الآية ٦٩ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٦٩ من سورة هود

وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌۭ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ ٦٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 128 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٩ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٩ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ولقد جاءت رسلنا ) وهم الملائكة ، إبراهيم بالبشرى ، قيل : تبشره بإسحاق ، وقيل : بهلاك قوم لوط .

ويشهد للأول قوله تعالى : ( فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ) [ هود : 74 ] ، ( قالوا سلاما قال سلام ) أي : عليكم .

قال علماء البيان : هذا أحسن مما حيوه به; لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام .

( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ) أي : ذهب سريعا ، فأتاهم بالضيافة ، وهو عجل : فتى البقر ، حنيذ : [ وهو ] مشوي [ شيا ناضجا ] على الرضف ، وهي الحجارة المحماة .

هذا معنى ما روي عن ابن عباس [ ومجاهد ] وقتادة [ والضحاك ، والسدي ] وغير واحد ، كما قال في الآية الأخرى : ( فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون ) [ الذاريات : 26 ، 27 ] .

وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: (ولقد جاءت رسلنا) ، من الملائكة وهم فيما ذكر ، كانوا جبريل وملكين آخرين.

وقيل : إن الملكين الآخرين كان ميكائيل وإسرافيل معه ، (إبراهيم) ، يعني: إبراهيم خليل الله ، (بالبشرى) ، يعني: بالبشارة.

(26) * * * واختلفوا في تلك البشارة التي أتوه بها.

فقال بعضهم: هي البشارة بإسحاق.

وقال بعضهم: هي البشارة بهلاك قوم لوط.

* * * ، (قالوا سلاما) ، يقول: فسلموا عليه سلامًا.

* * * ونصب " سلامًا " بإعمال " قالوا " فيه، كأنه قيل: قالوا قولا وسلَّموا تسليمًا.

* * * ، (قال سلام) ، يقول: قال إبراهيم لهم: سلام ، فرفع " سلامٌ"، بمعنى : عليكم السلام ، أو بمعنى : سلام منكم .

* * * وقد ذكر عن العرب أنها تقول: " سِلْمٌ" بمعنى السلام ، كما قالوا: " حِلٌّ وحلالٌ"، " وحِرْم وحرام ".

وذكر الفرَّاء أن بعض العرب أنشده: (27) مَرَرْنَــا فَقُلْنَـا إِيـهِ سِـلْمٌ فَسَـلَّمَتْ كَمَـا اكْتَـلَّ بِـالَبْرقِ الغَمَـامُ الَّلـوَائِحُ (28) بمعنى سلام.

وقد روي " كما انكلّ".

* * * وقد زعم بعضهم أن معناه إذا قرئ كذلك: نحن سِلْمٌ لكم ، من " المسالمة " التي هي خلاف المحاربة.

وهذه قراءة عامَّة قراء الكوفيين.

* * * وقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والبصرة ، ( قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ ) ، على أن الجواب من إبراهيم صلى الله عليه وسلم لهم، بنحو تسليمهم: عليكم السلام.

* * * والصواب من القول في ذلك عندي: أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، لأن " السلم " قد يكون بمعنى " السلام " على ما وصفت، و " السلام " بمعنى " السلم "، لأن التسليم لا يكاد يكون إلا بين أهل السّلم دون الأعداء، فإذا ذكر تسليم من قوم على قوم ، ورَدُّ الآخرين عليهم، دلّ ذلك على مسالمة بعضهم بعضًا.

وهما مع ذلك قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أهل قدوة في القراءة، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.

* * * وقوله: (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) .

* * * ، وأصله " محنوذ "، صرف من " مفعول " إلى " فعيل ".

* * * وقد اختلف أهل العربية في معناه، فقال بعض أهل البصرة منهم (29) معنى " المحنوذ ": المشويّ، قال: ويقال منه: " حَنَذْتُ فرسي"، بمعنى سخَّنته وعرَّقته.

واستشهد لقوله ذلك ببيت الراجز: (30) *ورَهِبَا مِنْ حَنْذِهِ أَنْ يَهْرَجَا* (31) * * * وقال آخر منهم: " حنذ فرسه ": أي أضمره، وقال: قالوا حَنَذه يحنِذُه حَنْذًا: أي: عرَّقه.

* * * وقال بعض أهل الكوفة: كل ما انشوَى في الأرض ، إذا خَدَدت له فيه ، فدفنته وغممته ، فهو " الحنيذ " و " المحنوذ ".

قال: والخيل تُحْنَذ ، إذا القيت عليها الجِلال بعضُها على بعض لتعرق.

قال: ويقال: " إذا سَقَيْتَ فَأحْنِذْ" ، يعني : أخْفِسْ، يريد: أقلَّ الماء، وأكثر النبيذ.

* * * وأما [أهل ] التأويل، فإنهم قالوا في معناه ما أنا ذاكره، وذلك ما:- 18297- حدثني به المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (بعجل حنيذ) ، يقول: نضيج 18298- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (بعجل حنيذ) قال: " بعجل " ، (32) حَسِيل البقر، ، و " الحنيذ " : المشوي النضيج.

18299- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) إلى (بعجل حنيذ) ، (33) قال: نضيج ، سُخِّن ، أنضج بالحجارة.

18300- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) ، و " الحنيذ ": النضيج.

18301- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (بعجل حنيذ) ، قال: نضيج.

قال: [وقال الكلبي]: و " الحنيذ ": الذي يُحْنَذُ في الأرض.

(34) 18302- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر في قوله: (فجاء بعجل حنيذ) ، قال: " الحنيذ ": الذي يقطر ماء ، وقد شوى ، وقال حفص: " الحنيذ ": مثل حِنَاذ الخيل.

18303- حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال: ذبحه ثم شواه في الرَّضْف ، (35) فهو " الحنيذ " حين شواه.

18304- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو يزيد، عن يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية: (فجاء بعجل حنيذ) ، قال: المشويّ الذي يقطر.

18305- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا هشام قال ، حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، قال: " الحنيذ " الذي يقطر ماؤه وقد شُوِي.

18306- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: (بعجل حنيذ) ، قال: نضيج.

18307- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (بعجل حنيذ) ، الذي أنضج بالحجارة.

18308- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان: (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) ، قال: مشويّ.

18309- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد، أنه سمع وهب بن منبه يقول: " حينذ "، يعني: شُوِي.

18310- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، " الحِناذ ": الإنضاج.

(36) * * * قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عن أهل العربية وأهل التفسير متقارباتُ المعاني بعضها من بعض.

* * * وموضع " أن " في قوله: (أن جاء بعجل حنيذ) نصبٌ بقوله: (فما لبث أن جاء).

------------------------- الهوامش : (26) انظر تفسير " البشرى " فيما سلف من فهارس اللغة ( بشر ) .

(27) لم أعرف قائله .

والذي أنشده الفراء في تفسير هذه الآية بيت آخر غير هذا البيت ، شاهدًا على حذف " عليكم " ، وهو قوله : فَقُلْنَـا : السَّـلامُ , فـاتَّقَتْ مِنْ أَمِيرَها وَمَــا كَـانَ إلاَّ وَمْؤُهـا بـالحواجِبِ وأما هذا البيت الذي هنا ، فقد ذكره صاحب اللسان في مادة ( كلل ) ، عن ابن الأعرابي ، فلعل الفراء أنشده في مكان آخر .

(28) اللسان ( كلل ) ، يقال : " انكل السحاب عن البرق ، واكتل " ، أي : لمع به ، و" اللوائح " التي لاح برقها ، أي لمع وظهر .

(29) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن .

(30) هو العجاج .

(31) ديوانه 9 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 292 ، واللسان ( حنذ ) ، و ( هرج ) ، من رجزه المشهور ، وهذا البيت من أبيات يصف حمار الوحش وأتنه ، لما جاء الصيف ، وخرج بهن يطلب الماء البعيد فقال : حَـتَّى إِذَا مَـا الصَّيْـفُ كَـانَ أَمَجَـا وَفَرَعَــا مِــنْ رَعْـىِ مَـا تَلَزَّجَـا ورَهِبَــا مِــنْ حَــنْذِهِ أَنْ يَهْرَجَـا تَذَكَّـــرَا عَيْنًـــا رِوًى وَفَلَجَــا و" الأمج " شدة الحر والعطش ، يأخذ بالنفس .

و" تلزج الكلأ " تتبعه ، و" الحنذ " ، شدة الحر وإحراقه .

و" هرج البعير " تحير وسدر من شدة الحر .

(32) " الحسيل " ( بفتح الحاء وكسر السين ) : ولد البقرة .

(33) كان في المطبوعة والمخطوطة هنا " ولما جاءت رسلنا " ، وهو سهو من الناسخ ، وحق التلاوة ما أثبت .

وكذلك جاء سهوًا منه في نص الآية التي يفسرها أبو جعفر ، وصححتها ، ولم أشر إليه هناك .

(34) الذي بين القوسين ليس في المخطوطة ، وقد تركته على حاله ، وإن كنت أشك فيه ، وأرجح أنه زيادة من ناسخ آخر ، بعد ناسخ مخطوطتنا .

(35) " الرضف " ( بفتح فسكون ) الحجارة المحماة على النار .

و " شواء مرضوف " ، مشوي على الرضفة .

(36) الأثر : 18310 - من خبر الطويل ، رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 127 .

وفيه " التحناذ " ، وكلاهما مما يزاد على معاجم اللغة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذقوله تعالى : ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى هذه قصة لوط - عليه السلام - ; وهو ابن عم إبراهيم - عليه السلام - لحا ، وكانت قرى لوط بنواحي الشام ، وإبراهيم ببلاد فلسطين ، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم ونزلوا عنده ، وكان كل من نزل عنده يحسن قراه ، وكانوا مروا ببشارة إبراهيم ، فظنهم أضيافا .

( وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل - عليهم السلام - ) ; قاله ابن عباس .

الضحاك : كانوا تسعة .

السدي : أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الحسان الوجوه ، ذو وضاءة وجمال بارع .

بالبشرى قيل : بالولد .

وقيل : بإهلاك قوم لوط .

وقيل : بشروه بأنهم رسل الله - عز وجل - وأنه لا خوف عليه .قالوا سلاما نصب بوقوع الفعل عليه ; كما تقول : قالوا خيرا .

وهذا اختيار الطبري .

وأما قوله : سيقولون ثلاثة فالثلاثة اسم غير قول مقول .

ولو رفعا جميعا أو نصبا جميعا قالوا سلاما قال سلام جاز في العربية .

قيل : انتصب على المصدر .

وقيل : قالوا سلاما أي فاتحوه بصواب من القول .

كما قال : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما أي صوابا ; فسلاما معنى قولهم لا لفظه ; قال معناه ابن العربي واختاره .

قال : ألا ترى أن الله تعالى لما أراد ذكر اللفظ قاله بعينه فقال مخبرا عن الملائكة : سلام عليكم بما صبرتم سلام عليكم طبتم [ ص: 57 ] وقيل : دعوا له ; والمعنى سلمت سلاما .قال سلام في رفعه وجهان :أحدهما : على إضمار مبتدأ أي هو سلام ، وأمري سلام .والآخر : بمعنى سلام عليكم إذا جعل بمعنى التحية ; فأضمر الخبر .

وجاز سلام على التنكير لكثرة استعماله ، فحذف الألف واللام كما حذفت من لاهم في قولك اللهم .

وقرئ " سلم " قال الفراء : السلم والسلام بمعنى ; مثل الحل والحلال .قوله تعالى : فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فيه :الأولى : فما لبث أن جاء أن بمعنى حتى ، قاله كبراء النحويين ; حكاه ابن العربي .

التقدير : فما لبث حتى جاء .

وقيل : أن في موضع نصب بسقوط حرف الجر ; التقدير : فما لبث عن أن جاء ; أي ما أبطأ عن مجيئه بعجل ; فلما حذف حرف الجر بقي أن في محل النصب .

وفي لبث ضمير اسم إبراهيم .

وما نافية ; قاله سيبويه .

وقال الفراء : فما لبث مجيئه ; أي ما أبطأ مجيئه ; فأن في موضع رفع ، ولا ضمير في لبث ، و " ما " نافية ; ويصح أن تكون ما بمعنى الذي ، وفي لبث ضمير إبراهيم و " أن جاء " خبر " ما " أي فالذي لبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ .

و " حنيذ " مشوي .

وقيل : هو المشوي بحر الحجارة من غير أن تمسه النار .

يقال : حنذت الشاة أحنذها حنذا أي شويتها ، وجعلت فوقها حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ .

وحنذت الفرس أحنذه حنذا ، وهو أن تحضره شوطا أو شوطين ثم تظاهر عليه الجلال في الشمس ليعرق ، فهو محنوذ وحنيذ ; فإن لم يعرق قيل : كبا .

وحنذ موضع قريب من المدينة .

وقيل : الحنيذ السميط .

ابن عباس وغيره : ( حنيذ نضيج .

وحنيذ بمعنى محنوذ ) ; وإنما جاء بعجل لأن البقر كانت أكثر أمواله .الثانية : في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه ، فيقدم الموجود الميسر في الحال ، ثم يتبعه بغيره إن كان له جدة ، ولا يتكلف ما يضر به .

والضيافة من مكارم الأخلاق ، ومن آداب الإسلام ، ومن خلق النبيين والصالحين .

وإبراهيم أول من أضاف على ما تقدم في " البقرة " وليست بواجبة عند عامة أهل العلم ; لقوله - صلى الله عليه وسلم - الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة فما كان وراء ذلك فهو صدقة .

والجائزة العطية والصلة التي أصلها على الندب .[ ص: 58 ] وقال - صلى الله عليه وسلم - : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه .

وإكرام الجار ليس بواجب إجماعا ، فالضيافة مثله .

والله أعلم .

وذهب الليث إلى وجوبها تمسكا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ليلة الضيف حق إلى غير ذلك من الأحاديث .

وفيما أشرنا إليه كفاية ، والله الموفق للهداية .

قال ابن العربي : وقد قال قوم : إن وجوب الضيافة كان في صدر الإسلام ثم نسخ ، وهذا ضعيف ; فإن الوجوب لم يثبت ، والناسخ لم يرد ; وذكر حديث أبي سعيد الخدري خرجه الأئمة ، وفيه : ( فاستضفناهم فأبوا أن يضيفونا فلدغ سيد ذلك الحي ) الحديث .

وقال : هذا ظاهر في أن الضيافة لو كانت حقا للام النبي - صلى الله عليه وسلم - القوم الذين أبوا ، ولبين لهم ذلك .الثالثة : اختلف العلماء فيمن يخاطب بها ; فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية .

وقال مالك : ليس على أهل الحضر ضيافة .

قال سحنون : إنما الضيافة على أهل القرى ، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر ، حكى اللغتين صاحب العين وغيره .

واحتجوا بحديث ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر .

وهذا حديث لا يصح ، وإبراهيم ابن أخي عبد الرزاق متروك الحديث منسوب إلى الكذب ، وهذا مما انفرد به ، ونسب إلى وضعه ; قال أبو عمر بن عبد البر .

قال ابن العربي : الضيافة - حقيقة - فرض على الكفاية ، ومن الناس من قال : إنها واجبة في القرى حيث لا طعام ولا مأوى ، بخلاف الحواضر فإنها مشحونة بالمأواة والأقوات ; ولا شك أن الضيف كريم ، والضيافة كرامة ; فإن كان غريبا فهي فريضة .الرابعة : قال ابن العربي قال بعض علمائنا : كانت ضيافة إبراهيم قليلة فشكرها الحبيب من الحبيب ، وهذا حكم بالظن في موضع القطع ، وبالقياس في موضع النقل ; من أين علم أنه قليل ؟

!

بل قد نقل المفسرون أن الملائكة كانوا ثلاثة ; جبريل وميكائيل وإسرافيل - صلى الله عليهم وسلم - وعجل لثلاثة عظيم ; فما هذا التفسير لكتاب الله بالرأي !

هذا بأمانة الله هو التفسير المذموم فاجتنبوه فقد علمتموه .[ ص: 59 ] الخامسة : السنة إذا قدم للضيف الطعام أن يبادر المقدم إليه بالأكل ; فإن كرامة الضيف تعجيل التقديم ; وكرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول ; فلما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم ; لأنهم خرجوا عن العادة ، وخالفوا السنة ، وخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه .

وروي أنهم كانوا ينكتون بقداح كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إلى اللحم ، فلما رأى ذلك منهم نكرهم وأوجس منهم خيفة أي أضمر .

وقيل : أحس ; والوجوس الدخول ; قال الشاعر :جاء البريد بقرطاس يخب به فأوجس القلب من قرطاسه جزعاخيفة خوفا ; أي فزعا .

وكانوا إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شرا ; فقالت الملائكة لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوطالسادسة : من أدب الطعام أن لصاحب الضيف أن ينظر في ضيفه هل يأكل أم لا ؟

وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر .

روي أن أعرابيا أكل مع سليمان بن عبد الملك ، فرأى سليمان في لقمة الأعرابي شعرة فقال له : أزل الشعرة عن لقمتك ؟

فقال له : أتنظر إلي نظر من يرى الشعرة في لقمتي ؟

!

والله لا أكلت معك .قلت : وقد ذكر أن هذه الحكاية إنما كانت مع هشام بن عبد الملك لا مع سليمان ، وأن الأعرابي خرج من عنده وهو يقول :وللموت خير من زيارة باخل يلاحظ أطراف الأكيل على عمد

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا } من الملائكة الكرام، رسولنا { إِبْرَاهِيمَ } الخليل { بِالْبُشْرَى } أي: بالبشارة بالولد، حين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وأمرهم أن يمروا على إبراهيم، فيبشروه بإسحاق، فلما دخلوا عليه { قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ } أي: سلموا عليه، ورد عليهم السلام.

ففي هذا مشروعية السلام، وأنه لم يزل من ملة إبراهيم عليه السلام، وأن السلام قبل الكلام، وأنه ينبغي أن يكون الرد، أبلغ من الابتداء, لأن سلامهم بالجملة الفعلية، الدالة على التجدد، ورده بالجملة الاسمية، الدالة على الثبوت والاستمرار، وبينهما فرق كبير كما هو معلوم في علم العربية.

{ فَمَا لَبِثَ } إبراهيم لما دخلوا عليه { أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } أي: بادر لبيته، فاستحضر لأضيافه عجلا مشويا على الرضف سمينا، فقربه إليهم فقال: ألا تأكلون؟.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ) أراد بالرسل الملائكة .

واختلفوا في عددهم ، فقال ابن عباس وعطاء : كانوا ثلاثة جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل .

وقال الضحاك : كانوا تسعة .

وقال مقاتل : كانوا اثني عشر ملكا .

وقال محمد بن كعب : كان جبريل ومعه سبعة .

وقال السدي : كانوا أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الوضاء وجوههم .

( بالبشرى ) بالبشارة بإسحاق ويعقوب .

وقيل : بإهلاك قوم لوط .

( قالوا سلاما ) أي : سلموا سلاما ، ( قال ) إبراهيم ( سلام ) أي : عليكم سلام : وقيل : هو رفع على الحكاية ، كقوله تعالى : " وقولوا حطة " [ البقرة 85 والأعراف 161 ] ، وقرأ حمزة والكسائي " سلم " هاهنا وفي سورة الذاريات بكسر السين بلا ألف .

قيل : هو بمعنى السلام .

كما يقال : حل وحلال ، وحرم وحرام .

وقيل : هو بمعنى الصلح ، أي : نحن سلم أي صلح لكم غير حرب .

( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ) والحنيذ والمحنوذ : هو المشوي على الحجارة في خد من الأرض ، وكان سمينا يسيل دسما ، كما قال في موضع آخر : " فجاء بعجل سمين " ( الذاريات - 26 ) : قال قتادة : كان عامة مال إبراهيم البقر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى» بإسحاق ويعقوب بعده «قالوا سلاما» مصدر «قال سلام» عليكم «فما لبث أن جاء بعجل حنيذِ» مشوي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد جاءت الملائكة إبراهيم يبشرونه هو وزوجته بإسحاق، ويعقوبَ بعده، فقالوا: سلامًا، قال ردًّا على تحيتهم: سلام، فذهب سريعًا وجاءهم بعجل سمين مشويٍّ ليأكلوا منه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساقت السورة الكريمة جانباً من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة ، الذين جاءوه بالبشارة ، فقال - تعالى - :( وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ .

.

.

) .هذه قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه إسحاق ، وبإخباره بإهلاك قوم لوط - عليه السلام - .وقد ودرت هذه القصة فى سور أخرى منها سورة الحجر فى قوله - تعالى - : ( وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ .

إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ .

.

.

) ومنها سورة الذاريات فى قوله - تعالى - ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين .

إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ .

.

.

) والمراد بالرسل فى قوله - تعالى - ( وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى ) جماعة من الملائكة الذين أرسلهم الله - تعالى - لتبشير إبراهيم بابنه إسحاق .وقد اختلفت الروايات فى عددهم فعن ابن عباس أنهم ثلاثة وهم : جبريل وميكائيل وإسرافيل ، وعن الضحاك أنهم كانوا تسعة ، وعن السدى أنهم كانوا أحد عشر ملكاً .

.والحق أنه لم يرد فى عددهم نقل صحيح يعتمد عليه ، فلنفوض معرفة عددهم إلى الله - تعالى - .والبشرى : اسم للتبشير والبشارة وهى الخبر السار ، فهى أخص من الخبر ، وسميت بذلك لأن آثارها تظهر على بشرة الوجه أى : جلده .وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التأكيد للاهتمام بمضمونها ، وللرد على مشركى قريش وغيرهم ممن كان ينكر هذه القصة وأمثالها .والباء فى قوله - سبحانه - ( بالبشرى ) للمصاحبة والملابسة ، أى : جاءوا مصاحبين وملتبسين بالبشرى .وقوله : ( قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ ) حكاية لتحيتهم له ولرده عليهم .( وسلاما ) منصوب بفعل محذوف .

أى قالوا نسلم عليك سلاما .( وسلام ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف .

أى قال أمرى سلام .وقرأ حمزة والكسائى : قال سلم وهو اسم للمسألمة .ثم بين - سبحانه - ما فعل إبراهيم مع هؤلاء الرسل من مظاهر الحفاوة والتكريم فقال : ( فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) .و " ما " فى قوله ( فَمَا لَبِثَ ) نافية ، والفاء للتعقيب ، واللبث فى المكان معناه : عدم الانتقال عنه .

والعجل : الصغير من البقر .أى : فما أبطأ وما تأخر إبراهيم - عليه السلام - عن إكرامهم ، بل بمجرد أن انتهى من رد التحية عليهم ، أسرع إلى أهله فجاءهم بعجل حنيذ .

.

.وهذا الفعل منه - عليه السلام - يدل على سعة جوده ، وعظيم سخائه ، فإن من آداب الضيافة ، تعجيل القرى للضيف .قال أبو حيان : والأقرب فى إعراب ( فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ .

.

.

) أن تكون ( ما ) نافية ، ولبث معناه تأخر وأبطأ و ( أَن جَآءَ ) فاعل لبث والتقدير؛ فما تأخر مجيئه .

.ويجوز أن يكون فاعل لبث ضمير إبراهيم ، وأن جاء على إسقاط حرف الجر ، أى فما تأخر فى أن جاء بعجل حينذ .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال النحويون: دخلت كلمة قد هاهنا لأن السامع لقصص الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة، وقد للتوقع، ودخت اللام في لقد لتأكيد الخبر، ولفظ ﴿ رُسُلُنَا ﴾ جمع وأقله ثلاثة فهذا يفيد القطع بحصول ثلاثة، وأما الزائد على هذا العدد فلا سبيل إلى إثباته إلا بدليل آخر، وأجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام، ثم اختلفت الروايات فقيل: أتاه جبريل عليه السلام ومعه اثنا عشر ملكاً على صورة الغلمان الذين يكونون في غاية الحسن وقال الضحاك كانوا تسعة.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام، وهم الذين ذكرهم الله في سورة والذاريات في قوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبراهيم  ﴾ وفي الحجر ﴿ وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بالبشرى على وجهين: الأول: أن المراد ما بشره الله بعد ذلك بقوله: ﴿ فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ ﴾ الثاني: أن المراد منه أنه بشر إبراهيم عليه السلام بسلامة لوط وبإهلاك قومه.

وأما قوله: ﴿ قَالُواْ سلاما قَالَ سلام ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكساني ﴿ قَالُواْ سلام قَالَ سلام ﴾ بكسر السين وسكون اللام بغير ألف، وفي والذاريات مثله.

قال الفراء: لا فرق بين القراءتين كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام لأن في التفسير أنهم لما جاؤا سلموا عليه.

قال أبو علي الفارسي: ويحتمل أن يكون سلم خلاف العدو والحرب كأنهم لما امتنعوا من تناول ما قدمه إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قال إنا سلم ولست بحرب ولا عدو فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يمتنع من تناول طعام العدو، وهذا الوجه عندي بعيد، لأن على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلم إبراهيم عليه السلام بهذا اللفظ بعد إحضار الطعام، إلا أن القرآن يدل على أن هذا الكلام إنما وجد قبل إحضار الطعام لأنه تعالى قال: ﴿ قَالُواْ سلاما قَالَ سلام فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ والفاء للتعقيب، فدل ذلك على أن مجيئه بذلك العجل الحنيذ كان بعد ذكر السلام.

المسألة الثانية: قالوا سلاماً تقديره: سلمنا عليك سلاماً قال سلام تقديره: أمري سلام، أي لست مريداً غير السلامة والصلح.

قال الواحدي: ويحتمل أن يكون المراد: سلام عليكم، فجاء به مرفوعاً حكاية لقوله كما قال: وحذف عنه الخبر كما حذف من قوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ  ﴾ وإنما يحسن هذا الحذف إذا كان المقصود معلوماً بعد الحذف، وهاهنا المقصود معلوم فلا جرم حسن الحذف، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام  ﴾ على حذف الخبر.

واعلم أنه إنما سلم بعضهم على بعض، رعاية للإذن المذكور في قوله تعالى: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا ﴾ .

المسألة الثالثة: أكثر ما يستعمل ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ بغير ألف ولام، وذلك لأنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم: خير بين يديك.

فإن قيل: كيف جاز جعل النكرة مبتدأ؟

قلنا: النكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ، فإذا قلت سلام عليكم: فالتنكير في هذا الموضع يدل على التمام والكمال، فكأنه قيل: سلام كامل تام عليكم، ونظيره قولنا: سلام عليك، وقوله تعالى: ﴿ قَالَ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي  ﴾ وقوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ ﴿ سلام على نُوحٍ فِي العالمين  ﴾ ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ فأما قوله تعالى: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى  ﴾ فهذا أيضاً جائز، والمراد منه الماهية والحقيقة.

وأقول: قوله: ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ أكمل من قوله: السلام عليكم، لأن التنكير في قوله: ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ يفيد الكمال والمبالغة والتمام.

وأما لفظ السلام: فإنه لا يفيد إلا الماهية.

قال الأخفش: من العرب من يقول: سلام عليكم فيعرى قوله: سلام عن الألف واللام والتنوين، والسبب في ذلك كثرة الاستعمال أباح هذا التخفيف، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك، ثم جاءه الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم، فعجل وجاء بعجل حنيذ، فقوله: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ معناه: فما لبت في المجيء به بل عجل فيه، أو التقدير: فما لبث مجيئه والعجل ولد البقرة.

أما الحنيذ: فهو الذي يشوى في حفرة من الأرض بالحجارة المحماة، وهو من فعل أهل البادية معروف، وهو محنوذ في الأصل كما قيل: طبيخ ومطبوخ، وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسمه.

يقال: حنذت الفرس إذا ألقيت عليه الجل حتى تقطر عرقاً.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ ﴾ أي إلى العجل، وقال الفراء: إلى الطعام، وهو ذلك العجل ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ أي أنكرهم.

يقال: نكره وأنكره واستنكره.

واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها، وهو كان مشغوفاً بالضيافة.

وأما إبراهيم عليه السلام.

فنقول: إما أن يقال: إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة، بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر، أو يقال: إنه كان عالماً بأنهم من الملائكة.

أما على الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران: أحدهما: أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروهاً.

وثانيها: أن من لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام فإن أكل حصل الأمن وإن لم يأكل حصل الخوف.

وأما الاحتمال الثاني: وهو أنه عرف أنهم ملائكة الله تعالى، فسبب خوفه على هذا التقدير أيضاً أمران: أحدها: أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه: والثاني: أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه.

فإن قيل: فأي هذين الاحتمالين أقرب وأظهر؟

قلنا: أما الذي يقول إنه ما عرف أنهم ملائكة الله تعالى فله أن يحتج بأمور: أحدها: أنه تسارع إلى إحضار الطعام، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك.

وثانيها: أنه لما رآهم ممتنعين من الأكل خافهم، ولو عرف كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول الشر.

وثالثها: أنه رآهم في أول الأمر في صورة البشر، وذلك لا يدل على كونهم من الملائكة.

وأما الذي يقول: إنه عرف ذلك احتج بقوله: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف بأي سبب أرسلوا، ثم بين تعالى أن الملائكة أزالوا ذلك الخوف عنه فقالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ومعناه: أرسلنا بالعذاب إلى قوم لوط، لأنه أضمر لقيام الدليل عليه في سورة أخرى، وهو قوله: ﴿ قَالُوٓا إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وامرأته قَائِمَةٌ ﴾ يعني سارة بنت آزر بن باحورا بنت عم إبراهيم عليه السلام، وقوله: ﴿ قَائِمَةً ﴾ قيل: كانت قائمة من وراء الستر تستمع إلى الرسل، لأنها ربما خافت أيضاً.

وقيل: كانت قائمة تخدم الأضياف وإبراهيم عليه السلام جالس معهم، ويأكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود ﴿ وامرأته قَائِمَةٌ ﴾ وهو قاعد.

ثم قال تعالى: ﴿ فَضَحِكَتْ فبشرناها بإسحاق ﴾ واختلفوا في الضحك على قولين: منهم من حمله على نفس الضحك، ومنهم من حمل هذا اللفظ على معنى آخر سوى الضحك.

أما الذين حملوه على نفس الضحك فاختلفوا في أنها لم ضحكت، وذكروا وجوهاً: الأول: قال القاضي إن ذلك السبب لابد وأن يكون سبباً جرى ذكره في هذه الآية، وما ذاك إلا أنها فرحت بزوال ذلك الخوف عن إبراهيم عليه السلام حيث قالت الملائكة: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ وعظم سرورها بسبب سروره بزوال خوفه، وفي مثل هذه الحالة قد يضحك الإنسان، وبالجملة فقد كان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ فكان كالبشارة، فقيل لها: نجعل هذه البشارة بشارتين، فكما حصلت البشارة بزوال الخوف، فقد حصلت البشارة أيضاً بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أول العمر إلى هذا الوقت وهذا تأويل في غاية الحسن.

الثاني: يحتمل أنها كانت عظيمة الإنكار على قوم لوط لما كانوا عليه من الكفر والعمل الخبيث، فلما أظهروا أنهم جاؤا لإهلاكهم لحقها السرور فضحكت.

الثالث: قال السدي قال إبراهيم عليه السلام لهم: ﴿ أَلا تَأْكُلُونَ ﴾ قالوا: لا نأكل طعاماً إلا بالثمن، فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله تعالى على أوله وتحمدوه على آخره، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام: حق لمثل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً فضحكت امرأته فرحاً منها بهذا الكلام.

الرابع: أن سارة قالت لإبراهيم عليه السلام أرسل إلى ابن أخيك وضمه إلى نفسك، فإن الله تعالى لا يترك قومه حتى يعذبهم، فعند تمام هذا الكلام دخل الملائكة على إبراهيم عليه السلام، فلما أخبروه بأنهم إنما جاؤا لإهلاك قوم لوط صار قولهم موافقاً لقولها، فضحكت لشدة سرورها بحصول الموافقة بين كلامها وبين كلام الملائكة.

الخامس: أن الملائكة لما أخبروا إبراهيم عليه السلام أنهم من الملائكة لا من البشر وأنهم إنما جاؤا لإهلاك قوم لوط طلب إبراهيم عليه السلام منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي من الموضع الذي كان موضوعاً فيه إلى مرعاه، وكانت امرأة إبراهيم عليه السلام قائمة فضحكت لما رأت ذلك العجل المشوي قد طفر من موضعه.

السادس: أنها ضحكت تعجباً من أن قوماً أتاهم العذاب وهم في غفلة.

السابع: لا يبعد أن يقال إنهم بشروها بحصول مطلق الولد فضحكت، إما على سبيل التعجب فإنه يقال إنها كانت في ذلك الوقت بنت بضع وتسعين سنة وإبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة، وإما على سبيل السرور.

ثم لما ضحكت بشرها الله تعالى بأن ذلك الولد هو إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.

الثامن: أنها ضحكت بسبب أنها تعجبت من خوف إبراهيم عليه السلام من ثلاث أنفس حال ما كان معه حشمه وخدمه.

التاسع: أن هذا على التقديم والتأخير والتقدير: وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق فضحكت سروراً بسبب تلك البشارة فقدم الضحك، ومعناه التأخير.

الثاني: هو أن يكون معنى فضحكت حاضت وهو منقول عن مجاهد وعكرمة قالا: ضحكت أي حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف، فلما ظهر حيضها بشرت بحصول الولد، وأنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت، قال أبو بكر الأنباري هذه اللغة إن لم يعرفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم، حكى الليث في هذه الآية ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ طمثت، وحكى الأزهري عن بعضهم أن أصله من ضحاك الطلعة يقال ضحكت الطلعة إذا انشقت.

واعلم أن هذه الوجوه كلها زوائد.

وإنما الوجه الصحيح هو الأول.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بالنصب والباقون بالرفع أما وجه النصب، فهو أن يكون التقدير: بشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب، وأما وجه الرفع فهو أن يكون التقدير: ومن وراء إسحاق يعقوب مولود أو موجود.

المسألة الثانية: في لفظ وراء قولان: الأول: وهو قول الأكثرين أن معناه بعد أي بعد إسحاق يعقوب وهذا هو الوجه الظاهر.

والثاني: أن الوراء ولد الولد، عن الشعبي أنه قيل له هذا ابنك، فقال نعم من الوراء، وكان ولد ولده، وهذا الوجه عندي شديد التعسف، واللفظ كأنه ينبو عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَرْسَلْنَا ﴾ يريد الملائكة.

عن ابن عباس: جاءه جبريل عليه السلام وملكان معه.

وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل.

وقيل: كانوا تسعة.

وعن السدي: أحد عشر ﴿ بالبشرى ﴾ هي البشارة بالولد، وقيل: بهلاك قوم لوط، والظاهر الولد ﴿ سلاما ﴾ سلمنا عليك سلاماً ﴿ سلاما ﴾ أمركم سلام.

وقرئ: ﴿ فقالوا سلما قال سلم ﴾ بمعنى السلام.

وقيل: سلم وسلام، كحرم وحرام، وأنشد: مَرَرْنَا فَقُلْنَا إيِه سِلْمٌ فَسَلَّمَت ** كَمَا اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الْغَمَامُ اللَّوَائِحُ ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء ﴾ فما لبث في المجيء به، بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه.

والعجل: ولد البقرة، ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة، وكان مال إبراهيم عليه الصلاة والسلام البقر ﴿ حنيذ ﴾ مشويّ بالرضف في أخدود.

وقيل ﴿ حَنِيذٍ ﴾ يقطر دسمه، من حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى تقطر عرقاً، ويدل عليه ﴿ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ [الذاريات: 26] .

يقال: نكره وأنكره واستنكره، ومنكور قليل في كلامهم، وكذلك: أنا أنكرك، ولكن منكر ومستنكر، وأنكرك.

قال الأعشى: وَأَنْكَرَتْني وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَت ** مِنَ الْحَوَادِثِ إلاّ الشَّيْبَ والصَّلَعَا قيل: كان ينزل في طرف من الأرض فخاف أن يريدوا به مكروهاً.

وقيل: كانت عادتهم أنه إذامسّ من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه، والظاهر أنه أحسّ بأنهم ملائكة، ونكرهم لأنه تخوّف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه، ألا ترى إلى قولهم: ﴿ لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا ﴿ فَأَوْجَسَ ﴾ فأضمر.

وإنما قالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه.

أو عرفوه بتعريف الله.

أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف، لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته قَآئِمَةٌ ﴾ قيل: كانت قائمة وراء الستر تسمع تحاورهم.

وقيل: كانت قائمة على رؤسهم تخدمهم.

وفي مصحف عبد الله: وامرأته قائمة وهو قاعد ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ سروراً بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الخبائث.

أو كان ضحكها ضحك إنكار لغفلتهم وقد أظلهم العذاب.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم: اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، فضحكت سروراً لما أتى الأمر على ما توهمت.

وقيل ضحكت فحاضت.

وقرأ محمد بن زياد الأعرابي ﴿ فضحكت ﴾ بفتح الحاء ﴿ يَعْقُوبَ ﴾ رفع بالابتداء، كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب مولود أو موجود، أي من بعده.

وقيل الوراء: ولد الولد.

وعن الشعبي أنه قيل له: أهذا ابنك؟

فقال نعم، من الوراء، وكان ولد ولده.

وقرئ: ﴿ يعقوب ﴾ بالنصب، كأنه قيل.

ووهبنا لها إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله: ......

لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ** وَلاَ نَاعِبٍ............

الألف في ﴿ يا ويلتا ﴾ مبدلة من ياء الإضافة، وكذلك في (يالهفاً) و (ياعجباً) وقرأ الحسن: ﴿ يا ويلتي ﴾ بالياء على الأصل.

و ﴿ شَيْخًا ﴾ نصب بما دلّ عليه اسم الإشارة.

وقرئ: ﴿ شيخ ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا بعلي هو شيخ.

أو بعلي: بدل من المبتدأ، وشيخ: خبر، أو يكونان معاً خبرين.

قيل: بشرت ولها ثمان وتسعون سنة، ولإبراهيم مائة وعشرون سنة ﴿ إِنَّ هذا لَشَيْء عَجِيبٌ ﴾ أن يولد ولد من هرمين، وهو استبعاد من حيث العادة التي أجراها الله.

وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها ف ﴿ قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهي النساء الناشئآت في غير بيوت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم: ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوّة، فليست بمكان عجب.

وأمر الله: قدرته وحكمته: وقوله: ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإنّ أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم.

وقيل: الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بني إسرائيل، لأنّ الأنبياء منهم، وكلهم من ولد إبراهيم ﴿ حَمِيدٌ ﴾ فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ﴿ مَّجِيدٌ ﴾ كريم كثير الإحسان إليهم.

وأهل البيت: نصب على النداء أو على الاختصاص لأن ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ مدح لهم؛ إذ المراد: أهل بيت خليل الرحمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، قِيلَ: كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ ثَلاثَةٌ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.

﴿ بِالبُشْرى ﴾ بِبِشارَةِ الوَلَدِ.

وقِيلَ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ.

﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِـ ﴿ قالُوا ﴾ عَلى مَعْنى ذَكَرُوا سَلامًا.

﴿ قالَ سَلامٌ ﴾ أيْ أمْرُكم أوْ جَوابِي سَلامٌ أوْ وعَلَيْكم سَلامٌ، رَفَعَهُ إجابَةً بِأحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « سَلَّمَ» وكَذَلِكَ في « الذّارِياتِ» وهُما لُغَتانِ كَحَرَّمَ وحَرامٍ وقِيلَ المُرادُ بِهِ الصُّلْحُ.

﴿ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ فَما أبْطَأ مَجِيئُهُ بِهِ، أوْ فَما أبْطَأ في المَجِيءِ بِهِ، أوْ فَما تَأخَّرَ عَنْهُ والجارُّ في ﴿ أنْ ﴾ مُقَدَّرٌ أوْ مَحْذُوفٌ والحَنِيذُ المَشْوِيُّ بِالرَّضْفِ.

وقِيلَ الَّذِي يَقْطُرُ ودَكُهُ مِن حَنَذْتُ الفَرَسَ إذا عَرَّفْتُهُ بِالجَلالِ لِقَوْلِهِ: ﴿ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا} جبريل وميكائيل وإسرافيل أو جبريل مع أحد عشر ملكاً {إبراهيم بالبشرى} هي البشارة بالولد أو بهلاك قوم لوط والأول أظهر {قَالُواْ سَلاَماً} سلمنا عليك سلاماً {قَالَ سلام} أمركم سلام سِلم حمزة وعلي بمعنى السلام {فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ} فما لبث فى المجئ به بل عجل فيه أو فما لبث مجيئه والعجل ولد البقرة وكان مال إبراهيم البقر {حنيذ} مشوى بالحجارة المحماة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا.

وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ عَلى صُورَةِ الغِلْمانِ في غايَةِ الحُسْنِ والبَهْجَةِ، وحَكى صاحِبُ الفَيْنانِ أنَّهم عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ، وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهم أرْبَعَةٌ ولَمْ يُسَمِّهِمْ.

وجاءَ في رِوايَةٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهم جِبْرِيلُ، وإسْرافِيلُ.

ومِيكائِيلُ، ورَفائِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم ثَلاثَةٌ الأوَّلُونَ فَقَطْ، وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرائِيلُ.

ومِيكائِيلُ.

ومَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واخْتارَ بَعْضُهم الِاقْتِصارَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهم ثَلاثَةٌ لِأنَّ ذَلِكَ أقَلُّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَمْعُ ولَيْسَ هُناكَ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في الزّائِدِ، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِمُ المَجِيءُ دُونَ الإرْسالِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إلى قَوْمِ لُوطٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ وإنَّما جاءُوهُ لِداعِيَةِ البُشْرى، قِيلَ: ولَمّا كانَ المَقْصُودُ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ذِكْرَ صَنِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ الرُّسُلِ المُرْسَلَةِ إلَيْهِمْ ولُحُوقَ العَذابِ بِهِمْ ولَمْ يَكُنْ جَمِيعُ قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن لَحِقَ بِهِمُ العَذابُ، بَلْ إنَّما لَحِقَ بِقَوْمِ لُوطٍ مِنهم خاصَّةً غَيْرَ الأُسْلُوبِ المُطَّرِدِ فِيما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وإلى عادٍ أخُاهم هُودًا )، ( وإلى ثَمُودَ أخُاهم صالِحًا ) ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ حَيْثُ قِيلَ: ( وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا ) والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: (بِالبُشْرى) لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِالبُشْرى، والمُرادُ بِها قِيلَ: مُطْلَقُ البِشارَةِ المُنْتَظِمَةِ بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ مِن سارَّةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِلْبِشارَةِ بِعَدَمِ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى ﴾ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ المُجادَلَةِ عَلى مَجِيئِها، وكانَتِ البِشارَةُ الأُولى عَلى ما قِيلَ: مِن مِيكائِيلَ.

والثّانِيَةُ مِن إسْرافِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها البِشارَةُ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ هَلاكَ الظَّلَمَةِ مِن أجَلِّ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في شَأْنِهِمْ، واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّها البِشارَةُ بِالوَلَدِ، وهي المُرادَةُ بِالبُشْرى فِيما سَيَأْتِي، وسِرُّ تَفَرُّعِ المُجادَلَةِ عَلَيْها سَيُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلَّلَ في الكَشْفِ اسْتِظْهارَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالإطْلاقِ، ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في الذّارِياتِ: ﴿ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ ﴾ ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ ﴾ إلَخْ، وإنْ كانَ يُحْتَمَلُ أنَّ ثَمَّةَ بِشارَتَيْنِ فَيُحْمَلُ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى واحِدَةٍ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ انْتَهى، ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَظِنَّةً لِسُؤالِ السّامِعِ بِأنَّهم ما قالُوا: أُجِيبَ بِأنَّهم ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ أيْ سَلَّمْنا أوْ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ سَلامًا فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (قالُوا) عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِمَعْنى ما قالُوا لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسُّدِّيِّ، ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ حَقًّا وإخْلاصًا.

وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ -بِقالُوا- لِما فِيهِ مِن مَعْنى الذِّكْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَكَرُوا سَلامًا ﴿ قالَ سَلامٌ ﴾ أيْ عَلَيْكم سَلامٌ أوْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، والِابْتِداءُ بِنَكِرَةٍ مِثْلُهُ سائِغٌ كَما قَرَّرَ في النَّحْوِ، وقَدْ حَيّاهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِأحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ لِأنَّها بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ دالَّةٍ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ فَهي أبْلَغُ، وأصْلُ مَعْنى السَّلامِ السَّلامَةُ مِمّا يَضُرُّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ.

والكِسائِيُّ سِلْمٌ في الثّانِي بِدُونِ ألِفٍ مَعَ كَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ وهو عَلى ما قِيلَ: لُغَةٌ في (سَلامٍ) كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: مَرَرْنا فَقُلْنا: أيُّهُ (سِلْمٌ) فَسَلَّمْتُ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ، وُوجِّهَ بِأنَّهم لَمّا امْتَنَعُوا مِن تَناوُلِ طَعامِهِ وخافَ مِنهم قالَهُ أيْ أنا مُسالِمٌ لا مُحارِبٌ لِأنَّهم كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامَ مَن بَيْنَهم وبَيْنَهُ حَرْبٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ هَذا بَعْدَ تَقْدِيمِ الطَّعامِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَما لَبِثَ ﴾ إلَخْ صَرِيحٌ في خِلافِهِ، وذَكَرَ في الكَشّافِ أنَّ حَمْزَةَ.

والكِسائِيَّ قَرَآ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ في المَوْضِعَيْنِ وهو مُخالِفٌ لِلْمَنقُولِ في كُتُبِ القِراءاتِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ -قالَ سَلامًا- بِالنَّصْبِ كالأوَّلِ، وعَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالرَّفْعِ فِيهِما ﴿ فَما لَبِثَ ﴾ أيْ فَما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ أيْ في مَجِيئِهِ بِهِ أوْ عَنْ مَجِيئِهِ بِهِ (فَما) نافِيَةٌ وضَمِيرُ (لَبِثَ) لِإبْراهِيمَ، و( أنْ جاءَ ) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِالفِعْلِ وحَذْفِ الجارِّ قَبْلَ أنْ وأنْ مُطَّرِدٌ، وحَكى ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّ (أنْ) بِمَعْنى حَتّى، وقِيلَ: (أنْ) وما بَعْدَها فاعِلُ (لَبِثَ) أيْ فَما تَأخَّرَ مَجِيئُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.

وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ مُبْتَدَأٌ أوْ هي اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي كَذَلِكَ، و( أنْ جاءَ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ قَدْرَ وهو الخَبَرُ أيْ فَلَبِثَهُ أوِ الَّذِي لَبِثَهُ قَدَرَ مَجِيئِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرَةِ، ويُسَمّى الحَسِيلَ والخَبْشَ بِلُغَةِ أهْلِ السَّراةِ، والباءُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ أوِ المُلابَسَةِ، والحَنِيذُ السَّمِينُ الَّذِي يَقْطُرُ ودَكُهُ مِن حَنَذْتُ الفَرَسَ إذا عَرَّقْتَهُ بِالجَلالِ كَأنَّ ودَكَهُ كالجَلالِ عَلَيْهِ، أوْ كَأنَّ ما يَسِيلُ مِنهُ عَرَقُ الدّابَّةِ المُجَلَّلَةِ لِلْعَرَقِ، واقْتَصَرَ السُّدِّيُّ عَلى السَّمِينِ في تَفْسِيرِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)، ﴾ وقِيلَ: هو المَشْوِيُّ بِالرَّضْفِ في أُخْدُودٍ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَطْبُوخِ، وإنَّما جاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِجْلِ لِأنَّ مالَهُ كانَ البَقْرَ وهو أطْيَبُ ما فِيها، وكانَ مِن دَأْبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إكْرامُ الضَّيْفِ، ولِذا عَجَّلَ القِرى، وذَلِكَ مِن أدَبِ الضِّيافَةِ لِما فِيهِ مِن الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الضَّيْفِ، وفي مَجِيئِهِ بِالعِجْلِ كُلِّهِ مَعَ أنَّهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ يَكْفِيهِمْ بَعْضُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الأدَبِ أنْ يُحْضِرَ لِلضَّيْفِ أكْثَرَ مِمّا يَأْكُلُ، واخْتُلِفَ في هَذا العِجْلِ هَلْ كانَ مُهَيَّئًا قَبْلَ مَجِيئِهِمْ أوْ أنَّهُ هُيِّئَ بَعْدَ أنْ جاءُوا؟

قَوْلانِ اخْتارَ أبُو حَيّانَ أوَّلَهُما لِدَلالَةِ السُّرْعَةِ بِالإتْيانِ بِهِ عَلى ذَلِكَ، ويَخْتارُ الفَقِيرُ ثانِيَهُما لِأنَّهُ أزْيَدُ في العِنايَةِ وأبْلَغُ في الإكْرامِ، ولَيْسَتِ السُّرْعَةُ نَصًّا في الأوَّلِ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى يعني: ببشارة الولد.

وذلك أن مدينة يقال لها: سدوما، ويقال: سدوم، وكانت بلدة فيها من السعة والخير ما لم يكن في سائر البلدان، وكان الغرباء يحضرون من سائر البلدان في أيام الصيف، ويجمعون من فضل ثمارهم مما كان خارجاً من الكروم والحدائق.

فجاء إبليس عليه اللعنة، فشبه نفسه بغلام أمرد، وجعل يدخل كرومهم وحدائقهم ويراودهم إلى نفسه، حتى أظهر فيهم الفاحشة.

وجاء إلى نسائهم، وقال: إن الرجال قد استغنوا عنكن، فعلَّمَهُنَّ أن يستغنين عن الرجال، حتى استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء.

فأوحى الله تعالى إلى لوط ليدعوهم إلى الإيمان ويمتنعوا عن الفواحش، فلم يمتنعوا.

فبعث الله جبريل ومعه أحد عشر من الملائكة بإهلاكهم، فجاؤوا إلى إبراهيم كهيئة الغلمان، فدخلوا على إبراهيم، فنظر فرأى اثني عشر غلاماً أمرد، ويقال: كانوا ثلاثة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ويقال: كانوا أربعة، فسلموا عليه قالُوا سَلاماً قالَ إبراهيم سَلامٌ يعني: ردّ عليهم السلام.

قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ كلاهما سلام، إلا أن الأول صار نصباً، لوقوع الفعل عليه، والآخر رفعاً بالحكاية، ومعناه: قال: قولاً فيه سلام.

وقرأ حمزة والكسائي: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ بكسر السين، وسكون اللام، يعني: أمري سلم، ما أريد إلا السلامة.

فَما لَبِثَ يعني: فما مكث أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ قال السِّدِيّ: الحنيذ السمين، كما قال في آية أخرى: بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: 26] ويقال: حَنِيذٍ يعني: نضيج.

ويقال: المشوي الذي يقطر منه الودك.

وقال أهل اللغة بأجمعهم: الحنيذ، المشوي بغير تنور، وهو أن يتخذ له في الأرض حنذاً، فيلقى فيه.

قال مقاتل: إنما جاءهم بعجل، لأنه كان أكثر ماله البقر، فلما قربه إليهم ووضع بين أيديهم كفوا ولم يأكلوا، ولم يتناولوا منه.

قوله: فَلَمَّا رَأى إبراهيم أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ يعني: إلى الطعام ولم يمدّوا أيديهم إلى الطعام نَكِرَهُمْ يقول: أنكرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً يعني: وأضمر منهم خوفاً، حيث لم يأكلوا من طعامه، وظن أنهم لصوص.

وذلك أنه في ذلك الزمان إذا لم يأكل أحد من طعام إنسان، يخاف عليه غائلته، قالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ بهلاكهم.

وقال السدي: لما لم يأكلوا من الطعام، قال لهم إبراهيم  : ما لكم لا تأكلون طعامي؟

قالوا: إنا قوم لا نأكل طعاماً إلا بثمن.

فقال إبراهيم: إن لطعامي ثمناً، فأصيبوا منه.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: تذكرون اسم الله عليه في أوله، وتحمدونه في آخره.

فقال جبريل لميكائيل: حق لهذا أن يتخذه الله خليلاً.

قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ وفي الآية تقديم، يعني: بشرناها بإسحاق، فضحكت سروراً.

ويقال: ضحكت تعجباً من خوف إبراهيم ورعدته في حشمه وخدمه، ولم يخف ولم يرتعد من نمرود الجبار حين قذفه في النار، وهذا قول القتبي.

وقال عكرمه في قوله: فَضَحِكَتْ يعني: حاضت.

يقال: ضحكت الأرنب، إذا حاضت.

وغيره من المفسرين جعلها الضحك بعينه، وكذلك هو في التوراة.

قرأت فيها أنها حين بشرت بالغلام، ضحكت في نفسها، وقالت: من بعد ما بليت أعود شابة؟

وقال قتادة: ضحكت من أمر القوم وغفلتهم، وجبريل جاءهم بالعذاب، يعني: قوم لوط فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قال الشعبي: «الوراء، ولد الولد» .

وروى حبيب بن أبي ثابت، أن رجلاً دخل على ابن عباس ومعه ابن ابنه، فقال له: من هذا؟

فقال ابن ابني.

فقال: ابنك من وراء، فوجد الرجل في نفسه، فقرأ ابن عباس: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ وقال مقاتل: يعني: ومن بعد إسحاق يعقوب.

وقال أبو عبيدة: الوراء ولد الولد.

وقرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم في رواية حفص يعقوب، بنصب الباء، وقرأ الباقون بالضم.

فمن قرأ بالضم، فهو على معنى الابتداء، يعني: ويكون من وراء إسحاق، يَعْقُوبُ.

ومن قرأ بالنصب، فهو عطف على قوله: بِإِسْحاقَ فيكون في موضع خَفْضٌ، إلاّ أنّه لا ينصرف.

قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ يعني: عقيماً لم ألد قط، وقد كبرت في السن، وَهذا بَعْلِي شَيْخاً قال الكلبي: كانت سارة ابنة ثمان وتسعين سنة، وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة، أكبر منها بسنة.

وقال الضحاك: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وسارة بنت تسع وتسعين سنة، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ أي: لأمر عجيب قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: من قدرة الله رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ يعني: نعمته وسعادته عليكم، أَهْلَ الْبَيْتِ يعني: يا أهل البيت.

ويقال: أَتَعْجَبِينَ أي: ألا تعلمين أن رحمة لله وبركاته عليكم أن يستخرج الأنبياء كلهم من هذا البيت؟

وقال السدي: أخذ جبريل عوداً من الأرض يابساً، فدلكه بين أصبعيه، فإِذا هو شجرة تهتز، فعرفت أنه من الله تعالى.

ثم قال إِنَّهُ حَمِيدٌ في فعاله، ويقال: حميد لأعمالكم، مَجِيدٌ يعني: شريفا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال ص: قد تقرّر في أَرَأَيْتُمْ أنها بمعنى أخبروني.

انتهى.

وال تَخْسِيرٍ هو من الخسَارَةِ، وليس التخْسِيرُ في هذه الآية إِلا لهم، وفي حَيِّزِهم، وهذا كما تقولُ لمن تُوصِيهِ: أَنا أريدُ بكَ خَيْراً، وأَنْتَ تريدُ بي شَرًّا.

وقال ص: غَيْرَ تَخْسِيرٍ: من خَسِرَ، وهو هنا للنسبيَّةِ ك «فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ» إِذا نسبتَهُ إِليهما.

ت: ونقل الثعلبيّ عن الحسيْنِ بْنِ الفَضْل، قال: لم يكُنْ صَالِحٌ في خسارةٍ، حين قال: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وإِنما المعنى: ما تزيدُونَني بما تقولُونَ إِلاَّ نسبتي إِياكم للخَسَارة، وهو مِنْ قول العرب: فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ إِذا نسبته إِلى الفسوق والْفُجور.

انتهى.

وهو حسنٌ.

وباقي الآية بيّن قد تقدّم الكلام في قصصها.

وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)

وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ: قال أبو البقاء: في حَذْف التاءِ من «أخذ» ثلاثةُ أَوْجُهٍ:

أحدها: أنه فَصَلَ بين الفعل والفاعل.

والثاني: أن التأنيثَ غير حقيقيٍّ.

والثالث: أن الصيْحَة بمعنى الصِّيَاحِ، فحُمِلَ على المعنى، انتهى.

وقد أشار ع»

: إِلى الثلاثَة، واختار الأخير.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى: الرسُلُ: الملائكة، قال المَهْدوِيُّ: بِالْبُشْرى يعني: بالولدِ، وقيل: البشرى بهلاك قوم لوط انتهى.

قالُوا سَلاماً: أي: سلَّمنا عليك سلاماً، وقرأ حمزة «١» والكسائي: «قَالُوا سَلاَماً قالَ سِلْمٌ» ، فيحتمل أنْ يريد ب «السِّلْمِ» السلامَ، ويحتمل أن يريد ب «السّلم» ضدّ الحرب، وحَنِيذٍ: بمعنى: محنوذ، ومعناه: بعجْلٍ مشويٍّ نَضِجٍ، يقْطُر ماؤه، وهذا القَطْر يفصلُ الحَنيذَ من جملة المشويَّات، وهيئة المحنُوذِ في اللغة: / الذي يُغَطَّى بحجارةٍ أو رَمْلٍ مُحَمًّى أو حائل بينه وبيْن النَّار يغطى به، والمُعَرَّض: من الشِّواء الذي يُصَفَّف على الجَمْر، والمُضَهَّبِ: الشِّوَاءُ الذي بينه وبين النَّار حائلٌ، ويكون الشِّواء عليه، لا مَدْفُوناً به، والتَّحُنِيذُ في تضمير الخَيْل: هو أنْ يغطَّى الفَرَس بِجِلٍّ على جُلٍّ ليتصبّب عرقه، ونَكِرَهُمْ على ما ذكر كثيرٌ من النَّاس، معناه: أَنْكَرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً من أجْل امتناعهم من الأكل إِذ عُرْفُ مَنْ جاء بِشَرٍّ أَلاَّ يأْكل طعامَ المنْزُولِ به، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» :

ذهب الليثُ بْنُ سَعْدٍ إلى أنّ الضّيافة واجبة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ومَا وَرَاءَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ» «٣» ، وفي رواية: «ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يثوي «٤» عنْدَهُ حتَّى يُحْرِجَهُ» «٥» وهذا حديثٌ صحيحٌ، خرَّجه الأئمةِ، واللفظ للترمذيِّ، وذهب علماء الفقْه إِلى: أن الضيافة لا تجبُ، وحملوا الحديثَ على النَّدْب.

قال ابنُ العربيِّ: والذي أقولُ به أن الضيافَةَ فَرْضٌ على الكفَايَةِ، ومِنَ الناسِ مَنْ قال:

إِنها واجبةٌ في القُرَى حيثُ لا مَأْوَى ولا طَعَام بخلاف الحواضر لتيسّر ذلك فيها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ﴾ أيْ: أُلْحِقُوا لَعْنَةً تَنْصَرِفُ مَعَهم.

﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ: وفي يَوْمِ القِيامَةِ لُعِنُوا أيْضًا.

﴿ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ أيْ: بِرَبِّهِمْ فَحَذَفَ الباءَ، وأنْشَدُوا: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ [فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ] قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ ألا ﴾ ابْتِداءٌ وتَنْبِيهٌ، و ﴿ بُعْدًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: أبْعَدَهُمُ اللَّهُ فَبَعِدُوا بُعْدًا، والمَعْنى: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَلَقَكم مِن آدَمَ، وآدَمُ خُلِقَ مِنَ الأرْضِ.

والثّانِي: أنْشَأكم في الأرْضِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ واسْتَعْمَرَكم فِيها ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْمَرَكم فِيها أيْ: جَعَلَكم ساكِنِيها مُدَّةَ أعْمارِكم، ومِنهُ العُمْرى، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ألْفِ سَنَةٍ إلى ثَلاثِمِائَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: جَعْلَكم عَمّارَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَهُ لِلْمَمْلَكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ، قالَهُ كَعْبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ، انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهم، زَعَمُوا أنَّ رَجاءَهم لِخَيْرِهِ قَدِ انْقَطَعَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّنا لَفي شَكٍّ ﴾ إنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ قالَ هاهُنا: " وإنَّنا " وقالَ في (إبْراهِيمَ): " وإنّا " ؟

فالجَوابُ: أنَّهُما لُغَتانِ مِن لُغاتِ قُرَيْشٍ السَّبْعِ الَّتِي نَزَّلَ القُرْآنُ عَلَيْها.

قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ: " إنَّنا " أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ " نا " فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ، نُونا " إنَّ " والنُّونُ المَضْمُومَةُ إلى الألِفِ؛ ومَن قالَ: " إنّا " اسْتَثْقَلَ الجَمْعَ بَيْنَ ثَلاثِ نُوناتِ، وأسْقَطَ الثّالِثَةَ،وَأبْقى الأُولَيَيْنِ؛ وكَذَلِكَ يُقالُ: إنِّي وإنَّنِي، ولَعَلِّي ولَعَلَّنِي - ولَيْتِي ولَيْتَنِي، قالَ اللَّهُ في اللُّغَةِ العُلْيا: ﴿ لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ  ﴾ ، وقالَ الشّاعِرُ في اللُّغَةِ الأُخْرى: أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لَعَلَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا وَقالَ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ  ﴾ ، وقالَ الشّاعِرُ: كَمُنْيَةِ جابِرٍ إذْ قالَ لَيْتِي ∗∗∗ أُصادِفُهُ وأُتْلِفُ بَعْضَ مالِي فَأمّا المُرِيبُ، فَهو المُوقِعُ لِلرِّيبَةِ والتُّهْمَةِ.

والرَّحْمَةُ يُرادُ بِها هاهُنا: النُّبُوَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ التَّخْسِيرُ: النُّقْصانُ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ بِصارَةٍ في خَسارَتِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكم، أيْ: كُلَّما اعْتَذَرْتُمْ عِنْدِي بِعُذْرٍ فَهو يَزِيدُكم تَخْسِيرًا.

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكم، لا لِي.

وقالَ بَعْضُهم: المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِما قُلْتُمْ إلّا نِسْبَتِي لَكم إلى الخَسارَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ الخُسْرانِ إنْ رَجَعْتُ إلى دِينِكم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ كانَ خاسِرًا، فَزادُوهُ خَسارًا، فَقَدْ أسْلَفْنا الجَوابَ في قَوْلِهِ: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً ﴾ قَدْ شَرَحْناها في سُورَةِ [الأعْرافِ:٧٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ ﴾ أيِ: اسْتَمْتِعُوا بِحَياتِكم، وعَبَّرَ عَنِ الحَياةِ بِالتَّمَتُّعِ، لِأنَّ الحَيَّ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالحَواسِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عُقِرَتِ النّاقَةُ صَعِدَ فَصِيلُها إلى الجَبَلِ، ورَغا ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ صالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجْلُ يَوْمٍ، ألا إنَّ اليَوْمَ الأوَّلَ تُصْبِحُ وُجُوهُكم مُصْفَرَّةً، واليَوْمَ الثّانِي مُحَمَّرَةً، واليَوْمَ الثّالِثَ مُسْوَدَّةً؛ فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الأوَّلِ، إذا وُجُوههمْ مُصْفَرَّةٌ، فَصاحُوا وضَجُّوا وبَكَوْا، وعَرَفُوا أنَّهُ العَذابُ، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الثّانِي، إذا وُجُوهُهم مُحَمَّرَةٌ، فَضَجُّوا، وبَكَوْا، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الثّالِثِ، إذا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ كَأنَّما طُلِيَتْ بِالقارِ، فَصاحُوا جَمِيعًا: ألّا قَدْ حَضَرَكُمُ العَذابُ؛ فَتُكَفَّنُوا وألْقَوْا أنْفُسَهم بِالأرْضِ، لا يَدْرُونَ مِن أيْنَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الرّابِعِ، أتَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم في صُدُورِهِمْ.

وقالَ مُقاتِلٌ: حَفَرُوا لِأنْفُسِهِمْ قُبُورًا، فَلَمّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ مِنَ اليَوْمِ الرّابِعِ، ولَمْ يَأْتِهِمُ العَذابُ، ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَهم، فَخَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا، إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقامَ فَوْقَ المَدِينَةِ فَسَدَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَلَمّا عايَنُوهُ دَخَلُوا قُبُورَهم، فَصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً: مُوتُوا عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ فَخَرَجَتْ أرْواحُهم، وتَزَلْزَلَتْ بُيُوتُهم فَوَقَعَتْ عَلى قُبُورِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ وعْدٌ ﴾ أيِ: العَذابُ ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ أيْ: غَيْرُ كَذِبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، " يَوْمِئِذٍ " بِكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها مَعَ الإضافَةِ.

قالَ مَكِّيٌّ: مَن كَسَرَ المِيمَ، أعْرَبَ، وخَفَضَ، لِإضافَةِ الخِزْيِ إلى اليَوْمِ، ولَمْ يَبْنِهِ؛ ومَن فَتَحَ، بَنى اليَوْمَ عَلى الفَتْحِ، لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وهو " إذْ " .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ومِن خِزْيٍ " بِالتَّنْوِينِ، " يَوْمَئِذٍ " بِفَتْحِ المِيمِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذِهِ الواوُ في قَوْلِهِ: " ومِن خِزْيٍ " مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: نَجَّيْناهم مِنَ العَذابِ ومِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَخَلَتْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَأْوِيلُهُ: نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا، ونَجَّيْناهم مِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ.

قالَ: وإنَّما قالَ: " وأخَذَ " لِأنَّ الصَّيْحَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الصِّياحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ اخْتَلَفُوا في صَرْفِ " ثَمُودَ " وتَرْكِ إجْرائِهِ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: في (هُودٍ:٦٩) ﴿ ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ ، وفي (الفُرْقانِ:٣٨) ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ ﴾ ، وفي (العَنْكَبُوتِ:٣٨) ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ ﴾ ، وفي (النَّجْمِ:٥١) ﴿ وَثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالتَّنْوِينِ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ مِنها، وتَرَكُوا ﴿ ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ فَلَمْ يَصْرِفُوهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِتَرْكِ صَرْفِ هَذِهِ الخَمْسَةِ الأحْرُفِ، وصَرَفَهُنَّ الكِسائِيُّ.

واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ، فَرَوى حُسَيْنُ الجَعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ أنَّهُ أجْرى الأرْبَعَةَ الأحْرُفِ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو؛ ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ أنَّهُ أجْرى ثَلاثَةً، في (هُودٍ:٦٩) " ألا إنَّ ثَمُودًا "، وفي (الفُرْقانِ:٣٨)، و(العَنْكَبُوتِ:٣٨) .

ورَوى حَفْصٌ عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يُجْرِ شَيْئًا مِنها مِثْلَ حَمْزَةَ.

واعْلَمْ أنَّ ثَمُودًا يُرادُ بِهِ القَبِيلَةُ تارَةً، ويُرادُ بِهِ الحَيُّ تارَةً، فَإذا أُرِيدَ بِهِ القَبِيلَةُ، لَمْ يُصْرَفْ، وإذا أُرِيدَ بِهِ الحَيُّ، صُرِفَ.

وما أخْلَلْنا بِهِ، فَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الأعْرافِ:٧٣، والتَّوْبَةِ:٧٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ ﴾ .

والرُّسُلُ هاهُنا: المَلائِكَةُ وفي عَدَدِهِمْ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً، جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: ثَمانِيَةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والرّابِعُ: تِسْعَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أحَدَ عَشَرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: أرْبَعَةً، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي هَذِهِ البُشْرى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها البُشْرى بِالوَلَدِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: بِأنَّ مُحَمَّدًا يَخْرُجُ مِن صُلْبِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: انْتَصَبَ بِالقَوْلِ، لِأنَّهُ حَرْفٌ مَقُولٌ، والسَّلامُ الثّانِي مَرْفُوعٌ بِإضْمارِ " عَلَيْكم " .

وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أضْمَرَ " عَلَيْكم " كَما قالَ الشّاعِرُ: فَقُلْنا السَّلامُ فاتَّقَتْ مِن أمِيرِها ∗∗∗ فَما كانَ إلّا ومْؤُها بِالحَواجِبِ والعَرَبُ تَقُولُ: التَقَيْنا فَقُلْنا: سَلامٌ سَلامٌ.

والثّانِي: أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا، فَقالَ حِينَ أنْكَرَهم هو: سَلامٌ، فَمَن أنْتُمْ ؟

لِإنْكارِهِ إيّاهم.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " قالَ سِلْمٌ " وهو بِمَعْنى سَلامٍ، كَما قالُوا: حِلٌّ وحَلالٌ، وحِرْمٌ وحَرامٌ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ مَعْنى " سِلْمٍ ": سَلامٌ عَلَيْكم.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَيَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " سِلْمٌ " فالمَعْنى: أمْرُنا سِلْمٌ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَبِثَ ﴾ أيْ: ما أقامَ حَتّى جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، لِأنَّهُ ظَنَّهم أضْيافًا، وكانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ جاءَتْهُ في صُورَةِ الغِلْمانِ الوِضاءِ.

وَفِي الحَنِيذِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّضِيجُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَقْطُرُ ماؤُهُ ودَسَمُهُ وقَدْ شُوِيَ، قالَهُ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما حَفَرْتَ الأرْضَ ثُمَّ غَمَمْتَهُ، وهو مِن فِعْلِ أهْلِ البادِيَةِ، مَعْرُوفٌ، وأصْلُهُ: مَحْنُوذٌ، فَقِيلَ: حَنِيذٌ، كَما قِيلَ: طَبِيخٌ لِلْمَطْبُوخِ، وقَتِيلٌ لِلْمَقْتُولِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَشْوِيُّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: المَشْوِيُّ بِالحِجارَةِ المُحْماةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والسّادِسُ: السَّمِيطُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: يُقالُ إنَّهُ المَشْوِيُّ فَقَطْ، ويُقالُ: المَشْوِيُّ الَّذِي يَقْطُرُ، ويُقالُ: المَشْوِيُّ بِالحِجارَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ﴿ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ ﴾ "الرُسُلُ": المَلائِكَةُ وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَدَلَ إسْرائِيلَ: عِزْرائِيلُ- مَلَكُ المَوْتِ- ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ مِنهم كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَرْيَةِ لُوطٍ، ومِيكائِيلُ مُخْتَصًّا بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ.

وإسْرافِيلُ مُخْتَصًّا بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن مَعَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِاشْتِراكِهِمْ في البِشارَةِ بِإسْحاقَ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ-: "البُشْرى" هي بِإسْحاقَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُشْرى" هي بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ.

وقَوْلُهُ: "سَلامًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: أُسَلِّمُ سَلامًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: سَلامًا حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوهُ لا لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، فَلِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ- الرَجُلُ قالَ:،لا إلَهَ إلّا اللهُ": "قَلْتَ حَقًّا أو إخْلاصًا"، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ تُعْمِلَ فِيهِ القَوْلَ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ قالَ سَلامٌ ﴾ حِكايَةٌ لِلَفْظِهِ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكم وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ  ﴾ إمّا عَلى تَقْدِيرِ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "قالُوا سَلامًا قالَ: سَلامٌ" وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "قالُوا سَلامًا، قالَ: سَلْمٌ" وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ الذارِياتِ.

وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ السَلامَ بِعَيْنِهِ، كَما قالُوا حِلٌّ وحَلالٌ وحِرْمٌ وحَرامٌ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَوائِحُ اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا أو نَحْوَ هَذا، قالَ الطَبَرِيُّ: ورُوِيَ: كَما انْكَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "السِلْمِ": ضِدَّ الحَرْبِ، تَقُولُ نَحْنُ سِلْمٌ لَكم.

وكانَ سَلامُ المَلائِكَةِ دُعاءً مَرْجُوًّا- فَلِذَلِكَ نَصَبَ- وحَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنَ مِمّا حُيِّيَ وهو الثابِتُ المُتَقَرِّرُ ولِذَلِكَ جاءَ مَرْفُوعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، وفي "لَبِثَ" ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: بِأنْ جاءَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً وإنْ جاءَ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "لَبِثَ" أيْ: ما لَبِثَ مَجِيئُهُ، ولَيْسَ في "لَبِثَ" -عَلى هَذا- ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وُفي لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" خَبَرُ "ما"، أيْ: فَلَبِثَ إبْراهِيمُ مَجِيئَهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، وفي أدَبِ الضَيْفِ أنْ يَجْعَلَ قِراهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

و"الحَنِيذُ" بِمَعْنى المَحْنُوذِ ومَعْناهُ: بِعِجْلٍ مَشْوِيٍّ نَضِجٍ يُقَطَّرُ ماؤُهُ، وهَذا القَطْرُ يَفْصِلُ الحَنِيذَ مِن جُمْلَةِ المَشْوِيّاتِ، ولَكِنْ هَيْئَةُ المَحْنُوذِ في اللُغَةِ الَّذِي يُغَطّى بِحِجارَةٍ أو رَمْلٍ مَحْمِيٍّ أو حائِلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ يُغَطّى بِهِ والمُعَرَّضُ مِنَ الشِواءِ: الَّذِي يُصَفَّفُ عَلى الجَمْرِ، والمُهْضَّبُ: الشِواءُ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ حائِلٌ، يَكُونُ الشِواءُ عَلَيْهِ لا مَدْفُونًا لَهُ، والتَحْنِيذُ في تَضْمِيرِ الخَيْلِ هو أنْ يُغَطّى الفَرَسُ بِجُّلٍّ عَلى جُلٍّ لِيَتَصَبَّبَ عَرَقُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهُمْ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ بِقِداحٍ كانَتْ في أيْدِيهِمْ في اللَحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِن أدَبِ الطَعامِ أنَّ لِصاحِبِ الضَيْفِ أنْ يَنْظُرَ مِن ضَيْفِهِ هَلْ يَأْكُلُ أمْ لا؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَقَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَظَرِ، فَرُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا أكَلَ مَعَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَرَأى سُلَيْمانَ في لُقْمَةِ الأعْرابِيِّ شَعْرَةً فَقالَ لَهُ: أزِلِ الشَعْرَةَ عن لُقْمَتِكَ، فَقالَ لَهُ: أتُنْظَرُ إلَيَّ نَظَرَ مَن يَرى الشَعْرَ في لُقْمَتِي واللهِ لا أكَلْتُ مَعَكَ.

و"نَكِرَهُمْ" -عَلى ما ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ- مَعْناهُ: أنْكَرَهُمْ، واسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِالبَيْتِ الَّذِي نَحَلَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ الأعْشى وهُوَ: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَيْبُ والصَلَعا وقالَ بَعْضُ الناسِ: "نَكِرَ" هو مُسْتَعْمَلٌ فِيما يُرى بِالبَصَرِ فَيُنْكَرُ، و"أنْكَرَ" هي مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُقَرَّرُ مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الأعْشى قالَ: وأنْكَرْتَنِي مَوَدَّتِي وأدْمَتِي وَنَحْوَهُ، ثُمَّ جاءَ بِـ "نَكِرَ" في الشَيْبِ والصَلَعِ الَّذِي هو مَرْئِيٌّ بِالبَصَرِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشَعُ والَّذِي خافَ مِنهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ امْتِناعُهم مِنَ الأكْلِ، فَعُرْفُ مَن جاءَ بِشَرٍّ ألّا يَأْكُلَ طَعامَ المَنزُولِ بِهِ، و"أوجَسَ" مَعْناهُ: أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهُمْ، و"الوَجِيسُ": ما يَعْتَرِي النَفْسَ عِنْدَ الحَذَرِ وأوائِلِ الفَزَعِ، فَأمَّنُوهُ بِقَوْلِهِمْ: "لا تَخَفْ"، وعَلِمَ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

ثُمَّ خَرَجَتِ الآيَةُ إلى ذِكْرِ المَرْأةِ وبِشارَتِها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ خَلْفَ سِتْرٍ تَسْمَعُ مُحاوَرَةَ إبْراهِيمَ مَعَ أضْيافِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ في صَلاةٍ، وقالَ السُدِّيُّ مَعْناهُ: قائِمَةٌ تَخْدِمُ القَوْمَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهِيَ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حاضَتْ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ اللُغَوِيُّونَ: وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِقا وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ قَلِيلُ التَمَكُّنِ، وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى: حاضَتْ، وقَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ، ويُقالُ ضَحِكَ إذا امْتَلَأ وفاضَ، ورَدَّ الزَجّاجُ قَوْلَ مُجاهِدٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو الضَحِكُ المَعْرُوفُ، واخْتُلِفَ مِمَّ ضَحِكَتْ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن تَأْمِينِهِمْ لِإبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ.

وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ هُزُؤًا مِن قَوْمِ لُوطٍ أنْ يَكُونُوا عَلى غَفْلَةٍ وقَدْ نَفَذَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى فِيهِمْ ما نَفَذَ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: ضَحِكَتْ لِظَنِّها بِهِمْ أنَّهم يُرِيدُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ قالَ القاضِيَ: وهَذا قَوْلٌ خَطَأٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ لِمَعْنى التَنْبِيهِ عَلى فَسادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن فَزَعِ إبْراهِيمَ مِن ثَلاثَةٍ وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ مِنَ الرِجالِ، وقِيلَ: المِائَةُ.

وقالَ السُدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن أنْ تَكُونَ هي تَخْدِمُ وإبْراهِيمُ يَحْفِدُ ويَسْعى والأضْيافُ لا يَأْكُلُونَ.

وقِيلَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ، إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِقَوْمِ لُوطٍ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ فَقامَ حَيًّا فَضَحِكَتْ لِذَلِكَ.

وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ: "فَضَحَكَتْ" بِفَتْحِ الحاءِ.

وامْرَأةُ إبْراهِيمَ هَذِهِ هي سارَّةُ بِنْتُ هارُونَ بْنِ ناحُورَ، وهو إبْراهِيمُ بْنُ آزَرَ بْنِ ناحُورَ فَهي ابْنَةُ عَمِّهِ، وقِيلَ: هي أُخْتُ لُوطٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أظُنُّ ذَلِكَ إلّا أُخُوَّةَ القَرابَةِ لِأنَّ إبْراهِيمَ هو عَمُّ لُوطٍ فِيما رُوِيَ: وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا قَدَّمَ العِجْلَ قالُوا لَهُ: إنّا لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِثَمَنٍ، فَقالَ لَهُمْ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اللهَ تَعالى عَلَيْهِ في أوَّلَ، وتَحْمَدُوهُ في آخِرٍ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: بِحَقٍّ اتَّخَذَ اللهُ هَذا خَلِيلًا.

وقَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى إذْ كانَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ، وبَشَّرَ المَلائِكَةُ سارَّةَ بِإسْحاقَ وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ، ويُسَمّى ولَدُ الوَلَدِ مِنَ الوَراءِ، وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى وراءٍ في الظُرُوفِ إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَيْءِ وبَعْدَهُ ورَأى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا مَعَهُ شابٌّ، فَقالَ لَهُ: مَن هَذا؟

فَقالَ لَهُ: ولَدُ ولَدِي، فَقالَ: هو ولَدُكَ مِنَ الوَراءِ، فَغَضِبَ الرَجُلُ، فَذَكَرَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الآيَةَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ "يَعْقُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ المُقَدَّمُ، وهو -عَلى هَذا- دَخَلَ في البُشْرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ، وعَلى هَذا لا يَدْخُلُ في البِشارَةِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ "يَعْقُوبَ" بِالنَصْبِ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى "إسْحاقَ" إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ، واسْتَسْهَلَ هَذا القائِلُ أنْ فُرِّقَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالمَجْرُورِ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ هَذا إلّا عَلى إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسِ عَمْرٍو، فالوَجْهُ عِنْدَهُ: وأمْسِ بِعَمْرٍو، وإذا لَمْ يَعُدْ فَفِيهِ كَبِيرُ قُبْحٍ، والوَجْهُ في نُصْبِهِ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَدُلُّ عَلَيْهِ البِشارَةُ وتَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، وهَذا رَجَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ سارَّةَ كانَتْ في وقْتِ هَذِهِ البِشارَةِ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ وأنَّهُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ وذَلِكَ أنَّ سارَةَ كانَتْ في وقْتِ إخْدامِ المَلِكِ الجائِرِ هاجَرُ أمُّ إسْماعِيلَ امْرَأةً شابَّةً جَمِيلَةً حَسَبَما في الحَدِيثِ، فاتَّخَذَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أمَّ ولَدٍ، فَغارَتْ بِها سارَّةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشامِ عَلى البُراقِ وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ فَتَرَكَهُما- حَسَبَما في السِيَرِ- وانْصَرَفَ إلى الشامِ مِن يَوْمِهِ ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِإسْحاقَ، وسارَّةُ عَجُوزٌ مُتَجالَّةٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ إسْحاقَ لَيْسَ بِالذَبِيحِ فَهو أنَّ سارَّةَ وإبْراهِيمَ بُشِّرا بِإسْحاقَ وأنَّهُ يُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالذَبْحِ حِينَ بَلَغَ ابْنُهُ مَعَهُ السَعْيَ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ولَدٍ قَدْ بُشِّرَ قَبْلُ أنَّهُ سَيُولَدُ لِابْنِهِ ذَلِكَ، وأيْضًا فَلَمْ يَقَعْ قَطُّ في أثَرٍ أنَّ إسْحاقَ دَخَلَ الحِجازَ وإجْماعٌ أنَّ أمْرَ الذَبْحِ كانَ بِمِنًى، ويُؤَيِّدُ هَذا الغَرَضَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ  : « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"» يُرِيدُ أباهُ عَبْدَ اللهِ وأباهُ إسْماعِيلَ، ويُؤَيِّدُهُ ما نَزَعَ بِهِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِرُتْبَةِ سُورَةِ الصافّاتِ فَإنَّهُ بَعْدَ كَمالِ أمْرِ الذَبِيحِ قالَ: ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا كُلِّهِ مَوْضِعُ مُعارَضاتٍ لِقائِلِ القَوْلِ الآخَرِ: إنَّ الذَبِيحَ هو إسْحاقُ، ولَكِنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الأرْجَحُ واللهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة على قصة.

وتأكيد الخبر بحرف (قد) للاهتمام به كما تقدّم في قوله: ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [هود: 25].

والغرض من هذه القصّة هو: الموعظة بمصير قوم لوط إذْ عصوا رسول ربّهم فحلّ بهم العذاب ولم تغن عنهم مجادلة إبراهيم.

وقدّمت قصة إبراهيم لذلك وللتنويه بمقامه عند ربّه على وجه الإدماج، ولذلك غيّر أسلوب الحكاية في القصص الّتي قبلها والتي بعدها نحو ﴿ وإلى عاد ﴾ [هود: 50] إلخ.

والرّسل: الملائكة.

قال تعالى: ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ [فاطر: 1].

والبشرى: اسم.

للتبشير والبشارة.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وبشّر الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات ﴾ في أوّل سورة [البقرة: 25].

هذه البشرى هي التي في قوله: فبشّرناها بإسحاق } لأنّ بشارة زوجه بابننٍ بشارة له أيضاً.

والباء في ﴿ بالبشرى ﴾ للمصاحبة لأنّهم جاءوا لأجل البشرى فهي مصاحبة لهم كمصاحبة الرسالة للمرسل بها.

وجملة ﴿ قالوا سلاماً ﴾ في موضع البيان ل ﴿ البشرى ﴾ ، لأنّ قولهم ذلك مبدأ البشرى، وإنّ ما اعترض بينها حكاية أحوال، وقد انتهى إليها في قوله: ﴿ فبشّرناها بإسحاق إلى قوله إنّه حميد مجيد ﴾ .

والسّلام: التحيّة.

وتقدّم في قوله: ﴿ وإذا جاءك الّذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم ﴾ في سورة [الأنعام: 54].

وسلاماً} مفعول مطلق وقع بَدَلاً من الفعل.

والتّقدير: سلّمنا سلاماً.

و ﴿ سلام ﴾ المرفوع مصدر مرفوع على الخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أمري سلام، أي لكم، مثل ﴿ فصبرٌ جميلٌ ﴾ [يوسف: 18].

ورفع المصدر أبلغ من نصبه، لأنّ الرّفع فيه تناسي معنى الفعل فهو أدلّ على الدّوام والثّبات.

ولذلك خالف بينهما للدّلالة على أنّ إبراهيم عليه السّلام ردّ السّلام بعبارة أحسن من عبارة الرسل زيادة في الإكرام.

قال ابن عطيّة: حيّاً الخليل بأحسن ممّا حُيّيَ به، أي نظراً إلى الأدب الإلهي الذي عَلّمَهُ لَنَا في القرآن بقوله: ﴿ وإذا حيّيتم بتحيةٍ فَحَيّوا بأحسن منها أو رُدُّوها ﴾ [النساء: 86]، فَحكيَ ذلك بأوجز لفظ في العربية أداءً لمعنى كلام إبراهيم عليه السّلام في الكلدانيّة.

وقرأ الجمهور ﴿ قال سَلامٌ ﴾ بفتح السّين وبِألِف بعد اللاّم.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: ﴿ قال سِلْم ﴾ بكسر السّين وبدون ألِف بعد اللاّم وهو اسم المسالمة.

وسمّيت به التحية كما سمّيت بمرادفِه (سَلام) فهو من باب اتّحاد وزن فَعال وفِعْل في بعض الصفات مثل: حرام وحِرم، وحلال وحلّ.

والفاء في قوله: ﴿ فما لبث ﴾ للدّلالة على التعقيب إسراعاً في إكرام الضّيف، وتعجيل القرى سنّة عربيّة: ظنهم إبراهيم عليه السّلام ناساً فبادر إلى قراهم.

واللّبث في المكان يقتضي الانتقال عنه، أيْ فما أبطأ.

و ﴿ أن جاء ﴾ يجوز أن يكون فاعل ﴿ لَبِثَ ﴾ ، أي فما لبث مجيئه بعجل حنيذ، أي فما أبطأ مَجيئه مصاحباً له، أي بل عجّل.

ويجوز جعل فاعل ﴿ لبث ﴾ ضمير إبراهيم عليه السّلام فيقدّر جارّ ل ﴿ جاء ﴾ .

والتّقدير: فما لبث بأن جاء به.

وانتفاء اللبث مبالغة في العجل.

والحنيذ: المشوي، وهو المحنوذ.

والشيُّ أسْرَع من الطبخ، فهو أعون على تعجيل إحضار الطعام للضيف.

و ﴿ لا تصل إليه ﴾ أشد في عدم الأخذ من (لا تتناوله).

ويقال: نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه.

وإنّما نكرهم لأنّه حسب أنّ إمساكهم عن الأكل لأجل التبرّؤ من طعامه، وإنّما يكون ذلك في عادة النّاس في ذلك الزّمان إذا كان النّازل بالبيت يضمر شرّاً لمضيّفه، لأنّ أكل طعام القرى كالعهد على السّلامة من الأذى، لأنّ الجزاء على الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة، فإذا انكفّ أحد عن تناول الإحسان فذلك لأنّه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون كفوراً للإحسان.

ولذلك عقب قوله ﴿ نكرهم ﴾ ب ﴿ أوجس منهم خيفة ﴾ ، أي أحسّ في نفسه خيفة منهم وأضمر ذلك.

ومصدره الإيجاس.

وذلك أنّه خشي أن يكونوا مضمرين شرّاً له، أي حسبهم قطّاعاً، وكانوا ثلاثة وكان إبراهيم عليه السّلام وحده.

وجملة ﴿ قالوا لا تخف ﴾ مفصولة عمّا قبلها، لأنّها أشبهت الجواب، لأنّه لمّا أوجس منهم خيفة ظهر أثرها على ملامحه، فكان ظهور أثرها بمنزلة قوله إنّي خفت منكم، ولذلك أجابوا ما في نفسه بقولهم: ﴿ لا تَخف ﴾ ، فحكي ذلك عنهم بالطّريقة الّتي تحكى بها المحاورات، أو هو جواب كلام مقدّر دلّ عليه قوله: ﴿ وأوجس منهم خيفة ﴾ ، أي وقال لهم: إنّي خفت منكم، كما حكي في سورة [الحجر: 52] ﴿ قال إنّا منكم وَجِلون ﴾ ومن شأن النّاس إذا امتنع أحد من قبول طعامهم أن يقولوا له: لعلّك غادر أو عَدوّ، وقد كانوا يقولون للوافد: أحَرْبٌ أم سِلْمٌ.

وقولهم: ﴿ إنّا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ مكاشفة منهم إيّاه بأنّهم ملائكة.

والجملة استئناف مبينة لسبب مجيئهم.

والحكمةُ من ذلك كرامة إبراهيم عليه السّلام وصدورهم عن علم منه.

وحذف متعلّق ﴿ أرسلنا ﴾ أي بأي شيء، إيجازاً لظهوره من هذه القصّة وغيرها.

وعبّر عن الأقوام المراد عذابهم بطريق الإضافة ﴿ قوم لوط ﴾ إذ لم يكن لأولئك الأقوام اسم يجمعهم ولا يرجعون إلى نسب بل كانوا خليطاً من فصائل عرفوا بأسماء قراهم، وأشهرها سدوم كما تقدّم في الأعراف.

وجملة ﴿ وامرأته قائمة فضحكت ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ أوجس ﴾ ، لأنّ امرأة إبراهيم عليه السّلام كانت حاضرة تقدّم الطّعام إليهم، فإن عادتهم كعادة العرب من بعدهم أنّ ربة المنزل تكون خادمة القوم.

وفي الحديث «والعروس خادمهم» وقال مرّة بن محكان التميمي يا ربّة البيت قومي غير صاغرة *** ضُمّي إليك رجال القوم والغربا وقد اختصرت القصة هنا اختصاراً بديعاً لوقوعها في خلال الحوار بين الرسل وإبراهيم عليهم السّلام، وحكاية ذلك الحوار اقتضت إتمامه بحكاية قولهم: ﴿ لا تخف إنّا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ .

وأمّا البشرى فقد حصلت قبل أن يخبروه بأنّهم أرسلوا إلى قوم لوط كما في آية سورة [الذاريات: 28] ﴿ فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخَف وبشّروه بغلاممٍ عليمٍ.

فلمّا اقتضى ترتيب المحاورة تقديم جملة قالوا لا تخف ﴾ حكيت قصة البشرى وما تبعها من المحاورة بطريقة الحال، لأنّ الحال تصلح للقبْليّة وللمقارنَة وللبعدية، وهي الحال المقدّرة.

وإنّما ضحكت امرأة إبراهيم عليه السّلام من تبشير الملائكة إبراهيم عليه السّلام بغلام، وكان ضحكها ضحك تعجّب واستبعاد.

وقد وقع في التّوراة في الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين «وقالوا له: أين سارة امرأتك؟

فقال: ها هي في الخيمة.

فقالوا: يكون لسارة امرأتك ابن، وكانت سارة سامعة في باب الخيمة فضحكت سارة في باطنها قائلة: أفبالحقيقة ألِدُ وأنا قد شِخت؟

فقال الربّ: لماذا ضحكتْ سارة؟

فأنكرت سارة قائلة لم أضحك، لأنّها خافت، قال: لا بل ضحكت».

وتفريع ﴿ فبشّرناها بإسحاق ﴾ على جملة ﴿ ضحكت ﴾ باعتبار المعطوف وهو ﴿ ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ لأنّها ما ضحكت إلاّ بعد أن بشّرها الملائكة بابن، فلمّا تعجبت من ذلك بشّروها بابن الابن زيادة في البشرى.

والتّعجيب بأن يولد لها ابن ويعيش وتعيش هي حتّى يولد لابنها ابن.

وذلك أدخل في العجب لأن شأن أبناء الشيوخ أن يكونوا مهزولين لا يعيشون غالباً إلاّ معلولين، ولا يولد لهم في الأكثر ولأن شأن الشيوخ الذين يولد لهم أن لا يدركوا يفع أولادهم بله أولاد أولادهم.

ولما بشّروها بذلك صرحت بتعجبها الذي كتمته بالضحك، فقالت: ﴿ يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيءٌ عجيب ﴾ ، فجملة ﴿ قالت ﴾ جواب للبشارة.

و (يعقوب) مبتدأ ﴿ ومن وراء إسحاق ﴾ خبر، والجملة على هذا في محلّ الحال.

وهذه قراءة الجمهور.

وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص ﴿ يعقوبَ ﴾ بفتحة وهو حينئذٍ عطف على ﴿ إسحاق ﴾ .

وفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف وخطبه سهل وإن استعظمه ظاهرية النحاة كأبي حيان بقياس حرف العطف النائب هنا مناب الجار على الجار نفسه، وهو قياس ضعيف إذ كون لفظ بمعنى لفظ لا يقتضي إعطاءه جميع أحكامه كما في «مغني اللبيب».

والنداء في ﴿ يا ويلتا ﴾ استعارة تبعية بتنزيل الويلة منزلة من يعقل حتّى تنادى، كأنها تقول: يا ويلتي احضر هنا فهذا موضعك.

والويلة: الحادثة الفظيعة والفضيحة.

ولعلّها المرة من الويل.

وتستعمل في مقام التعجب، يقال: يا ويلتي.

واتّفق القرّاء على قراءة ﴿ يا ويلتا ﴾ بفتحة مشبعة في آخره بألف.

والألف التي في آخر ﴿ يا ويلتا ﴾ هنا يجوز كونها عوضاً عن ياء المتكلم في النداء.

والأظهر أنها ألف الاستغاثة الواقعة خلَفاً عن لام الاستغاثة.

وأصله: يا لَويلة.

وأكثر ما تجيء هذه الألف في التعجّب بلفظ عجب، نحو: يا عجباً، وباسم شيء متعجب منه، نحو: يا عشبا.

وكتب في المصحف بإمالة ولم يقرأ بالإمالة، قال الزجاج: كتب بصورة الياء على أصل ياء المتكلم.

والاستفهام في ﴿ أألد وأنا عجوز ﴾ مستعمل في التعجب.

وجملة ﴿ أنا عجوز ﴾ في موضع الحال، وهي مناط التعجب.

والبعل: الزوج.

وسيأتي بيانه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلاّ لبعولتهن ﴾ في سورة [النّور: 31]، فانظره.

وزادت تقرير التعجب بجملة ﴿ إنّ هذا لشيء عجيب ﴾ وهي جملة مؤكدة لصيغة التعجب فلذلك فصلت عن التي قبلها لكمال الاتّصال، وكأنّها كانت متردّدة في أنهم ملائكة فلم تطمئنّ لتحقيق بشراهم.

وجملة ﴿ هذا بعلي ﴾ مركبة من مبتدأ وخبر لأنّ المعنى هذا المشار إليه هو بعلي، أي كيف يكون له ولد وهو كما ترى.

وانتصب ﴿ شيخاً ﴾ على الحال من اسم الإشارة مبينة للمقصود من الإشارة.

وقرأ ابن مسعود ﴿ وهذا بعلي شيخ ﴾ برفع شيخ على أن (بعلي) بيان من (هذا) و(شيخ) خبر المبتدأ.

ومعنى القراءتين واحد.

وقد جرت على هذه القراءة النادرة لطيفة وهي: ما أخبرنا شيخنا الأستاذ الجليل سالم بوحاجب أنّ أبا العبّاس المبرّد دُعي عند بعض الأعيان في بغداد إلى مأدبة، فلمّا فرغوا من الطّعام غنّت من وراء الستار جارية لرب المنزل ببيتين: وقالوا لها هذا حبيبك معرضٌ *** فقالت: ألاَ إعراضه أهون الخطب فما هي إلاّ نظرة وابتسامة *** فتصطكّ رجلاه ويسقط للجنب فطرب كل من بالمجلس إلاّ أبا العبّاس المبرد فلم يتحرك، فقال له رب المنزل: ما لك لم يطربك هذا؟.

فقالت الجارية: مَعذُور يحسبني لحنت في أن قلت: معرضٌ بالرفع ولم يعلم أنّ عبد الله بن مسعود قرأ «وهذا بعلي شيخٌ» فطرب المبرد لهذا الجواب.

وجواب الملائكة إياها بجملة ﴿ أتعجبين من أمر الله ﴾ إنكار لتعجبها لأنه تعجّبٌ مراد منه الاستبعاد.

و ﴿ أمر الله ﴾ هو أمر التكوين، أي أتعجبين من قدرة الله على خرق العادات.

وجوابهم جار على ثقتهم بأن خبرهم حق منبئ عن أمر الله.

وجملة ﴿ رحمت الله وبركاته عليكم ﴾ تعليل لإنكار تعجبها، لأن الإنكار في قوة النفي، فصار المعنى: لا عجب من أمر الله لأنّ إعطاءك الولد رحمة من الله وبركة، فلا عجب في تعلّق قدرة الله بها وأنتم أهل لتلك الرحمة والبركة فلا عجب في وقوعها عندكم.

ووجه تعليل نفي العجب بهذا أن التعجب إمّا أن يكون من صدور هذا من عند الله وإما أن يكون في تخصيص الله به إبراهيم عليه السّلام وامرأته فكان قولهم ﴿ رحمت الله وبركاته عليكم ﴾ مفيداً تعليل انتفاء العجبين.

وتعريف ﴿ البيت ﴾ تعريف جضور، وهو البيت الحاضر بينهم الذي جرى فيه هذا التحاور، أي بيت إبراهيم عليه السّلام.

والمعنى أهل هذا البيت.

والمقصود من النداء التنويه بهم ويجوز كونه اختصاصاً لزيادة بيان المرَاد من ضمير الخطاب.

وجملة ﴿ إنّه حميد مجيد ﴾ تعليل لتوجه رحمته وبركاته إليهم بأنّ الله يحمد من يطيعه، وبأنّه مَجِيدٌ، أي عظيم الشأن لاَ حَدّ لِنِعَمِه فلا يعظم عليه أن يعطيها ولداً، وفي اختيار وصف الحميد من بين الأسماء الحسنى كناية عن رضى الله تعالى على إبراهيم عليه السّلام وأهله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى ﴾ أمّا إبْراهِيمُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

وَقِيلَ مَعْناهُ أبٌ رَحِيمٌ.

الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ البَرْهَمَةِ وهي إدامَةُ النَّظَرِ.

والرُّسُلُ جِبْرِيلُ ومَعَهُ مَلَكانِ قِيلَ إنَّهُما مِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ المُرْسَلُ مَعَ جِبْرِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا.

وَفي البُشْرى الَّتِي جاءُوهُ بِها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَشَّرُوهُ بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: بِإسْحاقَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بَشَّرُوهُ بِإخْراجِ مُحَمَّدٍ  مِن صُلْبِهِ وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ.

الرّابِعُ: بَشَّرُوهُ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما تَحِيَّةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَيّاهم بِمِثْلِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّ السَّلامَ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ والمُسْلِمِينَ جَمِيعًا.

الثّانِي: سَلِمْتَ أنْتَ وأهْلُكَ مِن هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ سَلامٌ ﴾ أيِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَنِي، فَمَعْنى "سَلامٌ": سَلِمْتُ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سِلْمٌ ) بِكَسْرِ السِّينِ وإسْقاطِ الألِفِ.

واخْتُلِفَ في السِّلْمِ والسَّلامِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ السِّلْمَ مِنَ المُسالَمَةِ والسَّلامَ مِنَ السَّلامَةِ.

الثّانِي: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الشّاعِرُ، وقَدْ أنْشَدَهُ الفَرّاءُ لِبَعْضِ العَرَبِ: وقَفْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ ﴿ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ظَنَّ رُسُلَ رَبِّهِ أضْيافًا لِأنَّهم جاؤُوهُ في صُورَةِ النّاسِ فَعَجَّلَ لَهُمُ الضِّيافَةَ فَجاءَهم بِعِجْلٍ حَنِيذٍ.

وَفي الحَنِيذِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحارُّ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ عَنْ عَلْقَمَةَ النَّحْوِيِّ.

الثّانِي: هو المَشْوِيُّ نَضِيجًا وهو المَحْنُوذُ مِثْلَ طَبِيخٍ ومَطْبُوخٍ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو الَّذِي حُفِرَ لَهُ في الأرْضِ ثُمَّ غُمَّ فِيها، قالَ الشّاعِرُ: إذا ما اعْتَبَطْنا اللَّحْمَ لِلطّالِبِ القِرى ∗∗∗ حَنَذْناهُ حَتّى عَيَّنَ اللَّحْمَ آكِلُهُ الثّانِي: هو أنْ يُوقَدَ عَلى الحِجارَةِ فَإذا اشْتَدَّ حَرُّها أُلْقِيَتْ في جَوْفِهِ لِيُسْرِعَ نُضْجُهُ، قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: لَهم راحٌ وكافُورٌ ومِسْكٌ ∗∗∗ وعِقْرُ الوَحْشِ شائِلُهُ حَنُوذُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾ في نَكِرَهم وأنْكَرَهم وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فَنَكِرَهم إذا لَمْ يَعْرِفْهم وأنْكَرَهم إذا وجَدَهم عَلى مُنْكَرٍ.

الثّانِي: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الأعْشى: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا واخْتُلِفَ في سَبَبِ إنْكارِهِ لَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يُطْعِمُوا، ومِن شَأْنِ العَرَبِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَطْعَمْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا بِهِ سُوءًا وخافُوا مِنهُ شَرًّا، فَنَكِرَهم إبْراهِيمُ لِذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم أيْدِي فَنَكِرَهم، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ.

وامْتَنَعُوا مِن طَعامِهِ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ.

﴿ وَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا مِنهم.

والثّانِي: أحَسَّ مِن نَفْسِهِ تَخَوُّفًا مِنهم، كَما قالَ يَزِيدُ بْنُ مُعاوِيَةَ: جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يُخَبُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ جَزَعًا ﴿ قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ يَعْنِي بِهَلاكِهِمْ.

وَفِي إعْلامِهِمْ إبْراهِيمَ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَزُولَ خَوْفُهُ مِنهم.

والثّانِي: لِأنَّ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ يَأْتِي قَوْمَ لُوطٍ فَيَقُولُ: ويْحَكم أيَنْهاكم عَنِ اللَّهِ أنْ تَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَتِهِ فَلا يُطِيعُونَهُ.

﴿ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ وفي قِيامِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ قائِمَةً مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْمَعُ كَلامَهم، قالَهُ وهْبٌ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ قائِمَةً تَخْدُمُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ قائِمَةً تُصَلِّي، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حاضَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والعَرَبُ تَقُولُ ضَحِكَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ، والضَّحِكُ الحَيْضُ في كَلامِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ: وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمَثَلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا والثّانِي: أنَّ مَعْنى ضَحِكَتْ: تَعَجَّبَتْ، وقَدْ يُسَمّى التَّعَجُّبُ ضَحِكًا لِحُدُوثِ الضَّحِكِ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فَجاءَ بِمَزْجٍ لَمْ يَرَ النّاسُ مِثْلَهُ ∗∗∗ هو الضَّحِكُ إلّا أنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ الثّالِثُ: أنَّهُ الضَّحِكُ المَعْرُوفُ في الوَجْهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

فَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى الحَيْضِ فَفي سَبَبِ حَيْضِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وافَقَ وقْتَ عادَتِها فَخافَتْ ظُهُورَ دَمِها وأرادَتْ شِدادَهُ فَتَحَيَّرَتْ مَعَ حُضُورِ الرُّسُلِ.

والقَوْلُ الثّانِي: ذُعِرَتْ وخافَتْ فَتَعَجَّلَ حَيْضُها قَبْلَ وقْتِهِ، وقَدْ تَتَغَيَّرُ عادَةُ الحَيْضِ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ وتَغَيُّرِ الطِّباعِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ الحَيْضُ بَشِيرًا بِالوِلادَةِ لِأنَّ مَن لَمْ تَحُضْ لا تَلِدُ.

وَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى التَّعَجُّبِ فَفِيما تَعَجَّبَتْ مِنهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن أنَّها وزَوْجَها يَخْدُمانِ الأضْيافَ تَكْرِمَةً لَهم وهم لا يَأْكُلُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: تَعَجَّبَتْ مِن أنَّ قَوْمَ لُوطٍ قَدْ أتاهُمُ العَذابُ وهم غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن أنْ يَكُونَ لَها ولَدٌ عَلى كِبَرِ سِنِّها وسِنِّ زَوْجِها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

الرّابِعُ: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن إحْياءِ العِجْلِ الحَنِيذِ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسَحَهُ بِجَناحِهِ فَقامَ يَدْرُجُ حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ وأُمُّ العِجْلِ في الدّارِ، قالَهُ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ.

وَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى ضَحِكِ الوَجْهِ فَفِيما ضَحِكَتْ مِنهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالسَّلامَةِ.

الثّانِي: سُرُورًا بِالوَلَدِ.

الثّالِثُ: لِما رَأتْ ما بِزَوْجِها مِنَ الوَرَعِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّها ضَحِكَتْ ظَنًّا بِأنَّ الرُّسُلَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى.

﴿ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ ﴾ وفي ﴿ وَراءِ ﴾ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَراءَ وُلِدَ الوَلَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى بَعْدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ النّابِغَةُ الذِّبْيانِيُّ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكِ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ فَعَجَّلُوا لَها البُشْرى بِالوَلَدَيْنِ مُظاهَرَةً لِلنِّعْمَةِ ومُبالَغَةً في التَّعَجُّبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ البِشارَةُ بِهِما بِاسْمَيْهِما فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى هو المُسَمِّي لَهُما، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ بِهِما وسَمّاها أبُوهُما.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ خُصَّتْ سارَّةُ بِالبُشْرى مِن دُونِ إبْراهِيمَ؟

قِيلَ عَنْ هَذا ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّها لَمّا اخْتَصَّتْ بِالضَّحِكِ خُصَّتْ بِالبُشْرى.

الثّانِي: أنَّهم كافَأُوها بِالبُشْرى مُقابَلَةً عَلى اسْتِعْظامِ خِدْمَتِها.

الثّالِثُ: لِأنَّ النِّساءَ في البُشْرى بِالوَلَدِ أعْظَمُ سُرُورًا وأكْثَرُ فَرَحًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ إسْحاقَ لِأنَّ سارَّةَ سَحُقَتْ بِالضَّحِكِ حِينَ بُشِّرَتْ بِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ لَمْ تَقْصِدْ بِقَوْلِها يا ويْلَتا الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يُعْجَبْنَ مِنهُ، وعَجِبَتْ مِن وِلادَتِها وهي عَجُوزٌ وكَوْنُ بَعْلِها شَيْخًا لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ، وما خَرَجَ عَنِ العادَةِ مُسْتَغْرَبٌ ومُسْتَنْكَرٌ.

واخْتُلِفَ في سِنِّها وسِنِّ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ، فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ لِسارَّةَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وكانَ لِإبْراهِيمَ مِائَةُ سَنَةٍ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَتْ سارَّةُ بِنْتَ تِسْعِينَ سَنَةً وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

وَقالَ قَتادَةُ: كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ابْنَ تِسْعِينَ سَنَةً.

وَقِيلَ: إنَّها عَرَّضَتْ بِقَوْلِها: ﴿ وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ عَنْ تَرْكِ غِشْيانِهِ لَها، والبَعْلُ هو الزَّوْجُ في هَذا المَوْضِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ  ﴾ .

والبَعْلُ: المَعْبُودُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَدْعُونَ بَعْلا  ﴾ أيْ إلَهًا مَعْبُودًا.

والبَعْلُ السَّيِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ.

حاسِرِي الدِّيباجِ عَنْ أذْرُعِهِمْ ∗∗∗ عِنْدَ بَعْلٍ حازِمِ الرَّأْيِ بَطَلٍ فَسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِتَطاوُلِهِ عَلى الزَّوْجَةِ كَتَطاوُلِ السَّيِّدِ عَلى المَسُودِ.

﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ أيْ مُنْكَرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ  ﴾ أيْ أنْكَرُوا.

وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنها تَكْذِيبًا ولَكِنِ اسْتِغْرابًا لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عثمان بن محسن رضي الله عنه في ضيف إبراهيم كانوا أربعة.

جبريل عليه السلام، ويمكائيل، وإسرافيل، ورفائيل.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قرأ: قالوا سلاماً قال سلام وكل شيء سلمت عليه الملائكة فقالوا سلاماً قال سلام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بعجل حنيذ ﴾ قال: نضيج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حنيذ ﴾ قال: مشوي.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ بعجل حنيذ ﴾ قال: سميط.

وأخرج الطستي عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ بعجل حنيذ ﴾ قال: الحنيذ النضيج ما يشوى بالحجارة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: لهم راح وفار المسك فيهم ** وشاوهم إذا شاوا حنيذ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ بعجل حنيذ ﴾ قال: الحنيذ الذي أنضِج بالحجارة.

وأخرج أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال: الحنيذ الذي شوي وهو يسيل منه الماء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ﴾ الآية، قال أهل المعاني: دخلت "قد" هاهنا لأن السامع لقصص الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة، و"قد" للتوقع، ودخلت اللام في ﴿ لَقَدْ ﴾ لتأكيد الخبر، والمراد بالرسل هاهنا الملائكة الذين أتوه على صورة الآدميين، وظنهم أضيافا، قال ابن عباس (١) ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ ، وفي الحجر ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ .

وقال الضحاك (٢) وقال السدي (٣) وقوله تعالى: ﴿ بِالْبُشْرَى ﴾ ، قال الزجاج (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا سَلَامًا ﴾ ، قال ابن الأنباري (٦) ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ  ﴾ ؛ من أجل أن الثلاثة اسم غير قول مقول، وأما قوله: ﴿ قَالَ سَلَامٌ ﴾ فمرفوع بإضمار (عليكم سلام)، ولو نصبا جميعًا أو رفعا جاز في العربية، هذا كلامه، وهو قول الفراء في رفع الثاني وأنشد (٧) فقلنا السلام فاتقت من أميرها ...

فما كان إلا ومؤها بالحواجب وقال أبو علي (٨) ﴿ سَلَامٌ ﴾ فلأنه لم يحك شيئًا تكلموا به فيحكى كما تحكى الجمل، ولكن هو معنى ما تكلمت به الرسل، كما أن القائل إذا قال: (لا إله إلا الله) فقلت (حقًّا) أو قلت (صدقًا)، أعملت القول في المصدرين؛ لأنك ذكرت معنى ما قال ولم تحك نفس الكلام الذي هو جملة تحكى، وأما قوله: ﴿ قَالَ سَلَامٌ ﴾ التقدير فيه: سلام عليكم، فحذف الخبر كما حذف من قوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ (٩) (١٠) ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يصلح أن يكون المحذوف منه المبتدأ، ومثل ذلك قوله: ﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ  ﴾ على حذف الخبر أو المبتدأ الذي سلام خبره، قال: وأكثر ما يستعمل سلام بغير ألف ولام، وذلك أنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم: خير بين يديك، وأمت (١١) (١٢) ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي  ﴾ ، وقوله: ﴿ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ  ﴾ ، وقد جاء بالألف واللام، قال: ﴿ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى  ﴾ ، قال الأخفش (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ  ﴾ (١٦) حمزة والكسائي هاهنا (وقال سِلْم) بكسر السين (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) مررنا فقلنا إيه سلم فسلمت ...

كما اكتلى (٢١) فهذا دليل على أنهم سلموا فردت عليهم، فعلى هذا: القراءتان بمعنى واحد، وإن اختلف اللفظان، قال أبو علي (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ ﴾ ، قال عبيد بن عمير: مكث إبراهيم خمس عشرة (٢٣) (٢٤) ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ ﴾ ، قال الفراء (٢٥) ﴿ أَن ﴾ في موضع نصب؛ لوقوع ﴿ لَبِثَ ﴾ عليها كأنك قلت: فما أبطأ عن مجيئه بعجل، فلما ألقيت الصفة وقع الفعل عليها، قال: وقد يكون رفعا بـ (لبث) وتقديرها المصدر، أي فما لبث مجيئه بعجل، أي ما أبطأ ذلك المجيء.

وقوله تعالى: ﴿ حَنِيذٍ ﴾ ، قال الليث (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ محنوذ مشوي، وقال الفراء (٢٧) (٢٨) وقال أبو عبيدة (٢٩) وأنشد للعجاج (٣٠) ورهبًا من حنذه أن يهرجا قال ابن عباس في رواية (٣١) (٣٢) وقال في رواية عطاء: هو الذي نتف شعره وشوي.

وقال عبد الله بن مسلم (٣٣) (٣٤) (٣٥) (١) الثعلبي 7/ 48 أ، البغوي 4/ 187، "زاد المسير" 4/ 127.

(٢) البغوي 4/ 187، الثعلبي 7/ 48 أ، "زاد المسير" 4/ 127.

(٣) البغوي 4/ 187، الثعلبي 7/ 48 أ، "زاد المسير" 4/ 127 قال: (الوضاء وجوههم) بزيادة وجوههم وهي زيادة مهمة.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 60.

(٥) هكذا وهو مختصر من: أي شيء، وهو صحيح لغة.

(٦) "زاد المسير" 4/ 127.

(٧) انظر: "معاني القرآن" 2/ 21، "تهذيب اللغة" 4/ 3958، اللسان (ومأ) 8/ 4926 "البحر المحيط" 2/ 452.

(٨) "الحجة" 4/ 360.

(٩) يوسف: 18، 83.

(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(١١) في (ي): (أمه).

(١٢) ساقط من (ي).

(١٣) ذكره نقلاً عن "الحجة" 4/ 363.

(١٤) في (ي): (يلحقوه).

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٦) الأنعام: 54.

وخلاصة ما ذكره أنه يحتمل وجهن، أحدهما: أن يكون مصدر سلمت تسليمًا وسلامًا أي دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه، الثاني: أن يكون السلام جمع السلامة بمعنى قولك: السلام عليكم أي السلامة عليكم.

(١٧) قرأ حمزة والكسائي (قال سلم) بغير ألف بكسر السين وتسكين اللام، والباقون بفتح السين وألف.

انظرت "السبعة" 338، "إتحاف" 258، "الكشف" 1/ 534، "الحجة" 4/ 364.

(١٨) "معاني القرآن" 2/ 21.

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٠) لم أهتد إلى قائله.

انظر: "معاني القرآن" 2/ 21، اللسان (كل)، اكتل السحاب عن البرق أي لمع به، واللوائح التي لاح برقها أي: لمع وظهر.

الطبري 12/ 69، "البحر المحيط" 5/ 241، ابن عطية 6/ 340، "الدر المصون" 6/ 352.

(٢١) في (جـ): (أكل)، وفي (ص): (اكبلى)، وفي الفراء 2/ 21: (كما اكتل).

(٢٢) "الحجة" 4/ 364.

(٢٣) في (ي): (خمسة عشر).

(٢٤) ساقط من (ي).

(٢٥) "معاني القرآن" 2/ 21.

(٢٦) "تهذيب اللغة" (حنذ) 1/ 938، "اللسان" (حنذ) 2/ 1021.

(٢٧) "معاني القرآن" 2/ 21.

(٢٨) نقله الطبري 12/ 69، الثعلبي 7/ 48 ب، "تهذيب اللغة" (حنذ) 1/ 938، اللسان (حنذ) 2/ 1021.

(٢٩) "مجاز القرآن" 1/ 292.

(٣٠) انظر: "ديوانه" ص 9، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 292، "اللسان" (حنذ) 2/ 1021، "الطبري" 12/ 69، والحنذ شدة الحر وإحراقه، أهرج البعير: تحير وسدد من شدة الحر.

"تهذيب اللغة" 1/ 938 (حنذ).

"التنبيه والإيضاح" 1/ 215، "تاج العروس" 5/ 361، كتاب "العين" 6/ 106.

(٣١) الطبري 12/ 69، "زاد المسير" 4/ 128، القرطبي 9/ 64، ابن المنذر كما في "الدر" 4/ 446.

(٣٢) الطبري 12/ 69، الثعلبي 7/ 48 ب، "زاد المسير" 4/ 128.

(٣٣) "مشكل القرآن وغريبه" ص 211، الثعلبي 7/ 48 ب.

(٣٤) ساقط من (ب).

(٣٥) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 323.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ ﴾ الرسل هنا الملائكة ﴿ إبراهيم بالبشرى ﴾ بشروه بالولد ﴿ قَالُواْ سلاما ﴾ نصب على المصدر والعامل فيه فعل مضمر تقديره سلمنا عليكم سلاما ﴿ قَالَ سلام ﴾ تقديره عليكم سلام وسلام عليكم، وهذا على أن يكون بمعنى التحية، وإنما رفع جوابه ليدل على إثبات السلام، فيكون قد حيَّاهم بأحسن مما حيَّوه، ويحتمل أن يكون السلام بمعنى السلامة، ونصب الأول لأنه بمعنى الطلب، ورفع الثاني لأنه في معنى الخبر ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ ﴾ أي ما لبث مجيئه بل عجل وما نافية وأن جاء فاعل لبث ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ أي مشوي، وفعيل هنا بمعنى مفعول ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ أي أنكرهم ولم يعرفهم، يقال: نكر وأنكر بمعنى واحد ﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ قيل: إنه لم يعرفهم فخاف منهم لما لم يأكلوا طعامه، وقيل: عرف أنهم ملائكة ولكن خاف أن يكونوا أرسلوا بما يخاف فأمنوه بقولهم: لا تخف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سلم ﴾ بكسر السين بلا ألف فيهما.

حمزة وعلي ﴿ ويعقوب ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع.

﴿ سيء بهم ﴾ وبابه كضرب مجهولاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

الآخرون ﴿ سيء ﴾ مثل ﴿ قيل ﴾ ﴿ تخزوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ ضيفي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ فاسر ﴾ وبابه بهمزة الوصل: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ إلا امرأتك ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ حنيذ ﴾ ه ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ قوم لوط ﴾ ه ط ﴿ بإسحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع ﴿ يعقوب ﴾ ه ﴿ شيخاً ﴾ ط ﴿ عجيب ﴾ ه ﴿ أهل البيت ﴾ ط ﴿ مجيد ﴾ ه ﴿ في قوم لوط ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ أمر ربك ﴾ ج للاتبداء بأن مع اتصال المعنى.

﴿ مردود ﴾ ه ﴿ عصيب ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للعطف ولاختلاف النظم ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ ضيفي ﴾ ط ﴿ رشيد ﴾ ه ﴿ من حق ﴾ ج لما مر ﴿ ما نريد ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ هـ.

﴿ إلا امرأتك ﴾ ط ﴿ أصابهم ﴾ ط ﴿ الصبح ﴾ ط ﴿ بقريب ﴾ ه ﴿ منضود ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة حجارة ﴿ عند ربك ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه.

التفسير: الرسل ههنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا فقيل: كان معه اثناء عشر ملكاً على أحسن ما يكون من صورة الغلمان.

وقال الضحاك: كانوا تسعة.

وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرائفيل وهم الذين ذكر الله  في سورة الحجر ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم  ﴾ وفي الذاريات ﴿ هل أتاك حديث إبراهيم  ﴾ والظاهر أن البشرى هي البشارة بالولد.

وقيل: بهلاك قوم لوط.

ومعنى ﴿ سلاماً ﴾ سلمنا عليك.

ومعنى ﴿ سلام ﴾ أمركم سلام أو سلام عليكم.

ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل.

قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن اقتداء بقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحس منها  ﴾ وإنما صح وقوع ﴿ سلام ﴾ مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإِضافة إلى المتكلم إذ أصله سلمت سلاماً فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات.

ومن قرأ ﴿ سلماً ﴾ فمعناه السلام أيضاً.

قال الفراء.

سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام.

وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب.

قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم فما لبث ﴿ أن جاء ﴾ أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه ﴿ بعجل ﴾ هو ولد البقرة ﴿ حنيذ ﴾ مشوي في حرفة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف.

ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ.

وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسماً لقوله: ﴿ بعجل سمين  ﴾ تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ إلى العجل أو الطعام ﴿ نكرهم ﴾ أي أنكرهم واستنكر فعلهم ﴿ وأوجس ﴾ أضمر ﴿ منهم خيفة ﴾ لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهموتوقعوا منه المكروه والشر.

وقيل: إنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به شراً.

وقيل: إنه كان يعرف أنهم ملائكة الله لقولهم: ﴿ لا تخف ﴾ .

﴿ وإنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ لم يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط.

وعلى هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله بترك أكلهم على توقع الشر منهم.

وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازاً واختصاراً لدلالة الإرسال على كونهم رسلاً لا أضافياً.

وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان مشغوفاً بالضيافة.

وبم عرف الملائكة خوفه؟

قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته ﴾ وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم ﴿ قائمة ﴾ وراء الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهو قعود ﴿ فضحكت ﴾ .

قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة.

وقيل: بهلاك أهل الخبائث.

وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟

قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بالثمن.

فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً، فضحكت امرأته فرحاً بهذا الكلام.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت.

وقيل: طلب إبراهيم  منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته.

وقيل: ضحكت تعجباً من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون.

وقيل: تعجبت من خوف إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي فبشرناها بإسحق، فضحكت سروراً.

وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد.

من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود بعد إسحاق، ومن قرأ بالنصب فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب.

أقول من المحتمل أن يكون ﴿ يعقوب ﴾ مجروراً بالعبارة الموجودة أي وبشرناها بيعقوب من بعد إسحاق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال هاشم ويراد أولاده ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة تلهف وقد مرت في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ و ﴿ شيخاً ﴾ نصب الحال والعامل فيه ما في هذا من معنى أنبه أو أشير ﴿ إن هذا ﴾ يعني إن تولد ولد من هرمين ﴿ لشيء عجيب ﴾ عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم ﴾ يا أهل بيت خليل الرحمن.

والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب.

ويحتمل أن يكون انتصاب ﴿ أهل البيت ﴾ على الاختصاص.

وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم.

ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: ﴿ إنه حميد ﴾ محمود في أفعاله ﴿ مجيد ﴾ ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه.

﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه ﴿ وجاءته البشرى ﴾ البشارة بحصول الولد ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ في معناهم وفي شأنهم وهو جواب "لما" على حكاية الحال، أو لأن "لما" ترد المضارع إلى الماضي عكس "إن"، ويحتمل أن يكون جواب "لما" محذوفاً دل عليه ﴿ يجادلنا ﴾ أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يجادلنا ﴾ وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل سعياً في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم.

ويروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟

قالوا: لا قال: فأربعون؟

قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا لا.

قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟

قالوا: لا.

فعند ذلك ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجِّيَنهُ وأهله  ﴾ قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة.

أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون.

وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك ههنا ولذلك مدحه بقوله: ﴿ إن إبراهيم لحليم ﴾ غير عجول في الأمور ﴿ أوّاه ﴾ كثير التأوّه من الذنوب ﴿ منيب ﴾ راجع إلى الله في كل ما يسنح له.

وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم.

ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ الجدال ﴿ إنه قد جاء أمر ربك ﴾ بإهلاكهم ﴿ وإنهم آتيهم ﴾ لاحق بهم ﴿ عذاب غير مردود ﴾ فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء.

﴿ ولما جاءت رسلنا ﴾ المذكورون ﴿ لوطاً سيء بهم ﴾ أصله "سوىء" لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ ﴿ سيء ﴾ بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة.

﴿ وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعاً.

﴿ وقال هذا يوم عصيب ﴾ أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور.

عن ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم.

وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادراً على القيام بحق ضياقتهم لأنه ما كان يجد ما ينفق عليهم.

وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره.

وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه.والصحيح هو الأول.

يروى أنه  قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات.

فلما مشى معهم منطلقاً به إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم؟

قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً - يقول ذلك أربع مرات - فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها فذلك قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً.

وقال الجوهري: الإهراع الإسراع.

وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع.

وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم به.

والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه.

ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل الخبيث فقال: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ الفواحش فمرنوا عليها فلذلك جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء.

وقيل: معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ببناته فقال: ﴿ هؤلاء نباتي ﴾ عن قتادة: بناته من صلبه.

وعن مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته.

واختير هذا القول لأن عرض البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات.

ولأن اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة.

والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان جائزاً كما في أول الإسلام، زوج رسول الله  ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى - وهما كافران - فنسخ بقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا  ﴾ وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين.

ويجوز أ يكون قد عرض البنات عليهم لا بطريق الجد بل طمعاً فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له.

و ﴿ أطهر ﴾ بمعنى الطاهر لأنه لا طهارة في نكاح الرجال ﴿ فاتقوا الله ﴾ بإيثارهن عليهم ﴿ ولا تخزون ﴾ ولا تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء.

﴿ في ضيفي ﴾ في حق أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار.

والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدراً.

﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ صالح أو مصلح مرشد يمنتع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح.

﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴾ من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا ﴿ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ ويجوز أن يراد إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن ألبتة فلا يتصور لنا حق فيهن.

قال لوط ﴿ لو أن لي بكم قوّة ﴾ وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في دفعكم.

قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من الدفع والمنع.

والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة ﴿ أو آوي ﴾ أنضم ﴿ إلى ركن شديد ﴾ حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته.

وقوله: ﴿ أو آوي ﴾ عطف على الفعل المقدر بعد "لو".

والحاصل أنه تمنى دفعهم بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد.

وقال النبي  "رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه" ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصناً يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على الدفع.

ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله.

روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ وهذه جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال  ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم  ﴾ فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون إن في بيت لوط سحرة.

ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن كانت للقطع من الإسراء.

﴿ بقطع من الليل ﴾ عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر.

وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.

وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ أي لا ينظر إلى ما رواءه ﴿ إلا امرأتك ﴾ أكثر القراء على النصب فاعترض بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على غير فصيح؟

فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من ﴿ أحد ﴾ على القياس والنصب مستثنى من قوله: ﴿ فأسر ﴾ لا من قوله ﴿ لا يلتفت ﴾ وزيف بأن الاستثناء من ﴿ أسر ﴾ يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ يقتضي كونها مسرياً بها لأن الالتفات بعد الإسراء فتكون مسرياً بها غير مسرى بها.

ويمكن أن يجاب بأن ﴿ أسر ﴾ وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا إن شئت من ﴿ أسر ﴾ وإن شئت من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولا تناقض.

وبعضهم - كابن الحاجب - جعل ﴿ إلا امرأتك ﴾ في كلتا القراءتين مستثنى من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى.

ويمكن أن يقال: إنما اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من ﴿ أسر ﴾ إذ لو جعل استثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعاً على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها موجباً للمعصية.

قاله في الكشاف.

وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها.

واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها.

روي أنها لما سمعت هدّة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه: فأدركها حجر فقتلها.

وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال والأمتعة.

فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطاً أن يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين.

ثم أمر أن يقعطوا العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها.

يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا: ﴿ أليس الصبح بقريب؟

﴾ ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بإهلاكهم ﴿ جعلنا ﴾ أي جعل رسلنا ﴿ عاليها سافلها ﴾ روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل - وهو معرب سنك وكل - كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية الصلابة.

وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته.

وقيل: أي مما كتب الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان.

وقيل: من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاماً.

ويل: إنه اسم من أسماء السماء الدنيا.

ومعنى ﴿ منضود ﴾ موضع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة والتلاصق.

أو نضد في السماء نضداً معداً لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في جبال مخصوصة كقوله: { ﴿ من جبال فيها من برد  ﴾ ﴿ مسوّمة ﴾ معلمة للعذاب أو بياض وحمرة، عن الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم.

وقال ابن جريج كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.

وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به.

وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع.

ومعنى ﴿ عند ربك ﴾ أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه إهلاك من أهلك بكل واحد منها ﴿ وما هي ﴾ أي تلك الحجارة ﴿ من الظالمين ﴾ أي من كل ظالم ﴿ ببعيد ﴾ وهو وعيد لأهل مكة عن رسول الله  أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة.

وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم إلى الشام.

وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله  أعلم بمراده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ ﴾ : اختلفوا في هذه البشارة؛ قال بعضهم: جاءوا هم ببشارة إسحاق والحافد.

وهو قوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ .

وقال بعضهم: جاءوا ببشارة إهلاك قوم لوط وإنجاء لوط وأهله، قيل: لأن لوطا كان ابن أخي إبراهيم، وكان لوط فزع إلى الله بسوء عمل قومه وصنيعهم ودعا بالنجاة منهم، وهو قوله: ﴿ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ...

﴾ الآية [الشعراء: 168] حتى ذكر في بعض القصة أن سارة قالت لإبراهيم: ضم ابن أخيك إلى نفسك فإن قومه يعذبون، كأنها عرفت أنه لا يتركهم على ما هم عليه بسوء عملهم.

قالوا: جاءوا بالبشارتين جميعاً: ببشارة الولد والحافد، وبشارة هلاك قوم لوط ونجاة لوط وأهله؛ إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ ﴾ : هذا يدل أن السلام هو سنة الأنبياء والرسل والملائكة في الدنيا والآخرة، ولم تخص هذه الأمة به بل كان سنة الرسل الماضية والأمم السالفة وكذلك هو تحية أهل الجنة لقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ  ﴾ ونحوه، هذا يدل على ما ذكرنا.

ثم انتصاب قوله: ﴿ سَلاَماً ﴾ وارتفاع الثاني؛ لأن الأول انتصب لوقوع القول عليه كقولك: قال قولا، والثاني حكاية لقولهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ ﴾ أي: ما لبث عندهم حتى اشتغل بتقديم شيء إليهم، وإلا قد يكون في ذبح العجل وشويه لبث إلا أن يكون العجل مشويّاً، فإن لم يكن مشويّاً فتأويله ما ذكرنا أن لم يلبث عندهم في المؤانسة والحديث معهم على ما يفعل مع الأضياف حتى جاء بما ذكر، وفيه ما ذكرنا من الأدب، وفيه دلالة فيمن نزل به ضيف ألا يشتغل بالسؤال عن أحوال ضيفه من أين وإلى أين؟

وما حاجتهم؟

ولكن يشتغل بقراهم وإزاحة حاجتهم؛ لأن إبراهيم -  - إنما اشتغل بقراهم، لم يشتغل بالسؤال عن أحوالهم، ولكن اشتغل بما ذكرنا فجاء بعجل حنيذ، وهذا هو الأدب في الضيف، ألا ترى أنه لو كان سأل عن أحوالهم، فعرف أنهم من الملائكة لكان لا يشتغل بما ذكر؛ إذ عرف أنهم من الملائكة والملائكة لا يتناولون شيئاً من الطعام.

وقوله: ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ، قال بعضهم: الحنيذ: السمين، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ  ﴾ .

وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي خد في الأرض خدّاً، فحمي فشوي بالحجر المحمي.

وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي يسيل منه الماء.

وقال ابن عباس: الحنيذ: النضيج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: نكرهم وأنكرهم واستنكرهم: واحد، وهو من الإنكار، أي: لم يعرفهم؛ ظن أنهم لصوص؛ لأن اللصوص من عادتهم أنهم كانوا إذا أرادوا السرقة من قوم لم يتناولوا من طعامهم، ولم يأكلوا شيئاً عندهم.

وقيل: نكرهم أنهم من البشر.

﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ .

قيل: أضمر منهم خوفاً، قال بعضهم: خاف لما ظن أنهم سراق ولصوص؛ حيث لم يتناولوا شيئاً مما قدم إليهم.

وقال بعضهم: خيفة، أي: وحشة: أي: أضمر وحشة، حيث لم يتناولوا شيئاً مما قرب إليهم؛ فحينئذ علم أنهم ليسوا من البشر؛ لأن منزل إبراهيم كان ينأى من البلد، ولم ينزل أحد من البشر إلا وقد احتاج إلى الطعام، فلما لم يتناولوا علم أنهم ليسوا من البشر، فما جاءوا إلا لأمر عظيم: لتعذيب قوم وهلاكهم؛ فخاف لذلك؛ فقالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ [وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً...

﴾ الآية [الذاريات: 32-33].

وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ].

وقال في موضع آخر: ﴿ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ  ﴾ يذكر هاهنا أن قولهم: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا ﴾ على أثر سؤال، وفيما نحن فيه لا كذلك؛ فالمعنى فيه - والله أعلم - أن ذلك كان على أثر سؤال إبراهيم بقوله: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ ﴾ ، لكنه جمع ذلك فيما نحن فيه بالحكاية عن قولهم، وإن كان مفصولا عنه، وخرجت الحكاية في موضع آخر على ما كان في الحقيقة، وذلك مستقيم في كلام العرب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ .

قال بعضهم: قائمة على رءوس الأضياف؛ لأنها كانت عجوز، ولا بأس لعجوز ذلك؛ ألا ترى إلى قول الله -  - ﴿ وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية [النور: 60].

وقال بعضهم: ﴿ قَآئِمَةٌ ﴾ من وراء الباب، لكن لسنا ندري أي ذلك كان؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ .

قال بعضهم: ضحكت، تعجباً من خوف إبراهيم أنهم لصوص، وهم كانوا ثلاثة أو أربعة، دون عشرة، وكان خدم إبراهيم -  - يبلغ عددهم ثلاثمائة، على ما ذكر في القصة ضحكت تعجباً؛ إذ كيف يخاف من نفر عددهم دون عشرة، وعنده من الخدم ما يبلغ عددهم ما ذكرنا.

وقال بعضهم: ضحكت؛ تعجباً ممّا بشروها بالولد، وقد بلغ سنها ما بلغ من الكبر وهو كذلك، وقالت: أحق أن ألد وقد بلغت من السن كذا.

وقال بعضهم: ضحكت أي: حاضت، من قولهم: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وهو قول ابن عباس وعكرمة.

وقال الفراء: (ضحكت): حاضت غيرُ مسموع ولا معروف فعلى تأويل من قال: إنها ضحكت تعجباً مما بشرت بالولد فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال فبشرناها بإسحاق ومن وراء أسحاق يعقوب فضحكت.

وقال بعضهم: ضحكت سروراً بالأمن منهم؛ لأنهما خافا منهم.

وقوله: ﴿ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ .

ظاهر هذا أنها بشرت بإسحاق، ومن وراء أولاد إسحاق أولاد يعقوب، ولكن لم يكن يعقوب ولد من إبراهيم؛ إنما ولد من إسحاق، وهو: حافد إبراهيم أبي إسحاق فتأويله من وراء إسحاق حافد؛ فإنما البشارة بالولد وبالحافد، وهو كقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  ﴾ .

وقال في هذه السورة: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ  ﴾ .

فإن كان على ما قالوا إنها كانت قائمة وراء الباب؛ فيكون إقبالها خروجها إلى القوم، وإن كان قيامها على رءوسهم؛ فيكون معنى الإقبال هو الإقبال في ضرب وجهها وصكها، لكن ذلك من القدوم، لكنه على الإقبال بفعل ما أخبر عنها من صك وجهها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ [وقال في موضع آخر: ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ  فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ  ﴾ ؛ وقال هاهنا: ﴿ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ ] إن هذا لشيء عجيب.

هي لم تتعجب [من] قدرة الله أنه قادر على أن يهب الولد في كل وقت؛ ولكنها تعجبت لما رأت العادة في النساء والرجال أنهم إذا بلغوا المبلغ الذي كانوا هم لم يلدوا؛ فتعجبها أنها تلد في الحال التي هي عليها، أو يردان إلى حال الشباب؛ فعند ذلك يولد لهما، وكلاهما عجيب بحيث الخروج على خلاف العادة، لا بحيث قدرة الرب، وهو كما ذكرنا من قول زكريا: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ  ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً  ﴾ ، وقوله: أنى يكون لي غلام في الحال التي أنا عليها أو يرد لي شبابي، فعلى ذلك قولها ﴿ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال أهل التأويل: أتعجبين من قدرة الله هذا؟

[...] لكنه يحتمل وجهين: أحدهما أي: لا تعجبي من أمر الله هذا وكثيرا مما رأيت أمثال ذلك في أهل بيتك.

والثاني [...].

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ ؛ لأنه معلوم أنهم لم يقولوا سلاماً حسب، لم يزيدوا على هذا؛ بل زادوا؛ فكأنهم قالوا: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو قالوا: سلام الله ورحمته وبركاته عليكم.

﴿ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ .

بالنصب؛ كأنه قال يا أهل البيت، كقوله -  - حيث قال: "تركت بعدي الثقلين: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي" ، أي: يا أهل بيتي.

﴿ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴾ .

يحتمل حميد الذي يقبل اليسير من المعروف ويعطي الجزيل كالشكور، والمجيد: من المجد والشرف.

وقيل: الحميد: المحمود، والمجيد: الماجد وهو الكريم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ ﴾ .

قيل: الروع هو الفرق والفزع الذي دخل فيه بمجيء الملائكة.

﴿ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ ﴾ .

في الولد والحافد، وفي نجاة لوط وأهله، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: مجادلته إياهم في قوم لوط ما ذكر في القصّة أنه قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم من المؤمنين كذا تعذبونهم؟

قالوا: لا ونحوه من الكلام فإن ثبت هذا، وإلا لا نعلم ما مجادلته إياهم [وأمكن أن تكون مجادلته إياهم] في دفع العذاب عنهم أو تأخيره دليله قوله: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ ، ويحتمل مجادلته إياهم في استبقاء قوم لوط؛ شفقة عليهم ورحمة، لعلهم يؤمنون ويقبلون ما يدعون إليه؛ لئلا ينزل بهم العذاب: ما أوعدوا يتشفع إليهم ليسألوا ربهم أن يبقيهم والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴾ .

قيل: الحليم هو الذي لا يكافئ من ظلمه ولا يجازيه به، أو يحلم عن سفه كل سفيه ﴿ أَوَّاهٌ ﴾ ، قيل: الأواه: الموقن، بلغة الحبش، وقيل: الأواه: المتأوه، وهو الدعاء وكثير الدعاء، وقيل: الأواه: المتقي الذي لا يفتر لسانه عن ذكره، وقيل: الأواه: الحزين فيما بينه وبين ربّه.

في هذه الأحرف الثلاثة جميع أنواع الخير والطاعة ما كان [فيما] بينه وبين ربه، وما كان بينه وبين الخلق، حيث ذكر أنه حليم وأنه أواه، وأنه منيب، والمنيب، قيل: المخلص لله وقيل: هو المقبل إلى الله بقلبه وبدنه، وقد ذكرنا هذا في سورة التوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ﴾ يعني: عن المجادلة [التي كان يجادلهم ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّك ﴾ أي: جاء ما أمر به ربك، وجاء موعودهم، وأنهم ﴿ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ أي: غير مدفوع لا يحتمل الردّ بالشفاعة.

ويحتمل قوله: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ﴾ عن المجادلة التي] ذكر أنه قد جاء أمر ربك بالانصراف والرجوع عنك.

ويحتمل: جاء أمر ربك من إنزال العذاب بهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد جاءت الملائكة في هيئة رجال إلى إبراهيم  ؛ مبشرين إياه وزوجته بإسحاق ثم بيعقوب، فقال الملائكة: سلامًا، فرد عليهم إبراهيم بقوله: سلام، وذهب مسرعًا، فجاءهم بعجل مشوي؛ ليأكلوا منه ظنًّا منه أنهم رجال.

<div class="verse-tafsir" id="91.d1wBj"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله