الآية ٧٠ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٧٠ من سورة هود

فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ ٧٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٠ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٠ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ) تنكرهم ، ( وأوجس منهم خيفة ) وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه; فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به ، فارغين عنه بالكلية فعند ذلك نكرهم ، ( وأوجس منهم خيفة ) .

قال السدي : لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شبان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه ، فلما رآهم [ إبراهيم ] أجلهم ، ( فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ) فذبحه ثم شواه في الرضف .

[ فهو الحنيد حين شواه ] وأتاهم به فقعد معهم ، وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول : " وامرأته قائمة وهو جالس " في قراءة ابن مسعود : " فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون قالوا : يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن .

قال فإن لهذا ثمنا .

قالوا وما ثمنه ؟

قال : تذكرون اسم الله على أوله ، وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال : حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا " ، ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ) يقول : فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم ، وأوجس منهم خيفة ، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ، ضحكت وقالت : عجبا لأضيافنا هؤلاء ، [ إنا ] نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم ، وهم لا يأكلون طعامنا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا نصر بن علي ، [ حدثنا ] نوح بن قيس ، عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال : كانوا أربعة : جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، ورفائيل .

قال نوح بن قيس : فزعم نوح بن أبي شداد أنهم لما دخلوا على إبراهيم ، فقرب إليهم العجل ، مسحه جبريل بجناحه ، فقام يدرج حتى لحق بأمه ، وأم العجل في الدار .

وقوله تعالى إخبارا عن الملائكة : ( قالوا لا تخف ) [ إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت ] ) أي قالوا : لا تخف منا ، إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم .

فضحكت سارة استبشارا [ منها ] بهلاكهم ، لكثرة فسادهم ، وغلظ كفرهم وعنادهم ، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس .

وقال قتادة : ضحكت [ امرأته ] وعجبت [ من ] أن قوما يأتيهم العذاب وهم في غفلة [ فضحكت من ذلك وعجبت فبشرناها بإسحاق ] .

وقوله : ( ومن وراء إسحاق يعقوب ) قال العوفي ، عن ابن عباس : ( فضحكت ) أي : حاضت .

وقول محمد بن قيس : إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط ، وقول الكلبي إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم .

ضعيفان جدا ، وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما ، فلا يلتفت إلى ذلك ، والله أعلم .

وقال وهب بن منبه : إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق .

وهذا مخالف لهذا السياق ، فإن البشارة صريحة مرتبة على .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فلما رأى إبراهيم أيديَهم لا تصل إلى العجل الذي أتاهم به، والطعام الذي قدّم إليهم ، نكرهم، وذلك أنه لما قدم طعامه صلى الله عليه وسلم إليهم ، فيما ذكر، كفّوا عن أكله، لأنهم لم يكونوا ممن يأكله.

وكان إمساكهم عن أكله ، عند إبراهيم ، وهم ضِيَفانه مستنكرًا.

ولم تكن بينهم معرفةٌ، وراعه أمرهم، وأوجس في نفسه منهم خيفة.

* * * وكان قتادة يقول: كان إنكاره ذلك من أمرهم ، كما:- 18311- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة) ، وكانت العرب إذا نـزل بهم ضيف فلم يطعم من طعامهم، ظنوا أنه لم يجئ بخير، وأنه يحدِّث نفسه بشرّ.

18312- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرَهم) ، قال : كانوا إذا نـزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم، ظنوا أنه لم يأت بخير، وأنه يحدّث نفسه بشرّ، ثم حدَّثوه عند ذلك بما جاؤوا.

*وقال غيره في ذلك ما:- 18313- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن سفيان قال: لما دخل ضيف إبراهيم عليه السلام ، قرّب إليهم العجل، فجعلوا ينكتُون بقِداح في أيديهم من نبْل، ولا تصل أيديهم إليه، نكرهم عند ذلك.

(37) * * * يقال منه: " نكرت الشيء أنكره "، و " أنكرته أنكره " ، بمعنى واحد، ومن " نكرت " و " أنكرت "، قول الأعشى: وَأَنْكَـرَتْنِي وَمَـا كَـانَ الَّـذِي نَكِـرَتْ مِـنَ الحَـوَادِثِ , إلا الشَّـيْبَ وَالصَّلَعَا (38) فجمع اللغتين جميعا في البيت.

وقال أبو ذؤيب: فَنَكِرْنَــهُ , فَنَفَـرْنَ, وامْتَرَسَـتْ بِـهِ هَوْجَــاءُ هَادِيَــةٌ وَهَــادٍ جُرْشُـعُ (39) * * * وقوله: (وأوجس منهم خيفة) ، يقول: أحسَّ في نَفسه منهم خيفة وأضمرها.

(40) ، (قالوا لا تخف ) ، يقول: قالت الملائكة ، لما رأت ما بإبراهيم من الخوف منهم: لا تخف منا وكن آمنًا، فإنا ملائكة ربّك ، (أرسلنا إلى قوم لوط).

--------------------- الهوامش : (37) الأثر : 18313 - " الأسود بن قيس العبدي ، البجلي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 7440 .

و" جندب بن سفيان " ، منسوب إلى جده ، وهو : " جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي " ، كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم غلامًا حزورًا ، كما قال هو ، وهو الذي راهق ، ولم يدرك بعد .

مترجم في الإصابة ، وغيره ، وفي التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 220 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 510 .

(38) ديوانه : 72 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 293 ، واللسان ( نكر ) وغيرهما ، وسيأتي في التفسير 29 : 145 ( بولاق ) ، ومما يرويه أبو عبيدة ، أن أبا عمرو بن العلاء قال : " أنا قلت هذا البيت وأستغفر الله " ، فلم يروه ، وأنه أنشد بشارًا هذا البيت وهو يسمعه وقيل له : إنه للأعشى ، فقال : ليس هذا من كلامه .

فقلت له : يا سيدي ، ولا عرف القصيدة .

ثم قال : أعمى شيطان .

وهذه قصة تروى أنا في شك منها .

(39) ديوانه ، ( ديوان الهذليين ) 1 : 8 ، وشرح المفضليات : 867 ، وغيرهما ، يذكر حمر الوحش ، لما شرعت في الماء ، وسمعت حس الصائد ، فقال : فَشَــرِبْنَ ثُـمَّ سَـمِعْنَ حِسًّـا دُونَـهُ شَـرَفُ الحِجَـابِ , وَرَيْبَ قَرْعٍ يَقْرَعُ وَنمِيمَــةً مِـنْ قَــانِصٍ متلبِّــبٍ فـي كَفِّـهِ جَـشْءٌ أَجَـشُّ وأَقْطَـعُ يقول : سمعن حس الصائد ، يحجبه ما ارتفع من الحرة وهو " شرف الحجاب " ، ثم يقول : سمعن ما رابهن من قرع القوس وصوت الوتر ، وسمعن نميمة الصائد ، وهو ما ينم عليه من حركته ، و" المتلبب "المحتزم بثوبه .

و" الجشء " القضيب الذي تعمل منه القوس .

و" أجش " غليظ الصوت .

و" الأقطع " جمع " قطع " ( بكسر فسكون ) ، وهو نصل بين النصلين ، صغير .

يقول : فلما سمعت ذلك أنكرته فنفرت ، فامترست الأتان بالحمار ، أي دنت منه دنوًا شديدًا ، من شدة ملازمتها له .

و"سطعاء " طويلة العنق ، و"هادية " متقدمة ، وهو "هاد " متقدم ، " جرشع "، منتفخ الجنبين .

وأما رواية " هوجاء هادية " ، فإنه يعني : جريئة متقدمة .

.

(40) انظر تفسير " خيفة " فيما سلف 13 : 353 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم يقول : أنكرهم ; تقول : نكرتك وأنكرتك واستنكرتك إذا وجدته على غير ما عهدته ; قال الشاعر :وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعافجمع بين اللغتين .

ويقال : نكرت لما تراه بعينك .

وأنكرت لما تراه بقلبك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ } أي: إلى تلك الضيافة { نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } وظن أنهم أتوه بشر ومكروه، وذلك قبل أن يعرف أمرهم.

فـ { قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ } أي: إنا رسل الله, أرسلنا الله إلى إهلاك قوم لوط.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ) أي : إلى العجل ، ( نكرهم ) أنكرهم ، ( وأوجس ) أضمر ، ( منهم خيفة ) خوفا .

قال مقاتل : وقع في قلبه ، وأصل الوجوس : الدخول ، كان الخوف دخل قلبه .

وقال قتادة : وذلك أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنما جاء بشر .

( قالوا لا تخف ) يا إبراهيم إنا رسل ربك .

يعني : ( إنا ) ملائكة الله ( أرسلنا إلى قوم لوط ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم» بمعنى أنكرهم «وأوجس» أضمر في نفسه «منهم خيفة» خوفا «قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط» لنهلكهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تَصِل إلى العجل الذي أتاهم به ولا يأكلون منه، أنكر ذلك منهم، وأحس في نفسه خيفة وأضمرها، قالت الملائكة -لما رأت ما بإبراهيم من الخوف-: لا تَخَفْ إنا ملائكة ربك أُرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حال إبراهيم عندما رأى ضيوفه لا يأكلون من طعامه فقال : ( فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ..

.

)ومعنى ( نَكِرَهُمْ ) : نفر منهم ، وكره تصرفهم .

نقول فلان نكر حال فلان - كعلم - وأنكره نكراً ونكوراً .

.

.

إذا وجده على غير ما يعهده فيه ، ويتوقعه منه .( وَأَوْجَسَ ) من الوجس وهو الصوت الخفى ، والمراد به هنا : الإِحساس الخفى بالخوف والفزع الذى يقع فى النفس عند رؤية ما يقلقها ويخيفها .أى : فلما رأى إبراهيم - عليه السلام - ضيوفه لا تمتد أيديهم إلى الطعام الذى قدمه لهم ، نفر منهم ، وأحس فى نفسه من جهتهم خوفاً ورعباً؛ لأن امتناع الضيف عن الأكل من طعام مضيفه - بدون سبب مقنع 0- يشعر بأن هذا الضيف ينوى شراً به .

.

.

والتقاليد فى كثير من البلاد إلى الآن تؤيد ذلك .ولذا قالت الملائكة لإِبراهيم عندما لاحظوا ما يساور نفسه من الخوف : ( لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ )أى : لا تخف يا إبراهيم فإنا لسنا ضيوفا من البشر ، وإنما نحن رسل من الله - تعالى - أرسلنا إلى قوم لوط لإِهلاكهم .وقد جاء فى بعض الآيات أنه صارحهم بالخوف منهم ، ففى سورة الحجر قال - تعالى - : ( وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ .

إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ .

قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ .

.

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال النحويون: دخلت كلمة قد هاهنا لأن السامع لقصص الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة، وقد للتوقع، ودخت اللام في لقد لتأكيد الخبر، ولفظ ﴿ رُسُلُنَا ﴾ جمع وأقله ثلاثة فهذا يفيد القطع بحصول ثلاثة، وأما الزائد على هذا العدد فلا سبيل إلى إثباته إلا بدليل آخر، وأجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام، ثم اختلفت الروايات فقيل: أتاه جبريل عليه السلام ومعه اثنا عشر ملكاً على صورة الغلمان الذين يكونون في غاية الحسن وقال الضحاك كانوا تسعة.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام، وهم الذين ذكرهم الله في سورة والذاريات في قوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبراهيم  ﴾ وفي الحجر ﴿ وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بالبشرى على وجهين: الأول: أن المراد ما بشره الله بعد ذلك بقوله: ﴿ فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ ﴾ الثاني: أن المراد منه أنه بشر إبراهيم عليه السلام بسلامة لوط وبإهلاك قومه.

وأما قوله: ﴿ قَالُواْ سلاما قَالَ سلام ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكساني ﴿ قَالُواْ سلام قَالَ سلام ﴾ بكسر السين وسكون اللام بغير ألف، وفي والذاريات مثله.

قال الفراء: لا فرق بين القراءتين كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام لأن في التفسير أنهم لما جاؤا سلموا عليه.

قال أبو علي الفارسي: ويحتمل أن يكون سلم خلاف العدو والحرب كأنهم لما امتنعوا من تناول ما قدمه إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قال إنا سلم ولست بحرب ولا عدو فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يمتنع من تناول طعام العدو، وهذا الوجه عندي بعيد، لأن على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلم إبراهيم عليه السلام بهذا اللفظ بعد إحضار الطعام، إلا أن القرآن يدل على أن هذا الكلام إنما وجد قبل إحضار الطعام لأنه تعالى قال: ﴿ قَالُواْ سلاما قَالَ سلام فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ والفاء للتعقيب، فدل ذلك على أن مجيئه بذلك العجل الحنيذ كان بعد ذكر السلام.

المسألة الثانية: قالوا سلاماً تقديره: سلمنا عليك سلاماً قال سلام تقديره: أمري سلام، أي لست مريداً غير السلامة والصلح.

قال الواحدي: ويحتمل أن يكون المراد: سلام عليكم، فجاء به مرفوعاً حكاية لقوله كما قال: وحذف عنه الخبر كما حذف من قوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ  ﴾ وإنما يحسن هذا الحذف إذا كان المقصود معلوماً بعد الحذف، وهاهنا المقصود معلوم فلا جرم حسن الحذف، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام  ﴾ على حذف الخبر.

واعلم أنه إنما سلم بعضهم على بعض، رعاية للإذن المذكور في قوله تعالى: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا ﴾ .

المسألة الثالثة: أكثر ما يستعمل ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ بغير ألف ولام، وذلك لأنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم: خير بين يديك.

فإن قيل: كيف جاز جعل النكرة مبتدأ؟

قلنا: النكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ، فإذا قلت سلام عليكم: فالتنكير في هذا الموضع يدل على التمام والكمال، فكأنه قيل: سلام كامل تام عليكم، ونظيره قولنا: سلام عليك، وقوله تعالى: ﴿ قَالَ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي  ﴾ وقوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ ﴿ سلام على نُوحٍ فِي العالمين  ﴾ ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ فأما قوله تعالى: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى  ﴾ فهذا أيضاً جائز، والمراد منه الماهية والحقيقة.

وأقول: قوله: ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ أكمل من قوله: السلام عليكم، لأن التنكير في قوله: ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ يفيد الكمال والمبالغة والتمام.

وأما لفظ السلام: فإنه لا يفيد إلا الماهية.

قال الأخفش: من العرب من يقول: سلام عليكم فيعرى قوله: سلام عن الألف واللام والتنوين، والسبب في ذلك كثرة الاستعمال أباح هذا التخفيف، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك، ثم جاءه الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم، فعجل وجاء بعجل حنيذ، فقوله: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ معناه: فما لبت في المجيء به بل عجل فيه، أو التقدير: فما لبث مجيئه والعجل ولد البقرة.

أما الحنيذ: فهو الذي يشوى في حفرة من الأرض بالحجارة المحماة، وهو من فعل أهل البادية معروف، وهو محنوذ في الأصل كما قيل: طبيخ ومطبوخ، وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسمه.

يقال: حنذت الفرس إذا ألقيت عليه الجل حتى تقطر عرقاً.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ ﴾ أي إلى العجل، وقال الفراء: إلى الطعام، وهو ذلك العجل ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ أي أنكرهم.

يقال: نكره وأنكره واستنكره.

واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها، وهو كان مشغوفاً بالضيافة.

وأما إبراهيم عليه السلام.

فنقول: إما أن يقال: إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة، بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر، أو يقال: إنه كان عالماً بأنهم من الملائكة.

أما على الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران: أحدهما: أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروهاً.

وثانيها: أن من لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام فإن أكل حصل الأمن وإن لم يأكل حصل الخوف.

وأما الاحتمال الثاني: وهو أنه عرف أنهم ملائكة الله تعالى، فسبب خوفه على هذا التقدير أيضاً أمران: أحدها: أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه: والثاني: أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه.

فإن قيل: فأي هذين الاحتمالين أقرب وأظهر؟

قلنا: أما الذي يقول إنه ما عرف أنهم ملائكة الله تعالى فله أن يحتج بأمور: أحدها: أنه تسارع إلى إحضار الطعام، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك.

وثانيها: أنه لما رآهم ممتنعين من الأكل خافهم، ولو عرف كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول الشر.

وثالثها: أنه رآهم في أول الأمر في صورة البشر، وذلك لا يدل على كونهم من الملائكة.

وأما الذي يقول: إنه عرف ذلك احتج بقوله: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف بأي سبب أرسلوا، ثم بين تعالى أن الملائكة أزالوا ذلك الخوف عنه فقالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ومعناه: أرسلنا بالعذاب إلى قوم لوط، لأنه أضمر لقيام الدليل عليه في سورة أخرى، وهو قوله: ﴿ قَالُوٓا إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وامرأته قَائِمَةٌ ﴾ يعني سارة بنت آزر بن باحورا بنت عم إبراهيم عليه السلام، وقوله: ﴿ قَائِمَةً ﴾ قيل: كانت قائمة من وراء الستر تستمع إلى الرسل، لأنها ربما خافت أيضاً.

وقيل: كانت قائمة تخدم الأضياف وإبراهيم عليه السلام جالس معهم، ويأكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود ﴿ وامرأته قَائِمَةٌ ﴾ وهو قاعد.

ثم قال تعالى: ﴿ فَضَحِكَتْ فبشرناها بإسحاق ﴾ واختلفوا في الضحك على قولين: منهم من حمله على نفس الضحك، ومنهم من حمل هذا اللفظ على معنى آخر سوى الضحك.

أما الذين حملوه على نفس الضحك فاختلفوا في أنها لم ضحكت، وذكروا وجوهاً: الأول: قال القاضي إن ذلك السبب لابد وأن يكون سبباً جرى ذكره في هذه الآية، وما ذاك إلا أنها فرحت بزوال ذلك الخوف عن إبراهيم عليه السلام حيث قالت الملائكة: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ وعظم سرورها بسبب سروره بزوال خوفه، وفي مثل هذه الحالة قد يضحك الإنسان، وبالجملة فقد كان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ فكان كالبشارة، فقيل لها: نجعل هذه البشارة بشارتين، فكما حصلت البشارة بزوال الخوف، فقد حصلت البشارة أيضاً بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أول العمر إلى هذا الوقت وهذا تأويل في غاية الحسن.

الثاني: يحتمل أنها كانت عظيمة الإنكار على قوم لوط لما كانوا عليه من الكفر والعمل الخبيث، فلما أظهروا أنهم جاؤا لإهلاكهم لحقها السرور فضحكت.

الثالث: قال السدي قال إبراهيم عليه السلام لهم: ﴿ أَلا تَأْكُلُونَ ﴾ قالوا: لا نأكل طعاماً إلا بالثمن، فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله تعالى على أوله وتحمدوه على آخره، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام: حق لمثل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً فضحكت امرأته فرحاً منها بهذا الكلام.

الرابع: أن سارة قالت لإبراهيم عليه السلام أرسل إلى ابن أخيك وضمه إلى نفسك، فإن الله تعالى لا يترك قومه حتى يعذبهم، فعند تمام هذا الكلام دخل الملائكة على إبراهيم عليه السلام، فلما أخبروه بأنهم إنما جاؤا لإهلاك قوم لوط صار قولهم موافقاً لقولها، فضحكت لشدة سرورها بحصول الموافقة بين كلامها وبين كلام الملائكة.

الخامس: أن الملائكة لما أخبروا إبراهيم عليه السلام أنهم من الملائكة لا من البشر وأنهم إنما جاؤا لإهلاك قوم لوط طلب إبراهيم عليه السلام منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي من الموضع الذي كان موضوعاً فيه إلى مرعاه، وكانت امرأة إبراهيم عليه السلام قائمة فضحكت لما رأت ذلك العجل المشوي قد طفر من موضعه.

السادس: أنها ضحكت تعجباً من أن قوماً أتاهم العذاب وهم في غفلة.

السابع: لا يبعد أن يقال إنهم بشروها بحصول مطلق الولد فضحكت، إما على سبيل التعجب فإنه يقال إنها كانت في ذلك الوقت بنت بضع وتسعين سنة وإبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة، وإما على سبيل السرور.

ثم لما ضحكت بشرها الله تعالى بأن ذلك الولد هو إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.

الثامن: أنها ضحكت بسبب أنها تعجبت من خوف إبراهيم عليه السلام من ثلاث أنفس حال ما كان معه حشمه وخدمه.

التاسع: أن هذا على التقديم والتأخير والتقدير: وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق فضحكت سروراً بسبب تلك البشارة فقدم الضحك، ومعناه التأخير.

الثاني: هو أن يكون معنى فضحكت حاضت وهو منقول عن مجاهد وعكرمة قالا: ضحكت أي حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف، فلما ظهر حيضها بشرت بحصول الولد، وأنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت، قال أبو بكر الأنباري هذه اللغة إن لم يعرفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم، حكى الليث في هذه الآية ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ طمثت، وحكى الأزهري عن بعضهم أن أصله من ضحاك الطلعة يقال ضحكت الطلعة إذا انشقت.

واعلم أن هذه الوجوه كلها زوائد.

وإنما الوجه الصحيح هو الأول.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بالنصب والباقون بالرفع أما وجه النصب، فهو أن يكون التقدير: بشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب، وأما وجه الرفع فهو أن يكون التقدير: ومن وراء إسحاق يعقوب مولود أو موجود.

المسألة الثانية: في لفظ وراء قولان: الأول: وهو قول الأكثرين أن معناه بعد أي بعد إسحاق يعقوب وهذا هو الوجه الظاهر.

والثاني: أن الوراء ولد الولد، عن الشعبي أنه قيل له هذا ابنك، فقال نعم من الوراء، وكان ولد ولده، وهذا الوجه عندي شديد التعسف، واللفظ كأنه ينبو عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَرْسَلْنَا ﴾ يريد الملائكة.

عن ابن عباس: جاءه جبريل عليه السلام وملكان معه.

وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل.

وقيل: كانوا تسعة.

وعن السدي: أحد عشر ﴿ بالبشرى ﴾ هي البشارة بالولد، وقيل: بهلاك قوم لوط، والظاهر الولد ﴿ سلاما ﴾ سلمنا عليك سلاماً ﴿ سلاما ﴾ أمركم سلام.

وقرئ: ﴿ فقالوا سلما قال سلم ﴾ بمعنى السلام.

وقيل: سلم وسلام، كحرم وحرام، وأنشد: مَرَرْنَا فَقُلْنَا إيِه سِلْمٌ فَسَلَّمَت ** كَمَا اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الْغَمَامُ اللَّوَائِحُ ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء ﴾ فما لبث في المجيء به، بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه.

والعجل: ولد البقرة، ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة، وكان مال إبراهيم عليه الصلاة والسلام البقر ﴿ حنيذ ﴾ مشويّ بالرضف في أخدود.

وقيل ﴿ حَنِيذٍ ﴾ يقطر دسمه، من حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى تقطر عرقاً، ويدل عليه ﴿ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ [الذاريات: 26] .

يقال: نكره وأنكره واستنكره، ومنكور قليل في كلامهم، وكذلك: أنا أنكرك، ولكن منكر ومستنكر، وأنكرك.

قال الأعشى: وَأَنْكَرَتْني وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَت ** مِنَ الْحَوَادِثِ إلاّ الشَّيْبَ والصَّلَعَا قيل: كان ينزل في طرف من الأرض فخاف أن يريدوا به مكروهاً.

وقيل: كانت عادتهم أنه إذامسّ من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه، والظاهر أنه أحسّ بأنهم ملائكة، ونكرهم لأنه تخوّف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه، ألا ترى إلى قولهم: ﴿ لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا ﴿ فَأَوْجَسَ ﴾ فأضمر.

وإنما قالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه.

أو عرفوه بتعريف الله.

أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف، لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته قَآئِمَةٌ ﴾ قيل: كانت قائمة وراء الستر تسمع تحاورهم.

وقيل: كانت قائمة على رؤسهم تخدمهم.

وفي مصحف عبد الله: وامرأته قائمة وهو قاعد ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ سروراً بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الخبائث.

أو كان ضحكها ضحك إنكار لغفلتهم وقد أظلهم العذاب.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم: اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، فضحكت سروراً لما أتى الأمر على ما توهمت.

وقيل ضحكت فحاضت.

وقرأ محمد بن زياد الأعرابي ﴿ فضحكت ﴾ بفتح الحاء ﴿ يَعْقُوبَ ﴾ رفع بالابتداء، كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب مولود أو موجود، أي من بعده.

وقيل الوراء: ولد الولد.

وعن الشعبي أنه قيل له: أهذا ابنك؟

فقال نعم، من الوراء، وكان ولد ولده.

وقرئ: ﴿ يعقوب ﴾ بالنصب، كأنه قيل.

ووهبنا لها إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله: ......

لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ** وَلاَ نَاعِبٍ............

الألف في ﴿ يا ويلتا ﴾ مبدلة من ياء الإضافة، وكذلك في (يالهفاً) و (ياعجباً) وقرأ الحسن: ﴿ يا ويلتي ﴾ بالياء على الأصل.

و ﴿ شَيْخًا ﴾ نصب بما دلّ عليه اسم الإشارة.

وقرئ: ﴿ شيخ ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا بعلي هو شيخ.

أو بعلي: بدل من المبتدأ، وشيخ: خبر، أو يكونان معاً خبرين.

قيل: بشرت ولها ثمان وتسعون سنة، ولإبراهيم مائة وعشرون سنة ﴿ إِنَّ هذا لَشَيْء عَجِيبٌ ﴾ أن يولد ولد من هرمين، وهو استبعاد من حيث العادة التي أجراها الله.

وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها ف ﴿ قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهي النساء الناشئآت في غير بيوت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم: ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوّة، فليست بمكان عجب.

وأمر الله: قدرته وحكمته: وقوله: ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإنّ أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم.

وقيل: الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بني إسرائيل، لأنّ الأنبياء منهم، وكلهم من ولد إبراهيم ﴿ حَمِيدٌ ﴾ فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ﴿ مَّجِيدٌ ﴾ كريم كثير الإحسان إليهم.

وأهل البيت: نصب على النداء أو على الاختصاص لأن ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ مدح لهم؛ إذ المراد: أهل بيت خليل الرحمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ ﴾ لا يَمُدُّونَ إلَيْهِ أيْدِيَهم.

﴿ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ﴾ أنْكَرَ ذَلِكَ مِنهم وخافَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا، ونَكِرَ وأنْكَرَ واسْتَنْكَرَ بِمَعْنى والإيجاسُ الإدْراكُ وقِيلَ الإضْمارُ ﴿ قالُوا ﴾ لَهُ لَمّا أحَسُّوا مِنهُ أثَرَ الخَوْفِ.

﴿ لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ إنّا مَلائِكَةٌ مُرْسَلَةٌ إلَيْهِمْ بِالعَذابِ، وإنَّما لَمْ نَمُدَّ إلَيْهِ أيْدِيَنا لِأنّا لا نَأْكُلُ.

﴿ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ ﴾ وراءَ السَّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهم أوْ عَلى رُؤُوسِهِمْ لِلْخِدْمَةِ.

﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ أوْ بِهَلاكِ أهْلِ الفَسادِ أوْ بِإصابَةِ رَأْيِها فَإنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ لُوطًا فَإنِّي أعْلَمُ أنَّ العَذابَ يَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ.

وقِيلَ فَضَحِكَتْ فَحاضَتْ قالَ الشّاعِرُ: وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبابَةٍ.

.

.

ولَمْ يَعْدُ حُقًّا ثَدْيُها أنْ تَحَلَّما وَمِنهُ ضَحِكَتِ السَّمُرَةُ إذا سالَ صَمْغُها وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ.

﴿ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ ﴾ نَصَبَهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ وتَقْدِيرُهُ: ووَهَبْناها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ.

وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿ بِإسْحاقَ ﴾ أوْ عَلى لَفْظِ ﴿ إسْحاقَ ﴾ ، وفَتْحَتُهُ لِلْجَرِّ فَإنَّهُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ ورَدَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالظَّرْفِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ.

وَخَبَرُهُ الظَّرْفُ أيْ و ﴿ يَعْقُوبَ ﴾ مَوْلُودٌ مِن بَعْدِهِ.

وقِيلَ الوَراءُ ولَدُ الوَلَدِ ولَعَلَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ بَعْدَ الوَلَدِ وعَلى هَذا تَكُونُ إضافَتُهُ إلى إسْحاقَ لَيْسَ مِن حَيْثُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وراءَهُ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ وراءَ إبْراهِيمَ مِن جِهَتِهِ وفِيهِ نَظَرٌ.

والِاسْمانِ يَحْتَمِلُ وُقُوعُهُما في البِشارَةِ كَيَحْيى، ويَحْتَمِلُ وُقُوعُهُما في الحِكايَةِ بَعْدَ أنْ وُلِدا فَسُمِّيا بِهِ، وتَوْجِيهُ البِشارَةِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ المُبَشَّرَ بِهِ يَكُونُ مِنها لا مِن هاجَرَ ولِأنَّها كانَتْ عَقِيمَةً حَرِيصَةً عَلى الوَلَدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)

{فلما رأى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} نكر وأنكر بمعنى وكانت عادتهم أنه إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه دليله قوله {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خيفة} أى أضمر منهم خوفاً {قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ} بالعذاب وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا وإنما قالوا لا تخف لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير فى وجهه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ ﴾ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَمُدُّونَ إلَيْهِ أيْدِيَهم ويَلْزَمُهُ أنَّهم لا يَأْكُلُونَ، وقِيلَ: (لا) كِنايَةٌ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ اللَّحْمَ بِقِداحٍ في أيْدِيهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ شَيْءٌ إذْ هَذا النَّكْتُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالعَبَثِ، والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَجِلُّونَ عَنْ مِثْلِهِ، و(رَأى) قِيلَ: عِلْمِيَّةٌ فَجُمْلَةُ ﴿ لا تَصِلُ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، والظّاهِرُ أنَّها بَصَرِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِن أدَبِ الضِّيافَةِ النَّظَرَ إلى الضَّيْفِ هَلْ يَأْكُلُ أوْ لا، لَكِنْ ذَكَرُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَقَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الضَّيْفَ مُقَصِّرًا في الأكْلِ أيْ لِما شاهَدَ مِنهم ذَلِكَ ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ أيْ نَفَرَهم ﴿ وأوْجَسَ ﴾ أيِ اسْتَشْعَرَ وأدْرَكَ، وقِيلَ: أضْمَرَ (مِنهُمْ) أيْ مِن جِهَتِهِمْ (خِيفَةً) أيْ خَوْفًا، وأصْلُها الحالَةُ الَّتِي عَلَيْها الإنْسانُ مِنَ الخَوْفِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَها بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ حَيْثُ تَفَرَّسَ لِذَلِكَ مَعَ جَهالَتِهِ لَهم مِن قَبْلُ وعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ مِن أيِّ النّاسِ يَكُونُونَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في الذّارِياتِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ أنَّهم مَلائِكَةٌ، وظَنَّ أنَّهم أُرْسِلُوا لِعَذابِ قَوْمِهِ لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (قالُوا) حِينَ رَأوْا أثَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، أوْ بَعْدَ أنْ قالَ لَهم ما في الحِجْرِ ﴿ إنّا مِنكم وجِلُونَ ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ مِنهُ أنَّ هُناكَ قَوْلًا بِالفِعْلِ لا بِالقُوَّةِ كَما هو احْتِمالٌ فِيهِ عَلى ما سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مَلائِكَةٌ يُوجِبُ الخَوْفَ لِأنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا بِعَذابٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِلْمَلائِكَةِ مُطْلَقًا ما لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ مِن الِاطِّلاعِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ وفي الصَّحِيحِ: «قالَتِ المَلائِكَةُ: رَبِّ عَبْدُكَ هَذا يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً» الحَدِيثَ، وهو قَوْلٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْلَمُونَ الأُمُورَ القَلْبِيَّةَ.

وفِي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما هو صَرِيحٌ بِخِلافِهِ، والآيَةُ والخَبَرُ المَذْكُورانِ لا يَصْلُحانِ دَلِيلًا لِهَذا المَطْلَبِ، وإسْنادُ القَوْلِ إلَيْهِمْ ظاهِرٌ في أنَّ الجَمِيعَ قالُوا ( لا تَخَفْ ) ويَحْتَمِلُ أنَّ القائِلَ بَعْضُهُمْ، وكَثِيرًا ما يُسْنَدُ فِعْلُ البَعْضِ إلى الكُلِّ في أمْثالِ ذَلِكَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا أُرْسِلْنا ﴾ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ كَما أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَذَلِكَ فَإنَّ إرْسالَهم إلى قَوْمٍ آخَرِينَ يُوجِبُ أمْنَهُ مِنَ الخَوْفِ أيْ (أرْسَلْنا) بِالعَذابِ ﴿ إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ خاصَّةً، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَسَّ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا ﴾ فَإنَّهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ إنَّما يُقالُ لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ فِيمَ أُرْسِلُوا فَخافَ، وأنَّ الإنْكارَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِنَكْرِهِمْ غَيْرَ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما في الذّارِياتِ فَلا إشْكالَ في كَوْنِ الإنْكارِ هُناكَ قَبْلَ إحْضارِ الطَّعامِ وهُنا بَعْدَهُ، وأصْلُ الإنْكارِ ضِدَّ العِرْفانِ، ونَكَرْتُ وأنْكَرْتُ واسْتَنْكَرْتُ بِمَعْنًى، وقِيلَ: إنْ أنْكَرَ فِيما لا يُرى مِنَ المَعانِي ونَكَرَ فِيما يُرى بِالبَصَرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكَرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا فَإنَّهُ أرادَ في الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ: أنْكَرَتْ مَوَدَّتِي، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنْ يَرِدَ عَلى القَلْبِ ما لا يَتَصَوَّرُهُ وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الجَهْلِ وبِهِ فُسِّرَ ما في الآيَةِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ ما هُنا وبَيْنَ ما وقَعَ في الذّارِياتِ بِأنَّ الأوَّلَ راجِحٌ إلى حالِهِمْ حِينَ قَدَّمَ إلَيْهِمُ العِجْلَ.

والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِأنْفُسِهِمْ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِرُؤْيَةِ عَدَمِ أكْلِهِمْ، بَلْ وقَعَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم لِعَدَمِ كَوْنِهِمْ مِن جِنْسِ ما يَعْهَدُهُ مِنَ النّاسِ، ويَحْتاجُ هَذا إلى اعْتِبارِ حَذْفِ المُضافِ أوْ مُلاحَظَةِ الحَيْثِيَّةِ، واعْتُرِضَ ما قَدَّمْناهُ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ مَجازٍ، ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهم مَلائِكَةٌ حَتّى قالُوا لَهُ: ﴿ لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا ﴾ وكَأنَّ سَبَبَ خَوْفِهِ مِنهم أنَّهم لَمْ يَتَحَرَّمُوا بِطَعامِهِ فَظَنَّ أنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ سُوءًا إذْ كانَتِ العادَةُ إذْ ذاكَ كَذَلِكَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ نازِلًا في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ مُنْفَرِدًا عَنْ قَوْمِهِ، وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَها إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنْهُ، وقِيلَ: كانَ سَبَبُ خَوْفِهِ أنَّهم دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنٍ وبِغَيْرِ وقْتٍ.

وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الحَقُّ أنَّ الخَوْفَ إنَّما صَدَرَ عَنْ مَجْمُوعِ كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ وكَوْنِهِمْ مُمْتَنِعِينَ مِنَ الطَّعامِ كَما يُعْلَمُ مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ، ولِأنَّهُ لَوْ عَرَفَهم بِأنَّهم مَلائِكَةٌ لَمْ يُحْضِرْ بَيْنَ أيْدِيهِمُ الطَّعامَ ولَمْ يُحَرِّضْهم عَلى الأوَّلِ، وإنَّما عَدَلُوا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ لِيَكُونَ جامِعًا لِلْمَعانِي بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنهُ المَقْصُودُ أيْضًا، انْتَهى.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى الرَّدِّ عَلى الزَّمَخْشَرِيَّ، وقَدِ اخْتَلَفَ كَلامُهُ في تَعْلِيلِ الخَوْفِ فَعَلَّلَهُ تارَةً بِعِرْفانِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ وأُخْرى بِأنَّهم لِمَ يَتَحَرَّمُوا طَعامَهُ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِذَلِكَ العِرْفانِ العِرْفانَ بَعْدَ إحْضارِ الطَّعامِ، وما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِن أنَّهُ لَوْ عَرَفَهم بِأنَّهم مَلائِكَةٌ لَمْ يَحْضُرْ إلَخْ غَيْرَ قادِحٍ إذْ يَجُوزُ أنْ يَخافَهم بَعْدَ الإحْضارِ أوَّلًا لِعَدَمِ التَّحَرُّمِ، ثُمَّ بَعْدَ تَفَرُّسِ أنَّهم مَلائِكَةٌ خافَهم لِأنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِلْعَذابِ، والزَّمَخْشَرِيُّ حَكى أحَدَ الخَوْفَيْنِ في مَوْضِعٍ والآخَرَ في آخَرَ.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ والتَّعْلِيلُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ هو الوَجْهُ لِيَنْتَظِمَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ مَعَ ما قَبْلَهُ إذْ لَوْ كانَ الوَجَلُ لِكَوْنِهِمْ عَلى غَيْرِ زِيٍّ مِن عُرْفٍ ونَحْوِهِ لَمْ يَحْسُنِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( إنّا نُبَشِّرُكَ ) فَإنَّهُ إنَّما هو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَجِلِ مِن أنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِلْعَذابِ كَأنَّهم قالُوا: ﴿ لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ)، ﴾ و ﴿ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ فَجاءَ عَلى اخْتِصاراتِ القُرْآنِ بِذِكْرِ أحَدِ التَّعْلِيلَيْنِ في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ والآخِرِ في الآخَرِ، ولا شَكَّ أنَّ في الحِجْرِ اخْتِصارًا لِطَيِّ حَدِيثِ الرُّواعِ، والتَّعْجِيلُ بِالعِجْلِ الحَنِيذِ وعَدَمُ تَحَرُّمِهِمْ بِطَعامِهِ لِما أنَّ المَقْصُودَ مِن سَوْقِ القِصَّةِ هُنالِكَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ لِلِاعْتِبارِ بِحالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما لَقِيَ مِنَ البُشْرى والكَرامَةِ، وحالِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وما مُنُّوا بِهِ مِنَ السَّوْأى والمَلامَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ إلى قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ ﴾ فاقْتَصَرَ عَلى ما يُفِيدُ ذَلِكَ الغَرَضَ، وأمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فَجِيءَ بِها لِلْإرْشادِ الَّذِي بَنى عَلَيْهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ مَعَ إدْماجِ التَّسْلِيَةِ ورَدَ ما رَمَوْهُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن الِافْتِراءِ، وفي كُلٍّ مِن أجْزاءِ القِصَّةِ ما يَسُدُّ مِن هَذِهِ الأغْراضِ فَسُرِدَ عَلى وجْهِها، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ لِلْأخِيرَيْنِ فَقَطْ فَجِيءَ بِما يُفِيدُ ذَلِكَ فَلا عَلَيْكَ إنْ رَأيْتَ اخْتِصارًا أنْ تَنْقُلَ إلَيْهِ مِنَ المَبْسُوطِ ما يَتِمُّ بِهِ الكَلامُ بَعْدَ أنْ تَعْرِفَ نُكْتَةَ الِاخْتِصارِ، وهَذا مِن خَواصِّ كِتابِ اللَّهِ تَعالى الكَرِيمِ، انْتَهى ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وفِيهِ ذَهابٌ إلى كَوْنِ جُمْلَةِ ﴿ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ اسْتِئْنافًا في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ كَما هو الظّاهِرُ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: الظّاهِرُ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهم قالُوهُ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ أوْجَزَ الكَلامَ اكْتِفاءً بِذَلِكَ، انْتَهى.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونُوا قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ، ولَكِنَّهُ وإنْ أُرِيدَ مِنهُ الإرْسالُ بِالعَذابِ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مُجْمَلٌ لَمْ يُؤْتَ بِهِ عَلى وجْهٍ يَظْهَرُ مِنهُ ما نَوْعُ هَذا العَذابِ هَلْ هو اسْتِئْصالٌ أمْ لا؟

فَسَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قالَ: أيُّها المُرْسَلُونَ إلى قَوْمِ لُوطٍ ما هَذا الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي أُرْسِلْتُمْ بِهِ؟

فَأجابُوهُ بِما يَتَضَمَّنُ بَيانَ ذَلِكَ مَعَ الإشارَةِ إلى عِلَّةِ نُزُولِ ذَلِكَ الأمْرِ بِهِمْ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ ﴾ الآيَةَ، فَإنَّ انْفِهامَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ ظاهِرٌ، وكَذا الإشارَةُ إلى العِلَّةِ.

والحاصِلُ أنَّ السُّؤالَ في تِلْكَ الآيَةِ عَنِ الخَطْبِ وهو في الأصْلِ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ التَّخاطُبُ، ويُرادُ مِنَ السُّؤالِ عَنْهُ تَحْقِيقُ أمْرٍ لَمْ يَعْلَمْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَلامِهِمْ قَبْلُ؛ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنهُ، أوْ لِأنَّهُ كانَ مَشْغُولًا عَنْ كَمالِ التَّوَجُّهِ لِيَعْلَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ ذَلِكَ، وفي خِطابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ ما يُؤَيِّدُ تَقَدُّمَ قَوْلِهِمْ: ( إنّا أُرْسِلْنا ) عَلى هَذا السُّؤالِ لَكِنَّهُ أُسْقِطَ هُناكَ تَعْوِيلًا عَلى ما هُنا، ولا بِدَعَ في الإسْقاطِ مِنَ المُتَأخِّرِ تَعْوِيلًا عَلى المُتَقَدِّمِ، وتَأخُّرُ الحِجْرِ والذّارِياتِ عَنْ هُودٍ تِلاوَةً مِمّا لا كَلامَ فِيهِ، وتَأخُّرُهُما نُزُولًا مِمّا رَواهُ ابْنُ ضُرَيْسٍ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ الرّازِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ هارُونَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّها كُلَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأنَّ بَيْنَ هُودٍ والحِجْرِ سُورَةً واحِدَةً، وبَيْنَ الحِجْرِ والذّارِياتِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سُورَةً فَلْيُتَأمَّلْ في هَذا المَقامِ، ويَفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنَهم مَلائِكَةً إلّا بَعْدَ أنْ مَسَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ العِجْلَ بِجَناحِهِ فَقامَ يَدْرُجُ حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ فَحِينَئِذٍ عَرَفَهم وأمِنَ مِنهُمْ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ صِحَّةُ الخَبَرِ عِنْدِي، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَفَهم قَبْلَ ذَلِكَ، وأنَّ خَوْفَهُ مِنهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً لَمْ يَدْرِ لِأيِّ شَيْءٍ نَزَلُوا، ويَبْعُدْ عِنْدَ مَن عَرَفَ حالَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ القَوْلُ بِأنَّهُ خافَ بُشْرًا وبَلَغَ مِنهُ الخَوْفُ حَتّى ﴿ قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ ﴾ لا سِيَّما إذا قُلْنا: إنَّ مَن خافَهم كانُوا ثَلاثَةً وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ بَلْ كانَ بَيْنَ أصْحابِهِ، أوْ كانَ هُناكَ لَكِنْ بَيْنَ خَدَمِهِ وغِلْمانِهِ ﴿ وامْرَأتُهُ ﴾ سارَّةُ بِنْتُ هارانَ بْنِ ناحُورٍ وهي بِنْتُ عَمِّهِ ﴿ قائِمَةٌ ﴾ في الخِدْمَةِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ وكانَتْ نِساؤُهم لا تَحْتَجِبُ لا سِيَّما العَجائِزُ مِنهُمْ، وكانَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَجُوزًا، وقالَ وهْبٌ: كانَتْ قائِمَةً وراءَ السِّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهُمْ، وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهم أنَّ تَسَتُّرَ النِّساءِ كانَ لازِمًا، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِتَأخُّرِ آيَةِ الحِجابِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ القِيامَ وراءَ السِّتْرِ كانَ اتِّفاقِيًّا، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّها كانَتْ قائِمَةً تُصَلِّي، وقالَ المُبَرَّدُ: كانَتْ قائِمَةً عَنِ الوَلَدِ وهو خِلافُ المَشْهُورِ في الِاسْتِعْمالِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ، وفي الكَشّافِ بَدَلُ وهو جالِسٌ وهو قاعِدٌ، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ بَدَلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى يعني: ببشارة الولد.

وذلك أن مدينة يقال لها: سدوما، ويقال: سدوم، وكانت بلدة فيها من السعة والخير ما لم يكن في سائر البلدان، وكان الغرباء يحضرون من سائر البلدان في أيام الصيف، ويجمعون من فضل ثمارهم مما كان خارجاً من الكروم والحدائق.

فجاء إبليس عليه اللعنة، فشبه نفسه بغلام أمرد، وجعل يدخل كرومهم وحدائقهم ويراودهم إلى نفسه، حتى أظهر فيهم الفاحشة.

وجاء إلى نسائهم، وقال: إن الرجال قد استغنوا عنكن، فعلَّمَهُنَّ أن يستغنين عن الرجال، حتى استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء.

فأوحى الله تعالى إلى لوط ليدعوهم إلى الإيمان ويمتنعوا عن الفواحش، فلم يمتنعوا.

فبعث الله جبريل ومعه أحد عشر من الملائكة بإهلاكهم، فجاؤوا إلى إبراهيم كهيئة الغلمان، فدخلوا على إبراهيم، فنظر فرأى اثني عشر غلاماً أمرد، ويقال: كانوا ثلاثة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ويقال: كانوا أربعة، فسلموا عليه قالُوا سَلاماً قالَ إبراهيم سَلامٌ يعني: ردّ عليهم السلام.

قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ كلاهما سلام، إلا أن الأول صار نصباً، لوقوع الفعل عليه، والآخر رفعاً بالحكاية، ومعناه: قال: قولاً فيه سلام.

وقرأ حمزة والكسائي: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ بكسر السين، وسكون اللام، يعني: أمري سلم، ما أريد إلا السلامة.

فَما لَبِثَ يعني: فما مكث أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ قال السِّدِيّ: الحنيذ السمين، كما قال في آية أخرى: بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: 26] ويقال: حَنِيذٍ يعني: نضيج.

ويقال: المشوي الذي يقطر منه الودك.

وقال أهل اللغة بأجمعهم: الحنيذ، المشوي بغير تنور، وهو أن يتخذ له في الأرض حنذاً، فيلقى فيه.

قال مقاتل: إنما جاءهم بعجل، لأنه كان أكثر ماله البقر، فلما قربه إليهم ووضع بين أيديهم كفوا ولم يأكلوا، ولم يتناولوا منه.

قوله: فَلَمَّا رَأى إبراهيم أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ يعني: إلى الطعام ولم يمدّوا أيديهم إلى الطعام نَكِرَهُمْ يقول: أنكرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً يعني: وأضمر منهم خوفاً، حيث لم يأكلوا من طعامه، وظن أنهم لصوص.

وذلك أنه في ذلك الزمان إذا لم يأكل أحد من طعام إنسان، يخاف عليه غائلته، قالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ بهلاكهم.

وقال السدي: لما لم يأكلوا من الطعام، قال لهم إبراهيم  : ما لكم لا تأكلون طعامي؟

قالوا: إنا قوم لا نأكل طعاماً إلا بثمن.

فقال إبراهيم: إن لطعامي ثمناً، فأصيبوا منه.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: تذكرون اسم الله عليه في أوله، وتحمدونه في آخره.

فقال جبريل لميكائيل: حق لهذا أن يتخذه الله خليلاً.

قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ وفي الآية تقديم، يعني: بشرناها بإسحاق، فضحكت سروراً.

ويقال: ضحكت تعجباً من خوف إبراهيم ورعدته في حشمه وخدمه، ولم يخف ولم يرتعد من نمرود الجبار حين قذفه في النار، وهذا قول القتبي.

وقال عكرمه في قوله: فَضَحِكَتْ يعني: حاضت.

يقال: ضحكت الأرنب، إذا حاضت.

وغيره من المفسرين جعلها الضحك بعينه، وكذلك هو في التوراة.

قرأت فيها أنها حين بشرت بالغلام، ضحكت في نفسها، وقالت: من بعد ما بليت أعود شابة؟

وقال قتادة: ضحكت من أمر القوم وغفلتهم، وجبريل جاءهم بالعذاب، يعني: قوم لوط فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قال الشعبي: «الوراء، ولد الولد» .

وروى حبيب بن أبي ثابت، أن رجلاً دخل على ابن عباس ومعه ابن ابنه، فقال له: من هذا؟

فقال ابن ابني.

فقال: ابنك من وراء، فوجد الرجل في نفسه، فقرأ ابن عباس: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ وقال مقاتل: يعني: ومن بعد إسحاق يعقوب.

وقال أبو عبيدة: الوراء ولد الولد.

وقرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم في رواية حفص يعقوب، بنصب الباء، وقرأ الباقون بالضم.

فمن قرأ بالضم، فهو على معنى الابتداء، يعني: ويكون من وراء إسحاق، يَعْقُوبُ.

ومن قرأ بالنصب، فهو عطف على قوله: بِإِسْحاقَ فيكون في موضع خَفْضٌ، إلاّ أنّه لا ينصرف.

قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ يعني: عقيماً لم ألد قط، وقد كبرت في السن، وَهذا بَعْلِي شَيْخاً قال الكلبي: كانت سارة ابنة ثمان وتسعين سنة، وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة، أكبر منها بسنة.

وقال الضحاك: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وسارة بنت تسع وتسعين سنة، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ أي: لأمر عجيب قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: من قدرة الله رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ يعني: نعمته وسعادته عليكم، أَهْلَ الْبَيْتِ يعني: يا أهل البيت.

ويقال: أَتَعْجَبِينَ أي: ألا تعلمين أن رحمة لله وبركاته عليكم أن يستخرج الأنبياء كلهم من هذا البيت؟

وقال السدي: أخذ جبريل عوداً من الأرض يابساً، فدلكه بين أصبعيه، فإِذا هو شجرة تهتز، فعرفت أنه من الله تعالى.

ثم قال إِنَّهُ حَمِيدٌ في فعاله، ويقال: حميد لأعمالكم، مَجِيدٌ يعني: شريفا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال ص: قد تقرّر في أَرَأَيْتُمْ أنها بمعنى أخبروني.

انتهى.

وال تَخْسِيرٍ هو من الخسَارَةِ، وليس التخْسِيرُ في هذه الآية إِلا لهم، وفي حَيِّزِهم، وهذا كما تقولُ لمن تُوصِيهِ: أَنا أريدُ بكَ خَيْراً، وأَنْتَ تريدُ بي شَرًّا.

وقال ص: غَيْرَ تَخْسِيرٍ: من خَسِرَ، وهو هنا للنسبيَّةِ ك «فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ» إِذا نسبتَهُ إِليهما.

ت: ونقل الثعلبيّ عن الحسيْنِ بْنِ الفَضْل، قال: لم يكُنْ صَالِحٌ في خسارةٍ، حين قال: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وإِنما المعنى: ما تزيدُونَني بما تقولُونَ إِلاَّ نسبتي إِياكم للخَسَارة، وهو مِنْ قول العرب: فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ إِذا نسبته إِلى الفسوق والْفُجور.

انتهى.

وهو حسنٌ.

وباقي الآية بيّن قد تقدّم الكلام في قصصها.

وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)

وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ: قال أبو البقاء: في حَذْف التاءِ من «أخذ» ثلاثةُ أَوْجُهٍ:

أحدها: أنه فَصَلَ بين الفعل والفاعل.

والثاني: أن التأنيثَ غير حقيقيٍّ.

والثالث: أن الصيْحَة بمعنى الصِّيَاحِ، فحُمِلَ على المعنى، انتهى.

وقد أشار ع»

: إِلى الثلاثَة، واختار الأخير.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى: الرسُلُ: الملائكة، قال المَهْدوِيُّ: بِالْبُشْرى يعني: بالولدِ، وقيل: البشرى بهلاك قوم لوط انتهى.

قالُوا سَلاماً: أي: سلَّمنا عليك سلاماً، وقرأ حمزة «١» والكسائي: «قَالُوا سَلاَماً قالَ سِلْمٌ» ، فيحتمل أنْ يريد ب «السِّلْمِ» السلامَ، ويحتمل أن يريد ب «السّلم» ضدّ الحرب، وحَنِيذٍ: بمعنى: محنوذ، ومعناه: بعجْلٍ مشويٍّ نَضِجٍ، يقْطُر ماؤه، وهذا القَطْر يفصلُ الحَنيذَ من جملة المشويَّات، وهيئة المحنُوذِ في اللغة: / الذي يُغَطَّى بحجارةٍ أو رَمْلٍ مُحَمًّى أو حائل بينه وبيْن النَّار يغطى به، والمُعَرَّض: من الشِّواء الذي يُصَفَّف على الجَمْر، والمُضَهَّبِ: الشِّوَاءُ الذي بينه وبين النَّار حائلٌ، ويكون الشِّواء عليه، لا مَدْفُوناً به، والتَّحُنِيذُ في تضمير الخَيْل: هو أنْ يغطَّى الفَرَس بِجِلٍّ على جُلٍّ ليتصبّب عرقه، ونَكِرَهُمْ على ما ذكر كثيرٌ من النَّاس، معناه: أَنْكَرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً من أجْل امتناعهم من الأكل إِذ عُرْفُ مَنْ جاء بِشَرٍّ أَلاَّ يأْكل طعامَ المنْزُولِ به، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» :

ذهب الليثُ بْنُ سَعْدٍ إلى أنّ الضّيافة واجبة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ومَا وَرَاءَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ» «٣» ، وفي رواية: «ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يثوي «٤» عنْدَهُ حتَّى يُحْرِجَهُ» «٥» وهذا حديثٌ صحيحٌ، خرَّجه الأئمةِ، واللفظ للترمذيِّ، وذهب علماء الفقْه إِلى: أن الضيافة لا تجبُ، وحملوا الحديثَ على النَّدْب.

قال ابنُ العربيِّ: والذي أقولُ به أن الضيافَةَ فَرْضٌ على الكفَايَةِ، ومِنَ الناسِ مَنْ قال:

إِنها واجبةٌ في القُرَى حيثُ لا مَأْوَى ولا طَعَام بخلاف الحواضر لتيسّر ذلك فيها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهُمْ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿ لا تَصِلُ إلَيْهِ ﴾ يَعْنِي العِجْلَ ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ أيْ: أنْكَرَهم.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَكِرَهم وأنْكَرَهم واسْتَنْكَرَهم، سَواءٌ، قالَ الأعْشى: فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ﴾ أيْ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا.

قالَ الفَرّاءُ: وكانَتْ سُنَّةً في زَمانِهِمْ إذا ورَدَ عَلَيْهِمُ القَوْمُ فَأتَوْهم بِالطَّعامِ فَلَمْ يَمَسُّوهُ، ظَنُّوا أنَّهم عَدُوٌّ أوْ لُصُوصٌ، فَهُنالِكَ أوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، فَرَأوْا ذَلِكَ في وجْهِهِ، فَقالُوا: ﴿ لا تَخَفْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أُرْسِلْنا بِالعَذابِ إلَيْهِمْ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما أُضْمِرَ ذَلِكَ هاهُنا، لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ في سُورَةٍ أُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ﴿ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ ﴾ "الرُسُلُ": المَلائِكَةُ وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَدَلَ إسْرائِيلَ: عِزْرائِيلُ- مَلَكُ المَوْتِ- ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ مِنهم كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَرْيَةِ لُوطٍ، ومِيكائِيلُ مُخْتَصًّا بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ.

وإسْرافِيلُ مُخْتَصًّا بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن مَعَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِاشْتِراكِهِمْ في البِشارَةِ بِإسْحاقَ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ-: "البُشْرى" هي بِإسْحاقَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُشْرى" هي بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ.

وقَوْلُهُ: "سَلامًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: أُسَلِّمُ سَلامًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: سَلامًا حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوهُ لا لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، فَلِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ- الرَجُلُ قالَ:،لا إلَهَ إلّا اللهُ": "قَلْتَ حَقًّا أو إخْلاصًا"، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ تُعْمِلَ فِيهِ القَوْلَ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ قالَ سَلامٌ ﴾ حِكايَةٌ لِلَفْظِهِ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكم وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ  ﴾ إمّا عَلى تَقْدِيرِ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "قالُوا سَلامًا قالَ: سَلامٌ" وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "قالُوا سَلامًا، قالَ: سَلْمٌ" وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ الذارِياتِ.

وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ السَلامَ بِعَيْنِهِ، كَما قالُوا حِلٌّ وحَلالٌ وحِرْمٌ وحَرامٌ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَوائِحُ اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا أو نَحْوَ هَذا، قالَ الطَبَرِيُّ: ورُوِيَ: كَما انْكَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "السِلْمِ": ضِدَّ الحَرْبِ، تَقُولُ نَحْنُ سِلْمٌ لَكم.

وكانَ سَلامُ المَلائِكَةِ دُعاءً مَرْجُوًّا- فَلِذَلِكَ نَصَبَ- وحَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنَ مِمّا حُيِّيَ وهو الثابِتُ المُتَقَرِّرُ ولِذَلِكَ جاءَ مَرْفُوعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، وفي "لَبِثَ" ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: بِأنْ جاءَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً وإنْ جاءَ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "لَبِثَ" أيْ: ما لَبِثَ مَجِيئُهُ، ولَيْسَ في "لَبِثَ" -عَلى هَذا- ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وُفي لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" خَبَرُ "ما"، أيْ: فَلَبِثَ إبْراهِيمُ مَجِيئَهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، وفي أدَبِ الضَيْفِ أنْ يَجْعَلَ قِراهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

و"الحَنِيذُ" بِمَعْنى المَحْنُوذِ ومَعْناهُ: بِعِجْلٍ مَشْوِيٍّ نَضِجٍ يُقَطَّرُ ماؤُهُ، وهَذا القَطْرُ يَفْصِلُ الحَنِيذَ مِن جُمْلَةِ المَشْوِيّاتِ، ولَكِنْ هَيْئَةُ المَحْنُوذِ في اللُغَةِ الَّذِي يُغَطّى بِحِجارَةٍ أو رَمْلٍ مَحْمِيٍّ أو حائِلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ يُغَطّى بِهِ والمُعَرَّضُ مِنَ الشِواءِ: الَّذِي يُصَفَّفُ عَلى الجَمْرِ، والمُهْضَّبُ: الشِواءُ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ حائِلٌ، يَكُونُ الشِواءُ عَلَيْهِ لا مَدْفُونًا لَهُ، والتَحْنِيذُ في تَضْمِيرِ الخَيْلِ هو أنْ يُغَطّى الفَرَسُ بِجُّلٍّ عَلى جُلٍّ لِيَتَصَبَّبَ عَرَقُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهُمْ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ بِقِداحٍ كانَتْ في أيْدِيهِمْ في اللَحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِن أدَبِ الطَعامِ أنَّ لِصاحِبِ الضَيْفِ أنْ يَنْظُرَ مِن ضَيْفِهِ هَلْ يَأْكُلُ أمْ لا؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَقَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَظَرِ، فَرُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا أكَلَ مَعَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَرَأى سُلَيْمانَ في لُقْمَةِ الأعْرابِيِّ شَعْرَةً فَقالَ لَهُ: أزِلِ الشَعْرَةَ عن لُقْمَتِكَ، فَقالَ لَهُ: أتُنْظَرُ إلَيَّ نَظَرَ مَن يَرى الشَعْرَ في لُقْمَتِي واللهِ لا أكَلْتُ مَعَكَ.

و"نَكِرَهُمْ" -عَلى ما ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ- مَعْناهُ: أنْكَرَهُمْ، واسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِالبَيْتِ الَّذِي نَحَلَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ الأعْشى وهُوَ: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَيْبُ والصَلَعا وقالَ بَعْضُ الناسِ: "نَكِرَ" هو مُسْتَعْمَلٌ فِيما يُرى بِالبَصَرِ فَيُنْكَرُ، و"أنْكَرَ" هي مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُقَرَّرُ مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الأعْشى قالَ: وأنْكَرْتَنِي مَوَدَّتِي وأدْمَتِي وَنَحْوَهُ، ثُمَّ جاءَ بِـ "نَكِرَ" في الشَيْبِ والصَلَعِ الَّذِي هو مَرْئِيٌّ بِالبَصَرِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشَعُ والَّذِي خافَ مِنهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ امْتِناعُهم مِنَ الأكْلِ، فَعُرْفُ مَن جاءَ بِشَرٍّ ألّا يَأْكُلَ طَعامَ المَنزُولِ بِهِ، و"أوجَسَ" مَعْناهُ: أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهُمْ، و"الوَجِيسُ": ما يَعْتَرِي النَفْسَ عِنْدَ الحَذَرِ وأوائِلِ الفَزَعِ، فَأمَّنُوهُ بِقَوْلِهِمْ: "لا تَخَفْ"، وعَلِمَ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

ثُمَّ خَرَجَتِ الآيَةُ إلى ذِكْرِ المَرْأةِ وبِشارَتِها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ خَلْفَ سِتْرٍ تَسْمَعُ مُحاوَرَةَ إبْراهِيمَ مَعَ أضْيافِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ في صَلاةٍ، وقالَ السُدِّيُّ مَعْناهُ: قائِمَةٌ تَخْدِمُ القَوْمَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهِيَ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حاضَتْ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ اللُغَوِيُّونَ: وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِقا وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ قَلِيلُ التَمَكُّنِ، وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى: حاضَتْ، وقَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ، ويُقالُ ضَحِكَ إذا امْتَلَأ وفاضَ، ورَدَّ الزَجّاجُ قَوْلَ مُجاهِدٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو الضَحِكُ المَعْرُوفُ، واخْتُلِفَ مِمَّ ضَحِكَتْ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن تَأْمِينِهِمْ لِإبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ.

وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ هُزُؤًا مِن قَوْمِ لُوطٍ أنْ يَكُونُوا عَلى غَفْلَةٍ وقَدْ نَفَذَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى فِيهِمْ ما نَفَذَ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: ضَحِكَتْ لِظَنِّها بِهِمْ أنَّهم يُرِيدُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ قالَ القاضِيَ: وهَذا قَوْلٌ خَطَأٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ لِمَعْنى التَنْبِيهِ عَلى فَسادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن فَزَعِ إبْراهِيمَ مِن ثَلاثَةٍ وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ مِنَ الرِجالِ، وقِيلَ: المِائَةُ.

وقالَ السُدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن أنْ تَكُونَ هي تَخْدِمُ وإبْراهِيمُ يَحْفِدُ ويَسْعى والأضْيافُ لا يَأْكُلُونَ.

وقِيلَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ، إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِقَوْمِ لُوطٍ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ فَقامَ حَيًّا فَضَحِكَتْ لِذَلِكَ.

وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ: "فَضَحَكَتْ" بِفَتْحِ الحاءِ.

وامْرَأةُ إبْراهِيمَ هَذِهِ هي سارَّةُ بِنْتُ هارُونَ بْنِ ناحُورَ، وهو إبْراهِيمُ بْنُ آزَرَ بْنِ ناحُورَ فَهي ابْنَةُ عَمِّهِ، وقِيلَ: هي أُخْتُ لُوطٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أظُنُّ ذَلِكَ إلّا أُخُوَّةَ القَرابَةِ لِأنَّ إبْراهِيمَ هو عَمُّ لُوطٍ فِيما رُوِيَ: وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا قَدَّمَ العِجْلَ قالُوا لَهُ: إنّا لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِثَمَنٍ، فَقالَ لَهُمْ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اللهَ تَعالى عَلَيْهِ في أوَّلَ، وتَحْمَدُوهُ في آخِرٍ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: بِحَقٍّ اتَّخَذَ اللهُ هَذا خَلِيلًا.

وقَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى إذْ كانَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ، وبَشَّرَ المَلائِكَةُ سارَّةَ بِإسْحاقَ وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ، ويُسَمّى ولَدُ الوَلَدِ مِنَ الوَراءِ، وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى وراءٍ في الظُرُوفِ إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَيْءِ وبَعْدَهُ ورَأى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا مَعَهُ شابٌّ، فَقالَ لَهُ: مَن هَذا؟

فَقالَ لَهُ: ولَدُ ولَدِي، فَقالَ: هو ولَدُكَ مِنَ الوَراءِ، فَغَضِبَ الرَجُلُ، فَذَكَرَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الآيَةَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ "يَعْقُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ المُقَدَّمُ، وهو -عَلى هَذا- دَخَلَ في البُشْرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ، وعَلى هَذا لا يَدْخُلُ في البِشارَةِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ "يَعْقُوبَ" بِالنَصْبِ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى "إسْحاقَ" إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ، واسْتَسْهَلَ هَذا القائِلُ أنْ فُرِّقَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالمَجْرُورِ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ هَذا إلّا عَلى إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسِ عَمْرٍو، فالوَجْهُ عِنْدَهُ: وأمْسِ بِعَمْرٍو، وإذا لَمْ يَعُدْ فَفِيهِ كَبِيرُ قُبْحٍ، والوَجْهُ في نُصْبِهِ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَدُلُّ عَلَيْهِ البِشارَةُ وتَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، وهَذا رَجَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ سارَّةَ كانَتْ في وقْتِ هَذِهِ البِشارَةِ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ وأنَّهُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ وذَلِكَ أنَّ سارَةَ كانَتْ في وقْتِ إخْدامِ المَلِكِ الجائِرِ هاجَرُ أمُّ إسْماعِيلَ امْرَأةً شابَّةً جَمِيلَةً حَسَبَما في الحَدِيثِ، فاتَّخَذَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أمَّ ولَدٍ، فَغارَتْ بِها سارَّةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشامِ عَلى البُراقِ وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ فَتَرَكَهُما- حَسَبَما في السِيَرِ- وانْصَرَفَ إلى الشامِ مِن يَوْمِهِ ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِإسْحاقَ، وسارَّةُ عَجُوزٌ مُتَجالَّةٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ إسْحاقَ لَيْسَ بِالذَبِيحِ فَهو أنَّ سارَّةَ وإبْراهِيمَ بُشِّرا بِإسْحاقَ وأنَّهُ يُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالذَبْحِ حِينَ بَلَغَ ابْنُهُ مَعَهُ السَعْيَ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ولَدٍ قَدْ بُشِّرَ قَبْلُ أنَّهُ سَيُولَدُ لِابْنِهِ ذَلِكَ، وأيْضًا فَلَمْ يَقَعْ قَطُّ في أثَرٍ أنَّ إسْحاقَ دَخَلَ الحِجازَ وإجْماعٌ أنَّ أمْرَ الذَبْحِ كانَ بِمِنًى، ويُؤَيِّدُ هَذا الغَرَضَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ  : « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"» يُرِيدُ أباهُ عَبْدَ اللهِ وأباهُ إسْماعِيلَ، ويُؤَيِّدُهُ ما نَزَعَ بِهِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِرُتْبَةِ سُورَةِ الصافّاتِ فَإنَّهُ بَعْدَ كَمالِ أمْرِ الذَبِيحِ قالَ: ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا كُلِّهِ مَوْضِعُ مُعارَضاتٍ لِقائِلِ القَوْلِ الآخَرِ: إنَّ الذَبِيحَ هو إسْحاقُ، ولَكِنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الأرْجَحُ واللهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة على قصة.

وتأكيد الخبر بحرف (قد) للاهتمام به كما تقدّم في قوله: ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [هود: 25].

والغرض من هذه القصّة هو: الموعظة بمصير قوم لوط إذْ عصوا رسول ربّهم فحلّ بهم العذاب ولم تغن عنهم مجادلة إبراهيم.

وقدّمت قصة إبراهيم لذلك وللتنويه بمقامه عند ربّه على وجه الإدماج، ولذلك غيّر أسلوب الحكاية في القصص الّتي قبلها والتي بعدها نحو ﴿ وإلى عاد ﴾ [هود: 50] إلخ.

والرّسل: الملائكة.

قال تعالى: ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ [فاطر: 1].

والبشرى: اسم.

للتبشير والبشارة.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وبشّر الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات ﴾ في أوّل سورة [البقرة: 25].

هذه البشرى هي التي في قوله: فبشّرناها بإسحاق } لأنّ بشارة زوجه بابننٍ بشارة له أيضاً.

والباء في ﴿ بالبشرى ﴾ للمصاحبة لأنّهم جاءوا لأجل البشرى فهي مصاحبة لهم كمصاحبة الرسالة للمرسل بها.

وجملة ﴿ قالوا سلاماً ﴾ في موضع البيان ل ﴿ البشرى ﴾ ، لأنّ قولهم ذلك مبدأ البشرى، وإنّ ما اعترض بينها حكاية أحوال، وقد انتهى إليها في قوله: ﴿ فبشّرناها بإسحاق إلى قوله إنّه حميد مجيد ﴾ .

والسّلام: التحيّة.

وتقدّم في قوله: ﴿ وإذا جاءك الّذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم ﴾ في سورة [الأنعام: 54].

وسلاماً} مفعول مطلق وقع بَدَلاً من الفعل.

والتّقدير: سلّمنا سلاماً.

و ﴿ سلام ﴾ المرفوع مصدر مرفوع على الخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أمري سلام، أي لكم، مثل ﴿ فصبرٌ جميلٌ ﴾ [يوسف: 18].

ورفع المصدر أبلغ من نصبه، لأنّ الرّفع فيه تناسي معنى الفعل فهو أدلّ على الدّوام والثّبات.

ولذلك خالف بينهما للدّلالة على أنّ إبراهيم عليه السّلام ردّ السّلام بعبارة أحسن من عبارة الرسل زيادة في الإكرام.

قال ابن عطيّة: حيّاً الخليل بأحسن ممّا حُيّيَ به، أي نظراً إلى الأدب الإلهي الذي عَلّمَهُ لَنَا في القرآن بقوله: ﴿ وإذا حيّيتم بتحيةٍ فَحَيّوا بأحسن منها أو رُدُّوها ﴾ [النساء: 86]، فَحكيَ ذلك بأوجز لفظ في العربية أداءً لمعنى كلام إبراهيم عليه السّلام في الكلدانيّة.

وقرأ الجمهور ﴿ قال سَلامٌ ﴾ بفتح السّين وبِألِف بعد اللاّم.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: ﴿ قال سِلْم ﴾ بكسر السّين وبدون ألِف بعد اللاّم وهو اسم المسالمة.

وسمّيت به التحية كما سمّيت بمرادفِه (سَلام) فهو من باب اتّحاد وزن فَعال وفِعْل في بعض الصفات مثل: حرام وحِرم، وحلال وحلّ.

والفاء في قوله: ﴿ فما لبث ﴾ للدّلالة على التعقيب إسراعاً في إكرام الضّيف، وتعجيل القرى سنّة عربيّة: ظنهم إبراهيم عليه السّلام ناساً فبادر إلى قراهم.

واللّبث في المكان يقتضي الانتقال عنه، أيْ فما أبطأ.

و ﴿ أن جاء ﴾ يجوز أن يكون فاعل ﴿ لَبِثَ ﴾ ، أي فما لبث مجيئه بعجل حنيذ، أي فما أبطأ مَجيئه مصاحباً له، أي بل عجّل.

ويجوز جعل فاعل ﴿ لبث ﴾ ضمير إبراهيم عليه السّلام فيقدّر جارّ ل ﴿ جاء ﴾ .

والتّقدير: فما لبث بأن جاء به.

وانتفاء اللبث مبالغة في العجل.

والحنيذ: المشوي، وهو المحنوذ.

والشيُّ أسْرَع من الطبخ، فهو أعون على تعجيل إحضار الطعام للضيف.

و ﴿ لا تصل إليه ﴾ أشد في عدم الأخذ من (لا تتناوله).

ويقال: نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه.

وإنّما نكرهم لأنّه حسب أنّ إمساكهم عن الأكل لأجل التبرّؤ من طعامه، وإنّما يكون ذلك في عادة النّاس في ذلك الزّمان إذا كان النّازل بالبيت يضمر شرّاً لمضيّفه، لأنّ أكل طعام القرى كالعهد على السّلامة من الأذى، لأنّ الجزاء على الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة، فإذا انكفّ أحد عن تناول الإحسان فذلك لأنّه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون كفوراً للإحسان.

ولذلك عقب قوله ﴿ نكرهم ﴾ ب ﴿ أوجس منهم خيفة ﴾ ، أي أحسّ في نفسه خيفة منهم وأضمر ذلك.

ومصدره الإيجاس.

وذلك أنّه خشي أن يكونوا مضمرين شرّاً له، أي حسبهم قطّاعاً، وكانوا ثلاثة وكان إبراهيم عليه السّلام وحده.

وجملة ﴿ قالوا لا تخف ﴾ مفصولة عمّا قبلها، لأنّها أشبهت الجواب، لأنّه لمّا أوجس منهم خيفة ظهر أثرها على ملامحه، فكان ظهور أثرها بمنزلة قوله إنّي خفت منكم، ولذلك أجابوا ما في نفسه بقولهم: ﴿ لا تَخف ﴾ ، فحكي ذلك عنهم بالطّريقة الّتي تحكى بها المحاورات، أو هو جواب كلام مقدّر دلّ عليه قوله: ﴿ وأوجس منهم خيفة ﴾ ، أي وقال لهم: إنّي خفت منكم، كما حكي في سورة [الحجر: 52] ﴿ قال إنّا منكم وَجِلون ﴾ ومن شأن النّاس إذا امتنع أحد من قبول طعامهم أن يقولوا له: لعلّك غادر أو عَدوّ، وقد كانوا يقولون للوافد: أحَرْبٌ أم سِلْمٌ.

وقولهم: ﴿ إنّا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ مكاشفة منهم إيّاه بأنّهم ملائكة.

والجملة استئناف مبينة لسبب مجيئهم.

والحكمةُ من ذلك كرامة إبراهيم عليه السّلام وصدورهم عن علم منه.

وحذف متعلّق ﴿ أرسلنا ﴾ أي بأي شيء، إيجازاً لظهوره من هذه القصّة وغيرها.

وعبّر عن الأقوام المراد عذابهم بطريق الإضافة ﴿ قوم لوط ﴾ إذ لم يكن لأولئك الأقوام اسم يجمعهم ولا يرجعون إلى نسب بل كانوا خليطاً من فصائل عرفوا بأسماء قراهم، وأشهرها سدوم كما تقدّم في الأعراف.

وجملة ﴿ وامرأته قائمة فضحكت ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ أوجس ﴾ ، لأنّ امرأة إبراهيم عليه السّلام كانت حاضرة تقدّم الطّعام إليهم، فإن عادتهم كعادة العرب من بعدهم أنّ ربة المنزل تكون خادمة القوم.

وفي الحديث «والعروس خادمهم» وقال مرّة بن محكان التميمي يا ربّة البيت قومي غير صاغرة *** ضُمّي إليك رجال القوم والغربا وقد اختصرت القصة هنا اختصاراً بديعاً لوقوعها في خلال الحوار بين الرسل وإبراهيم عليهم السّلام، وحكاية ذلك الحوار اقتضت إتمامه بحكاية قولهم: ﴿ لا تخف إنّا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ .

وأمّا البشرى فقد حصلت قبل أن يخبروه بأنّهم أرسلوا إلى قوم لوط كما في آية سورة [الذاريات: 28] ﴿ فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخَف وبشّروه بغلاممٍ عليمٍ.

فلمّا اقتضى ترتيب المحاورة تقديم جملة قالوا لا تخف ﴾ حكيت قصة البشرى وما تبعها من المحاورة بطريقة الحال، لأنّ الحال تصلح للقبْليّة وللمقارنَة وللبعدية، وهي الحال المقدّرة.

وإنّما ضحكت امرأة إبراهيم عليه السّلام من تبشير الملائكة إبراهيم عليه السّلام بغلام، وكان ضحكها ضحك تعجّب واستبعاد.

وقد وقع في التّوراة في الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين «وقالوا له: أين سارة امرأتك؟

فقال: ها هي في الخيمة.

فقالوا: يكون لسارة امرأتك ابن، وكانت سارة سامعة في باب الخيمة فضحكت سارة في باطنها قائلة: أفبالحقيقة ألِدُ وأنا قد شِخت؟

فقال الربّ: لماذا ضحكتْ سارة؟

فأنكرت سارة قائلة لم أضحك، لأنّها خافت، قال: لا بل ضحكت».

وتفريع ﴿ فبشّرناها بإسحاق ﴾ على جملة ﴿ ضحكت ﴾ باعتبار المعطوف وهو ﴿ ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ لأنّها ما ضحكت إلاّ بعد أن بشّرها الملائكة بابن، فلمّا تعجبت من ذلك بشّروها بابن الابن زيادة في البشرى.

والتّعجيب بأن يولد لها ابن ويعيش وتعيش هي حتّى يولد لابنها ابن.

وذلك أدخل في العجب لأن شأن أبناء الشيوخ أن يكونوا مهزولين لا يعيشون غالباً إلاّ معلولين، ولا يولد لهم في الأكثر ولأن شأن الشيوخ الذين يولد لهم أن لا يدركوا يفع أولادهم بله أولاد أولادهم.

ولما بشّروها بذلك صرحت بتعجبها الذي كتمته بالضحك، فقالت: ﴿ يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيءٌ عجيب ﴾ ، فجملة ﴿ قالت ﴾ جواب للبشارة.

و (يعقوب) مبتدأ ﴿ ومن وراء إسحاق ﴾ خبر، والجملة على هذا في محلّ الحال.

وهذه قراءة الجمهور.

وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص ﴿ يعقوبَ ﴾ بفتحة وهو حينئذٍ عطف على ﴿ إسحاق ﴾ .

وفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف وخطبه سهل وإن استعظمه ظاهرية النحاة كأبي حيان بقياس حرف العطف النائب هنا مناب الجار على الجار نفسه، وهو قياس ضعيف إذ كون لفظ بمعنى لفظ لا يقتضي إعطاءه جميع أحكامه كما في «مغني اللبيب».

والنداء في ﴿ يا ويلتا ﴾ استعارة تبعية بتنزيل الويلة منزلة من يعقل حتّى تنادى، كأنها تقول: يا ويلتي احضر هنا فهذا موضعك.

والويلة: الحادثة الفظيعة والفضيحة.

ولعلّها المرة من الويل.

وتستعمل في مقام التعجب، يقال: يا ويلتي.

واتّفق القرّاء على قراءة ﴿ يا ويلتا ﴾ بفتحة مشبعة في آخره بألف.

والألف التي في آخر ﴿ يا ويلتا ﴾ هنا يجوز كونها عوضاً عن ياء المتكلم في النداء.

والأظهر أنها ألف الاستغاثة الواقعة خلَفاً عن لام الاستغاثة.

وأصله: يا لَويلة.

وأكثر ما تجيء هذه الألف في التعجّب بلفظ عجب، نحو: يا عجباً، وباسم شيء متعجب منه، نحو: يا عشبا.

وكتب في المصحف بإمالة ولم يقرأ بالإمالة، قال الزجاج: كتب بصورة الياء على أصل ياء المتكلم.

والاستفهام في ﴿ أألد وأنا عجوز ﴾ مستعمل في التعجب.

وجملة ﴿ أنا عجوز ﴾ في موضع الحال، وهي مناط التعجب.

والبعل: الزوج.

وسيأتي بيانه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلاّ لبعولتهن ﴾ في سورة [النّور: 31]، فانظره.

وزادت تقرير التعجب بجملة ﴿ إنّ هذا لشيء عجيب ﴾ وهي جملة مؤكدة لصيغة التعجب فلذلك فصلت عن التي قبلها لكمال الاتّصال، وكأنّها كانت متردّدة في أنهم ملائكة فلم تطمئنّ لتحقيق بشراهم.

وجملة ﴿ هذا بعلي ﴾ مركبة من مبتدأ وخبر لأنّ المعنى هذا المشار إليه هو بعلي، أي كيف يكون له ولد وهو كما ترى.

وانتصب ﴿ شيخاً ﴾ على الحال من اسم الإشارة مبينة للمقصود من الإشارة.

وقرأ ابن مسعود ﴿ وهذا بعلي شيخ ﴾ برفع شيخ على أن (بعلي) بيان من (هذا) و(شيخ) خبر المبتدأ.

ومعنى القراءتين واحد.

وقد جرت على هذه القراءة النادرة لطيفة وهي: ما أخبرنا شيخنا الأستاذ الجليل سالم بوحاجب أنّ أبا العبّاس المبرّد دُعي عند بعض الأعيان في بغداد إلى مأدبة، فلمّا فرغوا من الطّعام غنّت من وراء الستار جارية لرب المنزل ببيتين: وقالوا لها هذا حبيبك معرضٌ *** فقالت: ألاَ إعراضه أهون الخطب فما هي إلاّ نظرة وابتسامة *** فتصطكّ رجلاه ويسقط للجنب فطرب كل من بالمجلس إلاّ أبا العبّاس المبرد فلم يتحرك، فقال له رب المنزل: ما لك لم يطربك هذا؟.

فقالت الجارية: مَعذُور يحسبني لحنت في أن قلت: معرضٌ بالرفع ولم يعلم أنّ عبد الله بن مسعود قرأ «وهذا بعلي شيخٌ» فطرب المبرد لهذا الجواب.

وجواب الملائكة إياها بجملة ﴿ أتعجبين من أمر الله ﴾ إنكار لتعجبها لأنه تعجّبٌ مراد منه الاستبعاد.

و ﴿ أمر الله ﴾ هو أمر التكوين، أي أتعجبين من قدرة الله على خرق العادات.

وجوابهم جار على ثقتهم بأن خبرهم حق منبئ عن أمر الله.

وجملة ﴿ رحمت الله وبركاته عليكم ﴾ تعليل لإنكار تعجبها، لأن الإنكار في قوة النفي، فصار المعنى: لا عجب من أمر الله لأنّ إعطاءك الولد رحمة من الله وبركة، فلا عجب في تعلّق قدرة الله بها وأنتم أهل لتلك الرحمة والبركة فلا عجب في وقوعها عندكم.

ووجه تعليل نفي العجب بهذا أن التعجب إمّا أن يكون من صدور هذا من عند الله وإما أن يكون في تخصيص الله به إبراهيم عليه السّلام وامرأته فكان قولهم ﴿ رحمت الله وبركاته عليكم ﴾ مفيداً تعليل انتفاء العجبين.

وتعريف ﴿ البيت ﴾ تعريف جضور، وهو البيت الحاضر بينهم الذي جرى فيه هذا التحاور، أي بيت إبراهيم عليه السّلام.

والمعنى أهل هذا البيت.

والمقصود من النداء التنويه بهم ويجوز كونه اختصاصاً لزيادة بيان المرَاد من ضمير الخطاب.

وجملة ﴿ إنّه حميد مجيد ﴾ تعليل لتوجه رحمته وبركاته إليهم بأنّ الله يحمد من يطيعه، وبأنّه مَجِيدٌ، أي عظيم الشأن لاَ حَدّ لِنِعَمِه فلا يعظم عليه أن يعطيها ولداً، وفي اختيار وصف الحميد من بين الأسماء الحسنى كناية عن رضى الله تعالى على إبراهيم عليه السّلام وأهله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى ﴾ أمّا إبْراهِيمُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

وَقِيلَ مَعْناهُ أبٌ رَحِيمٌ.

الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ البَرْهَمَةِ وهي إدامَةُ النَّظَرِ.

والرُّسُلُ جِبْرِيلُ ومَعَهُ مَلَكانِ قِيلَ إنَّهُما مِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ المُرْسَلُ مَعَ جِبْرِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا.

وَفي البُشْرى الَّتِي جاءُوهُ بِها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَشَّرُوهُ بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: بِإسْحاقَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بَشَّرُوهُ بِإخْراجِ مُحَمَّدٍ  مِن صُلْبِهِ وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ.

الرّابِعُ: بَشَّرُوهُ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما تَحِيَّةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَيّاهم بِمِثْلِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّ السَّلامَ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ والمُسْلِمِينَ جَمِيعًا.

الثّانِي: سَلِمْتَ أنْتَ وأهْلُكَ مِن هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ سَلامٌ ﴾ أيِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَنِي، فَمَعْنى "سَلامٌ": سَلِمْتُ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سِلْمٌ ) بِكَسْرِ السِّينِ وإسْقاطِ الألِفِ.

واخْتُلِفَ في السِّلْمِ والسَّلامِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ السِّلْمَ مِنَ المُسالَمَةِ والسَّلامَ مِنَ السَّلامَةِ.

الثّانِي: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الشّاعِرُ، وقَدْ أنْشَدَهُ الفَرّاءُ لِبَعْضِ العَرَبِ: وقَفْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ ﴿ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ظَنَّ رُسُلَ رَبِّهِ أضْيافًا لِأنَّهم جاؤُوهُ في صُورَةِ النّاسِ فَعَجَّلَ لَهُمُ الضِّيافَةَ فَجاءَهم بِعِجْلٍ حَنِيذٍ.

وَفي الحَنِيذِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحارُّ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ عَنْ عَلْقَمَةَ النَّحْوِيِّ.

الثّانِي: هو المَشْوِيُّ نَضِيجًا وهو المَحْنُوذُ مِثْلَ طَبِيخٍ ومَطْبُوخٍ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو الَّذِي حُفِرَ لَهُ في الأرْضِ ثُمَّ غُمَّ فِيها، قالَ الشّاعِرُ: إذا ما اعْتَبَطْنا اللَّحْمَ لِلطّالِبِ القِرى ∗∗∗ حَنَذْناهُ حَتّى عَيَّنَ اللَّحْمَ آكِلُهُ الثّانِي: هو أنْ يُوقَدَ عَلى الحِجارَةِ فَإذا اشْتَدَّ حَرُّها أُلْقِيَتْ في جَوْفِهِ لِيُسْرِعَ نُضْجُهُ، قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: لَهم راحٌ وكافُورٌ ومِسْكٌ ∗∗∗ وعِقْرُ الوَحْشِ شائِلُهُ حَنُوذُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾ في نَكِرَهم وأنْكَرَهم وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فَنَكِرَهم إذا لَمْ يَعْرِفْهم وأنْكَرَهم إذا وجَدَهم عَلى مُنْكَرٍ.

الثّانِي: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الأعْشى: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا واخْتُلِفَ في سَبَبِ إنْكارِهِ لَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يُطْعِمُوا، ومِن شَأْنِ العَرَبِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَطْعَمْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا بِهِ سُوءًا وخافُوا مِنهُ شَرًّا، فَنَكِرَهم إبْراهِيمُ لِذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم أيْدِي فَنَكِرَهم، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ.

وامْتَنَعُوا مِن طَعامِهِ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ.

﴿ وَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا مِنهم.

والثّانِي: أحَسَّ مِن نَفْسِهِ تَخَوُّفًا مِنهم، كَما قالَ يَزِيدُ بْنُ مُعاوِيَةَ: جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يُخَبُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ جَزَعًا ﴿ قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ يَعْنِي بِهَلاكِهِمْ.

وَفِي إعْلامِهِمْ إبْراهِيمَ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَزُولَ خَوْفُهُ مِنهم.

والثّانِي: لِأنَّ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ يَأْتِي قَوْمَ لُوطٍ فَيَقُولُ: ويْحَكم أيَنْهاكم عَنِ اللَّهِ أنْ تَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَتِهِ فَلا يُطِيعُونَهُ.

﴿ وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ وفي قِيامِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ قائِمَةً مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْمَعُ كَلامَهم، قالَهُ وهْبٌ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ قائِمَةً تَخْدُمُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ قائِمَةً تُصَلِّي، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حاضَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والعَرَبُ تَقُولُ ضَحِكَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ، والضَّحِكُ الحَيْضُ في كَلامِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ: وضَحِكَ الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمَثَلِ دَمِ الخَوْفِ يَوْمَ اللُّقا والثّانِي: أنَّ مَعْنى ضَحِكَتْ: تَعَجَّبَتْ، وقَدْ يُسَمّى التَّعَجُّبُ ضَحِكًا لِحُدُوثِ الضَّحِكِ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فَجاءَ بِمَزْجٍ لَمْ يَرَ النّاسُ مِثْلَهُ ∗∗∗ هو الضَّحِكُ إلّا أنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ الثّالِثُ: أنَّهُ الضَّحِكُ المَعْرُوفُ في الوَجْهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

فَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى الحَيْضِ فَفي سَبَبِ حَيْضِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وافَقَ وقْتَ عادَتِها فَخافَتْ ظُهُورَ دَمِها وأرادَتْ شِدادَهُ فَتَحَيَّرَتْ مَعَ حُضُورِ الرُّسُلِ.

والقَوْلُ الثّانِي: ذُعِرَتْ وخافَتْ فَتَعَجَّلَ حَيْضُها قَبْلَ وقْتِهِ، وقَدْ تَتَغَيَّرُ عادَةُ الحَيْضِ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ وتَغَيُّرِ الطِّباعِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ الحَيْضُ بَشِيرًا بِالوِلادَةِ لِأنَّ مَن لَمْ تَحُضْ لا تَلِدُ.

وَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى التَّعَجُّبِ فَفِيما تَعَجَّبَتْ مِنهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن أنَّها وزَوْجَها يَخْدُمانِ الأضْيافَ تَكْرِمَةً لَهم وهم لا يَأْكُلُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: تَعَجَّبَتْ مِن أنَّ قَوْمَ لُوطٍ قَدْ أتاهُمُ العَذابُ وهم غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن أنْ يَكُونَ لَها ولَدٌ عَلى كِبَرِ سِنِّها وسِنِّ زَوْجِها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

الرّابِعُ: أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن إحْياءِ العِجْلِ الحَنِيذِ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسَحَهُ بِجَناحِهِ فَقامَ يَدْرُجُ حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ وأُمُّ العِجْلِ في الدّارِ، قالَهُ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ.

وَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى ضَحِكِ الوَجْهِ فَفِيما ضَحِكَتْ مِنهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالسَّلامَةِ.

الثّانِي: سُرُورًا بِالوَلَدِ.

الثّالِثُ: لِما رَأتْ ما بِزَوْجِها مِنَ الوَرَعِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّها ضَحِكَتْ ظَنًّا بِأنَّ الرُّسُلَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى.

﴿ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ ﴾ وفي ﴿ وَراءِ ﴾ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَراءَ وُلِدَ الوَلَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى بَعْدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ النّابِغَةُ الذِّبْيانِيُّ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكِ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ فَعَجَّلُوا لَها البُشْرى بِالوَلَدَيْنِ مُظاهَرَةً لِلنِّعْمَةِ ومُبالَغَةً في التَّعَجُّبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ البِشارَةُ بِهِما بِاسْمَيْهِما فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى هو المُسَمِّي لَهُما، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ بِهِما وسَمّاها أبُوهُما.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ خُصَّتْ سارَّةُ بِالبُشْرى مِن دُونِ إبْراهِيمَ؟

قِيلَ عَنْ هَذا ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّها لَمّا اخْتَصَّتْ بِالضَّحِكِ خُصَّتْ بِالبُشْرى.

الثّانِي: أنَّهم كافَأُوها بِالبُشْرى مُقابَلَةً عَلى اسْتِعْظامِ خِدْمَتِها.

الثّالِثُ: لِأنَّ النِّساءَ في البُشْرى بِالوَلَدِ أعْظَمُ سُرُورًا وأكْثَرُ فَرَحًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ إسْحاقَ لِأنَّ سارَّةَ سَحُقَتْ بِالضَّحِكِ حِينَ بُشِّرَتْ بِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ لَمْ تَقْصِدْ بِقَوْلِها يا ويْلَتا الدُّعاءَ عَلى نَفْسِها بِالوَيْلِ ولَكِنَّها كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يُعْجَبْنَ مِنهُ، وعَجِبَتْ مِن وِلادَتِها وهي عَجُوزٌ وكَوْنُ بَعْلِها شَيْخًا لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ، وما خَرَجَ عَنِ العادَةِ مُسْتَغْرَبٌ ومُسْتَنْكَرٌ.

واخْتُلِفَ في سِنِّها وسِنِّ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ، فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ لِسارَّةَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وكانَ لِإبْراهِيمَ مِائَةُ سَنَةٍ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَتْ سارَّةُ بِنْتَ تِسْعِينَ سَنَةً وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

وَقالَ قَتادَةُ: كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ابْنَ تِسْعِينَ سَنَةً.

وَقِيلَ: إنَّها عَرَّضَتْ بِقَوْلِها: ﴿ وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ عَنْ تَرْكِ غِشْيانِهِ لَها، والبَعْلُ هو الزَّوْجُ في هَذا المَوْضِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ  ﴾ .

والبَعْلُ: المَعْبُودُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَدْعُونَ بَعْلا  ﴾ أيْ إلَهًا مَعْبُودًا.

والبَعْلُ السَّيِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ.

حاسِرِي الدِّيباجِ عَنْ أذْرُعِهِمْ ∗∗∗ عِنْدَ بَعْلٍ حازِمِ الرَّأْيِ بَطَلٍ فَسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِتَطاوُلِهِ عَلى الزَّوْجَةِ كَتَطاوُلِ السَّيِّدِ عَلى المَسُودِ.

﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ أيْ مُنْكَرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ  ﴾ أيْ أنْكَرُوا.

وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنها تَكْذِيبًا ولَكِنِ اسْتِغْرابًا لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن كعب رضي الله عنه قال: بلغنا أن إبراهيم عليه السلام كان يشرف على سدوم فيقول: ويلك يا سدوم يوم مالك، ثم قال: ﴿ ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ﴾ نضيج وهو يحسبهم أضيافاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أُرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: ولد الولد ﴿ قالت ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب ﴾ فقال لها جبريل ﴿ أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ وكلمهم إبراهيم في أمر قوم لوط إذ كان فيهم إبراهيم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ [ هود: 76] إلى قوله: ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ﴾ [ هود: 77] قال: ساءه مكانهم لما رأى منه من الجمال ﴿ وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب ﴾ قال: يوم سوء من قومي، فذهب بهم إلى منزله، فذهبت امرأته لقومه ﴿ فجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ﴾ [ هود: 78] تزوّجوهن ﴿ أليس منكم رجل رشيد، قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ﴾ [ هود: 79] وجعل الأضياف في بيته وقعد على باب البيت ﴿ قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ [ هود: 80] قال: إلى عشيرة تمنع، فبلغني أنه لم يبعث بعد لوط عليه السلام رسول إلا في عز من قومه، فلما رأت الرسل ما قد لقي لوط في سيئتهم ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك ﴾ [ هود: 81] إنا ملائكة ﴿ لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ﴾ [ هود: 81] إلى قوله: ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ [ هود: 81] فخرج عليهم جبريل عليه السلام، فضرب وجوههم بجناحه ضربة فطمس أعينهم والطمس ذهاب الأعين، ثم احتمل جبريل وجه أرضهم حتى سمع أهل سماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها عليهم ﴿ وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ﴾ قال: على أهل بواديهم، وعلى رعاثهم، وعلى مسافرهم فلم يبق منهم أحد.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما رأى إبراهيم أنه لا تصل إلى العجل أيديهم نكرهم وخافهم، وإنما كان خوف إبراهيم أنهم كانوا في ذلك الزمان إذا هم أحدهم بأمر سوء لم يأكل عنده يقول: إذا أكرمت بطعامه حرم عليّ أذاه، فخاف إبراهيم أن يريدوا به سوءاً، فاضطربت مفاصله، وامرأته سارة قائمة تخدمهم، وكان إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة لتخدمهم، فضحكت سارة وإنما ضحكت انها قالت: يا إبراهيم وما تخاف أنهم ثلاثة نفر وأنت وأهلك وغلمانك؟

قال لها جبريل: أيتها الضاحكة أما أنك ستلدين غلاماً يقال له إسحاق، ومن ورائه غلام يقال له يعقوب ﴿ فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها ﴾ فأقبلت والهة تقول: واويلتاه.

..

!

ووضعت يدها على وجهها استحياء.

فذلك قوله: ﴿ فصكت وجهها وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً ﴾ قال: لما بشر إبراهيم بقول الله: ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ﴾ باسحاق ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ وإنما كان جداله أنه قال: يا جبريل أين تريدون، وإلى من بعثتم؟

قال: إلى قوم لوط وقد أمرنا بعذابهم.

فقال إبراهيم ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته ﴾ [ العنكبوت: 32] وكانت فيما زعموا تسمى والقة فقال إبراهيم: إن كان فيهم مائة مؤمن تعذبونهم؟

قال جبريل: لا.

قال: فإن كان فيهم تسعون مؤمنون تعذبونهم؟

قال جبريل: لا، قال: فإن كان فيهم ثمانون مؤمنون تعذبونهم؟

قال جبريل: لا، حتى انتهى في العدد إلى واحد مؤمن؟

قال جبريل: لا، فلما لم يذكروا لإِبراهيم أن فيها مؤمناً واحداً قال: ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته ﴾ [ العنكبوت: 32] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن وهب بن منبه رضي الله عنه.

أن إبراهيم عليه السلام حين أخرجه قومه بعدما ألقوه في النار خرج بامرأته سارة ومعه أخوها لوط وهما ابنا أخيه، فتوجها إلى أرض الشام ثم بلغوا مصر، وكانت سارة رضي الله عنها من أجمل الناس، فلما دخلت مصر تحدث الناس بجمالها وعجبوا له حتى بلغ ذلك الملك، فدعا ببعلها وسأله ما هو منها فخاف إن قال له زوجها أن يقتله، فقال: أنا أخوها.

فقال: زوجنيها.

فكان على ذلك حتى بات ليلة، فجاءه حلم فخنقه وخوّفه، فكان هو وأهله في خوف وهول حتى علم أنه قد أتى من قبلها، فدعا إبراهيم فقال: ما حملك على أن تَغُرَّني زعمت أنها أختك؟

فقال: إني خفت إن ذكرت أنها زوجتي أن يصيبني منك ما أكره، فوهب لها هاجر أم إسماعيل وحملهم وجهزهم حتى استقر قرارهم على جبل إيليا، فكانوا بها حتى كثرت أموالهم ومعايشهم، فكان بين رعاء إبراهيم ورعاء لوط جوار وقتال: فقال لوط لابراهيم: إن هؤلاء الرعاء قد فسد ما بينهم وكانت تضيق فيهم المراعي، ونخاف أن لا تحملنا هذه الأرض فإن أحببت أن أخف عنك خففت.

قال إبراهيم: ما شئت إن شئت فانتقل منها وإن شئت انتقلت منك.

قال لوط عليه السلام: لا بل أنا أحق أن أخف عنك.

ففر بأهله وماله إلى سهل الأردن، فكان بها حتى أغار عليه أهل فلسطين فسبوا أهله وماله.

فبلغ ذلك إبراهيم عليه السلام فأغار عليهم بما كان عنده من أهله ورقيقه، وكان عددهم زيادة على ثلاثمائة من كان مع إبراهيم، فاستنقذ من أهل فلسطين من كان معهم من أهل لوط حتى ردهم إلى قرارهم، ثم انصرف إبراهيم إلى مكانه وكان أهل سدوم الذين فيهم لوط قوم قد استغنوا عن النساء بالرجال، فلما رأى الله كان عند ذلك بعث الملائكة ليعذبوهم، فأتوا إبراهيم فلما رآهم راعه هيئتهم وجمالهم فسلموا عليه وجلسوا إليه، فقام ليقرب إليهم قِرىً فقالوا: مكانك.

قال: بل دعوني آتيكم بما ينبغي لكم فإن لكم حقاً لم يأتنا أحد أحق بالكرامة منكم، فأمر بعجل سمين فحنذ له- يعني شوي لهم- فقرب إليهم الطعام ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ﴾ وسارة رضي الله عنها وراء الباب تسمع ﴿ قالوا لا تخف إنا نبشرك بغلام حليم ﴾ مبارك فبشر به امرأته سارة فضحكت وعجبت كيف يكون له مني ولد وأنا عجوز وهذا شيخ كبير...

!

﴿ قالوا أتعجبين من أمر الله ﴾ فإنه قادر على ما يشاء، وقد وهبه الله لكم فابشروا به.

فقاموا وقام معهم إبراهيم عليه السلام فمشوا معاً، وسألهم قال: أخبروني لم بعثتم وما دخل بكم؟

قالوا: إنا أرسلنا إلى أهل سدوم لندمرها فإنهم قوم سوء وقد استغنوا بالرجال عن النساء.

قال إبراهيم: إن فيها قوماً صالحين فكيف يصيبهم من العذاب ما يصيب أهل عمل السوء؟

قالوا: وكم فيها؟

قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون رجلاً صالحاً.

قالوا: إذن لا نعذبهم.

قال: إن كان فيهم أربعون؟

قالوا: إذن لا نعذبهم.

فلم يزل ينقص حتى بلغ إلى عشرة، ثم قال: فأهل بيت؟

قالوا: فإن كان فيها بيت صالح.

قال: فلوط وأهل بيته؟

قالوا: إن امرأته هواها معهم فكيف يصرف عن أهل قرية لم يتم فيها أهل بيت صالحين.

فلما يئس منهم إبراهيم عليه السلام انصرف وذهبوا إلى أهل سدوم، فدخلوا على لوط عليه السلام، فلما رأتهم امرأته أعجبها هيئتهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية أنه قد نزل بنا قوم لم ير قط أحسن منهم ولا أجمل.

فتسامعوا بذلك فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدران، فلقيهم لوط عليه السلام فقال: يا قوم لا تفضحوني في بيتي وأنا أزوجكم بناتي فهن أطهر لكم.

قالوا: لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانك ولكن لا بد لنا من هؤلاء القوم الذين نزلوا بك فخل بيننا وبينهم واسلم منا، فضاق به الأمر ف ﴿ قال لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد ﴾ فوجد عليه الرسل في هذه الكلمة فقالوا: إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، ومسح أحدهم أعينهم بجناحه فطمس أبصارهم فقالوا: سحرنا انصرف بنا حتى ترجع إليهم تغشاهم الليل، فكان من أمرهم ما قص الله في القرآن، فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحه حتى بلغ أسفل الأرض، ثم حمل قراهم فقلبها عليهم، ونزلت حجارة من السماء فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا، فأهلكهم الله تعالى ونجا لوط وأهله إلا امرأته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي يزيد البصري رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ قال: لم ير لهم أيدياً فنكرهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ نكرهم ﴾ الآية قال: كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنه يحدث نفسه بشر، ثم حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه فضحكت امرأته.

وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: لما تضيفت الملائكة عليهم السلام إبراهيم عليه السلام قدم لهم العجل فقالوا: لا نأكله إلا بثمن.

قال: فكلوا وأدوا ثمنه.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم.

قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: لهذا اتخذك الله خليلاً.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما بعث الله الملائكة عليهم السلام لتهلك قوم لوط أقبلت تمشي في صورة رجال شباب حتى نزلوا على إبراهيم عليه السلام فضيفوه، فلما رآهم أجلهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فذبحه ثم شواه في الرضف، فهو الحنيذ وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة رضي الله عنها تخدمهم، فذلك حين يقول ﴿ وامرأته قائمة ﴾ وهو جالس في قراءة ابن مسعود ﴿ فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون ﴾ ؟

قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن.

قال: فإن لهذا ثمناً.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: تذكرون اسم الله على أوّله وتحمدونه على آخر.

فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلاً.

فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تصل إليه يقول: لا يأكلون، فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت، وقالت: عجباً لاضيافنا هؤلاء انا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا.

!

قال لها جبريل: ابشري بولد اسمه إسحق، ومن وراء إسحاق يعقوب.

فضربت وجهها عجباً فذلك قوله: ﴿ فصكت وجهها وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب، قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ قالت سارة رضي الله عنها: ما آية ذلك؟

فأخذ بيده عوداً يابساً فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر.

فقال إبراهيم عليه السلام: هو لله إذن ذبيحاً.

وأخرج ابن المنذر عن المغيرة رضي الله عنه قال: في مصحف ابن مسعود ﴿ وامرأته قائمة وهو جالس ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وامرأته قائمة ﴾ قال: في خدمة أضياف إبراهيم عليه السلام.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه، فضحكت امرأته تعجباً مما فيه قوم لوط من الغفلة ومما أتاهم من العذاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فضحكت ﴾ قال: فحاضت وهي بنت ثمان وتسعين سنة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فضحكت ﴾ قال: حاضت وكانت ابنة بضع وتسعين سنة، وكان إبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فضحكت ﴾ قال: حاضت.

قال الشاعر: إني لآتي العرس عند طهورها ** وأهجرها يوماً إذا هي ضاحك وأخرج ابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه قال: كان اسم سارة يسارة فلما قال لها جبريل عليه السلام: يا سارة.

قالت: إن اسمي يسارة فكيف تسمينني سارة؟

قال الضحاك: يسارة العاقر التي لا تلد، وسارة الطالق الرحم التي تلد.

فقال لها جبريل عليه السلام: كنت يسارة لا تحملين فصرت سارة تحملين الولد وترضعينه.

فقالت سارة رضي الله عنها: يا جبريل نقصت اسمي قال جبريل: إن الله قد وعدك بأن يجعل هذا الحرف في اسم ولد من ولدك في آخر الزمان، وذلك أن اسمه عند الله حي فسماه يحيى.

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان حسن سارة رضي الله عنها حسن حواء عليها السلام.

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن سارة بنت ملك من الملوك، وكانت قد أوتيت حسناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: هو ولد الولد.

وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن حسان بن أبحر قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل من هذيل فقال له ابن عباس: ما فعل فلان؟

قال: مات، وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء.

فقال ابن عباس: ﴿ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: ولد الولد.

وأخرج ابن الأنباري عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ قال: ولد الولد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ضمرة بن حبيب.

أن سارة لما بشرها الرسل بإسحق قال: بينا هي تمشي وتحدثهم حين أتت بالحيضة، فحاضت قبل أن تحمل بإسحق، فكان من قولها للرسل حين بشروها: قد كنت شابة وكان إبراهيم شاباً فلم أحبل فحين كبرت وكبر أألد؟

قالوا: أتعجبين من ذلك يا سارة، فإن الله قد صنع بكم ما هو أعظم من ذلك، إن الله قد جعل رحمته وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد.

وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً ﴾ قال: وهي يومئذ ابنة سبعين، وهو يومئذ ابن تسعين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ بعلي ﴾ قال: زوجي.

وأخرج أبو الشيخ عن ضرار بن مرة عن شيخ من أهل المسجد قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة.

وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن علي رضي الله عنه قال: قالت سارة رضي الله عنها لما بشرتها الملائكة عليهم السلام ﴿ يا ويلتاه أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب ﴾ فقالت الملائكة ترد على سارة ﴿ أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ قال: فهو كقوله: ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ [ الزخرف: 28] بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله من عقب إبراهيم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه في قوله: ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ قال: كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل فسلم عليه، فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته.

فقال ابن عباس: انته إلى ما انتهيت إليه الملائكة، ثم تلا ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾ .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة رضي الله عنها فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته وصلواته ومغفرته، فقال ابن عباس: انتهوا بالتحية إلى ما قال الله: ﴿ ورحمة الله وبركاته ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن عطاء قال: كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما، فجاء سائل فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته وصلواته.

فقال ابن عباس: ما هذا السلام، وغضب حتى احمرت وجنتاه، إن الله حد للسلام حداً ثم انتهى ونهى عما وراء ذلك، ثم قرأ ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾ .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما.

أن رجلاً قال له: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته.

فانتهره ابن عمر وقال: حسبك إذا انتهيت إلى وبركاته إلى ما قال الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى العجل، وقال الفراء (١) ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ أي: أنكرهم (٢) (٣) وأنكرتني وما كان الذي نكرت ...

من الحوادث إلا الشيب والصلعا قال الليث (٤) (٥) قوله تعالى: ﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ أي: أضمر منهم خوفًا، قاله أبو عبيدة (٦) (٧) (٨) (٩) وقال ابن عباس (١٠) وقال الفراء (١١) وقال الأخفش (١٢) قال الليث (١٣) (١٤) (١٥) وقال عامة المفسرين (١٦) ﴿ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ .

قال ابن الأنباري (١٧) (١٨) (١٩) (١) "معاني القرآن" 2/ 21.

(٢) ساقط من (ي).

(٣) البيت في "ديوانه" ص 105، "الخصائص" 3/ 310، "المحتسب" 1/ 347، "شرح المفصل" 3/ 13، "مجاز القرآن" 1/ 293.

وقال أبو عبيدة: قال يونس: قال أبو عمرو: أنا الذي زدت هذا البيت في شعر الأعشى إلى آخره فذهب، فأتوب إلى الله منه، وهو في الطبري 12/ 71، والثعلبي 7/ 48 ب، "البحر المحيط" 5/ 242، "الدر المصون" 6/ 353، "اللسان" (نكر) 8/ 4539.

(٤) "تهذيب اللغة" (نكر) 4/ 3660.

(٥) في (ي): (المعروف).

(٦) في (ي): أبو عبيد.

وهو في "مجاز القرآن" 1/ 293.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 61.

(٨) "مشكل القرآن وغريبه" ص 211.

(٩) الثعلبي 7/ 48 ب، "زاد المسير" 4/ 129، القرطبي 9/ 65.

(١٠) الثعلبي 7/ 48 ب، القرطبي 9/ 65.

(١١) "معاني القرآن" 2/ 21، الثعلبي 7/ 48 ب.

(١٢) ذكره الثعلبي 7/ 48 ب، "الدر المصون" 4/ 113.

(١٣) "تهذيب اللغة" (وجس) 8/ 4772، "الدر المصون" 4/ 113.

(١٤) البيت في "ديوانه" 1/ 449 كالتالي: (إذا توجس قرعًا من سنابكها أو كان صاحب أرض أو به المؤم) القرع: الوقع، ويُروى (ركزًا) وهو الحسُّ، "توجس": تسع، يعني: الصائد (قرعًا من سنابكها) يعني: قرع حوافرها، (السنبك) طرف الحافر، أو كان صاحب أرض (رعدة)، (الموم): مرض شبه الجدري، المعنى: من خشية == الإخطاء يُحم، والبيت من قصيدته في خرقاء يتثمبب بها، انظر: "اللسان" (وجس) 8/ 4772، (أرض) 1/ 62، (فوم) 6/ 3491 "تهذيب اللغة" 1/ 148 (أرض)، 4/ 3468 (ميا)، "جمهرة اللغة" 1120،"تاج العروس" 9/ 28، (وجس) 10/ 6 (أرض).

(١٥) في (ي): (ذكرًا).

(١٦) هذا قول قتادة.

انظر: الطبري 12/ 71، الثعلبي 7/ 49، البغوي 4/ 188.

(١٧) "زاد المسير" 4/ 129.

(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 61.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ ﴾ الرسل هنا الملائكة ﴿ إبراهيم بالبشرى ﴾ بشروه بالولد ﴿ قَالُواْ سلاما ﴾ نصب على المصدر والعامل فيه فعل مضمر تقديره سلمنا عليكم سلاما ﴿ قَالَ سلام ﴾ تقديره عليكم سلام وسلام عليكم، وهذا على أن يكون بمعنى التحية، وإنما رفع جوابه ليدل على إثبات السلام، فيكون قد حيَّاهم بأحسن مما حيَّوه، ويحتمل أن يكون السلام بمعنى السلامة، ونصب الأول لأنه بمعنى الطلب، ورفع الثاني لأنه في معنى الخبر ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ ﴾ أي ما لبث مجيئه بل عجل وما نافية وأن جاء فاعل لبث ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ أي مشوي، وفعيل هنا بمعنى مفعول ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ أي أنكرهم ولم يعرفهم، يقال: نكر وأنكر بمعنى واحد ﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ قيل: إنه لم يعرفهم فخاف منهم لما لم يأكلوا طعامه، وقيل: عرف أنهم ملائكة ولكن خاف أن يكونوا أرسلوا بما يخاف فأمنوه بقولهم: لا تخف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سلم ﴾ بكسر السين بلا ألف فيهما.

حمزة وعلي ﴿ ويعقوب ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع.

﴿ سيء بهم ﴾ وبابه كضرب مجهولاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

الآخرون ﴿ سيء ﴾ مثل ﴿ قيل ﴾ ﴿ تخزوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ ضيفي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ فاسر ﴾ وبابه بهمزة الوصل: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ إلا امرأتك ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ حنيذ ﴾ ه ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ قوم لوط ﴾ ه ط ﴿ بإسحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع ﴿ يعقوب ﴾ ه ﴿ شيخاً ﴾ ط ﴿ عجيب ﴾ ه ﴿ أهل البيت ﴾ ط ﴿ مجيد ﴾ ه ﴿ في قوم لوط ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ أمر ربك ﴾ ج للاتبداء بأن مع اتصال المعنى.

﴿ مردود ﴾ ه ﴿ عصيب ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للعطف ولاختلاف النظم ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ ضيفي ﴾ ط ﴿ رشيد ﴾ ه ﴿ من حق ﴾ ج لما مر ﴿ ما نريد ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ هـ.

﴿ إلا امرأتك ﴾ ط ﴿ أصابهم ﴾ ط ﴿ الصبح ﴾ ط ﴿ بقريب ﴾ ه ﴿ منضود ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة حجارة ﴿ عند ربك ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه.

التفسير: الرسل ههنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا فقيل: كان معه اثناء عشر ملكاً على أحسن ما يكون من صورة الغلمان.

وقال الضحاك: كانوا تسعة.

وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرائفيل وهم الذين ذكر الله  في سورة الحجر ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم  ﴾ وفي الذاريات ﴿ هل أتاك حديث إبراهيم  ﴾ والظاهر أن البشرى هي البشارة بالولد.

وقيل: بهلاك قوم لوط.

ومعنى ﴿ سلاماً ﴾ سلمنا عليك.

ومعنى ﴿ سلام ﴾ أمركم سلام أو سلام عليكم.

ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل.

قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن اقتداء بقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحس منها  ﴾ وإنما صح وقوع ﴿ سلام ﴾ مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإِضافة إلى المتكلم إذ أصله سلمت سلاماً فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات.

ومن قرأ ﴿ سلماً ﴾ فمعناه السلام أيضاً.

قال الفراء.

سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام.

وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب.

قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم فما لبث ﴿ أن جاء ﴾ أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه ﴿ بعجل ﴾ هو ولد البقرة ﴿ حنيذ ﴾ مشوي في حرفة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف.

ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ.

وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسماً لقوله: ﴿ بعجل سمين  ﴾ تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ إلى العجل أو الطعام ﴿ نكرهم ﴾ أي أنكرهم واستنكر فعلهم ﴿ وأوجس ﴾ أضمر ﴿ منهم خيفة ﴾ لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهموتوقعوا منه المكروه والشر.

وقيل: إنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به شراً.

وقيل: إنه كان يعرف أنهم ملائكة الله لقولهم: ﴿ لا تخف ﴾ .

﴿ وإنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ لم يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط.

وعلى هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله بترك أكلهم على توقع الشر منهم.

وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازاً واختصاراً لدلالة الإرسال على كونهم رسلاً لا أضافياً.

وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان مشغوفاً بالضيافة.

وبم عرف الملائكة خوفه؟

قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته ﴾ وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم ﴿ قائمة ﴾ وراء الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهو قعود ﴿ فضحكت ﴾ .

قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة.

وقيل: بهلاك أهل الخبائث.

وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟

قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بالثمن.

فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً، فضحكت امرأته فرحاً بهذا الكلام.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت.

وقيل: طلب إبراهيم  منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته.

وقيل: ضحكت تعجباً من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون.

وقيل: تعجبت من خوف إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي فبشرناها بإسحق، فضحكت سروراً.

وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد.

من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود بعد إسحاق، ومن قرأ بالنصب فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب.

أقول من المحتمل أن يكون ﴿ يعقوب ﴾ مجروراً بالعبارة الموجودة أي وبشرناها بيعقوب من بعد إسحاق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال هاشم ويراد أولاده ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة تلهف وقد مرت في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ و ﴿ شيخاً ﴾ نصب الحال والعامل فيه ما في هذا من معنى أنبه أو أشير ﴿ إن هذا ﴾ يعني إن تولد ولد من هرمين ﴿ لشيء عجيب ﴾ عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم ﴾ يا أهل بيت خليل الرحمن.

والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب.

ويحتمل أن يكون انتصاب ﴿ أهل البيت ﴾ على الاختصاص.

وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم.

ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: ﴿ إنه حميد ﴾ محمود في أفعاله ﴿ مجيد ﴾ ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه.

﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه ﴿ وجاءته البشرى ﴾ البشارة بحصول الولد ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ في معناهم وفي شأنهم وهو جواب "لما" على حكاية الحال، أو لأن "لما" ترد المضارع إلى الماضي عكس "إن"، ويحتمل أن يكون جواب "لما" محذوفاً دل عليه ﴿ يجادلنا ﴾ أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يجادلنا ﴾ وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل سعياً في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم.

ويروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟

قالوا: لا قال: فأربعون؟

قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا لا.

قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟

قالوا: لا.

فعند ذلك ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجِّيَنهُ وأهله  ﴾ قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة.

أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون.

وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك ههنا ولذلك مدحه بقوله: ﴿ إن إبراهيم لحليم ﴾ غير عجول في الأمور ﴿ أوّاه ﴾ كثير التأوّه من الذنوب ﴿ منيب ﴾ راجع إلى الله في كل ما يسنح له.

وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم.

ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ الجدال ﴿ إنه قد جاء أمر ربك ﴾ بإهلاكهم ﴿ وإنهم آتيهم ﴾ لاحق بهم ﴿ عذاب غير مردود ﴾ فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء.

﴿ ولما جاءت رسلنا ﴾ المذكورون ﴿ لوطاً سيء بهم ﴾ أصله "سوىء" لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ ﴿ سيء ﴾ بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة.

﴿ وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعاً.

﴿ وقال هذا يوم عصيب ﴾ أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور.

عن ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم.

وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادراً على القيام بحق ضياقتهم لأنه ما كان يجد ما ينفق عليهم.

وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره.

وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه.والصحيح هو الأول.

يروى أنه  قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات.

فلما مشى معهم منطلقاً به إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم؟

قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً - يقول ذلك أربع مرات - فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها فذلك قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً.

وقال الجوهري: الإهراع الإسراع.

وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع.

وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم به.

والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه.

ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل الخبيث فقال: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ الفواحش فمرنوا عليها فلذلك جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء.

وقيل: معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ببناته فقال: ﴿ هؤلاء نباتي ﴾ عن قتادة: بناته من صلبه.

وعن مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته.

واختير هذا القول لأن عرض البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات.

ولأن اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة.

والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان جائزاً كما في أول الإسلام، زوج رسول الله  ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى - وهما كافران - فنسخ بقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا  ﴾ وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين.

ويجوز أ يكون قد عرض البنات عليهم لا بطريق الجد بل طمعاً فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له.

و ﴿ أطهر ﴾ بمعنى الطاهر لأنه لا طهارة في نكاح الرجال ﴿ فاتقوا الله ﴾ بإيثارهن عليهم ﴿ ولا تخزون ﴾ ولا تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء.

﴿ في ضيفي ﴾ في حق أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار.

والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدراً.

﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ صالح أو مصلح مرشد يمنتع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح.

﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴾ من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا ﴿ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ ويجوز أن يراد إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن ألبتة فلا يتصور لنا حق فيهن.

قال لوط ﴿ لو أن لي بكم قوّة ﴾ وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في دفعكم.

قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من الدفع والمنع.

والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة ﴿ أو آوي ﴾ أنضم ﴿ إلى ركن شديد ﴾ حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته.

وقوله: ﴿ أو آوي ﴾ عطف على الفعل المقدر بعد "لو".

والحاصل أنه تمنى دفعهم بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد.

وقال النبي  "رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه" ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصناً يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على الدفع.

ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله.

روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ وهذه جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال  ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم  ﴾ فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون إن في بيت لوط سحرة.

ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن كانت للقطع من الإسراء.

﴿ بقطع من الليل ﴾ عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر.

وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.

وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ أي لا ينظر إلى ما رواءه ﴿ إلا امرأتك ﴾ أكثر القراء على النصب فاعترض بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على غير فصيح؟

فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من ﴿ أحد ﴾ على القياس والنصب مستثنى من قوله: ﴿ فأسر ﴾ لا من قوله ﴿ لا يلتفت ﴾ وزيف بأن الاستثناء من ﴿ أسر ﴾ يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ يقتضي كونها مسرياً بها لأن الالتفات بعد الإسراء فتكون مسرياً بها غير مسرى بها.

ويمكن أن يجاب بأن ﴿ أسر ﴾ وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا إن شئت من ﴿ أسر ﴾ وإن شئت من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولا تناقض.

وبعضهم - كابن الحاجب - جعل ﴿ إلا امرأتك ﴾ في كلتا القراءتين مستثنى من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى.

ويمكن أن يقال: إنما اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من ﴿ أسر ﴾ إذ لو جعل استثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعاً على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها موجباً للمعصية.

قاله في الكشاف.

وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها.

واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها.

روي أنها لما سمعت هدّة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه: فأدركها حجر فقتلها.

وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال والأمتعة.

فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطاً أن يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين.

ثم أمر أن يقعطوا العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها.

يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا: ﴿ أليس الصبح بقريب؟

﴾ ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بإهلاكهم ﴿ جعلنا ﴾ أي جعل رسلنا ﴿ عاليها سافلها ﴾ روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل - وهو معرب سنك وكل - كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية الصلابة.

وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته.

وقيل: أي مما كتب الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان.

وقيل: من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاماً.

ويل: إنه اسم من أسماء السماء الدنيا.

ومعنى ﴿ منضود ﴾ موضع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة والتلاصق.

أو نضد في السماء نضداً معداً لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في جبال مخصوصة كقوله: { ﴿ من جبال فيها من برد  ﴾ ﴿ مسوّمة ﴾ معلمة للعذاب أو بياض وحمرة، عن الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم.

وقال ابن جريج كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.

وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به.

وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع.

ومعنى ﴿ عند ربك ﴾ أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه إهلاك من أهلك بكل واحد منها ﴿ وما هي ﴾ أي تلك الحجارة ﴿ من الظالمين ﴾ أي من كل ظالم ﴿ ببعيد ﴾ وهو وعيد لأهل مكة عن رسول الله  أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة.

وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم إلى الشام.

وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله  أعلم بمراده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ ﴾ : اختلفوا في هذه البشارة؛ قال بعضهم: جاءوا هم ببشارة إسحاق والحافد.

وهو قوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ .

وقال بعضهم: جاءوا ببشارة إهلاك قوم لوط وإنجاء لوط وأهله، قيل: لأن لوطا كان ابن أخي إبراهيم، وكان لوط فزع إلى الله بسوء عمل قومه وصنيعهم ودعا بالنجاة منهم، وهو قوله: ﴿ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ...

﴾ الآية [الشعراء: 168] حتى ذكر في بعض القصة أن سارة قالت لإبراهيم: ضم ابن أخيك إلى نفسك فإن قومه يعذبون، كأنها عرفت أنه لا يتركهم على ما هم عليه بسوء عملهم.

قالوا: جاءوا بالبشارتين جميعاً: ببشارة الولد والحافد، وبشارة هلاك قوم لوط ونجاة لوط وأهله؛ إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ ﴾ : هذا يدل أن السلام هو سنة الأنبياء والرسل والملائكة في الدنيا والآخرة، ولم تخص هذه الأمة به بل كان سنة الرسل الماضية والأمم السالفة وكذلك هو تحية أهل الجنة لقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ  ﴾ ونحوه، هذا يدل على ما ذكرنا.

ثم انتصاب قوله: ﴿ سَلاَماً ﴾ وارتفاع الثاني؛ لأن الأول انتصب لوقوع القول عليه كقولك: قال قولا، والثاني حكاية لقولهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ ﴾ أي: ما لبث عندهم حتى اشتغل بتقديم شيء إليهم، وإلا قد يكون في ذبح العجل وشويه لبث إلا أن يكون العجل مشويّاً، فإن لم يكن مشويّاً فتأويله ما ذكرنا أن لم يلبث عندهم في المؤانسة والحديث معهم على ما يفعل مع الأضياف حتى جاء بما ذكر، وفيه ما ذكرنا من الأدب، وفيه دلالة فيمن نزل به ضيف ألا يشتغل بالسؤال عن أحوال ضيفه من أين وإلى أين؟

وما حاجتهم؟

ولكن يشتغل بقراهم وإزاحة حاجتهم؛ لأن إبراهيم -  - إنما اشتغل بقراهم، لم يشتغل بالسؤال عن أحوالهم، ولكن اشتغل بما ذكرنا فجاء بعجل حنيذ، وهذا هو الأدب في الضيف، ألا ترى أنه لو كان سأل عن أحوالهم، فعرف أنهم من الملائكة لكان لا يشتغل بما ذكر؛ إذ عرف أنهم من الملائكة والملائكة لا يتناولون شيئاً من الطعام.

وقوله: ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ، قال بعضهم: الحنيذ: السمين، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ  ﴾ .

وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي خد في الأرض خدّاً، فحمي فشوي بالحجر المحمي.

وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي يسيل منه الماء.

وقال ابن عباس: الحنيذ: النضيج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: نكرهم وأنكرهم واستنكرهم: واحد، وهو من الإنكار، أي: لم يعرفهم؛ ظن أنهم لصوص؛ لأن اللصوص من عادتهم أنهم كانوا إذا أرادوا السرقة من قوم لم يتناولوا من طعامهم، ولم يأكلوا شيئاً عندهم.

وقيل: نكرهم أنهم من البشر.

﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ .

قيل: أضمر منهم خوفاً، قال بعضهم: خاف لما ظن أنهم سراق ولصوص؛ حيث لم يتناولوا شيئاً مما قدم إليهم.

وقال بعضهم: خيفة، أي: وحشة: أي: أضمر وحشة، حيث لم يتناولوا شيئاً مما قرب إليهم؛ فحينئذ علم أنهم ليسوا من البشر؛ لأن منزل إبراهيم كان ينأى من البلد، ولم ينزل أحد من البشر إلا وقد احتاج إلى الطعام، فلما لم يتناولوا علم أنهم ليسوا من البشر، فما جاءوا إلا لأمر عظيم: لتعذيب قوم وهلاكهم؛ فخاف لذلك؛ فقالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ [وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً...

﴾ الآية [الذاريات: 32-33].

وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ].

وقال في موضع آخر: ﴿ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ  ﴾ يذكر هاهنا أن قولهم: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا ﴾ على أثر سؤال، وفيما نحن فيه لا كذلك؛ فالمعنى فيه - والله أعلم - أن ذلك كان على أثر سؤال إبراهيم بقوله: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ ﴾ ، لكنه جمع ذلك فيما نحن فيه بالحكاية عن قولهم، وإن كان مفصولا عنه، وخرجت الحكاية في موضع آخر على ما كان في الحقيقة، وذلك مستقيم في كلام العرب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ .

قال بعضهم: قائمة على رءوس الأضياف؛ لأنها كانت عجوز، ولا بأس لعجوز ذلك؛ ألا ترى إلى قول الله -  - ﴿ وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية [النور: 60].

وقال بعضهم: ﴿ قَآئِمَةٌ ﴾ من وراء الباب، لكن لسنا ندري أي ذلك كان؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ .

قال بعضهم: ضحكت، تعجباً من خوف إبراهيم أنهم لصوص، وهم كانوا ثلاثة أو أربعة، دون عشرة، وكان خدم إبراهيم -  - يبلغ عددهم ثلاثمائة، على ما ذكر في القصة ضحكت تعجباً؛ إذ كيف يخاف من نفر عددهم دون عشرة، وعنده من الخدم ما يبلغ عددهم ما ذكرنا.

وقال بعضهم: ضحكت؛ تعجباً ممّا بشروها بالولد، وقد بلغ سنها ما بلغ من الكبر وهو كذلك، وقالت: أحق أن ألد وقد بلغت من السن كذا.

وقال بعضهم: ضحكت أي: حاضت، من قولهم: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وهو قول ابن عباس وعكرمة.

وقال الفراء: (ضحكت): حاضت غيرُ مسموع ولا معروف فعلى تأويل من قال: إنها ضحكت تعجباً مما بشرت بالولد فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال فبشرناها بإسحاق ومن وراء أسحاق يعقوب فضحكت.

وقال بعضهم: ضحكت سروراً بالأمن منهم؛ لأنهما خافا منهم.

وقوله: ﴿ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ .

ظاهر هذا أنها بشرت بإسحاق، ومن وراء أولاد إسحاق أولاد يعقوب، ولكن لم يكن يعقوب ولد من إبراهيم؛ إنما ولد من إسحاق، وهو: حافد إبراهيم أبي إسحاق فتأويله من وراء إسحاق حافد؛ فإنما البشارة بالولد وبالحافد، وهو كقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  ﴾ .

وقال في هذه السورة: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ  ﴾ .

فإن كان على ما قالوا إنها كانت قائمة وراء الباب؛ فيكون إقبالها خروجها إلى القوم، وإن كان قيامها على رءوسهم؛ فيكون معنى الإقبال هو الإقبال في ضرب وجهها وصكها، لكن ذلك من القدوم، لكنه على الإقبال بفعل ما أخبر عنها من صك وجهها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ [وقال في موضع آخر: ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ  فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ  ﴾ ؛ وقال هاهنا: ﴿ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ ] إن هذا لشيء عجيب.

هي لم تتعجب [من] قدرة الله أنه قادر على أن يهب الولد في كل وقت؛ ولكنها تعجبت لما رأت العادة في النساء والرجال أنهم إذا بلغوا المبلغ الذي كانوا هم لم يلدوا؛ فتعجبها أنها تلد في الحال التي هي عليها، أو يردان إلى حال الشباب؛ فعند ذلك يولد لهما، وكلاهما عجيب بحيث الخروج على خلاف العادة، لا بحيث قدرة الرب، وهو كما ذكرنا من قول زكريا: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ  ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً  ﴾ ، وقوله: أنى يكون لي غلام في الحال التي أنا عليها أو يرد لي شبابي، فعلى ذلك قولها ﴿ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال أهل التأويل: أتعجبين من قدرة الله هذا؟

[...] لكنه يحتمل وجهين: أحدهما أي: لا تعجبي من أمر الله هذا وكثيرا مما رأيت أمثال ذلك في أهل بيتك.

والثاني [...].

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ ؛ لأنه معلوم أنهم لم يقولوا سلاماً حسب، لم يزيدوا على هذا؛ بل زادوا؛ فكأنهم قالوا: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو قالوا: سلام الله ورحمته وبركاته عليكم.

﴿ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ .

بالنصب؛ كأنه قال يا أهل البيت، كقوله -  - حيث قال: "تركت بعدي الثقلين: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي" ، أي: يا أهل بيتي.

﴿ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴾ .

يحتمل حميد الذي يقبل اليسير من المعروف ويعطي الجزيل كالشكور، والمجيد: من المجد والشرف.

وقيل: الحميد: المحمود، والمجيد: الماجد وهو الكريم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ ﴾ .

قيل: الروع هو الفرق والفزع الذي دخل فيه بمجيء الملائكة.

﴿ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ ﴾ .

في الولد والحافد، وفي نجاة لوط وأهله، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: مجادلته إياهم في قوم لوط ما ذكر في القصّة أنه قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم من المؤمنين كذا تعذبونهم؟

قالوا: لا ونحوه من الكلام فإن ثبت هذا، وإلا لا نعلم ما مجادلته إياهم [وأمكن أن تكون مجادلته إياهم] في دفع العذاب عنهم أو تأخيره دليله قوله: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ ، ويحتمل مجادلته إياهم في استبقاء قوم لوط؛ شفقة عليهم ورحمة، لعلهم يؤمنون ويقبلون ما يدعون إليه؛ لئلا ينزل بهم العذاب: ما أوعدوا يتشفع إليهم ليسألوا ربهم أن يبقيهم والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴾ .

قيل: الحليم هو الذي لا يكافئ من ظلمه ولا يجازيه به، أو يحلم عن سفه كل سفيه ﴿ أَوَّاهٌ ﴾ ، قيل: الأواه: الموقن، بلغة الحبش، وقيل: الأواه: المتأوه، وهو الدعاء وكثير الدعاء، وقيل: الأواه: المتقي الذي لا يفتر لسانه عن ذكره، وقيل: الأواه: الحزين فيما بينه وبين ربّه.

في هذه الأحرف الثلاثة جميع أنواع الخير والطاعة ما كان [فيما] بينه وبين ربه، وما كان بينه وبين الخلق، حيث ذكر أنه حليم وأنه أواه، وأنه منيب، والمنيب، قيل: المخلص لله وقيل: هو المقبل إلى الله بقلبه وبدنه، وقد ذكرنا هذا في سورة التوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ﴾ يعني: عن المجادلة [التي كان يجادلهم ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّك ﴾ أي: جاء ما أمر به ربك، وجاء موعودهم، وأنهم ﴿ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ أي: غير مدفوع لا يحتمل الردّ بالشفاعة.

ويحتمل قوله: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ﴾ عن المجادلة التي] ذكر أنه قد جاء أمر ربك بالانصراف والرجوع عنك.

ويحتمل: جاء أمر ربك من إنزال العذاب بهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما رأى إبراهيم أنَّ أيديهم لا تصل إلى العجل، وأنهم لم يأكلوا منه استنكر ذلك منهم، وأخفى في نفسه الخوف منهم، فلما رأت الملائكة خوفه منهم قالوا: لا تخف منا، نحن بَعثنا الله إلى قوم لوط لنعذبهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.DvdKX"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله