الآية ١٤ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٤ من سورة هود

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( فإن لم يستجيبوا لكم ) أي : فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه ، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك ، وأن هذا الكلام منزل من عند الله ، متضمن علمه وأمره ونهيه ، ( وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: فإن لم يستجب لكمْ من تدعون من دون الله إلى أنْ يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات، ولم تطيقوا أنتم وهم أن تأتوا بذلك، فاعلموا وأيقنوا أنه إنما أنـزل من السماء على محمد صلى الله عليه وسلم بعلم الله وإذنه، وأن محمدًا لم يفتره، ولا يقدر أن يفتريه ، (وأن لا إله إلا هو)، يقول: وأيقنوا أيضًا أن لا معبود يستحق الألوهة على الخلق إلا الله الذي له الخلق والأمر، فاخلعوا الأنداد والآلهة ، وأفردوا له العبادة.

* * * وقد قيل: إن قوله: (فإن لم يستجيبوا لكم) خطاب من الله لنبيه، كأنه قال: فإن لم يستجب لك هؤلاء الكفار ، يا محمد، فاعلموا ، أيها المشركون ، أنما أنـزل بعلم الله ، وذلك تأويل بعيد من المفهوم.

* * * وقوله: (فهل أنتم مسلمون) ، يقول: فهل أنتم مذعنون لله بالطاعة، ومخلصون له العبادة ، بعد ثبوت الحجة عليكم؟

* * * وكان مجاهد يقول: عني بهذا القول أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

18009- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فهل أنتم مسلمون) ، قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

18010- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال ، 18010- وحدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون) ، قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

18011- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

* * * وقيل: (فإن لم يستجيبوا لكم) ، والخطاب في أوّل الكلام قد جرى لواحدٍ، وذلك قوله: قُلْ فَأْتُوا ، ولم يقل: " فإن لم يستجيبوا لك " على نحو ما قد بينا قبلُ في خطاب رئيس القوم وصاحب أمرهم، أن العرب تخرج خطابه أحيانا مخرج خطاب الجمع، إذا كانَ خطابه خطابًا لأتباعه وجنده، وأحيانًا مخرج خطاب الواحد ، إذا كان في نفسه واحدًا.

(5) -------------------- الهوامش : (5) انظر ما سلف 12 : 298 ، 549 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمونقوله تعالى : فإن لم يستجيبوا لكم أي في المعارضة ولم تتهيأ لهم فقد قامت عليهم الحجة ; إذ هم اللسن البلغاء ، وأصحاب الألسن الفصحاء .

فاعلموا أنما أنزل بعلم الله واعلموا صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - " و " اعلموا " أن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون " استفهام معناه الأمر ، وقد تقدم القول في معنى هذه الآية ، وأن القرآن معجز في مقدمة الكتاب .

والحمد لله .وقال : قل فأتوا وبعده .

فإن لم يستجيبوا لكم ولم يقل لك ; فقيل : هو على تحويل المخاطبة من الإفراد إلى الجمع تعظيما وتفخيما ; وقد يخاطب الرئيس بما يخاطب به الجماعة .

وقيل : الضمير في " لكم " وفي " فاعلموا " للجميع ، أي فليعلم الجميع أنما أنزل بعلم الله ; قاله مجاهد .

وقيل : الضمير في " لكم " وفي " فاعلموا " للمشركين ; [ ص: 14 ] والمعنى : فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المعاونة ; ولا تهيأت لكم المعارضة فاعلموا أنما أنزل بعلم الله .

وقيل : الضمير في " لكم " للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين ، وفي " فاعلموا " للمشركين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ } على شيء من ذلكم { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ } [من عند الله] لقيام الدليل والمقتضي، وانتفاء المعارض.

{ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } أي: واعلموا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أي: هو وحده المستحق للألوهية والعبادة، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } أي: منقادون لألوهيته، مستسلمون لعبوديته، وفي هذه الآيات إرشاد إلى أنه لا ينبغي للداعي إلى الله أن يصده اعتراض المعترضين، ولا قدح القادحين.

خصوصا إذا كان القدح لا مستند له، ولا يقدح فيما دعا إليه، وأنه لا يضيق صدره، بل يطمئن بذلك، ماضيا على أمره، مقبلا على شأنه، وأنه لا يجب إجابة اقتراحات المقترحين للأدلة التي يختارونها.

بل يكفي إقامة الدليل السالم عن المعارض، على جميع المسائل والمطالب.

وفيها أن هذا القرآن، معجز بنفسه، لا يقدر أحد من البشر أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور من مثله، بل ولا بسورة من مثله، لأن الأعداء البلغاء الفصحاء، تحداهم الله بذلك، فلم يعارضوه، لعلمهم أنهم لا قدرة فيهم على ذلك.

وفيها: أن مما يطلب فيه العلم، ولا يكفي غلبة الظن، علم القرآن، وعلم التوحيد، لقوله تعالى: { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإن لم يستجيبوا لكم ) يا أصحاب محمد .

وقيل : لفظه جمع والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم وحده .

( فاعلموا ) قيل : هذا خطاب مع المؤمنين .

وقيل : مع المشركين ، ( أنما أنزل بعلم الله ) يعني : القرآن .

وقيل : أنزله وفيه علمه ، ( وأن لا إله إلا هو ) أي : فاعلموا أن لا إله إلا هو ، ( فهل أنتم مسلمون ) لفظه استفهام ومعناه أمر ، أي : أسلموا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإ» ن «لم يستجيبوا لكم» أي من دعوتموهم للمعاونة «فاعلموا» خطاب للمشركين «أنما أنزل» ملتبسا «بعلم الله» وليس افتراء عليه «وأن» مخففة أي أنه «لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون» بعد هذه الحجة القاطعة أي أسلموا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن لم يستجب هؤلاء المشركون لكم -أيها الرسول ومَن آمن معك- لما تدعونهم إليه؛ لِعَجْز الجميع عن ذلك، فاعلموا أن هذا القرآن إنما أنزله الله على رسوله بعلمه وليس من قول البشر، واعلموا أن لا إله يُعبد بحق إلا الله، فهل أنتم -بعد قيام هذه الحجة عليكم- مسلمون منقادون لله ورسوله؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ الله وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ) إرشاد لهؤلاء المشركين إلى طريق الحق والسعادة لو كانوا يعقلون ، إذ الخطاب موجه إليهم لعلهم يثوبون إلى الرشد .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين تحديتهم أن يأتوا بعشر سور من مثل القرآن ، وأبحث لهم أن يستعينوا فى ذلك بمن شاءوا من البشر ، قل لهم : فإن لم يستجب لدعوتكم من استعنتم بهم فى الإِتيان بعشر سور من مثل القرآن ..

وهم لن يستجيبوا لكم قطعا - ( فاعلموا ) أيها الناس أن هذا القرآن ( أُنزِلِ بِعِلْمِ الله ) وحده ، وبقدرته وحدها .

ولا يقدر على إنزاله بتلك الصورة أحد سواه .واعلموا - أيضا - أنه ( لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ) - سبحانه - فهو الإِله الحق ، الذى تعنوا له الوجوه ، وتخضع له القلوب ، وتتجه إليه النفوس بالعبادة والطاعة .( فَهَلْ أَنتُمْ ) أيها المشركون بعد كل تلك الأدلة الواضحة الدالة على وحدانية الله ، وعلى أن هذا القرآن من عنده ( مُّسْلِمُونَ ) أى : داخلون فى الإِسلام ، متبعون لما جاءكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - .والمراد بالعلم فى قوله ( فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلِ .

.

.

) : الاعتقاد الجازم البالغ نهاية اليقين ، أى فأيقنوا أن هذا القرآن ما أنزل إلا ملابس لعلم الله - تعالى - المحيط بكل شئ .والفاء فى قوله ( فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ) للتفريع ، والاستفهام هنا المقصود به الحض على الفعل وعدم تأخيره .أى : فهل أنتم بعد كل هذه الأدلة على صدق ما جاءكم به نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - تشكون فى أن الإِسلام هو الدين الحق؟

إن الشك فى ذلك لا يكون من عاقل ، فبادروا إلى الدخول فى الإِسلام إن كنتم من ذوى العقول التى تعقل ما يقال لها .ويرى بعض العلماء أن الخطاب فى هذه الآية موجه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ، أو إليه وحده - صلى الله عليه وسلم - وعلى سبيل التعظيم وعليه يكون المعنى :" فإن لم يستجب لكم - أيها المؤمنون - هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، بعد أن ثبت عجزهم عن الإِتيان بما تحديثموهم به ( فاعلموا ) أى فازدادوا علما ويقينا وثباتا ، بأن هذا القرآن " إنما أنزل بعلم الله " الذى لا يعزب عنه شئ ، وازدادوا علما بأنه لا إله إلا هو - سبحانه - مستحق للعبادة والطاعة ، فهل أنتم بعد كل ذلك ( مُّسْلِمُونَ ) أى ثابتون على الإِسلام ، وملتزمون بكل أوامره ونواهيه .ومع أننا نرى أن القولين صحيحان من حيث المعنى ، إلا أننا نفضل الرأى الأول القائل بأن الخطاب للمشركين ، لأن سياق الآيات السابقة فى شأنهم فلان يكون الخطاب لهم هنا أولى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الآية المتقدمة اشتملت على خطابين: أحدهما: خطاب الرسول، وهو قوله: ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ والثاني: خطاب الكفار وهو قوله: ﴿ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله  ﴾ فلما أتبعه بقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ﴾ احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم يستجيبوا في المعارضة لتعذرها عليهم، واحتمل أن من يدعونه من دون الله لم يستجيبوا، فلهذا السبب اختلف المفسرون على قولين: فبعضهم قال: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والمراد أن الكفار إن لم يستجيبوا لكم في الإتيان بالمعارضة، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله.

والمعنى: فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقيناً وثبات قدم على أنه منزل من عند الله، ومعنى قوله: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ أي فهل أنتم مخلصون، ومنهم من قال فيه إضمار، والتقدير: فقولوا أيها المسلمون للكفار اعلموا أنما أنزل بعلم الله.

والقول الثاني: أن هذا خطاب مع الكفار، والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله إذا لم يستجيبوا لكم في الإعانة على المعارضة، فاعلموا أيها الكفار أن هذا القرآن إنما أنزل بعلم الله فهل أنتم مسلمون بعد لزوم الحجة عليكم، والقائلون بهذا القول قالوا هذا أولى من القول الأول، لأنكم في القول الأول احتجتم إلى أن حملتم قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ على الأمر بالثبات أو على إضمار القول، وعلى هذا الاحتمال لا حاجة فيه إلى إضمار، فكان هذا أولى، وأيضاً فعود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب، وأقرب المذكورين في هذه الآية هو هذا الاحتمال الثاني، وأيضاً أن الخطاب الأول كان مع الرسول عليه الصلاة والسلام وحده بقوله: ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ  ﴾ والخطاب الثاني كان مع جماعة الكفار بقوله: ﴿ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله  ﴾ وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ﴾ خطاب مع الجماعة فكان حمله على هذا الذي قلناه أولى.

بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: ما الشيء الذي لم يستجيبوا فيه؟

الجواب: المعنى فإن لم يستجيبوا لكم في معارضة القرآن، وقال بعضهم فإن لم يستجيبوا لكم في جملة الإيمان وهو بعيد.

السؤال الثاني: من المشار إليه بقوله: ﴿ لَكُمْ ﴾ ؟

والجواب: إن حملنا قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ﴾ على المؤمنين فذلك ظاهر، وإن حملناه على الرسول فعنه جوابان: الأول: المراد فإن لم يستجيبوا لك وللمؤمنين، لأن الرسول عليه السلام والمؤمنين كانوا يتحدونهم، وقال في موضع آخر فإن لم يستجيبوا لك فاعلم.

والثاني: يجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

السؤال الثالث: أي تعلق بين الشرط المذكور في هذه الآية وبين ما فيها من الجزاء.

والجواب: أن القوم ادعوا كون القرآن مفترى على الله تعالى، فقال: لو كان مفترى على الله لوجب أن يقدر الخلق على مثله ولما لم يقدروا عليه، ثبت أنه من عند الله، فقوله: ﴿ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله ﴾ كناية عن كونه من عند الله ومن قبله، كما يقول الحاكم هذا الحكم جرى بعلمي.

السؤال الرابع: أي تعلق لقوله: ﴿ وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ يعجزهم عن المعارضة.

والجواب فيه من وجوه: الأول: أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم حتى يطلب من الكفار أن يستعينوا بالأصنام في تحقيق المعارضة ثم ظهر عجزهم عنها فحينئذ ظهر أنها لا تنفع ولا تضر في شيء من المطالب ألبتة، ومتى كان كذلك، فقد بطل القول بإثبات كونهم آلهة، فصار عجز القوم المعارضة بعد الاستعانة بالأصنام مبطلاً لإلهية الأصنام ودليلاً على ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان قوله: ﴿ وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ إشارة إلى ما ظهر من فساد القول بإلهية الأصنام: الثاني: أنه ثبت في علم الأصول أن القول بنفي الشريك عن الله من المسائل التي يمكن إثباتها بقول الرسول عليه السلام، وعلى هذا فكأنه قيل: لما ثبت عجز الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقاً، وثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً في دعوى الرسالة، ثم إنه كان يخبر عن أنه لا إله إلا الله فلما ثبت كونه محقاً في دعوى النبوة ثبت قوله: ﴿ أَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ الثالث: أن ذكر قوله: ﴿ وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ جار مجرى التهديد، كأنه قيل: لما ثبت بهذا الدليل كون محمد عليه السلام صادقاً في دعوى الرسالة وعلمتم أنه لا إله إلا الله، فكونوا خائفين من قهره وعذابه واتركوا الإصرار على الكفر واقبلوا الإسلام ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة عند ذكر آية التحدي: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التى وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ للكافرين  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ .

فإن قلنا: إنه خطاب مع المؤمنين كان معناه الترغيب في زيادة الإخلاص.

وإن قلنا: إنه خطاب مع الكفار كان معناه الترغيب في أصل الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ما وجه جمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله: ﴿ لَكُمْ فاعلموا ﴾ بعد قوله: ﴿ قُلْ ﴾ ؟

قلت: معناه فإن لم يستجيبوا لك وللمؤمنين لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، وقد قال في موضع آخر: ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعلم ﴾ [القصص: 50] ويجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله: فَإنْ شَئْتُ حَرَّمْتُ النْسَاءَ سِوَاكُمُ وووجه آخر: وهو أن يكون الخطاب للمشركين، والضمير في ﴿ لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ ﴾ لمن استطعتم، يعني: فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على معارضته لعلمهم بالعجز عنه وأن طاقتهم أقصر من أن تبلغه ﴿ فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله ﴾ أي أنزل ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله، من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه ﴿ و ﴾ اعلموا عند ذلك ﴿ و أَن لاَّ إله إِلاَّ ﴾ الله وحده، وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ مبايعون بالإسلام بعد هذه الحجة القاطعة، وهذا وجه حسن مطرد.

ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه: فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه، وازدادوا يقيناً وثبات قدم على أنه منزل من عند الله وعلى التوحيد.

ومعنى ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ فهل أنتم مخلصون؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ والهاءُ لِـ ﴿ ما يُوحى ﴾ .

﴿ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ﴾ في البَيانِ وحَسُنِ النَّظْمِ تَحَدّاهم أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ ثُمَّ لَمّا عَجَزُوا عَنْها سَهَّلَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ وتَحَدّاهم بِسُورَةٍ، وتَوْحِيدُ المِثْلِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدَةٍ.

﴿ مُفْتَرَياتٍ ﴾ مُخْتَلَقاتٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنْ صَحَّ أنِّي اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي فَإنَّكم عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي تَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ بَلْ أنْتُمْ أقْدَرُ لِتَعَلُّمِكُمُ القِصَصَ والأشْعارَ وتَعَوُّدِكُمُ القَرِيضَ والنَّظْمَ.

﴿ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ إلى المُعاوَنَةِ عَلى المُعارَضَةِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنَّهُ مُفْتَرًى ﴿ فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ بِإتْيانِ ما دَعَوْتُمْ إلَيْهِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ إمّا لِتَعْظِيمِ الرَّسُولِ  أوْ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا أيْضًا يَتَحَدَّوْنَهم، وكانَ أمْرُ الرَّسُولِ  مُتَناوِلًا لَهم مِن حَيْثُ إنَّهُ يَجِبُ أتْباعُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ أمْرٍ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّحَدِّيَ مِمّا يُوجِبُ رُسُوخَ إيمانِهِمْ وقُوَّةَ يَقِينِهِمْ فَلا يَغْفُلُونَ عَنْهُ ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ.

﴿ وَأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ واعْلَمُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّهُ العالِمُ القادِرُ بِما لا يَعْلَمُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ولِظُهُورِ عَجْزِ آلِهَتِهِمْ ولِتَنْصِيصِ هَذا الكَلامِ الثّابِتِ صِدْقُهُ بِإعْجازِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإقْناطٌ مِن أنْ يُجِيرَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ آلِهَتُهم.

﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ثابِتُونَ عَلى الإسْلامِ راسِخُونَ فِيهِ مُخْلِصُونَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَكم إعْجازُهُ مُطْلَقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ والضَّمِيرُ في (لَمْ يَسْتَجِيبُوا) لِمَنِ اسْتَطَعْتُمْ أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم إلى المُظاهَرَةِ لِعَجْزِهِمْ وقَدْ عَرَفْتُمْ مِن أنْفُسِكُمُ القُصُورَ عَنِ المُعارَضَةِ فاعْلَمُوا أنَّهُ نَظْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِهِ وأنَّ ما دَعاكم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ حَقٌّ فَهَلْ أنْتُمْ داخِلُونَ في الإسْلامِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ، وفي مِثْلِ هَذا الِاسْتِفْهامِ إيجابٌ بَلِيغٌ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ والتَّنْبِيهِ عَلى قِيامِ المُوجِبِ وزَوالِ العُذْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ} أى أنزل ملتبسا بمالا يعلمه إلا الله من نظم معجز للخلق واخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه واعملوا عند ذلك أن لا إله إلا الله وحده وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم وإنما جمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله لكم فاعلموا بعد قوله قل لأن الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأن

رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يحدثونهم أو لأن الخطاب

هود (١٤ _ ١٨)

للمشركين والضمير في فإن لم يستجيبوا لمن استطعتم أي فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنما أنزل بعلم الله أي بإذنه أو بأمره {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} متبعون للإسلام بعد هذه الحجة القاطعة ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه فاثبتوا على العلم الذى أنتم مسلمون مخلصون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ الخِطابُ -عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ- لِلْمَأْمُورِينَ بِدُعاءِ مَنِ اسْتَطاعُوا، وضَمِيرُ الجَمْعِ الغائِبِ عائِدٌ إلى مَن أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم مَن تَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إلى الإسْعادِ والمُظاهَرَةِ عَلى المُعارَضَةِ لِعِلْمِهِمْ بِالعَجْزِ عَنْهُ وأنَّ طاقَتَهم أقْصَرُ مِن أنْ تَبْلُغَهُ ﴿ فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾ أيْ ما أُنْزِلَ إلّا مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ تَعالى لا بِعِلْمِ غَيْرِهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ كَلِمَةُ (أنَّما) فَإنَّها تَفِيدُ الحَصْرَ كالمَكْسُورَةِ عَلى الصَّحِيحِ، قِيلَ: وهو مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: أيْ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الحَصْرَ إنَّما أفادَتْهُ الإضافَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا ﴾ والمُرادُ بِما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ تَعالى الكَيْفِيّاتُ والمَزايا الَّتِي بِها الإعْجازُ والتَّحَدِّي، وذَكَرَ عَدَمَ قُدْرَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، وإلّا فالمَذْكُورُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ العِلْمُ دُونَ القُدْرَةِ، وقِيلَ: ذاكَ لِأنَّ نَفْيَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ القُدْرَةِ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى ما لا يَعْلَمُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ، وإيرادُ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن جِهَةِ مَن يَدْعُونَهُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَمالِ سَخافَةِ العَقْلِ وتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالعِلْمِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالدُّعاءِ المَسْبُوقِ بِتَعْجِيزِهِمْ واضْطِرارِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم عِنْدَ التِجائِكم إلَيْهِمْ بَعْدَ ما اضْطَرَرْتُمْ إلى ذَلِكَ وضاعَتْ عَلَيْكُمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِكُمُ العِلَلُ ( فاعْلَمُوا ) إلَخْ..

أوْ مِن حَيْثُ إنَّ مَن يَدْعُونَهم إلى المُعارَضَةِ أقْوى مِنهم في اعْتِقادِهِمْ، فَإذا ظَهَرَ عَجْزُهم بِعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ، وإنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ عَجْزِ أنْفُسِكم يَكُونُ عَجْزُهم أظْهَرَ وأوْضَحَ.

وبِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا يَظْهَرُ أنْ لا إشْكالَ في الآيَةِ، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ قَوْلُ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ: إنَّ تَرْتِيبَ هَذا المَشْرُوطِ يَعْنِي العِلْمَ عَلى ذَلِكَ الشَّرْطِ يَعْنِي عَدَمَ الِاسْتِجابَةِ، مُشْكِلٌ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾ مُشْكِلٌ أيْضًا إذْ لا تَصِحُّ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ إذْ لَيْسَ العِلْمُ سَبَبًا في إنْزالِهِ، ولا لِلْمُصاحَبَةِ إذِ العِلْمُ لا يَصْحَبُهُ في إنْزالِهِ، وأنَّ الجَوابَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالعِلْمِ إلّا عِلْمَنا نَحْنُ، وأُضِيفَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ﴾ حَيْثُ أُضِيفَتِ الشَّهادَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ تَعالى شَرَعَها، والقُرْآنُ قَدْ نَزَلَ بِأدِلَّةِ العِلْمِ بِأحْكامِ اللَّهِ تَبارَكَ اسْمُهُ، فَعَبَّرَ بِالمَدْلُولِ عَنِ الدَّلِيلِ، والتَّقْدِيرُ ﴿ فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ ﴾ مَصْحُوبًا بِانْتِشارِ عِلْمِ الأحْكامِ، وهي الأدِلَّةُ، ولا شَكَّ أنَّهُ يُناسِبُ إذا عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أدِلَّةُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، انْتَهى.

ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ غَفَلَ هَذا العالِمُ الماهِرُ عَنْ ذَلِكَ التَّفْسِيرِ الظّاهِرِ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: مِن شِدَّةِ الظُّهُورِ الخَفاءُ ﴿ وأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ أيْ: واعْلَمُوا أيْضًا أنَّهُ تَعالى المُخْتَصُّ بِالأُلُوهِيَّةِ وأحْكامِها وأنَّ آلِهَتَكم بِمَعْزِلٍ عَنْ رُتْبَةِ الشَّرِكَةِ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ.

﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ .

أيْ داخِلُونَ في الإسْلامِ إذا لَمْ يَبْقَ بَعْدُ شائِبَةُ شُبْهَةٍ في حَقِّيَّتِهِ وفي بُطْلانِ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الإذْعانُ بِكَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي هو كَوْنُ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وتارِكُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، وفي الِاسْتِفْهامِ إيجابٌ بَلِيغٌ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ والتَّنْبِيهِ عَلى قِيامِ المُوجَبِ وزَوالِ المانِعِ؛ ولِهَذا جِيءَ بِالفاءِ، وفي التَّعْبِيرِ -بِمُسْلِمُونَ- دُونَ تُسْلِمُونَ تَأْيِيدٌ لِما يَقْتَضِيهِ تَرْتِيبُ ما ذُكِرَ عَلى ما قُبِلَ بِها مِن وُجُوبِهِ بِلا مُهْلَةٍ، قِيلَ: وفي ذَلِكَ أيْضًا إقْناطٌ لَهم مِن أنْ يُجِيرَهم آلِهَتُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (لَكُمْ) لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ)، ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وكانَ المُناسِبُ لِلْأمْرِ -بِقُلْ- الإفْرادَ لَكِنَّهُ جَمَعَ لِلتَّعْظِيمِ، وهو لا يَخْتَصُّ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَما قالَهُ الرَّضِيُّ، ومِن ذَلِكَ: وإنْ شِئْتَ حُرِمَتِ النِّساءُ سِواكُمْ والجُمْلَةُ غَيْرُ داخِلَةٍ في حَيِّزِ القَوْلِ بَلْ هي مِن قِبَلِهِ تَعالى لِلْحُكْمِ بِعَجْزِهِمْ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا ﴾ ، وعَبَّرَ بِالِاسْتِجابَةِ إيماءً إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى كَمالِ الأمْنِ مِن أمْرِهِ كَأنَّ أمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ دُعاءٌ لَهم إلى أمْرٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم أتْباعٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ عَلى أنَّ حَقَّهم أنْ لا يَنْفَكُّوا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُناصِبُوا مَعَهُ لِمُعارَضَةِ المُعانِدِينَ كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجِهادِ، وإرْشادٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ الرُّسُوخَ في الإيمانِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ ما تَرَتَّبَ.

والمُرادُ بِالعِلْمِ المَأْمُورِ بِهِ ما هو في المَرْتَبَةِ العُلْيا الَّتِي كَأنَّ ما عَداها مِن مَراتِبِ العِلْمِ لَيْسَ بِعِلْمٍ لَكِنْ لا لِلْإشْعارِ بِانْحِطاطِ تِلْكَ المَراتِبِ بَلْ بِارْتِفاعِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، ويَعْلَمُ مِن ذَلِكَ سِرَّ إيرادِ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ القَطْعِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، فَإنَّ تَنْزِيلَ سائِرِ المَراتِبِ مَنزِلَةَ العَدَمِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَنْزِيلِ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مَنزِلَةَ الشَّكِّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ الِاسْتِمْرارَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ، ومَعْنى ( مُسْلِمُونَ ) مُخْلِصُونَ في الإسْلامِ أوْ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، والكَلامُ مِن بابِ التَّثْبِيتِ والتَّرْقِيَةِ إلى مَعارِجِ اليَقِينِ، واخْتارَ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِذَلِكَ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ أنْسَبُ بِما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ﴾ ولِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ وأشَدُّ بِما يُعْقِبُهُ، وقَدْ يُؤَيِّدُ أيْضًا بِما أشَرْنا إلَيْهِ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ الكَلامَ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مُوافِقٌ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لِلْكُفّارِ، والضَّمِيرُ في هَذِهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ فَلْيَكُنْ لَهم أيْضًا، ولِأنَّ الكُفّارَ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ، فَرُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِمْ أوْلى، ولِأنَّ في التَّفْسِيرِ الثّانِي تَأْوِيلاتٍ لا يُحْتاجُ إلَيْها في الأوَّلِ.

ومِن هُنا اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ.

واسْتَحْسَنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَعَلَّ مُرَجِّحاتِهِ أقْوى مِن مُرَجِّحاتِ الأخِيرِ عِنْدَ مَن تَأمَّلَ؛ فَلِذا قَدَّمْناهُ، وإنْ قِيلَ: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ، ويُكْتَبُ -فالم- في المُصْحَفِ -عَلى ما قالَ الأجْهُورِيُّ- بِغَيْرِ نُونٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -نَزَّلَ- بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها، وفي البَحْرِ أنَّ -ما- يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ أنَّ التَّنْزِيلَ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي أيْ أنَّ الَّذِي نَزَّلَهُ، وحَذْفُ العائِدِ المَنصُوبِ في مِثْلِ ما ذُكِرَ شائِعٌ، وفاعِلُ -نَزَّلَ- ضَمِيرُهُ تَعالى، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ -ما- مَوْصُولَةً عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيْضًا، ويَبْعُدُ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَعْرُوفِ في مِثْلِهِ أنَّها مَوْصُولَةٌ فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وذلك أن كفار مكة.

قالوا: كيف لا ينزل الله إليه ملكا، أو يكون له كنز، وطلبوا منه بأن لا يعيب آلهتهم، فهمَّ النبي  بأن يترك عيبها رجاء أن يتبعوه، فنزل: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ مِن أمر الآلهة وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ في البلاغ، أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ يعني: المال، أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ يُعِينُهُ ويُصَدِّقُهُ، فأمر بأن لا يترك تبليغ الرسالة بقولهم وقال: قُلْ يا محمد، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ يعني: إنما عليك تبليغ الرسالة والتخويف.

وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يعني: شهيد بأنك رسول الله تعالى.

قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ يعني: أتقولون، وأَمْ صلة افتراء، يعني: اختلقه من تلقاء نفسه.

قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ يعني: مختلقات.

قال الكلبي: يعني: بعشر سور مثله مثل سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والتوبة، ويونس.

وهود، لأن العاشرة هي سورة هود.

وقال بعضهم: هذا التفسير لا يصح، لأن سورة هود مكية، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة مدنيات، أُنْزِلَتْ بعد سورة هود بمدة طويلة.

ولكن معناه: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مثل سور القرآن، أي سورة كانت، مُفْتَرَياتٍ يعني: مختلقات إن كنتم تزعمون أن محمدا  يختلقه من ذات نفسه، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: استعينوا بآلهتكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في مقالتكم.

فسكتوا ولم يجيبوا، فنزل قوله تعالى: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ يعني: فإن لم يجيبوك، خاطب النبيّ  بلفظ الجماعة، كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: 51] ويقال: أراد النبي  وأصحابه، فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ يقال: فاعلموا يا أهل مكة، إنما أُنزل بعلم الله، يعني: أنزل جبريل هذا القرآن بإذن الله تعالى وبأمره.

وقال القتبي: بِعِلْمِ اللَّهِ يعني: من علم الله، والباء مكان من.

ثم قال تعالى: وَأَنْ لاَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: فاعلموا أن لا إله إلا هو، يعني: أن الله تعالى هو منزل الوحي، وليس أحد ينزل الوحي غيره فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يعني: مقرّين بأن الله أنزله على محمد  ويقال: مخلصون بالتوحيد ويقال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هذا على وجه الأمر، يعني: أسلموا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان.

قال ص، وع «١» : وعبَّر ب ضائِقٌ وإِن كان أقلَّ استعمالا من «ضَيِّقٍ» لمناسبة تارِكٌ ولأن ضائِقٌ وصفٌ عارضٌ بخلاف «ضيق» فإِنه يدل على الثبوت، والصّالح هنا الأول بالنسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم، والضمير في «به» عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على «ما» وأَنْ يَقُولُوا أي: كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، أي: هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ: «أم» بمعنى: «بل» ، والافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر.

وقوله سبحانه: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس: هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشراً.

قال ع «٢» : وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في «سورة يونس» ، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله:

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: يريد في أنّ القرآن مفترى.

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)

وقوله سبحانه: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، لهذه الآية تأويلان:

أحدهما: أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للكفَّار، أي: ويكون ضميرُ يَسْتَجِيبُوا على هذا التأويل عائداً على معبوداتهم.

والثاني: أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله على هذا فَاعْلَمُوا بمعنى: دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد: قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ:

هو لأصحابِ محمَّد عليه السلام «١» .

وقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...

الآية: قالت قتادةُ وغيره:

هي في الكَفَرة «٢» ، وقال مجاهد: هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين «٣» .

وإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار، وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامِه» : بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ مَا نَوَى» «٤» ، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه.

وقوله: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها: قيل: ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل: إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في «حم عسق» : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الآية [الشورى: ٢٠] إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في «سورة سُبْحانَ» ، وهي قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ...

الآية [الإِسراء: ١٨] ، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم: «مَاذَا عَمِلْتَ؟» ثم قال في آخر الحديث: ثمّ ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ركبتيّ، وقال: يا أبا هريرة،

أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ، ثُمَّ قرأ قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها» «١» ، أي: في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم.

انتهى.

وحَبِطَ: معناه: بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال.

قال ص: قوله: مَا صَنَعُوا: «ما» بمعنى: «الَّذِي» ، أو مصدريةٌ، و «فيها» :

متعلِّقٌ ب «حَبِطَ» ، والضمير في «فيها» عائدً على الآخرة، أي: ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق ب «صَنَعُوا» فيكون عائداً على الدنيا.

انتهى.

و «الباطل: كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه، وقوله سبحانه:

أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: في الآية تأويلات.

قال ع «٢» : والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية: أَنْ يكون «أَفَمَن» للمؤمنين، أو لهم وللنبيّ صلّى الله عليه وسلّم معهم، والبينة: القرآن وما تضمّن، والشاهد:

الإِنجيلُ، يريد: أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في «يتلوه» للبيِّنة، وفي «منه» للربِّ، والضميرُ في «قبله» للبينة أيضاً، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل: إِذا كان الضمير في «قَبْله» عائداً على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى؟، فالجوابُ: أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان الاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [الأحقاف: ٣٠] والْأَحْزابِ هاهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنه قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار» «٣» ، قال سعيدٌ: فقلْتُ: أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟

حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وكنت إذا سمعت حديثا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ «٤» ، وقرأ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ " أمْ " بِمَعْنى " بَلْ " و " افْتَراهُ " أتى بِهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ.

"قُلْ فَأْتُوا" أنْتُمْ في مُعارَضَتِي ﴿ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ﴾ في البَلاغَةِ ﴿ مُفْتَرَياتٍ ﴾ بِزَعْمِكم ودَعْواكم ﴿ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مَنِ دُونِ اللَّهِ ﴾ إلى المُعاوَنَةِ عَلى المُعارَضَةِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في قَوْلِكُمُ: " افْتَراهُ " .

﴿ فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ أيْ: يُجِيبُوكم إلى المُعارَضَةِ، فَقَدْ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ لَكم.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ القَوْلَ في قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ فَأْتُوا ﴾ ثُمَّ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ  وحْدَهُ في المَوْضِعَيْنِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لَهُ بِقَوْلِهِ: " لَكم " تَعْظِيمًا، لِأنَّ خِطابَ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمِيعِ تَعْظِيمٌ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ وحَّدَ في الأوَّلِ لِخِطابِ النَّبِيِّ  .

وجَمَعَ في الثّانِي لِمُخاطَبَةِ النَّبِيِّ  وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِإنْزالِهِ، وعالِمٌ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن عِنْدِهِ.

والثّانِي أنْزَلَهُ بِما أخْبَرَ فِيهِ مِنَ الغَيْبِ، ودَلَّ عَلى ما سَيَكُونُ وما سَلَفَ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ أيْ: واعْلَمُوا ذَلِكَ.

﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ.

وفِيمَن خُوطِبَ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ، ومَعْنى إسْلامِهِمْ: إخْلاصُهم لِلَّهِ العِبادَةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وأنْ لا إلَهَ إلا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لِهَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ مِنَ النَبِيِّ  لِلْكُفّارِ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ مَن تَدْعُونَهُ إلى شَيْءٍ مِنَ المُعارَضَةِ ولا قَدَرَ جَمِيعُكم عَلَيْها فَأذْعِنُوا حِينَئِذٍ واعْلَمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، ويَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ مُتَمَكِّنًا.

والثانِي: أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبِ الكُفّارُ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُعارَضَةِ فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ.

وهَذا عَلى مَعْنى: دُومُوا عَلى عِلْمِكُمْ، لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ.

قالَ مُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ هو لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِعِلْمِ اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: بِإذْنِهِ وعَلى عِلْمٍ مِنهُ.

والثانِي: أنَّهُ أُنْزِلَ بِما عَلِمَهُ اللهُ تَعالى مِنَ الغُيُوبِ، فَكَأنَّهُ أرادَ: "المَعْلُوماتُ لَهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: ظاهِرُها العُمُومُ ومَعْناها الخُصُوصُ في الكَفَرَةِ.

هَذا قَوْلُ قَتادَةَ والضَحّاكِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي في الكَفَرَةِ وفي أهْلِ الرِياءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإلى هَذا ذَهَبَ مُعاوِيَةُ حِينَ حَدَّثَهُ سَيّافُهُ شُفَيُّ بْنُ ماتِعٍ الأصْبَحِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ  في الرَجُلِ المُتَصَدِّقِ، والمُجاهِدِ المَقْتُولِ، والقائِمِ بِالقُرْآنِ لَيْلَهُ ونَهارَهُ -وَكُلُّ ذَلِكَ رِياءً- أنَّهم أوَّلُ مَن تُسَعَّرُ بِهِ النارُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَمّا حَدَّثَهُ شُفَيٌّ بِهَذا الحَدِيثِ بَكى مُعاوِيَةُ وقالَ: صَدَقَ اللهُ ورَسُولَهُ، وتَلا: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها ﴾ ...

الآيَةُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .

فَأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في الكَفَرَةِ فَمَعْنى قَوْلِهِ: "يُرِيدُ": يَقْصِدُ ويَعْتَمِدُ، أيْ: هي وجْهُهُ ومَقْصِدُهُ لا مَقْصِدَ لَهُ غَيْرُها.

فالمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ الدُنْيا فَقَطْ إذْ لا يَعْتَقِدُ الآخِرَةَ فَإنَّ اللهَ يُجازِيهِ عَلى حُسْنِ أعْمالِهِ -فِي الدُنْيا- بِالنِعَمِ والحَواسِّ وغَيْرِ ذَلِكَ: فَمِنهم مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ، ومِنهم مُوَسَّعٌ لَهُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِالنارِ، ولا تَكُونُ لَهم حالٌ سِواها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فاسْتَقامَ هَذا المَعْنى عَلى لَفْظِ الآيَةِ.

وهو عِنْدِي أرْجَحُ التَأْوِيلاتِ بِحَسَبِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكُفّارِ المُناقِضِينَ في القُرْآنِ، فَإنَّما قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ أُولَئِكَ.

وأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَمَعْنى "يُرِيدُ" عِنْدَهُ: يُحِبُّ ويُؤْثِرُ ويُفَضِّلُ ويَقْصِدُ، وإنْ كانَ لَهُ مَقْصِدٌ آخَرُ بِإيمانِهِ، فَإنَّ اللهَ يُجازِيهِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ الحِسانِ -الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها لِلَّهِ- بِالنِعَمِ في الدُنْيا، ثُمَّ يَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ ﴾ بِمَعْنى: لَيْسَ يَجِبُ لَهم أو يَحِقُّ لَهم إلّا النارُ، وجائِزٌ أنْ يَتَغَمَّدَهُمُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ، وهَذا هو ظاهِرُ ألْفاظِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: هي في أهْلِ الكِتابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذا أنَّ أهْلَ الكِتابِ الكَفَرَةَ يَدْخُلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، لا أنَّها لَيْسَتْ في غَيْرِهِمْ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُوَفِّ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: "يُوَفِّ" بِياءِ الغائِبِ.

و"يُبْخَسُونَ" مَعْناهُ: يُعْطَوْنَ أقَلَّ مِن ثَوابِهِمْ، و"حَبِطَ" مَعْناهُ: بَطَلُ وسَقَطَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"»، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في فَسادِ الأعْمالِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: فِيها عائِدٌ عَلى الدُنْيا في الأوَّلَيْنِ وفي الثالِثَةِ عائِدٌ عَلى الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ في الثَلاثَةِ عَلى الدُنْيا ويُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ الثانِيَةُ عَلى الأعْمالِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَباطِلٌ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَباطِلًا" بِالنَصْبِ قالَ أبُو حاتِمٍ: ثَبَتَتْ في أرْبَعَةِ مَصاحِفَ، والعامِلُ فِيهِ يَعْمَلُونَ وما زائِدَةٌ، التَقْدِيرُ: وباطِلًا كانُوا يَعْمَلُونَ.

والباطِلُ كُلُّ ما تَقْتَضِي ذاتُهُ ألّا تُنالَ بِهِ غايَةٌ في ثَوابٍ ونَحْوِهِ وبِاللهِ التَوْفِيقُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على ﴿ وادْعوا من استطعتم ﴾ [هود: 13] أي فإن لم يستجب لكم مَن تدعو لهم فأنتم أعجز منهم لأنكم ما تدعونهم إلاّ حين تشعرون بعجزكم دون معاون فلا جرم يكون عجز هؤلاء موقعاً في يأس الدّاعين من الإتيان بعشر سور.

والاستجابة: الإجابة، والسين والتاء فيه للتأكيد.

وهي مستعملة في المعاونة والمظاهرة على الأمر المستعان فيه، وهي مجاز مرسل لأنّ المعاونة تنشأ عن النّداء إلى الإعانة غالباً فإذا انتدب المستعان به إلى الإعانة أجاب النداء بحضوره فسمّيت استجابة.

والعلم: الاعتقاد اليقين، أي فأيقنوا أن القرآن ما أنزل إلاّ بعلم الله، أي ملابساً لعلم الله.

أي لأثر العلم، وهو جعله بهذا النظم للبشر لأن ذلك الجعل أثر لقدرة الله الجارية على وفق علمه.

وقد أفادت (أنما) الحصر، أي حصر أحوال القرآن في حالة إنزاله من عند الله.

و ﴿ أن لا إله إلاّ هو ﴾ عطف على ﴿ أنّما أنزل ﴾ لأنهم إذا عجزوا فقد ظهر أن من استنصروهم لا يستطيعون نصرهم.

ومن جملة من يستنصرونهم بطلب الإعانة على المعارضة بين الأصنام عن إعانة أتباعهم فدل ذلك على انتفاء الإلهية عنهم.

والفاء في ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ للتفريع على ﴿ فاعلموا ﴾ .

والاستفهام مستعمل في الحثّ على الفعل وعدم تأخيره كقوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ [المائدة: 91] أي عن شرب الخمر وفعل الميسر.

والمعنى: فهل تسلمون بعد تحققكم أنّ هذا القرآن من عند الله.

وجيء بالجملة الاسمية الدالة على دوام الفعل وثباته.

ولم يقل فهل تسلمون لأنّ حالة عدم الاستجابة تكسب اليقين بصحة الإسلام فتقتضي تمكنه من النفوس وذلك التمكن تدلّ عليه الجملة الاسمية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ وأبُو صالِحٍ وقَتادَةُ والسِّرِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ طاعَتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ قَوْلًا رابِعًا: أنَّ البَيِّنَةَ هي الإشْرافُ عَلى القُلُوبِ والحِكْمَةُ عَلى الغُيُوبِ.

﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لِسانُهُ يَشْهَدُ لَهُ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَلا تَحْسِبَنِي كافِرًا لَكَ نِعْمَةً عَلى شاهِدِي يا شاهِدَ اللَّهِ فاشْهَدْ الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَوى المِنهالُ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ، قِيلَ لَهُ: فَما نَزَلَ فِيكَ؟

قالَ ﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ الخامِسُ: أنَّهُ مَلِكٌ يَحْفَظُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ بِمَعْرِفَةِ حُجَجِهِ ودَلائِلِهِ وهو عَقْلُهُ ووَحْدَتُهُ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو التَّوْراةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ومِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ كِتابُ مُوسى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما يَعْنِي مُتَقَدِّمًا عَلَيْنا ورَحْمَةً لَهم.

الثّانِي: إمامًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِاقْتِدائِهِمْ بِما فِيهِ ورَحْمَةً لَهم.

﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ.

﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأدْيانِ كُلِّها لِأنَّهم يَتَحَزَّبُونَ: قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ المُتَحَزِّبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  المُجْتَمِعُونَ عَلى مُحارَبَتِهِ.

وَفي المُرادِ بِهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قُرَيْشٌ، قالَ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أهْلُ المِلَلِ كُلِّها.

﴿ فالنّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ أيْ أنَّها مَصِيرُهُ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً ∗∗∗ فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في مِرْيَةٍ مِنَ القُرْآنِ قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: في مِرْيَةٍ مِن أنَّ النّارَ مَوْعِدُ الكُفّارِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: لما نزل ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ [ الأنبياء: 1] قال ناس: إن الساعة قد اقتربت فتناهوا، فتناهى القوم قليلاً ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء، فأنزل الله: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ [ النحل: 1] فقال أناس: أهل الضلالة هذا أمر الله قد أتى، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء، فأنزل الله هذه الآية ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر إلى أمة معدودة قال: إلى أجل معدود.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ليقولن ما يحبسه ﴾ قال: للتكذيب به وأنه ليس بشيء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ﴾ يقول: وقع العذاب الذي استهزأوا به.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولئن أذقنا الإِنسان منا رحمة...

﴾ الآية.

قال: يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية فكفور لما بك منها، وإذا نزعت منك يبتغي لك فراغك فيؤوس من روح الله قنوط من رحمته، كذلك أمر المنافق والكافر.

وفي قوله: ﴿ ولئن أذقناه نعماء ﴾ إلى قوله: ﴿ ذهب السيئات عني ﴾ قال: غره بالله وجرأه عليه أنه لفرح والله لا يحب الفرحين، فخور لما أعطى لا يشكر الله، ثم استثنى فقال: ﴿ إلا الذين صبروا ﴾ يقول: عند البلاء ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ عند النعمة ﴿ أولئك لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر كبير ﴾ قال: الجنة ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ إن تفعل فيه ما أمرت وتدعو إليه كما أرسلت ﴿ أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ﴾ لا ترى معه مالاً ﴿ أو جاء معه ملك ﴾ ينذر معه ﴿ إنما أنت نذير ﴾ فبلغ ما أمرت به فإنما أنت رسول ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ قد قالوه ﴿ فأتوا بعشر سور مثله ﴾ مثل القرآن ﴿ وادعوا شهداءكم ﴾ يشهدوا إنها مثله.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ قال لأصحاب محمد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ أم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة والضمير في افتراه لما يوحى إليه ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ ﴾ تحداهم أولاً بعشر سور فلما بان عجزهم تحداهم بسورة واحدة فقال: فأتوا بسورة من مثله، والمماثلة المطلوبة في فصاحته وعلومه ﴿ مفتريات ﴾ صفة لعشر سور، وذلك مقابلة لقولهم افتراه، وليست المماثلة في الافتراء ﴿ وادعوا مَنِ استطعتم ﴾ أي استعينوا بمن شئتم ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مخاطبة من الله للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.

أي: إن لم يستجب الكفار إلى ما دعوتموهم إليه من معارضة القرآن؛ فاعلموا أنه من عند الله، وهذا على معنى دوموا على عملكم بذلك أو زيدوا يقيناً به، والثاني أن يكون خطاباً من النبي صلى الله عليه وسلم للكفار؛ أي إن لم يستجب من تدعونه من دون الله إلى شيء من المعارضة ولا قدر جميعكم عليه؛ فاعلموا أنه من عند الله، وهذا أقوى من الأول لقوله: فهل أنتم مسلمون؟

ومعنى بعلم الله: بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب وقوله: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ لفظه استفهام، ومعناه استدعاء إلى الإسلام وإلزام للكفار أن يسلموا، لما قال الدليل على صحة الإسلام لعجزهم عن الإيتان بمثل القرآن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ ، وإن كان معلوماً أنه لا يترك؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ وأمثاله، نهاه وإن كان معلوماً أن رسول الله  لا يفعل ذلك، وإنما احتمل النهي كما يقول الرجل لآخر لعلك تريد أن تفعل كذا فهو نهاه عن ذلك.

والثاني: يقال عند القرب إلى الفعل والدنو منه؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً  ﴾ يقال: حرف "كاد" عند الميل إليه والقرب منه طمعا منه في إيمانهم، وذلك فيما يحل له الترك، وذلك ما قيل من نحو سب آلهتهم وذكر العيب فيها، ويحل له ترك سب آلهتهم وشتمها.

وكذلك يخرج قوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ  ﴾ على هذين الوجهين، على المنع ألا يحمل على نفسه إشفاقاً على أنفسهم ألا يؤمنوا ما يوجب تلفه.

والثاني: على التخفيف؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [الحجر: 88]، وقوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ  ﴾ هو على التخفيف ليس على النهي.

وفي قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ...

﴾ الآية وجه آخر: وهو نهي يخرج مخرج البشارة [له بما] كان يخاف من ضيق صدره واشتغال قلبه عند سوء معاملتهم إياه، فيقع له فيه تأخير في إبلاغ ما أمر بتبليغه فأمنه الله عن ذلك وعصمه.

والوجه الثاني: في النهي عن ذلك هو ما يقع له فيه الرجاء، وذلك أن الأخيار إذا ابتلوا بالأشرار قد يؤذن لهم بمفارقتهم وترك الأمر فيهم، فلعله كان يقع له في مثله الرجاء أنه قد يؤذن له، في حال من الأحوال بتأخير التبليغ، فأيئسه عن ذلك وكلفه بتبليغ ما أمر له في جميع أحواله و ﴿ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل ما ذكر أهل التأويل من سب آلهتهم وعيبها وما تدعو إليه.

وقوله - عز وجل: ﴿ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ﴾ : يضيق صدره بما يقولون له استهزاء، وكذلك الحق أن كل من استهزئ به أن يضيق صدره لما لا يقدر على إتيان ما طلبوا منه من الكنز وإنزال الملك، وقد وعدوا أن يؤمنوا لو فعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ ﴾ : لأن للكنز والملك محلاًّ في قلوب أولئك وقدراً فقالوا: لولا أنزل عليه كنز [فيعظموه فيصدق على ما يدعي، وكذلك الملك له محل عظيم عندهم إذا كان معه عظموه وصدقوه.

وقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ﴾ أثر قولهم: لولا أنزل عليه كنز] أو جاء معه ملك أي: إنما أنت نذير ليس عليك إتيان ما سألوا، إنما ذلك تحكم منهم على الله  وأمانيُّ، فعليك إبلاغ ما أنزل إليك؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ أي: حفيظ لكل ما يقولون فيك ويتفوهون به، أو هو الوكيل والحفيظ لا أنت؛ كقوله: ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ ﴾ أي: قالوا: إنه افتراه، أي: محمد افترى هذا القرآن من عند نفسه.

﴿ قُلْ ﴾ : يا محمد إن كان افتريته على ما تقولون، ﴿ فَأْتُواْ ﴾ : أنتم، ﴿ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ : لأنكم أقدر على الافتراء من محمد؛ لأنكم قد عودتم أنفسكم الكذب والافتراء، ومحمد لم تأخذوه بكذب قط ولا ظهر منه افتراء، فمن عود نفسه الافتراء والكذب أقدر [عليه] ممن لم يعرف به [قط]، فأتوا بعشر سور مثله وادعوا أيضاً شهداءكم من الجن والإنس ممن استطعتم من دون الله يعينوكم على إتيان مثله، ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنه افتراه من عنده.

أو يقول: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ أي أن محمدا قد جاء بسور [فيها أنباء] ما أسررتم وأخفيتم مما لا سبيل إلى معرفة ذلك والاطلاع عليه إلا من جهة الوحي من السماء وإطلاع الله إياه، فأتوا أنتم بسورة مفتراة فيها أنباء ما أضمر هو وأسر، وتطلعون أنتم على سرائره كما اطلع هو على سرائركم، وادعوا من استطعتم ممن تعبدون من دون الله من الآلهة، إن كنتم صادقين أنه افتراه.

أو يقول: إن لسانكم مثل لسان محمد، فإن قدر هو على الافتراء افترى مثله من عنده، فتقدرون أنتم على افتراء مثله: فأتوا به، وادعوا أيضاً من لسانه مثل لسانكم حتى يعينوكم على ذلك، إن كنتم صادقين أنه افتراه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ .

قال بعضهم: بعشر نزل قبل ولم تقدروا على مثله، وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ دعوا أولا أن يأتوا بعشر سور، فلما عجزوا عن ذلك عند ذلك قيل لهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ \[فإن قيل: كيف ذكر: فأتوا بسور مفتريات\] قيل: معناه إن كان هذا مما يحتمل الافتراء على ما تزعمون، فأتوا بمثله أنتم لأنكم أقدر على الافتراء من محمد، فإن لم تقدروا لم يقدر أحد على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ﴾ أي: فإن لم تقدروا أنتم ولم يجيبوكم أولئك على الإعانة على إتيان مثله، فاعلموا [أنه] إنما أنزل بعلم الله وبأمره أتاه ومن عنده نزل، ليس بمفترى على ما تزعمون، وأن لا إله إلا الله لا ألوهية لمن تعبدون دونه من الأصنام والأوثان.

والثاني: فإن لم يستجيبوا لكم يا أصحاب رسول الله  ولم يقدروا على مثله، فاعلموا أنتم أنه إنما أنزل بعلم الله ومن عنده نزل على التنبيه والتذكير لهم، وإن كانوا علموا أنه من عنده نزل؛ كقوله: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ  ﴾ على التنبيه والتذكير ليس على أنه لا يعلم فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : خاضعون له مخلصون، وعلى التأويل الأول على حقيقة الإسلام، والإيمان، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن لم يأتوا بما طلبتم منهم لعدم قدرتهم عليه فاعلموا -أيها المؤمنون- علم يقين أن القرآن إنما أنزله الله بعلمه على رسوله وليس مُخْتَلقًا، واعلموا أن لا معبود بحق إلا الله، فهل أنتم منقادون له بعد هذه الحجج القاطعة؟

<div class="verse-tafsir" id="91.kPOb1"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله