الآية ٢ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٢ من سورة هود

أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ألا تعبدوا إلا الله ) أي : نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] ، قال : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل : 36 ] .

وقوله : ( إنني لكم منه نذير وبشير ) أي : إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه ، وبشير بالثواب إن أطعتموه ، كما جاء في الحديث الصحيح : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صعد الصفا ، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب ، فاجتمعوا ، فقال يا معشر قريش ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تصبحكم ، ألستم مصدقي ؟

" فقالوا : ما جربنا عليك كذبا .

قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ثم فُصّلت بأن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له ، وتخلعوا الآلهة والأنداد.

ثم قال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل ، يا محمد ، للناس (إنني لكم ) ، من عند الله ، (نذير) ينذركم عقابه على معاصيه وعبادة الأصنام ، (وبشير) ، يبشركم بالجزيل من الثواب على طاعته وإخلاص العبادة والألُوهَةِ له.

(18) ------------------------- الهوامش : (18) انظر تفسير " النذير " فيما سلف ص : 215 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " البشير " فيما سلف من فهارس اللغة ( بشر ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ألا تعبدوا إلا الله قال الكسائي والفراء : أي بألا ; أي أحكمت ثم فصلت بألا تعبدوا إلا الله .

قال الزجاج : لئلا ; أي أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله .

قيل : أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله .إنني لكم منه أي من الله .نذير أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه .وبشير بالرضوان والجنة لمن أطاعه .

وقيل : هو من قول الله أولا وآخرا ; أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير ; أي الله نذير لكم من عبادة غيره ، كما قال : ويحذركم الله نفسه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

} فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير، فلا تسأل بعد هذا، عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة، وسعة الرحمة .

وإنما أنزل الله كتابه لـ { أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ } أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وأن لا يشرك به أحد من خلقه.

{ إِنَّنِي لَكُمْ } أيها الناس { مِنْهُ } أي: من الله ربكم { نَذِيرٍ } لمن تجرأ على المعاصي بعقاب الدنيا والآخرة، { وَبَشِيرٌ } للمطيعين لله بثواب الدنيا والآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألا تعبدوا إلا الله ) أي : وفي ذلك الكتاب : أن لا تعبدوا إلا الله ، ويكون محل " أن " رفعا .

وقيل : محله خفض ، تقديره : بأن لا تعبدوا إلا الله ، ( إنني لكم منه ) أي : من الله ( نذير ) للعاصين ، ( وبشير ) للمطيعين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أ» أي بأن «لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير» بالعذاب إن كفرتم «وبشير» بالثواب إن آمنتم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإنزال القرآن وبيان أحكامه وتفصيلها وإحكامها؛ لأجل أن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له.

إنني لكم -أيها الناس- من عند الله نذير ينذركم عقابه، وبشير يبشِّركم بثوابه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله ) جملة تعليلية ، أى : أنه - سبحانه - فعل ما فعل من إحكام الكتاب وتفصيله وتنزيله من لدن حكيم خبير ، لكى تخلصوا له العبادة والطاعة ، وتتركوا عبادة غيره؛ لأن من أنزل هذا الكتاب المعجز ، من حقه أن يفرد بالخضوع والاستعانة .وقوله : ( إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) بيان لوظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .والضمير المجرور فى " منه " يعود على الله - تعالى - .أى : عليكم - أيها الناس - أن تخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة ، فإنه - سبحانه - قد أرسلني إليكم لكى أنذر الذين فسقوا عن أمره بسوء العاقبة ، وأبشر الذين استجابوا لدعوته بحسن المثوبة .وقدم - سبحانه - الإِنذار على التبشير؛ لأن الخطاب موجه إلى الكافرين ، الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى .قال بعضهم : " والجمع بين النذارة والبشارة ، لمقابلة ما نضمته الجملة الأولى من طلب ترك عبادة غير الله .

بطريق النهى ، وطلب عبادة الله بطريق الاستثناء ، فالنذارة ترجع إلى الجزء الأول ، والبشارة ترجع إلى الجزء الثاني " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قوله: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله ﴾ وجوهاً: الأول: أن يكون مفعولاً له والتقدير: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل ألا تعبدوا إلا الله وأقول هذا التأويل يدل على أنه لا مقصود من هذا الكتاب الشريف إلا هذا الحرف الواحد، فكل من صرف عمره إلى سائر المطالب، فقد خاب وخسر.

الثاني: أن تكون (أن) مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول والحمل على هذا أولى، لأن قوله: ﴿ وَأَنِ استغفروا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ ﴾ فيجب أن يكون معناه: أي لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفاً على النهي، فإن كونه بمعنى لئلا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه.

والثالث: أن يكون التقدير: الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ليأمر الناس أن لا يعبدوا إلا الله ويقول لهم، إنني لكم منه نذير وبشير، والله أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية مشتملة على التكليف من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر بأن لا يعبدوا إلا الله، وإذا قلنا: الاستثناء من النفي إثبات، كان معنى هذا الكلام النهي عن عبادة غير الله تعالى، والأمر بعبادة الله تعالى، وذلك هو الحق، لأنا بينا أن ما سوى الله فهو محدث مخلوق مربوب، وإنما حصل بتكوين الله وإيجاده، والعبادة عبارة عن إظهار الخضوع والخشوع ونهاية التواضع والتذلل وهذا لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن، فثبت أن عبادة غير الله منكرة، والإعراض عن عبادة الله منكر.

واعلم أن عبادة الله مشروطة بتحصيل معرفة الله تعالى قبل العبادة، لأن من لا يعرف معبوده لا ينتفع بعبادته فكان الأمر بعبادة الله أمراً بتحصيل المعرفة أولاً.

ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ  ﴾ ثم أتبعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وهو قوله: ﴿ الذى خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ إنما حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة فلا جرم ذكر ما يدل على تحصيل المعرفة.

ثم قال: ﴿ إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أن الضمير في قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ عائد إلى الحكيم الخبير، والمعنى: إنني لكم نذير وبشير من جهته.

البحث الثاني: أن قوله: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله ﴾ مشتمل على المنع عن عبادة غير الله، وعلى الترغيب في عبادة الله تعالى، فهو عليه الصلاة والسلام نذير على الأول بإلحاق العذاب الشديد لمن لم يأت بها وبشير على الثاني بإلحاق الثواب العظيم لمن أتى بها.

واعلم أنه صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا لهذين الأمرين، وهو الإنذار على فعل ما لا ينبغي، والبشارة على فعل ما ينبغي.

المرتبة الثانية: من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ﴾ .

والمرتبة الثالثة: قوله: ﴿ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ﴾ واختلفوا في بيان الفرق بين هاتين المرتبتين على وجوه: الوجه الأول: أن معنى قوله: ﴿ وَأَنِ استغفروا ﴾ اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة، فقال: ﴿ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ﴾ لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والأمر في الحقيقة كذلك، لأن المذنب معرض عن طريق الحق، والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالإعراض عما يضاده، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات، وأن التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة.

الوجه الثاني: في فائدة هذا الترتيب أن المراد: استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا إليه في المستأنف.

الوجه الثالث: وأن استغفروا من الشرك والمعاصي، ثم توبوا من الأعمال الباطلة.

الوجه الرابع: الاستغفار طلب من الله لإزالة ما لا ينبغي والتوبة سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي، فقدم الاستغفار ليدل على أن المرء يجب أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي يقدر على تحصيله، ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة لأنها عمل يأتي به الإنسان ويتوسل به إلى دفع المكروه والاستعانة بفضل الله تعالى مقدمة على الاستعانة بسعي النفس.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاثة ذكر بعدها ما يترتب عليها من الآثار النافعة والنتائج المطلوبة، ومن المعلوم أن المطالب محصورة في نوعين، لأنه إما أن يكون حصولها في الدنيا أو في الآخرة، أما المنافع الدنيوية: فهي المراد من قوله: ﴿ يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ وهذا يدل على أن المقبل على عبادة الله والمشتغل بها يبقى في الدنيا منتظم الحال مرفه البال، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» وقال أيضاً: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء تم الأمثل فالأمثل».

وقال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ  ﴾ فهذه النصوص دالة على أن نصيب المشتغل بالطاعات في الدنيا هو الشدة والبلية.

ومقتضى هذه الآية أن نصيب المشتغل بالطاعات الراحة في الدنيا فكيف الجمع بينهما؟

الجواب: من وجوه: الأول: المراد أنه تعالى لا يعذبهم بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل القرى الذين كفروا.

الثاني: أنه تعالى يوصل إليهم الرزق كيف كان، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ  ﴾ الثالث: وهو الأقوى عندي أن يقال إن المشتغل بعبادة الله وبمحبة الله مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله وفناؤه، فكل من كان إمعانه في ذلك الطريق أكثر وتوغله فيه أتم كان انقطاعه عن الخلق أتم وأكمل، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر، كان الابتهاج والسرور أتم، لأنه أمن من تغير مطلوبه، وأمن من زوال محبوبه، فأما من كان مشتغلاً بحب غير الله، كان أبداً في ألم الخوف من فوات المحبوب وزواله، فكان عيشه منغصاً وقلبه مضطرباً، ولذلك قال الله تعالى في صفة المشتغلين بخدمته ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً  ﴾ .

السؤال الثاني: هل يدل قوله: ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ على أن للعبد أجلين، وأنه يقع في ذلك التقديم والتأخير؟

والجواب: لا.

ومعنى الآية أنه تعالى حكم بأن هذا العبد لو اشتغل بالعبادة لكان أجله في الوقت الفلاني، ولو أعرض عنها لكان أجله في وقت آخر، لكنه تعالى عالم بأنه لو اشتغل بالعبادة أم لا فإن أجله ليس إلا في ذلك الوقت المعين، فثبت أن لكل إنسان أجلاً واحداً فقط.

السؤال الثالث: لم سمى منافع الدنيا بالمتاع؟

الجواب: لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها، ونبه على كونها منقضية بقوله تعالى: ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ فصارت هذه الآية دالة على كونها حقيرة خسيسة منقضية، ثم لما بين تعالى ذلك قال: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ والمراد منه السعادات الأخروية، وفيها لطائف وفوائد.

الفائدة الأولى: أن قوله: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ معناه ويؤت كل ذي فضل موجب فضله ومعلوله والأمر كذلك وذلك لأن الإنسان إذا كان في نهاية البعد عن الاشتغال بغير الله وكان في غاية الرغبة في تحصيل أسباب معرفة الله تعالى فحينئذ يصير قلبه فصاً لنقش الملكوت ومرآة يتجلى بها قدس اللاهوت، إلا أن العلائق الجسدانية الظلمانية تكدر تلك الأنوار الروحانية، فإذا زالت هذه العلائق أشرقت تلك الأنوار وتلألأت تلك الأضواء وتوالت موجبات السعادات، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ .

الفائدة الثانية: أن هذا تنبيه على أن مراتب السعادات في الآخرة مختلفة وذلك لأنها مقدرة بمقدار الدرجات الحاصلة في الدنيا، فلما كان الإعراض عن غير الحق والإقبال على عبودية الحق درجات غير متناهية، فكذلك مراتب السعادات الأخروية غير متناهية، فلهذا السبب قال: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ .

الفائدة الثالثة: أنه تعالى قال في منافع الدنيا: ﴿ يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا ﴾ وقال في سعادات الآخرة ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ وذلك يدل على أن جميع خيرات الدنيا والآخرة ليس إلا منه وليس إلا بإيجاده وتكوينه وإعطاءه وجوده.

وكان الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى يقول: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب، فأكثر الناس عقولهم ضعيفة واشتغال عقولهم بهذه الوسائط الفانية يعميها عن مشاهدة أن الكل منه، فأما الذين توغلوا في المعارف الإلهية وخاضوا في بحار أنوار الحقيقة علموا أن ما سواه ممكن لذاته موجود بإيجاده، فانقطع نظرهم عما سواه وعلموا أنه سبحانه وتعالى هو الضار والنافع والمعطي والمانع.

ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحوال قال: ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ والأمر كذلك، لأن من اشتغل بعبادة غير الله صار في الدنيا أعمى، ﴿ مَن كَانَ فِي هذه أعمى فَهُوَ فِي الأخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً  ﴾ والذي يبين ذلك أن من أقبل على طلب الدنيا ولذاتها وطيباتها قوي حبه لها ومال طبعه إليها وعظمت رغبته فيها، فإذا مات بقي معه ذلك الحب الشديد والميل التام وصار عاجزاً عن الوصول إلى محبوبه، فحينئذ يعظم البلاء ويتكامل الشقاء، فهذا القدر المعلوم عندنا من عذاب ذلك اليوم، وأما تفاصيل تلك الأحوال فهي غائبة عنا ما دمنا في هذه الحياة الدنيوية.

ثم بين أنه لابد من الرجوع إلى الله تعالى بقوله: ﴿ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ على شَيء قَدِيرٌ ﴾ .

واعلم أن قوله: ﴿ إلى الله مَرْجِعُكُمْ ﴾ فيه دقيقة، وهي: أن هذا اللفظ يفيد الحصر، يعني أن مرجعنا إلى الله لا إلى غيره، فيدل هذا على أن لا مدبر ولا متصرف هناك إلا هو والأمر كذلك أيضاً في هذه الحياة الدنيوية، إلا أن أقواماً اشتغلوا بالنظر إلى الوسائط فعجزوا عن الوصول إلى مسبب الأسباب، فظنوا أنهم في دار الدنيا قادرون على شيء، وأما في دار الآخرة، فهذا الحال الفاسد زائل أيضاً، فلهذا المعنى بين هذا الحصر بقوله: ﴿ إلى الله مَرْجِعُكُمْ ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ وأقول إن هذا تهديد عظيم من بعض الوجوه وبشارة عظيمة من سائر الوجوه.

أما إنه تهديد عظيم فلأن قوله تعالى: ﴿ إلى الله مَرْجِعُكُمْ ﴾ يدل على أنه ليس مرجعنا إلا إليه، وقوله: ﴿ وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ يدل على أنه قادر على جميع المقدورات لا دافع لقضائه ولا مانع لمشيئته والرجوع إلى الحاكم الموصوف بهذه الصفة مع العيوب الكثيرة والذنوب العظيمة مشكل وأما أنه بشارة عظيمة فلأن ذلك يدل على قدرة غالبة وجلالة عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف تام وعجز عظيم لهذا العبد، والملك القاهر العالي الغالب إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يخلصه من الهلاك، ومنه المثل المشهور: ملكت فاسجح.

يقول مصنف هذا الكتاب: قد أفنيت عمري في خدمة العلم والمطالعة للكتب ولا رجاء لي في شيء إلا أني في غاية الذلة والقصور والكريم إذا قدر غفر، وأسألك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين وساتر عيوب المعيوبين ومجيب دعوة المضطرين أن تفيض سجال رحمتك على ولدي وفلذة كبدي وأن تخلصنا بالفضل والتجاوز والجود والكرم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ ﴾ مفعول له على معنى: لئلا تعبدوا.

أو تكون (إن) مفسرة؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول، كأنه قيل قال لا تعبدوا إلا الله، أو أمركم أن لا تعبدوا إلا الله ﴿ وَأَنِ استغفروا ﴾ أي أمركم بالتوحيد والاستغفار.

ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، إغراء منه على اختصاص الله بالعبادة.

ويدل عليه قوله: ﴿ إِنّنى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾ كأنه قال: ترك عبادة غير الله، إنني لكم منه نذير، كقوله تعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ [محمد: 4] والضمير في ﴿ مِّنْهُ ﴾ لله عز وجل، أي: إنني لكم نذير وبشير من جهته، كقوله: ﴿ رَسُولٌ مّنَ الله ﴾ [البينة: 2] أو هي صلة لنذير، أي: أنذركم منه ومن عذابه إن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم.

فإن قلت: ما معنى ثم في قوله: ﴿ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ﴾ ؟

قلت: معناه استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

أو استغفروا، والاستغفار توبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها، كقوله: ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ [الأحقاف: 13] .

﴿ يُمَتّعْكُمْ ﴾ يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية، من عيشة واسعة، ونعمة متتابعة ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ إلى أن يتوفاكم، كقوله: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً ﴾ [النحل: 97] ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه.

أو فضله في الثواب، والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ وإن تتولوا ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ هو يوم القيامة، وصف بالكبر كما وصف بالعظم والثقل.

وبين عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادر على كل شيء، فكان قادراً على أشدّ ما أراد من عذابهم لا يعجزه.

وقرئ: ﴿ وإن تولوا ﴾ من ولي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ لِأنْ لا تَعْبُدُوا.

وقِيلَ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً لِلْإغْراءِ عَلى التَّوْحِيدِ أوِ الأمْرُ بِالتَّبَرِّي مِن عِبادَةِ الغَيْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِمَعْنى الزَمُوهُ أوِ اتْرُكُوها تَرْكًا.

﴿ إنَّنِي لَكم مِنهُ ﴾ مِنَ اللَّهِ.

﴿ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ بِالعِقابِ عَلى الشِّرْكِ والثَّوابِ عَلى التَّوْحِيدِ.

﴿ وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى ألّا تَعْبُدُوا.

﴿ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ﴾ ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلى مَطْلُوبِكم بِالتَّوْبَةِ فَإنَّ المَعْرِضَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الرُّجُوعِ.

وقِيلَ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ تُوبُوا إلى اللَّهِ بِالطّاعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

﴿ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا ﴾ يُعَيِّشُكم في أمْنٍ ودَعَةٍ.

﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو آخِرُ أعْمارِكُمُ المُقَدَّرَةِ، أوْ لا يُهْلِكُكم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ والأرْزاقِ والآجالِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالأعْمارِ لَكِنَّها مُسَمّاةٌ بِالإضافَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا تَتَغَيَّرُ.

﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ ويُعْطِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في دِينِهِ جَزاءَ فَضْلِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو وعْدٌ لِلْمُوَحِّدِ التّائِبِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ.

﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ وإنْ تَتَوَلَّوْا.

﴿ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ يَوْمَ الشَّدائِدِ وقَدِ ابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ.

وقُرِئَ وإنْ ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ مِن ولِيَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله} مفعول له أي لئلا تعبدوا أو أن مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القوم كأنه قيل قال لاتعبدوا إلا الله أو أمركم ألا تعبدوا إلا الله {إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} أي من الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ عَلى جَعْلِ أنَّ مَصْدَرِيَّةً وتَقْدِيرُ اللّامِ مَعَها كَأنَّهُ قِيلَ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِئَلّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ أيْ لِتَتْرُكُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَتَمَحَّضُوا لِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ الإحْكامَ والتَّفْصِيلَ مِمّا يَدْعُوهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعاتِ قاطِبَةً وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِما في التَّفْصِيلِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فُصِّلَ وقالَ: لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ أوْ أُمِرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وقِيلَ: إنَّ هَذا كَلامٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ اتِّصالًا لَفْظِيًّا بَلْ هو ابْتِداءُ كَلامٍ قُصِدَ بِهِ الإغْراءُ عَلى التَّوْحِيدِ عَلى لِسانِهِ  و(أنْ) وما بَعْدَها في حَيِّزِ المَفْعُولِ بِهِ لِمُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: الزَمُوا تَرْكَ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ ما قَبْلُ أيْضًا مَفْعُولًا بِهِ بِتَقْدِيرِ قُلْ أوَّلَ الكَلامِ خِلافُ الظّاهِرِ ومِثْلُهُ احْتِمالُ كَوْنِ (أنَّ) والفِعْلِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحْسُنُ أوْ لا يَجُوزُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ 2﴾ ضَمِيرُ الغائِبِ المَجْرُورِ لِلَّهِ تَعالى ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في الأصْلِ صِفَةُ النَّكِرَةِ فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْها صارَ حالًا كَما هو المَعْرُوفُ في أمْثالِهِ أيْ إنِّي لَكم مِن جِهَتِهِ تَعالى نَذِيرٌ أُنْذِرُكم عَذابَهُ إنْ لَمْ تَتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وبَشِيرٌ أُبَشِّرُكم ثَوابَهُ إنْ آمَنتُمْ وتَمَحَضْتُمْ في عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وجُوِّزَ كَوْنَ (مِن) صِلَةَ النَّذِيرِ والضَّمِيرُ إمّا لَهُ تَعالى أيْضًا والمَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ نَذِيرٌ مِن أجْلِ عَذابِهِ وإمّا لِلْكِتابِ عَلى مَعْنى إنِّي لَكم نَذِيرٌ مِن مُخالَفَتِهِ وبَشِيرٌ لِمَن آمَنَ بِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مكية، وهي مائة وثلاث وعشرون آية قال الله تعالى: الر قال ابن عباس يعني: أنا الله أرى، ويقال: الألف الله آلاؤه، واللام لطفه، والراء ربوبيته.

كِتابٌ يعني: هذا الكتاب، وهو القرآن أُحْكِمَتْ آياتُهُ من الباطل، فلم يوجد فيه عوج ولا تناقض.

ثُمَّ فُصِّلَتْ يعني: بيَّن أمره ونهيه.

وقال الحسن: أُحْكِمَتْ آياتُهُ بالأمر والنهي، وفصلت بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب.

وقال مجاهد: فُصِّلَتْ أي: فُسِّرت.

وقال القتبي: أُحْكِمَتْ، فلم تنسخ، ثم فُصِّلَتْ بالحلال والحرام.

ويقال: فُصِّلَتْ يعني: أنزلت شيئاً بعد شيء، فلم تنزل جملة.

مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ يعني: أنزل جبريل على محمد  من عند الله تعالى قال: حَكِيمٍ في أمره، خَبِيرٍ بالعباد وبأعمالهم، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يعني: نزل جبريل بالقرآن، وقد بيَّنَ فيه، ألا توحدوا ولا تطيعوا غير الله، إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ يعني: قل لهم يا محمد إنني لكم من الله تعالى نَذِيرٌ يعني: مخوفا من عذابه للكافرين، وَبَشِيرٌ بالجنة للمؤمنين.

وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من الذنوب ويقال: صلّوا لربكم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يعني: وتوبوا إليه من الشرك والذنوب يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً يعني: يُعَيِّشْكُمْ في الدنيا عيشاً حسناً في خير وعافية، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى منتهى آجالكم.

وقال القتبي: أصل الإمتاع الإطالة، يقال: حبل ماتع وقد متع النهار إذا طال.

يُمَتِّعْكُمْ يعني: يُعَمِّركم، ويقال: يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً يعني: يجعلكم راضين بما يعطيكم، ويقال: ويجعل حياتكم في الطاعة.

ثم قال: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ- يعني: يعطي في الآخرة كل ذي فضل في العمل في الدنيا فضله، والدرجات.

وروى جويبر، عن الضحاك، قال: يؤت كل ذي عمل ثواب عمله (١) «هلك من غلب آحاده أعشاره» .

وَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أعرضوا عن الإيمان فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يعني: قل لهم يا محمد: إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ يعني: القحط.

قال مقاتل: حبس الله تعالى عنهم القطر سبع سنين حتى أكلوا الموتى.

ويقال: فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ، يعني: عذاب النار يوم القيامة.

ويقال: فَإِنِّي أَخافُ، يعني: أعلم، فيوضع الخوف موضع العلم، لأن فيه طرفاً من العلم.

ثم قال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ يعني: مصيركم في الآخرة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: هو قادر على بعثكم بعد الموت.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة هود]

مكية إلا نحو ثلاث آيات قال الداوديّ: وعن أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه، قلت: يا رسول الله، لقد أسرع إليك الشّيب؟!

قال: «شيّبتني «هود» و «الواقعة» و «المرسلات» و «عمّ يتساءلون» و «إذا الشّمس كوّرت» «١» ، وفي رواية عن ابن عباس: «هود وأخواتها» .

انتهى «٢» .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فُصِّلَتْ آياتُهُ بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ﴿ وَأنِ اسْتَغْفِرُوا ﴾ .

و " أنْ " في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِإلْقائِكَ الخافِضَ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: آمُرُكم أنْ لا تَعْبُدُوا [إلّا اللَّهَ] وأنِ اسْتَغْفِرُوا.

قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِهَذِهِ العِبادَةِ: التَّوْحِيدُ.

والخِطابُ لِكُفّارِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ هاهُنا مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: اسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ السّالِفَةِ، ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ مِنَ المُسْتَأْنَفَةِ مَتى وقَعَتْ.

وذُكِرَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِالرِّزْقِ والسَّعَةِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْمَرَكم.

وأصْلُ الإمْتاعِ: الإطالَةُ، يُقالُ: أمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، ومَتَّعَ اللَّهُ بِكَ، إمْتاعًا ومَتاعًا، والشَّيْءُ الطَّوِيلُ: ماتِعٌ، يُقالُ: جَبَلٌ ماتِعٌ، وقَدْ مَتَعَ النَّهارُ: إذا تَطاوَلَ.

وَفِي المُرادِ بِالأجَلِ المُسَمّى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ مِن حَسَنَةٍ وخَيْرِ فَضْلِهِ، وهو الجَنَّةُ.

والثّانِي: يُؤْتِيهِ فَضْلَهُ مِنَ الهِدايَةِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَبْدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ويُؤْتِ كُلَّ مَن زادَ في إحْسانِهِ وَطاعاتِهِ ثَوابَ ذَلِكَ الفَضْلِ الَّذِي زادَهُ، فَيُفَضِّلُهُ في الدُّنْيا بِالمَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ: تُعْرِضُوا عَمّا أُمِرْتُمْ بِهِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: " وإنْ تُوَلُّوا " بِضَمِّ التّاءِ.

﴿ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ إضْمارُ " فَقُلْ " .

واليَوْمُ الكَبِيرُ: يَوْمُ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ  ﴾ ، وقَوْلَهُ: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ ، ونَزَلَتْ في ابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وقَوْلَهُ: ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ  ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في شَأْنِ الثِمارِ.

وهَذِهِ الثَلاثُ مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ، عَلى أنَّ الأُولى تُشْبِهُ المَكِّيَّ.

وإذا أرَدْتَ بِـ"هُودٍ" اسْمَ السُورَةِ لَمْ يَنْصَرِفْ، كَما تَفْعَلُ إذا سَمَّيْتَ امْرَأةً بِـ" عَمْرٍو " و"زَيْدٍ"، وإذا أرَدْتَ سُورَةَ "هُودٍ" صَرَفْتَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ ﴿ وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ ﴿ إلى اللهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ القَوْلِ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُورِ، وتَخْتَصُّ هَذِهِ بِأنْ قِيلَ: إنَّ (الرَحْمَنَ) فُرِّقَتْ حُرُوفُهُ فِيها، وفي "حَم" وفي "ن والقَلَمِ".

وَ"كِتابٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، فَمَن قالَ: "الحُرُوفُ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ" كانَتِ الحُرُوفُ المُبْتَدَأ، ومَن تَأوَّلَ الحُرُوفَ غَيْرَ ذَلِكَ كانَ المُبْتَدَأُ: هَذا كِتابٌ، والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ.

و"أُحْكِمَتْ" مَعْناهُ: أُتْقِنَتْ وأُجِيدَتْ شِبْهَ ما تُحَكَمُ مِنَ الأُمُورِ المُتْقَنَةِ الكامِلَةِ، وبِهَذِهِ الصِفَةِ كانَ القُرْآنُ في الأزَلِ، ثُمَّ فُصِّلَ بِتَقْطِيعِهِ وتَنْوِيعِ أحْكامِهِ وأوامِرِهِ عَلى مُحَمَّدٍ  في أزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَـ "ثُمَّ" عَلى بابِها، وهَذِهِ طَرِيقَةُ الإحْكامِ والتَفْصِيلِ، إذِ الإحْكامُ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ، والتَفْصِيلُ إنَّما هو بِحَسَبِ مَن يُفَصِّلُ لَهُ، والكِتابُ بِأجْمَعِهِ مُحْكَمٌ مُفَصَّلٌ، والإحْكامُ الَّذِي هو ضِدُّ النَسْخِ والتَفْصِيلُ الَّذِي هو خِلافُ الإجْمالِ إنَّما يُقالانِ مَعَ ما ذَكَرْناهُ بِاشْتِراكٍ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ: أُحْكِمَتْ بِالأمْرِ والنَهْيِ، وفُصِّلَتْ بِالثَوابِ والعِقابِ، وعن بَعْضِهِمْ: أُحْكِمَتْ مِنَ الباطِلِ، وفُصِّلَتْ بِالحَلالِ والحَرامِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَخْصِيصِ الَّذِي هو صَحِيحُ المَعْنى ولَكِنْ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ.

وقالَ قَوْمٌ: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ مَعْناهُ: فُسِّرَتْ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ - فِيما رُوِيَ عنهُ-: "ثُمَّ فَصَلَتْ" بِفَتْحِ الفاءِ والصادِ واللامِ، ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فَصَلَتْ أيْ: نَزَلَتْ إلى الناسِ، كَما تَقُولُ: "فَصَلَ فَلانٌ" لِسَفَرِهِ ونَحْوِ هَذا مِنَ المَعْنى.

والثانِي: فَصَلَتْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ مِنَ الناسِ.

و ﴿ مِن لَدُنْ ﴾ مَعْناها: مِن حَيْثُ ابْتُدِئَتِ الغايَةُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، وفِيها لُغاتٌ.

يُقالُ: "لَدْنٌ" و"لُدْنٌ" بِسُكُونِ الدالِ، وقُرِئَ بِهِما "مِن لَدُنْ"، ويُقالُ: "لَدُ" بِفَتْحِ اللامِ وضَمِّ الدالِ دُونَ نُونٍ، ويُقالُ: "لَدًى"، بِدالٍ مُنَوَّنَةٍ مَقْصُورَةٍ.

ويُقالُ: "لَدٍ" بِدالٍ مَكْسُورَةٍ مُنَوَّنَةٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ.

و"حَكِيمٍ" أيْ: مُحْكِمٌ، و"خَبِيرٍ" أيْ: ذُو خِبْرَةٍ بِالأُمُورِ أجْمَعَ.

﴿ ألا تَعْبُدُوا ﴾ ، "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ "بِأنْ" وإسْقاطِ الخافِضِ، وقِيلَ: عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ "الآياتِ"، وهَذا مُعْتَرَضٌ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا مَوْضِعَ لِلْآياتِ، وإنْ نُظِرَ مَوْضِعُ الجُمْلَةِ فَهو رَفْعٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: "تَفْصِيلُهُ ألّا تَعْبُدُوا"، وقِيلَ: عَلى البَدَلِ مِن لَفْظِ "الآياتِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ أيْ: مِن عِقابِهِ وبِثَوابِهِ، وإذا أُطْلِقَتْ هاتانِ اللَفْظَتانِ فالنِذارَةُ في المَكْرُوهِ والبِشارَةُ في المَحْبُوبِ، وقُدِّمَ "النَذِيرُ" لِأنَّ التَحْذِيرَ مِنَ النارِ هو الأهَمُّ، و"أنْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها.

ومَعْنى الآيَةِ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، أيِ:اطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ لَكم وذَلِكَ بِطَلَبِ دُخُولِكم في الإسْلامِ، ثُمَّ تُوبُوا مِنَ الكُفْرِ، أيِ:انْسَلَخُوا مِنهُ وانْدَمُوا عَلى سالِفِهِ.

و"ثُمَّ" مُرَتِّبَةٌ لِأنَّ الكافِرَ أوَّلَ ما يُنِيبُ فَإنَّهُ في طَلَبِ مَغْفِرَةِ رَبِّهِ، فَإذا تابَ وتَجَرَّدَ مِنَ الكُفْرِ تَمَّ إيمانُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "يُمَتِّعْكُمْ" بِشَدِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُمْتِعْكُمْ" بِسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ التاءِ، وفي كِتابِ أبِي حاتِمٍ: "إنَّ هَذِهِ القِراءاتِ بِالنُونِ"، وفي هَذا نَظَرٌ.

و"مَتاعًا" مَصْدَرٌ جارٍ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ المُتَقَدِّمِ مَثَّلَ: ﴿ واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا  ﴾ .

وقِيلَ: نُصِبَ بِتَعَدِّي "يُمَتِّعْكُمْ" لِأنَّكَ تَقُولُ: مَتَّعْتُ زَيْدًا ثَوْبًا.

ووَصْفُ المَتاعِ بِالحُسْنِ إنَّما هو لِطِيبِ عَيْشِ المُؤْمِنِ بِرَجائِهِ في اللهِ عَزَّ وجَلَّ وفي ثَوابِهِ، وفَرَحِهِ بِالتَقَرُّبِ إلَيْهِ بِمُفْتَرِضاتِهِ، والسُرُورِ بِمَواعِيدِهِ، والكافِرُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذا.

وأمّا مَن قالَ بِأنَّ المَتاعَ الحَسَنَ هو فَوائِدُ الدُنْيا وزِينَتُها، فَيَضْعُفُ بِأنَّ الكَفَرَةَ يَتَشارَكُونَ في ذَلِكَ أعْظَمَ مُشارَكَةٍ.

والأجَلُ المُسَمّى هو أجَلُ المَوْتِ، مَعْناهُ: إلى أجَلٍ مُسَمًّى لِكُلِّ واحِدٍ مِنكُمْ، وهَذا ظاهِرُ الآيَةِ، والأجَلُ الكَبِيرُ - عَلى هَذا- هو يَوْمُ القِيامَةِ.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ التَوَعُّدُ بِتَعْجِيلِ العَذابِ إنْ كَفَرُوا، والوَعْدِ بِتَمْتِيعِهِمْ إنْ آمَنُوا، فَتُشْبِهُ ما قالَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، واليَوْمُ الكَبِيرُ -عَلى هَذا- كَيَوْمِ بَدْرٍ ونَحْوِهِ، والمَجْهَلَةُ -فِي أيِّ الأمْرَيْنِ يَكُونُ- إنَّما هي بِحَسَبِ البَشَرِ، والأمْرُ عِنْدَ اللهِ تَعالى مَعْلُومٌ مُحَصَّلٌ، والأجَلُ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ أيْ كُلَّ ذِي إحْسانٍ بِقَوْلِهِ أو بِفِعْلِهِ أو بِقُوَّتِهِ أو بِمالِهِ أو غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَقَرَّبَ بِهِ، و"فَضْلَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ فِيهِ عَلى "ذِي" أيْ: ثَوابَ فَضْلِهِ وجَزاءَهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ فِيهِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ: يُؤْتِي اللهُ فَضْلَهُ كُلَّ ذِي فَضْلٍ وعَمَلٍ صالِحٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى ما وعَدَ بِهِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن تَضْعِيفِ الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها، ومِنَ التَضْعِيفِ غَيْرُ مَحْصُورٍ لِمَن شاءَ.

وهَذا التَأْوِيلُ تَأوَّلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وقالَ: "وَيْلٌ لِمَن غَلَبَتْ آحادُهُ عَشَراتِهِ".

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُوافِقًا لِلْمَعْنى الأوَّلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَإنْ تَوَلَّوْا" بِفَتْحِ التاءِ واللامِ، فَبَعْضُهم قالَ: مَعْناهُ: الغَيْبَةُ، أيْ: فَقُلْ لَهُمْ: إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: "فَإنْ تَتَوَلَّوْا" فَحُذِفَتِ التاءُ، والآيَةُ كُلُّها عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَإنْ تُوَلُّوا" بِضَمِّ التاءِ واللامِ وفَتْحِ الواوِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ تَوَعُّدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمًا مِنَ الدُنْيا كَبَدْرٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ تَوَعُّدٌ، وهو يُؤَيِّدُ أنَّ اليَوْمَ الكَبِيرَ يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّهُ تَوَعَّدَ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَرِيقَ إلَيْهِ مِنَ الرُجُوعِ إلى اللهِ.

والمَعْنى: إلى عِقابِهِ وجَزائِهِ رُجُوعُكُمْ، وهو القادِرُ الَّذِي لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، ولا يُجِيرُ عَلَيْهِ مُجِيرٌ، ولا تَنْفَعُ مِن قَضائِهِ واقِيَةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، دُونَ ما لا يُوصَفُ اللهُ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِنَ المُحاوَلاتِ وغَيْرِها الَّتِي هي الأشْياءُ.

والشَيْءُ في اللُغَةِ: المَوْجُودُ، وما يَتَحَقَّقُ أنَّهُ يُوجَدُ كَزَلْزَلَةِ الساعَةِ وغَيْرِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

(أنْ) تفسيرية لما في معنى ﴿ أحكمت آياتُه ثُم فصلت ﴾ [هود: 1] من الدلالة على أقوال محكمة ومفصلة فكأنه قيل: أوحي إليك في هذا الكتاب أن لا تعبدوا إلا الله، فهذه الجملة تفسيرية لما أحكم من الآيات لأن النهي عن عبادة غير الله وإيجاب عبادة الله هو أصل الدين، وإليه مرجع جميع الصفات التي ثبتت لله تعالى بالدليل، وهو الذي يتفرع عنه جميع التفاصيل، ولذلك تكرر الأمر بالتوحيد والاستدلال عليه في القرآن، وأن أول آية نزلت كان فيها الأمرُ بملابسة اسم الله لأول قراءة القرآن في قوله تعالى: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ [العلق: 1].

والخطاب في ﴿ ألاَّ تعبدوا ﴾ وضمائر الخطاب التي بعده موجهة إلى الذين لم يؤمنوا وهم كل من يسمع هذا الكلام المأمور بإبلاغه إليهم.

وجملة: ﴿ إنني لكم منه نذير وبشير ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ [هود: 1] وجملة ﴿ وأن استغفروا ربكم ﴾ [هود: 3] الآية، وهو اعتراض للتحذير من مخالفة النهي والتحريض على امتثاله.

ووقوع هذا الاعتراض عقب الجملة الأولى التي هي من الآيات المحكمات إشعارٌ بأن مضمونه من الآيات المحكمات وإن لم تكن الجملة تفسيرية وذلك لأن شأن الاعتراض أن يكون مناسباً لما وقع بعده وناشئاً منه فإن مضمون البشير والنذير هو جامع عمل الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته فهو بشير لمن آمن وأطاع، ونذير لمن أعرض وعصى، وذلك أيضاً جامع للأصول المتعلقة بالرسالة وأحوال الرسل وما أخبروا به من الغيب فاندرج في ذلك العقائد السمعية، وهذا عين الإحكام.

و (من) في قوله: ﴿ إنني لكم منه ﴾ ابتدائية، أي أني نذير وبشير لكم جائياً من عند الله.

والجمع بين النذارة والبشارة لمقابلة ما تضمنته الجملة الأولى من طلب ترك عبادة غير الله بطريق النهي وطلب عبادة الله بطريق الاستثناء، فالنذارة ترجع إلى الجزء الأول، والبشارة ترجع إلى الجزء الثاني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ هُودٍ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَةً وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ \[هُودًا: ١١٤\].

﴿ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ ﴿ وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ ﴿ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الر كِتابٌ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أُحْكِمَتْ آياتُهُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ ثُمَّ فُصِّلَتْ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أُحْكِمَتْ آياتُهُ مِنَ الباطِلِ ثُمَّ فُصِّلَتْ بِالحَلالِ والحَرامِ والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّالِثُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ بِأنْ جُعِلَتْ آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ كُلُّها مُحْكَمَةً ثُمَّ فُصِّلَتْ بِأنْ فُسِّرَتْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الرّابِعُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ لِلْمُعْتَبِرِينَ، وفُصِّلَتْ آياتُهُ لِلْمُتَّقِينَ.

الخامِسُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ في القُلُوبِ، وفُصِّلَتْ أحْكامُهُ عَلى الأبْدانِ.

﴿ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن عِنْدِ حَكِيمٍ في أفْعالِهِ، خَبِيرٍ بِمَصالِحِ عِبادِهِ.

الثّانِي: حَكِيمٌ بِما أنْزَلَ، خَبِيرٌ بِمَن يَتَقَبَّلُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ كَتَبْتُ في الكِتابِ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ ﴿ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَذِيرٌ مِنَ النّارِ، وبَشِيرٌ بِالجَنَّةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اسْتَغْفِرُوهُ مِن سالِفِ ذُنُوبِكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ مِنَ المُسْتَأْنِفِ مَتى وقَعَتْ مِنكم.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الِاسْتِغْفارُ بِلا إقْلاعٍ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ.

الثّانِي: أنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفارِ لِأنَّ المَغْفِرَةَ هي الغَرَضُ المَطْلُوبُ والتَّوْبَةُ هي السَّبَبُ إلَيْها، فالمَغْفِرَةُ أوَّلُ في الطَّلَبِ وآخِرُ في السَّبَبِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الصَّغائِرِ وتُوبُوا إلَيْهِ مِنَ الكَبائِرِ ﴿ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ طِيبُ النَّفْسِ وسَعَةُ الرِّزْقِ.

الثّانِي: أنَّهُ الرِّضا بِالمَيْسُورِ، والصَّبْرُ عَلى المَقْدُورِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَرْكُ الخَلْقِ والإقْبالِ عَلى الحَقِّ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ويَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَلالُ الكافِي.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي لا كَدَّ فِيهِ ولا طَلَبَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المُقْتَرِنُ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ.

﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: إلى يَوْمِ المَوْتِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: إلى وقْتٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَهْدِيهِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يُجازِيهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، عَلى قَوْلِ قَتادَةَ.

وَيَجُوزُ أنْ يُجازِيَهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ يَعْنِي عَمّا أُمِرْتُمْ لَهُ.

﴿ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ وفِيهِ إضْمارٌ وتَقْدِيرٌ: فَقُلْ لَهم إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ وصَفَهُ بِذَلِكَ لِكِبَرِ الأُمُورِ الَّتِي هي فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ الر كتاب أحكمت آياته ﴾ قال: هي كلها مكية محكمة يعني سورة هود ﴿ ثم فصلت ﴾ قال: ثم ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم فحكم فيها بينه وبين من خالفه، وقرأ مثل الفريقين الآية كلها، ثم ذكر قوم نوح، ثم قوم هود فكان هذا تفصيل ذلك وكان أوله محكماً.

قال: وكان أبي رضي الله عنه يقول ذلك: يعني زيد بن أسلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ﴾ قال: أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالوعد والوعيد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم فصلت ﴾ قال: فسرت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ﴾ قال: أحكمها الله من الباطل ثم فصلها بعلمه فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته، وفي قوله: ﴿ من لدن حكيم ﴾ يعني من عند حكيم.

وفي قوله: ﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ قال: فأنتم في ذلك المتاع فخذوه بطاعة الله ومعرفة حقه فإن الله منعم يحب الشاكرين، وأهل الشكر في مزيد من الله وذلك قضاؤه الذي قضى، وفي قوله: ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ يعني الموت، وفي قوله: ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي في الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ قال: ما احتسب به من ماله أو عمل بيديه أو رجليه أو كلامه، أو ما تطوّل به من أمره كله.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ قال: يؤت كل ذي فضل في الإِسلام فضل الدرجات في الآخرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذت من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشاره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾ ، قال الزجاج (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّنِي لَكُمْ ﴾ ، قال صاحب النظم (٦)  ، ولو كان الخطاب عن الله تعالى لقال إنه لكم، والتأويل في النظم: قل لهم يا محمد ﴿ الر كِتَابٌ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾ إلي قوله: ﴿ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ ، فهذا كله من كلام النبي  مأمورًا به أن يقوله، وقد قيل: إن نظمه مثل نظم قوله: ﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ  ﴾ الآية ..

وعلى تأويل] (٧) ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ ليقول للناس ويأمرهم ألا يعبدوا إلا الله.

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 38.

(٢) "معاني القرآن" 2/ 3.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 38.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٥) أي على القولين وأنها منصوبة.

(٦) هو: أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، (٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله ﴾ أن مفسرة وقيل مصدرية في موضع مفعول من أجله، أو بدل من الآيات، أو يكون كلاماً مستأنفاً منقطعاً عما قبله، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك قوله: إنني لكم منه نذير وبشير ﴿ وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ ﴾ أي استغفروه مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة عليها ﴿ يُمَتِّعْكُمْ متاعا حَسَناً ﴾ أي ينفعكم في الدنيا بالأرزاق، والنعم، والخيرات، وقيل: هو طيب عيش المؤمن برجائه في الله ورضاه بقضائه، لأنه الكافر قد يتمتع في الدنيا بالأرزاق ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ يعني إلى الموت ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ أي يعطي في الآخرة كل ذي عمل جزاء عمله، والضمير يحتمل أن يعود على الله تعالى أو على ذي فضل ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ خطاب للناس، وهو فعل مستقبل حذفت منه إحدى التاءين ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ يعني يوم القيامة أو غيره كيوم بدر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ : قال الحسن: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالأمر والنهي، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بالوعد والوعيد.

وقال بعضهم: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالوعد والوعيد، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بالأمر والنهي.

وقال بعضهم: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ حتى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يملك أحد التبديل، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بينت ما يؤتى و [ما] يتقى، أو بينت ما لهم وما عليهم وما لله عليهم.

وقال بعضهم: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ فلم تنسخ، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بالحلال والحرام.

وقيل: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ أي: فرقت في الإنزال أنزل شيء بعد شيء على قدر النوازل والأسباب فلم ينزل جملة؛ لأنه لو أنزل جملة لاحتاجوا إلى أن يعرفوا الكل بسببه وشأنه وخصوصه وعمومه، فإذا أنزل متفرقاً في أوقات مختلفة على النوازل والأسباب عرفوا ذلك على غير إعلام ولا بيان، والتفصيل هو اسم التفريق واسم التبيين، وذلك يحتمل المعنيين جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ : أي: أحكمت حتى لا يرد عليها النقض والانتقاض، أو أحكمت حتى لا يملك أحد التبديل والتغيير، أو أحكمت عن أن يقع فيها الاختلاف.

وقال بعضهم: أحكمت آياته بالفرائض، وفصّلت بالثواب والعقاب.

ثم ﴿ ٱلآيَاتِ ﴾ تحتمل وجوهاً: أحدها: العبر.

والثاني: الحجج.

والثالث: العلامة.

ثم الآية كل كلمة في القرآن تمت فهي [عبرة أو حجة] أو علامة لا تخلو عن أحد هذه الوجوه الثلاثة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ : من عند حكيم عليم جاءت هذه الآيات.

وقوله - عز وجل: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾ أي: من الله ينذر من ينذر ومن عنده يبشر من يبشر؛ يبشر من اتبع وينذر من خالف.

وقوله: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ في شهادة خلقتكم هو المستحق للعبادة ويحتمل ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ ﴾ ألاَّ توحدوا إلا الذي في شهادة خلقتكم وحدانيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : إن كانت الآية في الكفار فيكون قوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: أسلموا ثم توبوا إليه، أي: ارجعوا إليه عن كل معصية وكل مأثم تأتونها، وإن كان في المسلمين فهو ظاهر، فيكون قوله: استغفروا وتوبوا واحدا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً ﴾ أي: يمتعكم في الدنيا متاعاً تستحسنون في الآخرة ذلك التمتع، وأمّا الكفار فإنهم لا يستحسنون في الآخرة ما متعوا في الدنيا؛ لأن تمتعهم في الدنيا للدنيا، والمؤمن ما يتمتع في الدنيا يتمتع لأمر الآخرة والتزود لها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ ﴾ في الدنيا جزاء فضله في الآخرة.

ويحتمل ﴿ وَيُؤْتِ ﴾ بمعنى أتى، أي: ما أتى كل ذي فضل في الدنيا إنما أتاه بفضله.

وقوله: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ أي: ويؤت كل ذي فضل في دينه في الدنيا فضله في الآخرة، أو يقول: يؤت كل ذي فضل في الدنيا والآخرة فضله؛ لأن أهل الفضل في الدنيا هم أهل الفضل في الآخرة.

﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : ولم يسلموا، ﴿ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ الآية ظاهرة.

وقال بعضهم في موضع آخر، وهذا لما يكبر على الخلق ويعظم ذلك اليوم.

وقال بعض أهل الفقه: في قوله: ﴿ الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ دلالة تأخير البيان؛ لأنه قال: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ ، وحرف ثم من حروف الترتيب، ففيه جواز تأخير البيان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ أي: إلى ما أعد لكم مرجعكم من وعد ووعيد.

﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي: وهو على كل ما [أوعد ووعد] قدير.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

مضمون هذه الآيات المنزلة على محمد  : نهي العباد أن يعبدوا مع الله غيره، إنني -أيها الناس- مُخَوِّف لكم من عذاب الله إن كفرتم به وعصيتموه، ومبشركم بثوابه إن آمنتم به، وعملتم بشرعه.

<div class="verse-tafsir" id="91.7W0k6"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله