الآية ١ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١ من سورة هود

الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة هود [ وهي مكية ] قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا خلف بن هشام البزار ، حدثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن عكرمة قال : قال أبو بكر : سألت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ما شيبك ؟

قال : " شيبتني هود ، والواقعة ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت " .

وقال أبو عيسى الترمذي : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن شيبان ، عن أبي إسحاق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال أبو بكر : يا رسول الله ، قد شبت ؟

قال : " شيبتني هود ، والواقعة ، والمرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت " وفي رواية : " هود وأخواتها " .

وقال الطبراني : حدثنا عبدان بن أحمد ، حدثنا حماد بن الحسن ، حدثنا سعيد بن سلام ، حدثنا عمر بن محمد ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " شيبتني هود وأخواتها : الواقعة ، والحاقة ، وإذا الشمس كورت " وفي رواية : " هود وأخواتها " .

وقد روي من حديث ابن مسعود ، فقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا أحمد بن طارق الرائشي ، حدثنا عمرو بن ثابت ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه; أن أبا بكر قال : يا رسول الله ، ما شيبك ؟

قال : " هود ، والواقعة " .

عمرو بن ثابت متروك ، وأبو إسحاق لم يدرك ابن مسعود .

والله أعلم .

قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا ، وبالله التوفيق .

وأما قوله : ( أحكمت آياته ثم فصلت ) أي : هي محكمة في لفظها ، مفصلة في معناها ، فهو كامل صورة ومعنى .

هذا معنى ما روي عن مجاهد ، وقتادة ، واختاره ابن جرير .

وقوله : ( من لدن حكيم خبير ) أي : من عند الله الحكيم في أقواله ، وأحكامه ، الخبير بعواقب الأمور .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) قال أبو جعفر: قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله : (الر) ، والصواب من القول في ذلك عندنا بشواهده ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

(11) * * * وقوله: (كتاب أحكمت آياته) ، يعني: هذا الكتاب الذي أنـزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن.

* * * ورفع قوله: " كتاب " بنيّة: " هذا كتاب ".

فأما على قول من زعم أن قوله: (الر) ، مرادٌ به سائر حروف المعجم التي نـزل بها القرآن، وجعلت هذه الحروف دلالةً على جميعها، وأن معنى الكلام: " هذه الحروف كتاب أحكمت آياته " ، فإن الكتاب على قوله ، ينبغي أن يكون مرفوعًا بقوله: (الر).

* * * وأما قوله: (أحكمت آياته ثم فصلت) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: تأويله: أحكمت آياته بالأمر والنهي، ثم فصلت بالثَّواب والعقاب.

*ذكر من قال ذلك: 17915- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم، قال، أخبرني أبو محمد الثقفي، عن الحسن في قوله: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) ، قال: أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالثواب والعقاب.

(12) 17916- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا عبد الكريم بن محمد الجرجاني، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن: (الر كتاب أحكمت آياته) ، قال: أحكمت في الأمر والنهى ، وفصلت بالوعيد.

(13) 17917- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن رجل، عن الحسن: (الر كتاب أحكمت آياته) ، قال: بالأمر والنهي ، (ثم فصلت) ، قال: بالثواب والعقاب.

* * * وروي عن الحسن قولٌ خلاف هذا.

وذلك ما:- 17918- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي بكر، عن الحسن، قال ، وحدثنا عباد بن العوام، عن رجل، عن الحسن قال: (أحكمت) ، بالثواب والعقاب ، (ثم فصلت) ، بالأمر والنهي.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ( أحكمت آياته ) من الباطل، ثم فصلت، فبين منها الحلال والحرام.

*ذكر من قال ذلك: 17919- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) ، أحكمها الله من الباطل ، ثم فصلها بعلمه، فبيّن حلاله وحرامه ، وطاعته ومعصيته.

* * * 17920- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (أحكمت آياته ثم فصلت) ، قال: أحكمها الله من الباطل، ثم فَصَّلها، بيَّنها.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب ، قولُ من قال: معناه: أحكم الله آياته من الدَّخَل والخَلَل والباطل، ثم فصَّلها بالأمر والنهي.

وذلك أن " إحكام الشيء " إصلاحه وإتقانه ، و " إحكام آيات القرآن " إحكامها من خلل يكون فيها ، أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قِبَله.

(14) وأما " تفصيل آياته " فإنه تمييز بعضها من بعض، بالبيان عما فيها من حلال وحرام ، وأمرٍ ونهي.

(15) * * * وكان بعض المفسرين يفسر قوله: (فصلت)، بمعنى: فُسِّرت، وذلك نحو الذي قلنا فيه من القول.

*ذكر من قال ذلك: 17921- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى قال ، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (ثم فصلت) ، قال: فُسِّرت .

17922- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فصلت)، قال: فُسّرت.

17923-.

.

.

.

قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال، بلغني عن مجاهد: (ثم فصلت) ، قال: فسّرت .

17924- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

17925-.

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

17926- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

* * * وقال قتادة: معناه: بُيِّنَتْ، وقد ذكرنا الرواية بذلك قبلُ، وهو شبيه المعنى بقول مجاهد.

* * * وأما قوله: (من لدن حكيم خبير)، فإن معناه: (حكيم ) بتدبير الأشياء وتقديرها، خبير بما تؤول إليه عواقبُها.

(16) 17927- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: (من لدن حكيم خبير)، يقول: من عند حكيم خبير.

(17) ------------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " المس " فيما سلف ص : 49 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

وتفسير " الضر " فيما سلف من فهارس اللغة ( ضرر ) .

(2) انظر تفسير " الكشف " فيما سلف 11 : 354 / 13 : 73 / 15 : 36 ، 205 .

(3) انظر تفسير " الخير " فيما سلف من فهارس اللغة ( خير ) .

(4) انظر تفسير " الإصابة " فيما سلف من فهارس اللغة ( صوب ) .

(5) انظر تفسير " الغفور " و " الرحيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) ، ( رحم ) .

(6) انظر تفسير " الاهتداء " فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .

(7) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلل ) .

(8) انظر تفسير " وكيل " فيما سلف 12 : 33 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(9) انظر تفسير " الحكم " فيما سلف 12 : 561 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(10) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم ، وفي مخطوطتنا بعد هذا ما نصه : " آخر تفسير سورة يونس عليه السلام والحمد لله وحده ، وصلى الله على محمد وآله .

يتلوه تفسير السورة التي يذكر فيها هود " .

يتلوه : " بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسِّرْ " (11) انظر ما سلف 1 : 205 - 224 / 6 : 149 - 12 : 293 ، 294 / 15 : 7 .

(12) الأثر : 17915 - " أبو محمد الثقفي " ، الراوي عن الحسن ، لم أعلم من يكون .

(13) الأثر : 17916 - " عبد الكريم بن محمد الجرجاني " ، قاضي جرجان ، روى عن قيس بن الربيع ، وأبي حنيفة ، وزهير بن معاوية ، وابن جريج ، وغيرهم .

روى عنه أبو يوسف القاضي ، وابن عيينة ، وهما أكبر منه ، والشافعي ، وغيرهم .

مات سنة نيف وسبعين ومائة ، فلا أدري أيدرك محمد بن حميد أن يروي عنه أم لا ؟

مترجم في التهذيب .

(14) انظر تفسير " الإحكام " فيما سلف 6 : 170 ، 174 - 182 .

(15) انظر تفسير " تفصيل الآيات " فيما سلف ص : 91 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(16) انظر تفسير " حكيم " و " خبير " فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) ، ( خبر ) .

(17) انظر تفسير " من لدن " فيما سلف 6 : 362 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة هود عليه السلامبسم الله الرحمن الرحيممكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر .

وقال ابن عباس وقتادة : إلا آية ; وهي قوله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار وأسند أبو محمد الدارمي في مسنده عن كعب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقرءوا سورة هود يوم الجمعة .

وروى الترمذي عن ابن عباس قال : قال أبو بكر - رضي الله عنه - : يا رسول الله قد شبت !

قال : شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت .

قال : هذا حديث حسن غريب ، وقد روي شيء من هذا مرسلا .وأخرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في " نوادر الأصول " .

حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر عن علي بن صالح عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة قال : قالوا يا رسول الله نراك قد شبت !

قال : شيبتني هود وأخواتها .

قال أبو عبد الله : فالفزع يورث الشيب وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد ، وتحت كل شعرة منبع ، ومنه يعرق ، فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر وابيض ; كما ترى الزرع الأخضر بسقائه ، فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض ; وإنما يبيض شعر الشيخ لذهاب رطوبته ويبس جلده ، فالنفس تذهل بوعيد الله ، وأهوال ما جاء به الخبر عن الله ، فتذبل ، وينشف ماءها ذلك الوعيد والهول الذي جاء به ; فمنه تشيب .

وقال الله تعالى : يوما يجعل الولدان شيبا [ ص: 4 ] فإنما شابوا من الفزع .وأما سورة " هود " فلما ذكر الأمم ، وما حل بهم من عاجل بأس الله تعالى ، فأهل اليقين إذا تلوها تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحظاته البطش بأعدائه ، فلو ماتوا من الفزع لحق لهم ; ولكن الله تبارك وتعالى اسمه يلطف بهم في تلك الأحايين حتى يقرءوا كلامه .

وأما أخواتها فما أشبهها من السور ; مثل " الحاقة " و " سأل سائل " و " إذا الشمس كورت " و " القارعة " ففي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس ، وتشيب منه الرءوس .

[ قلت ] وقد قيل : إن الذي شيب النبي - صلى الله عليه وسلم - من سورة هود قوله : فاستقم كما أمرت على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

وقال يزيد بن أبان : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامي فقرأت عليه سورة هود فلما ختمتها قال : يا يزيد هذه القراءة فأين البكاء .

قال علماؤنا : قال أبو جعفر النحاس : يقال هذه هود فاعلم بغير تنوين على أنه اسم للسورة ; لأنك لو سميت امرأة بزيد .

لم تصرف ; وهذا قول الخليل وسيبويه .

وعيسى بن عمر يقول : هذه هود بالتنوين على أنه اسم للسورة ; وكذا إن سمى امرأة بزيد ; لأنه لما سكن وسطه خف فصرف ، فإن أردت الحذف صرفت على قول الجميع ، فقلت : هذه هود وأنت تريد سورة هود ; قال سيبويه : والدليل على هذا أنك تقول هذه الرحمن ، فلولا أنك تريد هذه سورة الرحمن ما قلت هذه .بسم الله الرحمن الرحيمقوله : الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قديرقوله تعالى : الر تقدم القول فيه .

كتاب بمعنى هذا كتاب .أحكمت آياته في موضع رفع نعت ل " كتاب " .

وأحسن ما قيل في معنى أحكمت آياته قول قتادة أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل .

والإحكام منع القول من الفساد ، أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل .

وقال ابن عباس : أي لم ينسخها كتاب ، بخلاف التوراة والإنجيل .

وعلى هذا فالمعنى : أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ .

وقد تقدم القول فيه .

وقد يقع اسم الجنس على النوع ; فيقال : أكلت طعام زيد ; أي بعض طعامه .

وقال [ ص: 5 ] الحسن وأبو العالية : أحكمت آياته بالأمر والنهي .ثم فصلت بالوعد والوعيد والثواب والعقاب .

وقال قتادة : أحكمها الله من الباطل ، ثم فصلها بالحلال والحرام .

مجاهد : أحكمت جملة ، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها .

وقيل : جمعت في اللوح المحفوظ ، ثم فصلت في التنزيل .

وقيل : فصلت أنزلت نجما نجما لتتدبر .

وقرأ عكرمة " فصلت " مخففا أي حكمت بالحق .من لدن أي من عند .حكيم أي محكم للأمور .خبير بكل كائن وغير كائن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: هذا { كِتَابٌ } عظيم، ونزل كريم، { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } أي: أتقنت وأحسنت، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه بهية معانيه.

{ ثُمَّ فُصِّلَتْ } أي: ميزت وبينت بيانا في أعلى أنواع البيان، { مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته، { خَبِيرٌ } مطلع على الظواهر والبواطن.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

سورة هود مكية إلا قوله : ( وأقم الصلاة طرفي النهار ) وهي مائة وثلاث وعشرون آية .

( الر كتاب ) أي : هذا كتاب ، ( أحكمت آياته ) قال ابن عباس : لم ينسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به ، ( ثم فصلت ) بينت بالأحكام والحلال والحرام .

وقال الحسن : أحكمت بالأمر والنهي ، ثم فصلت بالوعد والوعيد .

قال قتادة : أحكمت أحكمها الله فليس فيها اختلاف ولا تناقض وقال مجاهد : فصلت أي : فسرت .

وقيل : فصلت أي : أنزلت شيئا فشيئا ، ( من لدن حكيم خبير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الر» الله أعلم بمراده بذلك، هذا «كتاب أُحكمت آياته» بعجب النظم وبديع المعاني «ثم فصِّلت» بينت بالأحكام والقصص والمواعظ «من لَدُن حكيم خبير» أي الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(الر) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

هود - عليه السلام - من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي ، وقد سبق أن تكلمنا بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ، عن آراء العلماء فى المراد بهذه الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور .ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى - : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون به كلامكم ، ومنظوا من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، أو هاتوا عشر سور من مثله ، أو هاتوا سورة واحدة .فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز ، وأن هذا القرآن من عند الله ، ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ) .وقوله : ( أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ) من الإِحكام - بكسر الهمزة - وهذه المادة تستعمل فى اللغة لمعان متعددة ، ترجع إلى شئ واحد هو المنع .

يقال : أحكم الأمر .

أى : أتقنه ومنعه من الفساد .

أى : منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق : ويقال أحكم الفرس ، إذا جعل له حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب .وقوله : ( ثُمَّ فُصِّلَتْ ) من التفصيل ، بمعنى التوضيح والشرح للحقائق والمسائل المراد بيانها ، بحيث لا يبقى فيها شتباه أو لبس .والمعنى : هذا الكتاب الذى أنزلناه إليك يا محمد ، هو كتاب عظيم الشأن ، جليل القدر ، فقد أحكم الله آياته إحكاما بديعا ، وأتقنها إتقانا معجزا ، بحيث لا يتطرق إليها خلل فساد .

ثم فصل - سبحانه - هذه الآيات تفصيلا حكيما ، بأن أنزلها نجوما ، وجعلها سورا سورا ، مشتملة على ما يسعد الناس فى دنياهم وآخرتهم ، من شئون العقائد ، والعبادات ، والمعاملات ، والآداب ، والأحكام .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ( أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ) أى : نظمت نظما رصينا محكما ، بحيث لا يقع فيه نقض ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف .

.

وقيل : منعت من الفساد ، من قولهم : أحكمت الدابة ، إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح ، قال جرير :أبنى حنيفة أحكموا سفاءكم ...

إني أخاف عليكم أن أغضبا( ثُمَّ فُصِّلَتْ ) كما تفصل القلائد بالفرائد ، ومن دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص ، أو جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية ، أو فرقت فى التنزيل ولم تنزل جملة واحدة .و ( ثم ) فى قوله - سبحانه - " ثم فصلت " للتراخى فى الرتبة كما هو شأنها فى عطف الجمل ، لما فى التفصيل من الاهتمام لدى النفوس ، لأن العقول ترتاح إلى التفصيل بعد الإِجمال ، والتوضيح بعد الإِيجاز .وجملة ( مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) صفة أخرى للكتاب ، وصف بها ، لإِظهار شرفه من حيث مصدره ، بعد أن وصف بإحكات آياته وتفصيلها الدالين على علو مرتبته من حيث الذات أى : هذا الكتاب الذى أتقنت آياته إتقانا بديعا ، وفصلت تفصيلا رصينا ، ليس هو من عند أحد من الخلق ، وإنما هو من عند الخلق الحكيم فى كل أقواله وأفعاله ، الخبير بظواهر الأمر وبواطنها .قال الشوكانى : وفى قوله ( مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) لف ونشر ، لأن المعنى : أحكمها حكيم ، وفصلها خبير ، عالم بمواقع الأمور .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ الر ﴾ اسم للسورة وهو مبتدأ.

وقوله: ﴿ كِتَابٌ ﴾ خبره، وقوله: ﴿ أُحْكِمَتْ ءاياته ثم فُصلتْ ﴾ صفة للكتاب.

قال الزجاج: لا يجوز أن يقال: ﴿ الر ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته ثُمَّ فُصّلَتْ ﴾ خبر، لأن ﴿ الر ﴾ ليس هو الموصوف بهذه الصفة وحده؛ وهذا الاعتراض فاسد، لأنه ليس من شرط كون الشيء مبتدأ أن يكون خبره محصوراً فيه، ولا أدري كيف وقع للزجاج هذا السؤال، ثم إن الزجاج اختار قولاً آخر وهو أن يكون التقدير: الر هذا كتاب أحكمت آياته، وعندي أن هذا القول ضعيف لوجهين: الأول: أن على هذا التقدير يقع قوله: ﴿ الر ﴾ كلاماً باطلاً لا فائدة فيه، والثاني: أنك إذا قلت هذا كتاب، فقوله: هذا يكون إشارة إلى أقرب المذكورات، وذلك هو قوله: ﴿ الر ﴾ فيصير حينئذ ﴿ الر ﴾ مخبراً عنه بأنه كتاب أحكمت آياته، فيلزمه على هذا القول ما لم يرض به في القول الأول، فثبت أن الصواب ما ذكرناه.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ أحكمت آياته ﴾ وجوه: الأول: ﴿ أحكمت آياته ﴾ نظمت نظماً رصيفاً محكماً لا يقع فيه نقص ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف.

الثاني: أن الإحكام عبارة عن منع الفساد من الشيء.

فقوله: ﴿ أحكمت آياته ﴾ أي لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها.

واعلم أن على هذا الوجه لا يكون كل الكتاب محكماً، لأنه حصل فيه آيات منسوخة، إلا أنه لما كان الغالب كذلك صح إطلاق هذا الوصف عليه إجراء للحكم الثابت في الغالب مجرى الحكم الثابت في الكل.

الثالث: قال صاحب الكشاف ﴿ أُحْكِمَتْ ﴾ يجوز أن يكون نقلاً بالهمزة من حكم بضم الكاف إذا صار حكيماً، أي جعلت حكيمة، كقوله: ﴿ آيات الكتاب الحكيم  ﴾ الرابع: جعلت آياته محكمة في أمور: أحدها: أن معاني هذا الكتاب هي التوحيد، والعدل، والنبوة، والمعاد، وهذه المعاني لا تقبل النسخ، فهي في غاية الإحكام.

وثانيها: أن الآيات الواردة فيه غير متناقضة، والتناقض ضد الإحكام فإذا خلت آياته عن التناقض فقد حصل الإحكام.

وثالثها: أن ألفاظ هذه الآيات بلغت في الفصاحة والجزالة إلى حيث لا تقبل المعارضة، وهذا أيضاً مشعر بالقوة والإحكام.

ورابعها: أن العلوم الدينية إما نظرية وإما عملية.

أما النظرية فهي معرفة الإله تعالى ومعرفة الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وهذا الكتاب مشتمل على شرائف هذه العلوم ولطائفها، وأما العملية فهي إما أن تكون عبارة عن تهذيب الأعمال الظاهرة وهو الفقه، أو عن تهذيب الأحوال الباطنة وهي علم التصفية ورياضة النفس، ولا نجد كتاباً في العالم يساوي هذا الكتاب في هذه المطالب، فثبت أن هذا الكتاب مشتمل على أشرف المطالب الروحانية وأعلى المباحث الإلهية، فكان كتاباً محكماً غير قابل للنقض والهدم.

وتمام الكلام في تفسير المحكم ذكرناه في تفسير قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات  ﴾ .

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ فُصّلَتْ ﴾ وجوه: أحدها: أن هذا الكتاب فصل كما تفصل الدلائل بالفوائد الروحانية، وهي دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص.

والثاني: أنها جعلت فصولاً سورة سورة، وآية آية.

الثالث: ﴿ فُصّلَتْ ﴾ بمعنى أنها فرقت في التنزيل وما نزلت جملة واحدة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ءايات مّفَصَّلاَتٍ  ﴾ والمعنى مجيء هذه الآيات متفرقة متعاقبة.

الرابع: فصل ما يحتاج إليه العباد أي جعلت مبينة ملخصة.

الخامس: جعلت فصولاً حلالاً وحراماً، وأمثالاً وترغيباً، وترهيباً ومواعظ، وأمراً ونهياً لكل معنى فيها فصل، قد أفرد به غير مختلط بغيره حتى تستكمل فوائد كل واحد منها، ويحصل الوقوف على كل باب واحد منها على الوجه الأكمل.

المسألة الرابعة: معنى ﴿ ثُمَّ ﴾ في قوله: ﴿ ثُمَّ فُصّلَتْ ﴾ ليس للتراخي في الوقت، لكن في الحال كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل، وكما تقول: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ أُحْكِمَتْ ءاياته ثم فُصلتْ ﴾ أي أحكمتها أنا ثم فصلتها، وعن عكرمة والضحاك ﴿ ثُمَّ فُصّلَتْ ﴾ أي فرقت بين الحق والباطل.

المسألة السادسة: احتج الجبائي بهذه الآية على أن القرآن محدث مخلوق من ثلاثة أوجه: الأول: قال المحكم: هو الذي أتقنه فاعله، ولولا أن الله تعالى يحدث هذا القرآن وإلا لم يصح ذلك لأن الإحكام لا يكون إلا في الأفعال، ولا يجوز أن يقال: كان موجوداً غير محكم ثم جعله الله محكماً، لأن هذا يقتضي في بعضه الذي جعله محكماً أن يكون محدثاً، ولم يقل أحد بأن القرآن بعضه قديم وبعضه محدث.

الثاني: أن قوله: ﴿ ثُمَّ فُصّلَتْ ﴾ يدل على أنه حصل فيه انفصال وافتراق، ويدل على أن ذلك الانفصال والافتراق إنما حصل بجعل جاعل، وتكوين مكون، وذلك أيضاً يدل على المطلوب.

الثالث: قوله: ﴿ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ والمراد من عنده، والقديم لا يجوز أن يقال: إنه حصل من عند قديم آخر، لأنهما لو كانا قديمين لم يكن القول بأن أحدهما حصل من عند الآخر أولى من العكس.

أجاب أصحابنا بأن هذه النعوت عائدة إلى هذه الحروف والأصوات ونحن معترفون بأنها محدثة مخلوقة، وإنما الذي ندعي قدمه أمر آخر سوى هذه الحروف والأصوات.

المسألة السابعة: قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ يحتمل وجوهاً: الأول: أنا ذكرنا أن قوله: ﴿ كِتَابٌ ﴾ خبر و ﴿ أُحْكِمَتْ ﴾ صفة لهذا الخبر، وقوله: ﴿ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ صفة ثانية والتقدير: الر كتاب من لدن حكيم خبير.

والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر والتقدير: الر من لدن حكيم خبير.

والثالث: أن يكون ذلك صفة لقوله: (أحكمت.

وفصلت) أي أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير، وعلى هذا التقدير فقد حصل بين أول هذه الآية وبين آخرها نكتة لطيفة كأنه يقول أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أُحْكِمَتْ ءاياته ﴾ نظمت نظما رصينا محكماً لا يقع في نقض ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف.

ويجوز أن يكون نقلا بالهمزة، من (حكم) بضم الكاف، إذا صار حكيماً: أي جعلت حكيمة، كقوله تعالى: ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ [يونس: 1] وقيل: منعت من الفساد، من قولهم: أحكمت الدابة إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

قال جرير: أبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُم ** إنِّي أخَافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبَا وعن قتادة: أُحكمت من الباطل ﴿ ثُمّ فُصّلَتْ ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد، من دلائل التوحيد، والأحكام، والمواعظ، والقصص.

أو جعلت فصولاً، سورة سورة، وآية آية.

وفرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة.

أو فصل فيها ما يحتاج إليه العباد: أي بين ولخص.

وقرئ: ﴿ أحكمت آياته ثم فصلت ﴾ أي أحكمتها أنا ثم فصلتها.

وعن عكرمة والضحاك: ثم فصلت، أي فرّقت بين الحق والباطل.

فإن قلت: ما معنى ثم؟

قلت: ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال، كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل.

وفلان كريم الأصل، ثم كريم الفعل، وكتاب: خبر مبتدأ محذوف وأحكمت: صفة له.

وقوله: ﴿ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ صفة ثانية.

ويجوزأن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون صلة لأحكمت وفصلت، أي: من عنده إحكامها وتفصيلها، وفيه طباق حسن؛ لأنَّ المعنى: أحكمها حكيم وفصلها: أي بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ هُودٍ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر كِتابٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أوْ ﴿ كِتابٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

﴿ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ﴾ نُظِمَتْ نَظْمًا مُحْكَمًا لا يَعْتَرِيهِ إخْلالٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى، أوْ مُنِعَتْ مِنَ الفَسادِ والنَّسْخِ فَإنَّ المُرادَ آياتُ السُّورَةِ ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ، أوْ أُحْكِمَتْ بِالحُجَجِ والدَّلائِلِ أوْ جُعِلَتْ حَكِيمَةً مَنقُولٌ مِن حُكِمَ بِالضَّمِّ إذا صارَ حَكِيمًا لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمَّهاتِ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ.

﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بِالفَوائِدِ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والأخْبارِ، أوْ بِجَعْلِها سُوَرًا أوْ بِالإنْزالِ نَجْمًا نَجْمًا، أوْ فَصَّلَ فِيها ولَخَّصَ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ.

وقُرِئَ « ثُمَّ فَصَّلَتْ» أيْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وأحْكَمَتْ آياتِهِ ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمُتَكَلِّمِ، و ﴿ ثُمَّ ﴾ لِلتَّفاوُتِ في الحُكْمِ أوْ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ.

﴿ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ ﴿ كِتابٌ ﴾ ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ صِلَةٌ لِـ ﴿ أُحْكِمَتْ ﴾ أوْ ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ ، وهو تَقْرِيرٌ لِأحْكامِها وتَفْصِيلِها عَلى أكْمَلِ ما يَنْبَغِي بِاعْتِبارِ ما ظَهَرَ أمْرُهُ وما خَفِيَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الر كِتَابٌ} أي هذا كتاب فهو خبر مبتدأ محذوف {أحكمت آياته} صفة له أي نظمت نظماً رصيناً محكماً لا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء المحكم {ثُمَّ فُصّلَتْ} كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص أو جعلت فصولا سورة سورة وآية آية أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة أو فصل فيها ما يحتاج إليه العابد أي بين ولخص وليس معنى ثم التراخي في الوقت ولكن في الحال {مِن لَّدُنْ حكيم خبير} صفة اخرى لكتاب أو خبر بعد خبر أو صلة لحكمت وفصلت أي من عنده أحكامها وتفصيلها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكِّيَّةٌ 11 - كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ النَّحّاسِ في تارِيخِهِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولَمْ يَسْتَثْنِيا مِنها شَيْئًا وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها ثَلاثَ آياتٍ ﴿ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ ﴾ ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ ﴿ وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ﴾ ورُوِيَ اسْتِثْناءُ الثّالِثَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: ودَلِيلُهُ ما صَحَّ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في حَقِّ أبِي اليُسْرِ وهي كَما قالَ الدّانِي في كِتابِ العَدَدِ مِائَةٌ وإحْدى وعِشْرُونَ آيَةً في المَدَنِيِّ الأخِيرِ واثْنَتانِ في المَدَنِيِّ الأوَّلِ وثَلاثٌ في الكُوفِيِّ ووَجْهُ اتِّصالِها بِسُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذُكِرَ في سُورَةِ يُونُسَ قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخْتَصَرَةً جِدًّا مُجْمَلَةً فَشُرِحَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ وبُسِّطَتْ فِيها ما لَمْ تُبَسَّطْ في غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ ولا سُورَةِ الأعْرافِ عَلى طُولِها ولا سُورَةِ (إنّا أرْسَلْنا نُوحًا) الَّتِي أُفْرِدَتْ لِقِصَّتِهِ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شَرْحًا لِما أُجْمِلَ في تِلْكَ السُّورَةِ وبَسْطًا لَهُ ثُمَّ إنَّ مَطْلَعَها شَدِيدُ الِارْتِباطِ بِمَطْلَعِ تِلْكَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى هُنا: ﴿ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ هُناكَ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ بَلْ بَيْنَ مَطْلَعِ هَذِهِ وخِتامِ تِلْكَ شِدَّةُ ارْتِباطٍ أيْضًا حَيْثُ خُتِمَتْ بِنَفْيِ الشِّرْكِ واتِّباعِ الوَحْيِ وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِبَيانِ الوَحْيِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ ووَرَدَ في فَضْلِها ما ورَدَ فَقَدْ أخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهم عَنْ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اقْرَأُوا هُودًا يَوْمَ الجُمُعَةِ» .

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ قالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ والمُرْسَلاتُ وعَمَّ يَتَساءَلُونَ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» .

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ عَنْ أنَسٍ «عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ قالَ: أجَلْ شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ وأخَواتُها الواقِعَةُ والقارِعَةُ والحاقَّةُ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وسَألَ سائِلٌ» وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أيْضًا «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ يا رَسُولَ اللَّهِ» فَأجابَهُ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ مِنَ الأخَواتِ الواقِعَةَ وعَمَّ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وفي رِوايَةٍ أُخْرى «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ شِبْتَ فَقالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» إلى آخِرِ ما في خَبَرِ عُمْرَ وفي بَعْضِها الِاقْتِصارُ عَلى (شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها) وفي بَعْضٍ آخَرَ بِزِيادَةٍ (وما فُعِلَ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِي) وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وغَيْرُهُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٌ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ أصْحابُهُ: أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ فَقالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها مِنَ المُفَصَّلِ والواقِعَةُ» .

وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى خَطَرِها وعِظَمِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ وأشارَتْ إلَيْهِ وهو الَّذِي صارَ سَبَبًا لِإسْراعِ الشَّيْبِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ وقَصَصِ الأُمَمِ ويَشْهَدُ لَهُ بَعْضُ الآثارِ وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الشَّتْرِيِّ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَنامِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ رُوِيَ عَنْكَ أنَّكَ قُلْتَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ قالَ: نَعَمْ فَقُلْتُ: ما الَّذِي شَيَّبَكَ مِنها قَصَصُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَلاكُ الأُمَمِ؟

قالَ: لا ولَكِنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ وهَذا هو الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم وبَيَّنَهُ بِما بَيَّنَهُ والحَقُّ أنَّ الَّذِي شَيَّبَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ أعَمُّ مِن هَذا الأمْرِ وغَيْرِهِ مِمّا عَظُمَ أمْرُهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ الجَلِيلِ ومَقامِهِ الرَّفِيعِ وهَذا هو المُنْقَدِحُ لِذِهْنِ السّامِعِ ولِذَلِكَ لَمْ يَسْألْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْحابُهُ عَما شَيَّبَهُ مِنها ومِن أخَواتِها بَلِ اكْتَفَوْا بِما يَتَبادَرُ مِن أمْثالِ ذَلِكَ الكَلامِ ودَعْوى أنَّ المُتَبادَرَ لَهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما خَفِيَ عَلى أبِي عَلِيٍّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْألُوا عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِها يَبْقى أنَّهم لِمَ لَمْ يَسْألُوا عَما شَيَّبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الأخَواتِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيها إلّا ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ وهَلاكُ الأُمَمِ دُونَ ذَلِكَ الأمْرِ؟

وكَوْنُهم عَلِمُوا أنَّ المُشَيِّبَ فِيها ذَلِكَ وفي أخَواتِها شَيْءٌ آخَرُ هو ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ وهَلاكُ الأُمَمِ يَأْباهُ ما في خَبَرِ أبِي عَلِيٍّ مِن نَفْيِهِ  وكَوْنُ ما ذَكَرَ مُشَيِّبًا مَفْهُومًا ما مِن سُورَةٍ دُونَ أُخْرى لا يَخْفى حالُهُ وبِالجُمْلَةِ لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ وإنْ سَلِمَ أنَّها صَحَّتْ عَنْ أبِي عَلِيٍّ واتِّهامُ الرّائِي بِعَدَمِ الحِفْظِ أوْ بِعَدَمِ تَحْقِيقِ المَرْئِيِّ أهْوَنُ مِنَ القَوْلِ بِصِحَّةِ الرُّؤْيَةِ والتَّكَلُّفِ لِتَوْجِيهِ ما فِيها وسَيَأْتِي في آخِرِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ فَلْيُفْهَمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿ الر ﴾ ) اسْمٌ لِلسُّورَةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُما أوْ لِلْقُرْآنِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ والسُّدِّيِّ وقِيلَ: إنَّها إشارَةٌ إلى اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى أوْ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وقِيلَ: هي إقْسامٌ مِنهُ تَعالى بِما هو مِن أُصُولِ اللُّغاتِ ومَبادِئِ كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ ومَبانِي أسْمائِهِ الكَرِيمَةِ وقِيلَ وقِيلَ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيما يَنْفَعُكَ هُنا عَلى أتَمِّ تَفْصِيلٍ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ كَوْنَها اسْمًا لِلسُّورَةِ وأنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ السُّورَةِ مُسَماةٌ - بِالر - وقِيلَ: مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ النَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ نَحْوَ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كِتابٌ ﴾ خَبَرٌ لَها عَلى تَقْدِيرِ ابْتِدائِيَّتِها أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ أيْ كِتابٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ جَلِيلُ القَدْرِ ﴿ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ﴾ أيْ نُظِمَتْ نَظْمًا مُحْكَمًا لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ اخْتِلالٌ فَيَكُونُ فِيهِ تَناقُضٌ أوْ مُخالَفَةٌ لِلْواقِعِ والحِكْمَةِ أوْ شَيْءٌ مِمّا يُخِلُّ بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ فالإحْكامُ مُسْتَعارٌ مِن إحْكامِ البِناءِ بِمَعْنى إتْقانِهِ أوْ مُنِعَتْ مِنَ النَّسْخِ لِبَعْضِها أوْ لِكُلِّها بِكِتابٍ آخَرَ كَما وقَعَ لِلْكُتُبِ السّالِفَةِ فالإحْكامُ مِن أحْكَمَهُ إذا مَنَعَهُ ويُقالُ: أحْكَمْتُ السَّفِيهَ إذا مَنَعْتَهُ مِنَ السَّفاهَةِ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ أبْنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكم إنْ أغْضَبا وقِيلَ: المُرادُ مُنِعَتْ مِنَ الفَسادِ أخْذًا مِن أحْكَمْتُ الدّابَّةَ إذا جَعَلْتَ في فَمِها الحِكْمَةَ وهي حَدِيدَةٌ تُجْعَلُ في فَمِ الدّابَّةِ تَمْنَعُها مِنَ الجِماحِ فَكَأنَّ ما فِيها بَيانُ المَبْدَأِ والمَعادِ بِمَنزِلَةِ دابَّةٍ مَنَعَها الدَّلائِلُ مِنَ الجِماحِ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَشْبِيهَها بِالدّابَّةِ مُسْتَهْجَنٌ لا داعِيَ إلَيْهِ ولَعَلَّ الذَّوْقَ يُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ تَشْبِيهِها بِالجَمَلِ الأنُوفِ الوارِدِ في بَعْضِ الآثارِ لِانْقِيادِها مَعَ المُتَأوِّلِينَ لِكَثْرَةِ وُجُوهِ احْتِمالاتِها المُوافِقَةِ لِأغْراضِهِمْ.

واعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلى إرادَةِ المَنعِ في الفَسادِ بِأنَّ فِيهِ إيهامَ ما لا يَكادُ يَلِيقُ بِشَأْنِ الآياتِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّداعِي إلى الفَسادِ لَوْلا المانِعُ فالأوَّلُ إذْ يُرادُ مَعْنى المَنعِ أنْ يُرادَ المَنعُ مِنَ النُّسَخِ ويُرادَ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ وعَدَمُ نَسْخِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا عَلى حَسَبِ ما أشَرْنا إلَيْهِ وكَوْنُ ذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ في حَيِّزِ المَنعِ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالآياتِ آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ وكُلُّها مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ بِشَيْءٍ أصْلًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وخُولِفَ فِيهِ وادَّعى أنَّ فِيها مِنَ المَنسُوخِ أرْبَعَ آياتٍ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ ﴿ وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ ﴾ والَّتِي تَلِيها ونُسِخَتْ جَمِيعًا بِآيَةِ السَّيْفِ و ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها ﴾ الآيَةَ ونُسِخَتْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ﴾ ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُنِعَتْ مِنَ الشُّبَهِ بِالحُجَجِ الباهِرَةِ وأُيِّدَتْ بِالأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ أوْ جُعِلَتْ حَكِيمَةً أيْ ذاتَ حِكْمَةٍ لِاشْتِمالِها عَلى أُصُولِ العَقائِدِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ والنَّصائِحِ والحِكَمِ والفِعْلُ عَلى هَذا مَنقُولٌ مِن حَكُمَ بِالضَّمِّ إذا صارَ حَكِيمًا ومِنهُ قَوْلُ نَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: وأبْغِضْ بَغِيضَكَ بُغْضًا رُوَيْدًا ∗∗∗ إذا أنْتَ حاوَلْتَ أنْ تَحْكُما فَقَدْ قالَ الأصْمَعِيَّ: إنَّ المَعْنى إذا حاوَلْتَ أنْ تَكُونَ حَكِيمًا وفي إسْنادِ الإحْكامِ عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ إلى الآياتِ دُونَ الكِتابِ نَفْسِهِ لا سِيَّما إذا أُرِيدَ ما يَشْمَلُ كُلَّ آيَةٍ آيَةٍ مِن حُسْنِ المَوْقِعِ والدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ في أقْصى غاياتِهِ ما لا يَخْفى ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ أيْ جُعِلَتْ مُفَصَّلَةً كالعِقْدِ المُفَصَّلِ بِالفَرائِدِ الَّتِي تُجْعَلُ بَيْنَ اللَّآلِئِ ووَجْهُ جَعْلِها كَذَلِكَ اشْتِمالُها عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والقَصَصِ أوْ فُصِّلَ فِيها مُهِمّاتُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ أوْ جُعِلَتْ فَصْلًا فَصْلًا مِنَ السُّوَرِ ويُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ وقِيلَ: يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ أيْضًا عَلى أنَّ المَعْنى جُعِلَتْ مَعانِي آياتِها في سُوَرٍ ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ أوْ فُرِّقَتْ في التَّنْزِيلِ فَلَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً بَلْ نُزِّلَتْ نَجْمًا نَجْمًا عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ و(ثُمَّ) عَلى هَذا ظاهِرَةٌ في التَّراخِي الزَّمانِيِّ لِما أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ التَّنْزِيلِ المُنَجَّمِ فِيهِ التَّنْزِيلُ المُنَجَّمُ بِالفِعْلِ وإنْ أُرِيدَ جَعْلُها في نَفْسِها بِحَيْثُ يَكُونُ نُزُولُها مُنَجَّمًا حَسَبَ الحِكْمَةِ فَهو رُتْبِيٌّ لِأنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لازِمٌ لَها حَقِيقٌ بِأنْ يُرَتَّبَ عَلى وصْفِ أحْكامِها وهي عَلى الأوْجَهِ الأوَّلُ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا غَيْرُ وقِيلَ: لِلتَّراخِي بَيْنَ الإخْبارَيْنِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا تَراخِيَ هُناكَ إلّا أنْ يُرادَ بِالتَّراخِي التَّرْتِيبُ مَجازًا أوْ يُقالَ بِوُجُودِهِ بِاعْتِبارِ ابْتِداءِ الخَبَرِ الأوَّلِ وانْتِهاءِ الثّانِي وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِالتَّراخِي في الرُّتْبَةِ أوْلى خَلا أنَّ تَراخِيَ رُتْبَةِ التَّفْصِيلِ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَنْ رُتْبَةِ الإحْكامِ أمْرُ ظاهِرُ وبِالمَعْنى الثّالِثِ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الِاحْتِمالاتِ في الآيَةِ الحاصِلَةِ مِن ضَرْبِ مَعانِي الإحْكامِ الأرْبَعَةِ في مَعانِي التَّفْصِيلِ كَذَلِكَ وضَرْبُ المَجْمُوعِ في احْتِمالاتِ المُرادِ بِثُمَّ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ أوْ ثَمانِيَةً وأرْبَعِينَ احْتِمالًا ولا حَجْرَ والزَّمَخْشَرِيُّ ذَكَرَ لِلْإحْكامِ عَلى ما في الكَشْفِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ أخْذُهُ مِن إحْكامِ البِناءِ نَظَرًا إلى التَّرَكُّبِ البالِغِ حَدَّ الإعْجازِ أوْ مِنَ الإحْكامِ جَعْلُها حَكِيمَةً أوْ جَعْلُها ذاتَ حِكْمَةٍ فَيُفِيدُ مَعْنى المَنعِ مِنَ الفَسادِ ولِلتَّفْصِيلِ أرْبَعَةٌ جَعْلُها كالقَلائِدِ المُفَصَّلَةِ بِالفَرائِدِ لِما فِيها مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وأخَواتِها وجَعْلُها فُصُولًا سُورَةً سُورَةً وآيَةً آيَةً وتَفْرِيقُها في التَّنْزِيلِ وتَفْصِيلُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ وبَيانُهُ فِيها رُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقالَ: إنَّ مَعْنى (ثُمَّ) لَيْسَ التَّراخِيَ في الوَقْتِ ولَكِنْ في الحالِ كَما تَقُولُ هي مُحْكَمَةٌ أحْسَنَ الإحْكامِ ثُمَّ مُفَصَّلَةٌ أحْسَنَ التَّفْصِيلِ وفُلانٌ كَرِيمُ الأصْلِ ثُمَّ كَرِيمُ الفِعْلِ والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ في جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ كَذَلِكَ وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالإحْكامِ أحَدُ الأوَّلَيْنِ وبِالتَّفْصِيلِ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ فالتَّراخِي رُتْبِيٌّ لِأنَّ الإحْكامَ بِالمَعْنى الأوَّلِ راجِعٌ إلى اللَّفْظِ والتَّفْصِيلِ إلى المَعْنى وبِالمَعْنى الثّانِي وإنْ كانَ مَعْنَوِيًّا لَكِنَّ التَّفْصِيلَ إكْمالٌ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ وإنْ أُرِيدَ أحَدُ الأوْسَطَيْنِ فالتَّراخِي عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ الإحْكامَ بِالنَّظَرِ إلى كُلِّ آيَةٍ في نَفْسِها وجَعْلِها فُصُولًا بِالنَّظَرِ إلى بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ أوْ لِأنَّ كُلَّ آيَةٍ مُشْتَمِلَةٌ عَلى جُمَلٍ مِنَ الألْفاظِ المُرَصَّفَةِ وهَذا تَراخٍ وُجُودِيٌّ ولِما كانَ الكَلامُ مِنَ السّائِلاتِ كانَ زَمانِيًّا أيْضًا ولَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ آثَرَ التَّراخِيَ في الحالِ مُطْلَقًا حَمْلًا عَلى التَّراخِي في الإخْبارِ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لِيُطابِقَ اللَّفْظُ الوَضْعَ ولِيَظْهَرَ وجْهُ العُدُولِ مِنَ الفاءِ إلى ثُمَّ وإنْ أُرِيدَ الثّالِثُ وبِالتَّفْصِيلِ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ فَرُتْبِيٌّ وإلّا فَإخْبارِيٌّ والأحْسَنُ أنْ يُرادَ بِالإحْكامِ الأوَّلُ وبِالتَّفْصِيلِ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ وعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ المُطابَقَةُ بَيْنَ (حَكِيمٌ) و(خَبِيرٌ) و(أُحْكِمَتْ) و(فُصِّلَتْ) ثُمَّ قالَ: ومِنهُ ظَهَرَ أنَّ التَّراخِيَ في الحالِ يَشْمَلُ التَّراخِيَ الرُّتْبِيَّ والإخْبارِيَّ انْتَهى فَلْيُتَأمَّلْ وقُرِئَ (أحْكَمْتُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ المُتَكَلِّمِ و(فَصَلْتُ) بِفَتْحَتَيْنِ مَعَ التَّخْفِيفِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ والمَعْنى ثُمَّ فَرَّقْتُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وقِيلَ: (فُصِّلَتْ) هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ ﴾ أيِ انْفَصَلَتْ وصَدَرَتْ ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 1﴾ صِفَةٌ لِكِتابٍ وصَفَ بِها بَعْدَ ما وصَفَ بِإحْكامِ آياتِهِ وتَفْصِيلِها الدّالَّيْنِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ مِن حَيْثُ الذّاتُ إبانَةً لِجَلالَةِ شَأْنِهِ مِن حَيْثُ الإضافَةُ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَلْفُوظِ أوِ المُقَدَّرِ أوْ هو مَعْمُولٌ لِأحَدِ الفِعْلَيْنِ عَلى التَّنازُعِ مَعَ تَعَلُّقِهِ بِهِما مَعْنًى أيْ مِن عِنْدِهِ إحْكامُها وتَفْصِيلُها واخْتارَ هَذا في الكَشْفِ.

وفي الكَشّافِ أنَّ فِيهِ طِباقًا حَسَنًا لِأنَّ المَعْنى أحْكَمَها حَكِيمٌ وفَصَّلَها أيْ بَيَّنَها وشَرَحَها خَبِيرٌ عالِمٌ بِكَيْفِيّاتِ الأُمُورِ فَفي الآيَةِ اللَّفُّ والنَّشْرُ وأصْلُ الكَلامِ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ: أحْكَمَ آياتِهِ الحَكِيمُ وفَصَّلَها الخَبِيرُ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ إلى أُحْكِمَتْ حَكِيمٌ وفُصِّلَتْ خَبِيرٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ ﴿ رِجالٌ ﴾ عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وقَوْلُهُ: لِيَبْكِ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ ثُمَّ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِما في الكِنايَةِ مِنَ الحُسْنِ مَعَ إفادَةِ التَّعْظِيمِ البالِغِ الَّذِي لا يَصِلُ إلى كُنْهِهِ وصْفُ الواصِفِ لا سِيَّما وقَدْ جِيءَ بِالِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ مُنَكَّرَيْنِ بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ و(لَدُنْ) مِنَ الظُّرُوفِ المَبْنِيَّةِ وهي لِأوَّلِ غايَةِ زَمانٍ أوْ مَكانٍ والمُرادُ هُنا الأخِيرُ مَجازًا وبُنِيَتْ لِشَبَهِها بِالحَرْفِ في لُزُومِها اسْتِعْمالًا واحِدًا وهي كَوْنُها مَبْدَأ غايَةٍ وامْتِناعِ الإخْبارِ بِها وعَنْها ولا يُبْنى عَلَيْها المُبْتَدَأُ بِخِلافِ عِنْدَ - ولَدى - فَإنَّهُما لا يَلْزَمانِ اسْتِعْمالًا واحِدًا بَلْ يَكُونانِ لِابْتِداءِ الغايَةِ وغَيْرِها ويُبْنى عَلَيْهِما المُبْتَدَأُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:(وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ولَدَيْنا مَزِيدٌ) قِيلَ: ولِقُوَّةِ شَبَهِها بِالحَرْفِ وخُرُوجِها عَنْ نَظائِرِها لا تُعْرَبُ إذا أُضِيفَتْ.

نَعَمْ جاءَ عَنْ قَيْسٍ إعْرابُها تَشْبِيهًا بِعِنْدَ وعَلى ذَلِكَ خَرَجَتْ قِراءَةُ عاصِمٍ (بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهِ) بِالجَرِّ وإشْمامِ الدّالِ السّاكِنَةِ الضَّمَّ واقْتِرانِها بِمِن كَما في الآيَةِ وكَذا إضافَتُها إلى مُفْرَدٍ كَيْفَما كانَ هو الغالِبَ وقَدْ تَتَجَرَّدُ عَنْ - مِن - وقَدْ تُضافُ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ كَقَوْلِهِ وتَذَكَّرْ نَعْماهُ لَدُنْ أنْتَ يافِعٌ وفِعْلِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: صَرِيعُ غَوانٍ راقَهُنَّ ورُقْنَهُ ∗∗∗ لَدُنْ شَبَّ حَتّى شابَ سُودُ الذَّوائِبِ ومَنَعَ ابْنُ الدَّهّانِ مِن إضافَتِها إلى الجُمْلَةِ وأوَّلَ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنِ المَصْدَرِيَّةِ بِدَلِيلِ ظُهُورِها مَعَها في قَوْلِهِ: ولَيْتَ فَلَمْ تَقْطَعْ لَدُنْ إنْ ولَيْتَنا ∗∗∗ قَرابَةُ ذِي قُرْبى ولا حَقُّ مُسْلِمٍ ولا يَخْفى ما في التِزامِ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ لا سِيَّما في مِثْلِ - لَدُنْ أنْتَ يافِعٌ - وتَتَمَحَّضُ لِلزَّمانِ إذا أُضِيفَتْ إلى الجُمْلَةِ وجاءَ نَصْبُ غَدْوَةً بَعْدَها في قَوْلِهِ لَدُنْ غَدْوَةَ حَتّى دَنَتْ لِغُرُوبٍ وخُرِّجَ عَلى التَّمْيِيزِ وحَكى الكُوفِيُّونَ رَفْعَها بَعْدَها وخَرَجَ عَلى إضْمارِ كانَ وفِيها ثَمانِي لُغاتٍ فَمِنهم مَن يَقُولُ لَدُنْ بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّ الدّالِ وسُكُونِ النُّونِ وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ وتُخَفَّفُ الضَّمَّةُ كَما في عَضُدٍ وحِينَئِذٍ يَلْتَقِي ساكِنانِ فَمِنهم مَن يَحْذِفُ النُّونَ لِذَلِكَ فَيَبْقى - لَدْ - بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ ومِنهم مَن لا يَحْذِفُ ويُحَرِّكُ الدّالَ فَتْحًا في قَوْلِ (لَدَنْ) بِفَتْحِ اللّامِ والدّالِ وسُكُونِ النُّونِ ومِنهم مَن لا يَحْذِفُ ويُحَرِّكُ الدّالَ كَسْرًا فَيَقُولُ لَدِنْ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِ الدّالِ وسُكُونِ النُّونِ ومِنهم مَن لا يَحْذِفُ ويُحَرِّكُ النُّونَ بِالكَسْرِ في قُولُ لَدْنِ بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ وكَسْرِ النُّونِ وقَدْ يُخَفَّفُ بِنَقْلِ ضَمَّةِ الدّالِ إلى اللّامِ كَما يُقالُ في عَضُدٍ عُضْدٍ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ عَلى قِلَّةٍ وحِينَئِذٍ يَلْتَقِي ساكِنانِ أيْضًا فَمِنهم مَن يَحْذِفُ النُّونَ لِذَلِكَ فَيَقُولُ لُدْ بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ ومِنهم مَن لا يَحْذِفُ ويُحَرِّكُ النُّونَ بِالكَسْرِ فَيَقُولُ لُدْنِ بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ وكَسْرِ النُّونِ فَهَذِهِ سَبْعُ لُغاتٍ وجاءَ لَدُ بِحَذْفِ نُونِ لَدُنِ الَّتِي هي أُمُّ الجَمِيعِ وبِذَلِكَ تَتِمُّ الثَّمانِيَةُ ويَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ - لَدْ - لَدُنْ أنَّكَ إذا أضَفْتَهَ لِمُضْمَرٍ جِئْتَ بِالنُّونِ فَتَقُولُ: مِن لَدُنْكَ ولا يَجُوزُ مِن لَدُكَ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وذَكَرَ لَها في هَمْعِ الهَوامِعِ عَشْرَ لُغاتٍ ما عَدا اللُّغَةَ القَيْسِيَّةَ فَلْيُراجَعْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مكية، وهي مائة وثلاث وعشرون آية قال الله تعالى: الر قال ابن عباس يعني: أنا الله أرى، ويقال: الألف الله آلاؤه، واللام لطفه، والراء ربوبيته.

كِتابٌ يعني: هذا الكتاب، وهو القرآن أُحْكِمَتْ آياتُهُ من الباطل، فلم يوجد فيه عوج ولا تناقض.

ثُمَّ فُصِّلَتْ يعني: بيَّن أمره ونهيه.

وقال الحسن: أُحْكِمَتْ آياتُهُ بالأمر والنهي، وفصلت بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب.

وقال مجاهد: فُصِّلَتْ أي: فُسِّرت.

وقال القتبي: أُحْكِمَتْ، فلم تنسخ، ثم فُصِّلَتْ بالحلال والحرام.

ويقال: فُصِّلَتْ يعني: أنزلت شيئاً بعد شيء، فلم تنزل جملة.

مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ يعني: أنزل جبريل على محمد  من عند الله تعالى قال: حَكِيمٍ في أمره، خَبِيرٍ بالعباد وبأعمالهم، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يعني: نزل جبريل بالقرآن، وقد بيَّنَ فيه، ألا توحدوا ولا تطيعوا غير الله، إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ يعني: قل لهم يا محمد إنني لكم من الله تعالى نَذِيرٌ يعني: مخوفا من عذابه للكافرين، وَبَشِيرٌ بالجنة للمؤمنين.

وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من الذنوب ويقال: صلّوا لربكم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يعني: وتوبوا إليه من الشرك والذنوب يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً يعني: يُعَيِّشْكُمْ في الدنيا عيشاً حسناً في خير وعافية، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى منتهى آجالكم.

وقال القتبي: أصل الإمتاع الإطالة، يقال: حبل ماتع وقد متع النهار إذا طال.

يُمَتِّعْكُمْ يعني: يُعَمِّركم، ويقال: يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً يعني: يجعلكم راضين بما يعطيكم، ويقال: ويجعل حياتكم في الطاعة.

ثم قال: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ- يعني: يعطي في الآخرة كل ذي فضل في العمل في الدنيا فضله، والدرجات.

وروى جويبر، عن الضحاك، قال: يؤت كل ذي عمل ثواب عمله (١) «هلك من غلب آحاده أعشاره» .

وَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أعرضوا عن الإيمان فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يعني: قل لهم يا محمد: إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ يعني: القحط.

قال مقاتل: حبس الله تعالى عنهم القطر سبع سنين حتى أكلوا الموتى.

ويقال: فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ، يعني: عذاب النار يوم القيامة.

ويقال: فَإِنِّي أَخافُ، يعني: أعلم، فيوضع الخوف موضع العلم، لأن فيه طرفاً من العلم.

ثم قال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ يعني: مصيركم في الآخرة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: هو قادر على بعثكم بعد الموت.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة هود]

مكية إلا نحو ثلاث آيات قال الداوديّ: وعن أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه، قلت: يا رسول الله، لقد أسرع إليك الشّيب؟!

قال: «شيّبتني «هود» و «الواقعة» و «المرسلات» و «عمّ يتساءلون» و «إذا الشّمس كوّرت» «١» ، وفي رواية عن ابن عباس: «هود وأخواتها» .

انتهى «٢» .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ  ﴾ ، وعَنْ قَتادَةَ نَحْوُهُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها، إلّا قَوْلَهُ: ﴿ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ  ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ  ﴾ .

وَرَوى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، عُجِّلَ إلَيْكَ الشَّيْبُ، قالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها: الحاقَّةُ، والواقِعَةُ، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ، وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ "» .

فَأمّا " آلر " فَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَها في سُورَةِ ( يُونُسَ ) قالَ الفَرّاءُ: و " كِتابٌ " مَرْفُوعٌ بِالهِجاءِ الَّذِي قَبْلَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: حُرُوفُ الهِجاءِ هَذا القُرْآنُ، وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَهُ بِإضْمارِ " هَذا كِتابٌ "، والكِتابُ: القُرْآنُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أحُكِمَتْ فَما تُنْسَخُ بِكِتابٍ كَما نُسِخَتِ الكُتُبُ والشَّرائِعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أُحْكِمَتْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: أُحْكِمَتْ عَنِ الباطِلِ أيْ: مُنِعَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أُحْكِمَتْ بِمَعْنى جُمِعَتْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَمَّ الآياتِ هاهُنا بِالإحْكامِ، وخَصَّ بَعْضَها في قَوْلِهِ: ﴿ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ  ﴾ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما أنَّ الإحْكامَ الَّذِي عَمَّ بِهِ هاهُنا، غَيْرُ الَّذِي خَصَّ بِهِ هُناكَ.

وَفِي مَعْنى الإحْكامِ العامِّ خَمْسَةُ أقْوالٍ، قَدْ أسْلَفْنا مِنها أرْبَعَةً في قَوْلِهِ: " أُحْكِمَتْ آياتُهُ " والخامِسُ: أنَّهُ إعْجازُ النَّظْمِ والبَلاغَةِ وتَضْمِينُ الحِكَمِ المُعْجِزَةَ.

وَمَعْنى الإحْكامِ الخاصِّ: زَوالُ اللَّبْسِ، واسْتِواءُ السّامِعِينَ في مَعْرِفَةِ مَعْنى الآيَةِ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّ الإحْكامَ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: " أُحْكِمَتْ آياتُهُ ": أُحْكِمَ بَعْضُها بِالبَيانِ الواضِحِ ومَنعِ الِالتِباسِ، فَأُوقِعَ العُمُومُ عَلى مَعْنى الخُصُوصِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ أكَلْتُ طَعامَ زَيْدٍ، يَعْنُونَ: بَعْضَ طَعامِهِ، ويَقُولُونَ: قُتِلْنا ورَبِّ الكَعْبَةِ، يَعْنُونَ: قُتِلَ بَعْضُنا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وَفِي قَوْلِهِ: " ثُمَّ فُصِّلَتْ " سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فُصِّلَتْ بِالحَلالِ والحَرامِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فُصِّلَتْ بِالثَّوابِ والعِقابِ، رَواهُ جِسْرُ بْنُ فَرَقَدٍ عَنِ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: فُصِّلَتْ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، رَواهُ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.

والرّابِعُ: فُصِّلَتْ بِمَعْنى فُسِّرَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: أُنْزِلَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ولَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والسّادِسُ: فُصِّلَتْ بِجَمِيعِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وتَثْبِيتِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وإقامَةِ الشَّرائِعِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ ﴾ أيْ: مِن عِنْدِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ  ﴾ ، وقَوْلَهُ: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ ، ونَزَلَتْ في ابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وقَوْلَهُ: ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ  ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في شَأْنِ الثِمارِ.

وهَذِهِ الثَلاثُ مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ، عَلى أنَّ الأُولى تُشْبِهُ المَكِّيَّ.

وإذا أرَدْتَ بِـ"هُودٍ" اسْمَ السُورَةِ لَمْ يَنْصَرِفْ، كَما تَفْعَلُ إذا سَمَّيْتَ امْرَأةً بِـ" عَمْرٍو " و"زَيْدٍ"، وإذا أرَدْتَ سُورَةَ "هُودٍ" صَرَفْتَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ ﴿ وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ ﴿ إلى اللهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ القَوْلِ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُورِ، وتَخْتَصُّ هَذِهِ بِأنْ قِيلَ: إنَّ (الرَحْمَنَ) فُرِّقَتْ حُرُوفُهُ فِيها، وفي "حَم" وفي "ن والقَلَمِ".

وَ"كِتابٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، فَمَن قالَ: "الحُرُوفُ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ" كانَتِ الحُرُوفُ المُبْتَدَأ، ومَن تَأوَّلَ الحُرُوفَ غَيْرَ ذَلِكَ كانَ المُبْتَدَأُ: هَذا كِتابٌ، والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ.

و"أُحْكِمَتْ" مَعْناهُ: أُتْقِنَتْ وأُجِيدَتْ شِبْهَ ما تُحَكَمُ مِنَ الأُمُورِ المُتْقَنَةِ الكامِلَةِ، وبِهَذِهِ الصِفَةِ كانَ القُرْآنُ في الأزَلِ، ثُمَّ فُصِّلَ بِتَقْطِيعِهِ وتَنْوِيعِ أحْكامِهِ وأوامِرِهِ عَلى مُحَمَّدٍ  في أزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَـ "ثُمَّ" عَلى بابِها، وهَذِهِ طَرِيقَةُ الإحْكامِ والتَفْصِيلِ، إذِ الإحْكامُ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ، والتَفْصِيلُ إنَّما هو بِحَسَبِ مَن يُفَصِّلُ لَهُ، والكِتابُ بِأجْمَعِهِ مُحْكَمٌ مُفَصَّلٌ، والإحْكامُ الَّذِي هو ضِدُّ النَسْخِ والتَفْصِيلُ الَّذِي هو خِلافُ الإجْمالِ إنَّما يُقالانِ مَعَ ما ذَكَرْناهُ بِاشْتِراكٍ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ: أُحْكِمَتْ بِالأمْرِ والنَهْيِ، وفُصِّلَتْ بِالثَوابِ والعِقابِ، وعن بَعْضِهِمْ: أُحْكِمَتْ مِنَ الباطِلِ، وفُصِّلَتْ بِالحَلالِ والحَرامِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَخْصِيصِ الَّذِي هو صَحِيحُ المَعْنى ولَكِنْ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ.

وقالَ قَوْمٌ: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ مَعْناهُ: فُسِّرَتْ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ - فِيما رُوِيَ عنهُ-: "ثُمَّ فَصَلَتْ" بِفَتْحِ الفاءِ والصادِ واللامِ، ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فَصَلَتْ أيْ: نَزَلَتْ إلى الناسِ، كَما تَقُولُ: "فَصَلَ فَلانٌ" لِسَفَرِهِ ونَحْوِ هَذا مِنَ المَعْنى.

والثانِي: فَصَلَتْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ مِنَ الناسِ.

و ﴿ مِن لَدُنْ ﴾ مَعْناها: مِن حَيْثُ ابْتُدِئَتِ الغايَةُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، وفِيها لُغاتٌ.

يُقالُ: "لَدْنٌ" و"لُدْنٌ" بِسُكُونِ الدالِ، وقُرِئَ بِهِما "مِن لَدُنْ"، ويُقالُ: "لَدُ" بِفَتْحِ اللامِ وضَمِّ الدالِ دُونَ نُونٍ، ويُقالُ: "لَدًى"، بِدالٍ مُنَوَّنَةٍ مَقْصُورَةٍ.

ويُقالُ: "لَدٍ" بِدالٍ مَكْسُورَةٍ مُنَوَّنَةٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ.

و"حَكِيمٍ" أيْ: مُحْكِمٌ، و"خَبِيرٍ" أيْ: ذُو خِبْرَةٍ بِالأُمُورِ أجْمَعَ.

﴿ ألا تَعْبُدُوا ﴾ ، "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ "بِأنْ" وإسْقاطِ الخافِضِ، وقِيلَ: عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ "الآياتِ"، وهَذا مُعْتَرَضٌ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا مَوْضِعَ لِلْآياتِ، وإنْ نُظِرَ مَوْضِعُ الجُمْلَةِ فَهو رَفْعٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: "تَفْصِيلُهُ ألّا تَعْبُدُوا"، وقِيلَ: عَلى البَدَلِ مِن لَفْظِ "الآياتِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ أيْ: مِن عِقابِهِ وبِثَوابِهِ، وإذا أُطْلِقَتْ هاتانِ اللَفْظَتانِ فالنِذارَةُ في المَكْرُوهِ والبِشارَةُ في المَحْبُوبِ، وقُدِّمَ "النَذِيرُ" لِأنَّ التَحْذِيرَ مِنَ النارِ هو الأهَمُّ، و"أنْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها.

ومَعْنى الآيَةِ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، أيِ:اطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ لَكم وذَلِكَ بِطَلَبِ دُخُولِكم في الإسْلامِ، ثُمَّ تُوبُوا مِنَ الكُفْرِ، أيِ:انْسَلَخُوا مِنهُ وانْدَمُوا عَلى سالِفِهِ.

و"ثُمَّ" مُرَتِّبَةٌ لِأنَّ الكافِرَ أوَّلَ ما يُنِيبُ فَإنَّهُ في طَلَبِ مَغْفِرَةِ رَبِّهِ، فَإذا تابَ وتَجَرَّدَ مِنَ الكُفْرِ تَمَّ إيمانُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "يُمَتِّعْكُمْ" بِشَدِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُمْتِعْكُمْ" بِسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ التاءِ، وفي كِتابِ أبِي حاتِمٍ: "إنَّ هَذِهِ القِراءاتِ بِالنُونِ"، وفي هَذا نَظَرٌ.

و"مَتاعًا" مَصْدَرٌ جارٍ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ المُتَقَدِّمِ مَثَّلَ: ﴿ واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا  ﴾ .

وقِيلَ: نُصِبَ بِتَعَدِّي "يُمَتِّعْكُمْ" لِأنَّكَ تَقُولُ: مَتَّعْتُ زَيْدًا ثَوْبًا.

ووَصْفُ المَتاعِ بِالحُسْنِ إنَّما هو لِطِيبِ عَيْشِ المُؤْمِنِ بِرَجائِهِ في اللهِ عَزَّ وجَلَّ وفي ثَوابِهِ، وفَرَحِهِ بِالتَقَرُّبِ إلَيْهِ بِمُفْتَرِضاتِهِ، والسُرُورِ بِمَواعِيدِهِ، والكافِرُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذا.

وأمّا مَن قالَ بِأنَّ المَتاعَ الحَسَنَ هو فَوائِدُ الدُنْيا وزِينَتُها، فَيَضْعُفُ بِأنَّ الكَفَرَةَ يَتَشارَكُونَ في ذَلِكَ أعْظَمَ مُشارَكَةٍ.

والأجَلُ المُسَمّى هو أجَلُ المَوْتِ، مَعْناهُ: إلى أجَلٍ مُسَمًّى لِكُلِّ واحِدٍ مِنكُمْ، وهَذا ظاهِرُ الآيَةِ، والأجَلُ الكَبِيرُ - عَلى هَذا- هو يَوْمُ القِيامَةِ.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ التَوَعُّدُ بِتَعْجِيلِ العَذابِ إنْ كَفَرُوا، والوَعْدِ بِتَمْتِيعِهِمْ إنْ آمَنُوا، فَتُشْبِهُ ما قالَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، واليَوْمُ الكَبِيرُ -عَلى هَذا- كَيَوْمِ بَدْرٍ ونَحْوِهِ، والمَجْهَلَةُ -فِي أيِّ الأمْرَيْنِ يَكُونُ- إنَّما هي بِحَسَبِ البَشَرِ، والأمْرُ عِنْدَ اللهِ تَعالى مَعْلُومٌ مُحَصَّلٌ، والأجَلُ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ أيْ كُلَّ ذِي إحْسانٍ بِقَوْلِهِ أو بِفِعْلِهِ أو بِقُوَّتِهِ أو بِمالِهِ أو غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَقَرَّبَ بِهِ، و"فَضْلَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ فِيهِ عَلى "ذِي" أيْ: ثَوابَ فَضْلِهِ وجَزاءَهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ فِيهِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ: يُؤْتِي اللهُ فَضْلَهُ كُلَّ ذِي فَضْلٍ وعَمَلٍ صالِحٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى ما وعَدَ بِهِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن تَضْعِيفِ الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها، ومِنَ التَضْعِيفِ غَيْرُ مَحْصُورٍ لِمَن شاءَ.

وهَذا التَأْوِيلُ تَأوَّلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وقالَ: "وَيْلٌ لِمَن غَلَبَتْ آحادُهُ عَشَراتِهِ".

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُوافِقًا لِلْمَعْنى الأوَّلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَإنْ تَوَلَّوْا" بِفَتْحِ التاءِ واللامِ، فَبَعْضُهم قالَ: مَعْناهُ: الغَيْبَةُ، أيْ: فَقُلْ لَهُمْ: إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: "فَإنْ تَتَوَلَّوْا" فَحُذِفَتِ التاءُ، والآيَةُ كُلُّها عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَإنْ تُوَلُّوا" بِضَمِّ التاءِ واللامِ وفَتْحِ الواوِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ تَوَعُّدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمًا مِنَ الدُنْيا كَبَدْرٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ تَوَعُّدٌ، وهو يُؤَيِّدُ أنَّ اليَوْمَ الكَبِيرَ يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّهُ تَوَعَّدَ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَرِيقَ إلَيْهِ مِنَ الرُجُوعِ إلى اللهِ.

والمَعْنى: إلى عِقابِهِ وجَزائِهِ رُجُوعُكُمْ، وهو القادِرُ الَّذِي لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، ولا يُجِيرُ عَلَيْهِ مُجِيرٌ، ولا تَنْفَعُ مِن قَضائِهِ واقِيَةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، دُونَ ما لا يُوصَفُ اللهُ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِنَ المُحاوَلاتِ وغَيْرِها الَّتِي هي الأشْياءُ.

والشَيْءُ في اللُغَةِ: المَوْجُودُ، وما يَتَحَقَّقُ أنَّهُ يُوجَدُ كَزَلْزَلَةِ الساعَةِ وغَيْرِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الر ﴾ تقدم القول على الحروف المقطعة الواقعة في أوائل السور في أول سورة البقرة وغيرها من نظرائها وما سورة يونس ببعيد.

﴿ كتاب أحكمت اياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ﴾ القول في الافتتاح بقوله: ﴿ كتاب ﴾ وتنكيره مماثل لما في قوله: ﴿ كتاب أنزل إليك ﴾ في سورة [الأعراف: 2].

والمعنى: أن القرآن كتاب من عند الله فلماذا يَعجب المشركون من ذلك ويكذبون به.

ف (كتاب) مبتدأ، سوغ الابتداء ما فيه من التنكير للنوعية.

ومن لدن حكيم خبير } خبَر و ﴿ أحكمت آياته ﴾ صفة ل (كتاب)، ولك أن تجعل ﴿ أحكمت آياته ﴾ صفة مخصصة، وهي مسوغ الابتداء.

ولك أن تجعل (أحكمت) هو الخبر.

وتجعل ﴿ من لدن حكيم خبير ﴾ ظرفاً لغواً متعلقاً ب ﴿ أحكمت ﴾ و ﴿ فُصلت ﴾ .

والإحكام: إتقان الصنع، مشتق من الحِكْمة بكسر الحاء وسكون الكاف.

وهي إتقان الأشياء بحيث تكون سالمة من الأخلال التي تعرض لنوعها، أي جعلت آياته كاملة في نوع الكلام بحيث سلمت من مخالفة الواقع ومن أخلال المعنى واللفظ.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ منه آيات محكمات ﴾ في أول سورة [آل عمران: 7].

وبهذا المعنى تنبئ المقابلة بقوله: من لدن حكيم } .

وآيات القرآن: الجمل المستقلة بمعانيها المختتمة بفواصل.

وقد تقدم وجه تسمية جمل القرآن بالآيات عند قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ﴾ في أوائل سورة [البقرة: 39]، وفي المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير.

والتفصيل: التوضيح والبيان.

وهو مشتق من الفَصل بمعنى التفريق بين الشيء وغيره بما يميزه، فصار كناية مشهورة عن البيان لما فيه من فصل المعاني.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ في سورة [الأنعام: 55].

ونظيره: الفرق، كنى به عن البيان فسمي القرآن فُرقاناً.

وعن الفصل فسمي يوم بَدر يوم الفرقان، ومنه في ذكر ليلة القدر ﴿ فيها يُفرق كل أمر حكيم ﴾ [الدخان: 4].

و (ثُم) للتراخي في الرتبة كما هو شأنها في عطف الجمل لما في التفصيل من الاهتمام لدى النفوس لأن العقول ترتاح إلى البيان والإيضاح.

و ﴿ من لدن حكيم خبير ﴾ أي من عند الموصوف بإبداع الصنع لحكمته، وإيضاح التبيين لقوة علمه.

والخبير: العالم بخفايا الأشياء، وكلما كثرت الأشياء كانت الإحاطة بها أعز، فالحكيم مقابل ل ﴿ أحْكمتْ ﴾ ، والخبير مقابل ل ﴿ فُصّلتْ ﴾ .

وهما وإن كانا متعلّق العلم ومتعلّق القدرة إذ القدرة لا تجري إلا على وفق العلم، إلا أنه روعي في المقابلة الفعلُ الذي هو أثرُ إحدى الصفتين أشدُّ تبادُراً فيه للناس من الآخر وهذا من بليغ المزاوجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ هُودٍ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَةً وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ \[هُودًا: ١١٤\].

﴿ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ ﴿ وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ ﴿ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الر كِتابٌ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أُحْكِمَتْ آياتُهُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ ثُمَّ فُصِّلَتْ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أُحْكِمَتْ آياتُهُ مِنَ الباطِلِ ثُمَّ فُصِّلَتْ بِالحَلالِ والحَرامِ والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّالِثُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ بِأنْ جُعِلَتْ آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ كُلُّها مُحْكَمَةً ثُمَّ فُصِّلَتْ بِأنْ فُسِّرَتْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الرّابِعُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ لِلْمُعْتَبِرِينَ، وفُصِّلَتْ آياتُهُ لِلْمُتَّقِينَ.

الخامِسُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ في القُلُوبِ، وفُصِّلَتْ أحْكامُهُ عَلى الأبْدانِ.

﴿ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن عِنْدِ حَكِيمٍ في أفْعالِهِ، خَبِيرٍ بِمَصالِحِ عِبادِهِ.

الثّانِي: حَكِيمٌ بِما أنْزَلَ، خَبِيرٌ بِمَن يَتَقَبَّلُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ كَتَبْتُ في الكِتابِ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ ﴿ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَذِيرٌ مِنَ النّارِ، وبَشِيرٌ بِالجَنَّةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اسْتَغْفِرُوهُ مِن سالِفِ ذُنُوبِكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ مِنَ المُسْتَأْنِفِ مَتى وقَعَتْ مِنكم.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الِاسْتِغْفارُ بِلا إقْلاعٍ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ.

الثّانِي: أنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفارِ لِأنَّ المَغْفِرَةَ هي الغَرَضُ المَطْلُوبُ والتَّوْبَةُ هي السَّبَبُ إلَيْها، فالمَغْفِرَةُ أوَّلُ في الطَّلَبِ وآخِرُ في السَّبَبِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الصَّغائِرِ وتُوبُوا إلَيْهِ مِنَ الكَبائِرِ ﴿ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ طِيبُ النَّفْسِ وسَعَةُ الرِّزْقِ.

الثّانِي: أنَّهُ الرِّضا بِالمَيْسُورِ، والصَّبْرُ عَلى المَقْدُورِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَرْكُ الخَلْقِ والإقْبالِ عَلى الحَقِّ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ويَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَلالُ الكافِي.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي لا كَدَّ فِيهِ ولا طَلَبَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المُقْتَرِنُ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ.

﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: إلى يَوْمِ المَوْتِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: إلى وقْتٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَهْدِيهِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يُجازِيهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، عَلى قَوْلِ قَتادَةَ.

وَيَجُوزُ أنْ يُجازِيَهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ يَعْنِي عَمّا أُمِرْتُمْ لَهُ.

﴿ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ وفِيهِ إضْمارٌ وتَقْدِيرٌ: فَقُلْ لَهم إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ وصَفَهُ بِذَلِكَ لِكِبَرِ الأُمُورِ الَّتِي هي فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ الر كتاب أحكمت آياته ﴾ قال: هي كلها مكية محكمة يعني سورة هود ﴿ ثم فصلت ﴾ قال: ثم ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم فحكم فيها بينه وبين من خالفه، وقرأ مثل الفريقين الآية كلها، ثم ذكر قوم نوح، ثم قوم هود فكان هذا تفصيل ذلك وكان أوله محكماً.

قال: وكان أبي رضي الله عنه يقول ذلك: يعني زيد بن أسلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ﴾ قال: أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالوعد والوعيد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم فصلت ﴾ قال: فسرت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ﴾ قال: أحكمها الله من الباطل ثم فصلها بعلمه فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته، وفي قوله: ﴿ من لدن حكيم ﴾ يعني من عند حكيم.

وفي قوله: ﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ قال: فأنتم في ذلك المتاع فخذوه بطاعة الله ومعرفة حقه فإن الله منعم يحب الشاكرين، وأهل الشكر في مزيد من الله وذلك قضاؤه الذي قضى، وفي قوله: ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ يعني الموت، وفي قوله: ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي في الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ قال: ما احتسب به من ماله أو عمل بيديه أو رجليه أو كلامه، أو ما تطوّل به من أمره كله.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ قال: يؤت كل ذي فضل في الإِسلام فضل الدرجات في الآخرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذت من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشاره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ الر ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) وقوله تعالى ﴿ كِتَابٌ ﴾ ، قال الفراء (٣) (٤) (٥) ﴿ الر ﴾ و ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ ليس هو ﴿ الر ﴾ وحدها، قال الفراء: وإن شئت أضمرت له ما يرفعه، كأنك قلت: هذا كتاب، ووافقه الزجاج على هذا القول.

وقول تعالى: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ ، ذكرنا أن معنى الإحكام في اللغة منع الفعل من الفساد (٦) (٧) (٨) قال ابن الأنباري (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ قال ابن عباس (١١) (١٢) وقال الحسن (١٣) (١٤) قال أبو إسحاق (١٥) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ ، قال ابن عباس (١٦) (١) الطبري 11/ 91، وابن أبي حاتم 6/ 1994، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 534، "زاد المسير" 4/ 4، ابن عطية 7/ 94.

(٢) مسألة الحروف المقطعة في أوائل سور القرآن من المسائل التي كثرت فيها أقوال العلماء فسأذكر أبرز أقوالهم بإيجاز، مع تعيين الراجح منها: القول الأول: أنها من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.

الثاني: أنها حروف كل حرف يرمز إلى معنى، واختلفوا فيما يرمز إليه كل حرف.

الثالث: أنها للتنبيه ولفت نظر المشركين إلى القرآن وتدبره.

الرابع: أنها أسماء السور التي افتتحت بها.

الخامس: أنها من أسماء الله تعالى.

السادس: أنها أقسام أقسم الله بها.

السابع: أنها ذكرت بيانًا لإعجاز القرآن، فمع أن القرآن مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها ومع ذلك فهم عاجزون عن معارضته بمثله.

وهذا هو القول الراجح الذي ذهب إليه جمهور المحققين، ويدل عليه أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائما عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه.

وممن قال بهذا القول: الفراء، وقطرب، والمبرد، وابن كثير، وابن تيمية، وأبو الحجاج المزي، والزمخشري، وغيرهم.

انظر: الطبري 1/ 86 - 96، البغوي 1/ 58، 4/ 159، "زاد المسير" 1/ 20، ابن عطية 1/ 138 - 141، ابن كثير 1/ 38 - 41، الألوسي 1/ 99، المنار 1/ 103، "أضواء البيان" 3/ 3، رسالة "الحروف المقطعة في القرآن"، دراسة ورأي عبد الجبار شرارة.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 3.

(٤) "معاني القرآن إعرابه" للزجاج 3/ 37.

(٥) وتعقب هذا القول أيضًا الطبري 11/ 179 فقال: "فأما قول من زعم أن قوله ﴿ الر ﴾ مراد به سائر حروف المعجم التي نزل بها القرآن، وجعلت هذه الحروف دلالة على جميعها، وأن معنى الكلام: "هذه الحروف كتاب أحكمت آياته" فإن الكتاب على قوله ينبغي أن يكون مرفوعًا بقوله: ﴿ الر ﴾ اهـ.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 886 (حكم)، "مقاييس اللغة" 2/ 91، "لسان العرب" 2/ 952 (حكم).

(٧) الطبري 11/ 180، وعبد الرزاق 2/ 301، وابن أبي حاتم 6/ 1995، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 578، و"زاد المسير" 4/ 73، والبغوي 4/ 159.

(٨) تفسير مقاتل 143 ب، الثعلبي 7/ 32 ب، "زاد المسير" 4/ 73.

(٩) انظر: "زاد المسير" 4/ 74.

(١٠) في (ي): (الطعام).

(١١) "تنوير المقباس" 138، "زاد المسير" 4/ 74، البغوي 4/ 159.

(١٢) الطبري 11/ 180، وابن أبي حاتم 6/ 1959، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 578.

(١٣) الطبري 11/ 179، الثعلبي 7/ 532، ابن أبي حاتم 6/ 1995، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 578، "زاد المسير" 4/ 74.

(١٤) الثعلبي 7/ 32 ب، القرطبي 9/ 3.

(١٥) "معانى القرآن وإعرابه" 3/ 37.

(١٦) "تنوير المقباس" 138 بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الر ﴾ ﴿ كتاب ﴾ يعني القرآن، وهو خبر ابتداء مضمر ﴿ أُحْكِمَتْ ﴾ أي اتقنت فهو من الإحكام للشيء ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ قيل معناه بينت وقيل قطعت سورة سورة، وثم هنا ليست للترتيب في الزمان، وإنما هي لترتيب الأحوال: كقولك فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ : قال الحسن: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالأمر والنهي، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بالوعد والوعيد.

وقال بعضهم: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالوعد والوعيد، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بالأمر والنهي.

وقال بعضهم: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ حتى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يملك أحد التبديل، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بينت ما يؤتى و [ما] يتقى، أو بينت ما لهم وما عليهم وما لله عليهم.

وقال بعضهم: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ فلم تنسخ، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بالحلال والحرام.

وقيل: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ أي: فرقت في الإنزال أنزل شيء بعد شيء على قدر النوازل والأسباب فلم ينزل جملة؛ لأنه لو أنزل جملة لاحتاجوا إلى أن يعرفوا الكل بسببه وشأنه وخصوصه وعمومه، فإذا أنزل متفرقاً في أوقات مختلفة على النوازل والأسباب عرفوا ذلك على غير إعلام ولا بيان، والتفصيل هو اسم التفريق واسم التبيين، وذلك يحتمل المعنيين جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ : أي: أحكمت حتى لا يرد عليها النقض والانتقاض، أو أحكمت حتى لا يملك أحد التبديل والتغيير، أو أحكمت عن أن يقع فيها الاختلاف.

وقال بعضهم: أحكمت آياته بالفرائض، وفصّلت بالثواب والعقاب.

ثم ﴿ ٱلآيَاتِ ﴾ تحتمل وجوهاً: أحدها: العبر.

والثاني: الحجج.

والثالث: العلامة.

ثم الآية كل كلمة في القرآن تمت فهي [عبرة أو حجة] أو علامة لا تخلو عن أحد هذه الوجوه الثلاثة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ : من عند حكيم عليم جاءت هذه الآيات.

وقوله - عز وجل: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾ أي: من الله ينذر من ينذر ومن عنده يبشر من يبشر؛ يبشر من اتبع وينذر من خالف.

وقوله: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ في شهادة خلقتكم هو المستحق للعبادة ويحتمل ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ ﴾ ألاَّ توحدوا إلا الذي في شهادة خلقتكم وحدانيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : إن كانت الآية في الكفار فيكون قوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: أسلموا ثم توبوا إليه، أي: ارجعوا إليه عن كل معصية وكل مأثم تأتونها، وإن كان في المسلمين فهو ظاهر، فيكون قوله: استغفروا وتوبوا واحدا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً ﴾ أي: يمتعكم في الدنيا متاعاً تستحسنون في الآخرة ذلك التمتع، وأمّا الكفار فإنهم لا يستحسنون في الآخرة ما متعوا في الدنيا؛ لأن تمتعهم في الدنيا للدنيا، والمؤمن ما يتمتع في الدنيا يتمتع لأمر الآخرة والتزود لها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ ﴾ في الدنيا جزاء فضله في الآخرة.

ويحتمل ﴿ وَيُؤْتِ ﴾ بمعنى أتى، أي: ما أتى كل ذي فضل في الدنيا إنما أتاه بفضله.

وقوله: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ أي: ويؤت كل ذي فضل في دينه في الدنيا فضله في الآخرة، أو يقول: يؤت كل ذي فضل في الدنيا والآخرة فضله؛ لأن أهل الفضل في الدنيا هم أهل الفضل في الآخرة.

﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : ولم يسلموا، ﴿ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ الآية ظاهرة.

وقال بعضهم في موضع آخر، وهذا لما يكبر على الخلق ويعظم ذلك اليوم.

وقال بعض أهل الفقه: في قوله: ﴿ الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ دلالة تأخير البيان؛ لأنه قال: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ ، وحرف ثم من حروف الترتيب، ففيه جواز تأخير البيان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ أي: إلى ما أعد لكم مرجعكم من وعد ووعيد.

﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي: وهو على كل ما [أوعد ووعد] قدير.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ الر ﴾ تقدم الكلام على نظائرها في سورة البقرة.

القرآن كتاب أتقنت آياته نظمًا ومعنى، فلا ترى فيها خللًا ولا نقصًا، ثم بُيِّنَت بذكر الحلال والحرام والأمر والنهي والوعد والوعيد والقصص وغير ذلك، من عند حكيم في تدبيره وتشريعه، خبير بأحوال عباده، وبما يصلحهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.XpVle"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر