الآية ١٧ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٧ من سورة هود

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 156 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده ، من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو ، كما قال تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) [ الروم : 30 ] ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟

" .

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " يقول الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم " .

وفي المسند والسنن : " كل مولود يولد على هذه الملة ، حتى يعرب عنه لسانه " الحديث ، فالمؤمن باق على هذه الفطرة .

[ وقوله : ( ويتلوه شاهد منه ) أي ] : وجاءه شاهد من الله ، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء ، من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين .

ولهذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وأبو العالية ، والضحاك ، وإبراهيم النخعي ، والسدي ، وغير واحد في قوله تعالى : ( ويتلوه شاهد منه ) إنه جبريل عليه السلام .

وعن علي ، والحسن ، وقتادة : هو محمد ، صلى الله عليه وسلم .

وكلاهما قريب في المعنى; لأن كلا من جبريل ومحمد ، صلوات الله عليهما ، بلغ رسالة الله تعالى ، فجبريل إلى محمد ، ومحمد إلى الأمة .

وقيل : هو علي .

وهو ضعيف لا يثبت له قائل ، والأول والثاني هو الحق; وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة ، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة ، والفطرة تصدقها وتؤمن بها; ولهذا قال تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) وهو القرآن ، بلغه جبريل إلى النبي [ محمد ] صلى الله عليه وسلم ، وبلغه النبي محمد إلى أمته .

ثم قال تعالى : ( ومن قبله كتاب موسى ) أي : ومن قبل [ هذا ] القرآن كتاب موسى ، وهو التوراة ، ( إماما ورحمة ) أي : أنزل الله تعالى إلى تلك الأمة إماما لهم ، وقدوة يقتدون بها ، ورحمة من الله بهم .

فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن; ولهذا قال تعالى : ( أولئك يؤمنون به ) .

ثم قال تعالى متوعدا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) أي : ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض مشركيهم : أهل الكتاب وغيرهم ، من سائر طوائف بني آدم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم ، ممن بلغه القرآن ، كما قال تعالى : ( لأنذركم به ومن بلغ ) [ الأنعام : 19 ] ، وقال تعالى : ( قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) [ الأعراف : 158 ] .

وقال تعالى : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) وفي صحيح مسلم ، من حديث شعبة ، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " والذي نفسي بيده ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار " .

وقال أيوب السختياني ، عن سعيد بن جبير قال : كنت لا أسمع بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجهه إلا وجدت مصداقه - أو قال : تصديقه - في القرآن ، فبلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصراني ، فلا يؤمن بي إلا دخل النار " .

فجعلت أقول : أين مصداقه في كتاب الله ؟

قال : وقلما سمعت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وجدت له تصديقا في القرآن ، حتى وجدت هذه الآية : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) قال : " من الملل كلها " .

قوله : ( فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ) أي : القرآن حق من الله ، لا مرية فيه ولا شك ، كما قال تعالى : ( الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) [ السجدة : 1 ، 2 ] ، وقال تعالى : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه [ هدى للمتقين ] ) [ البقرة : 1 ، 2 ] .

وقوله : ( ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) كما قال تعالى : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103 ] ، وقال تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) [ الأنعام : 116 ] ، وقال تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) [ سبأ : 20 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (أفمن كان على بينة من ربه) ، قد بين له دينه فتبينه (22) ، (ويتلوه شاهد منه).

(23) * * * واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: يعني بقوله: (أفمن كان على بينة من ربه) ، محمدًا صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: 18030- حدثني محمد بن خلف قال ، حدثنا حسين بن محمد قال ، حدثنا شيبان، عن قتادة، عن عروة، عن محمد ابن الحنفية قال: قلت لأبي: يا أبت ، أنت التالي في (ويتلوه شاهد منه) ؟

قال: لا والله يا بنيّ !

وددت أني كنت أنا هو، ولكنه لسانُه 18031- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، ، عن الحسن: (ويتلوه شاهد منه) قال: لسانه.

18032- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، في قوله: (ويتلوه شاهد منه) قال: لسانه.

18033- حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا الحكم بن عبد الله أبو النعمان العجلي قال ، حدثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله.

(24) 18034- حدثني علي بن الحسن الأزدي قال ، حدثنا المعافى بن عمران، عن قرة بن خالد، عن الحسن، مثله.

18035- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (أفمن كان على بينة من ربه) ، وهو محمد ، كان على بيّنة من ربه.

18036- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قوله: (ويتلوه شاهد منه) قال: لسانه.

18037- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ويتلوه شاهد منه)، قال: لسانه هو الشاهد.

18038- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله.

18039- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا غندر، عن عوف، عن الحسن، مثله.

* * * وقال آخرون: يعني بقوله: (ويتلوه شاهد منه)، محمدًا صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: 18040- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن سليمان العلاف، عن الحسين بن علي في قوله: (ويتلوه شاهد منه) قال: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم .

(25) 18041- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا غندر، عن عوف، قال، حدثني سليمان العلاف قال: بلغني أن الحسن بن علي قال: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

18042-.

.

.

.

قال، حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن سليمان العلاف، سمع الحَسَن بن علي: (ويتلوه شاهد منه) ، يقول: محمد، هو الشاهد من الله.

(26) 18043- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) ، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان على بينة من ربه، والقرآن يتلوه شاهدٌ أيضًا من الله ، (27) بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

18044- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: (أفمن كان على بينة من ربه) ، قال: النبي صلى الله عليه وسلم.

18045- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن نضر بن عربي، عن عكرمة، مثله.

18046-.

.

..

قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

18047- حدثنا الحارث قال ، حدثنا أبو خالد، سمعت سفيان يقول: (أفمن كان على بينة من ربه) ، قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * وقال آخرون: هو علي بن أبي طالب.

*ذكر من قال ذلك: 18048- حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال ، حدثنا رزيق بن مرزوق قال ، حدثنا صباح الفراء، عن جابر، عن عبد الله بن نجيّ قال، قال علي رضي الله عنه: ما من رجل من قريش إلا وقد نـزلت فيه الآية والآيتان.

فقال له رجُل: فأنتَ فأي شيء نـزل فيك؟

فقال علي: أما تقرأ الآية التي نـزلت في هود : (ويتلوه شاهد منه).

(28) * * * وقال آخرون: هو جبريل.

*ذكر من قال ذلك: 18049- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: (ويتلوه شاهد منه) ، إنه كان يقول: جبريل.

18050- حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: جبريل.

18051- وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى ، بإسناده عن إبراهيم فقال: قال : يقولون : " علي" ، إنما هو جبريل.

18052- حدثنا أبو كريب، وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال: هو جبريل، تلا التوراة والإنجيل والقرآن، وهو الشاهد من الله.

18053- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، وحدثنا محمد بن عبد الله المخرّميّ ، قال ، حدثنا جعفر بن عون قال ، حدثنا سفيان ، وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم: (ويتلوه شاهد منه) قال: جبريل.

18054- حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

18055-.

.

.

.

قال، حدثنا سهل بن يوسف قال ، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

18056- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

18057-.

.

.

.

قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: جبريل.

18058-.

.

.

.

قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: جبريل.

18059-.

.

.

.

قال، حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: جبريل 18060-.

.

.

.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (أفمن كان على بينة من ربه) ، يعني محمدًا هو على بينة من الله ، (ويتلوه شاهد منه) ، جبريل ، شاهدٌ من الله ، يتلو على محمد ما بُعث به.

18061- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: هو جبريل 18062-.

.

.

.

قال، حدثنا أبي، عن نضر بن عربي، عن عكرمة، قال: هو جبريل.

18063-.

.

.

.

قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: جبريل.

18064-.

.

.

.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي، قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (أفمن كان على بينة من ربه)، يعني محمدًا ، على بينة من ربه ، (ويتلوه شاهد منه) ، فهو جبريل ، شاهد من الله بالذي يتلو من كتاب الله الذي أنـزل على محمد قال: ويقال: (ويتلوه شاهد منه) ، يقول: يحفظه المَلَك الذي معه.

18065- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو النعمان عارم قال ، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب قال،كان مجاهد يقول في قوله: (أفمن كان على بينة من ربه) ، قال: يعني محمدًا، (ويتلوه شاهد منه) ، قال: جبريل.

* * * وقال آخرون: هو ملك يحفظه.

*ذكر من قال ذلك: 18066- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: معه حافظ من الله ، مَلَكٌ.

18067- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يزيد بن هارون، وسويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن مجاهد: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: ملك يحفظه.

18068-.

.

.

.

قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، عمن سمع مجاهدًا: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: الملك.

18069- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ويتلوه شاهد منه) ، يتبعه حافظٌ من الله ، مَلَكٌ.

18070- حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد، عن أيوب، عن مجاهد: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: الملك يحفظه: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ، [سورة البقرة: 121] قال: يتّبعونه حقّ اتباعه.

18071- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: حافظ من الله ، مَلكٌ.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصواب في تأويل قوله: (ويتلوه شاهد منه)، قولُ من قال: " هو جبريل "، لدلالة قوله: (ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمةً) ، على صحة ذلك .

وذلك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فيكون ذلك دليلا على صحة قول من قال: " عنى به لسان محمد صلى الله عليه وسلم، أو: محمد نفسه، أو : عليّ" على قول من قال: " عني به علي".

ولا يعلم أنّ أحدًا كان تلا ذلك قبل القرآن ، أو جاء به، ممن ذكر أهل التأويل أنه عنى بقوله: (ويتلوه شاهد منه) ، غير جبريل عليه السلام.

* * * فإن قال قائل: فإن كان ذلك دليلك على أن المعنيَّ به جبريل، فقد يجب أن تكون القراءة في قوله: (ومن قبله كتاب موسى) بالنصب ، لأن معنى الكلام على ما تأولتَ يجب أن يكون: ويتلو القرآنَ شاهدٌ من الله، ومن قبل القرآن كتابَ موسى؟

قيل: إن القراء في الأمصار قد أجمعت على قراءة ذلك بالرفع فلم يكن لأحد خلافها، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالنصب ، كانت قراءة صحيحةً ومعنى صحيحًا.

فإن قال: فما وجه رفعهم إذًا " الكتاب " على ما ادعيت من التأويل؟

قيل: وجه رفعهم هذا أنهم ابتدؤوا الخبر عن مجيء كتاب موسى قبل كتابنا المنـزل على محمد، فرفعوه ب " من " [ومنه]، (29) والقراءة كذلك، والمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبريل ذلك قبل القرآن، وأن المراد من معناه ذلك ، وإن كان الخبر مستأنفًا على ما وصفت ، اكتفاءً بدلالة الكلام على معناه.

* * * وأما قوله: (إمامًا) فإنه نصب على القطع من " كتاب موسى " ، (30) وقوله (ورحمة) ، عطف على " الإمام ".

كأنه قيل: ومن قبله كتاب موسى إمامًا لبني إسرائيل يأتمُّون به، ورحمةً من الله تلاه على موسى، كما:- 18072- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن أبيه، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: (ومن قبله كتاب موسى) ، قال: من قبله جاء بالكتاب إلى موسى.

* * * وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ذكر عليه منه، وهو: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمةً) ، ، " كمن هو في الضلالة متردد لا يهتدي لرشد، ولا يعرف حقًّا من باطل، ولا يطلب بعمله إلا الحياة الدنيا وزينتها ".

وذلك نظير قوله: أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [سورة الزمر: 9] (31) والدليل على حقيقة ما قلنا في ذلك أن ذلك عقيب قوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، الآية، ثم قيل: أهذا خير ، أمن كان على بينة من ربه؟

والعرب تفعل ذلك كثيرًا إذا كان فيما ذكرت دلالة على مرادها على ما حذفت، وذلك كقول الشاعر: (32) وَأُقْسِــمُ لَـوْ شَـيْءٌ أَتَانَـا رَسُـولُه سِـواكَ وَلَكِـنْ لَـمْ نَجِـدْ لَـكَ مَدْفَعًا (33) * * * وقوله: (أولئك يؤمنون به) ، يقول: هؤلاء الذين ذكرت ، يصدقون ويقرّون به ، إن كفر به هؤلاء المشركون الذين يقولون: إن محمدًا افتراه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (17) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ومن يكفر بهذا القرآن ، فيجحد أنه من عند الله ، (من الأحزاب) وهم المتحزّبة على مللهم (34) ، (فالنار موعده)، أنه يصير إليها في الآخرة بتكذيبه.

يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (فلا تك في مرية منه) ، يقول: فلا تك في شك منه، (35) من أن موعدَ من كفر بالقرآن من الأحزاب النارُ، وأن هذا القرآن الذي أنـزلناه إليك من عند الله.

ثم ابتدأ جل ثناؤه الخبر عن القرآن فقال: إن هذا القرآن الذي أنـزلناه إليك ، يا محمد ، الحقّ من ربك لا شك فيه، ولكنّ أكثر الناس لا يصدِّقون بأن ذلك كذلك.

* * * فإن قال قائل: أوَ كان النبي صلى الله عليه وسلم في شكٍّ من أن القرآن من عند الله، وأنه حق، حتى قيل له: " فلا تك في مرية منه "؟

قيل: هذا نظير قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ [ سورة يونس: 94] ، وقد بينا ذلك هنالك.

(36) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 18073- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب قال: نبئت أن سعيد بن جبير قال: ما بلغني حديثٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على وَجهه إلا وجدت مصداقَه في كتاب الله تعالى، حتى قال " لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصرانيّ، ثم لا يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار ".

قال سعيد، فقلت : أين هذا في كتاب الله؟

حتى أتيت على هذه الآية: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) ، قال: من أهل الملل كُلّها.

18074- حدثنا محمد بن عبد الله المخرّمي ، وابن وكيع قالا حدثنا جعفر بن عون قال ، حدثنا سفيان، عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله: (ومن يكفُر به من الأحزاب) ، قال: من الملل كلها.

18075- حدثني يعقوب ، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال ، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وَجهه، إلا وجدت مصداقه ، أو قال تصديقه ، في القرآن، فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصراني ، ثم لا يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار " ، فجعلت أقول: أين مصداقُها؟

حتى أتيت على هذه: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ، إلى قوله: (فالنار موعده) ، قال: فالأحزاب، الملل كلها.

18076- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، حدثني أيوب، عن سعيد بن جبير قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصراني ، فلا يؤمن بي إلا دخل النار " ، فجعلت أقول: أين مصداقها في كتاب الله؟

قال: وقلَّما سمعت حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وجدتُ له تصديقًا في القرآن، حتى وجدت هذه الآيات: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) ، الملل كلها.

(37) 18077-.

.

..

قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) ، قال: الكفارُ أحزابٌ كلهم على الكفر.

18078- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ، [سورة الرعد: 36] ، أي : يكفر ببعضه، وهم اليهود والنصارى.

قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصراني ، ثم يموت قبل أن يؤمن بي، إلا دخل النار ".

18079- حدثني المثنى قال ، حدثنا يوسف بن عدي النضري قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني، فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة.

(38) ----------------------- الهوامش : (22) انظر تفسير " البينة " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .

(23) انظر تفسير " يتلو " ، و " شاهد " فيما سلف من فهارس اللغة ( تلا ) ، ( شهد ) .

(24) الأثر : 18033 - " الحكم بن عبد الله " ، " أبو النعمان العجلي " ، ثقة ، مضى برقم : 17013 .

(25) الأثر : 18040 - " سليمان العلاف " ، مترجم في الكبير 2 / 2 / 31 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 153 ، ولم يذكرا فيه جرحًا ، وقالا : إنه بلغه عن الحسن ، روى عنه عوف ، وقال البخاري : مرسل .

وكأنه يعني هذا الحديث ، انظر الخبر التالي .

وكان في المطبوعة والمخطوطة " عن الحسين بن علي " ، وهو خطأ ، يدل عليه ما ذكرته ، وانظر الخبر التالي ، والذي يليه .

(26) الأثران : 18041 ، 18042 - " سليمان العلاف " ، انظر التعليق السالف ، وفي الأثرين " الحسين بن علي " في المخطوطة والمطبوعة ، والصواب ما أثبت كما مر ذلك في التعليق على الأثر السالف .

(27) في المطبوعة : " شاهد منه أيضًا " ، والذي في المخطوطة هو الجيد .

(28) الأثر : 18048 - " رزيق بن مرزوق الكوفي المقرئ البجلي " ، روى عن أبي الأحوص ، وابن عيينة ، وسهل بن شعيب ، وروى عنه أحمد بن يحيى الصوفي ، وأبو حاتم الرازي ، وقال : " صدوق " مترجم في ابن أبي حاتم 1 / 2 / 506 ." وصباح الفراء " ، لم أجده ، وأخشى أن يكون هو " صباح بن يحيى المزني " ، وهو الشيعي المتروك الذي سلف برقم : 16113 ." وجابر " هو الجعفي " جابر بن يزيد الجعفي " .

وهو ضعيف ، بل ربما كان القول فيه أشد ، وكان فوق ذلك رافضيًا يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن حبان : " كان من أصحاب عبد الله بن سبأ ، وكان يقول : إن عليا يرجع إلى الدنيا " مضى مرارًا آخرها رقم : 14008 .

" وعبد الله بن نجي بن سلمة الكوفي الحضرمي " ، ليس بالقوي ، كان أبوه على مطهرة علي رضي الله عنه ، قال البخاري : " فيه نظر " ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 184 .

وميزان الاعتدال 2 : 82 ، وقال الذهبي : " روى عنه جابر الجعفي ، فمنكرة من جابر " ، ووثقه النسائي .

وكان في المطبوعة " عبد الله بن يحيى " ، لم يحسن قراءة المخطوطة فيعرف الاسم .

(29) في المطبوعة : " فرفعوه بمن قبله والقراءة كذلك " ، غير ما في المخطوطة ، لهذه الكلمة التي وضعتها بين القوسين ، وأنا أخشى أن تكون زيادة لا معنى لها ، ولذلك أثبتها بين القوسين ، كما في المخطوطة .

وانظر تفسير الآية في معاني القرآن للفراء .

(30) " القطع " ، الحال ، كما سلف ص : 76 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(31) انظر تفسير الآية في معاني القرآن للفراء .

(32) هو امرؤ القيس .

(33) ديوانه : 113 ، والخزانة 4 : 227 ، وغيرهما كثير ، وسيأتي في التفسير 13 : 102 / 23 : 128 / 29 : 67 ( بولاق ) ، وهذا البيت قد كثر الاستدلال به على الحذف ، إلا أن البغدادي أفاد فائدة جيدة فقال : " وعذرهم في تقدير الجواب أن هذا البيت ساقط في أكثر الروايات ، وقد ذكره الزجاجي في أماليه الصغرى والكبرى في جملة أبيات ثمانية ، رواها المبرد من قصيدة لأمرئ القيس ، ورأينا أن نقتصر عليها ، وهي : بَعَثْــتُ إلَيْهــا والنُّجـوم خَـوَاضِعٌ حِــذَارًا عَلَيْهَــا أنْ تَقُـومَ فَتَسْـمَعَا فَجَـاءتْ قَطُـوفَ المَشْيِ هَائِبَةَ السُّرَى يُــدَافِعُ رُكْنَـاهَــا كَـوَاعِبَ أرْبَعَـا يُزَجِّيهَـا مَشْـىَ الـنَّزِيفِ وَقَـدْ جَرَى صُبَـابُ الكَـرَى فِـي مُخِّـهِ فَتَقَطَّعَـا تَقُــولُ وَقَـدْ جَرَّدْتُهَـا مِـنْ ثِيَابِهَـا كَمَـا رُعْـتَ مَكْحُـولَ المَـدَامِع أَتْلَعَا أَجِــدَّكَ لَـوْ شَـيْءٌ أَتَانـا رَسُـولُهُ سِـوَاكَ وَلكِـنْ لـم نَجِـدْ لَـكَ مَدْفَعَا إِذَنْ لَرَدَدْنَــاهُ , وَلَــوْ طَـالَ مَكْثُـهُ لَدَيْنَــا , وَلَكِنَّــا بِحُــبِّكَ وُلَّعَــا فَبِتْنَـا تَصُـدُّ الوُحْـشُ عَنَّـا , كَأَنَّنَـا قَتِيـلاَنِ لم يَعْلَـمْ النَّـاسُ لَنَا مَصْرَعَا إِذَا أَخَذَتْهَـا هِـزَّةُ الـرَّوْعِ , أَمْسَـكَتْ بِمَنْكِـبِ مِقْـدَامٍ عَـلَى الهَـوْلِ أرْوَعَا هذا ما قاله البغدادي ، وفيه قول لا يتسع له هذا المكان ، ولكن فيه فائدة تقيد .

(34) انظر تفسير " الحزب " فيما سلف 1 : 244 / 10 : 428 .

(35) انظر تفسير " المرية " فيما سلف من فهارس اللغة ( مري ) .

(36) انظر ما سلف قريبًا ص : 200 - 203 .

(37) الآثار : 18073 - 18077 - هذه الآثار عن سعيد بن جبير ، والتي روى فيها الخبر مرسلا ، رواه الحاكم في المستدرك 2 : 342 ، موصولا مرفوعًا من حديث ابن عباس .

وذلك من طريق عبد الرازق ، عن معمر ، عن أبي عمرو البصري ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وقال الحاكم " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي .

وانظر حديث أبي هريرة ، في صحيح مسلم 2 : 186 ، وما سيأتي من حديث أبي موسى رقم : 18079 .

(38) الأثر : 18079 - " يوسف بن عدي النصري " ، هكذا في المخطوطة غير منقوط ، وفي المطبوعة : " النضري " ولا أدري من أين أتى بإعجامه هذا .

والذي مر بنا في الخبر رقم : 10309 ، رواية المثنى ، عن يوسف بن عدي ، عن ابن المبارك " وظننت هناك أنه : " يوسف بن عدي بن رزيق التيمي " ، فلا أدري ما هذه النسبة التي هنا ، إلا أني أظن أنها " المصري " ، لأن " يوسف بن عدي " ، وإن يكن كوفيًا ، إلا أنه سكن مصر ، ومات بها سنة 232 .وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 4 : 396 ، عن طريق محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، بهذا اللفظ .

ومثله 4 : 398 ، من طريق عفان ، عن شعبة .وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 261 ، 262 ، مطولا ، وفيه من قول أبي موسى الأشعري : " فقلت : ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا في كتاب الله عز وجل ، فقرأت فوجدت : {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } ، فهذا نحو ما قاله سعيد بن جبير في الآثار السالفة .

وقال الهيثمي بعد : " رواه الطبراني ، واللفظ له ، وأحمد بنحوه في الروايتين ، ورجال أحمد رجال الصحيح ، والبزار أيضًا باختصار" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنونقوله تعالى : أفمن كان على بينة من ربه ابتداء والخبر محذوف ; أي أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه من الفضل ما يتبين به كغيره ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها ؟

!

عن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن .

وكذلك قال ابن زيد : إن الذي على بينة هو من اتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - .

ويتلوه شاهد منه من الله ، وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل المراد بقوله أفمن كان على بينة من ربه النبي - صلى الله عليه وسلم - والكلام راجع إلى قوله : وضائق به صدرك ; أي أفمن كان معه بيان من الله ، ومعجزة كالقرآن ، ومعه شاهد كجبريل - على ما يأتي - وقد بشرت به الكتب السالفة يضيق صدره بالإبلاغ ، وهو يعلم أن الله لا يسلمه .

والهاء في " ربه " تعود عليه .ويتلوه شاهد منه وروى عكرمة عن ابن عباس أنه جبريل ; [ ص: 17 ] وهو قول مجاهد والنخعي .

والهاء في " منه " لله عز وجل ; أي ويتلو البيان والبرهان شاهد من الله - عز وجل - .

وقال مجاهد : الشاهد ملك من الله - عز وجل - يحفظه ويسدده .

وقال الحسن البصري وقتادة : الشاهد لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال محمد بن علي ، ابن الحنفية : قلت لأبي أنت الشاهد ؟

فقال : وددت أن أكون أنا هو ; ولكنه لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : هو علي بن أبي طالب ; روي عن ابن عباس أنه قال : ( هو علي بن أبي طالب ) ; وروي عن علي أنه قال : ( ما من رجل من قريش إلا وقد أنزلت فيه الآية والآيتان ; فقال له رجل : أي شيء نزل فيك ؟

فقال علي : ويتلوه شاهد منه ) .

وقيل : الشاهد صورة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووجهه ومخائله ; لأن من كان له فضل وعقل فنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; فالهاء على هذا ترجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على قول ابن زيد وغيره .

وقيل : الشاهد القرآن في نظمه وبلاغته ، والمعاني الكثيرة منه في اللفظ الواحد ; قاله الحسين بن الفضل ، فالهاء في " منه " للقرآن .

وقال الفراء قال بعضهم : ويتلوه شاهد منه الإنجيل ، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق ; والهاء في " منه " لله عز وجل .

وقيل : البينة معرفة الله التي أشرقت لها القلوب ، والشاهد الذي يتلوه العقل الذي ركب في دماغه وأشرق صدره بنوره" ومن قبله " أي من قبل الإنجيل .كتاب موسى رفع بالابتداء ، قال أبو إسحاق الزجاج والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - موصوف في كتاب موسى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ " ومن قبله كتاب موسى " بالنصب ; وحكاها المهدوي عن الكلبي ; يكون معطوفا على الهاء في " يتلوه " والمعنى : ويتلو كتاب موسى جبريل - عليه السلام - ; وكذلك قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ; المعنى من قبله تلا جبريل كتاب موسى على موسى .

ويجوز على ما ذكره ابن عباس أيضا من هذا القول أن يرفع " كتاب " على أن يكون المعنى : ومن قبله كتاب موسى كذلك ; أي تلاه جبريل على موسى كما تلا القرآن على محمد ." إماما " نصب على الحال ." ورحمة " معطوف .أولئك يؤمنون به إشارة إلى بني إسرائيل ، أي يؤمنون بما في التوراة من البشارة بك ; وإنما كفر بك هؤلاء المتأخرون فهم الذين موعدهم النار ; حكاه القشيري .

والهاء في به يجوز أن تكون للقرآن ، ويجوز أن تكون للنبي - صلى الله عليه وسلم - .ومن يكفر به أي بالقرآن أو بالنبي - عليه السلام - .من الأحزاب يعني من الملل كلها ; عن قتادة ; وكذا قال سعيد بن جبير : الأحزاب أهل الأديان كلها ; [ ص: 18 ] لأنهم يتحازبون .

وقيل : قريش وحلفاؤهم .فالنار موعده أي هو من أهل النار ; وأنشد حسان :أوردتموها حياض الموت ضاحية فالنار موعدها والموت لاقيهاوفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار .فلا تك في مرية أي في شك .منه أي من القرآن .إنه الحق من ربك أي القرآن من الله ; قاله مقاتل .

وقال الكلبي : المعنى فلا تك في مرية في أن الكافر في النار .

إنه الحق أي القول الحق الكائن ; والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد جميع المكلفين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يذكر تعالى، حال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من ورثته القائمين بدينه، وحججه الموقنين بذلك، وأنهم لا يوصف بهم غيرهم ولا يكون أحد مثلهم، فقال: { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ } بالوحي الذي أنزل الله فيه المسائل المهمة، ودلائلها الظاهرة، فتيقن تلك البينة.

{ وَيَتْلُوهُ } أي: يتلو هذه البينة والبرهان برهان آخر { شَاهِدٌ مِنْهُ } وهو شاهد الفطرة المستقيمة، والعقل الصحيح، حين شهد حقيقة ما أوحاه الله وشرعه، وعلم بعقله حسنه، فازداد بذلك إيمانا إلى إيمانه.

{ و } ثم شاهد ثالث وهو { كِتَابُ مُوسَى } التوراة التي جعلها الله { إِمَامًا } للناس { وَرَحْمَةً } لهم، يشهد لهذا القرآن بالصدق، ويوافقه فيما جاء به من الحق.

أي: أفمن كان بهذا الوصف قد تواردت عليه شواهد الإيمان، وقامت لديه أدلة اليقين، كمن هو في الظلمات والجهالات، ليس بخارج منها؟!

لا يستوون عند الله، ولا عند عباد الله، { أُولَئِكَ } أي: الذين وفقوا لقيام الأدلة عندهم، { يُؤْمِنُونَ } بالقرآن حقيقة، فيثمر لهم إيمانهم كل خير في الدنيا والآخرة.

{ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ } أي: القرآن { مِنَ الْأَحْزَابِ } أي: سائر طوائف أهل الأرض، المتحزبة على رد الحق، { فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } لا بد من وروده إليها { فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ منه } أي: في أدنى شك { إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ } إما جهلا منهم وضلالا، وإما ظلما وعنادا وبغيا، وإلا فمن كان قصده حسنا وفهمه مستقيما، فلا بد أن يؤمن به، لأنه يرى ما يدعوه إلى الإيمان من كل وجه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( أفمن كان على بينة ) بيان ، ( من ربه ) قيل : في الآية حذف ، ومعناه : أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها ، أو من كان على بينة من ربه كمن هو في الضلالة والجهالة ، والمراد بالذي هو على بينة من ربه : النبي صلى الله عليه وسلم .

( ويتلوه شاهد منه ) أي : يتبعه من يشهد به بصدقه .

واختلفوا في هذا الشاهد فقال ابن عباس ، وعلقمة ، وإبراهيم ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، وأكثر أهل التفسير : إنه جبريل عليه السلام .

وقال الحسن وقتادة : هو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروى ابن جريج عن مجاهد قال : هو ملك يحفظه ويسدده .

وقال الحسين بن الفضل : هو القرآن ونظمه وإعجازه .

وقيل : هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

قال علي : ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه آية من القرآن ، فقال له رجل : وأنت أي شيء نزل فيك؟

قال : ( ويتلوه شاهد منه ) .

وقيل : شاهد منه هو الإنجيل .

( ومن قبله ) أي : ومن قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : من قبل نزول القرآن .

( كتاب موسى ) أي : كان كتاب موسى ، ( إماما ورحمة ) لمن اتبعها ، يعني : التوراة ، وهي مصدقة للقرآن ، شاهدة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ( أولئك يؤمنون به ) يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : أراد الذين أسلموا من أهل الكتاب .

( ومن يكفر به ) أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : بالقرآن ، ( من الأحزاب ) من الكفار من أهل الملل كلها ، ( فالنار موعده ) .

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر الزيادي ، أخبرنا محمد بن الحسين القطان ، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه ، حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، ولا يهودي ، ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " .

قوله تعالى : ( فلا تك في مرية منه ) أي : في شك منه ، ( إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفمن كان على بيِّنة» بيان «من ربه» وهو النبي أو المؤمنون، وهي القرآن «ويتلوه» يتبعه «شاهد» له بصدقه «منه» أي من الله وهو جبريل «ومن قبله» القرآن «كتاب موسى» التوراة شاهد له أيضا «إماما ورحمة» حال كمن ليس كذلك؟

لا «أولئك» أي من كان على بينة «يؤمنون به» أي بالقرآن فلهم الجنة «ومن يكفر به من الأحزاب» جميع الكفار «فالنار موعده فلا تَكُ في مِرْيَةِ» شك «منه» من القرآن «إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس» أي أهل مكة «لا يؤمنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفمَن كان على حجة وبصيرة من ربه فيما يؤمن به، ويدعو إليه بالوحي الذي أنزل الله فيه هذه البينة، ويتلوها برهان آخر شاهد منه، وهو جبريل أو محمد عليهما السلام، ويؤيد ذلك برهان ثالث من قبل القرآن، وهو التوراة -الكتاب الذي أنزل على موسى إمامًا ورحمة لمن آمن به-، كمن كان همه الحياة الفانية بزينتها؟

أولئك يصدِّقون بهذا القرآن ويعملون بأحكامه، ومن يكفر بهذا القرآن من الذين تحزَّبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزاؤه النار، يَرِدُها لا محالة، فلا تك -أيها الرسول- في شك من أمر القرآن وكونه من عند الله تعالى بعد ما شهدت بذلك الأدلة والحجج، واعلم أن هذا الدين هو الحق من ربك، ولكن أكثر الناس لا يصدِّقون ولا يعملون بما أُمروا به.

وهذا توجيه عام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - حال الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها ، أتبع ذلك بيان حال الذين يريدون الحق والصواب فيما يفعلون ويتركون فقال - تعالى - :( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ .

.

.

) .قال صاحب المنار ما ملخصه : البينة ما تبين به الحق من كل شئ بحسبه كالبرهان فى العقليات والنصوص فى النقليات ، والخوارق فى الإِلهيات ، والتجارب فى الحسيات ، والشهادات فى القضائيات ، والاستقراء فى إثبات الكليات ، وقد نطق القرآن بأن الرسل قد جاءوا أقوامهم بالبينات وأن كل نبى منهم كان يحتج على قومه بأنه على بينة من ربه وأنه جاءهم ببينة من ربهم ، كما ترى فى قصصهم فى هذه السورة وفى غيرها .

.وقوله : ( وَيَتْلُوهُ .

.

.

) من التلو بمعنى الاقتفاء والاتباع .

يقال : تلا فلان فلانا إذا كان تابعا له ومقتفيا أثره .

والمراد به هنا : التأييد والتقوية .وللمفسرين أقوال متعددة فى المقصود بقوله - تعالى - ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) وبقوله - سبحانه - ( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ) .وفى مرجع الضمائر فى قوله " ربه - ويتلوه - ومنه " .

.

.وأقرب هذه الأقوال إلى الصواب أن يكون المقصود بقوله - تعالى - ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه المؤمنون .وبقوله تعالى - ( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ) القرآن الكريم الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليكون معجزة له شاهدة بصدقه .والضمير فى قوله من ربه يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى قوله ( وَيَتْلُوهُ ) يعود إلى القرآن الكريم ، وفى قوله ( منه ) يعود إلى الله - تعالى - .وعلى هذا القول يكون المعنى : أفمن كان على حجة واضحة من عند ربه تهديه إلى الحق والصواب فى كل أقواله وأفعاله ، وهو هذا الرسول الكريم وأتباعه ويؤيده ويقويه فى دعوته شاهد من ربه هو هذا القرآن الكريم المعجز لسائر البشر .

.أفمن كان هذا شأنه كمن ليس كذلك؟أو أفمن كان هذا شأنه كمن استحوذ عليه الشيطان فجعله لا يريد إلا الحياة الدنيا وزينتها؟

كلا إنهما لا يستويان .وشهادة القرآن الكريم بصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته ، تتجلى فى إعجازه ، فقد تحدى النبى - صلى الله عليه وسلم - أعداءه أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا مع فصاحتهم وبلاغتهم ، فثبت بذلك أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .وإنما جعلنا هذا القول أقرب الأقوال إلى الصواب ، لأنه هو الذى يتسق مع ما يفيده ظاهر الآية الكريمة ، ولأننا عندما نقرأ هذه السورة الكريمة وغيرها ، نجد الرسل الكرام كثيرا ما يؤكدون لأقوامهم - أنهم - أى الرسل على بينة من ربهم .فهذا نوح - عليه السلام - يقول لقومه : ( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ )وهذا صالح - عليه السلام - يقول لقومه : ( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِنْ عَصَيْتُهُ .

.

.

) وهذا شعيب - عليه السلام - يقول لقومه : ( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً .

.

.

) وهكذا نجد كل نبى يؤكد لقومه أنه جاءهم على بينة من ربه وما دام الأمر كذلك فسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أفضل من جاء قومه على بينة من ربه ، والمؤمنون به - صلى الله عليه وسلم - يقتدرون به فى ذلك .ويرى بعضهم أن المراد بالبينة القرآن الكريم ، وبالشاهد إعجازه ، وبالموصول مؤمنوا أهل الكتاب ، وأن الضمير فى قوله " ويتلوه - ومنه " يعودان إلى القرآن الكريم وإعجازه .وعلى هذا الرأى يكون المعنى : أفمن كان على برهان جلى من ربه يدل على حقية الإِسلام وهو القرآن ، ويؤيده ويقويه - أى القرآن - شاهد منه على كونه من عند الله وهذا الشاهد هو إعجازه للبشر عن أن يأتوا بسورة من مثله .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) : أصل البينة الدالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة ، وتطلق على الدليل مطلقا .

.

والتنوين فيها للتعظيم ، أى : بيئة عظيمة الشأن والمراد بها القرآن ، وباعتبار ذلك أو البرهان جاء الضمير الراجع إليها فى قوله ( وَيَتْلُوهُ ) أى يتبعه ( شَاهِدٌ ) عظيم يشهد بكونه من عند الله وهو إعجازه .

.ومعنى كون ذلك الشاهد تابعا له : أنه وصف له لا ينفك عنه .

.

وكذا الضمير فى " منه " - يعود إلى القرآن - وهو متعلق بمحذوف وقع صفته لشاهد ومعنى كونه منه أنه غير خارج عنه .

.ومن المفسرين من يرى أن المراد بالبيئة القرآن الكريم - أيضا - ويرى أن المراد بالشاهد جبريل - عليه السلام - وأن قوله - سبحانه - ( وَيَتْلُوهُ ) من التلاوة بمعى القراءة لا من التَّلْوِ بمعنى الاتباع .وعلى هذا الرأى يكون المعنى : أفمن كان على برهان جلى من ربه يدل على حقية الإِسلام وهو القرآن ويتلوا هذا القرآن على الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاهد من الله - تعالى - هو جبريل - عليه السلام - .فالضمير فى ( وَيَتْلُوهُ ) على هذا الرأى يعود إلى جبريل - عليه السلام - وفى " منه " يعود على الله تعالى - .وهناك أقوال أخرى فى تفسير الآية الكريمة رأينا من الخير أن نضرب عنها صفحا لضعفها .وقوله ( وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً ) دليل آخر على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته .

وهو معطوف على شاهد والضمير فى قوله ( وَمِن قَبْلِهِ ..

.

) يعود على شاهد - أيضا - .وقوله ( إِمَاماً وَرَحْمَةً ) منصوبان على الحالية من قوله ( كِتَابُ ) .والمعنى ومن قبل هذا الشاهد على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو القرآن الكريم أنزل الله - تعالى - على موسى كتابه التوراة مشتملا على صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - و ( إِمَاماً ) يؤتم به فى أمور الدين والدنيا ورحمة لبنى إسرائيل من العذاب إذا ما آمنوا به واتبعوا تعاليمه .قال الشوكانى : وإنما قدم الشاهد على كتاب موسى مع كونه متأخرا فى الوجود لكونه - أى الشاهد بمعنى المعجز - وصفا لازما غير مفارق ، فكان أغرق فى الوصفية من كتاب موسى .وهى شهادة كتاب موسى وهو التوراة أنه بشر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأخبر بأنه رسول من الله - تعالى - .واسم الإِشارة فى قوله ( أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ ) يعود إلى الموصوفين بأنهم على بينة من ربهم وهم النبى - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه المؤمنون الصادقون .أى : أولئك الموصوفون بأنهم على بينة من ربهم يؤمنون بأن الإسلام هو الدين الحق ، وبأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسول صدق وبأن القرآن من عند الله - تعالى - وحده .فالضمير فى قوله ( به ) يعود على كل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه ويدخل فى ذلك دخولا أوليا القرآن الكريم .وقوله : ( وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ ) بيان لسوء عاقبة الكافرين بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد بيان حسن عاقبة المؤمنين به .والأحزاب جمع حزب وهم الذين تخربوا وتجمعو من أهل مكة وغيرهم لمحاربة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته .أى : ومن يكفر بهذا القرآن وبما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هدايات فإن نار جهنم هى المكان الذى ينتظره وينتظر كل متحزب ضد دعوته - صلى الله عليه وسلم - .وفى جعل النار موعدا لهذا الكافر بالقرآن إشعار بأن فيها ما لا يحيط به الوصف من ألوان العذاب الذى يجعله لا يموت فيها ولا يحيا .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالحض على النظر الصحيح الذى يؤدى إلى اليقين بن ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الحق الذى لا يشو به باطل فقال - تعالى - : ( فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ ) .أى : فلا تك - أيها العاقل - فى شك من أن هذا القرآن من عند الله ومن أن ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الصدق ، بل عليك أن تعتقد اعتقادا جازما فى صحة ذلك ، لأن ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - هو الحق الثابت من عند ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بذلك لا نطماس بصائرهم ، ولتقليدهم لآبائهم ، ولإِيثارهم الغى على الرشد .وبذلك نرى الآية الكريمة قد ميزت بين من كان على الحق ومن كان على الباطل وساقت حشودا من الأدلة الدالة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته ، وعلى صحة ما عليه أتباعه ، وأمرتهم بالثبات على الحق الذى آمنوا به ، وتوعدت المتحزبين ضد دعوة الإِسلام بنار جهنم التى هى بئس القرار .هذا ، وهذه الآية الكريمة هى من الآيات التى قيل بأنها مدنية ، وبمراجعتنا لتفسيرها لم نجد ما يؤيد بذلك ، بل الذى نراه أن السورة كلها مكية كما سبق أن أشرنا إلى ذلك فى المقدمة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر والتقدير: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار، إلا أنه حذف الجواب لظهوره ومثله في القرآن كثير كقوله تعالى: ﴿ أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء  ﴾ وقوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً  ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ .

واعلم أن أول هذه الآية مشتمل على ألفاظ أربعة كل واحد محتمل.

فالأول: أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو.

والثاني: أنه ما المراد بهذه البينة.

والثالث: أن المراد بقوله: ﴿ يتلوه ﴾ القرآن أو كونه حاصلاً عقيب غيره.

والرابع: أن هذا الشاهد ما هو؟

فهذه الألفاظ الأربعة مجملة فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية.

أما الأول: وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو؟

فقيل: المراد به النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: المراد به من آمن من اليهود كعبدالله بن سلام وغيره، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ وهذا صيغة جمع، فلا يجوز رجوعه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالبينة هو البيان والبرهان الذي عرف به صحة الدين الحق والضمير في ﴿ يتلوه ﴾ يرجع إلى معنى البينة، وهو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن، ومنه أي من الله ومن قبله كتاب موسى، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى.

واعلم أن كون كتاب موسى تابعاً للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و ﴿ إِمَاماً ﴾ نصب على الحال، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة أولها: دلالة البينات العقلية على صحته.

وثانيها: شهادة القرآن بصحته.

وثالثها: شهادة التوراة بصحته، فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب، فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ وفيها أقوال أخر.

فالقول الأول: أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه هو محمد عليه السلام والبينة هو القرآن، والمراد بقوله: ﴿ يتلوه ﴾ هو التلاوة بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير الشاهد وجوهاً: أحدها: أنه جبريل عليه السلام، والمعنى: أن جبريل عليه السلام يقرأ القرآن على محمد عليه السلام.

وثانيها: أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام وهو قول الحسن ورواية عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنهما قال: قلت لأبي أنت التالي قال: وما معنى التالي قلت قوله: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ ﴾ قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان الإنسان إنما يقرأ القرآن ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تالياً على سبيل المجاز كما يقال: عين باصرة وأذن سامعة ولسان ناطق.

وثالثها: أن المراد هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والمعنى أنه يتلو تلك البينة وقوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ أي هذا الشاهد من محمد وبعض منه، والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام.

ورابعها: أن لا يكون المراد بقوله: ﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة، وعلى هذا الوجه قالوا إن المراد أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه، لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كاهن ولا ساحر ولا كذاب والمراد بكون هذا الشاهد منه كون هذه الأحوال متعلقة بذات النبي صلى الله عليه وسلم.

القول الثاني: أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة هم المؤمنون وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالبينة القرآن ﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ أي ويتلو الكتاب الذي هو الحجة يعني ويعقبه شاهد من الله تعالى، وعلى هذا القول اختلفوا في ذلك الشاهد فقال بعضهم: إنه محمد عليه السلام وقال آخرون: بل ذلك الشاهد هو كون القرآن واقعاً على وجه يعرف كل من نظر فيه أنه معجزة وذلك الوجه هو اشتماله على الفصاحة التامة والبلاغة الكاملة وكونه بحيث لا يقدر البشر على الإتيان بمثله، وقوله: ﴿ شَاهِدٌ مّنْهُ ﴾ أي من تلك البينة لأن أحوال القرآن وصفاته من القراآت متعلقة به.

وثالثها: قال الفراء: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ ﴾ يعني الإنجيل يتلو القرآن وإن كان قد أنزل قبله، والمعنى أنه يتلوه في التصديق، وتقريره: أنه تعالى ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم في الإنجيل، وأمر بالإيمان به.

واعلم أن هذين القولين وإن كانا محتملين إلا أن القول الأول أقوى وأتم.

واعلم أنه تعالى وصف كتاب موسى عليه السلام بكونه إماماً ورحمة، ومعنى كونه إماماً أنه كان مقتدى العالمين، وإماماً لهم يرجعون إليه في معرفة الدين والشرائع، وأما كونه رحمة فلأنه يهدي إلى الحق في الدنيا والدين، وذلك سبب لحصول الرحمة والثواب فلما كان سبباً للرحمة أطلق اسم الرحمة عليه إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ والمعنى: أن الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم في صحة هذا الدين يؤمنون.

واعلم أن المطالب على قسمين منها ما يعلم صحتها بالبديهة، ومنها ما يحتاج في تحصيل العلم بها إلى طلب واجتهاد، وهذا القسم الثاني على قسمين، لأن طريق تحصيل المعارف إما الحجة والبرهان المستنبط بالعقل وإما الاستفادة من الوحي والإلهام، فهذا الطريقان هما الطريقان اللذان يمكن الرجوع إليهما في تعريف المجهولات، فإذا اجتمعا واعتضد كل واحد منهما بالآخر بلغا الغاية في القوة والوثوق، ثم إن في أنبياء الله تعالى كثرة، فإذا توافقت كلمات الأنبياء على صحته، وكان البرهان اليقيني قائماً على صحته، فهذه المرتبة قد بلغت في القوة إلى حيث لا يمكن الزيادة فقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ ﴾ المراد بالبينة الدلائل العقلية اليقينية، وقوله: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ ﴾ إشارة إلى الوحي الذي حصل لمحمد عليه السلام، وقوله: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إَمَامًا وَرَحْمَةً ﴾ إشارة إلى الوحي الذي حصل لموسى عليه السلام، وعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والظهور والجلاء إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الاحزاب فالنار مَوْعِدُهُ ﴾ والمراد من الأحزاب أصناف الكفار، فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس.

روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار».

قال أبو موسى: فقلت في نفسي إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن، فوجدت الله تعالى يقول: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الاحزاب فالنار مَوْعِدُهُ ﴾ وقال بعضهم: لما دلت الآية على أن من يكفر به فالنار موعده، دلت على أن من لا يكفر به لم تكن النار موعده.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ إِنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ ﴾ ففيه قولان: الأول: فلا تك في مرية من صحة هذا الدين، ومن كون القرآن نازلاً من عند الله تعالى، فكان متعلقاً بما تقدم من قوله تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه  ﴾ الثاني: فلا تك في مرية من أن موعد الكافر النار.

وقرئ ﴿ مِرْيَةٍ ﴾ بضم الميم.

ثم قال: ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ والتقدير: لما ظهر الحق ظهوراً في الغاية، فكن أنت متابعاً له ولا تبال بالجهال سواء آمنوا أو لم يؤمنوا، والأقرب أن يكون المراد لا يؤمنون بما تقدم ذكره من وصف القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ ﴾ معناه: أمّن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أنّ بين الفريقين تفاوتاً بعيداً وتبايناً بيناً، وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، كان على بينة ﴿ مّن رَّبّهِ ﴾ أي على برهان من الله وبيان أنّ دين الإسلام حق وهو دليل العقل ﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ ويتبع ذلك البرهان ﴿ شَاهِدٌ مّنْهُ ﴾ أي شاهد يشهد بصحته، وهو القرآن ﴿ مِنْهُ ﴾ من الله، أو شاهد من للقرآن، فقد تقدّم ذكره آنفاً ﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ ومن قبل القرآن ﴿ كِتَابُ موسى ﴾ وهو التوراة، أي: ويتلو ذلك البرهان أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى.

وقرئ: ﴿ كتاب موسى ﴾ بالنصب، ومعناه: كان على بينة من ربه، وهو الدليل على أنّ القرآن حق، ﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ : ويقرأ القرآن ﴿ شَاهِدٌ مّنْهُ ﴾ شاهد ممن كان على بينة.

كقوله: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِه ﴾ [الأحقاف: 10] ، ﴿ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ﴾ [الرعد: 43] ، ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى ﴾ ويتلو من قبل القرآن والتوراة ﴿ إِمَاماً ﴾ كتاباً مؤتما به في الدين قدوة فيه ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم ﴿ أولئك ﴾ يعني من كان على بينة ﴿ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يؤمنون بالقرآن ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن ضامهم من المتحزِّبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فالنار مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ ﴾ وقرئ: ﴿ مُرية ﴾ بالضم وهما الشك ﴿ مِّنْهُ ﴾ من القرآن أو من الموعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّهُ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ فِيما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَعْقُبَ مَن هَذا شَأْنُهُ هَؤُلاءِ المُقْصِرِينَ هِمَمَهم وأفْكارَهم عَلى الدُّنْيا وأنْ يُقارِبَ بَيْنَهم في المَنزِلَةِ، وهو الَّذِي أغْنى عَنْ ذِكْرِ الخَبَرِ وتَقْدِيرُهُ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَمَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، وهو حُكْمٌ يَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُخْلِصٍ.

وقِيلَ المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ  وقِيلَ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ.

﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانُ الَّذِي هو دَلِيلُ العَقْلِ.

﴿ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ وهو القُرْآنُ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ ومِن قَبْلِ القُرْآنِ.

﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ فَإنَّها أيْضًا تَتْلُوهُ في التَّصْدِيقِ، أوِ البَيِّنَةُ هو القُرْآنُ ﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ مِنَ التِّلاوَةِ والشّاهِدُ جِبْرِيلُ، أوْ لِسانُ الرَّسُولِ  عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لَهُ أوْ مِنَ التَّلْوِ والشّاهِدُ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ.

والضَّمِيرُ في يَتْلُوهُ إمّا لِمَن أوْ لِلْبَيِّنَةِ بِاعْتِبارِ المَعْنى ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ.

وقُرِئَ (كِتابَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (يَتْلُوهُ) أيْ يَتْلُو القُرْآنَ شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّهُ حَقٌّ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ويُقْرَأُ مِن قَبْلِ القُرْآنِ التَّوْراةُ.

﴿ إمامًا ﴾ كِتابًا مُؤْتَمًّا بِهِ في الدِّينِ.

﴿ وَرَحْمَةً ﴾ عَلى المُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ الوَصْلَةُ إلى الفَوْزِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ.

﴿ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ بِالقُرْآنِ.

﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن تَحَزَّبَ مَعَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ فالنّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ يَرِدُها لا مَحالَةَ.

﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ مِنَ المَوْعِدِ، أوِ القُرْآنِ وقُرِئَ (مُرْيَةٍ) بِالضَّمِّ وهُما الشَّكُّ.

﴿ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لِقِلَّةِ نَظَرِهِمْ واخْتِلالِ فِكْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة من ربه أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم يعني أن بين الفريقين تبايناً بينا وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبّهِ أي على برهان من الله وبيان أن دين الإسلام حق وهو دليل العقل {وَيَتْلُوهُ} ويتبع ذلك البرهان {شَاهِدٌ} يشهد بصحته وهو القرآن {مِنْهُ} من الله أو من االقران فقد مر ذكره آنفاً {وَمِن قَبْلِهِ} ومن قبل القرآن {كِتَابُ موسى} وهو التوراة أي ويتلو ذلك البرهان أيضاً من قبل

القرآن كتاب موسى عليه السلام {إِمَاماً} كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه {وَرَحْمَةً} ونعمة عظيمة على المنزل إليهم وهما حالان {أولئك} أي من كان على بينة {يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالقرآن {وَمن يَكْفُرْ بِهِ} بالقرآن {مّن الأحزاب} يعني أهل مكة ومن ضامهم من المتحزبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم {فالنار مَوْعِدُهُ} مصيره ومورده {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ} شك {مِنْهُ} من القرآن أو من الموعد {إِنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ تَدُلُّ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ فِيما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الإسْلامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِناءً عَلى أنَّهُ المُناسِبُ لِما بَعْدُ، وأصْلُ -البَيِّنَةِ- كَما قِيلَ: الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَقْلِيَّةً كانَتْ أوْ مَحْسُوسَةً، وتُطْلَقُ عَلى الدَّلِيلِ مُطْلَقًا، وهاؤُها لِلْمُبالَغَةِ أوِ النَّقْلِ، وهي وإنْ قِيلَ: إنَّها مِن بانَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ واتَّضَحَ لَكِنَّهُ اعْتُبِرَ فِيها دَلالَةُ الغَيْرِ والبَيانُ لَهُ، وأخَذَها بَعْضُهم مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ، والتَّنْوِينُ فِيها هُنا لِلتَّعْظِيمِ أيْ بَيِّنَةٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ، والمُرادُ بِها القُرْآنُ وبِاعْتِبارِ ذَلِكَ أوِ البُرْهانِ ذُكِرَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَتْلُوهُ ﴾ أيْ يَتْبَعُهُ ﴿ شاهِدٌ ﴾ عَظِيمٌ يَشْهَدُ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وهو كَما قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، الإعْجازُ في نَظْمِهِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ تابِعًا لَهُ أنَّهُ وصْفٌ لَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ حَتّى يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ مُعارَضَتَهُ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.

وكَذا الضَّمِيرُ في (مِنهُ) وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ(شاهِدٌ)، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنهُ أنَّهُ غَيْرُ خارِجٍ عَنْهُ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنهُ تَعالى أنَّهُ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِلشَّهادَةِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالشّاهِدِ المُعْجِزاتُ الظّاهِرَةُ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّها مِنَ الشَّواهِدِ التّابِعَةِ لِلْقُرْآنِ الوارِدَةِ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأمْرُ التَّبَعِيَّةِ فِيها ظاهِرٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الكَيْنُونَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ الآتِي: (أُولَئِكَ) إلَخْ لا يُلائِمُهُ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى التَّعْظِيمِ، وأيْضًا إنَّ السِّياقَ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ ومَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا لا بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفَسَّرَ أبُو مُسْلِمٍ وغَيْرُهُ البَيِّنَةَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، والشّاهِدَ بِالقُرْآنِ، وضَمِيرَ مِنهُ لِلَّهِ تَعالى، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ لِلْقُرْآنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ومِن حِينِئِذٍ إمّا بَيانِيَّةً وإمّا تَبْعِيضِيَّةً بِناءً عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ كُلُّهُ شاهِدًا ولَيْسَ مِنَ التَّجْرِيدِ عَلى ما تَوَهَّمَ الطِّيبِيُّ، فَيَكُونُ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلَيْنِ العَقْلِيِّ والسَّمْعِيِّ، ومَعْنى كَوْنِ الثّانِي تابِعًا لِلْأوَّلِ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ لا يُخالِفُهُ أصْلًا، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ النَّقْلَ الصَّحِيحَ لا يُخالِفُ العَقْلَ الصَّرِيحَ، ولِذا أوْلَوُا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إذا خالَفَ ظاهِرُهُ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ، ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ عَنِ الأوَّلِ بِالبَيِّنَةِ الَّتِي جاءَ إطْلاقُها في كَلامِ الشّارِعِ عَلى شاهِدَيْنِ، وعَنِ الثّانِي بِالشّاهِدِ الإيماءُ إلى أنَّ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ أقْوى دَلالَةً مِنَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِأنَّ دَلالَةَ الأوَّلِ قَطْعِيَّةٌ ودَلالَةَ الثّانِي ظَنِّيَّةٌ غالِبًا لِلِاحْتِمالاتِ الشَّهِيرَةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ القَطْعُ مَعَها، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الثّانِي بِالشّاهِدِ لِمَكانِ التِّلْوِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ البَيِّنَةَ القُرْآنَ، والشّاهِدُ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ -ويَتْلُو- مِنَ التِّلاوَةِ لا التِّلْوُ، وضَمِيرُ (مِنهُ) لِلَّهِ تَعالى، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الشّاهِدَ مَلَكٌ يَحْفَظُ القُرْآنَ ولَيْسَ المُرادُ لِحِفْظِ المُتَعارَفِ لِأنَّهُ -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ- خاصٌّ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (مِنهُ) كَما في سابِقِهِ إلّا أنْ يَتْلُوَ مِنَ التِّلْوِ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْبَيِّنَةِ، وقِيلَ: لِمَن كانَ عَلَيْها، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ الشّاهِدَ هو الإنْجِيلُ، (ويَتْلُوهُ) وضَمِيرُ (مِنهُ) عَلى طَرْزِ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ سِوى أنْ ضَمِيرَ يَتْلُوهُ لِلْقُرْآنِ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ الشّاهِدَ لِسانُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ ذَلِكَ؛ وكَذا المَلَكُ مِن مَعانِيهِ، و-يَتْلُو- حِينَئِذٍ مِنَ التِّلاوَةِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ ومَفْعُولُهُ لِلْبَيِّنَةِ، وضَمِيرُ (مِنهُ) لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِناءً عَلى أنَّهُ المُرادُ بِالمَوْصُولِ، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: الشّاهِدُ صَوْرَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَخايِلُهُ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَراهُ يَعْلَمُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولُ اللَّهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: ”ما مِن رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ إلّا نَزَلَ فِيهِ طائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: ما نَزَلَ فِيكَ؟

قالَ: أما تَقْرَأُ سُورَةَ هُودٍ ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ الآيَةَ، مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا شاهِدٌ مِنهُ“، وأخْرَجَ المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِوَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ أنا ﴿ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ ﴾ عَلِيٌّ"».

وأخْرَجَ الطَّبَرَسِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وتَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ الشِّيعَةِ في أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ هو خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ شاهِدًا كَما سَمّى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ والمُرادُ (شاهِدًا) عَلى الأُمَّةِ كَما يَشْهَدُ لَهُ عَطْفُ (مُبَشِّرًا ونَذِيرًا) عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَقامُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَيْنَ الأُمَّةِ كَمَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَهُمْ، وحَيْثُ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَتْلُوهُ أيْ يُعْقِبُهُ ويَكُونُ بَعْدَهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ خَلِيفَتُهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخَبَرَ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، وفِيما سَيَأْتِي في الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إباءٌ عَنْهُ، ويُكَذِّبُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قُلْتُ لِأبِي كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ في قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ أنَّكَ أنْتَ التّالِي؟

قالَ: ودِدْتُ أنِّي هو ولَكِنَّهُ لِسانُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّ في تَقْرِيرِ الِاسْتِدْلالِ ضَعْفًا ورَكاكَةً بَلَغَتِ الغايَةَ القُصْوى كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى فِطْنَةٍ.

ونَقَلَ أبُو حَيّانَ أنَّ هَذا الشّاهِدَ هو أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفِيهِ ما فِيهِ، وفي عَطْفِ -يَتْلُوهُ- احْتِمالانِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ عَلى ما وقَعَ صِفَةً لِبَيِّنَةٍ، والثّانِي أنْ يَكُونَ عَلى جُمْلَةِ (كانَ) ومَرْفُوعِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ عُطِفَ عَلى ( شاهِدٌ ) والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لَهُ، وقَدْ تَوَسَّطَ الجارُّ والمَجْرُورُ بَيْنَهُما، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكِتابِ أيْ ﴿ ويَتْلُوهُ ﴾ في التَّصْدِيقِ ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ مُنَزَّلًا مِن قَبْلِهِ، وحاصِلُهُ ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ ويَشْهَدُ لِصِدْقِهِ شاهِدٌ مِنهُ وشاهِدٌ آخَرُ مِن قَبْلِهِ وهو كِتابُ مُوسى، قِيلَ: وإنَّما قُدِّمَ في الذِّكْرِ المُؤَخَّرِ في النُّزُولِ لِكَوْنِهِ وصْفًا لازِمًا لَهُ غَيْرَ مُفارِقٍ عَنْهُ ولِعَراقَتِهِ في وصْفِ التِّلْوِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشّاهِدِ الإعْجازَ -كَما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ- وقَدْ يُقالُ: إنَّ تَأْخِيرَ بَيانِ شَهادَةِ هَذا الشّاهِدِ عَنْ بَيانِ شَهادَةِ الشّاهِدِ الأوَّلِ لِأنَّها لَيْسَتْ في الظُّهُورِ عِنْدَ الأُمَّةِ كَشَهادَةِ الأوَّلِ وهو جارٍ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أيْضًا، وتَخْصِيصِ كِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ بِناءً عَلى عَدَمِ إرادَةِ الإنْجِيلِ فِيما تَقَدَّمَ لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ الإنْجِيلِ فَإنَّ اليَهُودَ مُخالِفُونَ فِيهِ فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى.

وأوْجَبَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ جُمْلَةً مُبْتَدَأةً غَيْرَ داخِلَةٍ في حَيِّزِ شَيْءٍ مِمّا قَبْلَها وهو مَبْنِيٌّ عَلى كَثِيرٍ مِن الِاحْتِمالاتِ السّابِقَةِ في الشّاهِدِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ.

وغَيْرُهُ (كِتابَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ -يَتْلُوهُ- أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ ويَتْلُو كِتابَ مُوسى، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، ويَتْلُو في هَذِهِ القِراءَةِ مِنَ التِّلاوَةِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْقُرْآنِ والمَجْرُورُ لِمَن، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ لا تَجْرِيدِيَّةٌ، والمَعْنى عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الكَشّافِ ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ لا مُفْتَرًى، والمُرادُ بِهِ أهْلُ الكِتابِ مِمَّنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الحَقِّ وأنَّ كِتابَهُ هو الحَقُّ لِما كانُوا وجَدُوهُ في التَّوْراةِ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِن هَؤُلاءِ، ويَقْرَأُ مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابَ مُوسى، والمُرادُ بِهَذا الشّاهِدِ ما أُرِيدَ بِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ﴾ وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَفي الآيَةِ مَدْحُ أهْلِ الكِتابِ وخَصَّ مِن بَيْنِهِمْ تالِي الكِتابَيْنِ وشاهِدَهم بِالذِّكْرِ دَلالَةً عَلى مَزِيدِ فَضْلِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مُشايِعُوهُ في اتِّباعِ الحَقِّ وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا رُتْبَةَ الشّاهِدِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (يَتْلُوهُ) اسْتِحْضارٌ لِلْحالِ ودَلالَةٌ عَلى اسْتِمْرارِ التِّلاوَةِ، وهو كَما قِيلَ في غايَةِ التَّطابُقِ لِلْكَلامِ ﴿ إمامًا ﴾ أيْ مُؤْتَمًّا بِهِ في الدِّينِ ومُقْتَدًى، وفي التَّعَرُّضِ لِهَذا الوَصْفِ بَيانُ تِلْوِ الكِتابِ ما لا يَخْفى مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المَتْلُوِّ والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ، وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ورَحْمَةً ﴾ أيْ نِعْمَةً عَظِيمَةً عَلى مَن أنْزَلَ إلَيْهِمْ ومَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ أحْكامِهِ الباقِيَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ وهُما حالانِ مِنَ الكِتابِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الحَمِيدَةِ وهي الكَوْنُ عَلى بَيِّنَةٍ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ حَقَّ التَّصْدِيقِ حَسْبَما يَشْهَدُ بِهِ تِلْكَ الشَّواهِدُ الحَقَّةُ المُعْرِبَةُ عَنْ حَقِّيَّتِهِ ولا يُقَلِّدُونَ أحَدًا مِن عُظَماءِ الدِّينِ؛ فالضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِكِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أقْرَبُ ولا يُناسِبُ ما بَعْدُ، وإنْ لَمْ يَكُ خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ ومَن يَكْفُرْ بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ولَمْ يَعْتَدْ بِتِلْكَ الشَّواهِدِ الحَقَّةِ ولَمْ يُصَدِّقْ بِها ﴿ مِنَ الأحْزابِ ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن تَحَزَّبَ مَعَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ  قالَهُ بَعْضُهُمْ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الأحْزابَ الكُفّارْ مُطْلَقًا فَإنَّهم تَحَزَّبُوا عَلى الكُفْرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وفي رِوايَةِ أبِي الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وقالَ السُّدِّيُّ: هم قُرَيْشٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ.

وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﴿ فالنّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ أيْ يَرُدُّها لا مَحالَةَ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ ﴾ وآياتٍ أُخَرَ، والمَوْعِدُ اسْمُ مَكانِ الوَعْدِ كَما في قَوْلِ حَسّانَ: أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها وفِي جَعْلِ النّارِ مَوْعِدًا إشْعارٌ بِأنَّ لَهُ فِيها ما لا يُوصَفُ مِن أفانِينِ العَذابِ ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ أيْ في شَكٍّ مِن أمْرِ القُرْآنِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى غِبَّ ما شَهِدَتْ بِهِ الشَّواهِدُ وظَهَرَ فَضْلُ مَن تَمَسَّكَ بِهِ، أوْ لا تَكُ في شَكٍّ مِن كَوْنِ النّارِ مَوْعِدَهُمْ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ الأظْهَرُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وأيّامّا كانَ فالخِطابُ إنْ كانَ عامًّا لِمَن يَصْلُحُ لَهُ، فالمُرادُ التَّحْرِيضُ عَلى النَّظَرِ الصَّحِيحِ المُزِيلِ لِلشَّكِّ، وإنْ كانَ لِلنَّبِيِّ  فَهو بَيانٌ لِأنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّكِّ تَعْرِيضًا بِمَن شَكَّ فِيهِ ولا يَلْزَمُ مِن نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ وُقُوعُهُ ولا تَوَقُّعُهُ مِنهُ  ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الخَطّابِ السَّدُوسِيُّ والحَسَنُ (مُرْيَةٍ) بِضَمِّ المِيمِ وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والكَسْرُ لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ.

﴿ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ أيِ الَّذِي يَرِيبُكَ في دِينِكَ ودُنْياكَ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

بِذَلِكَ إمّا لِقُصُورِ أنْظارِهِمْ واخْتِلالِ أفْكارِهِمْ، وإمّا لِاسْتِكْبارِهِمْ وعِنادِهِمْ و(النّاسُ) عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أهْلُ مَكَّةَ، وقالَ صاحِبُ الفَيْنانِ: جَمِيعُ الكُفّارِ، هَذا والهَمْزَةُ في (أفَمَن) قِيلَ: لِلتَّقْرِيرِ و-مَن- مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أفَمَن كانَ كَذا كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، وحَذْفُ مُعادِلِ الهَمْزَةِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ -ولَعَلَّهُ الأوْلى- خِلافُهُ حَيْثُ قالَ: المَعْنى أمَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا كَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ أيْ لا يَعْقُبُونَهم ولا يُقارِبُونَهم في المَنزِلَةِ إلى آخِرِ ما قالَ، وحاصِلُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الفاءَ عاطِفَةٌ لِلتَّعْقِيبِ مُسْتَدْعِيَةٌ ما يَعْطِفُ عَلَيْهِ وهو الدّالُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (مَن كانَ) الآيَةَ، فالتَّقْدِيرُ أمَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الفاءِ أيْ يَعْقُبُونَهم أوْ يُقَرِّبُونَهُمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ فَيُفِيدُ أنْ لا تَقارُبَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَضْلًا عَنِ التَّماثُلِ فَلِذَلِكَ صارَ أبْلَغَ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا ﴾ وأمّا إنَّها عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ ) فَلا وجْهَ لَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ، ولا يَدُلُّ عَلى إنْكارِ التَّماثُلِ، ولا مَعْنى لِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهامِ في الأوَّلِ فَإنَّ الشَّرْطَ والجَزاءَ لا إنْكارَ عَلَيْهِ، انْتَهى، وهو جارٍ عَلى أحَدِ مَذْهَبَيْنِ لِلنُّحاةِ في مِثْلِهِ، ويُعْلَمُ مِمّا تَقَرَّرَ أنَّ الآيَةَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (مَن كانَ) إلَخْ، ومَساقُها عِنْدَ شَيْخِ الإسْلامِ لِلتَّرْغِيبِ أيْضًا فِيما ذَكَرَ مِنَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ، والتَّوْحِيدِ والإسْلامِ، وادَّعى الطَّبَرَسِيُّ أنَّها مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ﴾ وأنَّ المُرادَ أنَّهم إذا لَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ فَقُلْ لَهُمْ: ( أفَمَنَ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ ) ولا بَيِّنَةَ لَهُ عَلى ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ يعني: على بيان من ربه، وهو محمد  وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ يقول: يقرأ جبريل هذا القرآن على محمد  وهو شاهِدٌ مِنْهُ يعني: من الله تعالى، وهذا قول ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وقتادة، وإبراهيم النخعي.

ويقال: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ يعني: أن الله بيّن أمره ونبوته بدلائل أعطاها محمدا  ، وَيَتْلُوهُ يعني: يقرأ القرآنَ جبريلُ على محمد  شاهِدٌ مِنْهُ، أي: ملك أمين من الله تعالى، وهو جبريل.

وقال شهر بن حوشب: «القرآن شاهد من الله تعالى» ، ومعناه: يتلو القرآن، وهو شاهد من الله تعالى.

وقال الحسن: وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ يعني: لسان محمد  .

وقال قتادة: لسانه شاهد منه.

وكذلك قال عكرمة.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الخليل، عن قتادة، عن عروة، عن محمد بن علي، قال: قلت لعليّ: إنَّ الناس يزعمون في قوله تعالى: وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ أنك أنت التالي، قال: «وددت أني أنا هو، ولكنه لسان محمد  » .

ويقال: الشَّاهد القرآن، وَيَتْلُوهُ يعني: بعده.

ويقال: يَتْلُوهُ يعني: يتبعه، كقوله: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس: 2] .

قال القتبي: هذا كلام على الاختصار ومعناه: أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ من ربه، ويتلوه شاهد منه، كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها؟

فاكتفى من الجواب بما تقدم، كقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر: 9] يعني: كمن هو بخلاف ذلك.

ثم قال تَعَالَيْ: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى يعني: جبريل قرأ التوراة على موسى  من قبل أن يتلو القرآن على محمد  ، وهذا قول الكلبي، ومقاتل.

وقال عبد الله بن سلام: يتلو القرآن، وكان من قبله يتلو التوراة.

والتأويل الأول أصح، لأن هذه السورة مكية، وعبد الله بن سلام أسلم في بالمدينة.

ويقال: هم الذين آمنوا بمكة من أهل الكتاب، حين قدموا من الحبشة.

ثم قال: إِماماً وَرَحْمَةً يعني: إِماماً يُهتدى به ويعمل به، وَرَحْمَةً، يعني: ونعمة من العذاب لمن آمن به، يعني: كتاب موسى  أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني: بالقرآن وهذا كقوله: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [العنكبوت: 47] يعني: بالقرآن.

ثم قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ يعني: من يجحد بالقرآن فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يعني: مصيره.

قال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله  إلا وجدت مصداقه في كتاب الله تعالى، حتى بلغني عن النبيّ  أنه قال: «لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذه الأمَّةِ، لاَ يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لاَ يُؤمِنُ بِي إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ» (١) ثم قال: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ يعني: فلا تك في شك منه أن موعده النار.

وإِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: فلا تك في شك أن القرآن من الله تعالى، وإِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي: الصدق من ربك، رداً لقولهم: إنه يقول ذلك من شيطان يلقيه إليه يقال له: الري.

- وروي عن النبيّ  أنه قال: «ما من أَحَدٍ إلا وَمَعَهُ شَيْطَانٌ فَاغِرٌ بَيْنَ يَدَيهٍ، ألا أَنَّ الله تَعَالَى أَعَانَنِي عَلَيْه وَأَسْلَم» (٢) (١) عزاه السيوطي 4/ 411 إلى ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس وأخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة.

(٢) ساقط من النسخة: «ب» .

وهو من حديث عائشة أخرجه البيهقي 2/ 116 وابن خزيمة (654) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان.

قال ص، وع «١» : وعبَّر ب ضائِقٌ وإِن كان أقلَّ استعمالا من «ضَيِّقٍ» لمناسبة تارِكٌ ولأن ضائِقٌ وصفٌ عارضٌ بخلاف «ضيق» فإِنه يدل على الثبوت، والصّالح هنا الأول بالنسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم، والضمير في «به» عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على «ما» وأَنْ يَقُولُوا أي: كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، أي: هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ: «أم» بمعنى: «بل» ، والافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر.

وقوله سبحانه: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس: هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشراً.

قال ع «٢» : وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في «سورة يونس» ، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله:

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: يريد في أنّ القرآن مفترى.

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)

وقوله سبحانه: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، لهذه الآية تأويلان:

أحدهما: أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للكفَّار، أي: ويكون ضميرُ يَسْتَجِيبُوا على هذا التأويل عائداً على معبوداتهم.

والثاني: أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله على هذا فَاعْلَمُوا بمعنى: دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد: قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ:

هو لأصحابِ محمَّد عليه السلام «١» .

وقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...

الآية: قالت قتادةُ وغيره:

هي في الكَفَرة «٢» ، وقال مجاهد: هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين «٣» .

وإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار، وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامِه» : بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ مَا نَوَى» «٤» ، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه.

وقوله: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها: قيل: ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل: إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في «حم عسق» : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الآية [الشورى: ٢٠] إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في «سورة سُبْحانَ» ، وهي قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ...

الآية [الإِسراء: ١٨] ، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم: «مَاذَا عَمِلْتَ؟» ثم قال في آخر الحديث: ثمّ ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ركبتيّ، وقال: يا أبا هريرة،

أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ، ثُمَّ قرأ قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها» «١» ، أي: في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم.

انتهى.

وحَبِطَ: معناه: بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال.

قال ص: قوله: مَا صَنَعُوا: «ما» بمعنى: «الَّذِي» ، أو مصدريةٌ، و «فيها» :

متعلِّقٌ ب «حَبِطَ» ، والضمير في «فيها» عائدً على الآخرة، أي: ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق ب «صَنَعُوا» فيكون عائداً على الدنيا.

انتهى.

و «الباطل: كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه، وقوله سبحانه:

أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: في الآية تأويلات.

قال ع «٢» : والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية: أَنْ يكون «أَفَمَن» للمؤمنين، أو لهم وللنبيّ صلّى الله عليه وسلّم معهم، والبينة: القرآن وما تضمّن، والشاهد:

الإِنجيلُ، يريد: أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في «يتلوه» للبيِّنة، وفي «منه» للربِّ، والضميرُ في «قبله» للبينة أيضاً، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل: إِذا كان الضمير في «قَبْله» عائداً على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى؟، فالجوابُ: أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان الاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [الأحقاف: ٣٠] والْأَحْزابِ هاهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنه قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار» «٣» ، قال سعيدٌ: فقلْتُ: أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟

حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وكنت إذا سمعت حديثا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ «٤» ، وقرأ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ في المُرادِ بِالبَيِّنَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الدِّينُ قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: البَيانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفي المُشارِ إلَيْهِ بِـ " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، وهو يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتْبَعُهُ.

والثّانِي: يَقْرَؤُهُ.

وفي هاءِ " يَتْلُوهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ  .

والثّانِي: إلى القُرْآنِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ  ﴾ .

وَفِي المُرادِ بِالشّاهِدِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ لِسانُ رَسُولِ اللَّهِ  الَّذِي كانَ يَتْلُو القُرْآنَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.

و " يَتْلُوهُ " بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  هو شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والخامِسُ: أنَّهُ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ ويُسَدِّدُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الإنْجِيلُ يَتْلُو القُرْآنَ بِالتَّصْدِيقِ، وإنْ كانَ قَدْ أُنْزِلَ قَبْلَهُ، لِأنَّ النَّبِيَّ  بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْراةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ القُرْآنُ ونَظْمُهُ وإعْجازُهُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

والثّامِنُ: أنَّهُ صُورَةُ رَسُولِ اللَّهِ  ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  .

وَفِي هاءِ " مِنهُ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: إلى النَّبِيِّ  .

والثّالِثُ: إلى البَيِّنَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ في هَذِهِ الهاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: إلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: إلى الإنْجِيلِ، أيْ: ومِن قَبْلِ الإنْجِيلِ ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ يَتْبَعُ مُحَمَّدًا بِالتَّصْدِيقِ لَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: وكانَ مِن قَبْلِ هَذا كِتابُ مُوسى دَلِيلًا عَلى أمْرِ النَّبِيِّ  ، فَيَكُونُ ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ أيْ: ويَتْلُوهُ كِتابُ مُوسى، لِأنَّ مُوسى وعِيسى بَشَّرا بِالنَّبِيِّ  في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

ونَصْبُ إمامًا عَلى الحالِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَتْلُوهُ التَّوْراةُ، وهي قَبْلَهُ ؟

قِيلَ: لَمّا بَشَّرَتْ بِهِ، كانَتْ كَأنَّها تالِيَةً لَهُ، لِأنَّها تَبِعَتْهُ بِالتَّصْدِيقِ لَهُ.

وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ مَفْعُولٌ في المَعْنى، لِأنَّ جِبْرِيلَ تَلاهُ عَلى مُوسى، فارْتَفَعَ الكِتابُ، وهو مَفْعُولٌ بِمُضْمَرٍ بَعْدَهُ، تَأْوِيلُهُ: ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى كَذاكَ، أيْ: تَلاهُ جِبْرِيلُ أيْضًا، كَما تَقُولُ العَرَبُ: أكْرَمْتُ أخاكَ وأبُوكَ، فَيَرْفَعُونَ الأبَ، وهو مُكْرَمٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، بِمَعْنى وأبُوكَ مُكْرَمٌ أيْضًا.

قالَ: وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ كِتابَ مُوسى فاعِلٌ، لِأنَّهُ تَلا مُحَمَّدًا بِالتَّصْدِيقِ كَما تَلاهُ الإنْجِيلُ.

* فَصْلٌ فَتَلْخِيصُ الآيَةِ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن لَمْ يَكُنْ ؟

قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكَ المُضادَّ لَهُ، لِأنَّ في ما بَعْدَهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمّا ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْمًا رَكَنُوا إلى الدُّنْيا، جاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أفَمَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ كَمَن يُرِيدُ الدُّنْيا ؟

فاكْتَفى مِنَ الجَوابِ بِما تَقَدَّمَ، إذْ كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما حُذِفَ لِانْكِشافِ المَعْنى، والمَحْذُوفُ المُقَدَّرُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ، قالَ الشّاعِرُ: فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِواكِ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكِ مَدْفَعا فَإنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ بِمَن كانَ عَلى بَيِّنَةِ رَبِّهِ، رَسُولُ اللَّهِ  ، فَمَعْنى الآيَةِ: ويَتْبَعُ هَذا النَّبِيَّ شاهِدٌ، وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

" مِنهُ " أيْ: مِنَ اللَّهِ.

وقِيلَ: " شاهِدٌ " هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، " مِنهُ " أيْ: مِنَ النَّبِيِّ  .

وقِيلَ: " يَتْلُوهُ " يَعْنِي القُرْآنَ، يَتْلُوهُ جِبْرِيلُ، وهو شاهِدٌ لِمُحَمَّدٍ  أنَّ الَّذِي يَتْلُوهُ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

وقِيلَ: ويَتْلُو رَسُولُ اللَّهِ  القُرْآنَ وهو شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ.

وقِيلَ: ويَتْلُو لِسانُ رَسُولِ اللَّهِ  القُرْآنَ، فَلِسانُهُ شاهِدٌ مِنهُ.

وقِيلَ: ويَتْبَعُ مُحَمَّدًا شاهِدٌ لَهُ بِالتَّصْدِيقِ، وهو الإنْجِيلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وقِيلَ: ويَتْبَعُ هَذا النَّبِيَّ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ، وهو سَمْتُهُ وهَدْيُهُ الدّالُّ عَلى صِدْقِهِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ بِمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى: أنَّهم يَتْبَعُونَ رَسُولَ اللَّهِ  وهو البَيِّنَةُ، ويَتْبَعُ هَذا النَّبِيَّ شاهِدٌ لَهُ بِصِدْقِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ إنَّما سَمّاهُ إمامًا، لِأنَّهُ كانَ يُهْتَدى بِهِ، " ورَحْمَةً " أيْ: وذا رَحْمَةٍ، وأرادَ بِذَلِكَ التَّوْراةَ، لِأنَّها كانَتْ إمامًا وسَبَبًا لِرَحْمَةِ مَن آمَنَ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أصْحابِ مُوسى.

والثّانِي: إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ  .

والثّالِثُ: إلى أهْلِ الحَقِّ مِن أُمَّةِ مُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ.

وَفِي هاءِ " بِهِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى التَّوْراةِ.

والثّانِي: إلى القُرْآنِ.

والثّالِثُ: إلى مُحَمَّدٍ  .

وَفِي المُرادِ بِالأحْزابِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: جَمِيعُ المِلَلِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: بَنُو أُمَيَّةَ، وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالنّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ أيْ: إلَيْها مَصِيرُهُ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً ∗∗∗ فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: " مُرْيَةٍ " بِضَمِّ المِيمِ أيْنَ وقَعَ.

وفي المَكْنِيِّ عَنْهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإخْبارُ بِمَصِيرِ الكافِرِ بِهِ، فالمَعْنى: فَلا تَكُ في شَكٍّ أنَّ مَوْعِدَ المُكَذِّبِ بِهِ النّارُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، فالمَعْنى: فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن أنَّ القُرْآنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُرادُ بِالنّاسِ هاهُنا: أهْلُ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ عَرْضَهم تَوْكِيدًا لِحالِهِمْ في الِانْتِقامِ مِنهم، وإنْ كانَ غَيْرُهم يُعْرَضُ أيْضًا.

فَأمّا " الأشْهادُ " فَفِيهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: أنَّهُمُ الرُّسُلُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَلائِكَةُ قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: الخَلائِقُ، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا.

وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ الأشْهادُ ﴾ النّاسُ، كَما يُقالُ: عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، أيْ: عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، والرّابِعُ: المَلائِكَةُ والنَّبِيُّونَ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ  يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ، والجَوارِحُ تَشْهَدُ عَلى ابْنِ آدَمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفائِدَةُ إخْبارِ الأشْهادِ بِما يَعْلَمُهُ اللَّهُ: تَعْظِيمٌ بِالأمْرِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، ودَفْعُ المُجاحَدَةِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن يَكْفُرْ بِهِ مِن الأحْزابِ فالنارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: أفَمَن فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ  .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ مُحَمَّدٌ  خاصَّةً.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِذَلِكَ مُحَمَّدٌ  والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا.

وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِـ "البَيِّنَةِ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِذَلِكَ القُرْآنُ، أيْ عَلى جَلِيَّةٍ بِسَبَبِ القُرْآنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ مُحَمَّدٌ  والهاءُ في "البَيِّنَةِ" لِلْمُبالَغَةِ كَهاءِ عَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ.

وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِـ "الشاهِدِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَضِيَ اللهُ عنهُما وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وأبُو صالِحٌ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو مُحَمَّدٌ  .

وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جِبْرِيلَ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو لِسانُ النَبِيِّ  .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو الإنْجِيلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو القُرْآنُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو إعْجازُ القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَصَرَّفُ قَوْلُهُ: يَتْلُوهُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: بِمَعْنى يَقْرَأُ، وبِمَعْنى يَتْبَعُهُ، وتَصَرُّفُهُ بِسَبَبِ الخِلافِ المَذْكُورِ في "الشاهِدِ" ولِنُرَتِّبَ الآنَ اطِّرادَ كُلِّ قَوْلٍ وما يَحْتَمِلُ.

فَإذا قُلْنا إنَّ قَوْلَهُ: "أفَمَن" يُرادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ، فَإنْ جُعِلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ "البَيِّنَةُ" مُحَمَّدًا  صَحَّ أنْ يَتَرَتَّبَ "الشاهِدُ" الإنْجِيلُ ويَكُونُ يَتْلُوهُ بِمَعْنى يَقْرَأُهُ، لِأنَّ الإنْجِيلَ يَقْرَأُ شَأْنَ مُحَمَّدٍ  وأنْ يَتَرَتَّبَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ ويَكُونُ يَتْلُوهُ بِمَعْنى يَتْبَعُهُ أيْ في تَبْلِيغِ الشَرْعِ والمَعُونَةِ فِيهِ، وأنْ يَتَرَتَّبَ المَلَكُ ويَكُونُ الضَمِيرُ في مِنهُ عائِدًا عَلى البَيِّنَةِ الَّتِي قَدَّرْناها مُحَمَّدًا  وأنْ يَتَرَتَّبَ القُرْآنُ ويَكُونُ يَتْلُوهُ بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، ويَعُودُ الضَمِيرُ في مِنهُ عَلى الرَبِّ.

وإنْ جَعْلَنا "البَيِّنَةَ" القُرْآنَ عَلى أنَّ أفَمَن هُمُ المُؤْمِنُونَ- صَحَّ أنْ يَتَرَتَّبَ "الشاهِدُ" مُحَمَّدٌ  ، وصَحَّ أنْ يَتَرَتَّبَ الإنْجِيلُ وصَحَّ أنْ يَتَرَتَّبَ جِبْرِيلُ والمَلَكُ.

ويَكُونُ يَتْلُوهُ بِمَعْنى يَقْرَأُهُ: وصَحَّ أنْ يَتَرَتَّبَ "الشاهِدُ" الإعْجازُ، ويَكُونُ يَتْلُوهُ بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، ويَعُودُ الضَمِيرُ فى مِنهُ عَلى القُرْآنِ.

وإذا جَعَلْنا أفَمَن لِلنَّبِيِّ  ، كانَتْ "البَيِّنَةُ" القُرْآنَ، وتَرَتَّبَ "الشاهِدُ" لِسانُ مُحَمَّدٍ  ، وتَرَتَّبَ الإنْجِيلُ، وتَرَتَّبَ جِبْرِيلُ والمَلَكُ، وتَرَتَّبَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وتَرَتَّبَ الإعْجازُ.

ويُتَأوَّلُ يَتْلُوهُ بِحَسَبِ "الشاهِدُ" كَما قُلْنا ولَكِنَّ هَذا القَوْلَ يُضْعِفُهُ قَوْلُهُ: أُولَئِكَ فَإنّا إذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: أفَمَن لِلنَّبِيِّ  وحْدَهُ لَمْ نَجِدْ في الآيَةِ مَذْكُورِينَ يُشارُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ ونَحْتاجُ في الآيَةِ إلى تَجَوُّزٍ وتَشْبِيهٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ  ﴾ وهو شَبَهٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ.

والأصَحُّ في الآيَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أفَمَن لِلْمُؤْمِنِينَ، أو لِلْمُؤْمِنِينَ والنَبِيُّ مَعَهم بِألا يَتَرَتَّبُ "الشاهِدُ" بَعْدَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ إذا قَدَّرْناهُ داخِلًا في قَوْلِهِ: أفَمَن.

وما تَرَكْناهُ مِن بَسْطِ هَذا التَرْتِيبِ يُخْرِجُهُ التَدَبُّرُ بِسُرْعَةٍ فَتَأمَّلْهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "كِتابٌ" بِالرَفْعِ وقَرَأ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ "كِتابًا" بِالنَصْبِ فَمَن رَفَعَ قَدَّرَ "الشاهِدَ" الإنْجِيلَ مَعْناهُ: يَقْرَأُ القُرْآنَ أو مُحَمَّدٌ  - بِحَسَبِ الخِلافِ- و"الإنْجِيلُ" و"مِن قَبْلِ" كِتابُ مُوسى إذْ في الكِتابَيْنِ ذِكْرُ القُرْآنِ وذِكْرُ مُحَمَّدٍ  .

ويَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ الرافِعُ "الشاهِدُ" القُرْآنُ، وتَطَرِّدُ الألْفاظُ بَعْدَ ذَلِكَ، ومَن نَصَبَ "كِتابًا" قَدَّرَ "الشاهِدَ" جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ يَتْلُو القُرْآنَ جِبْرِيلُ ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُنا اعْتِراضٌ يُقالُ: إذْ قالَ مِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى أو "كِتابٌ" بِالنَصْبِ عَلى القِراءَتَيْنِ.

والضَمِيرُ في قَبْلِهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ- فَلِمَ لَمْ يَذْكُرِ الإنْجِيلَ- وهو قَبْلَهُ- بَيْنَهُ وبَيْنَ كِتابِ مُوسى؟

فالِانْفِصالُ: أنَّهُ خَصَّ التَوْراةَ بِالذِكْرِ لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجَمِعَتانِ أنَّهُما مِن عِنْدِ اللهِ، والإنْجِيلُ لَيْسَ كَذَلِكَ: فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الطائِفَتَيْنِ أولى: وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى ومَعَ قَوْلِ النَجاشِيِّ: إنَّ هَذا، والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، لَخَرَجَ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ فَإنَّما اخْتَصَرَ الإنْجِيلَ مِن جِهَةِ أنَّ مَذْهَبَهم فِيهِ مُخالِفٌ لِحالِ القُرْآنِ والتَوْراةِ، ونَصْبُ إمامًا عَلى الحالِ مِن كِتابِ مُوسى، والأحْزابُ هاهُنا يُرادُ بِهِ جَمِيعُ الأُمَمِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ما مِن أحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مِنَ اليَهُودِ والنَصارى ثُمَّ لا يُؤْمِنُ بِي إلّا دَخَلَ النارَ" فَقُلْتُ: أيْنَ مِصْداقُ هَذا مِن كِتابِ اللهِ؟

حَتّى وجَدْتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وكُنْتُ إذا سَمِعْتُ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ  طَلَبْتُ مِصْداقَهُ في كِتابِ اللهِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والراجِحُ عِنْدِي مِنَ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ أفَمَن لِلْمُؤْمِنِينَ أو لَهم ولِلنَّبِيِّ مَعَهُمْ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النارُ، فَعَقَّبَ ذِكْرَهم بِذِكْرِ غَيْرِهِمْ، و"البَيِّنَةُ" القُرْآنُ وما تَضَمَّنَ.

و"الشاهِدُ" مُحَمَّدٌ  أو جِبْرِيلُ إذا دَخَلَ النَبِيُّ في قَوْلِهِ: أفَمَن أوِ الإنْجِيلُ والضَمِيرُ في يَتْلُوهُ لِلْبَيِّنَةِ، وفي مِنهُ لِلرَّبِّ تَعالى، والضَمِيرُ في قَبْلِهِ لِلْبَيِّنَةِ، وغَيْرُ هَذا مِمّا ذَكَرْتُهُ آنِفًا مُحْتَمَلٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "فِي مِرْيَةٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ السُلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُدُوسَيُّ "فِي مُرْيَةٍ" بِضَمِّ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ في الشَكِّ، والضَمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى كَوْنِ الكَفَرَةِ مَوْعِدُهُمُ النارُ، وسائِرُ الآيَةِ بَيَّنٌ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ مَحْذُوفَةٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ اللَفْظِ تَقْدِيرُهُ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن كَفَرَ بِاللهِ وكَذَّبَ أنْبِياءَهُ، ونَحْوُ هَذا، في مَعْنى الحَذْفِ، قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أو كُلِّمَ بِهِ المَوْتى  ﴾ ، لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ ∗∗∗ سِواكِ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكِ مَدْفَعا التَقْدِيرُ لَرَدَدْناهُ ولَمْ نُصْغِ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إَمَامًا وَرَحْمَةً أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الاحزاب فالنار مَوْعِدُهُ ﴾ .

أغلقت معاني هذه الآية لكثرة الاحتمالات التي تعتورها من جهة معاد الضمائر واسم الإشارة، ومن جهة إجمال المراد من الموصول، وموقع الاستفهام، وموقع فاء التفريع.

وقد حكى ابن عطية وجوهاً كثيرة في تفسيره بما لم يلخصه أحد مثله وتبعه القرطبي في حكاية بعضها.

والاختلاف في مَاصدق ﴿ مَن كان على بينة من ربّه ﴾ .

وفي المراد من ﴿ بينة من ربه ﴾ ، وفي المعنّي ب ﴿ يتلوه ﴾ .

وفي المراد من ﴿ شاهد ﴾ .

وفي معاد الضمير المنصوب في قوله: ﴿ يتلوه ﴾ .

وفي معنى (منْ) من قوله: ﴿ منه ﴾ ، وفي معاد الضمير المجرور ب (مِن).

وفي موقع قوله: ﴿ مِن قبله ﴾ من قوله: ﴿ كتاب موسى ﴾ .

وفي مرجع اسم الإشارة من قوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ .

وفي معاد الضمير المجرور بالباء من قوله: ﴿ يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ الخ فهذه مفاتيح تفسير هذه الآية.

والذي تخلّص لي من ذلك ومما فتح الله به مما هو أوضح وجْهاً وأقرب بالمعنى المقصود شِبْهاً: أن الفاء للتفريع على جملة ﴿ أم يقولون افتراه إلى قوله: فهل أنتم مسلمون ﴾ [هود: 13، 14] وأن ما بينهما اعتراض لتقرير توغلهم في المكابرة وابتعادهم عن الإيمان، وهذا التفريع تفريع الضدّ على ضده في إثبات ضد حكمه له، أي إن كان حال أولئك المكذبين كما وُصف فثَمّ قوم هم بعكس حالهم قد نفعتهم البيّنات والشواهد، فهم يؤمنون بالقرآن وهم المسلمون وذلك مقتضى قوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ [هود: 14]، أي كما أسلم من كانوا على بيّنة من ربهم منكم ومن أهل الكتاب.

والهمزة للاستفهام التقريري، أي إن كفر به هؤلاء أفيُؤمِنُ به من كان على بينة من ربه، وهذا على نحو نظم قوله تعالى: ﴿ أفمن حَق عليه كلمة العذاب أفأنت تُنقذ مَن في النّار ﴾ [الزمر: 19] أي أنت تنقذ من النار الذي حق عليه كلمة العذاب.

و ﴿ مَن كان على بيّنة ﴾ لا يراد بها شخص معيّن.

فكلمة (مَن) هنا تكون كالمعرّف بلام العهد الذهني صادقة على من تحققت له الصلة، أعني أنه على بينة من ربه.

وبدون ذلك لا تستقيم الإشارة.

وإفراد ضمائر ﴿ كان على بيّنة من ربه ﴾ مراعاةٌ للفظ (مَن) الموصولة وذلك أحد استعمالين.

والجمع في قوله: ﴿ أولئك يؤمنون ﴾ مراعاة لمعنى (مَن) الموصولة وذلك استعمال آخر.

والتقدير: أفمن كانوا على بينة من ربهم أولئك يؤمنون به.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ﴾ في سورة [القتال: 14].

والذين هم على بينة من ربهم يجوز أن يكونوا النصارى فقط فإنهم كانوا منتشرين في العرب ويعرف أهل مكة كثيراً منهم، وهم الذين عرفوا أحقية الإسلام مثل ورقة بن نوفل ودحية الكلبي، ويجوز أن يراد النصارى واليهود مثل عبد الله بن سلام ممّن آمن بعد الهجرة فدلوا على تمكنهم من معرفة البينة لصحة أفهامهم ولوضوح دلالة البيّنة، فأصحابها مؤمنون بها.

والمراد بالبيّنة حجة مجيء الرسول المبشّر به في التوراة والإنجيل.

فكون النصارى على بينة من ربهم قبل مجيء الإسلام ظاهر لأنهم لم يكذّبُوا رسولاً صادقاً.

وكون اليهود على بيّنة إنما هو بالنسبة لانتظارهم رسولاً مبشّراً به في كتابهم وإن كانوا في كفرهم بعيسى عليه السلام ليسوا على بيّنة.

فالمراد على بيّنة خاصة يدل عليها سياق الكلام السابق من قوله: ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ [هود: 14]، ويعينها اللاحق من قوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

و (مِن) في قوله: ﴿ من ربه ﴾ ابتدائية ابتداء مجازياً.

ومعنى كونها من ربه أنها من وحي الله ووصايته التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لمَا مَعكم لتُؤمنن به ولتنصرنه ﴾ [آل عمران: 81] وقوله: ﴿ الذينَ يَتبعون الرسول النّبيء الأمّيّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التّوراة والإنجيل ﴾ [الأعراف: 157].

وذكر كتاب موسى وأنه من قبله يشير إلى أن البيّنة المذكورة هنا من الأنجيل، ويقوي أن المراد ب ﴿ من كان على بينة من ربه ﴾ النصارى.

وفعل (يتلوه) مضارع التّلو وهو الاتّباع وليس من التلاوة، أي يتبعه.

والاتباع مستعار للتّأييد والاقتداء فإن الشاهد بالحق يحضر وراء المشهود له.

وضمير الغائب المنصوب في قوله: ﴿ يتلوه ﴾ عائد إلى ﴿ من كان على بينة من ربه ﴾ .

والمراد ب ﴿ شاهد منه ﴾ شاهد من ربه، أي شاهد من الله وهو القرآن لأنه لإعجازه المعاندين عن الإتيان بعشر سور مثله كان حجة على أنه آت من جانب الله.

و ﴿ مِن ﴾ ابتدائية.

وضمير ﴿ منه ﴾ عائد إلى ﴿ ربه ﴾ .

ويجوز أن يعود إلى ﴿ شاهد ﴾ أي شاهد على صدقه كائن في ذاته وهو إعجازه إياهم عن الإتيان بمثله.

و ﴿ من قبله ﴾ حال من ﴿ كتاب موسى ﴾ .

و ﴿ كتاب موسى ﴾ عطف على ﴿ شاهد منه ﴾ والمراد تلوه في الاستدلال بطريق الارتقاء فإن النصارى يهتدون بالإنجيل ثم يستظهرون على ما في الإنجيل بالتّوراة لأنّها أصله وفيها بيانه، ولذلك لما عطف ﴿ كتاب موسى ﴾ على ﴿ شاهد ﴾ الذي هو معمول ﴿ يتلوه ﴾ قيد كتاب موسى بأنه من قبله، أي ويتلوه شاهد منه.

ويتلوه كتاب موسى حالة كونه من قبْل الشاهد أي سابقاً عليه في النزول.

وإذا كان المراد ب ﴿ من كان على بيّنة من ربّه ﴾ النصارى خاصة كان لذكر ﴿ كتاب موسى ﴾ إيماء إلى أن كتاب موسى عليه السلام شاهد على صدق محمّد صلى الله عليه وسلم ولم يُذكر أهل ذلك الكتاب وهم اليهود لأنهم لم يكونوا على بيّنة من ربّهم كاملةٍ من جهة عدم تصديقهم بعيسى عليه السلام.

و ﴿ إماماً ورحمة ﴾ حالان ثناء على التوراة بما فيها من تفصيل الشريعة فهو إمام يهتدى به ورحمة للنّاس يعملون بأحكامها فيرحمهم الله في الدنيا بإقامة العدل وفي الآخرة بجزاء الاستقامة إذ الإمام ما يؤتم به ويعمل على مثاله.

والإشارة ب ﴿ أولئك ﴾ إلى ﴿ من كان على بينة من ربّه ﴾ ، أي أولئك الذين كانوا على بيّنة من ربهم يؤمنون بالقرآن وليسوا مثلكم يا معشر المشركين، وذلك في معنى قوله تعالى: ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ [الأنعام: 89].

وإقحام ﴿ أولئك ﴾ هنا يشبه إقحام ضمير الفصل، وفيه تنبيه على أن ما بعده من الخبر مسبب على ما قبل اسم الإشارة من الأوصاف وهي كونهم على بينة من ربهم معضدة بشواهد من الأجيل والتوراة.

وجملة ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ خبر ﴿ من كان على بينة من ربه ﴾ .

وضمير (به) عائد إلى القرآن المعلوم من المقام أو من تقدم ضميره في قوله ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ [هود: 13].

وبه ينتظم الكلام مع قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ إلى قوله: ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ [هود: 13، 14] أي يؤمنون بكون القرآن من عند الله.

والباء للتعدية لا للسببية، فتعدية فعل (يؤمنون) إلى ضمير القرآن من باب إضافة الحكم إلى الأعيان وإرادة أوصافها مثل ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ [النساء: 23]، أي يؤمنون بما وصف به القرآن من أنه من عند الله.

وحاصل معنى الآية وارتباطها بما قبلها ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ [هود: 14] فإن الذين يؤمنون به هم الذين كانوا على بيّنة من ربّهم مؤيّدة بشاهد من ربهم ومعضودة بكتاب موسى عليه السلام من قَبْل بيّنتهم.

وقريب من معنى الآية قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ﴾ [الأحقاف: 10] فاستقام تفسير الآية تمام الاستقامة، وأنت لا يعوزك تركيب الوجوه التي تأول بها المفسرون مِمّا يخالف ما ذكرناه كُلاً أو بَعضاً فبصَرك فيها حديد، وبيدك لفتح مغالقها مَقاليد.

وجملة ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ عطف على جملة ﴿ أفمن كان على بيّنة من ربّه ﴾ لأنه لمّا حرض أهل مكة على الإسلام بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ [هود: 14]، وأراهم القِدْوة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ ، عاد فحذر من الكفر بالقرآن فقال: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ ، وأعرض عما تبين له من بيّنة ربه وشواهد رسله فالنّار موعده.

والأحزاب: هم جماعات الأمم الذين يجمعهم أمْرٌ يجتمعون عليه، فالمشركون حزب، واليهود حزب، والنصارى حزب، قال تعالى: ﴿ كذبت قبلهم قوم نوححٍ وعادً وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب ليكة أولئك الأحزاب ﴾ [ص: 12، 13].

والباء في ﴿ يكفر به ﴾ كالباء في ﴿ يؤمنون به ﴾ .

والموعد: ظرف للوعد من مكان أو زمان.

وأطلق هنا على المصير الصائر إليه لأن شأن المكان المعيّن لعمل أن يعين به بوعد سابق.

تفريع على جملة ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ﴾ والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والنهي مستعمل كناية تعريضية بالكافرين بالقرآن لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ونقصه، فمن لوازمه ذم المتلبس بالمنهي عنه.

ولما كان المخاطب غير مظنة للتلبس بالمنهي عنه فيُطلبَ منه تركه ويكون النهيُ طلبَ تحصيل الحاصل، تعيّنَ أن يكون النهي غير مراد به الكفّ والإقلاع عن المنهي عنه فيكون مستعملاً في لازم ذلك بقرينة المقام، ومما يزيد ذلك وضوحاً قوله تعالى في سورة آلم [السجدة: 23] ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه ﴾ فإنه لو كان المقصود تحذير النّبيء صلى الله عليه وسلم من الامتراء في الوحي لما كان لتفريع ذلك على إيتاء موسى عليه السلام الكتاب ملازمة، ولكن لما كان المراد التعريض بالذين أنكروا الوحي قدّم إليهم احتجاجَ سبق الوحي لموسى عليه السلام.

و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية المستعملة في تمكن التلبس نظراً لحال الذين استعمل النهي كناية عن ذمّهم فإنهم متلبسون بمزية شديدة في شأن القرآن.

وضميرا الغيبة عائدان إلى القرآن الذي عاد إليه ضمير ﴿ افتراه ﴾ [هود: 13].

وجملة ﴿ إنه الحق من ربك ﴾ مستأنفة تأكيد لما دلت عليه جملة ﴿ فلا تَكُ في مرية منه ﴾ من أنه لوضوح حقيته لا ينبغي أن يمترى في صدقه.

وحرف التأكيد يقوم مقام الأمر باعتقاد حقيته لما يدل عليه التأكيد من الاهتمام.

والمرية: الشك.

وهي مرادفة الامتراء المتقدم في أول الأنعام.

واختير النهي على المرية دون النهي عن اعتقاد أنه كذب كما هو حال المشركين، لأن النهي عن الامتراء فيه يقتضي النهي عن الجزم بالكذب بالأوْلى، وفيه تعريض بأن ما فيه المشركون من اليقين بكذب القرآن أشد ذمّاً وشناعة.

و ﴿ مِن ﴾ ابتدائية، أي في شك ناشئ عن القرآن، وإنما ينشأ الشك عنه باعتبار كونه شكّاً في ذاته وحقيقته لأن حقيقة القرآنية أنه كتاب من عند الله، فالشك الناشئ على نزوله شك في مجموع حقيقته.

وهذا مثل الضمير في قوله: ﴿ يؤمنون به ﴾ من غير احتياج إلى تقدير مضاف يؤول به إلى إضافة الحكم إلى الأعيان المراد أوصافها.

وتعريف ﴿ الحق ﴾ لإفادة قصر جنس الحق على القرآن.

وهو قصر مبالغة لكمال جنس الحق فيه حتى كأنه لا يوجد حق غيره مثل قولك: حاتم الجواد.

والاستدراك بقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ ناشيء على حكم الحصر، فإنّ الحصر يقتضي أن يؤمن به كل من بلغه ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.

والإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الدين.

وحذف متعلق ﴿ يؤمنون ﴾ لأن المراد انتفاء حقيقة الإيمان عنهم في كل ما طلب الإيمان به من الحق، أي أن في طباع أكثر الناس تغليب الهوى على الحق فإذا جاء ما يخالف هواهم لم يؤمنوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ وأبُو صالِحٍ وقَتادَةُ والسِّرِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبِ طاعَتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ قَوْلًا رابِعًا: أنَّ البَيِّنَةَ هي الإشْرافُ عَلى القُلُوبِ والحِكْمَةُ عَلى الغُيُوبِ.

﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لِسانُهُ يَشْهَدُ لَهُ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَلا تَحْسِبَنِي كافِرًا لَكَ نِعْمَةً عَلى شاهِدِي يا شاهِدَ اللَّهِ فاشْهَدْ الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَوى المِنهالُ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ، قِيلَ لَهُ: فَما نَزَلَ فِيكَ؟

قالَ ﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ الخامِسُ: أنَّهُ مَلِكٌ يَحْفَظُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ بِمَعْرِفَةِ حُجَجِهِ ودَلائِلِهِ وهو عَقْلُهُ ووَحْدَتُهُ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو التَّوْراةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ومِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ كِتابُ مُوسى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما يَعْنِي مُتَقَدِّمًا عَلَيْنا ورَحْمَةً لَهم.

الثّانِي: إمامًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِاقْتِدائِهِمْ بِما فِيهِ ورَحْمَةً لَهم.

﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ.

﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأدْيانِ كُلِّها لِأنَّهم يَتَحَزَّبُونَ: قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ المُتَحَزِّبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  المُجْتَمِعُونَ عَلى مُحارَبَتِهِ.

وَفي المُرادِ بِهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قُرَيْشٌ، قالَ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أهْلُ المِلَلِ كُلِّها.

﴿ فالنّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ أيْ أنَّها مَصِيرُهُ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً ∗∗∗ فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في مِرْيَةٍ مِنَ القُرْآنِ قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: في مِرْيَةٍ مِن أنَّ النّارَ مَوْعِدُ الكُفّارِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن.

فقال له رجل: ما نزل فيك؟

قال: أما تقرأ سورة هود ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ﴾ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بينة من ربه وأنا شاهد منه.

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي رضي الله عنه في الآية قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم على بينة من ربه، وأنا شاهد منه.

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفمن كان على بينة من ربه أنا، ويتلوه شاهد منه قال: علي» .

وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ قال: «ذاك محمد صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم رضي الله عنه ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: إن الناس يزعمون في قول الله: ﴿ ويتلوه شاهد منه ﴾ أنك أنت التالي.

قال: وددت أني أنا هو ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن علي بن الحنفية ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ويتلوه شاهد منه ﴾ قال: لسانه.

وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ويتلوه شاهد منه ﴾ قال: أما الحسن رضي الله عنه فكان يقول: اللسان.

وذكر عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه جبريل عليه السلام.

ووافقه سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: هو جبريل.

وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه ﴿ ويتلوه شاهد منه ﴾ قال: هو اللسان.

ويقال: أيضاً جبريل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ قال: محمد ﴿ ويتلوه شاهد منه ﴾ قال: جبريل، فهو شاهد من الله بالذي يتلو من كتاب الله الذي أنزل على محمد ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ قال: ومن قبله تلا التوراة على لسان موسى كما تلا القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ويتلوه شاهد منه ﴾ قال: ملك يحفظه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الحسين بن علي في قوله: ﴿ ويتلوه شاهد منه ﴾ قال: محمد هو الشاهد من الله.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ قال: المؤمن على بينة من ربه.

وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ قال: ومن جاء بالكتاب إلى موسى.

وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ قال: الكفار أحزاب كلهم على الكفر.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ قال: من اليهود والنصارى.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني فلم يؤمن بي إلا كان من أهل النار.

قال سعيد: فقلت ما قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا هو في كتاب الله، فوجدت ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار.

فجعلت أقول: أين تصديقها في كتاب الله؟

وقلما سمعت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وجدت تصديقه في القرآن حتى وجدت هذه الآية ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ﴾ قال: الأحزاب الملل كلها» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ ، يعني بهذا النبي  في قول عامة المفسرين (١) (٢) ﴿ عَلَى بَيِّنَةٍ ﴾ : يريد على يقين، وقال الكلبي (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ﴾ ، أي ويتبعه، [والهاء تعود على (من)، (شاهد منه)؛ اختلفوا في هذا الشاهد] (٦) (٧)  ، ونحو ذلك روى عكرمة (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) قال ابن قتيبة: والشاهد من الله للنبي  جبريل؛ يريد أنه يتبعه ويؤيده ويسدده ويشهده.

وقال ابن عباس (١٧) ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ﴾ يريد: لسان النبي  ، وهو قول الحسن (١٨) (١٩) (٢٠)  قال: قلت لأبي أنت التالي، قال: وما تعني بالتالي؟

قلت: قوله: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ﴾ ، قال: وددت أني هو، ولكن لسان الرسول  ، وعلى هذا المعنى قال الزجاج (٢١) ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ وكان معه من الفضل ما يبين تلك البينة، وعلى هذا الكناية في ﴿ مَنْ ﴾ ، تعود على ﴿ مِّن ﴾ وقيل: الشاهد هو: النبي  ، وهو قول الحسين (٢٢)  ما، وابن زيد (٢٣)  ووجهه ومخائله كل ذلك يشهد له؛ لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كذاب ولا ساحر ولا كاهن، والكناية في ﴿ مِنْهُ ﴾ تعود على ﴿ مَنْ ﴾ ويراد به: النبي  .

وحكى ابن الأنباري أن بعض أهل العلم ذهب إلى أن الشاهد ما يشهد بإعجاز القرآن العالمين وإفحامِه أهلَ البلاغة، فالشاهد ما يشهد بأن القرآن غير مقدور على مثله وهو معنى تحت ألفاظ القرآن، وهذا قول الحسين بن الفضل (٢٤) (٢٥) ﴿ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى ﴾ يعني التوراة قبل القرآن تشهد له بما قدم الله فيها من ذكره، قال أبو بكر: وذهب آخرون إلى أن الشاهد الإنجيل، ومعنى ﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ على هذا القول أي: ويتلو البينة التي معناها القرآن [في التصديق] (٢٦) (٢٧) ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ﴾ يعني الإنجيل يتلو القرآن، وإن كان قد (٢٨)  .

وقال ابن الأنباري (٢٩)  لهذا المعنى، وإن كان نزوله قبل مولده وزمانه.

وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً ﴾ ، أي ومن قبل القرآن، أو من قبل محمد  ، أو من قبل الإنجيل، وارتفع ﴿ كِتَابُ مُوسَى ﴾ بمضمر بعده، تأويله: ومن قبله كتاب موسى كذلك، أي تلاه في التصديق على ما ذكرنا في الإنجيل، قاله ابن الأنباري (٣٠) وذكر أبو إسحاق (٣١) ﴿ كِتَابُ مُوسَى ﴾ عطفًا على قوله ﴿ شَاهِدٌ مِنْهُ ﴾ أي: وكان يتلوه ﴿ كِتَابُ مُوسَى ﴾ ؛ لأن النبي  بشر به موسى وعيسى في التوراة والإنجيل.

قال: ويجوز أن يكون المعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلًا على أمر النبي  ، قال: ونصب ﴿ إِمَامًا ﴾ على الحال لأن كتاب موسى معرفة.

وقوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ وما اتصل به إلى قوله: ﴿ إِمَامًا وَرَحْمَةً ﴾ يقتضي جوابًا بحرف التشبيه وضد معناه، كما قال في موضع آخر: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا  ﴾ وهاهنا ترك الجواب.

قال أبو إسحاق (٣٢) (٣٣) ﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ  ﴾ الآية، ونحو هذا قال الفراء (٣٤) (٣٥) (٣٦) فأقسم لو شيء أتانا رسوله ...

سواك ولكن لم نجد لك مدفعًا ومثل هذا من التنزيل قوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ  ﴾ الآية.

ولم يؤت له بجواب، اكتفاء بما بعده من قوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ فالقانتون آناء الليل والنهار الذين يعلمون، [وأضدادهم الذين لا يعملون] (٣٧) وقال ابن قتيبة (٣٨) (٣٩) ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا  ﴾ الآية.

ثم قايس بين هؤلاء وبين النبي  ، وصحابته فقال: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ  ﴾ كهذا الذي يريد الحياة الدنيا وزينتها، فاكتفى من الجواب بما تقدم، إذ كان فيه دليل عليه، وفي ذكر النبي  ذكر لأصحابه ولمن آمن واتبعه، ألا ترى أنه قال ﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، قال ابن عباس (٤٠)  من أهل الكتاب، فمن قال بهذا القول قال: يعني أصحاب موسى وعيسى من كان منهم على الطريقة المثلى، واستقام على المنهاج، آمن بمحمد  .

وقال عبد الله بن مسلم (٤١)  .

قال ابن الأنباري (٤٢) ﴿ أُولَئِكَ ﴾ هو إشارة إلى أهل الحق والمتمسكين بالصواب من أمم موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، وذلك أنه عز وعلا لما وصف محمدًا بما فضله به؛ من تمسكه بالهدى، وشهادة التوراة والإنجيل بصدقه، أشار إلى المؤمنين به، المتمسكين بما يوجد في التوراة والإنجيل والقرآن من صدقه ووضوح أمره، فكانت الإشارة إلى القوم الذين دلَّ ما تقدم على ذكرهم، والكناية في ﴿ بِهِ ﴾ تعود إلى محمد  .

وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ ﴾ ، قال ابن عباس (٤٣) وقال الفراء (٤٤) وقال قتادة (٤٥)  قال: "لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي، إلا كان من أهل النار" (٤٦)  لا يقول مثل هذا إلا عن (٤٧) ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ .

قال صاحب النظم: لما قال: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ دل ذلك على أن من يؤمن به فهو في الجنة؛ لأنه إذا أوجد الشيء بصفة وجب أن يوجد بضد تلك الصفة ضد ذلك الشيء.

وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ ، قال مقاتل بن سليمان (٤٨) (٤٩) (٥٠) قال أبو بكر: فمن بني على هذا التأويل أعاد الهاءين على التعذيب؛ لأن قوله ﴿ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ معناه: فهو معذب، فرجعت الهاء على معنى الكلام، وكان تلخيصها (فلا تك في مرية من تعذيبه؛ إن تعذيبه الحق من ربك)، ولا يستنكر رجوع الهاء على حرف غير مذكور إذا كان المذكور يدلّ عليه.

وقال ابن قتيبة (٥١) ﴿ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ ﴾ للنبي  والمراد به غيره.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني أهل مكة (٥٢) (١) الثعلبي 7/ 36 أ، الطبري 12/ 14 - 15، "الدر المنثور" 3/ 586، "المحرر الوجيز" 7/ 257، "زاد المسير" 4/ 85.

(٢) انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 218، "البحر" 5/ 201.

(٣) "زاد المسير" 4/ 85.

(٤) "زاد المسير" 4/ 85، "تفسير مقاتل" 144 ب.

(٥) ذكره ابن أبي حاتم 6/ 2013 عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٧) الثعلبي 7/ 36 ب، والطبري 12/ 16، وابن أبي حاتم 6/ 2014، وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 587.

(٨) الثعلبي 7/ 36 ب، الطبري 12/ 16، ابن أبي حاتم 6/ 2014.

(٩) الثعلبي 7/ 36 ب.

(١٠) الثعلبي 7/ 36 ب، الطبري 15/ 273.

(١١) الثعلبي 7/ 36 ب، الطبري 12/ 16.

(١٢) الثعلبى 7/ 36 ب، الطبري 12/ 16.

(١٣) الثعلبي 7/ 36 ب، الطبري 12/ 16.

(١٤) "معاني القرآن" 2/ 6.

(١٥) "معاني القرآن" 3/ 43.

(١٦) "مشكل القرآن وغريبه" 1/ 209.

(١٧) "تفسير عطاء" / 106، وانظر: "الدر المصون" 6/ 300.

(١٨) الطبري 12/ 14، الثعلبي 2/ 377، "زاد المسير" 4/ 85، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 218.

(١٩) الطبري 12/ 15، الثعلبي 7/ 36، ابن أبي حاتم 6/ 2014، البغوي 4/ 167، "زاد المسير" 4/ 85.

(٢٠) الطبري 12/ 14، والثعلبي 7/ 36 ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2014، والطبراني في "الأوسط" 7/ 224 برقم (6824).

قال الهيثمي: وفيه خليد بن دعيج وهو متروك "المجمع" 7/ 37، وأبوالشيخ كما في "الدر" 3/ 586، "زاد المسير" 4/ 85.

(٢١) "معاني القرآن" 3/ 43.

(٢٢) الطبري 12/ 15، الثعلبي 7/ 36 ب، "زاد المسير" 4/ 86، ابن أبي حاتم 6/ 2014.

وقد خطأ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري 15/ 271 النسبة إلى الحسين؛ لأن في "التاريخ الكبير" للبخاري 2/ 2/ 31، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 2/ 1/153 عند ترجمة سليمان العلاف الراوي هنا عن الحسين قالا: (إنه بلغه عن الحسن) والله أعلم.

(٢٣) الطبري 12/ 15، القرطبي 9/ 17، ذكره الثعلبي 7/ 36 ب، ولم يعزه.

(٢٤) الثعلبي 7/ 36 ب، "زاد المسير" 4/ 86، البغوي 4/ 167، القرطبي 9/ 17.

(٢٥) "مشكل القرآن وغريبه" 1/ 209.

(٢٦) ساقط من (ب).

(٢٧) "معاني القرآن" 2/ 6.

(٢٨) ساقط من (ي).

(٢٩) "زاد المسير" 4/ 86.

(٣٠) "زاد المسير" 4/ 87 (٣١) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 44.

(٣٢) "معاني القرآن" 3/ 43 بنحوه.

(٣٣) ساقط من (ب).

(٣٤) "معاني القرآن" 2/ 6.

(٣٥) ساقط من (ب).

(٣٦) هو امرؤ القيس يريد: لو شيء أتانا رسوله سواك دفعناه بدليل قوله: "ولكن لم نجد لك مدفعًا".

وفي الديوان 242 (أجدك لو شيء ..).

"الخزانة" 4/ 227، الطبري 12/ 18، "تهذيب اللغة" 3/ 3845 (وحد)، "معاني القرآن" 2/ 7، "شرح المفصل" 9/ 7، 94، كتاب "الصناعتين" / 182، "اللسان" (وحد) 8/ 4783.

(٣٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٨) "مشكل القرآن وغريبه" 1/ 208، وفيه اختلاف يسير.

(٣٩) ساقط من (جـ).

(٤٠) "تنوير المقباس" /139، الثعلبي 7/ 37 ب.

(٤١) هو ابن قتيبة، ذكره في "مشكل القرآن وغريبه" 1/ 209.

(٤٢) "زاد المسير" 4/ 88.

(٤٣) روي من طرق عن سعيد بن جبير.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، الطبري 12/ 19.

(٤٤) "معاني القرآن" 2/ 8.

(٤٥) الطبري 12/ 20، و"زاد المسير" 4/ 88، وأخرجه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 587، وابن أبي حاتم 6/ 2016.

(٤٦) أخرجه أحمد 4/ 396، وأخرجه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 261، 262، وقال: رواه الطبراني واللفظ له، وأحمد بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح، والبزار أيضًا باختصار.

وأخرجه النسائي في "التفسير" 1/ 585.

وأخرجه الحاكم 2/ 342 من حديث ابن عباس مرفوعًا وصححه ووافقه الذهبي.

وأخرجه مسلم (153) كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد  إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته من حديث أبي هريرة، والطبري 12/ 19 من طرق.

(٤٧) في (ب): (علي).

(٤٨) "تفسير مقاتل" 144 ب، "زاد المسير" 4/ 89.

(٤٩) "زاد المسير" 4/ 89، "تنوير المقباس" 139.

(٥٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٥١) "تأويل مشكل القرآن" 396.

(٥٢) "زاد المسير" 4/ 89.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ والمراد بمن كان على بينة من ربه: النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لقوله بعد ذلك ﴿ أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، ومعنى البينة: البرهان العقلي والأمر الجلي ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ الضمير في يتلوه للبرهان وهو البينة ولمن كان على بينةمن ربه، والضمير في منه للرب تعالى، ويتلوه هنا بمعنى يتبعه، والشاهد: يريد به القرآن فالمعنى يتبع ذلك البرهان شاهد من الله وهو القرآن، فيزيد وضوحه وتعظم دلالته، وقيل: إن الشاهد المذكور هنا هو علي بن أبي طالب ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كتاب موسى ﴾ أي ومن قبل ذلك الكتاب الشاهد كتاب موسى، وهو أيضاً دليل آخر متقدم، وقد قيل: أقوال كثيرة في معنى هذه الآية وأرجحها ما ذكرنا ﴿ وَمِنَ الأحزاب ﴾ [الرعد: 36] أي من أهل مكة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...

﴾ الآية اختلف فيه: قال بعضهم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم الله في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير الله، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عباس.

وروي في بعض الأخبار "أن نبي الله  سئل: ما بال العبد المعروف بالخير يشدد عليه عند الموت، والرجل المعروف بالشرّ يهون عليه الموت؟!

فقال: المؤمن تكون له ذنوب فيجازى بها عند موته، فيفضي إلى الله في الآخرة ولا ذنب عليه، والكافر يكون له الحسنات فيجازى بها عند الموت يخفف عنه بها كرب الموت، ثم يفضي إلى الآخرة وليست له حسنة" أو كلام نحوه.

وقال بعضهم: الآية في أهل الكفر يعملون أعمالا هي في الظاهر صالحة؛ نحو: التصدق على الفقراء وعمارات الطرق واتخاذ القناطر والرباطات هي في الظاهر صالحة، يقول: نوف لهم جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا لا ننقص منها شيئاً فهو ما وسع عليهم الدنيا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ أي: نرد إليهم أعمالهم التي عملوها فلا نقبلها ويكون إيفاء أعمالهم الرد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ﴾ أي: لا ينقصون ما قدر لهم من الرزق إلى انقضاء مدتهم وآجالهم بشركهم بالله.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ ﴾ : على هذا التأويل [ظاهر ليس لأهل الكفر في الأخرة إلا النار] وعلى التأويل الذي قال: إنها في أهل الإيمان، أي: لا يستوجبون بتلك الأعمال التي عملوها مراءاة إلا النار؛ لأنه إذا راءى فيها لم يخلصها لله وضيع أمره، وكل من ضيع أمر الله وفريضته يستوجب التعذيب عليه وله العفو، وليس في الآية أنه لا محالة يعذبهم بعملهم المراءاة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ﴾ فيه دلالة نقض قول الجهمية والمعتزلة بنفيهم العلم عن الله، وفي الآية إثبات العلم له بقوله: ﴿ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ أَفَمَن ﴾ حرف يقتضي الجواب لكن الجواب له لم يخرج في الظاهر؛ لأن جوابه أن يقول: أفمن كان على بينة من ربّه كمن ليس على بينة من ربه كما قال في آية أخرى: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ  ﴾ لا يعلم، فعلى ذلك جواب قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ كمن لا يكون على بينة من ربه، لكن الجواب عندنا يكون على وجوه: مرة يكون بالتصريح وهو ما ذكرنا، ومرة بالإشارة، ومرة بالكناية على غير تصريح.

ثم منهم من يجعل جوابه ما تقدم وهو قوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...

﴾ الآية، [يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها]، أي: لا يكون كذلك، ومنهم من يجعل جوابه فيما تأخر وهو قوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ ﴾ كأنه يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يكفر به الأحزاب، أي: لا يكون كذلك وقالوا: يجوز تقديم الجواب وتأخيره، كقوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ  ﴾ لم يخرج لهذا أيضاً جواب التصريح.

ثم اختلفوا في جوابه؛ قال بعضهم: جوابه فيما تأخر في قوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ وصف الذين لا يعلمون، فكأنه يقول: أفمن يعلم كمن لا يعلم.

ومنهم من يجعل جوابه في قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ  ﴾ يقول: من جعل لله أنداداً وضل عن سبيله وصار من أصحاب النار، كمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً أي: ليسا بسواء.

وقال مقاتل: ليس الذي على بيان من ربه كالذي موعده النار، والله أعلم.

وجائز أن يكون على طرح الألف: (فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى...) الآية يقول: فمن كان على بيان من ربه أولئك يؤمنون به.

ثم قوله: ﴿ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ : قال بعضهم: دين من ربه، أي: من كان على دين من الله ويتلوه شاهد منه أي: يتلو لما هو عليه من الدين شاهد منه، كمن كان على دين الشيطان ولا شاهد له عليه؟!

وقال بعضهم قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: على برهان من ربه وحجج ويتلوه شاهد منه على ذلك، كمن لا على برهان من ربه ولا حجج ولا شاهد له على ذلك؟!

ثم قال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ جبريل أو ملك غيره يتلو عليه القرآن.

وقال بعضهم: يتلوه شاهد منه: لسانه.

وقال بعضهم ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ هو القرآن ونحوه.

ثم قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ : يحتمل أصحاب عيسى الذين آمنوا به.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ ﴾ أصحاب التوراة الذين آمنوا.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: هؤلاء الذين آمنوا بهؤلاء هم الذين يؤمنون بمحمد - عليه أفضل الصلوات - وبما جاء به محمد،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: ومن قبل القرآن كتاب موسى جاء جبريل إلى موسى، كما جاء بهذا القرآن إماما يقتدى به ورحمة من العذاب لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ يعني قبل القرآن كتاب موسى التوراة إماما فيها أنباء هذا القرآن، وأنباء محمد أنه رسول؛ كقوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ وأمثاله.

ويحتمل قوله: ﴿ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ \[ما روي\] عن ابن عباس قال: إماماً ورحمة: كان كتاب موسى وهو التوراة إماما يقتدى به، وكان رحمة، أولئك يؤمنون به قال: أصحاب محمد  الذين آمنوا به من أهل الكتاب وغيرهم.

ويحتمل قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: مؤمني أهل التوراة يؤمنون بالقرآن ويقتدون به؛ كما آمنوا بالتوراة واقتدوا بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ ﴾ أي: بالقرآن ﴿ مِنَ ٱلأَحْزَابِ ﴾ الأحزاب: الفرق والأصناف.

يحتمل من يكفر به أي: بالقرآن من الفرق.

ويحتمل يكفر به أي: بمحمد.

ويحتمل الدين الذي هو عليه ويدعوهم إليه.

﴿ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ : إن مات على ذلك، وأمّا إذا أسلم ومات على الإسلام، فلا تكون النار موعده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ﴾ : يحتمل في قوله الوجوه الثلاثة التي ذكرنا من الدين والقرآن والنبي، يحتمل هو نفسه، ويحتمل الخطاب غيره لما ذكرنا في قوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ  ﴾ وأمثاله؛ فكذلك هذا، وقد ذكرنا أن العصمة لا تزيل النهي والأمر بل تزيدهما؛ لأن بالعصمة يظهر موافقة الأمر ومخالفة النهي والمحظور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ : يحتمل القرآن، ويحتمل الدين الذي عليه ويدعوهم إليه، ويحتمل هو نفسه الحق من ربه، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا يستوي النبي محمد  الذي معه برهان من ربّه تعالى، ويتبعه شاهد من ربه، وهو جبريل.

ويشهد له من قبل على نبوته التوراة التي أنزلت على موسى  قدوة الناس ورحمتهم، لا يستوي هو ومن آمن معه مع أولئك الكافرين المُتَخَبِّطين في الضلال، أولئك يؤمنون بالقرآن، وبمحمد  الَّذي أُنْزِل عليه، ومن يكفر به من أصحاب الملل فالنار موعده يوم القيامة، فلا تكن -أيها الرسول- في ارتياب من القرآن ومن موعدهم، فهو الحق الَّذي لا شك فيه، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون مع تضافر الأدلة الواضحة والبراهين الجلية.

<div class="verse-tafsir" id="91.BLWOy"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.7 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده