الآية ١٣ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٣ من سورة هود

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم بين تعالى إعجاز القرآن ، وأنه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ، ولا بعشر سور [ من ] مثله ، ولا بسورة من مثله; لأن كلام الرب لا يشبهه كلام المخلوقين ، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات ، وذاته لا يشبهها شيء ، تعالى وتقدس وتنزه ، لا إله إلا هو ولا رب سواه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : كفاك حجةً على حقيقة ما أتيتهم به، ودلالةً على صحة نبوّتك ، هذا القرآن ، من سائر الآيات غيره، إذ كانت الآيات إنما تكون لمن أعطيها دلالة على صدقه، لعجز جميع الخلق عن أن يأتوا بمثلها.

وهذا القرآن ، جميع الخلق عَجَزَةٌ عن أن يأتوا بمثله، (1) فان هم قالوا: " افتريته "، أي : اختلقته وتكذَّبته.

(2) * * * ، ودلّ على أن معنى الكلام ما ذكرنا ، قوله: (أم يقولون افتراه) إلى آخر الآية.

ويعني تعالى ذكره بقوله: (أم يقولون افتراه) ، أي : أيقولون افتراه ؟

* * * ، وقد دللنا على سبب إدخال العرب " أم " في مثل هذا الموضع .

(3) * * * ، فقل لهم: يأتوا بعشر سُور مثل هذا القرآن " مفتريات "، يعني مفتعلات مختلقات، إن كان ما أتيتكم به من هذا القرآن مفترًى ، وليس بآية معجزةٍ كسائر ما سُئلته من الآيات، كالكنـز الذي قلتم: هَلا أنـزل عليه ؟

أو الملك الذي قلتم: هلا جاء معه نذيرًا له مصدقًا !

فإنكم قومي ، وأنتم من أهل لساني، وأنا رجل منكم، ومحال أن أقدر أخلق وحدي مائة سورة وأربع عشرة سورة، ولا تقدروا بأجمعكم أن تفتروا وتختلقوا عشر سور مثلها، ولا سيما إذا استعنتم في ذلك بمن شئتم من الخلق.

يقول جل ثناؤه: قل لهم: وادعوا من استطعتم أن تدعوهم من دون الله ، يعني سوى الله، لا افتراء ذلك واختلاقه من الآلهة، فإن أنتم لم تقدروا على أن تفتروا عشر سور مثله، فقد تبين لكم أنكم كذبةٌ في قولكم : (افتراه)، وصحّت عندكم حقيقة ما أتيتكم به أنه من عند الله.

ولم يكن لكم أن تتخيروا الآيات على ربكم، وقد جاءكم من الحجة على حقيقة ما تكذبون به أنه من عند الله ، مثل الذي تسألون من الحجة وترغبون أنكم تصدِّقون بمجيئها.

* * * وقوله: (إن كنتم صادقين)، لقوله: (فأتوا بعشر سور مثله) ، وإنما هو: قل : فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، إن كنتم صادقين أن هذا القرآن افتراه محمد ، وادعوا من استطعتم من دون الله على ذلك ، من الآلهة والأنداد.

18008- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح: ( أم يقولون افتراه) ، قد قالوه ، (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات).

وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ، قال: يشهدون أنها مثله ، هكذا قال القاسم في حديثه.

(4) ------------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة : " جميع الخلق عجزت " ، غير ما في المخطوطة ، فأفسد الكلام إفسادًا .

(2) انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة ( فرى ) .

(3) انظر تفسير " أم " فيما سلف 2 : 492 / 3 : 97 / ثم 14 : 165 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(4) يعني أنه قال : " وادعوا شهداءكم " ، وإن لم يكن ذلك في هذه الآية ، بل هو في غيرها ، وهي آية سورة البقرة : 23 : ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " أم " بمعنى بل ، وقد تقدم في " يونس " أي قد أزحت علتهم وإشكالهم في نبوتك بهذا القرآن ، وحججتهم به ; فإن قالوا : افتريته - أي اختلقته - فليأتوا بمثله مفترى بزعمهم .وادعوا من استطعتم من دون الله أي من الكهنة والأعوان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } أي: افترى محمد هذا القرآن؟

فأجابهم بقوله: { قُلْ } لهم { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أنه قد افتراه ، فإنه لا فرق بينكم وبينه في الفصاحة والبلاغة، وأنتم الأعداء حقا، الحريصون بغاية ما يمكنكم على إبطال دعوته، فإن كنتم صادقين، فأتوا بعشر سور مثله مفتريات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم يقولون افتراه ) بل يقولون اختلقه ، ( قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) .

فإن قيل : قد قال في سورة يونس : " فأتوا بسورة مثله " ، وقد عجزوا عنه فكيف قال : ( فأتوا بعشر سور ) فهو كرجل يقول لآخر : أعطني درهما فيعجز ، فيقول : أعطني عشرة ؟

الجواب : قد قيل سورة هود نزلت أولا .

وأنكر المبرد هذا ، وقال : بل نزلت سورة يونس أولا وقال : معنى قوله في سورة يونس : " فأتوا بسورة مثله " ، أي : مثله في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد ، فعجزوا فقال لهم في سورة هود : إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد فأتوا بعشر سور مثله من غير خبر ولا وعد ولا وعيد ، وإنما هي مجرد البلاغة ، ( وادعوا من استطعتم ) واستعينوا بمن استطعتم ، ( من دون الله إن كنتم صادقين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم» بل أ «يقولون افتراه» أي القرآن «قل فأتوا بعشر سور مثله» في الفصاحة والبلاغة «مفتريات» فإنكم عربيون فصحاء مثلي تحداهم بها أولا ثم بسورة «وادعوا» للمعاونة على ذلك «من استطعتم من دون الله» أي غيره «إن كنتم صادقين» في أنه افتراء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل أيقول هؤلاء المشركون من أهل "مكة": إن محمدًا قد افترى هذا القرآن؟

قل لهم: إن كان الأمر كما تزعمون فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من جميع خلق الله ليساعدوكم على الإتيان بهذه السور العشر، إن كنتم صادقين في دعواكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك زعما آخر من مزاعمهم الكثيرة ، وهو دعواهم أن القرآن مفترى ، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من أمثال هذا القرآن فى زعمهم ، فقال - تعالى - :( أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ .

.

.

) .( أَمْ ) هنا منقطعة بمعنى بل التى للإِضراب وهو انتقال المتكلم من غرض إلى آخر والافتراء : الكذب المتعمد الذى لا توجد أدنى شبهة لقائله .والمعنى : إن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بما طلبوه منك يا محمد ، بل تجاوزوا ذلك إلى ما هو أشد جرما ، وهو قولهم إنك افتريت القرآن الكريم ، واخترعته من عند نفسك .وقوله : ( قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله .

.

.

) أمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويكبت نفوسهم .أى : قل لهم يا محمد على سبيل التحدى : إن كان الأمر كما تزعمون من أنى قد افتريت هذا القرآن ، فأنا واحد منكم وبشر مثلكم فهاتوا أنتم عشر سور مختلقات من عند أنفسكم ، تشبه ما جئت به فى حسن النظم ، وبراعة الأسلوب ، وحكمة المعنى ، وادعوا لمعاونتكم فى بلوغ هذا الأمر كل من تتوسمون فيه المعاونة غير الله - تعالى - لأنه هو - سبحنه - القادر على أن يأتى بمثله .وجواب الشرط فى قوله - سبحانه - ( إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) محذوف دل عليه ما تقدم .

أى : إن كنتم صادقين فى زعمكم أنى افتريت هذا القرآن ، فهاتوا أنتم عشر سور مثله مفتريات من عند أنفسكم .والمتأمل لآيات القرآن الكريم ، يرى أن الله - تعالى - قد تحدى المشركين تارة بأن يأتوا بمثله كما فى سورتى الإِسراء والطور .

ففى سورة الإسراء يقول - سبحانه - ( قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) وفى سورة الطور يقول - سبحانه - ( فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ) وتارة تحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله كما فى هذه السورة ، و تارة تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله كما فى سورتى البقرة ويونس ، ففى سورة البقرة ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ .

.

.

) وفى سورة يونس يقول - سبحانه - : ( أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) وقد عجزوا عن الإِتيان بمثل أقصر سورة ، وهم من هم فى فصاحتهم ، فثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن القول لما طلبوا منه المعجز قال معجزي هذا القرآن ولما حصل المعجز الواحد كان طلب الزيادة بغياً وجهلاً، ثم قرر كونه معجزاً بأن تحداهم بالمعارضة، وتقرير هذا الكلام بالاستقصاء قد تقدم في البقرة وفي سورة يونس وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله: ﴿ افتراه ﴾ عائد إلى ما سبق من قوله: ﴿ يوحى إِلَيْكَ ﴾ أي إن قالوا إن هذا الذي يوحى إليك مفترى فقل لهم حتى يأتوا بعشر سور مثله مفتريات وقوله مثله بمعنى أمثاله حملا على كل واحد من تلك السور ولا يبعد أيضاً أن يكون المراد هو المجموع، لأن مجموع السور العشرة شيء واحد.

المسألة الثانية: قال ابن عباس: هذه السورة التي وقع بها هذا التحدي معينة، وهي سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة ويونس وهود عليهما السلام، وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ إشارة إلى السور المتقدمة على هذه السورة، وهذا فيه إشكال، لأن هذه السورة مكية، وبعض السور المتقدمة على هذه السورة مدنية، فكيف يمكن أن يكون المراد من هذه العشر سور التي ما نزلت عند هذا الكلام، فالأولى أن يقال التحدي وقع بمطلق السور التي يظهر فيها قوة تركيب الكلام وتأليفه.

واعلم أن التحدي بعشر سور لابد وأن يكون سابقاً على التحدي بسورة واحدة، وهو مثل أن يقول الرجل لغيره أكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال: قد اقتصرت منها على سطر واحد مثله.

إذا عرفت هذا فنقول: التحدي بالسورة الواحدة ورد في سورة البقرة، وفي سورة يونس كما تقدم، أما تقدم هذه السورة على سورة البقرة فظاهر، لأن هذه السورة مكية وسورة البقرة مدنية، وأما في سورة يونس فالإشكال زائل أيضاً، لأن كل واحدة من هاتين السورتين مكية، والدليل الذي ذكرناه يقتضي أن تكون سورة هود متقدمة في النزول على سورة يونس حتى يستقيم الكلام الذي ذكرناه.

المسألة الثالثة: اختلف الناس في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزاً، فقال بعضهم: هو الفصاحة، وقال بعضهم: هو الأسلوب، وقال ثالث: هو عدم التناقض، وقال رابع: هو اشتماله على العلوم الكثيرة، وقال خامس: هو الصرف، وقال سادس: هو اشتماله على الإخبار عن الغيوب، والمختار عندي وعند الأكثرين أنه معجز بسبب الفصاحة، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية لأنه لو كان وجه الإعجاز هو كثرة العلوم أو الأخبار عن الغيوب أو عدم التناقض لم يكن لقوله: ﴿ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ معنى أما إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صح ذلك لأن فصاحة الفصيح تظهر بالكلام، سواء كان الكلام صدقاً أو كذباً، وأيضاً لو كان الوجه في كونه معجزاً هو الصرف لكان دلالة الكلام الركيك النازل في الفصاحة على هذا المطلوب أوكد من دلالة الكلام العالي في الفصاحة ثم إنه تعالى لما قرر وجه التحدي قال: ﴿ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ والمراد إن كنتم صادقين في ادعاء كونه مفترى كما قال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ .

واعلم أن هذا الكلام يدل على أنه لابد في إثبات الدين من تقرير الدلائل والبراهين، وذلك لأنه تعالى أورد في إثبات نبوة محمد عليه السلام هذا الدليل وهذه الحجة، ولولا أن الدين لا يتم إلا بالدليل لم يكن في ذكره فائدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَمْ ﴾ منقطعة.

والضمير في ﴿ افتراه ﴾ لما يوحى إليك.

تحداهم أوّلا بعشر سور، ثم بسورة واحدة، كما يقول المخابر في الخط لصاحبه: اكتب عشرة أسطر نحو ما أكتب، فإذا تبين له العجز عن مثل خطه قال: قد اقتصرت منك على سطر واحد ﴿ مِّثْلِهِ ﴾ بمعنى أمثاله، ذهاباً إلى مماثلة كل واحدة منها له ﴿ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ صفة لعشر سور لما قالوا: افتريت القرآن واختلقته من عند نفسك وليس من عند الله، قاودهم على دعواهم وأرخى معهم العنان وقال: هبوا أني اختلقته من عند نفسي ولم يوح إلي وأنّ الأمر كما قلتم، فأتوا أنتم أيضاً بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم، فأنتم عرب فصحاء مثلي لا تعجزون عن مثل ما أقدر عليه من الكلام.

فإن قلت: كيف يكون ما يأتون به مثله، وما يأتون به مفترى وهذا غير مفترى؟

قلت: معناه مثله في حسن البيان والنظم وإن كان مفترى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ والهاءُ لِـ ﴿ ما يُوحى ﴾ .

﴿ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ﴾ في البَيانِ وحَسُنِ النَّظْمِ تَحَدّاهم أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ ثُمَّ لَمّا عَجَزُوا عَنْها سَهَّلَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ وتَحَدّاهم بِسُورَةٍ، وتَوْحِيدُ المِثْلِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدَةٍ.

﴿ مُفْتَرَياتٍ ﴾ مُخْتَلَقاتٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنْ صَحَّ أنِّي اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي فَإنَّكم عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي تَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ بَلْ أنْتُمْ أقْدَرُ لِتَعَلُّمِكُمُ القِصَصَ والأشْعارَ وتَعَوُّدِكُمُ القَرِيضَ والنَّظْمَ.

﴿ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ إلى المُعاوَنَةِ عَلى المُعارَضَةِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنَّهُ مُفْتَرًى ﴿ فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ بِإتْيانِ ما دَعَوْتُمْ إلَيْهِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ إمّا لِتَعْظِيمِ الرَّسُولِ  أوْ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا أيْضًا يَتَحَدَّوْنَهم، وكانَ أمْرُ الرَّسُولِ  مُتَناوِلًا لَهم مِن حَيْثُ إنَّهُ يَجِبُ أتْباعُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ أمْرٍ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّحَدِّيَ مِمّا يُوجِبُ رُسُوخَ إيمانِهِمْ وقُوَّةَ يَقِينِهِمْ فَلا يَغْفُلُونَ عَنْهُ ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ.

﴿ وَأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ واعْلَمُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّهُ العالِمُ القادِرُ بِما لا يَعْلَمُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ولِظُهُورِ عَجْزِ آلِهَتِهِمْ ولِتَنْصِيصِ هَذا الكَلامِ الثّابِتِ صِدْقُهُ بِإعْجازِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإقْناطٌ مِن أنْ يُجِيرَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ آلِهَتُهم.

﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ثابِتُونَ عَلى الإسْلامِ راسِخُونَ فِيهِ مُخْلِصُونَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَكم إعْجازُهُ مُطْلَقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ والضَّمِيرُ في (لَمْ يَسْتَجِيبُوا) لِمَنِ اسْتَطَعْتُمْ أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم إلى المُظاهَرَةِ لِعَجْزِهِمْ وقَدْ عَرَفْتُمْ مِن أنْفُسِكُمُ القُصُورَ عَنِ المُعارَضَةِ فاعْلَمُوا أنَّهُ نَظْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِهِ وأنَّ ما دَعاكم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ حَقٌّ فَهَلْ أنْتُمْ داخِلُونَ في الإسْلامِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ، وفي مِثْلِ هَذا الِاسْتِفْهامِ إيجابٌ بَلِيغٌ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ والتَّنْبِيهِ عَلى قِيامِ المُوجِبِ وزَوالِ العُذْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)

{أَمْ يَقُولُونَ} أم منقطعة {افتراه} الضمير لما يوحى إليك {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ} تحداهم أولا بعشر سور ثم بسورة واحدة كما يقول المخابر فى الخط لصاحبه اكتب عشرة أسطر نحو ما أكتب فإذا تبين له العجز عن ذلك قال قد اقتصرت منك على سطر واحد {مّثْلِهِ} في الحسن والجزالة ومعنى مثله أمثاله ذهاباً إلى مماثلة كل واحدة منها له {مُفْتَرَيَاتٍ} صفة لعشر سور لما قالوا افتريت القرآن واختلقته من نفسك وليس من عند الله أرخى معهم العنان وقال هبوا أني اختلقته من عند نفسي فأتوا أنتم أيضاً بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم فأنتم عرب فصحاء مثلي {وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله} إلى المعاونة على المعارضة {إِن كُنتُمْ صادقين} أنه مفترى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ إضْرابٌ بِأمِ المُنْقَطِعَةِ عَنْ ذِكْرِ تَرْكِ اعْتِدادِهِمْ بِما يُوحى وعَدَمِ اكْتِفائِهِمْ بِما فِيهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ الدَّعْوى، وشُرُوعٍ في ذِكْرِ ارْتِكابِهِمْ لِما هو أشَدُّ مِنهُ وأعْظَمُ، وتُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ، وذَهَبَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ إلى أنَّ (أمْ) مُتَّصِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ أيَكْتَفُونَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ أمْ يَقُولُونَ إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ البارِزُ في (افْتَراهُ) لِما يُوحى (قُلْ) إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿ فَأْتُوا ﴾ أنْتُمْ أيْضًا ﴿ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وهو نَعْتٌ -لِسُوَرٍ- وكانَ الظّاهِرُ مُطابَقَتَهُ لَها في الجَمْعِ لَكِنَّهُ أفْرَدَ بِاعْتِبارِ مُماثَلَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إذْ هو المَقْصُودُ لا مُماثَلَةُ المَجْمُوعِ، وقِيلَ: مِثْلَ وإنْ كانَ مُفْرَدًا يَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ وعَدَمُها فَيُوصَفُ بِهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ نَظَرًا إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا ﴾ وقَدْ يُطابِقُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ هُنا صِفَةٌ لِمُفْرَدٍ مُقَدَّرٍ أيْ قَدْرَ عَشْرِ سُوَرٍ مِثْلَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ وصْفٌ لِمَجْمُوعِ العَشْرِ لِأنَّها كَلامٌ وشَيْءٌ واحِدٌ، وأيْضًا -عَشْرَ- لَيْسَ بِصِيغَةِ جَمْعٍ فَيُعْطى حُكْمَ المُفْرَدِ -كَنَخْلٍ- مُنْقَعِرٍ- وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُفْتَرَياتٍ ﴾ نَعْتٌ آخَرُ -لِسُوَرٍ- قِيلَ: أُخِّرَ عَنْ نَعْتِها بِالمُماثَلَةِ لِما يُوحى لِأنَّهُ النَّعْتُ المَقْصُودُ بِالتَّكْلِيفِ إذْ بِهِ قُعُودُهم عَلى العَجْزِ عَنِ المُعارَضَةِ، وأمّا نَعْتُ الِافْتِراءِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ يَدُورُ عَلَيْهِ شَيْءٌ في مَقامِ التَّحَدِّي، وإنَّما ذُكِرَ عَلى نَهْجِ المُساهَلَةِ وإرْخاءِ العِنانِ ولِأنَّهُ لَوْ عُكِسَ التَّرْتِيبُ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ المُرادَ هو المُماثَلَةُ لَهُ في الِافْتِراءِ، والمَعْنى ﴿ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ ﴾ مُماثِلَةٍ لَهُ في البَلاغَةِ مُخْتَلِقاتٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنْ صَحَّ أنِّي اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي فَإنَّكم عَرَبٌ فُصَحاءُ بُلَغاءُ ومَبادِي ذَلِكَ فِيكم مِن مُمارَسَةِ الخُطَبِ والأشْعارِ ومُزاوَلَةِ أسالِيبِ النَّظْمِ والنَّثْرِ وحِفْظِ الوَقائِعِ والأيّامِ أتَمُّ.

والكَثِيرُ عَلى أنَّ هَذا التَّحَدِّيَ وقَعَ أوَّلًا فَلَمّا عَجَزُوا تَحَدّاهم ﴿ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ﴾ كَما نَطَقَتْ بِهِ سُورَةُ البَقَرَةِ، ويُونُسَ، وهو وإنْ تَأخَّرَ تِلاوَةً مُتَقَدِّمٌ نُزُولًا، وإنَّهُ لا يَجُوزُ العَكْسُ إذْ لا مَعْنى لِلتَّحَدِّي بِعَشْرٍ لِمَن عَجَزَ عَنِ التَّحَدِّي بِواحِدَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ تَعْجِيزَهم عَنِ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مُماثِلاتٍ لِعَشْرٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ القُرْآنِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، وجَعَلَ العَشْرَ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّوَرِ إلى هُنا، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أكْثَرَ ما ذَكَرَ مَدَنِيٌّ، وهَذِهِ السُّورَةُ حَسْبَما عَلِمْتُ مَكِّيَّةٌ فَكَيْفَ تَصِحُّ الحَوالَةُ بِمَكَّةَ عَلى ما لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ، ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى أنَّ هَذا التَّحَدِّيَ إنَّما وقَعَ بَعْدَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرَّدِ وأنْكَرَ تَقَدُّمَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى نُزُولِ تَيْنَكِ السُّورَتَيْنِ وقالَ: بَلْ نَزَلَتْ سُورَةُ يُونُسَ أوَّلًا، ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ هُودٍ.

وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ ما وقَعَ أوَّلًا هو التَّحَدِّي بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، والِاشْتِمالُ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ المَغِيباتِ والأحْكامِ وأخَواتِها، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ أمَرَهم بِأنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ وإنْ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وضَعَّفَهُ في الكَشْفِ، وقالَ: إنَّهُ لا يَطَّرِدُ في كُلِّ سُورَةٍ مِن سُوَرِ القُرْآنِ، وهَبْ أنَّ السُّورَةَ مُتَقَدِّمَةُ النُّزُولِ إلّا أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عَلى التَّدْرِيجِ جازَ أنَّ تَتَأخَّرَ تِلْكَ الآيَةُ عَنْ هَذِهِ، ولا يُنافِي تَقَدُّمَ السُّورَةِ عَلى السُّورَةِ انْتَهى.

وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّ قَوْلَهُ لا يَطَّرِدُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ مُرادَ المُبَرَّدِ اشْتِمالُهُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأنْواعِ السَّبْعَةِ ولا يَخْلُو شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ عَنْها، وادِّعاءُ تَأخُّرِ نُزُولِ تِلْكَ الآيَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، ومِثْلُهُ لا يُقالُ بِالرَّأْيِ، وادَّعى أنَّ الحَقَّ ما قالَهُ المُبَرَّدُ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحَدّاهم أوَّلًا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ والمَعْنى، ثُمَّ تَنْزِلُ فَتَحَدّاهم بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ مِن غَيْرِ حَجْرٍ في المَعْنى، ويَشْهَدُ لَهُ تَوْصِيفُها بِمُفْتَرَياتٍ، وأيَّدَ بَعْضُهم نَظَرَ المُبَرَّدِ بِأنَّ التَّكْلِيفَ في آيَةِ البَقَرَةِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الرَّيْبِ ولا يُزِيلُ الرَّيْبَ إلّا العِلْمُ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى المُماثَلَةِ التّامَّةِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ إلّا بِسَبَبِ قَوْلِهِمُ: (افْتَراهُ) فَكَلَّفُوا نَحْوَ ما قالُوا، وفِيهِ أنَّ الأمْرَ في سُورَةِ يُونُسَ كالأمْرِ هُنا مَسْبُوقٌ بِحِكايَةِ زَعْمِهِمْ الِافْتِراءَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مَعَ أنَّهم لَمْ يُكَلَّفُوا إلّا بِنَحْوِ ما كُلِّفُوا بِهِ في آيَةِ البَقَرَةِ عَلى أنَّ في قَوْلِهِ: ولا يُزِيلُ الرَّيْبَ إلَخْ ..

مَنعًا ظاهِرًا، ولِلْعَلّامَةِ الطِّيبِيِّ هَهُنا كَلامٌ -زَعَمَ أنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ- وهو عَلى قِلَّةِ جَدْواهُ لا وجْهَ لِما أسَّسَهُ عَلَيْهِ كَما بَيَّنَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ.

هَذا ونَقَلَ الإمامُ أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إعْجازَ القُرْآنِ بِفَصاحَتِهِ لا بِاشْتِمالِهِ عَلى المَغِيباتِ وكَثْرَةِ العُلُومِ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مُفْتَرَياتٍ ﴾ مَعْنًى، أمّا إذا كانَ وجْهُ الإعْجازِ الفَصاحَةَ صَحَّ ذَلِكَ لِأنَّ فَصاحَةَ الكَلامِ تَظْهَرُ إنْ صِدْقًا وإنْ كَذِبًا، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ الفاضِلُ الجَلْبِيُّ بِما هو مَبْنِيٌّ عَلى الغَفْلَةِ عَنْ مَعْنى الِافْتِراءِ والِاخْتِلاقِ، نَعَمْ ما ذُكِرَ إنَّما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ كَوْنِ وجْهِ الإعْجازِ ذَلِكَ ولا يَمْنَعُ احْتِمالُ كَوْنِهِ الأُسْلُوبَ الغَرِيبَ وعَدَمُ اشْتِمالِهِ عَلى التَّناقُضِ كَما قِيلَ بِهِ.

﴿ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ أيِ اسْتَعِينُوا بِمَن أمْكَنَكم أنْ تَسْتَعِينُوا بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمَدَّةٌ لَكم في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، والكَهَنَةُ الَّذِينَ تَلْجَأُونَ إلى آرائِهِمُ المُلِمّاتِ لِيُسْعِدُوكم في ذَلِكَ.

﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ -بِادْعُوا- أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى، وفِيهِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ .

في أنِّي افْتَرَيْتُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ وهو أيْضًا يَسْتَلْزِمُ قُدْرَتَكم عَلَيْهِ، وجَوابُ (إنْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وذلك أن كفار مكة.

قالوا: كيف لا ينزل الله إليه ملكا، أو يكون له كنز، وطلبوا منه بأن لا يعيب آلهتهم، فهمَّ النبي  بأن يترك عيبها رجاء أن يتبعوه، فنزل: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ مِن أمر الآلهة وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ في البلاغ، أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ يعني: المال، أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ يُعِينُهُ ويُصَدِّقُهُ، فأمر بأن لا يترك تبليغ الرسالة بقولهم وقال: قُلْ يا محمد، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ يعني: إنما عليك تبليغ الرسالة والتخويف.

وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يعني: شهيد بأنك رسول الله تعالى.

قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ يعني: أتقولون، وأَمْ صلة افتراء، يعني: اختلقه من تلقاء نفسه.

قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ يعني: مختلقات.

قال الكلبي: يعني: بعشر سور مثله مثل سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والتوبة، ويونس.

وهود، لأن العاشرة هي سورة هود.

وقال بعضهم: هذا التفسير لا يصح، لأن سورة هود مكية، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة مدنيات، أُنْزِلَتْ بعد سورة هود بمدة طويلة.

ولكن معناه: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مثل سور القرآن، أي سورة كانت، مُفْتَرَياتٍ يعني: مختلقات إن كنتم تزعمون أن محمدا  يختلقه من ذات نفسه، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: استعينوا بآلهتكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في مقالتكم.

فسكتوا ولم يجيبوا، فنزل قوله تعالى: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ يعني: فإن لم يجيبوك، خاطب النبيّ  بلفظ الجماعة، كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: 51] ويقال: أراد النبي  وأصحابه، فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ يقال: فاعلموا يا أهل مكة، إنما أُنزل بعلم الله، يعني: أنزل جبريل هذا القرآن بإذن الله تعالى وبأمره.

وقال القتبي: بِعِلْمِ اللَّهِ يعني: من علم الله، والباء مكان من.

ثم قال تعالى: وَأَنْ لاَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: فاعلموا أن لا إله إلا هو، يعني: أن الله تعالى هو منزل الوحي، وليس أحد ينزل الوحي غيره فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يعني: مقرّين بأن الله أنزله على محمد  ويقال: مخلصون بالتوحيد ويقال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هذا على وجه الأمر، يعني: أسلموا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ، أي: المتوعَّد به إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ، أي مدَّةٍ معدودة لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ، أي: ما هذا الحابسُ لهذا العذاب على جهة التكذيب، وَحاقَ:

معناه: حَلَّ وأحاط.

البخاريّ: حاق: نزل.

وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣)

وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ...

الآية: «الرحمة» هنا: تَعمُّ جميع ما ينتفُعُ به مِنْ مطعوم وملبوس وجاه وغير ذلك، والْإِنْسانَ هنا اسمُ جنْسٍ، والمعنَى: إِن هذا الخُلُقَ في سجيَّة الإِنسان، ثم استثنى منهم الذين ردَّتهم الشرائعُ والإِيمانُ/ إِلى الصبْرِ والعملِ الصالحِ، وكَفُورٌ هنا: مِنْ كُفْر النعمة، وال نَعْماءَ: تَشْمَلُ الصحَّة والمَال، وال ضَرَّاءَ: من الضُّرِّ، وهو أيضاً شاملٌ ولفظة ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي: يقتضي بطَراً وجهلاً أَنَّ ذلك بإِنعامٍ من اللَّه تعالى، والسَّيِّئاتُ هنا: كلّ ما يسوء في الدنيا، والفرح هنا: مطلق فلذلك ذُمَّ، إِذ الفرحُ انهمال النفْسِ، ولا يأتي الفرحُ في القرآن ممدوحاً إِلا إِذا قيد بأنه في خَيْرٍ.

وقوله: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا: استثناء متصلٌ على ما قدَّمنا مِنْ أَنَّ الإِنسان عامٌ يراد به الجنْسُ وهو الصواب، ومَنْ قال: إِنه مخصوصٌ بالكافر قال: هاهنا الاستثناء منقطعٌ، وهو قول ضعيفٌ من جهة المعنَى، لا من جهة اللفظ لأن صفة الكُفْر لا تطلق على جميعِ الناسِ كما تقتضي لفظةُ الإِنسان واستثنى اللَّه تعالى من الماشِينَ على سجيَّة الإِنسان هؤلاءِ الذين حملَتْهم الأديان على الصبْرِ على المكارِهِ، والمثابرةِ على عبادةِ اللَّهِ، وليس شَيْءٌ من ذلك في سجيَّة البَشَر، وإِنما حمل على ذلك خَوْفُ اللَّه وحبُّ الدَّارِ الآخرة، والصبْرُ على العملِ الصالحِ لا يَنْفَعُ إِلاَّ مع هداية وإِيمانٍ، ثم وعد تعالَى أهْلَ هذه الصفة بالمَغْفِرةِ للذُّنُوبِ والتفضُّلِ بالأجرِ والنَّعِيمِ.

وقوله سبحانه: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ: سَببُ هذه الآية: أَنَّ كفَّار قريش قالوا: يا محمَّد، لو تركْتَ سبَّ آلهتنا، وتسفيه آبائنا، لَجَالَسْناك واتبعناك، وقالوا له: ائت بِقُرآن غيرِ هذا أو بدِّله، ونحو هذا من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ " أمْ " بِمَعْنى " بَلْ " و " افْتَراهُ " أتى بِهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ.

"قُلْ فَأْتُوا" أنْتُمْ في مُعارَضَتِي ﴿ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ﴾ في البَلاغَةِ ﴿ مُفْتَرَياتٍ ﴾ بِزَعْمِكم ودَعْواكم ﴿ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مَنِ دُونِ اللَّهِ ﴾ إلى المُعاوَنَةِ عَلى المُعارَضَةِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في قَوْلِكُمُ: " افْتَراهُ " .

﴿ فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ أيْ: يُجِيبُوكم إلى المُعارَضَةِ، فَقَدْ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ لَكم.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ القَوْلَ في قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ فَأْتُوا ﴾ ثُمَّ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ  وحْدَهُ في المَوْضِعَيْنِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لَهُ بِقَوْلِهِ: " لَكم " تَعْظِيمًا، لِأنَّ خِطابَ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمِيعِ تَعْظِيمٌ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ وحَّدَ في الأوَّلِ لِخِطابِ النَّبِيِّ  .

وجَمَعَ في الثّانِي لِمُخاطَبَةِ النَّبِيِّ  وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِإنْزالِهِ، وعالِمٌ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن عِنْدِهِ.

والثّانِي أنْزَلَهُ بِما أخْبَرَ فِيهِ مِنَ الغَيْبِ، ودَلَّ عَلى ما سَيَكُونُ وما سَلَفَ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ أيْ: واعْلَمُوا ذَلِكَ.

﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ.

وفِيمَن خُوطِبَ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ، ومَعْنى إسْلامِهِمْ: إخْلاصُهم لِلَّهِ العِبادَةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أو جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مَنِ دُونِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ لَوْ تَرَكْتَ سَبَّ آلِهَتِنا وتَسْفِيهَ آبائِنا لَجالَسْناكَ واتَّبَعْناكَ.

وقالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أو بَدِّلْهُ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ.

فَخاطَبَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  عَلى هَذِهِ الصُورَةِ مِنَ المُخاطَبَةِ، ووَقَّفَهُ بِها تَوْقِيفًا رادًّا عَلى أقْوالِهِمْ ومُبْطِلًا لَها، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ  هَمَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَزُجِرَ عنهُ، فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَطُّ تَرْكَ شَيْءٍ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، ولا ضاقَ صَدْرُهُ، وإنَّما كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ.

وَ "لَعَلَّكَ" هاهُنا بِمَعْنى التَوْقِيفِ والتَقْرِيرِ، و ﴿ ما يُوحى إلَيْكَ ﴾ هو القُرْآنُ والشَرِيعَةُ والدُعاءُ إلى اللهِ تَعالى، كانَ في ذَلِكَ سَبُّ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهُ آبائِهِمْ أو غَيْرُهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَبِيُّ  قَدْ عَظُمَ عَلَيْهِ ما يَلْقى مِنَ الشِدَّةِ فَمالَ إلى أنْ يَكُونَ مِنَ اللهِ تَعالى إذْنٌ في مُساهَلَةِ الكُفّارِ بَعْضَ المُساهَلَةِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الِاعْتِقاداتِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ  كَما جاءَتْ آياتُ المُوادَعَةِ.

وعَبَّرَ بِـ "ضائِقٌ" دُونَ "ضَيِّقٍ" لِلْمُناسَبَةِ في اللَفْظِ مَعَ "تارِكٌ"، وإنْ كانَ "ضَيِّقٌ" أكْثَرَ اسْتِعْمالًا لِأنَّهُ وصْفٌ لازِمٌ، و"ضائِقٌ" وصْفٌ عارِضٌ، فَهو الَّذِي يَصْلُحُ هُنا، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "البَعْضِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما".

و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: "كَراهَةَ أنْ"، والكَنْزُ هاهُنا: المالُ، وهَذا طَلَبُهم آيَةً تَضْطَرُّ إلى الإيمانِ، واللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَمْ يَبْعَثِ الأنْبِياءَ بِآياتِ اضْطِرارٍ، وإنَّما بَعَثَهم بِآياتِ النَظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ولَمْ يَجْعَلْ آيَةَ الِاضْطِرارِ إلّا لِلْأُمَمِ الَّتِي قَدَّرَ تَعْذِيبَها بِكُفْرِها بَعْدَ آيَةِ الِاضْطِرارِ، كالناقَةِ لِثَمُودَ.

ثُمَّ آنَسَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ ﴾ ، أيْ: هَذا القَدْرُ هو الَّذِي فُوِّضَ إلَيْكَ، واللهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ هو الوَكِيلُ المُمْضِي لِإيمانِ مَن شاءَ وكُفْرِ مَن شاءَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ "أمْ" الَّتِي هي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِمَعْنى "بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ"، كَأنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ واسْتَفْهَمَ في الثانِي عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟"، والِافْتِراءُ أخَصُّ مِنَ الكَذِبِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما بَهَتَ بِهِ المَرْءُ وكابَرَ وجاءَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ مُنْكَرٍ، ووَقَعَ التَحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ بِعَشْرٍ لِأنَّهُ قَيَّدَها بِالِافْتِراءِ، فَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ في القَدْرِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ غايَةَ القِيامِ، إذْ قَدْ عَجَّزَهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ دُونَ تَقْيِيدٍ، فَهَذِهِ مُماثَلَةٌ تامَّةٌ في غُيُوبِ القُرْآنِ ومَعانِيهِ ونَظْمِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعَجَزُوا في هَذِهِ الآيَةِ بَلْ قِيلَ لَهُمْ: عارِضُوا القَدْرَ مِنهُ بِعَشْرٍ أمْثالِهِ في التَقْدِيرِ والغَرُضُ واحِدٌ، واجْعَلُوهُ مُفْتَرًى لا يَبْقى لَكم إلّا نَظْمُهُ، فَهَذِهِ غايَةُ التَوْسِعَةِ، ولَيْسَ المَعْنى: عارِضُوا عَشْرَ سُوَرٍ بِعَشْرٍ، لِأنَّ هَذِهِ إنَّما كانَتْ تَجِيءُ مُعارَضَةَ سُورَةٍ بِسُورَةٍ مُفْتَراةٍ ولا تُبالِي عن تَقْدِيمِ نُزُولِ هَذِهِ عَلى هَذِهِ.

ويُؤَيِّدُ هَذا النَظَرَ أنَّ التَكْلِيفَ في آيَةِ البَقَرَةِ إنَّما هو بِسَبَبِ الرَيْبِ، ولا يُزِيلُ الرَيْبَ إلّا العِلْمُ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى المُماثَلَةِ التامَّةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ إنَّما التَكْلِيفُ بِسَبَبِ قَوْلِهِمُ: "افْتَراهُ"، فَكُلِّفُوا نَحْوَ ما قالُوا، ولا يَطَّرِدُ هَذا في آيَةِ "يُونُسَ".

وقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذِهِ مُقَدَّمَةٌ في النُزُولِ عَلى تِلْكَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَعْجِزُوا في واحِدَةٍ فَيُكَلَّفُوا عَشْرًا والتَكْلِيفانِ سَواءٌ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ السُورَةُ الواحِدَةُ إلّا مُفْتَراةً، وآيَةُ سُورَةِ "يُونُسَ" في تَكْلِيفِ سُورَةٍ مُتَرَكِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِمُ: "افْتَراهُ"، وكَذَلِكَ آيَةُ البَقَرَةِ، إنَّما رَيْبُهم بِأنَّ القُرْآنَ مُفْتَرًى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقائِلُ هَذا القَوْلِ لَمْ يَلْحَظِ الفَرْقَ بَيْنَ التَكْلِيفَيْنِ، في كَمالِ المُماثَلَةِ مَرَّةً، ووُقُوفِها عَلى النَظْمِ مَرَّةً.

و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ يُرادُ بِها الآلِهَةُ والأصْنامُ والشَياطِينُ وكُلُّ ما كانُوا يُعَظِّمُونَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ يُرِيدُ: في أنَّ القُرْآنَ مُفْتَرًى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أم ﴾ هذه منقطعة بمعنى (بل) التي للإضراب للانتقال من غرض إلى آخر، إلاّ أن (أم) مختصة بالاستفهام فتقدر بعدها همزة الاستفهام.

والتقدير: بل أيقولون افتراه.

والإضراب انتقالي في قوة الاستئناف الابتدائي، فللجملة حكم الاستئناف.

والمناسبة ظاهرة، لأن الكلام في إبطال مزاعم المشركين، فإنهم قالوا: هذا كلام مفترى، وقرعهم بالحجة.

والاستفهام إنكاري.

والافتراء: الكذب الذي لا شبهة لصاحبه، فهو الكذب عن عمد، كما تقدم في قوله: ﴿ ولكن الذين كفَرُوا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة [العقود: 103].

وجملة ﴿ قل فأتوا ﴾ جواب لكلامهم فلذلك فصلت على ما هو مستعمل في المحاورة سواء كانت حكاية المحاورة بصيغة حكاية القول أو كانت أمراً بالقول كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30].

والضمير المستتر في (افتراه) عائد إلى النبي عليه الصلاة والسلام المذكور في قوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ [هود: 12].

وضمير الغائب البارز المنصوب عائد إلى القرآن المفهوم من قوله: ﴿ بعض ما يوحى إليك ﴾ [هود: 12].

والاتيان بالشيء: جلبه، سواء كان بالاسترفاد من الغير أم بالاختراع من الجالب وهذا توسعة عليهم في التحدّي.

وتحدّاهم هنا بأن يأتوا بعشر سور خلاف ما تحدّاهم في غير هذا المكان بأن يأتوا بسورة مثله، كما في سورة البقرة وسورة يونس.

فقال ابن عبّاس وجمهور المفسرين: كان التحدّي أوّل الأمر بأن يأتوا بعشر سور مثل القرآن.

وهو ما وقع في سورة هود، ثمّ نسخ بأن يأتوا بسورة واحدة كما وقع في سورة البقرة وسورة يونس.

فتخطّى أصحاب هذا القول إلى أن قالوا إن سورة هود نزلت قبل سورة يونس، وهو الذي يعتمد عليه.

وقال المبرّد: تحدّاهم أولاً بسورة ثمّ تحدّاهم هنا بعشر سور لأنّهم قد وسع عليهم هنا بالاكتفاء بسور مفتريات فلمّا وسع عليهم في صفتها أكثَرَ عليهم عددها.

وما وقع من التحدّي بسورة اعتبر فيه مماثلتها لسور القرآن في كمال المعاني، وليس بالقويّ.

ومعنى ﴿ مفتريات ﴾ أنها مفتريات المعاني كما تزعمون على القرآن أي بمثل قصص أهل الجاهلية وتكاذيبهم.

وهذا من إرخاء العنان والتسليم الجدلي، فالمماثلة في قوله ﴿ مثله ﴾ هي المماثلة في بلاغة الكلام وفصاحته لا في سداد معانيه.

قال علماؤنا: وفي هذا دليل على أن إعجازه وفصاحته بقطع النظر عن علوّ معانيه وتصديق بعضه بعضاً.

وهو كذلك.

والدعاء: النداء لعمل.

وهو مستعمل في الطلب مجازاً ولو بدون نداء.

وحذف المتعلق لدلالة المقام، أي وادْعوا لذلك.

والأمر فيه للإباحة، أي إن شئتم حين تكونون قد عجزتم عن الإتيان بعشر سور من تلقاء أنفسكم فلكم أن تدعوا من تتوسّمون فيه المقدرة على ذلك ومَن تَرجون أن ينفحكم بتأييده من آلهتكم وبتيسير الناس ليعاونوكم كقوله: ﴿ وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ﴾ [البقرة: 23].

و ﴿ من دون الله ﴾ وصف ل ﴿ من استطعتم ﴾ ، ونكتة ذكر هذا الوصف التذكير بأنهم أنكروا أن يكون من عند الله، فلما عمّم لهم في الاستعانة بمن استطاعوا أكّد أنهم دون الله فإن عجزوا عن الإتيان بعشر سور مثله مع تمكنهم من الاستعانة بكلّ من عدا الله تبين أن هذا القرآن من عند الله.

ومعنى ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أي في قولكم ﴿ افتراه ﴾ ، وجواب الشرط هو قوله: ﴿ فأتوا بعشر سور ﴾ .

ووجه الملازمة بين الشرط وجزائه أنه إذا كان الافتراء يأتي بهذا القرآن فما لكم لا تفترون أنتم مثله فتنهض حجتكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ وأبُو صالِحٍ وقَتادَةُ والسِّرِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ طاعَتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ قَوْلًا رابِعًا: أنَّ البَيِّنَةَ هي الإشْرافُ عَلى القُلُوبِ والحِكْمَةُ عَلى الغُيُوبِ.

﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لِسانُهُ يَشْهَدُ لَهُ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَلا تَحْسِبَنِي كافِرًا لَكَ نِعْمَةً عَلى شاهِدِي يا شاهِدَ اللَّهِ فاشْهَدْ الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَوى المِنهالُ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ، قِيلَ لَهُ: فَما نَزَلَ فِيكَ؟

قالَ ﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ الخامِسُ: أنَّهُ مَلِكٌ يَحْفَظُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ بِمَعْرِفَةِ حُجَجِهِ ودَلائِلِهِ وهو عَقْلُهُ ووَحْدَتُهُ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو التَّوْراةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ومِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ كِتابُ مُوسى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما يَعْنِي مُتَقَدِّمًا عَلَيْنا ورَحْمَةً لَهم.

الثّانِي: إمامًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِاقْتِدائِهِمْ بِما فِيهِ ورَحْمَةً لَهم.

﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ.

﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأدْيانِ كُلِّها لِأنَّهم يَتَحَزَّبُونَ: قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ المُتَحَزِّبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  المُجْتَمِعُونَ عَلى مُحارَبَتِهِ.

وَفي المُرادِ بِهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قُرَيْشٌ، قالَ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أهْلُ المِلَلِ كُلِّها.

﴿ فالنّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ أيْ أنَّها مَصِيرُهُ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً ∗∗∗ فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في مِرْيَةٍ مِنَ القُرْآنِ قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: في مِرْيَةٍ مِن أنَّ النّارَ مَوْعِدُ الكُفّارِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: لما نزل ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ [ الأنبياء: 1] قال ناس: إن الساعة قد اقتربت فتناهوا، فتناهى القوم قليلاً ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء، فأنزل الله: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ [ النحل: 1] فقال أناس: أهل الضلالة هذا أمر الله قد أتى، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء، فأنزل الله هذه الآية ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر إلى أمة معدودة قال: إلى أجل معدود.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ليقولن ما يحبسه ﴾ قال: للتكذيب به وأنه ليس بشيء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ﴾ يقول: وقع العذاب الذي استهزأوا به.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولئن أذقنا الإِنسان منا رحمة...

﴾ الآية.

قال: يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية فكفور لما بك منها، وإذا نزعت منك يبتغي لك فراغك فيؤوس من روح الله قنوط من رحمته، كذلك أمر المنافق والكافر.

وفي قوله: ﴿ ولئن أذقناه نعماء ﴾ إلى قوله: ﴿ ذهب السيئات عني ﴾ قال: غره بالله وجرأه عليه أنه لفرح والله لا يحب الفرحين، فخور لما أعطى لا يشكر الله، ثم استثنى فقال: ﴿ إلا الذين صبروا ﴾ يقول: عند البلاء ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ عند النعمة ﴿ أولئك لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر كبير ﴾ قال: الجنة ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ إن تفعل فيه ما أمرت وتدعو إليه كما أرسلت ﴿ أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ﴾ لا ترى معه مالاً ﴿ أو جاء معه ملك ﴾ ينذر معه ﴿ إنما أنت نذير ﴾ فبلغ ما أمرت به فإنما أنت رسول ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ قد قالوه ﴿ فأتوا بعشر سور مثله ﴾ مثل القرآن ﴿ وادعوا شهداءكم ﴾ يشهدوا إنها مثله.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ قال لأصحاب محمد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ﴾ يعني مثل القرآن في البلاغة؛ وذلك أن القرآن من البلاغة في أعلاها، وأعلى البلاغة معجز.

وقوله تعالى ﴿ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ أي: بزعمكم، أي إن أصبتم في تكذيب القرآن وقولكم فيه إنه مُفترى، يوجب عليكم أن تأتوا بالمعارضة، كما ادعيتم على النبي  ، فقوله ﴿ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ للمقابلة لا لتحقيق وصف القرآن بأنه مفترى (١) ﴿ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي إلى المعاونة على المعارضة، وهذا أتمّ ما لِكون من التحدي (٢) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في قولكم افتراه.

وتفسير مثل هذه الآية قد سبق في سورة يونس عند قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ  ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ \[يعني المشركين، لم يستجيبوا لكم\] (٣) ﴿ لَكُمْ ﴾ (٤)  [وأصحاب في قول مجاهد (٥)  .

قال الفراء (٦) ﴿ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ  ﴾ يريد أن خطاب النبي  في الآية الأولى كخطاب أصحاب النبي  ]، (٧) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ  ﴾ .

قال ابن الأنباري (٨) (٩) دالت علينا (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ ﴾ ، قال ابن الأنباري: هذا خطاب لأهل الكفر بإضمار قول قبله، يراد به: فقولوا لهم: اعلموا أنما أنزل بعلم الله، أي أنزل والله عز وجل عالم بإنزاله، وعالم أنه حق من عنده، ويجوز أن يكون معنى (بعلم الله) أي بما أنبأ الله به من غيب ودلَّ (١٢) (١٣)  كتاباً، والوجهان ذكرهما أبو إسحاق (١٤) وقال أبو بكر: اعلموا أنما أنزل بعلم الله الذي لكم فيه النفع والشفاء والرشد من أمره ونهيه ووعده ووعيده، وغير ذلك من تعليمه وتشديده، هذا الذي ذكرنا من أن قوله: ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ خطاب للنبي  وأصحابه، مذهب المفسرين وأصحاب المعاني (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ استفهام (١٨) (١٩) ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ (٢٠) (١) وهذا كثير في أسلوب القرآن، ومنه قوله تعالى: كلي وَ {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ == مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} النحل: 126، وقوله: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ الشوري: 40.

(٢) ساقط من (ب).

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤) ساقط من (ي).

(٥) الطبري 12/ 10، الثعلبي 7/ 35 أ، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 583.

(٦) "معاني القرآن" 2/ 5.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٨) "زاد المسير" 4/ 83، القرطبي 9/ 13، الثعلبي 7/ 35 أ، البغوي 4/ 165.

(٩) لم أقف عليه، وهو من بحر البسيط.

(١٠) في (ب): (عليها).

(١١) في (أ، ب، ج): بزيادة (ما) وبها ينكسر البيت.

(١٢) ساقط من (ب).

(١٣) ساقط من (ي).

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 42.

(١٥) الثعلبي 7/ 35 أ، البغوي 4/ 165، ابن عطية 7/ 252، "زاد المسير" 4/ 83، القرطبي 9/ 13، ابن كثير 2/ 481.

(١٦) رجحه الطبري 12/ 10، واستبعد الأول، ابن عطية 7/ 252، القرطبي 9/ 13، ورجحه الرازي 17/ 196، أبو حيان في "البحر" 5/ 209.

(١٧) في (ب): (يستجيب).

(١٨) ساقص من (ب).

(١٩) في (ب): قبله.

(٢٠) المائدة:91.

وقال هناك: "بين تحريم الخمر في قوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ إذ كان معناه فانتهوا، قال الفراء: ردد عليّ أعرابي: هل أنت ساكت؟

هل أنت ساكت؟

وهو يريد: اسكت!

اسكت!.

وقال غيره: إنما جاز في صيغة الاستفهام أن تكون على معنى النهي؛ لأن الله تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها، وإذا ظهر قبح الفعل للمخاطب، ثم استفهم عن تركه لم يسعه إلا الإقرار بالترك".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ أم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة والضمير في افتراه لما يوحى إليه ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ ﴾ تحداهم أولاً بعشر سور فلما بان عجزهم تحداهم بسورة واحدة فقال: فأتوا بسورة من مثله، والمماثلة المطلوبة في فصاحته وعلومه ﴿ مفتريات ﴾ صفة لعشر سور، وذلك مقابلة لقولهم افتراه، وليست المماثلة في الافتراء ﴿ وادعوا مَنِ استطعتم ﴾ أي استعينوا بمن شئتم ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مخاطبة من الله للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.

أي: إن لم يستجب الكفار إلى ما دعوتموهم إليه من معارضة القرآن؛ فاعلموا أنه من عند الله، وهذا على معنى دوموا على عملكم بذلك أو زيدوا يقيناً به، والثاني أن يكون خطاباً من النبي صلى الله عليه وسلم للكفار؛ أي إن لم يستجب من تدعونه من دون الله إلى شيء من المعارضة ولا قدر جميعكم عليه؛ فاعلموا أنه من عند الله، وهذا أقوى من الأول لقوله: فهل أنتم مسلمون؟

ومعنى بعلم الله: بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب وقوله: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ لفظه استفهام، ومعناه استدعاء إلى الإسلام وإلزام للكفار أن يسلموا، لما قال الدليل على صحة الإسلام لعجزهم عن الإيتان بمثل القرآن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ ، وإن كان معلوماً أنه لا يترك؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ وأمثاله، نهاه وإن كان معلوماً أن رسول الله  لا يفعل ذلك، وإنما احتمل النهي كما يقول الرجل لآخر لعلك تريد أن تفعل كذا فهو نهاه عن ذلك.

والثاني: يقال عند القرب إلى الفعل والدنو منه؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً  ﴾ يقال: حرف "كاد" عند الميل إليه والقرب منه طمعا منه في إيمانهم، وذلك فيما يحل له الترك، وذلك ما قيل من نحو سب آلهتهم وذكر العيب فيها، ويحل له ترك سب آلهتهم وشتمها.

وكذلك يخرج قوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ  ﴾ على هذين الوجهين، على المنع ألا يحمل على نفسه إشفاقاً على أنفسهم ألا يؤمنوا ما يوجب تلفه.

والثاني: على التخفيف؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [الحجر: 88]، وقوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ  ﴾ هو على التخفيف ليس على النهي.

وفي قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ...

﴾ الآية وجه آخر: وهو نهي يخرج مخرج البشارة [له بما] كان يخاف من ضيق صدره واشتغال قلبه عند سوء معاملتهم إياه، فيقع له فيه تأخير في إبلاغ ما أمر بتبليغه فأمنه الله عن ذلك وعصمه.

والوجه الثاني: في النهي عن ذلك هو ما يقع له فيه الرجاء، وذلك أن الأخيار إذا ابتلوا بالأشرار قد يؤذن لهم بمفارقتهم وترك الأمر فيهم، فلعله كان يقع له في مثله الرجاء أنه قد يؤذن له، في حال من الأحوال بتأخير التبليغ، فأيئسه عن ذلك وكلفه بتبليغ ما أمر له في جميع أحواله و ﴿ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل ما ذكر أهل التأويل من سب آلهتهم وعيبها وما تدعو إليه.

وقوله - عز وجل: ﴿ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ﴾ : يضيق صدره بما يقولون له استهزاء، وكذلك الحق أن كل من استهزئ به أن يضيق صدره لما لا يقدر على إتيان ما طلبوا منه من الكنز وإنزال الملك، وقد وعدوا أن يؤمنوا لو فعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ ﴾ : لأن للكنز والملك محلاًّ في قلوب أولئك وقدراً فقالوا: لولا أنزل عليه كنز [فيعظموه فيصدق على ما يدعي، وكذلك الملك له محل عظيم عندهم إذا كان معه عظموه وصدقوه.

وقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ﴾ أثر قولهم: لولا أنزل عليه كنز] أو جاء معه ملك أي: إنما أنت نذير ليس عليك إتيان ما سألوا، إنما ذلك تحكم منهم على الله  وأمانيُّ، فعليك إبلاغ ما أنزل إليك؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ أي: حفيظ لكل ما يقولون فيك ويتفوهون به، أو هو الوكيل والحفيظ لا أنت؛ كقوله: ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ ﴾ أي: قالوا: إنه افتراه، أي: محمد افترى هذا القرآن من عند نفسه.

﴿ قُلْ ﴾ : يا محمد إن كان افتريته على ما تقولون، ﴿ فَأْتُواْ ﴾ : أنتم، ﴿ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ : لأنكم أقدر على الافتراء من محمد؛ لأنكم قد عودتم أنفسكم الكذب والافتراء، ومحمد لم تأخذوه بكذب قط ولا ظهر منه افتراء، فمن عود نفسه الافتراء والكذب أقدر [عليه] ممن لم يعرف به [قط]، فأتوا بعشر سور مثله وادعوا أيضاً شهداءكم من الجن والإنس ممن استطعتم من دون الله يعينوكم على إتيان مثله، ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنه افتراه من عنده.

أو يقول: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ أي أن محمدا قد جاء بسور [فيها أنباء] ما أسررتم وأخفيتم مما لا سبيل إلى معرفة ذلك والاطلاع عليه إلا من جهة الوحي من السماء وإطلاع الله إياه، فأتوا أنتم بسورة مفتراة فيها أنباء ما أضمر هو وأسر، وتطلعون أنتم على سرائره كما اطلع هو على سرائركم، وادعوا من استطعتم ممن تعبدون من دون الله من الآلهة، إن كنتم صادقين أنه افتراه.

أو يقول: إن لسانكم مثل لسان محمد، فإن قدر هو على الافتراء افترى مثله من عنده، فتقدرون أنتم على افتراء مثله: فأتوا به، وادعوا أيضاً من لسانه مثل لسانكم حتى يعينوكم على ذلك، إن كنتم صادقين أنه افتراه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ .

قال بعضهم: بعشر نزل قبل ولم تقدروا على مثله، وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ دعوا أولا أن يأتوا بعشر سور، فلما عجزوا عن ذلك عند ذلك قيل لهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ \[فإن قيل: كيف ذكر: فأتوا بسور مفتريات\] قيل: معناه إن كان هذا مما يحتمل الافتراء على ما تزعمون، فأتوا بمثله أنتم لأنكم أقدر على الافتراء من محمد، فإن لم تقدروا لم يقدر أحد على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ﴾ أي: فإن لم تقدروا أنتم ولم يجيبوكم أولئك على الإعانة على إتيان مثله، فاعلموا [أنه] إنما أنزل بعلم الله وبأمره أتاه ومن عنده نزل، ليس بمفترى على ما تزعمون، وأن لا إله إلا الله لا ألوهية لمن تعبدون دونه من الأصنام والأوثان.

والثاني: فإن لم يستجيبوا لكم يا أصحاب رسول الله  ولم يقدروا على مثله، فاعلموا أنتم أنه إنما أنزل بعلم الله ومن عنده نزل على التنبيه والتذكير لهم، وإن كانوا علموا أنه من عنده نزل؛ كقوله: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ  ﴾ على التنبيه والتذكير ليس على أنه لا يعلم فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : خاضعون له مخلصون، وعلى التأويل الأول على حقيقة الإسلام، والإيمان، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بل أيقول المشركون: اختلق محمد القرآن، وليس وحيًا من الله، قل -أيها الرسول- متحديًا إياهم: فأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مُخْتَلقات لا تلتزمون فيها بصدق مثل القرآن الَّذي زعمتم أنَّه مُخْتَلق، وادعوا من استطعتم دعاءه؛ لتستعينوا به على ذلك، إن كنتم صادقين في دعوى أن القرآن مُخْتَلق.

<div class="verse-tafsir" id="91.X0yQa"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله