الآية ١٦ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٦ من سورة هود

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) [ الإسراء : 18 - 21 ] ، وقال تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) [ الشورى : 20 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين ذكرت أنّا نوفيهم أجور أعمالهم في الدنيا ، (ليس لهم في الآخرة إلا النار) ، يصلونها ، (وحبط ما صنعوا فيها) ، يقول: وذهب ما عملوا في الدنيا، (21) ، (وباطل ما كانوا يعملون) ، لأنهم كانوا يعملون لغير الله، فأبطله الله وأحبط عامله أجره.

--------------------- الهوامش : (21) انظر تفسير " حبط " فيما سلف 14 : 344 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملونقوله تعالى : أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار إشارة إلى التخليد ، والمؤمن لا يخلد ; لقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك الآية .

فهو محمول على ما لو كانت موافاة هذا المرائي على الكفر .

وقيل : المعنى ليس لهم إلا النار في أيام معلومة ثم يخرج ; إما بالشفاعة ، وإما بالقبضة .

والآية تقتضي الوعيد بسلب الإيمان ; وفي الحديث الماضي يريد الكفر وخاصة الرياء ، إذ هو شرك على ما تقدم بيانه في " النساء " ويأتي في آخر " الكهف " .وباطل ما كانوا يعملون ابتداء وخبر ، قال أبو حاتم : وحذف الهاء ; قال النحاس : هذا لا يحتاج إلى حذف ; لأنه بمعنى المصدر ; أي وباطل عمله .

وفي حرف أبي وعبد الله " وباطلا ما كانوا يعملون " وتكون ما زائدة ; أي وكانوا يعملون باطلا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ } خالدين فيها أبدا، لا يفتَّر عنهم العذاب، وقد حرموا جزيل الثواب.

{ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا } أي: في الدنيا، أي: بطل واضمحل ما عملوه مما يكيدون به الحق وأهله، وما عملوه من أعمال الخير التي لا أساس لها، ولا وجود لشرطها، وهو الإيمان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ) أي : في الدنيا ( وباطل ) ( ما كانوا يعملون ) .

اختلفوا في معنى هذه الآية قال مجاهد : هم أهل الرياء .

وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " ، قالوا : يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟

قال : " الرياء " .

قيل : هذا في الكفار ، وأما المؤمن : فيريد الدنيا والآخرة ، وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا ، ويثاب عليها في الآخرة .

وروينا عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة ، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط» بطل «ما صنعوا» ـه «فيها» أي الآخرة فلا ثواب له «وباطل ما كانوا يعملون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولئك ليس لهم في الآخرة إلا نار جهنم يقاسون حرَّها، وذهب عنهم نَفْع ما عملوه، وكان عملهم باطلا لأنه لم يكن لوجه الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فى الآخرة فقال : ( أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .أى : أولئك الذين أرادوا بأقوالهم وأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها ، ليس لهم فى الآخرة إلا النار ، لأنهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة فى الدنيا وبقيت عليهم أوزار نياتم السيئة فى الآخرة .( وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا ) أى : وفسد ما صنعوه فى الدنيا من أعمال الخير ، لأنهم لم يقصدوا بها وجه الله - تعالى - وإنما قصدوا بها الرياه ورضى الناس .

.

.وقوله ( وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) أى : وباطل فى نفسه ما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال ظاهرها البر والصلاح ، لأنه لا ثمرة له ولا ثواب فى الآخرة لأن الأعمال بالنيات ، ونيات هؤلاء المرائين ، لم تكن تلتفت إلى ثواب الله ، وإنما كانت متجهة اتجاها كليا إلى الحياة الدنيا وزينتها ، إلى رضاء المخلوق لا الخالق .وشبيهة بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ ) وقوله - تعالى - : ( مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً .

وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً .

كُلاًّ نُّمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً .

انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) هذا ومن العلماء من يرى أن هاتين الآيتين مسوقتان فى شأن الكفار ومن على شاكلتهم من الضالة كاليهود والنصارى والمنافقين ..

.

لأن قوله - تعالى - ( أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار .

.

.

) لا يليق إلا بهم .والذى نراه أن هاتين الآيتين تتناولان الكفار ومن على شاكلتهم تناولا أوليا ، ولكن هذا لا يمنع من أنهما يندرج تحت وعيدهما كل من قصد بأقواله وأعماله الحياة الدنيا وزينتها ، ونبذ كل معانى الإِخلاص والطاعة لله رب العالمين .ومما يشهد لذلك أن هناك أحاديث كثيرة ، حذرت من الرياء ، وتوعدت مقترفة بأشد بأنواع العقوبات ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو داود عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " - أى رائحتها - .وصفوة القول : أن الآيتين الكريمتين تسوقان سنة من سنن الله مع عباده فى هذه الدنيا ، هى أن الله - تعالى - لا ينقص الناس شيئا من ثمار جهودهم وأعمالهم فى هذه الدنيا ، إلا أن هذه الجهود وتلك الأعمال التى ظاهرها الصلاح ، إن كان المقصود بها الحياة الدنيا وزينتها وجدوا نتائجها فى الدنيا فحسب .وإن كان المقصود بها رضا الله - تعالى - وثواب الآخرة ، وجدوا ثمارها ونتائجها الحسنة يوم القيامة ، بجانب تمتعهم بما أحله الله لهم فى الدنيا من طيبات .وذلك لأن العمل للحياة الأخرى - فى شريعة الإِسلام - لا يحول بين العمل النافع فى الحياة الدنيا ، ولا ينقص شيئا من آثاره وثماره ، بل إنه يزكيه وينميه ويباركه .

.

ورحم الله القائل : ليس أحد يعمل حسنة إلا وُفِّى ثوابها فإن كان مسلما مخلصا وُفِّى ثوابها فى الدنيا والآخرة ، وإن كان كافرا وفى ثوابها فى الدنيا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الكفار كانوا ينازعون محمداً صلى الله عليه وسلم في أكثر الأحوال، فكانوا يظهرون من أنفسهم أن محمداً مبطل ونحن محقون، وإنما نبالغ في منازعته لتحقيق الحق وإبطال الباطل، وكانوا كاذبين فيه، بل كان غرضهم محض الحسد والاستنكاف من المتابعة، فأنزل الله تعالى هذه الآية لتقرير هذا المعنى.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ  ﴾ وقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا ومالَهُ فِي الأخرة مِن نَّصِيبٍ  ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في الآية قولين: القول الأول: أنها مختصة بالكفار، لأن قوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا ﴾ يندرج فيه المؤمن والكافر والصديق والزنديق، لأن كل أحد يريد التمتع بلذات الدنيا وطيباتها والانتفاع بخيراتها وشهواتها، إلا أن آخر الآية يدل على أن المراد من هذا العام الخاص وهو الكافر، لأن قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الأخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ لا يليق إلا بالكفار، فصار تقدير الآية: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فقط، أي تكون إرادته مقصورة على حب الدنيا وزينتها ولم يكن طالباً لسعادات الآخرة، كان حكمه كذا وكذا، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فيه، فمنهم من قال: المراد منهم منكرو البعث فإنهم ينكرون الآخرة ولا يرغبون إلا في سعادات الدنيا، وهذا قول الأصم وكلامه ظاهر.

والقول الثاني: أن الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول عليه السلام الغنائم من دون أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها.

والقول الثالث: أن المراد: اليهود والنصارى؛ وهو منقول عن أنس.

والقول الرابع: وهو الذي اختاره القاضي أن المراد: من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها، وعمل الخير قسمان: العبادات، وإيصال المنفعة إلى الحيوان، ويدخل في هذا القسم الثاني البر وصلة الرحم والصدقة وبناء القناطر وتسوية الطرق والسعي في دفع الشرور وإجراء الأنهار.

فهذه الأشياء إذا أتى بها الكافر لأجل الثناء في الدنيا، فإن بسببها تصل الخيرات والمنافع إلى المحتاجين، فكلها تكون من أعمال الخير، فلا جرم هذه الأعمال تكون طاعات سواء صدرت من الكافر أو المسلم.

وأما العبادات: فهي إنما تكون طاعات بنيات مخصوصة، فإذا لم يؤت بتلك النية، وإنما أتى فاعلها بها على طلب زينة الدنيا، وتحصيل الرياء والسمعة فيها صار وجودها كعدمها فلا تكون من باب الطاعات.

وإذا عرفت هذا فنقول قوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا ﴾ المراد منه الطاعات التي يصح صدورها من الكافر.

القول الثاني: وهو أن تجري الآية على ظاهرها في العموم، ونقول: إنه يندرج فيه المؤمن الذي يأتي بالطاعات على سبيل الرياء والسمعة، ويندرج فيه الكافر الذي هذا صفته، وهذا القول مشكل، لأن قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الأخرة إِلاَّ النار ﴾ لا يليق المؤمن إلا إذا قلنا المراد أولئك الذين ليس لهم في الأخرة إلا النار بسبب هذه الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة المقرونة بالرياء، ثم القائلون بهذا القول ذكروا أخباراً كثيرة في هذا الباب.

روي أن الرسول عليه السلام قال: «تعوذوا بالله من جب الحزن» قيل: وما جب الحزن؟

قال عليه الصلاة والسلام: «واد في جهنم يلقى فيه القراء المراؤون».

وقال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة من يرى الناس أن فيه خيراً ولا خير فيه».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جمع القرآن، فيقال له ما عملت فيه؟

فيقول يا رب قمت به آناء الليل والنهار فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال: فلان قارئ، وقد قيل ذلك، ويؤت بصاحب المال فيقول الله له ألم أوسع عليك فماذا عملت فيما آتيتك فيقول: وصلت الرحم وتصدقت، فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد، وقد قيل ذلك ويؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء وقد قيل ذلك» قال أبو هريرة رضي الله عنه ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي وقال: «يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة».

وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه ذكر هذا الحديث عند معاوية قال الراوي فبكى حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق وقال صدق الله ورسوله ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ .

المسألة الثانية: المراد من توفية أجور تلك الأعمال هو أن كل ما يستحقون بها من الثواب فإنه يصل إليهم حال كونهم في دار الدنيا، فإذا خرجوا من الدنيا لم يبق معهم من تلك الأعمال أثر من آثار الخيرات، بل ليس لهم منها إلا النار.

واعلم أن العقل يدل عليه قطعاً، وذلك لأن من أتى بالأعمال لأجل طلب الثناء في الدنيا ولأجل الرياء، فذلك لأجل أنه غلب على قلبه حب الدنيا، ولم يحصل في قلبه حب الآخرة، إذ لو عرف حقيقة الآخرة وما فيها من السعادات لامتنع أن يأتي بالخيرات لأجل الدنيا وينسى أمر الآخرة، فثبت أن الآتي بأعمال البر لأجل الدنيا لابد وأن يكون عظيم الرغبة في الدنيا عديم الطلب للآخرة ومن كان كذلك فإذا مات فإنه يفوته جميع منافع الدنيا ويبقى عاجزاً عن وجدانها غير قادر على تحصيلها، ومن أحب شيئاً ثم حيل بينه وبين المطلوب فإنه لابد وأن تشتعل في قلبه نيران الحسرات فثبت بهذا البرهان العقلي، أن كل من أتى بعمل من الأعمال لطلب الأحوال الدنيوية فإنه يجد تلك المنفعة الدنيوية اللائقة بذلك العمل، ثم إذا مات فإنه لا يحصل له منه إلا النار ويصير ذلك العمل في الدار الآخرة محبطاً باطلاً عديم الأثر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ نُوَفّ إِلَيْهِمْ ﴾ نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق.

وقيل: هم أهل الرياء.

يقال للقراء منهم: أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك.

ولمن وصل الرحم وتصدّق: فعلت حتى يقال، فقيل ولمن قاتل فقتل: قاتلت حتى يقال فلان جريء، فقد قيل: وعن أنس بن مالك: هم اليهود والنصارى، إن أعطوا سائلاً أو وصلوا رحماً، عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن.

وقيل: هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسهم لهم في الغنائم.

وقرئ: ﴿ يوفّ ﴾ بالياء على أن الفعل لله عز وجل.

وتوفَّ إليهم أعمالهم بالتاء، على البناء للمفعول.

وفي قراءة الحسن: ﴿ نوفي ﴾ ، بالتخفيف وإثبات الياء، لأنّ الشرط وقع ماضياً، كقوله: يَقُولُ لاَ غائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ ﴿ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا ﴾ وحبط في الآخرة ما صنعوه، أو صنيعهم، يعني: لم يكن له ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا، وقد وفي إليهم ما أرادوا ﴿ وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي كان عملهم في نفسه باطلاً، لأنه لم يعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له.

وقرئ: ﴿ وبطل ﴾ على الفعل.

وعن عاصم: وباطلا بالنصب، وفيه وجهان: أن تكون ما إبهامية وينتصب بيعملون، ومعناه: وباطلاً، أيّ باطل كانوا يعملون.

وأن تكون بمعنى المصدر على: وبطل بطلاناً ما كانوا يعملون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها ﴾ بِإحْسانِهِ وبِرِّهِ.

﴿ نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها ﴾ نُوَصِّلُ إلَيْهِمْ جَزاءَ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والرِّئاسَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ.

وقُرِئَ « يُوَفِّ» بِالياءِ أيْ يُوفِّ اللَّهُ و « تُوَفَّ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و « نُوَفِّ» بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ لِأنَّ الشَّرْطَ ماضٍ كَقَوْلِهِ: وإنْ أتاهُ كَرِيمٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ.

.

.

يَقُولُ لا غائِبَ مالِيَ ولا حَرَمُ ﴿ وَهم فِيها لا يُبْخَسُونَ ﴾ لا يُنْقُصُونَ شَيْئًا مِن أُجُورِهِمْ.

والآيَةُ في أهْلِ الرِّياءِ.

وقِيلَ في المُنافِقِينَ.

وقِيلَ في الكَفَرَةِ وغَرَضِهِمْ وبِرِّهِمْ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ ﴾ مُطْلَقًا في مُقابَلَةِ ما عَمِلُوا لِأنَّهُمُ اسْتَوْفَوْا ما تَقْتَضِيهِ صُوَرُ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ وبَقِيَتْ لَهم أوْزارُ العَزائِمِ السَّيِّئَةِ.

﴿ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم ثَوابٌ في الآخِرَةِ، أوْ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا بِهِ وجْهَ اللَّهِ والعُمْدَةُ في اقْتِضاءِ ثَوابِها هو الإخْلاصُ، ويَجُوزُ تَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِـ ﴿ صَنَعُوا ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ ﴿ الدُّنْيا ﴾ .

﴿ وَباطِلٌ ﴾ في نَفْسِهِ.

﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يُعْمَلْ عَلى ما يَنْبَغِي، وكَأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عِلَّةٌ لِما قَبْلِها.

وقُرِئَ « باطِلًا» عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ يَعْمَلُونَ و ﴿ ما ﴾ إبْهامِيَّةٌ أوْ في مَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ: ولا خارِجًا مِن في زُورُ كَلامٍ وَبَطَلَ عَلى الفِعْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أُوْلَئِكَ الذين لَيْسَ لَهُمْ فِى الأخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} وحبط في الآخرة ما صنعوه أو صنيعهم أي لم يكن لهم ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة إنما أرادوا به الدنيا وقد وفى ما أرادوا {وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي كان عملهم في نفسه باطلاً لأنه لم يعلم لغرض صحيح والعلم الباطل لا ثواب له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى إرادَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ بِاعْتِبارِ تَوُفِيَتِهِمْ أُجُورَهم فِيها مِن غَيْرِ بَخْسٍ، أوْ بِاعْتِبارِهِما مَعًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ ﴿ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ ﴾ لِأنَّ هِمَمَهم كانَتْ مَصْرُوفَةً إلى اقْتِناصِ الدُّنْيا وأعْمالُهم كانَتْ مَمْدُودَةً ومَقْصُورَةً عَلى تَحْصِيلِها؛ وقَدْ ظَفِرُوا بِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُرِيدُوا بِهِ شَيْئًا آخَرَ فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وعَذابُها المُخَلَّدُ.

﴿ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها ﴾ أيْ في الآخِرَةِ كَما هو الظّاهِرُ، فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ -بِحَبِطَ- و(ما) تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةَ أيْ ظَهَرَ في الآخِرَةِ حُبُوطُ صُنْعِهِمْ، أوِ الَّذِي صَنَعُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي كانَتْ تُؤَدِّي إلى الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ لَوْ كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى الدُّنْيا فَيَكُونُ الجارُّ مُتَعَلِّقًا -بِصَنَعُوا- و(ما) عَلى حالِها، والمُرادُ بِحُبُوطِ الأعْمالِ عَدَمُ مُجازاتِهِمْ عَلَيْها لِفَقْدِ الِاعْتِدادِ بِها لِعَدَمِ الإخْلاصِ الَّذِي هو شَرْطْ ذَلِكَ، وقِيلَ: لِجَزائِهِمْ عَلَيْها في الدُّنْيا.

﴿ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: هو تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (حَبِطَ) إلَخْ، والظّاهِرُ أنَّهُ حَمَلَ ( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) عَلى مَعْنى ( ما صَنَعُوا ) والبُطْلانُ عَلى عَدَمِ النَّفْعِ وهو راجِعٌ إلى مَعْنى الحُبُوطِ.

ولَمّا رَأى بَعْضُهم أنَّ التَّأْسِيسَ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ أبْقى ما ( يَعْمَلُونَ ) عَلى ذَلِكَ المَعْنى، وحَمَلَ بُطْلانَ ذَلِكَ عَلى فَسادِهِ في نَفْسِهِ لِعَدَمِ شَرْطِ الصِّحَّةِ، وقالَ: كَأنَّ كُلًّا مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عِلَّةٌ لِما قَبْلَها عَلى مَعْنى لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارَ لِحُبُوطِ أعْمالِهِمْ وعَدَمِ تَرَتُّبِ الثَّوابِ عَلَيْها لِبُطْلانِها وكَوْنِها لَيْسَتْ عَلى ما يَنْبَغِي، والأوْلى ما صَنَعَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ حَيْثُ حَمَلَ البَطَلانَ عَلى الفَسادِ في نَفْسِهِ، و ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ عَلى أعْمالِهِمْ في أثْناءِ تَحْصِيلِ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ ثُمَّ قالَ: ولِأجْلِ أنَّ الأوَّلَ مِن شَأْنِهِ اسْتِتْباعُ الثَّوابِ والأجْرِ وأنَّ عَدَمَهُ لِعَدَمِ مُقارَنَتِهِ لِلْإيمانِ والنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ لَهُ جِهَةٌ صالِحَةٌ قَطُّ عَلَّقَ بِالأوَّلِ الحُبُوطَ المُؤْذِنَ بِسُقُوطِ أجْرِهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُنْبِئِ عَنِ الحُدُوثِ، وبِالثّانِي البُطْلانَ المُفْصِحَ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ لا طائِلَ تَحْتَهُ أصْلًا بِالِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ وصْفًا لازِمًا لَهُ ثابِتًا فِيهِ، وفي زِيادَةِ -كانَ- في الثّانِي دُونَ الأوَّلِ إيماءٌ إلى أنَّ صُدُورَ أعْمالِ البِرِّ مِنهم وإنْ كانَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ لَيْسَ في الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ كَصُدُورِ الأعْمالِ الَّتِي هي مُقَدِّماتُ مَطالِبِهِمُ الدَّنِيئَةِ، انْتَهى.

ويَحْتَمِلُ عِنْدِي عَلى بُعْدِ أنْ يُرادَ -بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- هو ما اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ مِن إرادَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وهو غَيْرُ ما صَنَعُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي نُسِبَ إلَيْها الحُبُوطُ وإطْلاقُ مِثْلِ ذَلِكَ عَلى الإرادَةِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ؛ لِأنَّها مِن أعْمالِ القَلْبِ، ووَجْهُ الإتْيانِ -بِكانَ- فِيهِ مُوافَقَتُهُ لِما أشارَ هو إلَيْهِ، وفي الجُمْلَةِ تَصْرِيحٌ بِاسْتِمْرارِ بُطْلانِ تِلْكَ الإرادَةِ وشَرْحُ حالِها بَعْدَ شَرْحِ حالِ المُرِيدِ وشَرْحِ أعْمالِهِ أرادَ بِها الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، وأيّامّا كانَ فالظّاهِرُ أنَّ (باطِلَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( ما كانُوا ) هو المُبْتَدَأُ، وجَوَّزَ في البَحْرِ كَوْنَ (باطِلٌ) خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، و(ما) مُرْتَفِعَةٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقُرِئَ ٍوَبَطَلَ- بِصِيغَةِ الفِعْلِ أيْ ظَهَرَ بُطْلانُهُ حَيْثُ عَلِمَ هُناكَ أنَّ ذاكَ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ أوِ انْقَطَعَ أثَرُهُ الدُّنْيَوِيُّ فَبَطَلَ مُطْلَقًا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ -وباطِلًا- بِالنَّصْبِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عاصِمٍ وخَرَّجَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَلى أنَّ (ما) سَيْفُ خَطِيبٍ -وباطِلٌ- مَفْعُولٌ -لِيَعْمَلُونَ- وفِيهِ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ (كانَ) وفِيهِ -كَتَقْدِيمِ الخَبَرِ- خِلافٌ، والأصَحُّ الجَوازُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ومَن مَنَعَ تَأوَّلَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا -بِيَعْمَلُونَ- و(ما) إبْهامِيَّةٌ صِفَةٌ لَهُ أيْ باطِلًا أيُ باطِلٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ حَدِيثُ ما عَلى قَصْرِهِ ولِأمْرِ ما جَدَعَ قَصِيرٌ أنْفُهُ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِوَزْنِ فاعِلٍ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، و(ما) اسْمٌ مَوْصُولٌ فاعِلُهُ أيْ بَطَلَ بُطْلانًا الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ، ونَظِيرُهُ خارِجًا في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ألَمْ تَرَنِي عاهَدْتُ رَبِّي وأنَّنِي لَبَيْنَ رِتاجٍ قائِمًا ومَقامِ عَلَيَّ حَلْفَةٌ لا أشْتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ ولا (خارِجًا) مَن في زُورُ كَلامٍ فَإنَّهُ أرادَ ولا يَخْرُجُ مِن في زُورُ كَلامٍ خُرُوجًا، وفي ذَلِكَ عَلى ما في البَحْرِ إعْمالُ المَصْدَرِ الَّذِي هو بَدَلٌ مِنَ الفِعْلِ في غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ والأمْرُ هَذا، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في مُطْلَقِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ البِرَّ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، ولَعَلَّ المُرادَ -كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ- أنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ فَيَدْخُلُونَ فِيها لا أنَّها خاصَّةٌ بِهِمْ، ولا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُهُمْ، وقالَ الجُبّائِيُّ: هي في الَّذِينَ جاهَدُوا مِنَ المُنافِقِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى حَظَّهم مِن ذَلِكَ سَهْمَهم في الغَنائِمِ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ: في أهْلِ الرِّياءِ يُقالُ لِقارِئِ القُرْآنِ مِنهُمْ: أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ: اذْهَبْ فَلَيْسَ لَكَ عِنْدَنا شَيْءٌ، وهَكَذا لِغَيْرِهِ مِنَ المُتَصَدِّقِ.

والمَقْتُولِ في الجِهادِ وغَيْرِهِما مِمَّنْ عَمِلَ مِن أعْمالِ البِرِّ لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ورُبَّما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ مُعاوِيَةَ حِينَ حَدَّثَهُ أبُو هُرَيْرَةَ بِما تَضَمَّنَ ذَلِكَ فَبَكى وقالَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وعَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن تَقْيِيدِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ ﴾ بِأنْ لَيْسَ لَهم بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الرِّيائِيَّةِ إلّا ذَلِكَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والسِّياقُ يَقْتَضِي أنَّها في الكَفَرَةِ مُطْلَقًا وبِرِّهِمْ كَما قُلْنا، ومِن هُنا اشْتُهِرَ أنَّ الكافِرَ يُعَجَّلُ لَهُ ثَوابُ أعْمالِهِ في الدُّنْيا بِتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ وصِحَّةِ البَدَنِ وكَثْرَةِ الوَلَدِ ونَحْوِ ذَلِكَ ولَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ، لَكِنْ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ يُخَفَّفُ بِها عَنْهُ عَذابُ الآخِرَةِ، ويَشْهَدُ لَهُ قِصَّةُ أبِي طالِبٍ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ ما يَتَوَقَّفُ عَلى النِّيَّةِ مِنَ الأعْمالِ لا يَنْتَفِعُ الكافِرُ بِهِ في الآخِرَةِ أصْلًا لِفِقْدانِ شَرْطِهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ النِّيَّةِ لِكُفْرِهِ، وما لا يَنْتَفِعُ بِهِ ويُخَفَّفُ بِهِ عَذابُهُ، وبِذَلِكَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظَّواهِرِ المُقْتَضِي بَعْضُها لِلِانْتِفاعِ في الجُمْلَةِ وبَعْضُها لِعَدَمِهِ أصْلًا فَتَدَبَّرْ.

ووَجْهُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ)؟

﴾ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: إنْ أظْهَرْنا الإسْلامَ لِسَلامَةِ النَّفْسِ والمالِ يَكُونُ ماذا؟

فَقِيلَ: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ إلَخْ أوْ يُقالُ: إنَّ فِيما قَبْلَ ما يَتَضَمَّنُ إقْناطَ الكَفَرَةِ مِن أنْ يُجِيرَهم آلِهَتُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ كَما تَقَدَّمَ، وذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سَماعُهم ذَلِكَ سَبَبًا لِعَزْمِهِمْ عَلى إظْهارِ الإسْلامِ، أوْ فِعْلِ بَعْضِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ظَنًّا مِنهم أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُجِيرُهم ويَنْفَعُهُمْ، فَشَرَحَ لَهم حُكْمَ مِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( مَن كانَ يُرِيدُ ) إلَخْ لَكِنَّ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ أنَّ ذَلِكَ العَزْمَ مِن بابِ الِاحْتِياطِ، وفي البَحْرِ في بَيانِ المُناسَبَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ في القُرْآنِ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وما يُؤَوِّلُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، وأبُو السُّعُودِ بَيْنَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُقَوِّي بِهِ ما ادَّعاهُ مِن أنْسَبِيَّةِ كَوْنِ الخِطابِ فِيما سَلَفَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ المُرادَ مُطْلَقُ الكَفَرَةِ بِحَيْثُ يَنْدَرِجُ فِيهِمُ القادِحُونَ في القُرْآنِ العَظِيمِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، فَإنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَزْدادُوا عِلْمًا ويَقِينًا بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ بِعِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وبِأنْ لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا وهَيَّجَهم عَلى الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ والرُّسُوخِ فِيهِ عِنْدَ ظُهُورِ عَجْزِ الكَفَرَةِ وما يَدَّعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى عَنِ المُعارَضَةِ، وتَبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ أصْلًا اقْتَضى الحالُ أنْ يَتَعَرَّضَ لِبَعْضِ شُؤُونِهِمُ المُوهِمَةِ لِكَوْنِهِمْ عَلى شَيْءٍ في الجُمْلَةِ مِن نَيْلِهِمُ الحُظُوظَ العاجِلَةَ واسْتِوائِهِمْ عَلى المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أيَّ بَيانٍ انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقَرَّرَ هَذا عَلى وجْهٍ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَوْسِيطِ حَدِيثٍ جَعَلَ الخِطابَ السّابِقَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ فَلْيَفْهَمْ.

واسْتَدَلَّ في الأحْكامِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ ما سَبِيلُهُ أنْ لا يَفْعَلَ إلّا عَلى وجْهِ القُرْبَةِ لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الأُجْرَةَ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، فَمَن أخَذَ عَلَيْهِ الأُجْرَةَ خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ قُرْبَةً بِمُقْتَضى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وادَّعى الكَيا أنَّها مِثْلُ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ“،» وتَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صامَ في رَمَضانَ لا عَنْ رَمَضانَ لا يَقَعُ عَنْ رَمَضانَ، وعَلى أنَّ مَن تَوَضَّأ لِلتَّبَرُّدِ أوِ التَّنَظُّفِ لا يَصِحُّ وُضُوؤُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ مَبْسُوطٌ بِما لَهُ وعَلَيْهِ في مَحَلِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها يعني: من كان يريد بعمله الدنيا، ولا يريد به وجه الله تعالى.

نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها يعني: ثواب أعمالهم في الدنيا وَهُمْ فِيها لاَ يُبْخَسُونَ يعني: لا ينقص من ثواب أعمالهم شيء في الدنيا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل القبلة.

وقال الحسن: نزلت في المنافقين والكافرين.

وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها يعني: ثواب أعمالهم، لأنه لم يكن لوجه الله تعالى.

وَباطِلٌ مَّا كانُوا يَعْمَلُونَ وروى أنس بن مالك، عن النبي  أنه قال: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ، صَارَتْ أُمَّتِي ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى خَالِصاً، وَفِرْقَةً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى رِيَاءً، وفرقة يعبدون الله تعالى لِيُصِيبُوا بِهَا الدُّنْيَا.

فَيَقُولُ الله تَعَالَى لِلّذِي كَانَ يَعْبُدُ الله لِلدُّنْيَا: وَمَاذَا أَرَدْتَ بِعِبَادَتِكَ؟

فَيَقُولَ: الدُّنْيَا.

فَيَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ: لاَ جَرَمَ، وَلاَ يَنْفَعُكَ مَا جَمَعْتَ، وَلاَ تَرْجِعُ إِلَيْهِ.

وَيَقُولَ: انْطَلِقُوا بِهِ إلى النار، ويقول للذي كَانِ يَعْبُدُ الله رِياءً، ماذا أردت بعبادتك؟

فيقول: الرِّيَاءَ، فَيَقُولُ الله تَعَالَى: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى النَّارِ، ويقول للذي كان يعبد الله تَعَالىَ خَالِصاً: مِاذَا أَرَدْتَ بِعِبَادَتِكَ؟

فِيَقُولُ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كُنْتُ أَعْبُدُكَ لِوَجْهِكَ وَذَاتِكَ.

قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، انْطَلِقُوا بِهِ إلى الجنّة» (١) (١) عزاه السيوطي: 4/ 407- 408 إلى البيهقي في الشعب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان.

قال ص، وع «١» : وعبَّر ب ضائِقٌ وإِن كان أقلَّ استعمالا من «ضَيِّقٍ» لمناسبة تارِكٌ ولأن ضائِقٌ وصفٌ عارضٌ بخلاف «ضيق» فإِنه يدل على الثبوت، والصّالح هنا الأول بالنسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم، والضمير في «به» عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على «ما» وأَنْ يَقُولُوا أي: كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، أي: هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ: «أم» بمعنى: «بل» ، والافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر.

وقوله سبحانه: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس: هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشراً.

قال ع «٢» : وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في «سورة يونس» ، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله:

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: يريد في أنّ القرآن مفترى.

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)

وقوله سبحانه: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، لهذه الآية تأويلان:

أحدهما: أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للكفَّار، أي: ويكون ضميرُ يَسْتَجِيبُوا على هذا التأويل عائداً على معبوداتهم.

والثاني: أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله على هذا فَاعْلَمُوا بمعنى: دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد: قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ:

هو لأصحابِ محمَّد عليه السلام «١» .

وقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...

الآية: قالت قتادةُ وغيره:

هي في الكَفَرة «٢» ، وقال مجاهد: هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين «٣» .

وإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار، وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامِه» : بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ مَا نَوَى» «٤» ، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه.

وقوله: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها: قيل: ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل: إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في «حم عسق» : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الآية [الشورى: ٢٠] إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في «سورة سُبْحانَ» ، وهي قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ...

الآية [الإِسراء: ١٨] ، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم: «مَاذَا عَمِلْتَ؟» ثم قال في آخر الحديث: ثمّ ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ركبتيّ، وقال: يا أبا هريرة،

أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ، ثُمَّ قرأ قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها» «١» ، أي: في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم.

انتهى.

وحَبِطَ: معناه: بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال.

قال ص: قوله: مَا صَنَعُوا: «ما» بمعنى: «الَّذِي» ، أو مصدريةٌ، و «فيها» :

متعلِّقٌ ب «حَبِطَ» ، والضمير في «فيها» عائدً على الآخرة، أي: ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق ب «صَنَعُوا» فيكون عائداً على الدنيا.

انتهى.

و «الباطل: كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه، وقوله سبحانه:

أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: في الآية تأويلات.

قال ع «٢» : والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية: أَنْ يكون «أَفَمَن» للمؤمنين، أو لهم وللنبيّ صلّى الله عليه وسلّم معهم، والبينة: القرآن وما تضمّن، والشاهد:

الإِنجيلُ، يريد: أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في «يتلوه» للبيِّنة، وفي «منه» للربِّ، والضميرُ في «قبله» للبينة أيضاً، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل: إِذا كان الضمير في «قَبْله» عائداً على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى؟، فالجوابُ: أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان الاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [الأحقاف: ٣٠] والْأَحْزابِ هاهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنه قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار» «٣» ، قال سعيدٌ: فقلْتُ: أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟

حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وكنت إذا سمعت حديثا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ «٤» ، وقرأ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:أحَدُها: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَلْقِ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها في أهْلِ القِبْلَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ أنَسٌ.

والرّابِعُ: أنَّها في أهْلِ الرِّياءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن كانَ يُرِيدُ عاجِلَ الدُّنْيا ولا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ.

وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما هي في الكافِرِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ يُرِيدُ الدُّنْيا والآخِرَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أُجُورَ أعْمالِهِمْ " فِيها " .

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُعْطُوا ثَوابَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ في الدُّنْيا.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَن عَمِلَ عَمَلًا مِن صِلَةٍ، أوْ صَدَقَةٍ، لا يُرِيدُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ، أعْطاهُ اللَّهُ ثَوابَ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم فِيها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في الدُّنْيا.

﴿ لا يُبْخَسُونَ ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا شَيْئًا.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ ﴾ عَمِلُوا لِغَيْرِ اللَّهِ ﴿ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا ﴾ أيْ: ما عَمِلُوا في الدُّنْيا مِن حَسَنَةٍ ﴿ وَباطِلٌ ما كانُوا ﴾ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ .

* فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، مِنهم مُقاتِلٌ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اقْتَضَتْ أنَّ مَن أرادَ الدُّنْيا بِعَمَلِهِ، أُعْطِيَ فِيها ثَوابَ عَمَلِهِ مِنَ الرِّزْقِ والخَيْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ  ﴾ ، وهَذا لا يَصِحُّ لِأنَّهُ لا يُوَفِّي إلّا لِمَن يُرِيدُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وأنْ لا إلَهَ إلا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لِهَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ مِنَ النَبِيِّ  لِلْكُفّارِ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ مَن تَدْعُونَهُ إلى شَيْءٍ مِنَ المُعارَضَةِ ولا قَدَرَ جَمِيعُكم عَلَيْها فَأذْعِنُوا حِينَئِذٍ واعْلَمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، ويَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ مُتَمَكِّنًا.

والثانِي: أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبِ الكُفّارُ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُعارَضَةِ فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ.

وهَذا عَلى مَعْنى: دُومُوا عَلى عِلْمِكُمْ، لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ.

قالَ مُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ هو لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِعِلْمِ اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: بِإذْنِهِ وعَلى عِلْمٍ مِنهُ.

والثانِي: أنَّهُ أُنْزِلَ بِما عَلِمَهُ اللهُ تَعالى مِنَ الغُيُوبِ، فَكَأنَّهُ أرادَ: "المَعْلُوماتُ لَهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: ظاهِرُها العُمُومُ ومَعْناها الخُصُوصُ في الكَفَرَةِ.

هَذا قَوْلُ قَتادَةَ والضَحّاكِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي في الكَفَرَةِ وفي أهْلِ الرِياءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإلى هَذا ذَهَبَ مُعاوِيَةُ حِينَ حَدَّثَهُ سَيّافُهُ شُفَيُّ بْنُ ماتِعٍ الأصْبَحِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ  في الرَجُلِ المُتَصَدِّقِ، والمُجاهِدِ المَقْتُولِ، والقائِمِ بِالقُرْآنِ لَيْلَهُ ونَهارَهُ -وَكُلُّ ذَلِكَ رِياءً- أنَّهم أوَّلُ مَن تُسَعَّرُ بِهِ النارُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَمّا حَدَّثَهُ شُفَيٌّ بِهَذا الحَدِيثِ بَكى مُعاوِيَةُ وقالَ: صَدَقَ اللهُ ورَسُولَهُ، وتَلا: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها ﴾ ...

الآيَةُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .

فَأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في الكَفَرَةِ فَمَعْنى قَوْلِهِ: "يُرِيدُ": يَقْصِدُ ويَعْتَمِدُ، أيْ: هي وجْهُهُ ومَقْصِدُهُ لا مَقْصِدَ لَهُ غَيْرُها.

فالمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ الدُنْيا فَقَطْ إذْ لا يَعْتَقِدُ الآخِرَةَ فَإنَّ اللهَ يُجازِيهِ عَلى حُسْنِ أعْمالِهِ -فِي الدُنْيا- بِالنِعَمِ والحَواسِّ وغَيْرِ ذَلِكَ: فَمِنهم مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ، ومِنهم مُوَسَّعٌ لَهُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِالنارِ، ولا تَكُونُ لَهم حالٌ سِواها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فاسْتَقامَ هَذا المَعْنى عَلى لَفْظِ الآيَةِ.

وهو عِنْدِي أرْجَحُ التَأْوِيلاتِ بِحَسَبِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكُفّارِ المُناقِضِينَ في القُرْآنِ، فَإنَّما قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ أُولَئِكَ.

وأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَمَعْنى "يُرِيدُ" عِنْدَهُ: يُحِبُّ ويُؤْثِرُ ويُفَضِّلُ ويَقْصِدُ، وإنْ كانَ لَهُ مَقْصِدٌ آخَرُ بِإيمانِهِ، فَإنَّ اللهَ يُجازِيهِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ الحِسانِ -الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها لِلَّهِ- بِالنِعَمِ في الدُنْيا، ثُمَّ يَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ ﴾ بِمَعْنى: لَيْسَ يَجِبُ لَهم أو يَحِقُّ لَهم إلّا النارُ، وجائِزٌ أنْ يَتَغَمَّدَهُمُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ، وهَذا هو ظاهِرُ ألْفاظِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: هي في أهْلِ الكِتابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذا أنَّ أهْلَ الكِتابِ الكَفَرَةَ يَدْخُلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، لا أنَّها لَيْسَتْ في غَيْرِهِمْ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُوَفِّ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: "يُوَفِّ" بِياءِ الغائِبِ.

و"يُبْخَسُونَ" مَعْناهُ: يُعْطَوْنَ أقَلَّ مِن ثَوابِهِمْ، و"حَبِطَ" مَعْناهُ: بَطَلُ وسَقَطَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"»، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في فَسادِ الأعْمالِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: فِيها عائِدٌ عَلى الدُنْيا في الأوَّلَيْنِ وفي الثالِثَةِ عائِدٌ عَلى الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ في الثَلاثَةِ عَلى الدُنْيا ويُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ الثانِيَةُ عَلى الأعْمالِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَباطِلٌ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَباطِلًا" بِالنَصْبِ قالَ أبُو حاتِمٍ: ثَبَتَتْ في أرْبَعَةِ مَصاحِفَ، والعامِلُ فِيهِ يَعْمَلُونَ وما زائِدَةٌ، التَقْدِيرُ: وباطِلًا كانُوا يَعْمَلُونَ.

والباطِلُ كُلُّ ما تَقْتَضِي ذاتُهُ ألّا تُنالَ بِهِ غايَةٌ في ثَوابٍ ونَحْوِهِ وبِاللهِ التَوْفِيقُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف اعتراضي بين الجملتين ناشئ عن جملة ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ [هود: 14] لأنّ تلك الجملة تفرّعت على نهوض الحجة فإن كانوا طالبين الحق والفوز فقد استتبّ لهم ما يقتضي تمكن الإسلام من نفوسهم، وإن كانوا إنّما يطلبون الكبرياء والسيادة في الدنيا ويأنفون من أن يكونوا تبعاً لغيرهم فهم مريدون الدنيا فلذلك حذّرُوا من أن يغتروا بالمتاع العاجل وأعْلِموا بأنّ وراء ذلك العذابَ الدائم وأنّهم على الباطل، فالمقصود من هذا الكلام هو الجملة الثانية، أعني جملة ﴿ أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلاّ النّار ﴾ الخ...

وما قبل ذلك تمهيد وتنبيه على بوارق الغرور ومزالق الذهول.

ولمّا كان ذلك هو حالهم كان في هذا الاعتراض زيادة بيان لأسباب مكابرتهم وبعدهم عن الإيمان، وفيه تنبيه المسلمين بأن لا يغتروا بظاهر حسن حال الكافرين في الدنيا، وأن لا يحسبوا أيضاً أنّ الكفر يوجب تعجيل العذاب فأوقظوا من هذا التوهم، كما قال تعالى: ﴿ لا يغرنّك تقلّب الذين كفروا في البلاد متاعٌ قليلٌ ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ﴾ [آل عمران: 196، 197].

وفعل الشرط في المقام الخطابي يفيد اقتصار الفاعل على ذلك الفعل، فالمعنى من كان يريد الحياة الدنيا فقط بقرينة قوله: ﴿ أولئك الذين ليس لَهمْ في الآخرة إلاّ النّار ﴾ إذ حصر أمرهم في استحقاق النار وهو معنى الخلود.

ونظير هذه الآية ﴿ من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ [الإسراء: 18، 19].

فالمعنى من كان لا يطلب إلاّ منافع الحياة وزينتها.

وهذا لا يصدر إلاّ عن الكافرين لأنّ المؤمن لا يخلو من إرادة خير الآخرة وما آمن إلاّ لذلك، فموْرد هذه الآيات ونظائرها في حال الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة.

فأمّا قوله تعالى: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتنّ تردْن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتّعْكنّ وأسرّحْكن سراحاً جميلاً وإن كنتُنّ تُردن الله ورسوله والدّار الآخرة فإنّ الله أعدّ للمُحْسنات منكُنّ أجراً عظيماً ﴾ [الأحزاب: 28، 29] فذلك في معنى آخر من معاني الحياة وزينتها وهو ترف العيش وزينة اللباس، خلافاً لما يَقتضيه إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن كثير من ذلك الترَف وتلك الزينة.

وضمير ﴿ إليهم ﴾ عائد إلى ﴿ مَن ﴾ الموصولة لأنّ المراد بها الأقوام الذين اتصفوا بمضمون الصلة.

والتوفية: إعطاء الشيء وافياً، أي كاملاً غير منقوص، أي نجعل أعمالهم في الدّنيا وافية ومعنى وفائها أنّها غير مشوبة بطلب تكاليف الإيمان والجهاد والقيام بالحق، فإن كل ذلك لا يخلو من نقصان في تمتع أصحاب تلك الأعمال بأعمالهم وهو النقصان الناشئ عن معاكسة هوى النفس، فالمراد أنهم لا يُنقصون من لذاتهم التي هيّأوها لأنفسهم على اختلاف طبقاتهم في التمتع بالدنيا، بخلاف المؤمنين فإنهم تتهيّأ لهم أسباب التمتع بالدنيا على اختلاف درجاتهم في ذلك التهيؤ فيتركون كثيراً من ذلك لمراعاتهم مرضاة الله تعالى وحذرهم من تبعات ذلك في الآخرة على اختلاف مراتبهم في هذه المراعاة.

وعُدّي فعل ﴿ نُوفّ ﴾ بحرف (إلى) لتضمنه معنى نوصل أو نبلغ لإفادة معنيين.

فليس معنى الآية أن من أراد الحياة وزينتها أعطاه الله مراده لأن ألفاظ الآية لا تفيد ذلك لقوله: ﴿ نُوَفّ إليهم أعمالهم ﴾ ، فالتوفية: عدم النقص.

وعلقت بالأعمال وهي المساعي.

وإضافة الأعمال إلى ضمير ﴿ هم ﴾ تفيد أنها الأعمال التي عُنوا بها وأعدُّوها لصالحهم أي نتركها لهم كما أرادوا لا نُدخل عليهم نقصاً في ذلك.

وهذه التوفية متفاوتة والقدر المشترك فيها بينهم هو خلوّهم من كُلف الإيمان ومصاعب القيام بالحق والصبر على عصيان الهوى، فكأنه قيل نتركهم وشأنهم في ذلك.

وقوله: ﴿ وهم فيها لا يُبخسون ﴾ أي في الدنيا لا يجازون على كفرهم بجزاء سَلب بعض النعم عنهم بل يتركون وشأنهم استدراجاً لهم وإمهالاً.

فهذا كالتكملة لمعنى جملة ﴿ نوف إليهم أعمالهم فيها ﴾ ، إذ البَخس هو الحط من الشيء والنقص منه على ما ينبغي أن يكون عليه ظلماً.

وفي هذه الآية دليل لما رآه الأشعري أنّ الكفر لا يمنع من نعمة الله.

وضمير ﴿ فيها ﴾ يجوز أن يعود إلى ﴿ الحياة ﴾ وأن يعود إلى (الأعمال).

وجملة ﴿ أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلاّ النار ﴾ مستأنفة، ولكن اسم الإشارة يربط بين الجملتين، وأتي باسم الإشارة لتمييزهم بتلك الصفات المذكورة قبل اسم الإشارة.

وفي اسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليه استحق ما يذكر بعد اختياره من الحكم من أجل الصفات التي ذكرت قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله: ﴿ أولَئِكَ عَلى هُدى منْ ربّهم ﴾ في سورة [البقرة: 5].

و ﴿ إلاّ النار ﴾ استثناء مفرّغ من ﴿ ليس لهم ﴾ أي ليس لهم شيء ممّا يعطاه الناس في الآخرة إلاّ النار.

وهذا يدل على الخلود في النار فيدل على أن هؤلاء كفار عندنا.

والحَبْط: البطلان أي الانعدام.

والمراد ب ﴿ ما صنعوا ﴾ ما عملوا، ومن الإحسان من الدنيا كإطعام العُفاة ونحوه من مواساة بعضهم بعضاً، ولذلك عبر هنا ب ﴿ صنعوا ﴾ لأنّ الإحسان يسمى صنيعة.

وضمير ﴿ فيها ﴾ يجوز أن يعود إلى ﴿ الدنيا ﴾ المتحدث عنها فيتعلّق المجرور بفعل ﴿ صنعوا ﴾ .

ويجوز أن يعود إلى ﴿ الآخرة ﴾ فيتعلق المجرور بفعل (بطل)، أي انعدم أثره.

ومعنى الكلام تنبيه على أن حظهم من النعمة هو ما يحصل لهم في الدنيا وأن رحمة الله بهم لا تعدو ذلك.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر لما ذكر له فارس والروم وما هم فيه من المتعة «أولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» والباطل: الشيء الذي يذهب ضياعاً وخسراناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ وأبُو صالِحٍ وقَتادَةُ والسِّرِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ طاعَتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ قَوْلًا رابِعًا: أنَّ البَيِّنَةَ هي الإشْرافُ عَلى القُلُوبِ والحِكْمَةُ عَلى الغُيُوبِ.

﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لِسانُهُ يَشْهَدُ لَهُ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَلا تَحْسِبَنِي كافِرًا لَكَ نِعْمَةً عَلى شاهِدِي يا شاهِدَ اللَّهِ فاشْهَدْ الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَوى المِنهالُ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ، قِيلَ لَهُ: فَما نَزَلَ فِيكَ؟

قالَ ﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ الخامِسُ: أنَّهُ مَلِكٌ يَحْفَظُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ بِمَعْرِفَةِ حُجَجِهِ ودَلائِلِهِ وهو عَقْلُهُ ووَحْدَتُهُ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو التَّوْراةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ومِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ كِتابُ مُوسى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما يَعْنِي مُتَقَدِّمًا عَلَيْنا ورَحْمَةً لَهم.

الثّانِي: إمامًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِاقْتِدائِهِمْ بِما فِيهِ ورَحْمَةً لَهم.

﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ.

﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأدْيانِ كُلِّها لِأنَّهم يَتَحَزَّبُونَ: قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ المُتَحَزِّبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  المُجْتَمِعُونَ عَلى مُحارَبَتِهِ.

وَفي المُرادِ بِهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قُرَيْشٌ، قالَ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أهْلُ المِلَلِ كُلِّها.

﴿ فالنّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ أيْ أنَّها مَصِيرُهُ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً ∗∗∗ فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في مِرْيَةٍ مِنَ القُرْآنِ قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: في مِرْيَةٍ مِن أنَّ النّارَ مَوْعِدُ الكُفّارِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ قال: نزلت في اليهود والنصارى.

وأخرج ابن جرير ابن أبي حاتم عن عبد الله بن معبد رضي الله عنه قال: قام رجل إلى علي رضي الله عنه فقال: أخبرنا عن هذه الآية ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ إلى قوله: ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ قال: ويحك...

!

ذاك من كان يريد الدنيا لا يريد الآخرة.

وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ أي ثوابها ﴿ وزينتها ﴾ مالها ﴿ نوف إليهم ﴾ نوفر لهم ثواب أعمالهم بالصحة والسرور في الأهل والمال والولد ﴿ وهم فيها لا يبخسون ﴾ لا ينقضون ثم نسخها ﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ﴾ [ الإِسراء: 18] الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: من عمل صالحاً التماس الدنيا صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا لالتماس الدنيا، يقول الله: أو فيه الذي التمس في الدنيا من المثابة وحبط عمله الذي كان يعمل، وهو في الآخرة من الخاسرين.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ قال: هو الرجل يعمل العمل للدنيا لا يريد به الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: نزلت في أهل الشرك.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: هم أهل الرياء.

وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أول من يدعى يوم القيامة رجل جمع القرآن يقول الله تعالى له: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟

فيقول: بلى يا رب.

فيقول: فماذا عملت فيما علمتك؟

فيقول: يا رب كنت أقوم به الليل والنهار.

فيقول الله له: كذبت.

وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل، اذهب فليس لك اليوم عندنا شيء، ثم يدعى صاحب المال فيقول الله: عبدي ألم أنعم عليك، ألم أوسع عليك، فيقول: بلى يا رب.

فيقول: فماذا عملت فيما آتيتك؟

فيقول: يا رب كنت أصل الأرحام، وأتصدق وأفعل.

فيقول الله له: كذبت، بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذلك، اذهب فليس لك اليوم عندنا شيء.

ويدعى المقتول فيقول الله له: عبدي فيم قتلت؟

فيقول: يا رب فيك وفي سبيلك.

فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك، اذهب فليس لك اليوم عندنا شيء.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولئك الثلاثة شر خلق الله يسعر بهم النار يوم القيامة.

فحدث معاوية بهذا إلى قوله: ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ » .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاثة فرق.

فرقة يعبدون الله خالصاً: وفرقة يعبدون الله رياء، وفرقة يعبدون الله يصيبون به دنيا، فيقول للذي كان يعبد الله للدنيا: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟

فيقول: الدنيا.

فيقول: لا جرم لا ينفعك ما جمعت ولا ترجع إليه انطلقوا به إلى النار، ويقول للذي يعبد الله رياء: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟

قال: الرياء.

فيقول: إنما كانت عبادتك التي كنت ترائي بها لا يصعد إليّ منها شيء ولا ينفعك اليوم، انطلقوا به إلى النار، ويقول للذي يعبد الله خالصاً: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟

فيقول: بعزتك وجلالك لأنت أعلم به مني كنت أعبدك لوجهك ولدارك.

قال: صدق عبدي انطلقوا به إلى الجنة» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى يوم القيامة بناس بين الناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها استنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من الثواب وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون.

قال: ذاك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظيم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين ولم تجلوني، وتركتم للناس ولم تتركوا إلي، فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتم من الثواب» .

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ﴾ قال: يؤتون ثواب ما عملوا في الدنيا وليس لهم في الآخرة من شيء وقال: هي مثل الآية التي في الروم ﴿ وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ﴾ [ الروم: 39] .

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها...

﴾ الآية.

يقول: من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته وحاجته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة ليس له فيها حسنة، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة ﴿ وهم فيها لا يبخسون ﴾ أي لا يظلمون.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ قال: من عمل للدنيا لا يريد به الله وفاه الله ذلك العمل في الدنيا أجر ما عمل، فذلك قوله: ﴿ نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ﴾ أي لا ينقصون، أي يعطوا منها أجر ما عملوا.

وأخرج أبو الشيخ عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال: من كان يريد أن يعلم ما منزلته عند الله فلينظر في عمله فإنه قادم على عمله كائناً ما كان، ولا عمل مؤمن ولا كافر من عمل صالح إلا جاء الله به، فأما المؤمن فيجزيه به في الدنيا والآخرة بما شاء، وأما الكافر فيجزيه في الدنيا ثم تلا هذه الآية ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ نوف إليهم أعمالهم ﴾ قال: طيباتهم.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج ﴿ نوف إليهم أعمالهم فيها ﴾ قال: نعجل لهم فيها كل طيبة لهم فيها وهم لا يظلمون بما لم يعجلوا من طيباتهم، لم يظلمهم لأنهم لم يعملوا إلا للدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ نوف إليهم أعمالهم فيها ﴾ قال: تعجل لمن لا يقبل منه.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وحبط ما صنعوا فيها ﴾ قال: حبط ما عملوا من خير ﴿ وباطل ﴾ في الآخرة ليس لهم فيها جزاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ وحبط ﴾ يعني بطل.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ وباطلاً ما كانوا يعملون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا ﴾ الآية: نزلت في الكفار الذين يريدون الدنيا، ولا يريدون الآخرة؛ إذ هم لا يصدقون بها وقيل: نزلت في أهل الرياء من المؤمنين الذين يريدون بأعمالهم الدنيا، حسبما ورد في الحديث في القارئ، والمنفق، والمجاهد، الذين أرادوا أن يقال لهم ذلك؛ إنهم أول من تسعر بهم النار والأول أرجح؛ لتقدم ذكر الكفار المناقضين للقرآن، فإنما قصد بهذه الآية أولئك ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أعمالهم فِيهَا ﴾ نوف إليهم أجور أعمالهم بما يغبطهم فيها من الصحة والرزق، والضمير في فيها يعود على الدنيا والمجرور متعلق بقوله نوف أو بأعمالهم ﴿ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا ﴾ الضمير في فيها هنا يعود على الآخرة إن تعلق المجرور بحبط ويعود على الدنيا إن تعلق بصنعوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...

﴾ الآية اختلف فيه: قال بعضهم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم الله في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير الله، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عباس.

وروي في بعض الأخبار "أن نبي الله  سئل: ما بال العبد المعروف بالخير يشدد عليه عند الموت، والرجل المعروف بالشرّ يهون عليه الموت؟!

فقال: المؤمن تكون له ذنوب فيجازى بها عند موته، فيفضي إلى الله في الآخرة ولا ذنب عليه، والكافر يكون له الحسنات فيجازى بها عند الموت يخفف عنه بها كرب الموت، ثم يفضي إلى الآخرة وليست له حسنة" أو كلام نحوه.

وقال بعضهم: الآية في أهل الكفر يعملون أعمالا هي في الظاهر صالحة؛ نحو: التصدق على الفقراء وعمارات الطرق واتخاذ القناطر والرباطات هي في الظاهر صالحة، يقول: نوف لهم جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا لا ننقص منها شيئاً فهو ما وسع عليهم الدنيا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ أي: نرد إليهم أعمالهم التي عملوها فلا نقبلها ويكون إيفاء أعمالهم الرد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ﴾ أي: لا ينقصون ما قدر لهم من الرزق إلى انقضاء مدتهم وآجالهم بشركهم بالله.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ ﴾ : على هذا التأويل [ظاهر ليس لأهل الكفر في الأخرة إلا النار] وعلى التأويل الذي قال: إنها في أهل الإيمان، أي: لا يستوجبون بتلك الأعمال التي عملوها مراءاة إلا النار؛ لأنه إذا راءى فيها لم يخلصها لله وضيع أمره، وكل من ضيع أمر الله وفريضته يستوجب التعذيب عليه وله العفو، وليس في الآية أنه لا محالة يعذبهم بعملهم المراءاة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ﴾ فيه دلالة نقض قول الجهمية والمعتزلة بنفيهم العلم عن الله، وفي الآية إثبات العلم له بقوله: ﴿ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ أَفَمَن ﴾ حرف يقتضي الجواب لكن الجواب له لم يخرج في الظاهر؛ لأن جوابه أن يقول: أفمن كان على بينة من ربّه كمن ليس على بينة من ربه كما قال في آية أخرى: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ  ﴾ لا يعلم، فعلى ذلك جواب قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ كمن لا يكون على بينة من ربه، لكن الجواب عندنا يكون على وجوه: مرة يكون بالتصريح وهو ما ذكرنا، ومرة بالإشارة، ومرة بالكناية على غير تصريح.

ثم منهم من يجعل جوابه ما تقدم وهو قوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...

﴾ الآية، [يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها]، أي: لا يكون كذلك، ومنهم من يجعل جوابه فيما تأخر وهو قوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ ﴾ كأنه يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يكفر به الأحزاب، أي: لا يكون كذلك وقالوا: يجوز تقديم الجواب وتأخيره، كقوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ  ﴾ لم يخرج لهذا أيضاً جواب التصريح.

ثم اختلفوا في جوابه؛ قال بعضهم: جوابه فيما تأخر في قوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ وصف الذين لا يعلمون، فكأنه يقول: أفمن يعلم كمن لا يعلم.

ومنهم من يجعل جوابه في قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ  ﴾ يقول: من جعل لله أنداداً وضل عن سبيله وصار من أصحاب النار، كمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً أي: ليسا بسواء.

وقال مقاتل: ليس الذي على بيان من ربه كالذي موعده النار، والله أعلم.

وجائز أن يكون على طرح الألف: (فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى...) الآية يقول: فمن كان على بيان من ربه أولئك يؤمنون به.

ثم قوله: ﴿ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ : قال بعضهم: دين من ربه، أي: من كان على دين من الله ويتلوه شاهد منه أي: يتلو لما هو عليه من الدين شاهد منه، كمن كان على دين الشيطان ولا شاهد له عليه؟!

وقال بعضهم قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: على برهان من ربه وحجج ويتلوه شاهد منه على ذلك، كمن لا على برهان من ربه ولا حجج ولا شاهد له على ذلك؟!

ثم قال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ جبريل أو ملك غيره يتلو عليه القرآن.

وقال بعضهم: يتلوه شاهد منه: لسانه.

وقال بعضهم ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ هو القرآن ونحوه.

ثم قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ : يحتمل أصحاب عيسى الذين آمنوا به.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ ﴾ أصحاب التوراة الذين آمنوا.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: هؤلاء الذين آمنوا بهؤلاء هم الذين يؤمنون بمحمد - عليه أفضل الصلوات - وبما جاء به محمد،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: ومن قبل القرآن كتاب موسى جاء جبريل إلى موسى، كما جاء بهذا القرآن إماما يقتدى به ورحمة من العذاب لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ يعني قبل القرآن كتاب موسى التوراة إماما فيها أنباء هذا القرآن، وأنباء محمد أنه رسول؛ كقوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ وأمثاله.

ويحتمل قوله: ﴿ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ \[ما روي\] عن ابن عباس قال: إماماً ورحمة: كان كتاب موسى وهو التوراة إماما يقتدى به، وكان رحمة، أولئك يؤمنون به قال: أصحاب محمد  الذين آمنوا به من أهل الكتاب وغيرهم.

ويحتمل قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: مؤمني أهل التوراة يؤمنون بالقرآن ويقتدون به؛ كما آمنوا بالتوراة واقتدوا بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ ﴾ أي: بالقرآن ﴿ مِنَ ٱلأَحْزَابِ ﴾ الأحزاب: الفرق والأصناف.

يحتمل من يكفر به أي: بالقرآن من الفرق.

ويحتمل يكفر به أي: بمحمد.

ويحتمل الدين الذي هو عليه ويدعوهم إليه.

﴿ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ : إن مات على ذلك، وأمّا إذا أسلم ومات على الإسلام، فلا تكون النار موعده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ﴾ : يحتمل في قوله الوجوه الثلاثة التي ذكرنا من الدين والقرآن والنبي، يحتمل هو نفسه، ويحتمل الخطاب غيره لما ذكرنا في قوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ  ﴾ وأمثاله؛ فكذلك هذا، وقد ذكرنا أن العصمة لا تزيل النهي والأمر بل تزيدهما؛ لأن بالعصمة يظهر موافقة الأمر ومخالفة النهي والمحظور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ : يحتمل القرآن، ويحتمل الدين الذي عليه ويدعوهم إليه، ويحتمل هو نفسه الحق من ربه، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك المتصفون بهذا القصد الذميم ليس لهم يوم القيامة ثواب إلا النار يدخلونها، وذهب عنهم ثواب أعمالهم، وأعمالهم باطلة؛ لأنها لم يسبقها إيمان ولا قصد صحيح، فلم يريدوا بها وجه الله والدار الآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.NPlA4"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.7 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل