الآية ٩١ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٩١ من سورة الحجر

ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ ٩١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 143 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩١ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩١ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( الذين جعلوا القرآن عضين ) أي : جزءوا كتبهم المنزلة عليهم ، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض .

قال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أنبأنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( جعلوا القرآن عضين ) قال : هم أهل الكتاب ، جزءوه أجزاء ، فآمنوا ببعضه ، وكفروا ببعضه حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس : ( كما أنزلنا على المقتسمين ) قال : آمنوا ببعض ، وكفروا ببعض : اليهود والنصارى قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، والضحاك مثل ذلك .

وقال الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( جعلوا القرآن عضين ) قال : السحر .

وقال عكرمة : العضه : السحر بلسان قريش ، تقول للساحرة : إنها العاضهة وقال مجاهد : عضوه أعضاء ، قالوا : سحر ، وقالوا : كهانة ، وقالوا : أساطير الأولين .

وقال عطاء : قال بعضهم : ساحر ، وقال بعضهم : مجنون .

وقال بعضهم كاهن .

فذلك العضين ، وكذا روي عن الضحاك وغيره .

وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس : أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا شرف فيهم ، وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا .

فقالوا : وأنت يا أبا عبد شمس ، فقل وأقم لنا رأيا نقول به .

قال : بل أنتم قولوا لأسمع .

قالوا : نقول كاهن " .

قال : ما هو بكاهن .

قالوا : فنقول : " مجنون " .

قال : ما هو بمجنون !

قالوا فنقول : " شاعر " .

قال : ما هو بشاعر .

قالوا : فنقول : " ساحر " .

قال : ما هو بساحر .

قالوا : فماذا نقول ؟

قال : والله إن لقوله حلاوة ، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول أن تقولوا : هو ساحر .

فتفرقوا عنه بذلك ، وأنزل الله فيهم : ( الذين جعلوا القرآن عضين ) أصنافا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

واختلف أهل التأويل في معنى قوله ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) فقال بعضهم: معناه: الذين جعلوا القرآن فِرَقا مفترقة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: فرقا.

حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جزّءوه فجعلوه أعضاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: جزّءوه فجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلحة، عن عطاء ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: المشركون من قريش، عضُّوا القرآن فجعلوه أجزاء، فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: مجنون ، فذلك العِضُون.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله ( جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) : جعلوا كتابهم أعضاء كأعضاء الجزور، وذلك أنهم تقطعوه زبرا، كل حزب بما لديهم فرحون، وهو قوله فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا .

حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) عضهوا كتاب الله ، زعم بعضهم أنه سِحْر، وزعم بعضهم أنه شِعْر، وزعم بعضهم أنه كاهن .

قال أبو جعفر: هكذا قال كاهن، وإنما هو كهانة ، وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض.

حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: جعلوه أعضاء كما تُعَضَّى الشاة.

قال بعضهم: كَهانة، وقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا ..

الآية ، جعلوه أعضاء كما تُعَضَّى الشاة فوجه قائلو هذه المقالة قوله ( عِضِينَ) إلى أن واحدها: عُضْو، وأن عِضِينَ جمعه، وأنه مأخوذ من قولهم عَضَّيت الشيء تعضية: إذا فرقته، كما قال رؤبة: وليس دينُ اللَّهِ بالمُعَضَّى (1) يعني بالمفرّق ، وكما قال الآخر: وعَضَّـى بَنِـي عَـوْف فأمَّـا عَدُوَّهُمْ فـأرْضَى وأمَّـا الْعِـزُّ منهُـمُ فغـيَّرا (2) يعني بقوله: وعَضَّى: سَبَّاهُمْ ، وقَطَّعاهُمْ بألسنتهما (3) .

وقال آخرون: بل هي جمع عِضَة، جمعت عِضين ، كما جمعت البُرّة بُرِين، والعِزة عِزِين ، فإذا وُجِّه ذلك إلى هذا التأويل كان أصل الكلام عِضَهَة، ذهبت هاؤها الأصلية، كما نقصوا الهاء من الشَّفَة وأصلها شَفَهَة، ومن الشاة ، وأصلها شاهة ، يدل على أن ذلك الأصل تصغيرهم الشفة: شُفَيْهة، والشاة: شُوَيْهة، فيردّون الهاءَ التي تسقط في غير حال التصغير ، إليها في حال التصغير، يقال منه: عَضَهْتُ الرجل أعضَهُه عَضْهًا.

إذا بَهَتَّه ، وقذفته ببُهتان ، وكأن تأويل من تأوّل ذلك كذلك: الذين عَضَهوا القرآن، فقالوا: هو سِحْر، أو هو شعر، نحو القول الذي ذكرناه عن قتادة.

وقد قال جماعة من أهل التأويل: إنه إنما عَنَى بالعَضْه في هذا الموضع، نسبتهم إياه إلى أنه سِحْر خاصة دون غيره من معاني الذمّ، كما قال الشاعر: للماءِ مِنْ عِضَاتهنَّ زَمْزَمهْ (4) يعني: من سِحْرهنْ.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: سحرا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (عِضِينَ) قال: عَضَهوه وبَهَتُوه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: كان عكرمة يقول: العَضْه: السحر بلسان قريش، تقول للساحرة: إنها العاضهة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل ، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: سِحْرا أعضاء الكتب كلها وقريش فرقوا القرآن ، قالوا: هو سحر.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُعْلِم قوما عَضَهُوا القرآن أنه لهم نذير من عقوبة تنـزل بهم بِعضْهِهِمْ إياه مثل ما أنـزل بالمقتسمين، وكان عَضْهُهُم إياه: قذفهموه بالباطل، وقيلهم إنه شعر وسحر، وما أشبه ذلك.

وإنما قلنا إن ذلك أولى التأويلات به لدلالة ما قبله من ابتداء السورة وما بعده، وذلك قوله إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ على صحة ما قلنا، وإنه إنما عُنِيَ بقوله ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) مشركي قومه ، وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لم يكن في مشركي قومه من يؤمن ببعض القرآن ويكفر ببعض، بل إنما كان قومه في أمره على أحد معنيين: إما مؤمن بجميعه، وإما كافر بجميعه.

وإذ كان ذلك كذلك، فالصحيح من القول في معنى قوله ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) الذين زعموا أنهم عَضَهوه، فقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: هو كهانة ، وما أشبه ذلك من القول، أو عَضَّهُوه ففرقوه، بنحو ذلك من القول ، وإذا كان ذلك معناه احتمل قوله عِضِين، أن يكون جمع: عِضة، واحتمل أن يكون جمع عُضْو، لأن معنى التعضية: التفريق، كما تُعَضى الجَزُور والشاة، فتفرق أعضاء.

والعَضْه: البَهْت ، ورميه بالباطل من القول ، فهما متقاربان في المعنى.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين جعلوا القرآن عضين هذه صفة المقتسمين .

وقيل : هو مبتدأ وخبره لنسألنهم .

وواحد العضين عضة ، من عضيت الشيء تعضية أي فرقته ; وكل فرقة عضة .

وقال بعضهم : كانت في الأصل عضوة فنقصت الواو ، ولذلك جمعت عضين ; كما قالوا : عزين في جمع عزة ، والأصل عزوة .

وكذلك ثبة وثبين .

ويرجع المعنى إلى ما ذكرناه في المقتسمين .

قال ابن عباس : ( آمنوا ببعض وكفروا ببعض ) .

وقيل : فرقوا أقاويلهم فيه فجعلوه كذبا وسحرا وكهانة وشعرا .

عضوته أي فرقته .

قال الشاعر - هو رؤبة - :وليس دين الله بالمعضىأي بالمفرق .

ويقال : نقصانه الهاء وأصله عضهة ; لأن العضه والعضين في لغة قريش السحر .

وهم يقولون للساحر : عاضه وللساحرة عاضهة .

قال الشاعر :أعوذ بربي من النافثا ت في عقد العاضه المعضهوفي الحديث : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العاضهة والمستعضهة ، وفسر : الساحرة والمستسحرة .والمعنى : أكثروا البهت على القرآن ونوعوا الكذب فيه ، فقالوا : سحر وأساطير الأولين ، وأنه مفترى ، إلى غير ذلك .

ونظير عضة في النقصان شفة ، والأصل شفهة .

كما قالوا : سنة ، والأصل سنهة ، فنقصوا الهاء الأصلية وأثبتت هاء العلامة وهي للتأنيث .

وقيل : هو من العضه وهي النميمة .

والعضيهة البهتان ، وهو أن يعضه الإنسان ويقول ، فيه ما ليس فيه .

يقال عضهه عضها رماه بالبهتان .

وقد أعضهت أي جئت بالبهتان .

قال الكسائي : العضة الكذب والبهتان ، وجمعها عضون ; مثل عزة وعزون ; قال - تعالى - : الذين جعلوا القرآن عضين .

ويقال : عضوه أي آمنوا بما أحبوا منه وكفروا بالباقي ، فأحبط كفرهم إيمانهم .

وكان الفراء يذهب إلى أنه مأخوذ من العضاة ، وهي شجر الوادي ويخرج كالشوك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ الذين جعلوا القرآن عضين } أي: أصنافا وأعضاء وأجزاء، يصرفونه بحسب ما يهوونه، فمنهم من يقول: سحر ومنهم من يقول: كهانة ومنهم من يقول: مفترى إلى غير ذلك من أقوال الكفرة المكذبين به، الذين جعلوا قدحهم فيه ليصدوا الناس عن الهدى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين جعلوا القرآن عضين ) جزءوه فجعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه .

وقال مجاهد : هم اليهود ، والنصارى قسموا كتابهم ففرقوه وبدلوه .

وقيل : " المقتسمون " قوم اقتسموا القرآن .

فقال بعضهم : سحر .

وقال بعضهم : شعر .

وقال بعضهم : كذب ، وقال بعضهم : أساطير الأولين .

وقيل : الاقتسام هو أنهم فرقوا القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ساحر كاهن شاعر .

وقال مقاتل : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقاب مكة وطرقها ، وقعدوا على أنقابها يقولون لمن جاء من الحجاج : لا تغتروا بهذا الرجل الخارج الذي يدعي النبوة منا .

وتقول طائفة منهم : إنه مجنون ، وطائفة : إنه كاهن ، وطائفة : إنه شاعر والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه حكما فإذا سئل عنه قال : صدق أولئك [ يعني ] المقتسمين .

وقوله : ( عضين ) قيل : هو جمع عضو ، مأخوذ من قولهم : عضيت الشيء تعضية ، إذا فرقته .

ومعناه : أنهم جعلوا القرآن أعضاء ، فقال بعضهم : سحر .

وقال بعضهم : كهانة .

وقال بعضهم : أساطير الأولين .

وقيل : هو جمع عضة : يقال : عضة وعضين مثل برة وبرين وعزة وعزين ، وأصلها : عضهة ذهبت هاؤها الأصلية ، كما نقصوا من الشفة وأصلها شفهة ، بدليل : أنك تقول في التصغير شفيهة ، والمراد بالعضة الكذب والبهتان .

وقيل : المراد بالعضين العضه وهو السحر ، يريد : أنهم سموا القرآن سحرا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين جعلوا القرآن» أي كتبهم المنزلة عليهم «عضين» أجزاء، حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقيل المراد بهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإسلام، وقال بعضهم في القرآن سحر وبعضهم كهانة وبعضهم شعر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهم الذين جعلوا القرآن أقسامًا وأجزاء، فمنهم من يقول: سحر، ومنهم من يقول كَهَانة، ومنهم من يقول غير ذلك، يصرِّفونه بحسب أهوائهم؛ ليصدوا الناس عن الهدى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق ، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى - : ( كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ) .

.والكاف فى قوله ( كما ) للتشبيه ، و ( ما ) موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني ) .ولفظ ( المقتسمين ) افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقسامًا .

.والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب ، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر .أو المراد بهم - كما قال ابن كثير : " ( المقتسمين ) أى المتحالفين ، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم .

.

.

" .ولفظ ( عضين ) جمع عضة - بزنة عزة - ، وهى الجزء والقطعة من الشئ .

تقول : عضيت الشئ تعضية ، أى : فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة .قال القرطبى ما ملخصه : وواحد العضين عضة ، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته ، وكل فرقة عضة .

قال الشاعر : وليس دين الله بالمعضى .

أى : بالمفرق .والعضة والعضين فى لغة قريش السحر .

وهم يقولون للساحر عاضه ، وللساحرة عاضهة .

.

.وفى الحديث : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة " .

وقيل : هو من العضة ، وهى التميمة .

والعضيهة : البهتان .

.

.

يقال : أعضهت يا فلان أى : جئت بالبهتان .والمعنى : ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم ، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين ، أى الذين قسموا كتابهم أقسامًا ، فأظهروا قسمًا وأخفوا آخر ، والذين جعلوا - أيضًا - القرآن أقسامًا ، فآمنوا ببعضه ، وكفروا بالبعض الآخر ..

فجعله ( الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ) بيان وتوضيح للمقتسمين .ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - ( كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين .

.

.

) متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك ، ( وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين ) ، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة .

وأن المراد بالمقتسمين : جماعة من مشركى قريش ، قسموا أنفسهم أقسامًا لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم .والمعنى : وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين .

.

.وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - ( كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين .

.

.

) متعلق بقوله - تعالى - ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً .

.

.

) على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى : آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا ، وهو فى معنى : أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب ( الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ) أى قسموه إلى حق وباطل .

.وقيل : هو متعلق بقوله - تعالى - : ( وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين ) .

.

وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش .

.

.

أرسلهم الوليد بن المغيرة ، أيام موسم الحج ، ليقفوا على مداخل طرق مكة ، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل ، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر .

.أى : وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين .وقيل المراد بالمقتسمين ، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحًا - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله .

.

.ثم قال - رحمه الله - : والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله ( كما أنزلنا .

.

) متعلق بقوله - تعالى - ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً .

.

.

) وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين ، وأن الموصول مع صلته ، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم .

.

.والمعنى : لقد آتيناك سبعًا من المثانى والقرآن العظيم ، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما .

.

.

.ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين ، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير ، فقد قال - رحمه الله - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه : " والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال : إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه ، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته ، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم " .

.

.وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين : أهل الكتابين ..

وجائز أن يكون عنى بذلك : المشركين من قريش ، لأنهم اقتسموا القرآن ، فسماه بعضهم شعرا ، وسماه بعضهم كهانة .

.

.وجائز أن يكون عنى به الفريقين .

.

.

وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه .

لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل ، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين ، وإذا فكل من اقتسم كتابًا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض ، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد .

.

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا، وخفض الجناح للمؤمنين، أمره بأن يقول للقوم: ﴿ إِنّى أَنَا النذير المبين ﴾ فيدخل تحت كونه نذيراً، كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عقاب وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب فكان الأخبار بحصول هذا العقاب داخلاً تحت لفظ النذير، ويدخل تحته أيضاً كونه شارحاً لمراتب الثواب والعقاب والجنة والنار، ثم أردفه بكونه مبيناً، ومعناه كونه آتياً في كل ذلك بالبيانات الشافية والبينات الوافية، ثم قال بعده: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: اختلفوا في أن المقتسمين من هم؟

وفيه أقوال: القول الأول: قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرب عددهم من أربعين.

وقال مقاتل بن سليمان: كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا، والمدعي للنبوة فإنه مجنون، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن أو شاعر، فأنزل الله تعالى بهم خزياً فماتوا شر ميتة، والمعنى: أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين.

والقول الثاني: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات أن المقتسمين هم اليهود والنصارى، واختلفوا في أن الله تعالى لم سماهم مقتسمين؟

فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي.

وقال عكرمة: لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به، فقال بعضهم: سورة كذا لي.

وقال بعضهم: سورة كذا لي.

وقال مقاتل بن حبان: اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر.

وقال بعضهم شعر، وقال بعضهم كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين.

والقول الثالث: في تفسير المقتسمين.

قال ابن زيد: هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه وأهله، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم، فعلى هذا والاقتسام من القسم لا من القسمة، وهو اختيار ابن قتيبة.

البحث الثالث: أن قوله: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين ﴾ يقتضي تشبيه شيء بذلك فما ذلك الشيء؟

والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: التقدير: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين، حيث قالوا بعنادهم وجهلهم بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل.

فإن قيل: فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه والمشبه به قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ  ﴾ إلى آخره؟

قلنا: لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم.

والوجه الثاني: أن يتعلق هذا الكلام بقوله: ﴿ وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين ﴾ .

واعلم أن هذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين: إما التزام إضمار أو التزام حذف، أما الإضمار فهو أن يكون التقدير إني أنا النذير المبين عذاباً كما أنزلناه على المقتسمين، وعلى هذا الوجه، المفعول محذوف وهو المشبه، ودل عليه المشبه به، وهذا كما تقول: رأيت كالقمر في الحسن، أي رأيت إنساناً كالقمر في الحسن، وأما الحذف فهو أن يقال: الكاف زائدة محذوفة، والتقدير: إني أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين، وزيادة الكاف له نظير وهو قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ والتقدير: ليس مثله شيء، وقال بعضهم: لا حاجة إلى الإضمار والحذف، والتقدير: إني أنا النذير أي أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين وقوله: ﴿ الذين جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: في هذا اللفظ قولان: الأول: أنه صفة للمقتسمين.

والثاني: أنه مبتدأ، وخبره هو قوله: ﴿ لَنَسْئَلَنَّهُمْ  ﴾ وهو قول ابن زيد.

البحث الثاني: ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين: القول الأول: أن واحدها عضة مثل عزة وبرة وثبة، وأصلها عضوة من عضيت الشيء إذا فرقته، وكل قطعة عضة، وهي مما نقص منها واو هي لام الفعل، والتعضية التجزئة والتفريق، يقال: عضيت الجزور والشاة تعضية إذا جعلتها أعضاء وقسمتها، وفي الحديث: «لا تعضية في ميراث إلا فيما احتمل القسمة» أي لا تجزئه فيما لا يحتمل القسمة كالجوهرة والسيف.

فقوله: ﴿ جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ يريد جزؤه أجزاء، فقالوا: سحر وشعر وأساطير الأولين ومفترى.

والقول الثاني؛ أن واحدها عضة وأصلها عضهة، فاستثقلوا الجمع بين هاءين، فقالوا: عضة كما قالوا شفة، والأصل شفهة بدليل قولهم: شافهت مشافهة، وسنة وأصلها سنهة في بعض الأقوال، وهو مأخوذ من العضة بمعنى الكذب، ومنه الحديث: «إياكم والعضة» وقال ابن السكيت: العضة بأن يعضه الإنسان ويقول فيه ما ليس فيه.

وهذا قول الخليل فيما روى الليث عنه، فعلى هذا القول معنى قوله تعالى: ﴿ جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ أي جعلوه مفترى.

وجمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف، فجعل الجمع بالواو والنون عوضاً مما لحقها من الحذف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما، أن يتعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتيناك ﴾ [الحجر: 87] أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون ﴿ الذين جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل، وعضوه.

وقيل: كانوا يستهزؤن به فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول الآخر: سورة آل عمران لي، ويجوز أن يراد بالقرآن: ما يقرؤنه من كتبهم، وقد اقتسموه بتحريفهم، وبأنّ اليهود أقرّت ببعض التوراة وكذبت ببعض، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم، وقولهم سحر وشعر وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم.

والثاني أن يتعلق بقوله: ﴿ وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين ﴾ [الحجر: 89] أي: وأنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين، يعني اليهود، وهو ما جرى على قريظة والنضير، جعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز؛ لأنه إخبار بما سيكون وقد كان.

ويجوز أن يكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوباً بالنذير، أي: أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير، مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، فقعدوا في كل مدخل متفرّقين لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر.

ويقول الآخر: كذاب، والآخر: شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات، كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب وغيرهم، أو مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً عليه السلام، والاقتسام بمعنى التقاسم.

فإن قلت: إذا علقت قوله: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا ﴾ بقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتيناك ﴾ [الحجر: 87] فما معنى توسط ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ ﴾ [الحجر: 88] إلى آخره بينهما؟

قلت: لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدد لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم، ومن الأمر بأن يقبل بمجامعه على المؤمنين ﴿ عِضِينَ ﴾ أجزاء، جمع عضة، وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء.

قال رؤبة: وَلَيْسَ دينُ اللَّهِ بِالْمَعْضِيِّ وقيل: هي فعلة، من عضهته إذا بهته.

وعن عكرمة: العضة السحر، بلغة قريش، يقولون للساحر عاضهة.

ولعن النبي صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة، نقصانها على الأوّل واو، وعلى الثاني هاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ أجْزاءً جَمْعُ عِضَةٍ، وأصْلُها عُضْوَةٌ مِن عَضّى الشّاةَ إذا جَعَلَها أعْضاءَ.

وَقِيلَ فِعْلَةٌ مِن عَضَهْتُهُ إذا بَهَتُّهُ، وفي الحَدِيثِ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ  العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ» وقِيلَ أسْحارًا وعَنْ عِكْرِمَةَ العَضَةُ السِّحْرُ، وإنَّما جُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ جَبْرًا لِما حُذِفَ مِنهُ والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ .

﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ التَّقْسِيمِ أوِ النِّسْبَةِ إلى السِّحْرِ فَنُجازِيَهم عَلَيْهِ.

وَقِيلَ هو عامٌّ في كُلِّ ما فَعَلُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين جعلوا القرآن عِضِينَ} أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء حيث قالوا بعنادهم بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه وقيل كانوا يستهزءون به فيقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول

الحجر (٩١ _ ٩٩)

الآخر سورة آل عمران لي أو أريد بالقرآن ما يقرءونه من كتبهم وقد اقتسموه فاليهود أقرت ببعض التوارة وكذبت ببعض والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض ويجوز أن يكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوبا بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزءون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر ويقول الآخر كذاب والآخر شاعر فأهلكهم الله ولا تمدن عينيك على الوجه الآول اعترض بينهما لأنه لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الإلتفات

إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الأمر بأن يقبل بكليته عن المؤمنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ أيْ قَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ حَيْثُ قالُوا عِنادًا وعَداوَةً: بَعْضُهُ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، وتَفْسِيرُ ﴿ المُقْتَسِمِينَ ﴾ المَذْكُورِينَ بِأهْلِ الكِتابِ مِمّا رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ، وفي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ البُخارِيُّ وسَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هم أهْلُ الكِتابِ جَزَّؤُوهُ أجْزاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، وجاءَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ الحَبْرِ قالَ: ««سَألَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اليَهُودُ والنَّصارى قالَ: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ ما عِضِينَ؟

قالَ  : آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ»».

أوِ اقْتَسَمُوهُ لِأنْفُسِهِمُ اسْتِهْزاءً بِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يَقُولُ: سُورَةُ البَقَرَةِ لِي وبَعْضَهم سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي وهَكَذا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ ويُرادَ مِنَ القُرْآنِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ أيِ المَقْرُوءُ مِن كُتُبِهِمْ أيِ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا ما قَرَؤُوا مِن كُتُبِهِمْ وحَرَّفُوهُ وأقَرُّوا بِبَعْضٍ وكَذَّبُوا بِبَعْضٍ، وحُمِلَ تَوَسُّطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ إلَخْ بَيْنَ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ عَلى إمْدادِ ما هو المُرادُ بِالكَلامِ مِنَ التَّسْلِيَةِ.

وتُعِقِّبَ القَوْلُ بِهَذا التَّعَلُّقِ بِأنَّهُ جُلُّ هَذا المَقامِ عَنِ التَّشْبِيهِ فَلَقَدْ أُوتِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وفي حَمْلِ القُرْآنِ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ ما فِيهِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ ﴾ لِأنَّهُ في قُوَّةِ الأمْرِ بِالإنْذارِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي اليَهُودَ هو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ بِأنْ جُعِلَ المُتَوَقَّعِ كالواقِعِ وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ المُشَبَّهَ بِهِ العَذابَ المُنْذِرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا حالَ النُّزُولِ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ فَيَلْغُو التَّشْبِيهُ، وتَنْزِيلُ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لَهُ مَوْقِعٌ جَلِيلٌ مِنَ الإعْجازِ لَكِنْ إذا صادَفَ مَقامًا يَقْتَضِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ونَظائِرِهِ، عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الِاقْتِسامِ بِاليَهُودِ بِمُجَرَّدِ اخْتِصاصِ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ شِرْكَتِهِمْ لِلنَّصارى في الِاقْتِسامِ المُتَفَرِّعِ عَلى المُوافَقَةِ والمُخالَفَةِ، وفي الِاقْتِسامِ بِمَعْنى التَّحْرِيفِ الشّامِلِ لِلْكِتابَيْنِ بَلْ تَخْصِيصُ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مِن نَتائِجِ الِاقْتِسامِ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ جَماعَةٌ مِن قُرَيْشٍ وهي اثْنا عَشَرَ، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلٍ والعاصُ بْنُ هِشامٍ وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ وقَيْسُ بْنُ الفاكِهِ وزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وهِلالُ بْنُ عَبْدِ الأسْوَدِ والسّائِبُ بْنُ صَيْفِيٍّ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ وزَمَعَةُ بْنُ الحَجّاجِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وأوْسُ بْنُ المُغِيرَةِ، أرْسَلَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أيّامَ المَوْسِمِ لِيَقِفُوا عَلى مَداخِلِ طُرُقِ مَكَّةَ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فانْقَسَمُوا عَلى هاتِيكَ المَداخِلِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ فَإنَّهُ ساحِرٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: كَذّابٌ، والآخَرُ: شاعِرٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذَيانِهِمْ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ وقَبْلَهُ بِآفاتٍ، ويُجْعَلُ الَّذِينَ مَنصُوبًا- بِالنَّذِيرِ- عَلى أنَّهُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ (وكَما) مَفْعُولُهُ الثّانِي أيْ أنْذِرِ المُعِضِينَ الَّذِينَ يُجَزِّئُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ وهَذَوْا مِثْلَ هَذَيانِهِمْ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ فِيهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُشارَكَةِ لِما سَبَقَ في عَدَمِ كَوْنِ العَذابِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ العَذابُ المُنْذِرُ واقِعًا ومَعْلُومًا لِلْمُنْذِرِينَ أنَّهُ لا داعِيَ إلى تَخْصِيصِ وصْفِ التَّعْضِيَةِ بِهِمْ وإخْراجِ المُقْتَسِمِينَ مِن بَيْنِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أُسْوَةً لَهم في ذَلِكَ فَإنَّ وصْفَهم لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما وصَفُوا بِهِ مِنَ السَّحَرِ والشِّعْرِ والكَذِبِ مُتَفَرِّعٌ عَلى وصْفِهِمْ لِلْقُرْآنِ بِذَلِكَ وهَلْ هو إلّا نَفْسُ التَّعْضِيَةِ ولا إلى إخْراجِهِمْ مِن حُكْمِ الإنْذارِ، عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الشِّدَّةِ بِحَيْثُ يُشَبَّهُ بِهِ عَذابُ غَيْرِهِمْ ولا مَخْصُوصًا بِهِمْ بَلْ هو عامٌّ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ وغَيْرِهِمْ، مَعَ أنَّ بَعْضَ مَن عُدَّ مِنَ المُنْذَرِينَ عَلى قَوْلٍ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والأسْوَدِ وغَيْرِهِما قَدْ هَلَكُوا قَبْلَ مَهْلِكِ أكْثَرِ المُقْتَسِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، ولا إلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ لِمَفْعُولِ الَّذِينَ أُقِيمَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ والمُقْتَسِمُونَ هُمُ القاعِدُونَ في مَداخِلِ الطُّرُقِ كَما حُرِّرَ، أيِ النَّذِيرُ عَذابًا مِثْلَ العَذابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ.

وتُعِقِّبَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ مَعَ ما مَرَّ أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ﴿ كَما أنْزَلْنا ﴾ مِن مَقُولِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، واعْتُذِرَ لَهُ بِأنَّهُ كَما يَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ أمَرْنا بِكَذا والآمِرُ المَلِكُ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ أوْ حِكايَةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ ما لا يَخْفى، وأيْضًا فِيهِ إعْمالُ الوَصْفِ المَوْصُوفِ في المَفْعُولِ وهو مِمّا لا يَجُوزُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الكُوفِيَّةَ تَجَوُّزُهُ والقائِلُ بَنى الكَلامَ عَلى ذَلِكَ أوْ أنَّ المُرادَ بِالمَفْعُولِ المَفْعُولُ الغَيْرُ الصَّرِيحِ وتَقْدِيرُهُ بِعَذابٍ وهو لا يَمْنَعُ الوَصْفَ مِنَ العَمَلِ فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقْتَسِمِينَ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ الرَّهْطُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، والِاقْتِسامُ بِمَعْنى التَّقاسُمِ، ولا إشْكالَ في التَّشْبِيهِ لِأنَّ عَذابَهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ العَظِيمُ فَيَصِحُّ أنْ يَقَعَ مُشَبَّهًا بِهِ لِلْعَذابِ المُنْذِرِ، والمَوْصُولُ إمّا مَفْعُولٌ أوَّلُ- لِلنَّذِيرِ- أوْ لِما دَلَّ هو عَلَيْهِ مِن أنْذَرَ.

وتُعِقِّبَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ بَعْدَ إغْماضِ العَيْنِ عَمّا في المَفْعُولِيَّةِ مِنَ الخِلافِ أوِ الخَفاءِ أنَّهُ لا يَكُونُ لِلتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ التَّعْضِيَةِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولا لِعُنْوانِ الِاقْتِسامِ بِالمَعْنى المَزْبُورِ في حَيِّزِ المَفْعُولِ الثّانِي فائِدَةٌ لِما أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الصِّلَةِ والصِّفَةِ لِلْحُكْمِ الثّابِتِ لِلْمَوْصُولِ والمَوْصُوفِ فَلا يَكُونُ هُناكَ وجْهُ شَبَهٍ يَدُورُ عَلَيْهِ تَشْبِيهُ عَذابِهِمْ بِعَذابِهِمْ خاصَّةً لِعَدَمِ اشْتِراكِهِمْ في السَّبَبِ، فَإنَّ المُعِضِينَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقاسُمِ عَلى التَّبْيِيتِ الَّذِي هو السَّبَبُ لِهَلاكِ أُولَئِكَ مَعَ أنَّ أُولَئِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّعْضِيَةِ الَّتِي هي السَّبَبُ لِهَلاكِ هَؤُلاءِ ولا عَلاقَةَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ مَفْهُومًا ولا وُجُودًا تُصَحِّحُ وُقُوعَ أحَدِهِما في جانِبٍ والآخَرِ في جانِبٍ، واتِّفاقُ الفَرِيقَيْنِ عَلى مُطْلَقِ الِاتِّفاقِ عَلى الشُّرُورِ المَفْهُومِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الشَّرِّ المَخْصُوصِ الَّذِي هو التَّبْيِيتُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالتَّقاسُمِ غَيْرُ مُفِيدٍ إذْ لا دَلالَةَ لِعُنْوانِ التَّعْضِيَةِ عَلى ذَلِكَ وإنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِسامُ المَداخِلِ، وجَعْلُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً عَلى أنَّ خَبَرَهُ الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ وجَلالَةِ شَأْنِهِ الجَلِيلِ اه، وهَذا الجُعْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أخْرَجَها البَيْهَقِيُّ.

وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ ما يَقْتَضِيهِ، ومِن هُنا قِيلَ بِمَنعِ عَدَمِ اللِّياقَةِ، وبَعْضُ مَن يُسَلِّمُها يَقُولُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةَ ﴿ المُقْتَسِمِينَ ﴾ مُرادًا بِهِمْ أُولَئِكَ الرَّهْطُ، ومَعْنى جَعْلَهُمُ القُرْآنَ عِضِينَ حُكْمُهم بِأنَّهُ مُفْتَرًى وتَكْذِيبُهم بِهِ والمُرادُ مِنهُ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ فَيُؤَوَّلُ إلى وصْفِهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِكِتابِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِهِ والعَمَلِ بِما فِيهِ ويُوافِقُ ما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ وفي قَوْمِهِمْ: ﴿ وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ آياتُ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسْبَما قِيلَ بِهِ فِيما سَبَقَ، وإنْ أبَيْتَ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ هُنالِكَ التَزَمْنا كَوْنَ المَوْصُولِ مَفْعُولًا وقُلْنا: فائِدَةُ التَّعَرُّضِ لِلْعُنْوانَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ الإشارَةُ إلى تَفْظِيعِ أمْرِ التَّكْذِيبِ وكَوْنُهُ في سَبَبِيَّتِهِ لِلْعَذابِ كالِاقْتِسامِ عَلى قَتْلِ النَّبِيِّ، ويُلْتَزَمُ ما يُشْعِرُ بِهِ هَذا مِن أفْظَعِيَّةِ الِاقْتِسامِ المَزْبُورِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ تَكْذِيبٍ ومَزِيدِ عَداوَةٍ لِلنَّبِيِّ، وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: المُصَحِّحُ لِوُقُوعِ أحَدِ العُنْوانَيْنِ في جانِبٍ والآخَرِ في جانِبٍ أنَّ التَّكْذِيبَ يَنْجَرُّ بِزَعْمِ المُكَذِّبِينَ إلى إبْطالِ أمْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإطْفاءِ نُورِهِ وهو العِلَّةُ الغائِيَّةُ لِذَلِكَ والِاقْتِسامُ المَذْكُورُ كَذَلِكَ وهو كَما تَرى، وقالَ أبُو البَقاءِ ولَيْتَهُ لَمْ يَقُلْ: ﴿ كَما أنْزَلْنا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ ﴾ وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ مَتَّعْناهم تَمْتِيعًا كَما أنْزَلْنا، والمَعْنى نَعَّمْنا بَعْضَهم كَما عَذَّبْنا بَعْضَهم.

وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى قُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ كَما قَدْ أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا عَلى المُقْتَسِمِينَ أيْ أهْلِ الكِتابِ، ومُرادُهم عَلى ما قِيلَ أنَّ ما في ( كَما ) مَوْصُولَةٌ، والمُرادُ مِنَ المُشابَهَةِ المُسْتَفادَةِ في الكافِ المُوافَقَةُ وهي مَعَ ما في حَيِّزِها في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( قُلْ ) أيْ قُلْ هَذا القَوْلَ حالَ كَوْنِهِ كَما أنْزَلَنا عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ أيْ مُوافِقًا لِذَلِكَ، والأنْسَبُ عَلى هَذا حَمْلُ الِاقْتِسامِ عَلى التَّحْرِيفِ لِيَكُونَ وصْفُهم بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِما فَعَلُوا مِن تَحْرِيفِهِمْ وكِتْمانِهِمْ لِنَعْتِ النَّبِيِّ  .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيهِ بُعْدًا لَكِنَّهُ أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ ما تَقَدَّمَ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: المَعْنى ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي إيتاءً مُوافِقًا لِلْإيتاءِ الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ وأخْبَرْناهم بِهِ في كُتُبِهِمْ، وفِيهِ ما فِيهِ.

وأمّا جَعْلُها زائِدَةً والمَعْنى أنا النَّذِيرُ المُبِينُ ما أنْزَلْنا فَحالُهُ غَنِيٌّ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ بَعْدَ نَقْلِ أقْوالٍ عَقَّبَها بِما عَقَّبَها: والأقْرَبُ مِنَ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ أنَّ ﴿ كَما أنْزَلْنا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ آتَيْناكَ ﴾ إلَخْ، وأنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابَيْنِ، وأنَّ المَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ اقْتِسامِهِمْ ومُحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وحَدِيثُ جَلالَةِ المَقامِ عَنِ التَّشْبِيهِ مِن لَوائِحِ النَّظَرِ الجَلِيلِ.

والمَعْنى لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ إيتاءً مُماثِلًا لِإنْزالِ الكِتابَيْنِ عَلى أهْلِهِما، وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكِتابَيْنِ لِأنَّ الغَرَضَ بَيانُ المُماثَلَةِ بَيْنَ الإيتاءَيْنِ لا بَيْنَ مُتَعَلِّقِيهِما، والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ ما في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما في جانِبِ المُشَبَّهِ بِأنْ يُقالَ: كَما آتَيْنا المُقْتَسِمِينَ حَسْبَما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ) إلَخْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما بَيْنَ الإيتاءَيْنِ مِنَ التَّنائِي فَإنَّ الأوَّلَ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ والِامْتِنانِ فَشَتّانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في وُقُوعِهِ مُشَبَّهًا بِهِ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِمُسَلَّمِيتِّهِ عِنْدَهم.

وتَقَدَّمَ وجُودُهُ عَلى المُشَبَّهِ زَمانًا لا لِمَزِيَّةٍ تَعُودُ إلى ذاتِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما قِيلَ في الصَّلَواتِ الإبْراهِيمِيَّةِ فَلَيْسَ في التَّشْبِيهِ إشْعارٌ بِأفْضَلِيَّةِ المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ المُشَبَّهِ فَضْلًا عَنْ إيهامِ ما تَعَلَّقَ بِهِ الأوَّلُ مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الثّانِي، وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ الِاقْتِسامِ إنْكارًا لِاتِّصافِهِمْ بِهِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ مِنَ الإنْزالِ المَذْكُورِ وإيذانًا بِأنَّهم كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّهِ حَسَبَ إيمانِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ الِاشْتِراكِ في العِلَّةِ والِاتِّحادِ في الحَقِيقَةِ الَّتِي هي مُطْلَقُ الوَحْيِ، وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ إلَخْ لِكَمالِ اتِّصالِهِ بِما هو المَقْصُودُ مِن بَيانِ حالِ ما أُوتِيَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ولَقَدْ بَيَّنَ أوَّلًا عُلُوَّ شَأْنِهِ ورِفْعَةَ مَكانِهِ  بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُ اغْتِباطَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانِهِ واسْتِغْناءَهُ بِهِ عَمّا سِواهُ، ثُمَّ نُهِيَ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زَهْرَةِ الدُّنْيا وعَبَّرَ سُبْحانِهِ عَنْ إيتائِها لِأهْلِها بِالتَّمَتُّعِ المُنْبِئِ عَنْ وشْكِ زَوالِها عَنْهُمْ، ثُمَّ عَنِ الحُزْنِ لِعَدَمِ إيمانِ المُنْهَمِكِينَ فِيها، وأُمِرَ بِمُراعاةِ المُؤْمِنِينَ والِاكْتِفاءِ بِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ وبِإظْهارِ قِوامِهِ بِمُواجِبِ الرِّسالَةِ ومَراسِمِ النِّذارَةِ حَسْبَما فُصِّلَ في تَضاعِيفِ ما أُوتِيَ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى كَيْفِيَّةِ إتْيانِهِ عَلى وجْهٍ أُدْمِجَ فِيهِ ما يُزِيحُ شُبَهَ المُنْكِرِينَ ويَسْتَنْزِلُهم مِنَ العِنادِ مِن بَيانِ مُشارَكَتِهِ لِما لا رَيْبَ لَهم في كَوْنِهِ وحْيًا صادِقًا، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ اه.

وهو كَلامٌ ظاهِرٌ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ.

وفِي البَحْرِ بَعْدَ نَقْلِ أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ: وهَذِهِ أقْوالٌ وتَوْجِيهاتٌ مُكَلَّفَةٌ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ لا يَحْزَنَ عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن وأمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُعْلِمَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم أنَّهُ هو النَّذِيرُ المُبِينُ لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم لَمّا أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَفْضِ جَناحِهِ لَهم خَرَجُوا مِن عُهْدَةِ النِّذارَةِ فَأُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ ﴾ لَكم ولِغَيْرِكم كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ﴾ وتَكُونُ الكافُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ وقُلْ قَوْلًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ أنَّكَ نَذِيرٌ لَهُمْ، فالقَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النِّذارَةِ كالقَوْلِ لِلْكُفّارِ المُقْتَسِمِينَ لِئَلّا يُظَنَّ إنْذارُكَ لِلْكَفّارِ مُخالِفًا لِإنْذارِ المُؤْمِنِينَ بَلْ أنْتَ في وصْفِ النِّذارَةِ لَهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ تُنْذِرُ المُؤْمِنَ كَما تُنْذِرُ الكافِرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ اه بِحُرُوفِهِ، وهو كَما تَرى رَكِيكٌ لَفْظًا ومَعْنًى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ وعِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ، وعِضِينَ جَمْعُ عِضَةٍ وأصْلُها عِضَوَةٌ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ بِمَعْنى جُزْءٍ فَهو مُعْتَلُّ اللّامِ مِن عَضّاهُ بِالتَّشْدِيدِ جَعَلَهُ أعْضاءً وأجْزاءً فالمَعْنى جَعَلُوا القُرْآنَ أجْزاءً.

وقِيلَ: العَضَهُ في لُغَةِ قُرَيْشٍ السِّحْرُ فَيَقُولُونَ لِلسّاحِرِ: عاضِهٌ ولِلسّاحِرَةِ عاضِهَةٌ، وفي حَدِيثٍ رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ، وأبُو يُعْلى في مَسْنَدِهِ ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ»».

وأرادَ  السّاحِرَةَ والمُسْتَسْحِرَةَ أيِ المُسْتَعْمِلَةَ لِسِحْرِ غَيْرِها، وهو عَلى هَذا مَأْخُوذٌ مِن عَضَهْتُهُ فاللّامُ المَحْذُوفَةُ هاءٌ كَما في شَفَةٍ وشاةٍ عَلى القَوْلِ بِأنَّ أصْلَهُما شَفَهَةٌ وشاهَةٌ بِدَلِيلِ جَمْعِهِما عَلى شِفاهٍ وشِياهٍ وتَصْغِيرِهِما عَلى شُفَيْهَةٍ وشُوَيْهَةٍ.

وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ مِن عَضَهَهُ عَضَهًا وعَضِيهَةً رَماهُ بِالبُهْتانِ، قِيلَ: وأخْذُ العَضَهِ بِمَعْنى السِّحْرِ مِن هَذا لِأنَّ البُهْتانَ لا أصْلَ لَهُ والسَّحَرَ تَخْيِيلُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّهُ مِنَ العِضاهِ وهي شَجَرَةٌ تُؤْذِي كالشَّوْكِ واخْتارَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ، وجَمْعُ السَّلامَةِ لِجَبْرِ ما حُذِفَ مِنهُ كَعَزِينَ وسِنِينَ وإلّا فَحَقُّهُ أنْ لا يَجْمَعَ جَمْعَ السَّلامَةِ المُذَكَّرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ عاقِلٍ ولِتَغَيُّرِ مُفْرَدِهِ ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ مُطَّرِدٌ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُلْزِمُهُ الياءَ ويَجْعَلُ الإعْرابَ عَلى النُّونِ فَيَقُولُ: عِضِينَكَ كَسِنِينَكَ وهَذِهِ اللُّغَةُ كَثِيرَةٌ في تَمِيمٍ وأسَدٍ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ تَجْزِئَةِ القُرْآنِ بِالتَّعْضِيَةِ الَّتِي هي تَفْرِيقُ الأعْضاءِ مِن ذِي الرُّوحِ المُسْتَلْزِمِ لِإزالَةِ حَياتِهِ وإبْطالِ اسْمِهِ دُونَ مُطْلَقِ التَّجْزِئَةِ والتَّفْرِيقِ اللَّذَيْنِ رُبَّما يُوجَدانِ فِيما لا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ لِلتَّنْصِيصِ عَلى قُبْحِ ما فَعَلُوهُ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي أي: فاتحة الكتاب وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أي: سائر القرآن، وهذا قول: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: «السبع المثاني، السبع الطوال» .

وعن سعيد بن جبير قال: «البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس» .

قال: «لأنه يثني فيها حدود الفرائض والقرآن» .

ويقال: السبع المثاني، والقرآن كله وهو سبعة أسباع.

سمي مثاني: لأن ذكر الأقاصيص فيه مثنى كقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر: 23] وقال طاوس: «القرآن كله مثاني» .

وقال أبو العالية: «المثاني، فاتحة الكتاب سبع آيات، وإنما سمي مثاني، لأنه يثنى مع القرآن كلما قرئ القرآن» .

قيل إنهم يزعمون أنها السبع الطوال.

قال: لقد أنزلت هذه الآية، وما أنزل شيء من الطوال.

وسئل الحسن عن قوله: سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى أتى على آخرها.

وروى أبو هريرة عن رسول الله  أنه قال: «الحمد لله رَبِّ العَالَمِينَ أُمُّ الكِتَابِ وَأَمُّ القُرْآنِ وَالسَّبْعُ المَثَانِي» .

وقال قتادة: السبع المثاني هي فاتحة الكتاب تثنى في كل ركعة مكتوبة أو تطوع، يعني: في كل صلاة.

ويقال: مِنَ الْمَثانِي أي: مما أثني به على الله تعالى، لأن فيها حمدَ الله تعالى وتوحيده ومِنَ هاهنا على ضربين: يكون للتبعيض من القرآن أي: أعطيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى، وآتيناك القرآن العظيم، ويجوز أن يكون السبع هي المثاني كقوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30] أي: اجتنبوا الأوثان.

قوله: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي: لا تنظرن بعين الرغبة إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أي: إلى ما أعطيناك في الدنيا من القرآن خير وأفضل مما أعطيناهم من الأموال، فاستغن بما أعطيناك من القرآن والدين والعلم، ولا تنظر إلى أموالهم.

أَزْواجاً مِنْهُمْ أي: أصنافاً منهم، وألواناً من الأموال، وقوله: مِنْهُمْ أي أعطينا رجلا من المشركين منهم وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي: على كفار مكة إن لم يؤمنوا، لأن مقدوري عليهم الكفر.

ويقال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن نزل بهم العذاب وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ يقول: ليّن جناحك عليهم أي: تواضع للمؤمنين وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ أخوفكم بعذاب مبين، بلغة تعرفونها.

قال عز وجل: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ أي: كما أنزلنا العذاب عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وهم الذين اقتسموا على عقاب مكة، ليردوا الناس عن دين الإسلام، وعن الإيمان بمحمد  .

ويقال: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ بالقرآن، كما أنزلنا التوراة والإنجيل على المقتسمين، وهم اليهود والنصارى، اقتسموا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى، فرقوا القرآن، آمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه.

ويقال: إن أهل مكة قالوا أقاويل مختلفة.

الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أي: فرقوا القول فيه.

قال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: شعر، وهذا قول قتادة.

ويقال: أصله في اللغة الفرقة.

يقال: فرّقوه أي: عضوه أعضاء.

يقال: ليس دين الله بالتعضية أي: بالتفريق.

وروى الضحاك، عن ابن عباس، أنه قال: «جزّءوه وجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِلى أن السبْعَ هنا: آيات الفاتحةِ، وهو نصُّ حديثِ أبي بن كَعْب وغيره «١» .

ت: وهذا هو الصحيحُ، وقد تقدَّم بيان ذلك أوّل الكتاب.

وقوله سبحانه: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ: حكى الطبريُّ عن سفيانَ بْنِ عُيَيْنة أَنه قال: هذه الآيةُ آمرة بالاستغناء بكتابِ اللَّهِ عَنْ جميع زينَةِ الدنْيَا «٢» .

قال ع «٣» : فكأنه قال: آتَينَاك عظيماً خطيراً، فلا تَنظر إِلى غيْرِ ذلك من أمورِ الدنيا وزينَتِها التي مَتَّعْنا بها أنواعاً من هؤلاءِ الكَفَرَةِ ومن هذا المعنَى: قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«مَنْ أُوتِيَ القُرْآنَ، فَرَأَى أَنَّ أَحَداً أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ، فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيراً وَصَغَّرَ عظيماً» .

ت: وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد قال: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: «لا وَاللَّهِ، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِلاَّ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ...

» الحديث، وفي رواية: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا» ، قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: «بَرَكَاتُ الأَرْضِ ...

» الحديث، وفي روايةٍ: «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ...

»

الحديثَ، انتهى.

والأحاديثُ في هذه البابِ أكثرُ من أنْ يحصيها كتابٌ، قال الغَزَّالِيُّ في «المنهاج» : وإِذا أنعم اللَّهُ عَلَيْكَ بنعمةَ الدِّينِ، فإِيَّاكَ أَنْ تَلتفتَ إِلى الدنيا وحُطَامها، فإِن ذلك منك لا يكُونُ إِلاَّ بضَرْبٍ من التهاوُنِ بما أولاكَ مَوْلاَكَ مِنْ نعمِ الدارَيْنِ أَمَا تَسمعُ قولَهُ تعالَى لسيِّد المرسلين: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ...

الآية، تقديره: إِن من أوتي القرآن العظيمَ حُقَّ له ألاَّ ينظر إِلى الدنيا الحقيرةِ نظرةً باستحلاء، فضلاً عن أنْ يكون له فيها رغبةٌ، فليلتزم الشكْرَ على ذلك، فإِنه الكرامة التي حَرَصَ عليها الخليلُ لأَبيهِ، والمصطفى عليه السلام لعمِّه، فلم يفعلْ، وأما حطامُ الدنيا، فإِن اللَّه سبحانه يصبُّه على كلّ كافر وفرعون وملحد وزنديق

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ في هَذِهِ الكافِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي ﴾ .

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي، كَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى المُقْتَسِمِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ولَقَدْ شَرَّفْناكَ وكَرَّمْناكَ بِالسَّبْعِ المَثانِي، كَما شَرَّفْناكَ وأكْرَمْناكَ بِالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ مِنَ العَذابِ، والكافُ بِمَعْنى " مِثْلٍ "، و " ما " بِمَعْنى " الَّذِي " ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أنا النَّذِيرُ ﴾ والمَعْنى: إنِّي أنا النَّذِيرُ، أنْذَرْتُكم مِثْلَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى المُقْتَسِمِينَ مِنَ العَذابِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.

فَخَرَجَ في مَعْنى " أنْزَلْنا " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْزَلْنا الكُتُبَ، عَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: العَذابُ، عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ.

وَفِي " المُقْتَسِمِينَ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

فَعَلى هَذا، في تَسْمِيَتِهِمْ بِالمُقْتَسِمِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم آمَنُوا بِبَعْضِ القُرْآنِ، وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ، فَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ السُّورَةُ لِي، وقالَ آخَرُ: هَذِهِ السُّورَةُ لِي، اسْتِهْزاءً بِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ اقْتَسَمُوا كُتُبَهم، فَآمَنَ بَعْضُهم بِبَعْضِها وكَفَرَ بِبَعْضِها، وآمَنَ آخَرُونَ بِما كَفَرَ بِهِ غَيْرُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ.

فَعَلى هَذا، في تَسْمِيَتِهِمْ بِالمُقْتَسِمِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أقْوالَهم تَقَسَّمَتْ في القُرْآنِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ سِحْرٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ كِهانَةٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، مِنهُمُ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اقْتَسَمُوا عَلى عِقابِ مَكَّةَ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: هم رَهْطٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ اقْتَسَمُوا عَلى عِقابِ مَكَّةَ حِينَ حَضَرَ المَوْسِمُ، قالَ لَهُمُ الوَلِيدُ ابْنُ المُغِيرَةِ: انْطَلِقُوا فَتَفَرَّقُوا عَلى عِقابِ مَكَّةَ حَيْثُ يَمُرُّ بِكم أهْلُ المَوْسِمِ، فَإذا سَألُوكم عَنْهُ، يَعْنِي: رَسُولَ اللَّهِ  ، فَلْيَقُلْ بَعْضُكم: كاهِنٌ، وبَعْضُكم: ساحِرٌ، وبَعْضُكم: شاعِرٌ، وبَعْضُكم: غاوٍ، فَإذا انْتَهَوْا إلَيَّ صَدَّقْتُكم، ومِنهم حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وأبُو جَهْلٍ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ، وقَيْسُ بْنُ الفاكِهِ، وزُهَيْرُ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، وهِلالُ بْنُ عَبْدِ الأسْوَدِ، والسّائِبُ بْنُ صَيْفِيٍّ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ، وزَمْعَةُ بْنُ الحَجّاجِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأوْسُ بْنُ المُغِيرَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ: ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ  ﴾ ، فَكَفاهُ اللَّهُ شَرَّهم، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

فَعَلى هَذا، هو مِنَ القَسَمِ، لا مِنَ القِسْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ في المُرادِ بِالقُرْآنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كِتابُنا، وهو الأظْهَرُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ: كُتُبُ المُتَقَدِّمِينَ قَبْلَنا.

وَفِي " عِضِينَ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ.

قالَ الكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: اقْتَسَمُوا بِالقُرْآنِ وجَعَلُوهُ أعْضاءً.

ثُمَّ في ما فَعَلُوا فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم عَضَّوْهُ أعْضاءً، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ، وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، والمُعْضِي: المُفَرِّقُ.

والتَّعْضِيَةُ: تَجْزِئَةُ الذَّبِيحَةِ أعْضاءً.

قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَعْضِيَةَ في مِيراثٍ، أرادَ: تَفْرِيقَ ما يُوجِبُ تَفْرِيقُهُ ضَرَرًا عَلى الوَرَثَةِ كالسَّيْفِ ونَحْوِهِ.

وقالَ رُؤْبَةُ: وَلَيْسَ دَيْنُ اللَّهِ بِالمُعَضّى وَهَذا المَعْنى في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم عَضَّوْا القَوْلَ فِيهِ، أيْ: فَرَّقُوا، فَقالُوا: شِعْرٌ، وقالُوا: سِحْرٌ، وقالُوا: كِهانَةٌ، وقالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ.

والعَضَهُ، بِلِسانِ قُرَيْشٍ: السِّحْرُ، ويَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: عاضِهَةٌ.

وفي الحَدِيثِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَعَنَ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ»، فَيَكُونُ المَعْنى: جَعَلُوهُ سِحْرًا، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ هَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ، يُسْألُونَ عَمّا عَمِلُوا في ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ، فَيُقالُ لَهم: لِمَ عَصَيْتُمْ وتَرَكْتُمُ الإيمانَ ؟

فَتَظْهَرُ فَضِيحَتُهم عِنْدَ تَعَذُّرِ الجَوابِ.

قالَ أبُو العالِيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ خَلَّتَيْنِ: عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وعَمّا أجابُوا المُرْسَلِينَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ  ﴾ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَسْألُهم: هَلْ عَمِلْتُمْ كَذا ؟

لِأنَّهُ أعْلَمُ، وإنَّما يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا ؟

رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم يُسْألُونَ في بَعْضِ مَواطِنِ القِيامَةِ، ولا يُسْألُونَ في بَعْضِها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ ﴾ ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها.

و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ  ﴾ ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.

وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ  : "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟

قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ  وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟

فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ  ﴾ حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ".

و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿ الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ  ﴾ فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".

وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ الآيَةُ.

حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ.

و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ وَوَطِئَ أكْنافَكَ.

و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ  ﴾ ، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.

﴿ وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ ﴾ ، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ  ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ".

مَن هُمْ؟

-فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ  ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.

وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.

وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ: ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.

وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ.

وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.

وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ.

عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ.

وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ  .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟

قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ  ﴾ مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟

لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

التشبيه الذي أفاده الكاف تشبيه بالذي أنزل على المقتسمين.

و (ما) موصولة أو مصدرية، وهي المشبه به.

وأما المشبه فيجوز أن يكون الإيتاءَ المأخوذ من فعل ﴿ آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ [سورة الحجر: 87]، أي إيتاء كالذي أنزلنا أو كإنزالنا على المقتسمين.

شُبّه إيتاء بعض القرآن للنبيء بما أنزل عليه في شأن المقتسمين، أي أنزلناه على رسل المقتسمين بحسب التفسيرين الآتيين في معنى المقتسمين } .

ويجوز أن يكون المشبّهُ الإنذارَ المأخوذَ من قوله تعالى: ﴿ إني أنا النذير المبين ﴾ [سورة الحجر: 89]، أي الإنذار بالعقاب من قوله تعالى: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ [سورة الحجر: 92 93].

وأسلوب الكلام على هذين الوجهين أسلوب تخلّص من تسلية النبي إلى وعيد المشركين الطاعنين في القرآن بأنهم سيحاسبون على مطاعنهم.

وهو إما وعيد صريح إن أريد بالمقتسمين نفسُ المراد من الضميرين في قوله تعالى: ﴿ أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم ﴾ [سورة الحجر: 88].

وحرف على } هنا بمعنى لام التّعليل كما في قوله تعالى: ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ [سورة البقرة: 185] وقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ [سورة المائدة: 4]، وقول علقمة بن شيبان من بني تيم الله بن ثعلبة: ونطاعن الأعداء عن أبنائنا *** وعلى بصائرنا وإن لم نُبصر ولفظ ﴿ المقتسمين ﴾ افتعال من قَسم إذا جَعل شيئاً أقساماً.

وصيغة الافتعال هنا تقتضي تكلف الفعل.

والمقتسمون يجوز أن يراد بهم جمع من المشركين من قريش وهم ستّة عشر رجلاً، سنذكر أسماءهم، فيكون المراد بالقرآن مسمى هذا الاسم العَلَم، وهو كتاب الإسلام.

ويجوز أن يراد بهم طوائف أهل الكتاب قَسّموا كتابهم أقساماً، منها ما أظهروه ومنها ما أنسوه، فيكون القرآن مصدراً أطلق بمعناه اللغوي، أي المقروء من كتبهم؛ أو قسّموا كتاب الإسلام، منه ما صدّقوا به وهو ما وافق دينهم، ومنه ما كذّبوا به وهو ما خالف ما هم عليه.

وقد أجمل المراد بالمقتسمين إجمالاً بيّنه وصفهم بالصلة في قوله تعالى: ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ ؛ فلا يَحتمل أن يكون المقتسمون غير الفريقيْن المذكوريْن آنفاً.

ومعنى التقسيم والتجزئة هنا تفرقة الصّفات والأحوال لا تجزئة الذّات.

و ﴿ القرآن ﴾ هنا يجوز أن يكون المراد به الاسم المجعول علماً لكتاب الإسلام.

ويجوز أن يكون المراد به الكتاب المقروء فيصدق بالتوراة والإنجيل.

و ﴿ عضين ﴾ جمع عضة، والعضة: الجزء والقطعة من الشيء.

وأصلها عضو فحذفت الواو التي هي لام الكلمة وعوض عنها الهاء مثل الهاء في سنة وشفّة.

وحذف اللاّم قصد منه تخفيف الكلمة لأن الواو في آخر الكلمة تثقل عند الوقف عليها، فعوضوا عنها حرفاً لئلا تبقى الكلمة على حرفين، وجعلوا العوض هاء لأنّها أسعد الحروف بحالة الوقف.

وجمع (عضة) على صيغة جمع المذكر السّالم على وجه شاذ.

وعلى الوجهين المتقدّمين في المراد من القرآن في هذه الآية فالمقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين هم أهل الكتاب اليهود والنصارى فهم جحدوا بعض ما أنزل إليهم من القرآن، أطلق على كتابهم القرآن لأنه كتاب مقروء، فأظهروا بعضاً وكتموا بعضاً، قال الله تعالى: ﴿ تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً ﴾ [سورة الأنعام: 91] فكانوا فيما كتموه شبيهين بالمشركين فيما رفضوه من القرآن المنزّل على محمد وهم أيضاً جعلوا القرآن المنزل على محمد عضين فصدّقوا بعضه وهو ما وافق أحوالهم، وكذبوا بعضه المخالف لأهوائهم مثل نسخ شريعتهم وإبطال بنوّة عيسى لله تعالى، فكانوا إذا سألهم المشركون: هل القرآن صدق؟

قالوا: بعضه صدق وبعضه كذب، فأشبه اختلافُهم اختلافَ المشركين في وصف القرآن بأوصاف مختلفة، كقولهم: ﴿ أساطيرُ الأولين ﴾ [سورة الأنعام: 25]، وقولُ كاهن، وقول شاعر.

وروي عن قتادة أن المقتسمين نفر من مشركي قريش جمعهم الوليد بن المغيرة لما جاءَ وقت الحجّ فقال: إن وفود العرب ستقدَم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجْمعوا فيه رأياً واحداً، فانتدب لذلك ستة عشر رجلاً فتقاسموا مداخل مكة وطرقها ليُنفّروا الناس عن الإسلام، فبعضهم يقول: لا تغترّوا بهذا القرآن فهو سحر، وبعضهم يقول: هو شعر، وبعضهم يقول: كلام مجنون، وبعضهم يقول: قول كاهن، وبعضهم يقول: هو أساطير الأولين اكتتبها، فقد قسموا القرآن أنواعاً باعتبار اختلاف أوصافه.

وهؤلاء النّفر هم: حنظلة بن أبي سفيان، وعتبة بن ربيعة، وأخوه شَيبة، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وأخوه العاص، وأبو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أميّة، وهلال بن عبد الأسود، والسائب بن صيفي، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الحجّاج، وأميّة بن خلف، وأوس بن المغيرة.

واعلم أن معنى المقتسمين على الوجه المختار المقتسمون القرآن.

وهذا هو معنى جعلوا القرآن عضين}، فكان ثاني الوصفين بياناً لأولهما وإنّما اختلفت العبارتان للتفنّن.

وأن ذمّ المشبّه بهم يقتضي ذمّ المشبهين فعلم أن المشبهين قد تلقوا القرآن العظيم بالردّ والتكذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ فِيهِمْ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى اقْتَسَمُوا القُرْآنَ فَجَعَلُوهُ أعْضاءً أيْ أجْزاءً فَآمَنُوا بِبَعْضٍ مِنها وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ اسْتِهْزاءً بِهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ السُّورَةُ لِي، وهَذِهِ السُّورَةُ لَكَ، فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ اقْتَسَمُوا كُتُبَهم، فَآمَنَ بَعْضُهم بِبَعْضِها، وآمَنَ آخَرُونَ مِنهم بِما كَفَرَ بِهِ غَيْرُهم وكَفَرُوا بِما آمَنَ بِهِ غَيْرُهم، فَسَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى مُقْتَسِمِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهم قَوْمُ صالِحٍ تَقاسَمُوا عَلى قَتْلِهِ، فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ  ﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: أنَّهم قَوْمٌ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ اقْتَسَمُوا طُرُقَ مَكَّةَ لِيَتَلَقَّوُا الوارِدِينَ إلَيْها مِنَ القَبائِلِ فَيُنَفِّرُوهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  بِأنَّهُ ساحِرٌ أوْ شاعِرٌ أوْ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ، حَتّى لا يُؤْمِنُوا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ عَذابًا فَأهْلَكَهم، قالَهُ الفَرّاءُ.

السّادِسُ: أنَّهم قَوْمٌ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ قَسَّمُوا كِتابَ اللَّهِ، فَجَعَلُوا بَعْضَهُ شِعْرًا وبَعْضَهُ كَهانَةً وبَعْضَهُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

السّابِعُ: أنَّهم قَوْمٌ أقْسَمُوا أيْمانًا تَحالَفُوا عَلَيْها، قالَهُ الأخْفَشُ.

وَقِيلَ إنَّهُمُ العاصِ بْنِ وائِلٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ومُنَبِّهُ بْنُ الحَجّاجِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي فِرَقًا، فَجَعَلُوا بَعْضَهُ شِعْرًا، وبَعْضَهُ سِحْرًا، وبَعْضَهُ كَهانَةً، وبَعْضَهُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، فَجَعَلُوهُ أعْضاءً كَما يُعَضّى الجَزُورُ و ﴿ عِضِينَ ﴾ جَمْعُ عُضْوٍ، مَأْخُوذٌ مِن عَضَيْتُ الشَّيْءَ تَعْضِيَةً إذا فَرَّقْتُهُ، كَما قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ولَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالمُعَضّى يَعْنِي بِالمُفَرَّقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّ العِضِينَ جَمْعُ عِضَهُ وهو البُهْتُ، ومِن قَوْلِهِمْ: عَضَهْتُ الرَّجُلَ أعَضَهُهُ عَضْهًا إذا بَهَتُّهُ؛ لِأنَّهم بَهَتُوا كِتابَ اللَّهِ تَعالى فِيما رَمَوْهُ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ العَضِيهَةَ لَيْسَتْ فِعْلَ أحْرارِ الثّالِثُ: أنَّ العِضِينَ المُسْتَهْزِئُونَ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في القُرْآنِ البَعُوضَ والذُّبابَ والنَّمْلَ والعَنْكَبُوتَ قالَ أحَدُهُمْ: أنا صاحِبُ البَعُوضِ، وقالَ آخَرُ: أنا صاحِبُ الذُّبابِ وقالَ آخَرُ: أنا صاحِبُ النَّمْلِ.

وَقالَ آخَرُ: أنا صاحِبُ العَنْكَبُوتِ، اسْتِهْزاءً مِنهم بِالقُرْآنِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَنى بِالعِضَهِ السِّحْرَ، لِأنَّهم جَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ: لَكِ مِن عَضائِهِنَّ زَمْزَمَةٌ يَعْنِي مِن سِحْرِهِنَّ.

وَقالَ عِكْرِمَةُ: العِضَهُ السِّحْرُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ العاضِهَةِ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ لَعَنَ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ»، يَعْنِي السّاحِرَةَ والمُسْتَسْحِرَةَ.

وَفِي اشْتِقاقِ العِضِينَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأعْضاءِ، وهو قَوْلُ عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِضَهِ وهو السِّحْرُ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ، رَواهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تمدن عينيك...

﴾ الآية.

قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن يحيى بن أبي كثير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بإبل حي، يقال لهم بنو الملوح أو بنو المصطلق، قد عنست في أبوالها من السمن.

فتقنع بثوبه ومرّ ولم ينظر إليها لقوله: ﴿ لا تمدن عينيك..

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أزواجاً منهم ﴾ قال: الأغنياء، الأمثال، الأشباه.

وأخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة قال: من أعطي القرآن فمد عينيه إلى شيء منها، فقد صغر القرآن.

ألم تسمع قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني....

﴾ إلى قوله: ﴿ ورزق ربك خير وأبقى ﴾ قال: يعني القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير ﴿ واخفض جناحك ﴾ قال: اخضع.

وأخرج البخاري وسعيد بن منصور والحاكم والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ قال: هم أهل الكتاب، جزأوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.

وأخرج ابن جرير من طريق علي، عن ابن عباس ﴿ عضين ﴾ فرقا.

وأخرج الطبراني في الأوسط، عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أرأيت قول الله: ﴿ كما أنزلنا على المقتسمين ﴾ قال: اليهود والنصارى.

قال: ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض» .

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل، عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش- وكان ذا سن فيهم- وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيُكَذِّب بعضكم بعضاً.

فقالوا: أنت فقل، وأتم لنا به رأياً نقول به.

قال: لا، بل أنتم قولوا لأسمع.

قالوا: نقول كاهن.

قال: ما هو بكاهن...

لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم.

قالوا: فنقول مجنون.

قال: ما هو بمجنون...

لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا بحائحه ولا وسوسته.

قالوا: فنقول شاعر.

قال: ما هو بشاعر....

لقد عرفنا الشعر كله، رَجَزه وهَزَجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر.

قالوا: فنقول ساحر.

قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا بعقده.

قالوا: فماذا نقول؟

قال: والله إن لقوله حلاوة؛ وإن عليه طلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناء، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا هو ساحر، يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته.

فتفرقوا عنه بذلك.

فأنزل الله في الوليد وذلك من قوله: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً...

﴾ [ المدثر: 11] إلى قوله: ﴿ سأصليه سقر...

﴾ [ المدثر: 26] وأنزل الله في أولئك النفر الذين كانوا معه ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي أصنافاً ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ قال: هم رهط من قريش، عضهوا كتاب الله، فزعم بعضهم أنه سحر وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأوّلين.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن جرير، عن عكرمة يقول: العضه، السحر بلسان قريش.

يقولون للساحرة: إنها العاضهة.

وأخرج الترمذي وابن جرير وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ قال: يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا به المرسلين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين ﴾ وقال: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ [ الرحمن: 39] قال: لا يسألهم هل عملهم كذا وكذا؛ لأنه أعلم منهم بذلك، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ فامضه.

وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة، أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزل ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ فخرج هو وأصحابه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو داود في ناسخه من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ قال: نسخه قوله: ﴿ اقتلوا المشركين ﴾ [ التوبة: 5] .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ قال: هذا أمر من الله لنبيه بتبليغ رسالته قومه وجميع من أرسل إليه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ قال: اجهر بالقرآن في الصلاة.

وأخرج عن ابن زيد في قوله: ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ قال: بالقرآن الذي أوحي إليه أن يبلغهم إياه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ قال: أعلن بما تؤمر.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق السدي الصغير، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياً سنين لا يظهر شيئاً مما أنزل الله حتى نزلت ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ يعني: أظهر أمرك بمكة، فقد أهلك الله المستهزئين بك وبالقرآن، وهم خمسة رهط.

فأتاه جبريل بهذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أراهم أحياء بعد كلهم...» .

فاهلكوا في يوم واحد وليلة.

منهم العاص بن وائل السهمي، خرج في يومه ذلك في يوم مطير فخرج على راحلته يسير وابن له يتنزه ويتغدى، فنزل شعباً من تلك الشعاب.

فلما وضع قدمه على الأرض قال: لدغت.

فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه.

ومنهم الحارث بن قيس السهمي، أكل حوتاً فأصابه غلبة عطش، فلم يزل يشرب عليه من الماء حتى أنقدّ بطنه، فمات وهو يقول: قتلني رب محمد.

ومنهم الأسود بن المطلب، وكان له ابن يقال له زمعة بالشام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا على الأب أن يعمى بصره وأن يثكل ولده، فأتاه جبريل بورقة خضراء فرماه بها فذهب بصره.

وخرج يلاقي ابنه ومعه غلام له، فأتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه فقال له غلامه: لا أرى أحداً يصنع بك شيئاً غير نفسك.

حتى مات وهو يقول: قتلني رب محمد.

ومنهم الوليد بن المغيرة، مرّ على نبل لرجل من خزاعة قد راشها وجعلها في الشمس، فربطها فانكسرت، فتعلق به سهم منها فأصاب أكحله فقتله.

ومنهم الأسود بن عبد يغوث، خرج من أهله فأصابه السموم فاسودّ حتى عاد حبشياً، فأتى أهله فلم يعرفوه فاغلقوا دونه الباب حتى مات.

وهو يقول: قتلني رب محمد.

فقتلهم الله جميعاً، فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره وأعلنه بمكة.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل بسندين ضعيفين، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قال: قد سلطت عليهم جبريل وأمرته بقتلهم، فعرض للوليد بن المغيرة فعثر به، فعصره عن نصل في رجله حتى خرج رجيعه من أنفه.

وعرض للأسود بن عبد العزى وهو يشرب ماء، فنفخ في ذلك حتى انتفخ جوفه فانشق، واعترض للعاص بن وائل وهو متوجه إلى الطائف، فنخسه بِشَبْرُقَةٍ فجرى سمّها إلى رأسه، وقتل الحارث بن قيس بلكزة، فما زال يفوق حتى مات.

وقتل الأسود بن عبد يغوث الزهري.

وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل وابن مردويه بسند حسن والضياء في المختارة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قال: المستهزئون، الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والحارث بن عبطل السهمي والعاص بن وائل، فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أرني إياهم، فأراه الوليد.

فأومأ جبريل إلى أكحله فقال: ما صنعت شيئاً.

قال: كفيتكه.

ثم أراه الأسود بن المطلب، فأومأ إلى عينيه فقال: ما صنعت شيئاً.

قال: كفيتكه، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث، فأومأ إلى رأسه فقال: ما صنعت شيئاً.

قال: كَفَيْتُكَهُ.

ثم أراه الحرث، فأومأ إلى بطنه فقال: ما صنعت شيئاً.

فقال: كفيتكه.

ثم أراه العاص بن وائل، فأومأ إلى أخمصه فقال: ما صنعت شيئاً.

فقال: كفيتكه.

فأما الوليد، فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً فأصاب أكحله فقطعها.

وأما الأسود بن المطلب، فنزل تحت سمرة فجعل يقول: بنيّ، ألا تدفعون عني؟

قد هلكت وَطُعِنْتُ بالشوك في عيني.

فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً.

فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه.

وأما الأسود بن عبد يغوث، فخرج في رأسه قروح فمات منها.

وأما الحارث، فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منه.

وأما العاص، فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل من أخمص قدمه شوكة فقتلته» .

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس، أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمداً كاهن، يخبر بما يكون قبل أن يكون وقال أبو جهل: محمد ساحر؛ يفرق بين الأب والابن.

وقال عقبة بن أبي معيط: محمد مجنون، يهذي في جنونه.

وقال أبي بن خلف: محمد كذاب.

فأنزل الله: ﴿ انا كفيناك المستهزئين ﴾ فهلكوا قبل بدر.

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس، أن المستهزئين ثمانية: الوليد بن المغيرة، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن وائل، والحارث بن عدي بن سهم، وعبد العزى بن قصي؛ وهو أبو زمعة، وكلهم هلك قبل بدر بموت أو مرض.

والحارث بن قيس من العياطل.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ﴿ المستهزئين ﴾ منهم: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، وأبو هبار بن الأسود.

وأخرج ابن مردويه عن علي ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قال: خمسة من قريش، كانوا يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم الحارث بن عيطلة والعاص بن وائل والأسود بن عبد يغوث والوليد بن المغيرة.

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن أنس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي ومعه جبريل.

فغمز جبريل بأصبعه فوقع مثل الظفر في أجسادهم، فصارت قروحاً نتنة.

فلم يستطع أحد أن يدنو منهم.

وأنزل الله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن عكرمة قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة، منها أربع أو خمس يدعو إلى الإِسلام سراً وهو خائف، حتى بعث الله على الرجال الذين أنزل فيهم ﴿ انا كفيناك المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ والعضين بلسان قريش، والسحر.

وأمر بعدوانهم فقال: ﴿ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ﴾ ثم أمر بالخروج إلى المدينة فقدم في ثمان ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول، ثم كانت وقعة بدر.

ففيهم أنزل الله: ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ﴾ [ الأنفال: 7] وفيهم نزلت ﴿ سيهزم الجمع ﴾ [ القمر: 45] وفيهم نزلت ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ [ المؤمنون: 64] وفيهم نزلت ﴿ ليقطع طرفاً من الذين كفروا ﴾ [ آل عمران: 127] وفيهم نزلت ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ [ آل عمران: 128] أراد الله القوم وأراد رسول الله العير، وفيهم نزلت ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً...

﴾ [ إبراهيم: 28] الآية.

وفيهم نزلت ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ [ آل عمران: 13] في شأن العير ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ [ الأنفال: 42] أخذوا أسفل الوادي.

فهذا كله في أهل بدر، وكانت قبل بدر بشهرين سرية يوم قتل ابن الحضرمي، ثم كانت أحد، ثم يوم الأحزاب بعد أحد بسنتين، ثم كانت الحديبية- وهو يوم الشجرة- فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ على أن يعتمر في عام قابل في هذا الشهر.

ففيها أنزلت ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ [ البقرة: 194] فشهر العام الأول بشهر العام فكانت ﴿ الحرمات قصاص ﴾ ثم كان الفتح بعد العمرة، ففيها نزلت ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد...

﴾ [ المؤمنون: 77] الآية.

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم غزاهم ولم يكونوا أعدوا له أهبة القتال، ولقد قتل من قريش يومئذ اربعة رهط من حلفائهم، ومن بني بكر خمسين أو زيادة.

وفيهم نزلت- لما دخلوا في دين الله ﴿ هو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ﴾ [ المؤمنون: 78] ثم خرج إلى حنين بعد عشرين ليلة، ثم إلى المدينة، ثم أمر أبا بكر على الحج.

ولما رجع أبو بكر من الحج، غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم العام المقبل، ثم ودع الناس، ثم رجع فتوفي لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قال: هؤلاء فيما سمعنا خمسة رهط، استهزأوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

فلما أراد صاحب اليمن أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم، أتاه الوليد بن المغيرة فزعم أن محمداً ساحر.

وأتاه العاص بن وائل وأخبره أن محمداً يعلم أساطير الأولين، فجاءه آخر فزعم أنه كاهن، وجاءه آخر فزعم أنه شاعر، وجاء آخر فزعم أنه مجنون فكفى الله محمداً أولئك الرهط في ليلة واحدة، فأهلكهم بألوان من العذاب...

كل رجل منهم أصابه عذاب.

فأما الوليد، فأتى على رجل من خزاعة وهو يريش نبلاً له، فمر به وهو يتبختر فأصابه منها سهم فقطع أكحله، فأهلكه الله.

وأما العاص بن وائل، فإنه دخل في شعب فنزل في حاجة له، فخرجت إليه حية مثل العمود فلدغته فأهلكه الله: وأما الآخر، فكان رجلاً أبيض حسن اللون، خرج عشاء في تلك الليلة فأصابته سموم شديدة الحر، فرجع إلى أهله وهو مثل حبشي، فقالوا: لست بصاحبنا.

فقال: أنا صاحبكم!..

فقتلوه.

وأما الآخر، فدخل في بئر له فأتاه جبريل فعمه فيها، فقال: إني قد قتلت فأعينوني: فقالوا: والله ما نرى أحداً.

فكان كذلك حتى أهلكه الله.

وأما الآخر، فذهب إلى إبله ينظر فيها، فأتاه جبريل بشوك القتاد فضربه، فقال: أعينوني فإني قد هلكت.

قالوا: والله ما نرى أحداً.

فأهلكه الله فكان لهم في ذلك عبرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنى ظهر الأسود بن عبد يغوث حتى احقوقف صدره.

فقال: النبي صلى الله عليه وسلم خالي خالي فقال جبريل: دعه عنك فقد كفيته فهو من المستهزئين.

قال: وكانوا يقولون سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزئون بها» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن قتادة قال: هؤلاء رهط من قريش، منهم الأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس.

وأخرج ابن جرير وأبو نعيم، عن أبي بكر الهذلي قال: قيل للزهري إن سعيد بن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: الحارث بن عيطلة وقال عكرمة: الحارث بن قيس.

فقال: صدقا جميعاً.

كانت أمه تسمى عيطلة، وكان أبوه قيساً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وأبو نعيم، عن الشعبي رضي الله عنه قال: المستهزئون سبعة، فسمى منهم العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وهبار بن الأسود، وعبد يغوث بن وهب، والحرث بن عيطلة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم، عن قتادة ومقسم مولى ابن عباس ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قال: هم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب، مروا رجلاً رجلاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل، فإذا مر به رجل منهم قال له جبريل: كيف محمد هذا؟

فيقول: بئس عبد الله، فيقول جبريل: كَفَيْنَاكَهُ.

فأما الوليد، فتردّى فتعلق سهم بردائه، فذهب يجلس فقطع أكحله فنزف حتى مات.

وأما الأسود بن عبد يغوث، فأتى بغصن فيه شوك، فضرب به وجهه فسالت حدقتاه على وجهه فمات.

وأما العاص، فوطئ على شوكة فتساقط لحمه عن عظامه حتى هلك.

وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس، فأحدهما قام من الليل وهو ظمآن ليشرب من جرة، فلم يزل يشرب حتى انفتق بطنه فمات.

وأما الآخر، فلدغته حية فمات.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ ، ﴿ الَّذِينَ ﴾ من صفة المقتسمين، إلا على قول ابن زيد، فإنه يكون ابتداءً وخبره في (لنسألنهم)، وذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين، أحدهما: أن واحدها عِضَة؛ مثل: عزة ونزة وثبة، وأصلها عِضْوة من: عضَّيتُ الشيء، إذا فرَّقته (١) وفي الحديث: "لا تَعْضية في ميراثٍ إلا فيما حمل القَسْمَ" (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) القول الثاني: أنها عِضَة، وأصلها عِضْهة، فاستثقلوا الجمعَ بين هاءين، فقالوا: عِضَة؛ كما قالوا: شَفَة والأصل شَفْهة (٨) (٩) (١٠) وقال ابن السكيت: العَضِيْةُ أن يَعْضِه الإنسانَ ولقول فيه ما ليس فيه (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال ابن الأعرابي: العضة والتُّوَلة (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ جعلوه سحرًا مفترى، وجمعت العضة جمع ما يعقل لِمَا لحقها من الحذف؛ فجعل الجمع بالواو والنون عوضًا مما لحقها من الحذف، وقد ذكرنا شرح هذا عند قوله: ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ (١٨) (١٩) قال الفراء: ومن العرب من يجعلها بالياء على كل حال، ويعرب نونها فيقول: عِضِينُك، ومررت بعِضِينِك، وأنشد: (٢٠) دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سِنينَه ....

لَعِبْنَ بَنا شِيبًا وشيَّبْنَنَا مُرْدا (٢١) (٢٢) مِثْل المَقَالِي ضُرِبَتْ قُلِينُها (٢٣) قال وإنما يجوز هذا فيما نقص لامها؛ لأنهم توهموا أن النون أصلية وأن الحرف على فعيل، ألا ترى أنهم لا يقولون هذا في الصالحين والمسلمين!

وكذلك قولهم: الثبات واللغات، ربما أعربوا التاء منها بالنصب والخفض فيتوهَّمون أنها هاء وأن الألف قبلها من الفعل، وأنشد (٢٤) (٢٥) ولا يجوز ذلك في: الصالحات والأخوات؛ لأنها تامة لم يُنقص من واحدها شيء، قال وما كان من حرف نُقِص من أوّله مثل: زِنة ولِدة (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (١) انظر: (عضه) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2477، "الصحاح" 6/ 2241، "عمدة الحفاظ" 3/ 11، "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب.

(٢) أخرجه الدارقطني كتاب: الأقضية والأحكام، باب: المرأة تقتل إذا ارتدت 4/ 219 بنحوه بروايتين عن أبي بكر، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب: آداب القاضي، باب: مالا يحتمل القسمة 10/ 133 بنحوه بروايتين، وورد في "النهاية" 3/ 256، و"الكنز" 11/ 9، والحديث ضعيف كما قال الشافعي: قال ولا يكون مثل هذا الحديث حجة لأنه ضعيف، وهو قول من لقينا من فقهائنا، وقال البيهقي: وإنما ضعفه لانقطاعه، وهو قول الكافة، وعلة أخرى أن الحديث يدور على صديق بن موسى، وهو ليس بحجة كما في "الميزان" 3/ 28، وقد أشار إلى ذلك الآبادي في ذيل "سنن الدارقطني" 4/ 219.

(٣) في جميع النسخ بدوك (لا)، ولا يستقيم المعنى إلا بها؛ لأن المراد النهي عن تفريق ما يكون تفريقه ضررًا علي الورثة؛ كأن تقسم جوهرة نفيسة أو ثوب نفيس فتنقص بذلك قيمته.

(٤) أخرجه البخاري (4705) كتاب: التفسير، باب: الحجر بنحوه عن ابن عباس، والطبري 14/ 64 - 66 عنهما بنحوه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 225 عنهما، والحاكم: كتاب: التفسير، باب: الحجر 2/ 355 بنحوه، والماوردي 3/ 173 عن ابن عباس، والطوسي 6/ 354 عن قتادة، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 418 عنهما، و"تفسير القرطبي" 10/ 59، والخازن 3/ 103، وابن كثير 2/ 614، و"تنوير المقباس" ص 281، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بنحوه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 419.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) "مجاز القرآن" 1/ 355 بمعناه.

(٨) انظر: (عضة) في "تهذيب اللغة" 3/ 2478، مجمل اللغة 2/ 673، "الصحاح" 6/ 2241، "شرح الفصيح" للزمخشري 2/ 611، "عمدة الحفاظ" 3/ 111، "تفسير الطبري" 14/ 65، الثعلبي 2/ 152ب.

(٩) ذكر أبو علي الفارسي أن لام الكلمة المحذوفة يجوز أن تكون واوًا أو هاءً، لقولهم في (سنة) (أسْنَتُوا) -أجدبوا- ومنها؛ (سنوات)، أصلها واو، وفي قولهم: (ساناه) -عامله بالسنة- ومنها: (نخلة سَنْهاء) -أصابتها السنة- أصلها هاء، وقولهم في (عضه): (عِضوات) أصلها واو، وفي قولهم: (عِضاه، وبعير عاضه، وناقة == عاضهة) أصلها هاء.

انظر: "المسائل الحلبيات" ص 345، "المسائل البغداديات" ص 158، "سر صناعة الإعراب" 1/ 418، "المحكم" (عضه) 1/ 59.

(١٠) جزء من حديث طويل يتكون من عدة فقرات، كهجر المسلم، والصدق والكذب، وأحسن الكلام ..

، وقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب القدر 11/ 116 بنصه، والطبراني في "الكبير" 9/ 98 بنصه، قال محقق "المعجم الكبير": (قال شيخ الإسلام في إقامة الدليل ص 59: رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم بأسانيد جيدة إلى محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن الأحوص عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله -  - قال ..

فذكره، وهذا إسناد جيد، لكن المشهور أنه موقوف على ابن مسعود.

وأفاد كذلك المحقق أن الألباني ضعفه - دون أن يذكر أين.

وورد برواية: ألا أُنبِّئكم ما العَضْه؟

هي النميمةُ القالةُ بين الناس)، أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم النميمة.

(١١) إصلاح المنطق ص 353 بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477 بنصه، وفيهما: (العَضِيْهَةُ) بدل (العضية).

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477، "تفسير ابن عطية" 8/ 356.

(١٣) كتاب "العين" 1/ 99 بمعناه.

(١٤) أخرجه عبد الرزاق 2/ 350 بنصه، والطبري 14/ 66 بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 43، و"تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477 بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 173، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 320، وأبن عطية 8/ 357، وابن الجوزي 4/ 419، وابن كثير 2/ 614، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.

(١٥) التُّولة والتِّوَلة: شيءٌ يُشبه السحر، يُحببُ المرأة إلى زوجها.

"المحيط في اللغة" (تول) 9/ 462.

(١٦) لم أقف عليه.

(١٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 92 مختصرًا، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 213 نقلهما عن الواحدي بنصه بلا نسبة.

(١٨) واحد الثُبات: ثُبَةٌ، انظر: " لغريب" لابن قتيبة 1/ 127، "تهذيب اللغة" (ثاب) 1/ 465، "عمدة الحفاظ" 1/ 317.

(١٩) لم أقف على الآية التي أشار أنه تعرض فيها لجمع أرض، وقد جمعت (أرضون)، والقياس يقتضي جمعها (أرضات) لأنها مؤنث، فلما حذفت الهاء -أي من أرضة- عوضوا عنها في الجمع بالواو والنون، فقالوا (أرضون) وفتحوا الراء في الجمع ليدخل الكلمة ضرب من التغيير تميزًا لها لمخالفة الأصل، وليعلم أن سبيلها لو جمعت بالتاء أن يفتح راؤها، فيقال: (أرَضات).

انظر: "شرح المفصل" 5/ 5.

(٢٠) البيت للصمة بن عبد الله القُشَيْري ت 95 هـ.

(٢١) ورد في:"تكملة الإيضاح" العضدي ص 207، "شرح شواهد الإيضاح" ص 597، "شرح المفصل" 5/ 11، "شرح التصريح" 1/ 77، "الخزانة" 8/ 58، وورد بلا == نسبة في "المخصص" 9/ 66، "الاقتضاب" ص 193، "أمالي ابن الشجري" 2/ 261، "اللسان" (نجد) 7/ 4346، (سنه) 4/ 2127، "أوضح المسالك" ص 14 (صدر)، "شرح ابن عقيل" (1/ 65، وفي بعض هذه المصادر (ذراني) بدل (دعاني)، والمعنى واحد، وهو أمر ومعناه: اتركاني من ذكر نجد، (سنينه): جمع سنة، وهي هنا إما بمعنى العام وإما بمعنى القحط.

(شِيباً): جمع أشيب، وهو الذي ابيضَّ شعره، (مُردًا) جمع أمرد، وهو الذي لا شعر بعارضيه.

والشاهد قوله: (سِنينَه) بإثبات النون ولم تسقط للإضافة، وعلامة نصبه الفتحة لا الياء وإلا لقال: (سِنِيْه) بحذف النون للاضافة وهذه لغة بني عامر، فإنهم يعربون المعتل اللام بالحركات الثلاث على النون مع لزوم الياء؛ لأنها أخف عليهم، ولأن النون قامت مقام الذاهب من الكلمة، ولو كان الذاهب موجودًا لكان الإعراب فيه كسائر المفردات، وكذلك يكون ما قام مقامه.

انظر: "شرح التصريح على التوضيح" 1/ 77.

(٢٢) لم أقف على القائل، وفي المصدرين -الذين وقفت عليهما- نُسب إلى الفراء.

(٢٣) ورد في: "تهذيب اللغة" (قلا) 3/ 3025، "اللسان" (قلا) 6/ 3732، القُلَة والمِقْلَى والمِقلاء: عودان يلعب بهما الصبيان، فالمِقلى العود الكبير الذي يُضرب به، والقُلَة الخشبة الصغيرة التي تُنصب، وهي قَدر ذراع، وجمع المقلى المقالي، الشاهد: (قُلِينُها) حيث جعل النون كالأصلية فرفعها، وذلك على التوهم، ووجه الكلام فتح النون لأنها نون الجمع.

(٢٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي (جاهلي).

(٢٥) "ديوان الهذليين" ص 79، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 53 وفيهما برواية: (فلمِّا اجتلاها)، وورد في: "أدب الكاتب" ص 441، "جمهرة اللغة" 1/ 248، 3/ 1334 وفيهما (ثباتٍ) بكسر التاء، "المنصف" 3/ 63، "المحتسب" 8/ 111، الاقتضاب ص 403، "شرح الجواليقي" ص 226، "اللسان" (أيم) 1/ 192، وورد بلا نسبة في: "الخصائص" 4/ 303، "المخصص" 8/ 182، 40/ 11، "شرح المفصل" 5/ 4.

(اجتلاها): كشفها وأبرزها وأخرجها، (الإِيام): الدُّخان؛ وجمعُه أُيُم، وآمَ الدُّخانُ يَئيم إياماً: دخَّن، وآمَ الرجُلُ إيامًا إذا دَخَّن على النَّحْل ليَخرج من الخلِيَّة فيأخذ ما فيها من العسل، وقيل: الإيامُ: عُود يجعل في رأسه نارٌ ثم يُدخَّنُ به على النحل ليُشْتارَ العَسَلُ، (تحيزت): اجتمع بعضها إلى بعض، ويقال: تفرَّقت؛ صارت فِرقًا في كلِّ حيّز شيء، وُيروى (تحيرت) من الحَيرة؛ أي بقيت لا تدري إلى أين تذهب، (ثبات): جمع ثُبَةٍ؛ وهو القطعة من القوم ومن كل شيء، (الاكتئاب): الحزن.

والشاهد: (ثباتًا) حيث نُصبت بالفتحة وحقها الكسرة -كما هو الأصل في جمع المؤنث السالم- وحجة من نصبها أن لام الكلمة محذوف ولم تُرَد إليه في الجمع كما حكى الكسائي: سمعت لغاتَهم بفتح التاء؛ لأن أصل ثُبَةٍ ثُبْوَة، وأصل لُغَة لُغْوَة.

انظر: "شرح المفصل" 5/ 8.

(٢٦) ساقطة من (د)، ولِدَةُ الرجل: تِرْبُهُ، قال الجوهري: والهاء عوضٌ من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة، وهما لِدَان، والجمع لِداتٌ ولِدُون.

انظر: (ولد) في "المحيط في اللغة" 9/ 357، "الصحاح" 2/ 554، "اللسان" 8/ 4915.

(٢٧) ما بين القوسين كتب على هامش أ.

(٢٨) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في المصدر.

(٢٩) في جميع النسخ: (ولا هتك) ولم يتبين لي معناها، ولعلها من تصحيفات النساخ، والتصويب من المصدر.

(٣٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 92 - 93 وهو نقل طويل نقله بتصرف واختصار.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ﴾ أي أجزاء، وقالوا فيه أقوالاً مختلفة وواحد عضين عضة وقيل: هو من العَضْة وهو السحر، والعاضِه الساحر، والمعنى على هذا أنه سحر، والكلمة محذوفة اللام ولامها على القول الأول واو وعلى الثاني هاء ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ إن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان؟

فالجواب أن السؤال المثبت هو على: وجه الحساب والتوبيخ، وأن السؤال المنفي هو: على وجه الاستفهام المحض لأن الله يعلم الأعمال فلا يحتاج إلى السؤال عنها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إذ دخلوا ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام ﴿ إنا نبشرك ﴾ بسكون الباء وضم الشين: حمزة.

الآخرون بالتشديد ﴿ تبشرون ﴾ بالتشديد وكسر النون المخففة: نافع مثله.

ولكن مشددة النون: ابن كثير.

الباقون بفتح النون على أنها علامة رفع ﴿ يقنط ﴾ بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك بابه.

الآخرون بالفتح ﴿ آل لوط ﴾ مدغماً حيث كان شجاع ﴿ لمنجوهم ﴾ بالتخفيف: يعقوب وحمزة علي وخلف.

الباقون بالتشديد ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد ﴿ بناتي إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أني أنا ﴾ بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ه ج لئلا يصير ﴿ إذا دخلوا ﴾ ظرفاً ﴿ لنبئهم ﴾ فإنه محال ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ وجلون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تبشرون ﴾ ه ﴿ القانطين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه لا للاستثناء.

﴿ آل لوط ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ قدرنا ﴾ لا لأن الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ يمترون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ تؤمرون ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ فلا تفضحون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا تخزون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ط لابتداء القسم ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مشرقين ﴾ ه لا لاتصال انقلابها بالصيحة ﴿ من سجيل ﴾ ط ﴿ للمتوسمين ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط لتمام القصة ﴿ لظالمين ﴾ ه لا لاتصال الانتقام بظلمهم ﴿ منهم ﴾ ه ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال ﴿ مبين ﴾ ه ط لتمام قصتهم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم ﴿ معرضين ﴾ ه لا للعطف ﴿ آمنين ﴾ ه ط ﴿ مصبحين ﴾ ه ط للاتصال معنى ﴿ يكسبون ﴾ ه م لتمام القصص ﴿ إلا بالحق ﴾ ط ﴿ الجميل ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ج لجواز تعلق الكاف بقوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ أو بقوله: ﴿ فانتقمنا ﴾ ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير.

﴿ المقتسمين ﴾ ه لا ﴿ عضين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ المستهزئين ﴾ ه لا ﴿ آخر ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يقولون ﴾ ه لا لاتصال الأمر بالتسبيح تسلية ﴿ الساجدين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اليقين ﴾ ه.

التفسير: إنه  عطف ﴿ ونبئهم ﴾ على ﴿ نبىء عبادي ﴾ ليكون سماع هذه القصص مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذراً من المعصية المستتبعة لدركات الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك يقوّي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين.

وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم.

وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام.

فقوله: ﴿ وجلون ﴾ معناه خائفون خافهم لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت.

﴿ إنا نبشرك ﴾ استئناف في معنى تعليل النهي عن الوجل.

بشروه بالولد الذكر بكونه عليماً فقيل: أرادوا بعلمه نبوته.

وقيل: العلم مطلقاً.

وقوله: ﴿ على أن مسني ﴾ في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكراً للولادة في حالة الهرم أنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله  ولذلك قال: ﴿ فبم تبشرون ﴾ "ما" استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني أي أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في العادة؟

وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: "بما" صلة للتبشير بل يكون سؤالاً عن الوجه والطريقة يعني إذا كان الطريق.

المعتاد ممتنعاً فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه ﴿ بشرناك بالحق ﴾ أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول الله  ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلاً من شيخ فانٍ وعجوز عاقر.

قال أبو حاتم: حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز.

وأجيب بأنه لم يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة.

قيل: عظم فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب.

وقيل: طلب مزيد الطمأنينة كقوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ عن ابن عباس: يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر الأنبياء.

وقوله: ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ لا يدل على أنه كان قانطاً فقد ينهى عن الشيء ابتداء كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين  ﴾ .

ولذلك أنكر إبراهيم نهيهم بقول: ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ أي المخطئون طريق الصواب أو الكافرون نظيره ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل علم يعلم.

وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين.

ثم سأل عما لأجله أرسلهم الله حيث قال: ﴿ فما خطبكم ﴾ والخطب الشأن العظيم.

فسئل أنهم لما بشروه بالولد الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟

وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟.

وقال القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافياً.

وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس إبراهيم منهم خيفة.

قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم تعظيماً لشأنهم ﴿ قالوا إنا أرسلنا ﴾ زعم صاحب الكشاف أن الإرسال ههنا في معنى التعذيب والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى.

وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا التجوز لقوله في سورة الذاريات ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين  ﴾ فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم ﴿ إلا آل لوط ﴾ وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون بالإجرام دون آل لوط.

يكون قوله: ﴿ إنا لمنجوهم ﴾ جارياً مجرى خبر "لكن" كأنه قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: ﴿ إلا امرأته ﴾ استثناء من الاستثناء أي أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط ﴿ إلا امرأته ﴾ كقول المقر: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا واحداً.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ إلا آل لوط ﴾ مستثنى من الضمير في ﴿ مجرمين ﴾ حتى يكون الاستثناء متصلاً أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم.

ولم لا يجوزالاستثناء من الاستثناء بناء على أن ﴿ آل لوط ﴾ مستثنى من معمول ﴿ أرسلنا ﴾ أو ﴿ مجرمين ﴾ و ﴿ إلا امرأته ﴾ من معمول ﴿ منجوهم ﴾ وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور فضله.

قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر.

وقيل: في معنى قدرنا: كتبنا.

وقال الزجاج: دبرنا.

وقيل: قضينا.

والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالاً وأنه جواب سؤال كأنه قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟

فقيل: ﴿ قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ أي الباقين في الهوالك.

ويقال للماضي أيضاً غابر وهو من الأضداد.

قال في الكشاف: علق فعل التقدير مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم.

وإنما أسندوا الفعل إلى أنفسهم مع التقدير لله عز وجل بياناً لاختصاصهم به  كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل المدبر والآمر هو الملك وحده.

ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم  بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: ﴿ فلما جاء آل لوط المرسلون قال ﴾ أي لوط ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ تنكركم نفسي وتنفر منكم.

وذلك أنهم هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك ﴿ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ﴾ أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه.

﴿ وأتيناك بالحق ﴾ باليقين الثابت.

وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه ﴿ وإنا لصادقون ﴾ فيما أخبرناك به ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد ههنا قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم.

ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: ﴿ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴾ قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا على ما خلفوا.

وجوز أن يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال الجوهري: مضى الشيء مضياً ذهب، ومضى في الأمر مضياً أنفذه.

وقال في الكشاف: عدى ﴿ وامضوا ﴾ إلى ﴿ حيث ﴾ تعديته إلى الظرف المبهم لأن ﴿ حيث ﴾ مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في ﴿ تؤمرون ﴾ قلت: حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك.

عن ابن عباس: إنه الشام.

وقيل: مصر.

وقال المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط.

ثم أخبر عن حالهم مجملاً فقال: ﴿ وقضينا ﴾ ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه قيل: وأوحينا.

﴿ إليه ذلك الأمر ﴾ مقتضياً مبتوتاً.

ثم فسر ذلك الأمر بقوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾ أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه.

وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له.

ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: ﴿ وجاء أهل المدينة ﴾ أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم.

﴿ يستبشرون ﴾ بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مرداً حسان الوجوه ﴿ قال ﴾ لوط لما قصدوا أضيافه ﴿ إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ﴾ بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف.

يقال: فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار ﴿ واتقوا الله ولا تخزون ﴾ مر في "هود" ﴿ قالوا ﴾ في جواب لوط ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ أي ألسنا نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟

وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط  ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره ﴿ لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ﴾ {الشعراء: 116] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس وإنزالهم ﴿ قال هؤلاء بناتي ﴾ من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في "هود".

قال جار الله ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم تفعلون.

وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم.

ثم قالت الملائكة للوط  ﴿ لعمرك ﴾ مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال أي قسمي أو هو ما أقسم به.

والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلاّ أنهم خصوا القسم بالمفتوح اتباعاً للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم ﴿ إنهم لفي سكرتهم ﴾ غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك ﴿ يعمهون ﴾ يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟

وقيل: إنه  خاطب رسول الله  وأقسم بحياته  كرامة له  وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله ﴿ فأخذتهم الصيحة مشرقين ﴾ داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس كان اتبداء العذاب من أول الصبح لقوله: ﴿ مصبحين ﴾ أليس الصبح بقريب؟

وغلبته كانت عن طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل.

قلت: ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم.

قال بعض المفسرين: إنما قال: ﴿ وأمطرنا عليهم ﴾ وفي سورة هود ﴿ وأمطرنا عليها  ﴾ لأنه أراد ههنا من شذ من القرية منهم.

وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع المذكر هو بناء القصة على قوله: ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ للمتفرسين.

وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن التأمل والتفكر ﴿ وإنها ﴾ يعني تلك القرى وآثارها ﴿ لبسبيل مقيم ﴾ ثابت يسلكه الناس المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك.

قال بعضهم: إنما جميع الآيات في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف براهيم وقصة لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم.

وقال في الثانية ﴿ وإنها ﴾ أي القرية ﴿ لبسبيل ﴾ وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون بوحدانيته وحد الآية نظيره في "العنكبوت" { ﴿ خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين  ﴾ .

ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها.

كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات شجر فنسبوا إليها.

والآيكة الشجر الملتف.

والضمير في قوله: ﴿ وإنهما ﴾ يعود إلى قرى قوم لوط وإلى الأيكة.

وقيل: بل إلى الآيكة ومدين لأن شعيباً كان مبعوثاً إليهما فدل بذكر أحد الموضعين ههنا - وهو الأيكة - على الآخر ﴿ لبإمام مبين ﴾ لبطريق واضح.

قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع.

وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده.

ثم ختم القصص بقصة ثمود فقال: ﴿ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ﴾ وهو واد بين الشأم والمدينة.

وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح - كتكذيب جميع الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، ﴿ وآتيناهم ﴾ أي أعطينا رسولهم ﴿ آياتنا ﴾ أراد الناقة وكانت فيها آيات خروجها من الصخر وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا في "الأعراف" ﴿ فكانوا عنها ﴾ أي عن النظر فيها والاعتبار بها ﴿ معرضين ﴾ وفيه أن التقليد مذموم والاستدلال واجب ﴿ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين ﴾ من أن تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من حوادث الدهر.

﴿ فما أغنى عنهم ﴾ لم يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله ﴿ ما كانوا يكسبون ﴾ من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد.

ولم فرغ من القصص قال: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ أي متلبسة بالفوائد والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل.

وأجيب بأن أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها.

ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي صلى الله عليه و سلم وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: ﴿ وإن الساعة لآتية ﴾ معناه أن الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله إهمال أمرك؟

ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ أي فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ ﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ كثير الخلق ﴿ العليم ﴾ الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك.

وقيل: أراد أنه الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح.

ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي  ما وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة.

وذلك أنها سبع آيات.

والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية لأنها تثنى في كل صلاة.

وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها.

وأيضاً قسمت بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، وقد ورد الحديث في هذا المعنى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وقد مر في أول الكتاب.

وأيضاً كلماتها مثناة مثل: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ إياك ﴾ و ﴿ إياك ﴾ ﴿ الصراط ﴾ ﴿ صراط ﴾ ﴿ عليهم ﴾ ﴿ عليهم ﴾ واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب.

فقيل: كأنه رأى أنه  عطف عليه قوله: ﴿ والقرآن العظيم ﴾ والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن.

والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل  ﴾ أو بالعكس كما في الآية.

والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيهاً على مزية ذلك البعض وشرفه.

فإن قلت: ليس لعطف لكل على البعض نظير، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل.

قلنا: يكفي بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ دليلاً على أنه من القرآن.

وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى.

وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية.

وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر.

وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون الطول والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله  قال: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل" .

قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني.

وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله  : ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف.

ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام.

وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعاً مثاني ولكونه قرآناً عظيماً.

قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و"من" في ﴿ من المثاني ﴾ للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت الأسباع.

ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه الحديث "من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به - فليس منا" وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرآى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً.

فمن حق قارىء القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها.

قال الواحدي: إنما يكون مادّاً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه.

وقال في الكشاف: معنى ﴿ لا تمدن ﴾ لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له ﴿ إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ أي أصنافاً من الكفار قاله ابن قتيبة.

وقال الجوهري: الأزواج القرناء.

وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحداً على ما أوتي من الدنيا.

وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقاً فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟

ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه  لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته.

ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله.

فقال لهم الله عز وجل: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ لا تمدن ﴾ بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه.

ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفاراً أمره بالتواضع للفقراء، إذا كانوا مؤمنين فقال: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ الخفض نقيض الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق.

وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة ﴿ لمن اتبعك  ﴾ لأنه قال قبله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصاً بالأقربين من عشيرته فزيد ﴿ لمن اتبعك  ﴾ ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة.

ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: ﴿ وقل إني أنا النذير المبين ﴾ ويدخل تحت كونه نذيراً كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب.

ويدخل في كونه مبيناً كونه شارحاً لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار.

فالإنذار بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها.

وفي متعلق قوله: ﴿ كما أنزلنا ﴾ وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ أي أنزلنا} أي أنزلنا عليك ما أنزلنا ﴿ على المقتسمين ﴾ ومن هم؟

قيل: أهل الكتاب ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة "فعلة" من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو "فعلة" من عضهته إذا بهته فالمحذوف منها الهاء لا الواو.

وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة عاضهة.

ولعن رسول الله  العاضهة والمستعضهة فينقصانها الهاء أيضاً.

وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضاً عما لحقها من الحذف كسنين.

فمعنى الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما.

ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب بالبعض كقوله: { ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وفي هذا تسلية لرسول الله  عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق بقوله: ﴿ لا تمدن ﴾ الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين.

الوجه الثاني أن يتعلق بقوله: ﴿ النذير المبين ﴾ وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذاباً كما أنزلنا كقولك رأيت كالقمر في الحسن أي وجهاً كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة كقوله: ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من أهل مكة أو من قوم صالح.

قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ورسوله.

يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريباً من أربعين، منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب.

وقال عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه.

قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين.

وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين تقاسموا بالله ليبيتن صالحاً كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ الذين جعلوا ﴾ منصوباً بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين.

ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في أول "الأعراف" وذلك قوله ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم  ﴾ .

والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام.

ثم شجع نبيه قائلاً ﴿ فاصدع ﴾ أي اجهر ﴿ بما تؤمر ﴾ وأظهره وفرق بين الحق والباطل.

وأصل الصدع الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعاً كما سمي فلقاً.

وصدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً.

قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل "أمرتك الخير".

وجوز أن تكون "ما" مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني للمفعول.

وقالوا: وما زال النبي  مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.

ثم قال: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل يؤكدها.

ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوّى قلبه فقال: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ ولا ريب أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع جلالة قدره.

والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم وأسماءهم مع اختلاف بينهم.

والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة.

وعن ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر.

وقال جبرائيل  لرسول الله  : أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصابه عرقاً في عقبة فقطعه فمات.

وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، ثم زاد في تسلية نبيه  ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ﴾ من المطاعن فيك وفي القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك.

ثم أمره لكشف ما نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين.

عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ما دام المكلف حياً وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى اللحد.

وكيف يصير الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب؟

قال المحققون: لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها.

وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكاره.

وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا غرض فيطيب قلبه.

التأويل: في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسناً ضعيف القوى كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.

فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاماً عليماً بالعلوم اللدنية وهو واعظ الله الذي في قلب المؤمن ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ لأصحاب القلوب المتوسمين بشواهد أحكام الغيب.

وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات ﴿ إلا بالحق ﴾ أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات ﴿ وإن الساعة ﴾ يعني قيامة العشق ﴿ لآتية ﴾ لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ومن مات فقد قامت قيامته ﴿ فاصفح ﴾ أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.

﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها ﴿ العليم ﴾ بمن خلقه مستعداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات دون الذات وان كان ملكاً فلهذا قال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً ﴾ أي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة ﴿ من المثاني ﴾ أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات.

﴿ والقرآن العظيم ﴾ ولهذا صار خلقه عظيماً لأنه كان خلقه القرآن ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً ﴾ من أهل الدنيا والآخرة ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ بهذا المقام ليصلوا بجناح همتك إليه ﴿ على المتقسمين ﴾ الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر القهر ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرّون الرزق، وقوم حصلوا تفسيره وتأويله إظهاراً للفضل وطلباً للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه وفقهه على وفق آرائهم ومذاهبهم فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم.

﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله ﴿ الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ لأنك لست منهم ﴿ وكن من الساجدين ﴾ سجدة الشكر ﴿ واعبد ربك ﴾ بالإخلاص ﴿ حتى يأتيك اليقين ﴾ أي إلى الأبد لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضاً، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : الحق الذي جعل لنفسه على أهلها، والحق الذي لبعض على بعض، والحق: هو اسم كل محمود مختار من القول والفعل، والباطل: اسم كل مذموم من القول والفعل.

قال بعضهم: تأويله: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا شهوداً لله بالحق على أهلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : أي: لم يخلقهما لغير شيء؛ ولكن خلقهما للمحنة؛ يمتحنهم بالعبادة فيها، وإلى هذا ذهب الحسن.

وقيل: خلقهما وما بينهما لأمر كائن؛ أي: لعاقبة: للثواب أو الجزاء، لم يخلقهم للفناء خاصة؛ ولكن للعاقبة؛ لأن خلق الشيء للفناء خاصة عبث؛ وهو ما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] أخبر أن خلقهم لا للرجوع إليه ولا للعاقبة - عبث، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ على الاحتجاج على أولئك لإنكارهم الساعة، لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنه لو لم تكن الساعة حصل خلقهما وما بينهما للفناء خاصة؛ وخلقُ الشيء للفناء خاصةً عبث باطل؛ كبناء البناء للنقض خاصة لا لعاقبة تقصد - عبث.

والثاني: أنه يكون في ذلك التسوية بين الأعداء والأولياء، وفي الحكمة التفريق بينهما، وما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [ص: 27] لم يكن ظنهم أنه خلقهما باطلا؛ ولكن لما أنكروا البعث صار في ظنهم خلقهما باطلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴾ : [أي: أعرض عنهم]، ولا تكافئهم بما آذوك بألسنتهم وفعلهم ﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ فإني أكافئهم عنك على أذاهم إياك وصنيعهم يومئذ.

والصفح الجميل: هو ما لا نقض فيه ولا منّة في العُرف؛ أي: اصفح الصفح ما يوصف فيه بتمام الأخلاق، ومالا نقض فيه ولا منّة يحتمل الصفح الجميل: هو أن يصفح ولا يمنّ عليهم، كأنه أمره أن يصفح صفحاً لا منّة فيه.

﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ فتجزى أنت على صفحك الجميل؛ وهم على أذاك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه على علم بما يكون منهم من المعصية والخلاف خلقهم، لا خلقهم عن غفلة وجهل بذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق الخلق لحاجة نفسه ولا لمنفعة نفسه، ولكن خلقهم ليمتحنهم بما أمرهم به ونهاهم، ولما يرجع إلى منافعهم وحوائجهم.

والثاني: إن ربك هو الخلاق لخلقه؛ العليم بمصالحهم بأن الصفح الجميل لهم، ذلك أصلح في دينهم من المكافأة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : قال بعضهم: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : المثاني: هو القرآن كله؛ كقوله  : ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ  ﴾ .

وقيل: سمي مثانياً لترديد الأمثال فيه والعبر والأنباء؛ فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : أي: سبعاً من القرآن العظيم.

ثم يحتمل السبع الطوال؛ على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ كأنه قال: آتيناك سبعاً من القرآن العظيم.

ويحتمل: ﴿ سَبْعاً ﴾ يعني فاتحة الكتاب من القرآن؛ أي: آتيناك فاتحة الكتاب من القرآن.

وقال قوم: يقولون: سبع المثاني: فاتحة الكتاب، ويروون على ذلك حديثاً عن رسول الله  مروي عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : [ "الحمدُ لله أم القرآن وأم الكتاب، والسبعُ المثاني" وعن أُبَيٍّ  قال: قال رسول الله  ]: "ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن؛ وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي؛ ولعبدي ما سأل" ومنهم من يقول: المثاني: القرآن كله؛ يذهب إلى ما ذكرنا من الآية؛ وبما يروى عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور والقرآن مثلُها - يعني أمّ القرآن - وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت" ذكروا أنها سبع من المثاني، فإن كان سبع المثاني فاتحة الكتاب، يصير كأنه قال: ولقد آتيناك سبعاً؛ وهي المثاني، وإن كان سبعاً من المثاني [هي السبع] الطوال يكون هكذا: أي: آتيناك سبعاً؛ وهو المثاني.

وروي أيضاً عن نبي الله  وقال: "آتاني السبع الطوال مكان التوراة والمثاني مكان الإنجيل، وفضّلني ربي بالمفصل" ثم إن ثبت ما روي في الخبر أن سبع المثاني فاتحة الكتاب وإلا الكفّ والإمساك عن ذلك أوْلى؛ لأنه لا حاجة بنا إلى معرفة ذلك، وليس يكون تسميتنا إياها سوى الشهادة، وما خرج مخرج الشهادة - من غير حصول النفع لنا - فالكف عنه والإمساك أولى.

ومنهم من يقول: هنّ المفصّل.

ومن قال: المثاني فاتحةُ الكتاب - قال: لأنها تثنى في كل ركعة أو ما جعل فيها مكررة معادة؛ لأن كل حرف منها يؤدي معنى حرف آخر؛ فسمي مثاني بذلك.

ومن قال: المثاني: هو القرآن؛ قال: لما ذكرنا؛ لأن أمثاله، وأنباءه، وغيره معادة مردّدة.

ومن قال: المثاني السبع الطوال - فقال: لأنه يثني فيها حدود القرآن، وفرائضه، وعامة أحكامه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ ﴾ .

سماه عظيماً، وسماه مجيداً، وحكيماً؛ وهو اسم الفاعلين، ولا عمل له ولا فعل في الحقيقة؛ لكنه يخرج - والله أعلم - على وجوه: يحتمل: سمّاه عظيماً مجيداً؛ لما عظمه وشرفه ومجده، فهو عظيم مجيد حكيم: أي: محكم، الفعيل بمعنى المفعول، وذلك جائز في اللغة.

أو سماه بذلك لأن من تمسك به؛ وعمل به؛ يصير عظيماً مجيداً، حكيماً، أو سماه عظيماً مجيداً حكيماً: أي: جاء من عند عظيم هو مجيد حكيم، وأصل الحكيم: هو المصيب، الواضع كلَّ شيء موضعه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .

يحتمل المراد بقوله: ﴿ عَيْنَيْكَ ﴾ نفس العين.

ثم هو يحتمل وجهين: أحدهما: نهى رسوله أن ينظر إلى ما متع أولئك مثل نظرهم؛ لأنهم ظنوا أنهم إنما متعوا هذه الأموال في الدنيا لخطرهم وقدرهم عند الله، وعلى ذلك قالوا: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ وقال: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [فصلت: 50] ونحوه، ظنوا أنهم إنما متعوا في هذه الدنيا؛ لخطرهم وقدرهم عند الله؛ لذلك قالوا ما قالوا؛ فنهاه أن ينظر إلى ذلك بعين الذين نظروا هم إليه؛ ولكن بالاعتبار.

والثاني: نهاه أن ينظر إلى ذلك نظر الاستكبار والتجبر على المؤمنين، والاستهزاء بهم على ما نظروا هم؛ لأنهم بما متعوا من أنواع المال استكبروا على الناس، واستهزءوا بهم؛ إذ البصر قد يقع [على ما ذكر] من غير تكلف؛ فيصير كأنه نهاه عن الرغبة والاختيار فيما متعوا فيه؛ لأن ما متعوا به هو ما ذكر، ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا  ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ فيما متعوا فإنهم إنما متعوا لما ذكر، ويحتمل النهي عن مدّ العين لا العين نفسه ولكن نفسه؛ كأنه قال: لا تمنيّن نفسك فيما متعوا هم ولا ترغبنها في ذلك؛ فإنه ليس يوسع ذلك عليهم لخطرهم وقدرهم؛ ولكن ليعلم أن ليس لذلك خطر عند الله وقدر؛ حيث أعطى من افترى [على الله] وجحد نعمه وفضْله.

وفي الآية تفضيل الفقر على الغنى؛ لأنه نهى رسوله أن يمد عينيه إلى ما متعوا، ومعلوم أن رسول الله  إذا مدّ إلى ذلك ليس يمد للدنيا ولا لشهواته؛ ولكن يستعين به في أمر جهاد عدوه، ويعين به أصحابه في سبيل الخيرات، ثم نهاه مع ذلك عنه؛ دلّ أن الأخير والأفضل ما اختاره من الفقر، وقصور ذات يده.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .

أي: أصنافاً من الأموال، وألواناً من النعم.

وقال بعضهم: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ : أي: الأغنياء منهم وأشباهه؛ فإن كان قوله: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ هو أصناف الأموال - فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا منهم أزواجاً.

وإن كان أزواجاً منهم هو أصناف الناس فهو على النظم الذي جرى به التنزيل؛ أي: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به قوماً منهم.

وفي قوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ إلى ﴿ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يعطي أحداً شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، ولو كان ما متع هؤلاء أصلح لهم في الدين - لم ينه رسوله عن مدّ عينيه إليه، دلّ أنه قد يعطي ما ليس بأصلح في الدين، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً  ﴾ أخبر أنه إنما يملي لهم ليزدادوا إثماً، وهم يقولون: يملي لهم ليزدادوا خيراً.

وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 180] هذه الآيات كلها تنقض عليهم قولهم، وقد ذكرنا هذا في غير موضع فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

يحتمل النهي نفسه نهاه أن يحزن عليهم؛ إشفاقاً عليهم؛ بل أمره أن يغلظ عليهم؛ كقوله: ﴿ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي: ارفق بهم، ولِنْ عليهم، واشدد على أولئك، واغلظ عليهم؛ وهو ما وصفهم: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ أخبر أنهم أهل شدة على الكفار وأهل غلظة، رحماء بينهم، وأهل ذلّة على المؤمنين، وأهل شدة عليهم؛ أي: على الكفار، فعلى ذلك هذا.

ويحتمل أن ليس على النهي؛ ولكن على التخفيف والتسلي، ودفع الحزن عن نفسه؛ لأنه كان يحزن لكفرهم بالله وتركهم الإيمان؛ حتى كادت نفسه تتلف لذلك؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ الآية [الشعراء: 3] وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ ﴾ الآية [فاطر: 8] وأمثاله.

ويحتمل أيضاً وجهاً آخر: وهو أنه كان يحزن عليهم، ويضيق صدره؛ لما مكروا به وكادوه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ  ﴾ فإني أكافئهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

يحتمل: أنا النذير على معاصيه، المبين على طاعاته، أو النذير على العصاة من عذاب الله، المبين لأموره ونواهيه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ * ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ .

قال الحسن: الكتب كلها قرآن؛ يعني كتب الله اقتسموها وجعلوها عضين؛ أي: فرقوها بالتحريف والتبديل؛ فما وافقهم أخذوه، ومالم يوافقهم غيّروه وبدلوه؛ كقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ  ﴾ ونحوه، فذلك اقتسامهم وتعضيتهم على قوله، وكقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ \[المؤمنون: 53\] ونحوه.

وقال بعضهم: اقتسامهم: وهو أن نفراً من قريش كانوا اقتسموا عقار مكة؛ ليصدّوا الناس عن رسول الله  ؛ فيقول طائفة منهم - إذا سئلوا عنه -: هو كاهن، وطائفة أخرى: هو شاعر، ساحر، مجنون، ونحوه.

وعضين: قولهم: هو: سحر، شعر، كهانة، أساطير الأولين، افترى على الله كذباً، وأمثال ما قالوا: فذلك اقتسامهم وعضتهم.

وقال بعضهم: هو على التقديم: أي: آتيناك المثاني والقرآن العظيم؛ أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى؛ فهم المقتسمون كتاب الله؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال أبو عوسجة: يقال: عضيت الجزور: أي: قسمتها عضواً عضواً.

وقال غيره: هو من العضة: وهو السحر؛ بلسان قريش؛ يقال للساحر عاض.

وقال القتبي: المقتسمون: قوم تحالفوا على عضة النبي  ؛ وأن يذيعوا ذلك بكل طريق، ويخبروا به النزاع إليهم.

وعضين: أي: فرقوه [وعضوه].

وقيل: فرقوا القول فيه، وهو ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ ﴾ : قيل: قسم أقسم به  .

﴿ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : قال بعضهم: الخلائق كلها؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ أخبر أنه يسألهم جميعاً: الرسل عن تبليغ الرسالة، والذين أرسل إليهم عن الإجابة لهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : هؤلاء الذين سبق ذكرهم؛ المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين، والذين استهزءوا برسول الله  وأصحابه؛ يسألهم عن حجج ما فعلوا، والمعنى الذي حملهم على سوء معاملة رسوله وكتابه، لأي: شيء نسبتم رسولي وكتابي إلى السحر، والكذب، والكهانة، والافتراء على الله؟

لا يسألون ما فعلتم؟

وأي شيء عملتم؛ لأن ذلك يكون مكتوباً في كتبهم؛ يقرءونه؛ كقوله: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  ﴾ وهو وعيد شديد في نهاية الوعيد والشدة؛ لأنه وعيد مقرون بالقسم، وكل وعيد قرن بالقسم فهو في غاية الشدة؛ إذ لو جاءنا ذلك الوعيد من ملك من ملوك البشر يجب أن يخاف؛ فكيف من ربنا؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: استقم كما تؤمر؛ كقوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ  ﴾ .

فهو في كل ما أمر به.

وقال بعضهم: اصدع: أي: امض بما تؤمر من تبليغ الرسالة.

﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

أي: أعرض عن مكافأتهم؛ ومعناه - والله أعلم - امض على ما تؤمر؛ من تبليغ الرسالة إليهم ولا تخفهم، ولا تهبهم، ولا يمنعنك شيء عن تبليغ الرسالة؛ الخوف، ولا القرابة، ولا شيء من ذلك، ولكن امض على ما تؤمر؛ وهو كما قال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ  ﴾ وقال: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ أي: لا يمنعكم عن القول بالحق والعدل بغضكم إياهم، ولا قرابتكم التي فيما بينكم، فعلى ذلك قوله: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: امض على ما أمرت من تبليغ الرسالة، ولا يمنعنك عن ذلك: الخوف، والوعيد، والقرابة التي فيما بينك وبينهم.

وقال القتبي: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: أظهر ذلك، وأصله: الفرق والفتح؛ يريد: اصدع الباطل بحقك؛ حتى يأتيك الموقن به؛ وهو الموت.

وقال أبو عوسجة: اصدع: أي: امض على ما تؤمر، وصدعت: أي: مضيت؛ وذلك من المضي، وأصل هذا كله: الشق، ويقال: تصدعوا: أي: تفرقوا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: أعرض عن مكافأتهم؛ فأنا أكافئهم عنك على ما آذوك.

وقال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ هو منسوخ بآية السيف؛ لكن على الوجه الذي ذكرنا ليس بمنسوخ، ويحتمل: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ إن كان أراد به القتال والدعاء إلى التوحيد فهو في وقت دون وقت أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يجيبونه ولا يؤمنون به أيئس رسوله عن إيمانهم فقال: أعرض عن هؤلاء ولا تشتغل بهم ولا تدعهم فإنهم لا يؤمنون ولكن ادع قوماً آخرين والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ : الكفرة جميعاً؛ فمنعناهم عن أن يصلوا إليك؛ على ما [قصدوا إليك] من إهلاكك، وغيره؛ كقوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ الذين كانوا على الطرق والمراصد؛ ليصدوا الناس عن سبيل الله؛ على ما ذكر في القصّة؛ العدد الذي ذكر سبعة أو خمسة؛ كفاه الله بأن أهلكهم بما ذكر أهل التأويل: أن الذين استهزءوا به هلكوا جميعاً بعقوبات مختلفة.

وقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ ﴾ .

قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ ليس على الجعل؛ لأنهم لو جعلوا لكان؛ لأن كل مجعول كائن موجود؛ ولكن قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ : أي: يزعمون أن مع الله إلهاً آخر؛ إما في التسمية أو في العبادة، وكذلك قوله: ﴿ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ هم لا يقدرون على أن يجعلوه عضين، ولكن زعموا أنه كذا؛ لأن الله وكل حفظه إلى نفسه؛ بقوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ وقال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ أخبر أنه يحفظه حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فلو قدروا على جعله عضين - لكان قد أتى الباطل من بين يديه، دلّ أنه على القول الذي قالوا؛ وهو على المجاز [كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ ، فهو على المجاز] على ما عندهم، إما بحق التسمية لها أنها آلهة، وإما بصرف العبادة إليها، ظاهر هذا أن المستهزئين الذين ذكرهم أنه كفاه عنهم هم الكفرة جميعاً؛ لكن يحتمل في الذين ذكرهم أهل التأويل كانوا على مراصد مكة، أضاف ذلك إليهم ونسب؛ لأنهم هم الذين أمروا غيرهم أن يجعلوا دونه إلهاً؛ فكأنهم فعلوا ذلك، وهم قالوا.

وقوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ الذين فعلوا به ما فعلوا ممن تقدم ذكرهم؛ فيكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ ﴾ على إضمار (كان)؛ أي: الذين كانوا يجعلون مع الله إلهاً آخر.

وإن كان في الذين يكونون من بعد - فهو على ظاهر ما ذكر؛ يجعلون على المستقبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: سوف يعلمون ما عملوا من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء برسول الله وأصحابه، إذا نزل العذاب بهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ .

وما قالوا؛ من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء به، وأنواع الأذى الذي كان منهم برسول الله  ؛ أي: نعلم ذلك، وهو محفوظ عندنا، نجزيهم على ذلك فلا يضيقن صدرك؛ لذلك فهو على التصبير على الأذى، والتسلي عن ذلك، وترك المكافأة لهم، والله أعلم.

وكان يضيق صدره؛ مرة لتركهم الإجابة له، ومرة للأذى باللسان.

والثاني: على علم منا بما يكون منهم، ومن ضيق صدرك بذلك، لكن أنشأناهم ومكناهم على علم منا بذلك؛ امتحاناً منا إياك بذلك وإياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك وكن من الساجدين؛ أي: من المصلين.

وقوله: ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ : هو أمر؛ فإذا فعل ذلك كان بأمر ربه؛ فلا معنى لذكر الأمر من بعد قوله: ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ إن كان الحمد هو الأمر؛ على ما قال بعض أهل التأويل.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ أي: نزّه الله عن جميع ما قالت الملحدة فيه؛ إذ التسبيح هو التنزيه في اللغة ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ؛ أي: بثناء ربك؛ أي: نزهه عن ذلك كله بثناء تثنيه عليه، وكن من الساجدين؛ أي: من الخاضعين؛ إذ السجود هو الخضوع.

أو أن يكون أمره إياه بالتسبيح على التسلي، وتوسيع صدره بالذي يكون منهم؛ أي: فسبح ربك مكان ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ ﴾ .

يحتمل التوحيد؛ أي: وحّد ربك، وكذلك قال ابن عباس  : كل عبادة ذكرت في القرآن - فهو توحيد يأمره باعتقاد الإخلاص له في كل أمر، ويحتمل العبادة نفسها؛ يأمره بالعبادة له؛ شكراً له؛ على ما روي في الخبر عن نبي الله  : "أنه صلى حتى تورمت ساقاه؛ فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!

فقال: بلى، أفلا أكون عبداً شكوراً؟!" وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ : أي: ما تيقنت به؛ وهو الموقن به.

وكذلك قوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ  ﴾ أي: من يكفر بالمؤمن به فقد حبط عمله؛ لأن الإيمان لا يكفر به، فعلى ذلك اليقين لا يأتيه؛ ولكن يأتيه الموقن به.

وكذلك ما ذكر: الصلاة أمر الله؛ أي: بأمر الله، وهو المأمور به؛ لأن الصلاة لا تكون أمر الله، لكن بأمر الله، وكذلك ما يجيء من هذا النحو.

ويحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ فيهم؛ وهو ما وعد من العذاب فيهم؛ أي: يتيقنون بذلك والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين صَيَّروا القرآن أجزاء، فقالوا: هو سحر، أو كهانة، أو شعر.

<div class="verse-tafsir" id="91.MvloX"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 98%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
الله أكبر