلفين.

الثالث: أن من يتخلف عن الرسول عليه السلام بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف من حيث لم ينهض فبقي وأقام.

وقوله: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المدينة، فعلى هذا المقعد اسم للمكان.

وقال مقاتل: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ بقعودهم وعلى هذا، هو اسم للمصدر.

وقوله: ﴿ خلاف رَسُولِ الله ﴾ فيه قولان: الأول: وهو قول قطرب والمؤرج والزجاج، يعني مخالفة لرسول الله حين سار وأقاموا.

قالوا: وهو منصوب لأنه مفعول له، والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والثاني: قال الأخفش: إن ﴿ خلاف ﴾ بمعنى خلف، وأن يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه بعد رسول الله، ويقوي هذا الوجه قراءة من قرأ ﴿ خلف رَسُولِ الله ﴾ وعلى هذا القول، الخلاف اسم للجهة المعينة كالخلف، والسبب فيه أن الإنسان متوجه إلى قدامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قدامه في كونها جهة متوجهاً إليها، وخلاف بمعنى خلف مستعمل أنشد أبو عبيدة للأحوص: عقب الربيع خلافهم فكأنما *** بسط الشواطب بينهن حصيرا وقوله: ﴿ وَكَرِهُواْ أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ والمعنى أنهم فرحوا بسبب التخلف وكرهوا الذهاب إلى الغزو.

واعلم أن الفرح بالإقامة على كراهة الذهاب إلا أنه تعالى أعاده للتأكيد، وأيضاً لعل المراد أنه مال طبعه إلى الإقامة لأجل إلفه تلك البلدة واستئناسه بأهله وولده وكره الخروج إلى الغزو لأنه تعريض للمال والنفس للقتل والإهدار، وأيضاً مما منعهم من ذلك الخروج شدة الحر في وقت خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المراد من قوله: ﴿ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر ﴾ .

فأجاب الله تعالى عن هذا السبب الأخير بقوله: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ أي إن بعد هذه الدار داراً أخرى، وإن بعد هذه الحياة حياة أخرى، وأيضاً هذه مشقة منقضية، وتلك مشقة باقية، وروى صاحب الكشاف لبعضهم: مسرة أحقاب تلقيت بعدها *** مساءة يوم أنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة *** وراء تقضيها مساءة أحقاب ثم قال تعالى: ﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا ﴾ وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة، والدليل عليه قوله بعد ذلك: ﴿ جَزآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ومعنى الآية أنهم، وإن فرحوا وضحكوا في كل عمرهم، فهذا قليل لأن الدنيا بأسرها قليلة، وأما حزنهم وبكاؤهم في الآخرة فكثير، لأنه عقاب دائم لا ينقطع، والمنقطع بالنسبة إلى الدائم قليل، فلهذا المعنى قال: ﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا ﴾ قال الزجاج: قوله: ﴿ جَزَاء ﴾ مفعول له، والمعنى وليبكوا لهذا الغرض.

وقوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي في الدنيا من النفاق واستدلال المعتزلة بهذه الآية على كون العبد موجداً لأفعاله، وعلى أنه تعالى لو أوصل الضرر إليهم ابتداء لا بواسطة كسبهم لكان ظالماً، مشهور، وقد تقدم الرد عليهم قبل ذلك مراراً تغني عن الإعادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

معناه: فسيضحكون قليلاً، ويبكون كثيراً ﴿ جَزَاءً ﴾ إلاّ أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيره.

يروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا، لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ بِقُعُودِهِمْ عَنِ الغَزْوِ خَلْفَهُ يُقالُ أقامَ خِلافَ الحَيِّ أيْ بَعْدَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُخالَفَةِ فَيَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى العِلَّةِ أوِ الحالِ.

﴿ وَكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ إيثارًا لِلدَّعَةِ والخَفْضِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آثَرُوا عَلَيْها تَحْصِيلَ رِضاهُ بِبَذْلِ الأمْوالِ والمُهَجِ.

﴿ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أوْ قالُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيطًا.

﴿ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا ﴾ وقَدْ آثَرْتُمُوها بِهَذِهِ المُخالَفَةِ.

﴿ لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ أنَّ مَآبَهم إلَيْها، أوْ أنَّها كَيْفَ هي ما اخْتارُوها بِإيثارِ الدَّعَةِ عَلى الطّاعَةِ.

﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ إخْبارٌ عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ أخْرَجَهُ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ حَتْمٌ واجِبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّحِكُ والبُكاءُ كِنايَتَيْنِ عَنِ السُّرُورِ والغَمِّ والمُرادُ مِنَ القِلَّةِ العَدَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا} أي فيضحكون قليلاً على فرحهم بتخلفهم في الدنيا ويبكون كثيراً جزاء في العقبى إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيرهُ يروي أن أهل النفاق يبكون فى النار عمر الدنيا لا يرقألهم دمع ولا يكتحلون بنوم {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من النفاق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴾ إخْبارٌ عَنْ عاجِلِ أمْرِهِمْ وآجِلِهِ مِنَ الضَّحِكِ القَلِيلِ في الدُّنْيا والبُكاءِ الكَثِيرِ في الأُخْرى، وإخْراجُهُ في صُورَةِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَتُّمِ وُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ وذَلِكَ لِأنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ في الأصْلِ والأكْثَرِ، فاسْتُعْمِلَ في لازِمِ مَعْناهُ أوْ لِأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ بِخِلافِ الخَبَرِ، كَذا قَرَّرَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: الوُجُوبُ لا يَقْتَضِي الوُجُودَ وقَدْ قالُوا: إنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ الأمْرِ بِالخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ لِاقْتِضائِهِ تَحَقُّقَ المَأْمُورِ بِهِ، فالخَبَرُ آكَدُ وقَدْ مَرَّ مِثْلُهُ فَما بالُهُ عُكِسَ، قُلْتُ: لا مُنافاةَ بَيْنَهُما كَما قِيلَ لِأنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا والنُّكَتُ لا تَتَزاحَمُ فَإذا عُبِّرَ عَنِ الأمْرِ بِالخَبَرِ لِإفادَةِ أنَّ المَأْمُورَ لِشِدَّةِ امْتِثالِهِ كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ وتَحَقَّقَ قَبْلَ الأمْرِ كانَ أبْلَغَ، وإذا عُبِّرَ عَنِ الخَبَرِ بِالأمْرِ لِإفادَةِ لُزُومِهِ ووُجُوبِهِ كَأنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ أفادَ ذَلِكَ مُبالَغَةً مِن جِهَةٍ أُخْرى، وقِيلَ: الأمْرُ هُنا تَكْوِينِيٌّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ ما سَبَقَ لِلْإخْبارِ بِما ذُكِرَ مِنَ الضَّحِكِ والبُكاءِ لا لِنَفْسِهِما إذْ لا يُتَصَوَّرُ في الأوَّلِ أصْلًا، وجَعْلُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ الأمْرَيْنِ بِعِيدٌ، ونَصْبُ ( قَلِيلًا ) و( كَثِيرًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ أيْ ضَحِكًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا وبُكاءً أوْ زَمانًا كَثِيرًا، والمَقْصُودُ بِإفادَتِهِ في الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ هو وصْفُ القِلَّةِ فَقَطْ وفي الثّانِي هو وصْفُ الكَثْرَةِ مَعَ المَوْصُوفِ، فَيُرْوى أنَّ أهْلَ النِّفاقِ يَبْكُونَ في النّارِ عُمْرَ الدُّنْيا لا يَرْقَأُ لَهم دَمْعٌ ولا يَكْتَحِلُونَ بِنَوْمٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّحِكُ كِنايَةً عَنِ الفَرَحِ والبُكاءُ كِنايَةً عَنِ الغَمِّ، والأوَّلُ في الدُّنْيا والثّانِي في الأُخْرى أيْضًا، والقِلَّةُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنها، ولا حاجَةَ إلى حَمْلِها عَلى العَدَمِ كَما حُمِلَتِ الكَثْرَةُ عَلى الدَّوامِ، نَعَمْ إذا اعْتُبِرَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ في الآخِرَةِ احْتَجْنا إلى ذَلِكَ إذْ لا سُرُورَ فِيها لَهم أصْلًا، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ البُكاءَ والضَّحِكَ في الدُّنْيا كَما في حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» أيْ أنَّهم بَلَغُوا في سُوءِ الحالِ والخَطَرِ مَعَ اللَّهِ تَعالى إلى حَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ضَحِكُهم قَلِيلًا وبُكاؤُهم مِن أجْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا.

﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ أيْ: مِن فُنُونِ المَعاصِي، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، و( جَزاءً ) مَفْعُولٌ لَهُ لِلْفِعْلِ الثّانِي ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَفْعُولًا لَهُ لِلْفِعْلَيْنِ أوْ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِي لِلْمَفْعُولِ حُذِفَ ناصِبُهُ أيْ يُجْزَوْنَ مِمّا ذُكِرَ مِنَ البُكاءِ الكَثِيرِ أوْ مِنهُ ومِنَ الضَّحِكِ القَلِيلِ جَزاءً بِما اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ يقول: عجب ورضي المتخلفون عن الغزو وهم المنافقون بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ، يعني: بتخلفهم عن رسول الله  وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، يعني: قال بعضهم لبعض: لا تخرجوا إلى الغزو، فإن الحر شديد.

قال الله تعالى: قُلْ يا محمد: نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ يعني: لو كانوا يفهمون.

قراءة ابن مسعود لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ.

ثم قال عز وجل: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً اللفظ لفظ الأمر والمراد به: التوبيخ.

قال الحسن: يعني: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا في الدنيا، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً في الآخرة في النار.

جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، يعني: عقوبة لهم بما كانوا يكفرون.

وعن أبي رزين أنه قال في قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً قال: يقول الله تعالى: الدنيا قليل فليضحكوا قليلا فيها ما شاؤوا، فإذا صاروا إلى النار بكوا بكاءً لا ينقطع، فذلك الكثير.

وروى الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عامر، عن عمرو بن شرحبيل قال: مرّ النبيّ  على ملأ من قريش، وفيهم أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة فقال أبو جهل: هذا نبيكم يا بني عبد مناف.

فقال عتبة: وما ننكر أن يكون منا نبي أو ملك، فسمعه النبي  ، فأقبل عليهم فقال: «أمَّا أنْتَ يا عُتْبَةُ، فَلَمْ تَغْضَبْ لله وَلا لِرَسُولِهِ، وَإنَّمَا غَضِبْتَ لِلأصْلِ.

وَأمَّا أنْتَ يَا أبَا جهل، فو الله لا يَأْتِي عَلَيْكَ إلاَّ غَيْرُ كَثِيرٍ مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى تَبْكِيَ كَثِيراً وَتَضْحَكَ قَلِيلاً.

وَأمَّا أنْتُمْ يَا ملأ قريش، فو الله لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ إلاَّ غَيْرُ كَثِيرٍ مِنَ الدَّهْرِ، حَتَّى تَدْخُلُوا فِي هذا الأمْرِ الَّذِي تُنْكِرُونَ طَائِعِينَ أوْ كَارِهِينَ» .

قال: فسكتوا كأنما ذرّ على رؤوسهم التراب، فلم يردوا عليه شيئاً.

وروى أنس بن مالك، عن النبيّ  أنه قال: «يُرْسِلُ الله تَعَالَى البُكَاءَ عَلَى أهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى يُرَى فِي وُجُوهِهِمْ كهيئة الأخدود» (١) (١) عزاه السيوطي: 4/ 256 إلى ابن مردويه وابن ماجة وأبي يعلى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ووَكَلَ سريرته إِلى اللَّه عزَّ وجلَّ، وعلَى هذا كان سَتْرُ المنافقين، وإِذا ترتَّب كما قلنا التخييرُ في هذه الآيةِ، صَحَّ أَنَّ ذلك التخييرَ هو الَّذِي نُسِخَ بقوله تعالى في «سورة المنافقين: [٦] » :

سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.

ت: والظاهر أن الآيتين بمعنًى، فلا نَسْخ، فتأمَّله، ولولا الإِطالة لأَوْضَحْت ذلك.

قال ع «١» : وأما تمثيله بالسبعين دُونَ غيرها من الأعدادِ، فلأَنه عددٌ كثيراً مَّا يجيءُ غايةً ومقنعاً في الكَثْرة.

وقوله: ذلِكَ إِشارة إِلى امتناع الغُفْرَانِ.

وقوله عزَّ وجلَّ: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ...

الآية: هذه آية تتضمَّن وصف حالِهِمْ، على جهة التوبيخ، وفي ضمنها وعيدٌ، وقوله: الْمُخَلَّفُونَ: لفظٌ يقتضي تحقيرَهُم، وأنهم الذين أبعدهم اللَّه مِنْ رضاه/ و «مقْعَد» : بمعنى القُعُود، و «خِلاَف» : معناه: «بَعْدَ» ومنه قولُ الشاعر: [الطويل]

فَقُلْ للَّذِي يَبْغِي خِلاَفَ الَّذِي مَضَى ...

تَأَهَّبْ لأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَد

يريد: بعد الذي مَضَى.

وقال الطبريُّ «٢» : هو مصدرُ: خَالَفَ يُخَالِفُ، وقولهم: لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ: كان هذا القول منهم لأن غزوة تبوك كَانَتْ في شدّة الحرّ وطيب الثمار.

وقوله سبحانه: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا إِشارة إِلى مدة العُمر في الدنيا.

وقوله: وَلْيَبْكُوا كَثِيراً إِشارةٌ إِلى تأبيدِ الخلودِ في النَّارِ، فجاء بلَفْظ الأمر، ومعناه الخبر عن حالهم، وتقديرُ الكلام: لِيَبْكُوا كثيراً إِذ هم معذَّبون، جزاءً بما كانوا يكسبون،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ.

وَفِي قِلَّةِ ضِحْكِهِمْ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الضَّحِكَ في الدُّنْيا، لِكَثْرَةِ حُزْنِها وهُمُومِها، قَلِيلٌ، وضَحِكُهم فِيهِ أقَلُّ، لِما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعِيدِ.

والثّانِي: أنَّهم إنَّما يَضْحَكُونَ في الدُّنْيا، وبَقاؤُها قَلِيلٌ.

(وَلِيَبْكُوا كَثِيرًا) في الآَخِرَةِ.

قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: إنَّ أهْلَ النّارِ لَيَبْكُونَ الدُّمُوعَ في النّارِ، حَتّى لَوْ أُجْرِيَتِ السُّفُنُ في دُمُوعِهِمْ لَجَرَتْ، ثُمَّ إنَّهم لَيَبْكُونَ الدَّمَ بَعْدَ الدُّمُوعِ، فَلِمِثْلِ ما هم فِيهِ فَلْيَبْكِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ أيْ: مِنَ النِّفاقِ والمَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ وصْفَ حالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم وفي ضِمْنِها وعِيدٌ، وقَوْلُهُ: "المُخَلَّفُونَ" لَفْظٌ يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم وأنَّهُمُ الَّذِينَ أبْعَدَهُمُ اللهُ مِن رِضاهُ، وهَذا أمْكَنُ فِي هَذا مِن أنْ يُقالَ: "المُتَخَلِّفُونَ"، ولَمْ يَفْرَحْ إلّا مُنافِقٌ، فَخَرَجَ مِن ذَلِكَ الثَلاثَةُ، وأصْحابُ العُذْرِ، ومَقْعَدٌ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُعُودِ، ومِثْلُهُ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗........................

وقَوْلُهُ: "خِلافَ" مَعْناهُ: بَعْدَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ: عَقَبَ الرَبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ بَسَطَ الشَواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا يُرِيدُ: بَعْدَهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقى خِلافَ الَّذِي مَضى ∗∗∗ ∗∗∗ تَأهَّبْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأنْ قَدِ وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مَصْدَرُ خالَفَ يُخالِفُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا هو مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ لِخِلافِ رَسُولِ اللهِ  ، أو مَصْدَرٌ، ونَصْبُهُ في القَوْلِ الأوَّلِ كَأنَّهُ عَلى الظَرْفِ، وكَراهِيَتُهم لِما ذُكِرَ هي شُحٌّ إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِالثَوابِ في سَبِيلِ اللهِ، فَهم يَظُنُّونَ بِالدُنْيا، وقَوْلُهُمْ: ﴿ لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ ﴾ كانَ؛ لِأنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ كانَتْ في وقْتِ شِدَّةِ الحَرِّ وطِيبِ الثِمارِ والظِلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، والناسُ، فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِأنْ قِيلَ لَهُمْ: فَإذا كُنْتُمْ تَجْزَعُونَ مِن حَرِّ القَيْظِ، فَنارُ جَهَنَّمَ الَّتِي هي أشَدُّ أحْرى أنْ تَجْزَعُوا مِنها لَوْ فَهِمْتُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "خَلْفَ"، وذَكَرَها يَعْقُوبُ ولَمْ يَنْسِبْها، وقُرِئَ: "خُلْفَ" بِضَمِّ الخاءِ، ويُقَوِّي قَوْلَ الطَبَرِيِّ "أنَّ لَفْظَةَ الخِلافِ هي مَصْدَرٌ مِن خالَفَ" ما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ مِن أنَّ رَسُولَ اللهِ  أمَرَهم بِالنَفْرِ فَعَصَوْا وخالَفُوا وقَعَدُوا مُسْتَأْذِنِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قالَ: "لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ" رَجُلٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، الحَرُّ الشَدِيدُ فَلا تُنْفِرْ في الحَرِّ، قالَ النَقّاشُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُونَ" بَدَلَ:يَفْقَهُونَ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ﴾ إشارَةٌ إلى مُدَّةِ العُمْرِ في الدُنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴾ إشارَةٌ إلى تَأْبِيدِ الخُلُودِ في النارِ، فَجاءَ بِلَفْظِ الأمْرِ ومَعْناهُ الخَبَرُ عن حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ حالِهِمْ، أيْ: هم لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الخَطَرِ مَعَ اللهِ، وسُوءِ الحالِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ضَحِكُهم قَلِيلًا وبُكاؤُهم مِن أجْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وقْتُ الضَحِكِ والبُكاءِ في الدُنْيا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ  لِأُمَّتِهِ: « "لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا"».

ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا قالَ هَذا الكَلامَ أوحى اللهُ إلَيْهِ: "يا مُحَمَّدُ لا تُقَنِّطْ عِبادِي".» وقَوْلُهُ: "جَزاءً" مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْنى الَّذِي تَقْدِيرُهُ: ولْيَبْكُوا كَثِيرًا إذْ هم مُعَذَّبُونَ جَزاءً، وقَوْلَهُ: "يَكْسِبُونَ" نَصٌّ في أنَّ التَكَسُّبَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَوابُ والعِقابُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ ﴾ الآيَةُ، "رَجَعَ" يَسْتَوِي مُجاوِزُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ" مُبَيِّنَةٌ أنَّ النَبِيَّ  لا يَعْلَمُ بِمُسْتَقْبَلاتِ أمْرِهِ مِن أجَلٍ وسِواهُ، وأيْضًا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَمُوتُوا هم قَبْلَ رُجُوعِهِ، وأمْرُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ  بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ ﴾ هو عُقُوبَةٌ لَهُمْ، وإظْهارٌ لِدَناءَةِ مَنزِلَتِهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، وهَذا هو المَقْصُودُ في قِصَّةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في الِامْتِناعِ مِن أخْذِ صَدَقَتِهِ، ولا خِزْيَ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ إنْسانٌ قَدْ رَفَضَهُ الشَرْعُ ورَدَّهُ كالجَمَلِ الأجْرَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلى طائِفَةٍ ﴾ يَقْتَضِي عِنْدِي أنَّ المُرادَ رُؤُوسُهم والمَتْبُوعُونَ، وعَلَيْها وقَعَ التَشْدِيدُ بِأنَّها لا تَخْرُجُ ولا تُقاتِلُ عَدُوًّا، وكَرَّرَ مَعْنى قِتالِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ عُظْمُ الجِهادِ ومَوْضِعُ بارِقَةِ السُيُوفِ الَّتِي تَحْتَها الجَنَّةُ، ولَوْلا تَخْصِيصُ الطائِفَةِ، لَكانَ الكَلامُ: "فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلَيْهِمْ"، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الطائِفَةُ قَدْ حَتَّمَ عَلَيْها بِالمُوافاةِ عَلى النِفاقِ، وعُيِّنُوا لِلنَّبِيِّ  ، وإلّا فَكَيْفَ يَتَرَتَّبُ ألّا يُصَلِّيَ عَلى مَوْتاهم إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُمُ اللهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَماتُوا وهم فاسِقُونَ  ﴾ نَصٌّ في مُوافاتِهِمْ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  عَيَّنَهم لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكانَتِ الصَحابَةُ إذا رَأوا حُذَيْفَةَ تَأخَّرَ عَنِ الصَلاةِ عَلى جِنازَةِ رَجُلٍ تَأخَّرُوا هم عنها.» ورُوِيَ عن حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ يَوْمًا: بَقِيَ مِنَ المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنْشُدُكَ اللهَ أنا مِنهُمْ؟

فَقالَ: لا، وواللهِ لا أمَّنْتُ مِنها أحَدًا بَعْدَكَ؟

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَعِي" بِسُكُونِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِيما قالَ المُفَضَّلُ - "مَعِيَ" بِحَرَكَةِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَوْلُهُ: "أوَّلَ" هو بِالإضافَةِ إلى وقْتِ الِاسْتِئْذانِ.

والخالِفُونَ: جَمِيعُ مَن تَخَلَّفَ مِن نِساءٍ وصِبْيانٍ وأهْلِ عُذْرٍ، غَلَّبَ المُذَكَّرَ فَجَمَعَ بِالياءِ والنُونِ وإنْ كانَ ثَمَّ نِساءٌ، وهو جَمْعٌ خالِفٍ.

وقالَ قَتادَةُ: الخالِفُونَ: النِساءُ، وهَذا مَرْدُودٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ الرِجالُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ مَعَ الخالِفِينَ ﴾ أنْ يُرِيدَ: مَعَ الفاسِدِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن: خَلَفَ الشَيْءُ إذا فَسَدَ، ومِنهُ: خُلُوفُ فَمِ الصائِمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ مُقْحَمٌ، والأوَّلُ أفْصَحَ وأجْرى عَلى اللَفْظَةِ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِكْرِمَةُ: "مَعَ الخَلِفِينَ" وهو مَقْصُورٌ مِنَ "الخالِفِينَ"، كَما قالَ: "عَرِدًا وبَرِدًا" يُرِيدُ: عارِدًا وبارِدًا، وكَما قالَ الآخَرُ: مِثْلُ النَقا لَبْدُهُ بَرْدُ الظِلَلِ يُرِيدُ: الظِلالَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع كلام على الكلام السابق مِن ذِكر فَرحهم، ومِن إفادة قوله: ﴿ قل نار جهنم أشد حراً ﴾ [التوبة: 81] من التعريض بأنّهم أهلها وصائرون إليها.

والضحك هنا كناية عن الفرح أو أريد ضحكهم فرحاً لاعتقادهم ترويج حيلتهم على النبي صلى الله عليه وسلم إذْ أذن لهم بالتّخلّف.

والبكاء: كناية عن حزنهم في الآخرة فالأمر بالضحك وبالبكاء مستعمل في الإخبار بحصولهما قطعاً إذ جعلا من أمر الله أو هو أمر تكوين مثل قوله: ﴿ فقال لهم الله موتوا ﴾ [البقرة: 243] والمعنى أنّ فرحهم زائل وأنّ بكاءهم دائم.

والضحك: كيفية في الفم تتمدّد منها الشفتان وربّما أسفرتا عن الأسنان وهي كيفية تعرض عند السرور والتعجّب من الحُسن.

والبكاءُ: كيفية في الوجه والعينين تنقبض بها الوجنتان والأسارير والأنف.

ويسيل الدمع من العينين، وذلك يعرض عند الحزن والعجز عن مقاومة الغلب.

وقوله: ﴿ جزاء بما كانوا يكسبون ﴾ حال من ضميرهم، أي جزاء لهم، والمجعول جزاء هو البكاء المعاقب للضحك القليل لأنّه سلب نعمة بنقمة عظيمة.

وما كانوا يكسبون هو أعمال نفاقهم، واختير الموصول في التعبير عنه لأنّه أشمل مع الإيجاز.

وفي ذكر فعل الكَون، وصيغة المضارع في ﴿ يكسبون ﴾ ما تقدّم في قوله: ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ [التوبة: 70].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ ﴾ أيِ المَتْرُوكُونَ.

﴿ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مُخالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ  وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: مَعْناهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ.

عَفَّتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا أيْ بَعْدَهم.

﴿ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ حِينَ قَعَدُوا.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَقْعُدُوا مَعَهم، وهَؤُلاءِ المُخَلَّفُونَ عَنِ النَّبِيِّ  في غَزاةِ تَبُوكَ وكانُوا أرْبَعَةً وثَمانِينَ نَفْسًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ، وفي قِلَّةِ ضَحِكِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الضَّحِكَ في الدُّنْيا لِكَثْرَةِ حُزْنِها وهُمُومِها قَلِيلٌ، وضَحِكُهم فِيها أقَلُّ لِما يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعِيدِ.

الثّانِي: أنَّ الضَّحِكَ في الدُّنْيا وإنْ دامَ إلى المَوْتِ قَلِيلٌ، لِأنَّ الفانِيَ قَلِيلٌ.

﴿ وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الآخِرَةِ لِأنَّهُ يَوْمٌ مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهم فِيهِ يَبْكُونَ، فَصارَ بُكاؤُهم كَثِيرًا، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ.

الثّانِي: في النّارِ عَلى التَّأْبِيدِ لِأنَّهم إذا مَسَّهُمُ العَذابُ بَكَوْا مِن ألَمِهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالضَّحِكِ السُّرُورَ، وبِالبُكاءِ الغَمَّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً ﴾ قال: هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا من دينهم هزواً ولعباً، يقول الله تعالى ﴿ فليضحكوا قليلاً ﴾ في الدنيا ﴿ وليبكوا كثيراً ﴾ في الآخرة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ فليضحكوا قليلاً ﴾ قال: الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله تعالى استأنفوا بكاء لا ينقطع أبداً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين.

مثله.

وأخرج البخاري والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجداً، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجارون إلى الله، لوددت أني كنت شجرة تعضد» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى عن أنس «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل فتقرح العيون، فلو أن سفناً أرخيت فيها لجرت» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن زيد بن رفيع رفعه قال: إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زماناً، ثم بكوا القيح زماناً فتقول لهم الخزنة: يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا، هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟

فيرفعون أصواتهم: يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشاً، وكنا طول الموقف، عطاشاً ونحن عطاشاً، فافيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله.

فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم، ثم يجيبهم إنكم ماكثون.

فييأسون من كل خير.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي موسى الأشعري.

أنه خطب الناس بالبصرة فقال: يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى لو أجري فيها السفن لجرت.

وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمر قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولو تعلمون حق العلم لصرخ أحدكم حتى ينقطع صوته، ولسجد حتى ينقطع صلبه.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم تبكون لا تدرون تنجون أو لا تنجون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴾ ، قال أبو رزين (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقال الحسن: (قوله: ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ﴾ وعيد من الله لهم، يقول: فإن ذلك منهم قليل لأن الدنيا كلها قليل يفنى وينقطع، [فضحكهم قليل فيها، وسرورهم وفرحهم قليل لأنه ينقطع] (٦) ﴿ وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴾ في النار لا انقطاع له (٧) (٨) (٩) (١٠) قال صاحب "النظم": (هذا فصل (١١) (١٢) (١٣) ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ .

وقال أبو إسحاق: ( ﴿ جَزَاءً ﴾ مفعول له، المعنى: وليبكوا لهذا الفعل) (١٤) وقال ابن عباس: في قوله: ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (أي: في الدنيا من النفاق والتكذيب) (١٥) (١) هو: مسعود بن مالك الأسدي مولاهم، أبو رزين الكوفي، تابعي ثقة، من رجال مسلم، توفي سنة 85 هـ.

انظر: "الكاشف" 2/ 257، و"تهذيب التهذيب" 4/ 63، و"تقريب التهذيب" ص 528 (6612).

(٢) ساقط من (ح).

(٣) في (ح): (يكون)، وهو خطأ.

(٤) في (ح): (نكالًا)، وهو وهم من الناسخ.

(٥) رواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1855، وابن جرير10/ 202 وابن أبي شيبة كما في "الدر المنثور" 3/ 474.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٧) رواه ابن جرير 10/ 202 مختصرًا، وذكر بعضه ابن أبي حاتم 6/ 1856 بغير سند، ورواه بمعناه مختصرًا عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 284.

(٨) في (ى): (ليبكوا).

(٩) رواه الثعلبى 6/ 135 ب.

(١٠) رواه أحمد في كتاب: "الزهد" 2/ 152، وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 261، ورواه الحاكم عنه مرفوعًا "المستدرك" 4/ 605، وقال: صحيح الإسناد، قلت: في سنده محمد بن الفضل عارم، قال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص502 (6226): ثقة ثبت تغير، في آخر عمره.

(١١) هكذا في النسخ ولعل الصواب: (فعل).

(١٢) ساقط من (ى).

(١٣) في (م): (دل).

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 463، وعبارته: جزاء لهذا الفعل.

(١٥) "تنوير المقباس" ص 200 بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَرِحَ المخلفون ﴾ أي الذين خلفهم الله عن بدر وأقعدهم عنه، وفي هذا تحقير وذم لهم، ولذلك لم يقل المتخلفون ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ أي بقعودهم ﴿ خلاف رَسُولِ الله ﴾ أي بعده حين خرج إلى تبوك، فخلاف على هذا ظرف، وقيل: هو مصدر من خلف فهو على هذا مفعول من أجله ﴿ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر ﴾ قائل هذه المقالة رجل من بني سلمة ممن صعب عليه السفر إلى تبوك في الحر ﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً ﴾ أمر بمعنى الخبر فضحكهم القليل في الدنيا مدة بقائهم فيها، بكاؤهم الكثير في الآخرة؛ وقيل: هو بمعنى الأمر أي يجب أن يكونوا: يضحكون قليلاً ويبكون كثيراً في الدنيا لم وقعوا فيه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ معي أبدأ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص والمفضل ﴿ معي عدو ﴾ بالفتح: حفص فقط.

الوقوف: ﴿ أو لا تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ فلن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ في الحر ﴾ ط ﴿ حراً ﴾ م لأن المعنى لو كانوا يفقهون حرارة النار لما قالوا لا تنفروا في الحر.

ولو وصل لأوهم أن جهنم لا يكون نارها أشد حراً إذا لم يفقهوا ذلك ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح أن يكون مفعولاً له أو مصدر محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ معي عدوّاً ﴾ ط ﴿ الخالفين ﴾ ه ﴿ على قبره ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ وأولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ز لابتداء وعد الفلاح على التعظيم بدليل تكرار ﴿ أولئك ﴾ مع اتفاق الجملتين.

﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس أن عند نزول الآية الأولى في المنافقين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا واشتغل بالاستغفار لهم فنزل ﴿ استغفر لهم ﴾ الآية، ومن المفسرين من قال: إنهم طلبوا من الرسول  أن يستغفر لهم وإن الله نهاه عنه.

والنهي عن الشيء لا يدل على أن المنهي أقدم على ذلك الفعل.

ثم إن الدليل قد يدل على أنه ما اشتغل بالاستغفار لأن المنافق كافر، وقد ظهر في شرعه أن الاستغفار للكافر غير جائز، ولأن الاستغفار للمنافق يجري مجرى اغرائه على مزيد النفاق ولأنه يلزم أن يكون النبي  غير مجاب الدعوة وإن أكثر في الدعاء.

ومن الفقهاء من قال: التخصيص بالعدد المعين يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه لما روي أنه لما نزلت الآية قال  : "لأزيدن على السبعين" فنزل ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم  ﴾ فكف عنه.

فلولا أنه فهم بدليل الخطاب أن الأمر فيما وراء السبعين بالخلاف لم يقل لأزيدنّ على ذلك.

وأجيب بأنه أراد إظهار الرحمة والرأفة بأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم لبعض لا أنه فهم منه ذلك، كيف وقد قال  ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ وأردفه بقوله ﴿ ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ﴾ .

فليس المقصود بهذا العدد تحديد المنع وإنما هو كقول القائل لمن يسأله حاجة: لو سألتني سبعين مرة لم أقضها.

ولهذا بين العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وهي كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين.

وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً هو أن السبعة عدد شريف لأنه عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع، فضرب السبعة في عشرة لأن الحسنة بعشر أمثالها.

وقيل: خص بالذكر لأنه  كبّر على حمزة سبعين تكبيرة وكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة: هذا وقد مر في تفسير قوله ﴿ قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً  ﴾ أن هذا أمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لا، وانتصاب سبعين على المصدر كقولك: ضربته عشرين ضربة.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعالهم فقال ﴿ فرح المخلفون ﴾ قيل: إنهم احتالوا أن يتخلفوا وكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون.

وأجيب بأنهم استأذنوا رسول الله  فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو أريد خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان، أو المجاهدون لما لم يوافقوهم في القعود فكأنهم خلفوهم، أو أطلق عليهم المخلفون باعتبار أنهم سيصيرون ممنوعين من الخروج في الآية الآتية ﴿ فإن رجعك الله ﴾ إلى قوله ﴿ ولن تقاتلوا معي عدواً ﴾ ومعنى ﴿ بمقعدهم ﴾ بقعودهم قاله مقاتل.

أو بموضع قعودهم وهو المدينة قاله ابن عباس.

ومعنى ﴿ خلاف رسول الله ﴾  مخالفة رسول الله  حين سار وأقاموا قاله قطرب والزجاج فانتصابه على أنه مفعول له أي قعد والأجل خلافه أو على الحال مثل "فأرسلها العراك" أي مخالفين له، وقال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف أي بعد رسول الله  وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان يخالفها جهة الخلف ﴿ وكرهوا أن يجاهدوا ﴾ كيف لا يكرهون وليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإخلاص ومعهم صارف الكفر والنفاق؟

وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين أموالهم وأرواحهم في الله المؤثرين ذلك على الدعة والخفض.

واعلم أن الفرح بالإقامة يدل على كراهية الذهاب إلا أنه صريح بذلك للتوكيد، ولعل المراد أنه مال طبعهم إلى الإقامة لإلفهم بالبلد واستئناسهم بالأهل والولد، وكرهوا الخروج إلى الغزو لأنه تعريض بالنفس والمال للقتل والإهدار.

﴿ قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ﴾ أن بعد هذه الدار دار أخرى وبعد هذه الحياة حياة أخرى.

وهذه المشقة منقضية سهلة وتلك باقية صعبة ولبعضهم وكأنه صاحب الكشاف: مسرة أحقاب تلقيت بعدها *** مساءة يوم أنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة *** وراء تقضيها مساءة أحقاب وفي هذا استجهال عظيم لهم.

ثم قال ﴿ فليضحكوا ﴾ وهو خبر إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم لا يكون غيره ومعناه فسيضحكون قليلاً أي ضحكاً قليلاً أو زماناً قليلاً وسيبكون كثيراً.

يروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.

ثم عرف نبيه وجه الصلاح في سائر الغزوات فقال ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ﴾ أي إن ردّك إلى المدينة.

الرجع متعد مثل الرد، والرجوع لازم.

وإنما قال طائفة لأن منهم من تاب عن النفاق وندم أو اعتذر بعذر صحيح.

وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين فأراد بالطائفة المخلفين من المنافقين.

﴿ فاستأذنوك للخروج ﴾ إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك ﴿ فقل لن تخرجوا معي أبداً ﴾ عاقبهم بإسقاط عن ديوان الغزاة جزاء على تخلفهم لما فيه من الذم والطرد وصلاحاً لأمر الجهاد لما في استصحابهم من المفاسد المذكورة في قوله ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً  ﴾ ويعني بأول مرة غزوة تبوك.

وإنما لم يقل أول المرات معرفاً مجموعاً لأن المعنى إن فصلت المرات مرة مرة كانت هذه أولها نظيره "هو أفضل رجل" يعني إن عدّ الرجال رجلاً رجلاً كان هو أفضلهم.

وإنما لم يقل "أولى مرة" لأن أكثر اللغتين "هند أكبر النساء" ولا يكاد يقال "هي أكبر امرأة" ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ كقوله ﴿ وقيل اقعدوا مع القاعدين ﴾ {التوبة: 46] والخالف من يخلف الرجل في قومه.

وعن الأصمعي أنه الفاسد من خلف اللبن والنبيذ إذا فسد.

وعن الفراء معناه المخالف.

قال قتادة: ذكر لنا أن الخالفين الذين أمروا بالقعود كانوا اثني عشر رجلاً.

عن ابن عباس أنه لما اشتكى عبد الله ابن أبيّ ابن سلول عاده رسول الله  فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه الذي يلي جلده ليكفن فيه ففعل كل ذلك.

وعنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دعي رسول الله  للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقف علي يريد الصلاة تحوّلت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدوّ الله عبد الله ابن أبيّ القائل يوم كذا كذا وكذا؟

أعدد أيامه ورسوله  يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت، قد قيل لي استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت.

قال: ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله  والله ورسوله أعلم.

قال: فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزل ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ﴾ الآية.

فما صلى رسول الله  بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله.

قال المفسرون: وكلم رسول الله  فيما فعل بعبد الله بن أيّ قال: وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إن كنت لأرجو أن يسلم به ألف من قومه وكان كما قال.

وقيل: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه غلب على ظن الرسول أنه انتقل إلى الإيمان لأنه وقت يتوب فيه الكافر فرغب أن يصلي عليه.

وذكر من أسباب دفع القميص أن العباس عم رسول الله  أخذ أسيراً ببدر ولم يجدوا له قميصاً طويلاً فكساه عبد الله قميصه، ومنها أن المشركين قالوا له يوم الحديبية إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك.

فقال: إن لي في رسول الله  أسوة حسنة، فشكر رسول الله  صنيعه.

ومنها أنه كان لا يرد السائل لقوله  ﴿ وأما السائل فلا تنهر  ﴾ ومنها أن ابنه عبد الله كان من الصالحين فالرسول أكرمه لمكان ابنه.

ومنها إظهار الرأفة والرحمة كما مر.

قوله ﴿ مات ﴾ صفة لأحد ﴿ وأبداً ﴾ ظرف لقوله ﴿ لا تصل ﴾ وإنه يحتمل تأبيد النفي ونفي التأبيد والظاهر الأول، لأن القرائن تدل على منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً.

قال الزجاج: معنى قوله ﴿ ولا تقم على قبره ﴾ أن رسول الله  كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه.

وقال الكلبي: معناه لا تقم بإصلاح مهمات قبره و ﴿ أنهم كفروا ﴾ تعليل للنهي ويرد عليه أن الكفر حادث وحكم الله قديم والحادث لا يكون علة للقديم.

وأجيب بأن العلة ههنا بمعنى الإمارة المعرفة للحكم.

قال في الكشاف: وإنما قيل مات وماتوا بلفظ الماضي والمعنى على الاستقبال على تقدير لكون والوجود لأنه كائن موجود لا محالة.

وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبح في جميع الأديان.

أما قوله ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم ﴾ فقد سبق مثله في هذه السورة بتفاوت ألفاظ فوجب علينا أن نذكر سبب التفاوت، ثم فائدة التكرار فنقول والله  أعلم بمراده: إنما ذكر النهي ههنا بالواو وهناك بالفاء لأنه لا تعلق له ههنا بما قبله وهو موتهم على حالة الفسق خلاف ما هنالك.

وإنما قال ههنا ﴿ وأولادهم ﴾ بدون "لا" لأن المراد هنالك الترقي من الأدون إلى الأعلى وهو أن إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم كقولك: لا يعجبني أمر النائب ولا أمر المنوب.

وههنا أراد المعية فقط إما اكتفاء بما سبق هناك، وإما لأن هؤلاء أقوام آخرون لم يكن عندهم تفاوت بين الأمرين.

وقيل: إنه هناك لما علق الثاني بالأول تعليق الجزاء بالشرط أكد معنى النهي بتكرار "لا"، وإنما قال ههنا ﴿ إن يعذبهم ﴾ لأنه إخبار عن قوم ماتوا على الكفر فتعلق الإرادة بما هم فيه وهو العذاب.

وأما في الآية المتقدمة فالمفعول محذوف وقد مر.

وقيل: الفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله محال وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه "أن"، وإنما حذف الحياة ههنا اكتفاء بما ذكر هنالك وقيل تنبيهاً على أن الحياة الدنيا لا تستحق أن تسمى حياة لخستها.

وأما فائدة التكرير فهي المبالغة في التحذير من الأموال والأولاد لأنها جذابه للقلوب فتحتاج إلى صارف قوي، ويحتمل أن تكون الأولى في قوم والثانية في آخرين.

وقيل: الثانية في اليهود والأولى في المنافقين.

ثم عاد إلى توبيخ المنافقين فقال ﴿ وإذا أنزلت سورة ﴾ أي تمامها ويجوز أن يزاد عليها كما يقع القرآن والكتاب على بعضه.

وقيل: هي براءة لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد ﴿ أن آمنوا ﴾ "أن" هي المفسرة لأن إنزال السورة في معنى القول.

وقال الواحدي: تقديره بأن آمنوا وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان ﴿ أولوا الطول ﴾ ذو الفضل والسمعة من طال عليه طولاً قاله ابن عباس والحسن.

وقال الأصم: الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصوا بالذكر لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود ﴿ مع القاعدين ﴾ مع أصحاب الأعذار من الضعفة والزمنى.

والخوالف النساء اللواتي تخلفن في البيت، وجوز بعضهم أن يكون الخوالف جمع خالف وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف.

ثم قال ﴿ وطبع على قلوبهم ﴾ كقوله ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ وقد مر البحث فيه، وقال الحسن: الطبع بلوغ القلب في الكفر إلى حد كأنه مات عن الإيمان.

وقالت الأشاعرة: هو حصول داعية الكفر المانعة من الإيمان.

والطبع في اللغة الختم وهو التأثير في الطين ونحوه، ومنه الطبع للسجية التي جبل عليها الإنسان ﴿ فهم لا يفقهون ﴾ أسرار حكمة الله في الجهاد أو في الذهاب من السعادة وما في التخلف من الشقاء.

وفي قوله ﴿ لكن الرسول ﴾ نكتة هي أنه إن تخلف هؤلاء فقد أنهض إلى الغزو من هو خير منهم وأصدق نية كقوله ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين  ﴾ ثم ذكر منافع الجهاد على الإجمال فقال ﴿ وأولئك لهم الخيرات ﴾ وهي شاملة لمنافع الدارين.

وقيل: هي الحور لقوله ﴿ فيهن خيرات حسان  ﴾ وقوله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ المراد منه الخلاص من المكاره.

ثم فصل ما أجمل فقال ﴿ أعد الله ﴾ الآية وقيل: الخيرات الفلاح في الدنيا وهذه في الآخرة.

و ﴿ الفوز العظيم ﴾ عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة ودرجة عالية.

التأويل: إنما لم يؤثر استغفار الرسول في حقهم لقصور في القائل لا لتقصير في الفاعل، والأثر يتوقف على الأمرين ﴿ جزاء بما كانوا يكسبون ﴾ من رين القلوب وكدورة الأرواح بظلمة الصفات الحيوانية.

﴿ وهم كافرون ﴾ مستورو القلوب بحجاب حب الأموال والأولاد.

لهم الخيرات لما سعوا سعي العبودية نالوا خيرات الربوبية، ﴿ هم المفلحون ﴾ المتخلصون عن حجب صفات النفس ﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إذ لا حجاب أعظم من حجاب النفس والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

جمعوا - أعني المنافقين - جميع خصال الشر التي فعلوا: أحدها: ما ذكر من فرحهم بالتخلف عن رسول الله.

والثاني: كراهيتهم الجهاد مع رسول الله وبخلهم بأموالهم.

والثالث: صدهم الناس عن الجهاد والخروج في سبيل الله بقولهم: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ .

جمع الله جميع خصال المنافقين في هذه الآية.

وقوله: ﴿ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ ﴾ ، ذكر المخلفون، وهم كانوا متخلفين في الحقيقة، لكنه يحتمل وجهين:] مخلفون خلفهم الله؛ لما ذكر أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالاً، وأنهم يبغون الفتنة خلفهم عن ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ  ﴾ قيل: حبسهم؛ فعلى ذلك مخلفون خلفهم الله لما علم أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالاً وفساداً.

ويحتمل: مخلفون خلفهم أصحاب رسول الله  ؛ لأنهم لو أرادوا أن يخرجوهم كرهاً لقدروا على ذلك، فهم كالمخلفين من هذا الوجه لما لو أرادوا إخراجهم أخرجوهم، وإن كانوا متخلفين في الحقيقة.

وقوله: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ ﴾ أي: مخالفة رسول الله، وقرئ: (خَلْفَ رَسُولِ اللهِ)، أي: فرحوا لقعودهم بعد خروج رسول الله  .

وقوله: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ .

يحتمل: القعود، أي: بقعودهم خلفه.

ويحتمل: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ ، أي: موضع قعودهم، وهو منازلهم وأوطانهم، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم؛ لبخلهم وخلافهم الذي في قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ هذا في الظاهر يخرج على إظهار الشفقة للمؤمنين، ولكن لم يكونوا أرادوا ذلك؛ إنما أرادوا حبسهم عن الخروج في سبيل الله، لكن المؤمنين لا يمتنعون عن الخروج في سبيل الله؛ إذ قالوا لهم مطلقاً: "لا تنفروا"، وهو كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، كانوا يجبنون المؤمنين عن الخروج إلى الغزو، وكانوا يحتالون في منعهم المؤمنين عن الخروج في سبيل الله، ولو أطلقوا القول في المنع وصرحوه لفهم المؤمنون ذلك، ولظهر نفاقهم.

وجائز أن يكون قولهم: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ قالوا ذلك لأتباعهم، لا للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ \[أي: لو كانوا يفقهون\] ما أنزل على رسول الله لعلموا أن نار جهنم أشد حرّاً من حر الدنيا.

أو لو كانوا يفقهون أنهم لم يخلقوا في الدنيا للدنيا خاصّة، ولكن خلقهم [فيها] ليمتحنهم؛ لعلموا أن الموعود في الآخرة أشد مما امتحنوا في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً ﴾ .

يشبه أن يكون الضحك كناية عن الفرح والسرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ يقول: افرحوا وسروا قليلا، وتحزنون في الآخرة طويلاً كثيراً.

ويمكن أن يكون على حقيقة الضحك؛ لأنهم كانوا يضحكون ويستهزئون بالمؤمنين في الدنيا؛ يقول: ضحكوا قليلاً؛ لأن الدنيا قليلة تنقطع، ويبكون كثيراً في الآخرة؛ لأنها لا تنقطع ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ﴾ .

[دل] قوله: ﴿ رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ ، أي: ليس كل من تخلف عنه في ذلك فهو منافق، ولا كل المنافقين امتنعوا وتخلفوا عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ﴾ .

لأنه أخبر أن خروجهم معهم لا يزيدهم إلا خبالاً وفساداً، فيقول: ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، أي: عوقبوا بالقعود أول مرة لنفاقهم.

وقوله: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ﴾ ، أي: لن آذن لكم أن تخرجوا معي أبداً، ولن آذن لكم أن تقاتلوا معي أبداً.

ويحتمل: لن تخرجوا، أي: و[إن] أذنت لكم بالخروج فلن تخرجوا أبداً.

﴿ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ ﴾ .

قيل: مع المتخلفين، وهم المنافقون؛ على ما ذكر.

ويحتمل: أن اقعدوا مع أصحاب الأعذار.

وقال بعضهم: مع النساء والزمنى؛ وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ﴾ .

يعني: المنافقين.

﴿ وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ﴾ .

ذكر في بعض القصّة "أنه لما مات عبد الله بن أبيّ، فجاء ابنه إلى رسول الله  ، فقال: يا رسول الله، إن إبي مات وأوصانا أن نكفنه في قميصك، وأن تصلي عليه، فخلع النبي قميصه فأعطاه، ومشى فصلى، وقام على قبره" .

وروي في بعض الأخبار "أنه صلى عليه، وألبسه قميصه، فقيل له: تلبس عدو الله فميصك، فقال: إني لأرجو أن يسلم بقميصي من بني الخزرج ألف" ، فذكر أنه لما فعل ذلك أسلم ألف رجل من المنافقين.

وروي أنه لم يصل عليه، فلا ندري كيف كان الأمر بعد أن جاء النهي عن الصلاة على المنافقين بقوله: ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، سماهم فسقة، واسم الكفر أقبح وأذمّ، لكنهم جمعوا مع الكفر أنواع الفسق؛ ليعلم أن اعتقادهم الكفر والمذهب الذي يذهبون إليه إنما اعتقدوا لهواهم؛ إذ الفسق مما يحرمه كل [ذي] مذهب ودين، وكل يأنف عن الفسق ويتبرأ منه، ولا كذلك الكفر؛ لأن كل من آمن بشيء كفر بضده، وأصل الفسق: هو الخروج عن الأمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قال بعضهم من أهل التأويل: إنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة.

وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح، وقد ذكرنا الوجه الذي يدل على نقض قولهم فيما تقدم.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : وهو القتال والحروب التي أمروا بها؛ [كقوله]: ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً  ﴾ .

وهو التعذيب الذي ذكر؛ لأنهم يصيرون مقتولين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ ﴾ .

قيل: تذهب وتهلك ﴿ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فليضحك هؤلاء المنافقون المتخلفون عن الجهاد قليلًا في حياتهم الدنيا الفانية، وليبكوا كثيرًا في حياتهم الآخرة الباقية؛ جزاء على ما كانوا اكتسبوه من الكفر والمعاصي والآثام في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZdaRG"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر