الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١١٣ من سورة النحل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 81 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٣ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وجعلوا كل ما لهم في سفال ودمار ، حتى فتحها الله عليهم وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول الذي بعثه الله فيهم منهم ، وامتن به عليهم في قوله : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ) [ آل عمران : 164 ] وقال تعالى : ( فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا [ يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ] ) [ الطلاق : 10 ، 11 ] الآية .
وقوله : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ) إلى قوله : ( ولا تكفرون ) [ البقرة : 151 ، 152 ] .
وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم فخافوا بعد الأمن ، وجاعوا بعد الرغد ، بدل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنا ، ورزقهم بعد العيلة ، وجعلهم أمراء الناس وحكامهم ، وسادتهم وقادتهم وأئمتهم .
وهذا الذي قلناه - من أن هذا المثل مضروب لمكة - قاله العوفي ، عن ابن عباس .
وإليه ذهب مجاهد ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وحكاه مالك عن الزهري رحمهم الله .
وقال ابن جرير : حدثني ابن عبد الرحيم البرقي ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا نافع بن زيد ، حدثنا عبد الرحمن بن شريح ، أن عبد الكريم بن الحارث الحضرمي حدثه أنه سمع مشرح بن هاعان يقول : سمعت سليم بن عتر يقول : صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعثمان - رضي الله عنه - محصور ب المدينة ، فكانت تسأل عنه : ما فعل ؟
حتى رأت راكبين ، فأرسلت إليهما تسألهما ، فقالا قتل .
فقالت حفصة : والذي نفسي بيده إنها القرية التي قال الله : ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ) قال أبو شريح : وأخبرني عبيد الله بن المغيرة ، عمن حدثه : أنه كان يقول : إنها المدينة .
يقول تعالى ذكره: ولقد جاء أهل هذه القرية التي وصف الله صفتها في هذه الآية التي قبل هذه الآية ( رَسُولٌ مِنْهُمْ ) يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، يقول: من أنفسهم يعرفونه ، ويعرفون نسبه وصدق لهجته، يدعوهم إلى الحقّ ، وإلى طريق مستقيم ( فَكَذَّبُوهُ ) ولم يقبلوا ما جاءهم به من عند الله ( فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ) وذلك لباس الجوع والخوف مكان الأمن والطمأنينة والرزق الواسع الذي كان قبل ذلك يرزقونه، وقتل بالسيف ( وَهُمْ ظَالِمُونَ ) يقول: وهم مشركون، وذلك أنه قتل عظماؤهم يوم بدر بالسيف على الشرك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ ) إي والله، يعرفون نسبه وأمره ، ( فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ) ، فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل.
قوله تعالى : ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون [ ص: 177 ] قوله تعالى : ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه هذا يدل على أنها مكة .
وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة .فأخذهم العذاب وهو الجوع الذي وقع بمكة .
وقيل : الشدائد والجوع منها .
تفسير الآيتين 112 و 113 :ـ وهذه القرية هي مكة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد، وتحترمها الجاهلية الجهلاء حتى إن أحدهم يجد قاتل أبيه وأخيه، فلا يهيجه مع شدة الحمية فيهم، والنعرة العربية فحصل لها من الأمن التام ما لم يحصل لسواها وكذلك الرزق الواسع.
كانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر، ولكن يسر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان، فجاءهم رسول منهم يعرفون أمانته وصدقه، يدعوهم إلى أكمل الأمور، وينهاهم عن الأمور السيئة، فكذبوه وكفروا بنعمة الله عليهم، فأذاقهم الله ضد ما كانوا فيه، وألبسهم لباس الجوع الذي هو ضد الرغد، والخوف الذي هو ضد الأمن، وذلك بسبب صنيعهم وكفرهم وعدم شكرهم { وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }
( ولقد جاءهم رسول منهم ) محمد صلى الله عليه وسلم ، ( فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون )
«ولقد جاءهم رسول منهم» محمد صلى الله عليه وسلم «فكذبوه فأخذهم العذاب» الجوع والخوف «وهم ظالمون».
ولقد أرسل الله إلى أهل "مكة" رسولا منهم، هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، فلم يقبلوا ما جاءهم به، ولم يصدقوه، فأخذهم العذاب من الشدائد والجوع والخوف، وقَتْل عظمائهم في "بدر" وهم ظالمون لأنفسهم بالشرك بالله، والصدِّ عن سبيله.
ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل هذه القرية الكافرة بأنعم الله فقال : ( وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ ) .أى : ولقد جاء إلى أهل هذه القرية رسول من جنسهم ، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، فأمرهم بطاعة الله وشكره ، ولكنهم كذبوه وأعرضوا عنه .والتعبير بقوله ( جاءهم ) يدل على أن هذا الرسول وصل إليهم وبلغهم رسالة ربه ، دون أن يكلفهم الذهاب إليه ، أو البحث عنه .والتعبير بالفاء فى قوله : ( فكذبوه ) يشعر بأنهم لم يتمهلوا ولم يتدبروا دعوة هذا الرسول ، وإنما قابلوها بالتكذيب السريع بدون روية ، مما يدل على غباوتهم وانطماس بصيرتهم .وقوله - تعالى - ( فَأَخَذَهُمُ العذاب وَهُمْ ظَالِمُونَ ) بيان للعاقبة السيئة التى حاقت بهم .أى : فكانت نتيجة تكذيبهم السريع لنبيهم أن أخذهم العذاب العاجل الذى استأصل شأفتهم ، والحال أنهم هم الظالمون لأنفسهم ، لأن هذا العذاب ما نزل بهم إلا بعد أن كفروا بأنعم الله ، وكذبوا رسوله .هذا ، والذى يتأمل هاتين الآيتين الكريمتين يراهما وإن كانتا تشملان حال كل قوم بدلوا نعمة الله كفرا .
.
إلا أنهما ينطبقان تمام الانطباق على كفار مكة .وقد بين ذلك الإِمام الآلوسى - رحمه الله - فقال ما ملخصه : وحال أهل مكة - سواء أضرب المثل لهم خاصة ، أم لهم ولمن سار سيرتهم كافة - أشبه بحال أهل تلك القرية من الغراب بالغراب ، فقد كانوا فى حرم آمن ويتخطف الناس من حولهم ، وكانت تجبى إليهم ثمرات كل شئ رزقا ، ولقد جاءهم رسول منهم تحار فى سمو مرتبته العقول صلى الله عليه وسلم فأنذرهم وحذرهم فكفروا بأنعم الله ، وكذبوه صلى الله عليه وسلم فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف ، حيث أصابهم بدعائه صلى الله عليه وسلم :
اعلم أنه تعالى لما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رَسُولٌ مِّنْهُمْ ﴾ يعني من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العذاب ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني الجوع الذي كان بمكة.
وقيل: القتل يوم بدر، وأقول قول ابن عباس أولى لأنه تعالى قال بعده: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ يعني أن ذلك الجوع إنما كان بسبب كفركم فاتركوا الكفر حتى تأكلوا، فلهذا السبب قال: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: فكلوا يا معشر المسلمين مما رزقكم الله يريد من الغنائم.
وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا عاديت الرجال فما بال النسوان والصبيان.
وكانت الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في حمل الطعام إليهم فحمل إليهم العظام فقال الله تعالى: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلَلاً طَيّباً ﴾ والقول ما قال ابن عباس رضي الله عنهما ويدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَا أُهِلَّ ﴾ الآية يعني أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً ﴾ أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته.
فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأوّلين قرية كانت هذه حالها، فضربها الله مثلا لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها ﴿ مُّطْمَئِنَّةً ﴾ لا يزعجها خوف، لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف ﴿ رَغَدًا ﴾ واسعاً.
والأنعم: جمع نعمة، على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع.
أو جمع نعم، كبؤس وأبؤس.
وفي الحديث: نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم بالموسم بمنى: «إنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا» فإن قلت: الإذاقة واللباس استعارتان، فما وجه صحتهما؟
والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، فما وجه صحة إيقاعها عليه؟
قلت: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمسّ الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب: شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المرّ والبشع.
وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس: ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث.
وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس، فكأنه قيل: فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف، ولهم في نحو هذا طريقان لابد من الإحاطة بهما، فإن الاستنكار لا يقع إلا لمن فقدهما، أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له، كما نظر إليه ههنا.
ونحوه قول كثير: غَمْرُ الرِّدَاءِ إذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكا ** غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقَابُ المَالِ استعارة الرداء للمعروف، لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه.
ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا صفة الرداء، نظر إلى المستعار له.
والثاني: أن ينظروا فيه إلى المستعار، كقوله: يُنَازِعُنِي رِدَائِي عَبْدُ عَمْرو ** رُوَيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرو بْنِ بَكْر ليَ الشطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِيِني ** وَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْرِ أراد بردائه سيفه، ثم قال: فاعتجر منه بشطر، فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقيل: فكساهم لباس الجوع والخوف، ولقال كثير: ضافي الرداء إذا تبسم ضاحكاً ﴿ وَهُمْ ظالمون ﴾ في حال التباسهم بالظلم، كقوله: (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) نعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة.
وقرئ: ﴿ والخوف ﴾ عطفاً على اللباس، أو على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
أصله: ولباس الخوف.
وقرئ: ﴿ لباس الخوف والجوع ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ عادَ إلى ذِكْرِهِمْ بَعْدَ ما ذَكَرَ مَثَلَهم.
﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ ﴾ أيْ حالَ التِباسِهِمْ بِالظُّلْمِ والعَذابِ ما أصابَهم مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ، أوْ وقْعَةُ بِدْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
{ولقد جاءهم رسول منهم} أي محمد صلى الله عليه وسلم {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العذاب وَهُمْ ظالمون} أي في حال التباسهم بالظلم قالوا إنه القتل بالسيف يوم بدر روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه إلى أهل مكة في سني القحط بطعام ففرق فيهم فقال الله لهم بعد أن أذاقهم الجوع
﴿ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكَّةُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ وعَطِيَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عُمَرَ قالَ: صَحِبْتُ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وهي خارِجَةٌ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فَأُخْبِرْتُ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ فَرَجَعْتُ وقالَتْ: ارْجِعُوا بِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَلْقَرْيَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى وتَلَتْ ما في الآيَةِ، ولَعَلَّها أرادَتْ أنَّها مَثَلُها ويُمْكِنُ حَمْلُ ما رُوِيَ عَنِ الخَبَرِ ومَن مَعَهُ عَلى ذَلِكَ، والمَعْنى جَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِأهْلِ مَكَّةَ أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا فَجُوزُوا بِما جُوزُوا، ودَخَلَ فِيهِمْ أهْلُ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
ولَعَلَّهُ المُخْتارُ ﴿ كانَتْ آمِنَةً ﴾ قِيلَ: ذاتَ أمْنٍ لا يَأْتِي عَلَيْها ما يُوجِبُ الخَوْفَ كَما يَأْتِي عَلى بَعْضِ القُرى مِن إغارَةِ أهْلِ الشَّرِّ عَلَيْها وطَلَبِ الإيقاعِ بِها ﴿ مُطْمَئِنَّةً ﴾ ساكِنَةً قارَّةً لا يَحْدُثُ فِيها ما يُوجِبُ الِانْزِعاجَ كَما يَحْدُثُ في بَعْضِ القُرى مِنَ الفِتَنِ بَيْنَ أهالِيها ووُقُوعِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ فَإنَّها قَلَّما تَأْمَنُ مِن إغارَةِ شِرِّيرٍ عَلَيْها وهَيْهاتَ هَيْهاتَ أنْ تَرى شَخْصَيْنِ مُتَصادِقَيْنِ فِيها: والمَرْءُ يَخْشى مِن أبِيهِ وابْنِهِ ويَخُونُهُ فِيها أخُوهُ وجارُهُ وقِيلَ: يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الِاطْمِئْنانَ أثَرُ الأمْنِ ولازَمَهُ مِن حَيْثُ إنَّ الخَوْفَ يُوجِبُ الِانْزِعاجَ ويُنافِي الِاطْمِئْنانَ، وفي البَحْرِ أنَّهُ زِيادَةٌ في الأمْنِ ﴿ يَأْتِيها رِزْقُها ﴾ أقْواتُها ﴿ رَغَدًا ﴾ واسِعًا ﴿ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ مِن جَمِيعِ نَواحِيها، وغُيِّرَ أُسْلُوبُ هَذِهِ الصِّفَةِ عَمّا تَقَدَّمَ إلى ما تَرى لِما أنَّ إتْيانَ الرِّزْقِ مُتَجَدِّدٌ وكَوْنَها آمِنَةً مُطَمْئِنَةً ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ ثَلاثَ نِعَمٍ جَمَعَها قَوْلُهُمْ: ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَهْ ∗∗∗ الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَهْ فَآمِنَةٌ إشارَةٌ إلى الأمْنِ (ومُطْمَئِنَّةً) إلى الصِّحَّةِ (ويَأْتِيها رِزْقُها) إلَخْ إلى الكِفايَةِ، وجُعِلَ سَبَبُ الِاطْمِئْنانِ مُلاءَمَةَ هَواءِ البَلَدِ لِأمْزِجَةِ أهْلِهِ وفِيهِ تَأمُّلٌ ﴿ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ ﴾ جَمْعُ نِعْمَةٍ كَشِدَّةٍ وأشُدٍّ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ لِأنَّ المُطَّرِدَ جَمْعُ فِعْلٍ عَلى أفْعُلٍ لا فِعْلَةٍ، وقالَ الفاضِلُ اليَمْنِيُّ: اسْمُ جَمْعٍ لِلنِّعْمَةِ، وقُطْرُبٌ: جَمْعُ نُعْمٍ بِضَمِّ النُّونِ كَبُؤْسٍ وأبْؤُسٍ، والنِّعَمُ عِنْدَهُ بِمَعْنى النَّعِيمِ، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هَذا يَوْمُ طُعْمٍ ونُعْمٍ، وعِنْدَ غَيْرِهِ بِمَعْنى النِّعْمَةِ، والمُرادُ بِالنِّعَمِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ قَبْلُ ولَعَلَّهُ في قُوَّةِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ بَلْ هو كَذَلِكَ، وفي إيثارِ جَمْعِ القِلَّةِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرانَ نِعَمٍ قَلِيلَةٍ أوْجَبَتْ هَذا العَذابَ فَما ظَنُّكَ بِكُفْرانِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ ﴿ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ) ﴾ شَبَّهَ أثَرَ الجُوعِ والخَوْفِ وضَرَرِهِما الغاشِي بِاللِّباسِ بِجامِعِ الإحاطَةِ والِاشْتِمالِ فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ لِلْإصابَةِ، وأُوثِرَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ التَّأْثِيرِ الَّتِي تَفُوتُ لَوِ اسْتُعْمِلَتِ الإصابَةُ، وبَيَّنُوا العَلاقَةَ بِأنَّ المُدْرَكَ مِن أثَرِ الضَّرَرِ شُبِّهَ بِالمُدْرَكِ مَن طَعْمِ المُرِّ البَشِعِ مِن بابِ اسْتِعارَةِ مَحْسُوسٍ لِمَعْقُولٍ لِأنَّ الوِجْدانِيّاتِ لَزَّتْ في قَرْنِ العَقْلِيّاتِ، وكَذا يُقالُ في الأوَّلِ، ولِشُيُوعِ اسْتِعْمالٍ الإذاقَةِ في ذَلِكَ وكَثْرَةِ جَرَيانِها عَلى الألْسِنَةِ جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ ولِذا جُعِلَ إيقاعُها عَلى اللِّباسِ تَجْرِيدًا، فَإنَّ التَّجْرِيدَ إنَّما يَحْسُنُ أوْ يَصِحُّ بِالحَقِيقِ أوْ ما أُلْحِقَ بِها مِنَ المَجازِ الشّائِعِ، فَلا فَرْقَ في هَذا بَيْنَ أذاقَها إيّاهُ وأصابَها بِهِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَكَساها إيثارًا لِلتَّرْشِيحِ لِئَلّا يَفُوتَ ما تُفِيدُهُ الإذاقَةُ مِنَ التَّأْثِيرِ والإدْراكِ وطَعْمِ الجُوعِ لِما في اللِّباسِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الشُّمُولِ.
وصاحِبُ المِفْتاحِ حَمَلَ اللِّباسَ عَلى انْتِفاعِ اللَّوْنِ ورَثاثَةِ الهَيْئَةِ اللّازِمَيْنِ لِلْجُوعِ والخَوْفِ، والِاسْتِعارَةُ حِينَئِذٍ مِن بابِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَحْسُوسِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى إذْ لا يُجِلُّ مَوْقِعَ الإذاقَةِ وتَكُونُ الإصابَةُ أبْلَغَ مَوْقِعًا.
ونُقِلَ عَنِ الأصْحابِ أنَّ لَفْظَ اللِّباسِ عِنْدَهم تَخْيِيلٌ، وبُيِّنَ ذَلِكَ بِأنْ يُشَبَّهَ الجُوعُ والخَوْفُ في التَّأْثِيرِ بِذِي لِباسٍ قاصِدٍ لِلتَّأْثِيرِ مُبالَغٍ فِيهِ فَيَخْتَرِعُ لَهُ صُورَةً كاللِّباسِ ويُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُهُ واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُلائِمُ بَلاغَةَ القُرْآنِ العَظِيمِ لِأنَّ الجُوعَ إذا شُبِّهَ بِالمُؤَثِّرِ القاصِدِ الكامِلِ فِيما تَوَلّاهُ ناسَبَ أنْ تُخْتَرَعَ لَهُ صُورَةٌ ما يَكُونُ آلَةً لِلتَّأْثِيرِ لا صُورَةَ اللِّباسِ الَّذِي لا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ صاحِبَ المِفْتاحِ يَرى أنَ التَّخْيِيلِيَّةَ مُسْتَعْمَلَةٌ في أمْرٍ وهْمِيٍّ تَوَهَّمَهُ المُتَكَلِّمُ شَبِيهًا بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ فاللِّباسُ إذا كانَ تَخْيِيلًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أمْرًا مُشْتَمِلًا عَلى الجُوعِ اشْتِمالَ اللِّباسِ كالقَحْطِ ومُشْتَمِلًا عَلى الخَوْفِ كَإحاطَةِ العَدُوِّ فَلا وجْهَ لِقَوْلِهِ: صُورَةُ اللِّباسِ مِمّا لا دَخْلَ لَهُ في التَّأْثِيرِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ مَعَ الفاعِلِ إلّا ذِكْرُ الآلَةِ لِلتَّأْثِيرِ مِمّا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ ولا يَتَأتّى التِزامُهُ في كُلِّ مَكْنِيَّةٍ، ألا تَراكَ لَوْ قُلْتَ: مَسافَةُ القَرِيضِ ما زالَ يَطْوِيها حَتّى نَزَلَ بِبابِهِ عَلى تَشْبِيهِ المَدْحِ بِمُسافِرٍ ثَبَتَ لَهُ المَسافَةُ تَخْيِيلًا وما بَعْدَهُ تَرْشِيحُ كانَتِ اسْتِعارَةً حَسَنَةً ولَيْسَ قَرِينَتُها آلَةً لِذَلِكَ الفاعِلِ بَلْ أمْرٌ مِن لَوازِمِهِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في كَلامِ البُلَغاءِ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يُفِيدُ عِنْدَ صَحِيحِ التَّخَيُّلِ تَمْيِيزَ ما نُقِلَ عَنِ الأصْحابِ عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا ولا مُساواتَهُ لَهُ، والمَشْهُورُ أنَّ في ( لِباسَ ) اسْتِعارَتَيْنِ تَصْرِيحِيَّةً ومَكْنِيَّةً، وبُيِّنَ ذَلِكَ بِأنْ شَبَّهَ ما غَشِيَ الإنْسانَ عِنْدَ الجُوعِ والخَوْفِ مِن أثَرِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ الِاشْتِمالُ بِاللِّباسِ فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ ومِن حَيْثُ الكَراهَةُ بِالطَّعْمِ المُرِّ البَشِعِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً نَظَرًا إلى الأوَّلِ ومَكْنِيَّةً إلى الثّانِيَةِ وتَكُونُ الإذاقَةُ تَخْيِيلًا، وفِيهِ بَحْثٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الطَّلَبَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِباسُ ﴿ الجُوعِ ﴾ كَلُجَيْنِ الماءِ أيْ أذاقَها اللَّهُ الجُوعَ الَّذِي هو في الإحاطَةِ كاللِّباسِ، والأوَّلُ أيْضًا أوْلى، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: غَمَرَ الرِّداءَ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقابُ المالِ فَإنَّهُ اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبَةِ صَوْنِ الرِّداءِ.
لِما يُلْقِي عَلَيْهِ وأضافَ إلَيْهِ الغَمْرَ وهو في وصْفِ المَعْرُوفِ اسْتِعارَةً جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ وحَقِيقَتُهُ مِنَ الغَمْرَةِ وهي مُعْظَمُ الماءِ وكَثْرَتُهُ، وتَقْدِيمُ الجُوعِ النّاشِئِ مِن فُقْدانِ الرِّزْقِ عَلى ( الخَوْفِ ) المُتَرَتِّبِ عَلى زَوالِ الأمْنِ المُقَدَّمِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى إتْيانِ الرِّزْقِ لِكَوْنِهِ أنْسَبَ بِالإذاقَةِ أوْ لِمُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ إتْيانِ الرِّزْقِ.
وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ «لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ» بِتَقْدِيمِ الخَوْفِ، وكَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ اللِّباسَ وعَدَّ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ تَفْسِيرًا لا قِراءَةً، ورَوى العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ «والخَوْفَ» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( لِباسَ ) وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ مَقامَهُ أيْ ولِباسَ الخَوْفِ.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وفي مُقابَلَةِ ما تَقَدَّمَ بِالجُوعِ والخَوْفِ فَقَطْ ما يُشِيرُ إلى عَدِّ الأمْنِ والِاطْمِئْنانِ كالشَّيْءِ الواحِدِ وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ والِانْزِعاجِ ﴿ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ فِيما قَبْلُ أوْ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ وهو الكُفْرانُ المَذْكُورُ، وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يَصْنَعُونَهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والبابُ عَلى الوَجْهَيْنِ بِسَبَبِيَّةٍ والضَّمِيرانِ قِيلَ: عائِدانِ عَلى- أهْلِ- المُقَدَّرِ المُضافِ إلى القَرْيَةِ بَعْدَ ما عادَتِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ إلى لَفْظِها، وقِيلَ: عائِداتٌ إلى القَرْيَةِ مُرادًا بِها أهْلُها.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أسْنَدَ ما ذُكِرَ إلى أهْلِ القَرْيَةِ تَحْقِيقًا لِلْأمْرِ بَعْدَ إسْنادِ الكُفْرانِ إلَيْها وإيقاعُ الإذاقَةِ عَلَيْها إرادَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، وفي صِيغَةِ الصَّنْعَةِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرانَ الصَّنِيعَةِ صَنْعَةٌ راسِخَةٌ لَهم وسُنَّةٌ مَسْلُوكَةٌ ﴿ ولَقَدْ جاءَهُمْ ﴾ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ، والضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى مَن عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرانِ قَبْلَهُ، وجِيءَ بِذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ ما صَنَعُوهُ مِن كُفْرانِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُزاحَمَةً مِنهم لِقَضِيَّةِ العَقْلِ فَقَطْ بَلْ كانَ ذَلِكَ مُعارَضَةً لِحُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلْقِ أيْضًا أيْ ولَقَدْ جاءَ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿ رَسُولٌ مِنهُمْ ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ فَأخْبَرَهم بِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ وأنْذَرَهم بِسُوءِ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ في رِسالَتِهِ أوْ فِيما أخْبَرَهم بِهِ مِمّا ذُكِرَ، فالفاءُ فَصِيحَةٌ وعَدَمُ ذِكْرِ ما أفْصَحَتْ عَنْهُ لِلْإيذانِ بِمُفاجَأتِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ ﴿ فَأخَذَهُمُ العَذابُ ﴾ المُسْتَأْصِلُ لِشَأْفَتِهِمْ غَبَّ ما ذاقُوا مِنهُ ما سَمِعْتَ ﴿ وهم ظالِمُونَ ﴾ أيْ حالَ التِباسِهِمْ بِالظُّلْمِ وهو الكُفْرانُ والتَّكْذِيبُ غَيْرُ مُقْلِعَيْنِ عَنْهُ بِما ذاقُوا مِنَ المُقَدِّماتِ الزّاجِرَةِ عَنْهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ وتَجاوُزِهِمْ في ذَلِكَ كُلَّ حَدٍّ مُعْتادٍ.
وتَرْتِيبُ أخْذِ العَذابِ عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ جَرى عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ وبِهِ يَتِمُّ التَّمْثِيلُ فَإنَّ حالَ أهْلِ مَكَّةَ سَواءٌ ضُرِبَ المَثَلُ لَهم خاصَّةً أوْ لَهم ولِمَن سارَ سِيرَتَهم كافَّةً أشْبَهُ بِحالِ أهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ مِنَ الغُرابِ بِالغُرابِ فَقَدْ كانُوا في حَرَمٍ آمِنٍ يُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ولا يَمُرُّ بِبالِهِمْ طَيْفٌ مِنَ الخَوْفِ ولا يُزْعِجُ قَطُّ قُلُوبَهم مُزْعِجٌ وكانَتْ تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم وأيُّ رَسُولٍ تَحارُ في إدْراكِ سُمُوِّ مَرْتَبَةِ العُقُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما اخْتَلَفَ الدَّبُّورُ والقَبُولُ فَأنْذِرِهم وحَذِّرْهم فَكَفَرُوا بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى وكَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأذاقَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ حَيْثُ أصابَهم بِدُعائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»».
ما أصابَهم مِن جَدَبٍ شَدِيدٍ وأزْمَةٍ ما عَلَيْها مَزِيدٌ فاضْطَرُّوا إلى أكْلِ الجِيَفِ والكِلابِ المَيْتَةِ والعِظامِ المَحْرُوقَةِ والعَلْهَزِ وهو طَعامٌ يُتَّخَذُ في سِنِي المَجاعَةِ مِنَ الدَّمِ والوَبَرِ وكانَ أحَدُهم يَنْظُرُ إلى السَّماءِ فَيَرى شِبْهَ الدُّخانِ مِنَ الجُوعِ وقَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ كانُوا يُغِيرُونَ عَلى مَواشِيهِمْ وعِيرِهِمْ وقَوافِلِهِمْ ثُمَّ أخَذَهم يَوْمَ بَدْرٍ ما أخَذَهم مِنَ العَذابِ هَذا ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وقالَ: إنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، وأمّا ما أجْمَعَ عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ جاءَهُمْ ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ والكَلامُ انْتِقالٌ إلى ذِكْرِ حالِهِمْ صَرِيحًا بَعْدَ ذِكْرِ مَثَلِهِمْ وأنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِالعَذابِ ما أصابَهم مِنَ الجَدْبِ ووَقْعَةُ بَدْرٍ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ كَيْفَ لا <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا يقول: وصف الله شبهاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يعني: مكة من العدو مُطْمَئِنَّةً من العدو أي: ساكنة مقيما أهلها بمكة يَأْتِيها رِزْقُها أي: يحمل إليها طعامها ورزق أهلها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي: موسعاً من كل أرض، يحمل إليها الثمار وغيرها فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ أي: طغت وبطرت.
ويقال: كفرت بمحمد فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ أي: عاقبهم الله تعالى بالجوع سبع سنين.
ومعنى اللباس هنا: سوء الحال، واصفرار الوجوه.
وَالْخَوْفِ يعني: خوف العدو، وخوف سرايا النبي ، بِما كانُوا يَصْنَعُونَ وذلك أن النبيّ دعا عليهم فقال: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» فاستجاب الله دعاءه، فوقع القحط والجدوبة حتى اضطروا إلى أكل الميتة والكلاب.
قال القتبي: أصل الذوق بالفم، ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ أي: ابتلاهم الله بالجوع والخوف، وظهر عليهم من سوء آثارهم، وتغير الحال عليهم.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ أي: محمد فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ أي: الجوع وَهُمْ ظالِمُونَ أي: كافرون.
ثم إن أهل مكة بعثوا أبا سفيان بن حرب إلى النبي فقال: يا رسول الله ما هذا البلاء، هبك عاديت الرجال، فما بال الصبيان والنساء؟
فأذن رسول الله بأن يحمل إليهم الطعام، فحمل إليهم الطعام، ولم يقطع عنهم وهم مشركون.
ثم قال: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً أي: من الحرث، والأنعام، حَلالًا طَيِّباً وهم خزاعة وثقيف وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ يعني: إن كنتم تريدون بذلك وجه الله ورضاء الله وعبادته، فإن رضاه أن تستحلوا ما أحلّ الله، وتحرّموا ما حرّم الله.
<div class="verse-tafsir"
إسحاق: نزلَتْ هذه الآية في عَمَّار بنَ ياسِرٍ، وعَيَّاشِ بنِ أبيَ رَبيَعَةَ، والوليدِ بنِ الوليد «١» .
قال ع: وذِكْرُ عَمَّارٍ في هذا عنْدي غيْرُ قويمٍ، فإنَهُ أرَفَعُ من طبقة هؤلاءِ، وإِنما هؤلاء مَنْ تَابَ ممَّن شرَحَ بالكُفْرِ صدراً، فتح اللَّه له بابَ التوبة في آخر الآية «٢» ، وقال عكرمةُ والحَسَن: نزلَتْ هذه الآية في شَأنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي سَرْحٍ وأشباهه «٣» فكأنه يقول:
مِنْ بَعْدِ ما فَتَنَهم الشَّيطانُ، وهذه الآية مدنية بلا خلافٍ، وإِن وجد، فهو ضعيفٌ، وقرأ «٤» الجمهور: «مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا» مبنيًّا للمفعول، وقرأ ابن عامر وحْده: «مَنْ بَعْدِ ما فَتَنُوا» - بفتح الفاء والتاء أي فَتَنُوا أنفسهم، والضمير في بَعْدِها عائدٌ على الفِتْنَةِ، أو على الفَعْلة، أو الهجْرةُ، أو التوبة، والكلامُ يعطيها، وإن لم يَجْر لها ذكْرٌ صريُحُ.
وقوله: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ: المعنى لغفورٌ رحيمٌ يوم، «ونَفْس» الأولى: هي النفْسُ المعروفةُ، والثانية هي بمعنى الذَّاتِ.
ت: قال المهدويُّ: يجوز أنْ ينتصب يَوْمَ على تقدير لغَفُورٌ رحيمٌ يَوْمَ، فلا يوقَفُ على رَحِيمٌ.
وقال ص: يَوْمَ تأتي ظرفٌ منصوبٌ ب رَحِيمٌ أو مفعولٌ به باذكر انتهى، وهذا الأخير أظهر، والله أعلم.
وقوله سبحانه: وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ، أي: يجازي كلُّ منْ أحْسَن بإحسانه، وكلُّ من أساء بإساءته.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ " رَسُولٌ مِنهم " يَعْنِي مُحَمَّدًا ، ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجُوعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: القَتْلُ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿ وَهم ظالِمُونَ ﴾ أيْ: كافِرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهُ فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ ﴾ ﴿ فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهُ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: القَرْيَةُ المَضْرُوبُ بِها المَثَلَ مَكَّةُ، كانَتْ بِهَذِهِ الصِفَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ؛ لَأنَّها كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغِيرُ عَلَيْها أحَدٌ، وكانَتِ الأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللهُ عَلَيْها بِرَسُولِهِ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ بِهَذِهِ الضَمائِرِ كُلِّها أهْلُ القَرْيَةِ فَكَفَرُوا بِأنْعُمِ اللهِ في ذَلِكَ وفي جُمْلَةِ الشَرْعِ والهِدايَةِ، فَأصابَتْهُمُ السِنُونَ والخَوْفُ وسائِرُ سَرايا رَسُولِ اللهِ وغَزَواتِهِ، هَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةٌ فَجُوعُ السِنِينَ وخَوْفُ العَذابِ مِنَ اللهِ بِحَسْبِ التَكْذِيبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَتْ هي الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا فَإنَّما ضُرِبَتْ لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها لِيَحْذَرَ أنْ يَقَعَ فِيما وقَعَتْ هي فِيهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها كانَتْ تَسْألُ في وقْتِ حَصْرِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما صَنَعَ الناسُ؟
وهي صادِرَةٌ مِنَ الحَجِّ مِن مَكَّةَ، فَقِيلَ لَها: قُتِلَ، فَقالَتْ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها القَرْيَةُ -تَعْنِي المَدِينَةَ- الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا ﴾ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأدْخَلَ الطَبَرِيُّ هَذا عَلى أنَّ حَفْصَةَ قالَتْ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ وإنَّها هي الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا، والأمْرُ عِنْدِي لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما أرادَتْ أنَّ المَدِينَةَ قَدْ حَصَلَتْ في مَحْذُورِ المَثَلِ، وحَلَّ بِها ما حَلَّ بِالَّتِي جُعِلَتْ مَثَلًا، وكَذَلِكَ يَتَوَجَّهُ عِنْدِي في الآيَةِ أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ جُعِلَتْ مَثَلًا، لَكِنَّهُ عَلى مَعْنى التَحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"رَغَدًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"أنْعُمِ" جَمْعُ نِعْمَةٍ، كَشِدَّةٍ وأشُدٍّ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ قُطْرُبٌ: أنْعُمٌ: جَمْعُ نُعْمٍ، وهي بِمَعْنى النَعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ نُعْمٍ وطُعْمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ ﴾ اسْتِعاراتٌ، أيْ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى: إذا ما الضَجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ لِباسًا ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُبَيْرِ مُجاشِعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَمّا كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم وأُلْصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ.قَوْلُهُ: "أذاقَها" نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ ، ونَظِيرَ قَوْلِ الشاعِرِ: دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاخْشَ وذُقْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والخَوْفِ" عَطَفًا عَلى "الجُوعِ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عنهُ-: "والخَوْفَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "لِباسَ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَأذاقَها اللهُ الخَوْفَ والجُوعَ" ولا يُذْكَرُ "لِباسَ".
والضَمِيرُ في "جاءَهُمْ" لِأهْلِ مَكَّةَ، والرَسُولِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، و"العَذابُ": الجُوعُ وأمْرُ بَدْرٍ ونَحْوَ ذَلِكَ إنْ كانَ التَمْثِيلُ بِمَكَّةَ وكانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً فَهو الجُوعُ فَقَطْ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ القَتْلُ بِبَدْرٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وإنْ كانَ التَمْثِيلُ بِمَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "جاءَهُمْ" لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، ويَكُونُ هَذا مِمّا جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ المَذْكُورُ لِأهْلِ مَكَّةَ، فَتَأمَّلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴾ الآيَةُ، هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ ومَعْنى حُكْمٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَكُلُوا" لِصِلَةِ الكَلامِ واتِّساقِ الجُمَلِ، خَرَجَ مِن ذِكْرِ الكافِرِينَ والمَثَلَ عَلَيْهِمْ إلى أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِشَرْعٍ ما فَوَصَلَ الكَلامَ بِالفاءِ، ولَيْسَتِ المَعانِي مُوصَلَةً.
هَذا قَوْلٌ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلُ المَعْنى، أيْ: وأنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ لَسْتُمْ كَهَذِهِ القَرْيَةِ، فَكُلُوا واشْكُرُوا اللهَ عَلى تَبايُنِ حالِكم مِن حالِ الكَفَرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ هي بِسَبَبِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَدْ سَنُّوا في الأنْعامِ سُنَنًا، وأحَلُّوا بَعْضًا وحَرَّمُوا بَعْضًا، فَأمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ جَمِيعِ الأنْعامِ الَّتِي رَزَقَها اللهُ عِبادَهُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: "طَيِّبًا"، والصَحِيحُ أنَّهُ "مُسْتَلَذًّا" بَعْدَ قَوْلِهِ: "حَلالًا"، ووَقَعَ النَصُّ في هَذا عَلى المُسْتَلَذِّ إذْ فِيهِ ظُهُورُ النِعْمَةِ، وهو عِظَمُ النِعَمِ، وإنْ كانَ الحَلالُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَلَذٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطَيِّبُ بِمَعْنى الحَلالِ، وكَرَّرَهُ مُبالِغَةً وتَوْكِيدًا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ إقامَةٌ لِلنُّفُوسِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: إنْ كُنْتَ مِنَ الرِجالِ فافْعَلْ كَذا، عَلى مَعْنى إقامَةِ نَفْسِهِ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خِطابًا لِلْكُفّارِ عن طَعامٍ كانَ رَسُولُ اللهِ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ في جُوعِهِمْ، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى هَذا القَوْلِ، وكَذَلِكَ هو فاسِدٌ مِن غَيْرِ وجْهٍ.
<div class="verse-tafsir"
لما أخبر عنهم بأنهم أذيقوا لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، وكان إنما ذكر مِن صُنعهم أنهم كفروا بأنعم الله، زيد هنا أن ما كانوا يصنعون عامّ لكل عمل لا يرضي الله غير مخصوص بكفرهم نعمةَ الله، وإن من أشنع ما كانوا يصنعون تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه منهم.
وذلك أظهر في معنى الإنعام عليهم والرّفق بهم.
وما من قرية أُهلكت إلا وقد جاءها رسول من أهلها ﴿ وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في أمّها رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ [سورة القصص: 59].
والأخذ: الإهلاك.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ في سورة الأعراف (95).
وتأكيد الجملة بلام القسم وحرففِ التّحقيق للاهتمام بهذا الخبر تنبيهاً للسامعين المعرّض بهم لأنه محل الإنذار.
وتعريف العذاب } للجنس، أي فأخذهم عذاب كقوله: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء لعلّهم يضرّعون ثم بدّلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مسّ آباءنا الضرّاء والسرّاء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ [سورة الأعراف: 95].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ﴾ يُرِيدُ بِالقَرْيَةِ أهْلَها ﴿ آمِنَةً ﴾ يَعْنِي مِنَ الخَوْفِ.
﴿ مُطْمَئِنَّةً ﴾ بِالخِصْبِ والدَّعَةِ.
﴿ يَأْتِيها رِزْقُها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أقْواتُها.
الثّانِي: مُرادُها.
﴿ رَغَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: طَيِّبًا.
الثّانِي: هَنِيئًا.
﴿ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ يَعْنِي مِنها بِالزِّراعَةِ، ومِن غَيْرِها بِالتِّجارَةِ، لِيَكُونَ اجْتِماعُ الأمْرَيْنِ لَهم أوْفَرَ لِسَكَنِهِمْ وأعَمَّ في النِّعْمَةِ عَلَيْها.
﴿ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: بِتَرْكِ شُكْرِهِ وطاعَتِهِ.
الثّانِي: بِأنْ لا يُؤَدُّوا حَقَّها مِن مُواساةِ الفُقَراءِ وإسْعافِ ذَوِي الحاجاتِ.
وَفي هَذِهِ القَرْيَةِ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى مَثَلًا أقاوِيلُ: أحَدُها: أنَّها مَكَّةُ، كانَ أمْنُها أنَّ أهْلَها آمِنُونَ لا يَتَفاوَزُونَ كالبَوادِي.
﴿ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ ﴾ وسَمّاهُ لِباسًا لِأنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الهُزالِ وشُحُوبَةِ اللَّوْنِ وسُوءِ الحالِ ما هو كاللِّباسِ، وقِيلَ إنَّ القَحْطَ بَلَغَ بِهِمْ إلى أنْ أكَلُوا القَدَّ والعِلْهِزَ وهو الوَبَرُ يُخْلَطُ بِالدَّمِ، والقَدُّ أدِيمٌ يُؤْكَلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها المَدِينَةُ آمَنَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ، ثُمَّ كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ بِقَتْلِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وما حَدَثَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِها مِنَ الفِتَنِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ وحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ بِأيِّ قَرْيَةٍ كانَتْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِن سائِرِ القُرى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة...
﴾ الآية.
قال: يعني مكة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ قال: هي مكة، ألا ترى أنه قال: ﴿ ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قرية كانت آمنة ﴾ قال: مكة.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب ﴾ قال: أخذهم الله بالجوع والخوف والقتل الشديد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ﴾ قال: فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل.
وفي قوله: ﴿ ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه ﴾ قال: أي والله يعرفون نسبه وأمره.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سليم بن عمر قال: صحبت حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خارجة من مكة إلى المدينة، فأخبرت أن عثمان قد قتل فرجعت.
وقالت: ارجعوا بي، فوالذي نفسي بيده إنها للقرية التي قال الله: ﴿ قرية كانت آمنة مطمئنة...
﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب.
قال: القرية التي قال الله: ﴿ كانت آمنة مطمئنة ﴾ هي يثرب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ ﴾ يعني أهل مكة، ﴿ رَسُولٌ مِنْهُمْ ﴾ يعني مِنْ نسبهم يعرفونه بأصله ونسبه، ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَاب ﴾ ، قال ابن عباس: يعني الجوع الذي كان بمكة (١) (٢) (٣) (١) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 501، والفخر الرازي 20/ 130، وأخرجه الطبري 14/ 187، بنحوه عن قتادة، وورد بلا نسبة في "تفسير القرطبي" 10/ 195، و"تفسير الألوسي" 14/ 245، ورجحه.
(٢) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 434، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 501، بنصه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 187.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 221، بنحوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ ﴾ إن المراد بالقرية مكة، فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم والعذاب الذي أخذهم القحط وغيره، وإن كانت القرية غير معينة، فالرسول من المتقدمين كهود وشعيب وغيرهما، والعذاب ما أصابهم من الهلاك ﴿ فَكُلُواْ ﴾ وما بعده مذكور في البقرة ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ ﴾ هذه الآية مخاطبة للعرب الذين احلوا أشياء وحرموا أشياء كالبحيرة وغيرها مما ذكر في سورة المائدة والنعام، ثم يدخل فيها كل من قال: بدل من الكذب وما في قوله بما تصف موصولة ويجز أن ينتصب الكذب بقوله تصف وتكون ما على هذا مصدرية ويكون قوله هذا حلال وهذا حرام معمول لا تقولوا ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ يعني عيشهم في الدنيا أو انتفاعهم بما فعلوه من التحليل والتحريم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما ينزل ﴾ من الإنزال.
ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف.
﴿ فتنوا ﴾ مبنياً للفاعل: ابن عامر.
﴿ والخوف ﴾ بالنصب: عباس ﴿ إبراهام ﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان.
﴿ في ضيق ﴾ بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل".
الآخرون بالفتح.
الوقوف: ﴿ مكان آية ﴾ لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ جملة معترضة ﴿ مفتر ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ غضب من الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.
﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الآخرة ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ وأبصارهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ وصبروا ﴾ لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله به ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ على الله الكذب ﴾ ط ﴿ لا يفلحون ﴾ ط، ه ﴿ قليل ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ لا لما مر ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه لا لأن ﴿ شاكر ﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ ﴿ لا نعمة ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حنيفاً ﴾ ط ه ﴿ المشركين ﴾ ط ه ﴿ اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ عوقبتم به ﴾ ط ﴿ للصابرين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ محسنون ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد .
قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: ﴿ وإذا بدلنا ﴾ ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها.
﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ فوائد النسخ والتبديل.
قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ.
ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه أخبر بتبديل مكان الآية.
وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.
﴿ قل نزله ﴾ أي القرآن ﴿ روح القدس ﴾ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود".
والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم ﴿ من ربك ﴾ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده.
وقوله: ﴿ بالحق ﴾ حال أي متلبساً بالحكمة والصواب.
﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ كقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به.
﴿ وهدى وبشرى ﴾ معطوفان على محل ﴿ ليثبت ﴾ أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.
ثم حكى شبهة أخرى عنهم.
كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه.
واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب.
وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي.
وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه.
وقيل: هو سلمان الفارسي.
ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً ﴿ لسان الذي ﴾ واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي ﴿ يلحدون ﴾ يميلون قولهم عن الاستقامة ﴿ إليه ﴾ لسان ﴿ أعجمي ﴾ غير بيّن ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ لسان عربي مبين ﴾ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.
قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.
ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً.
وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز.
ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ .
وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار.
وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه.
ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ وفيه أيضاً رد لقولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ الافتراء ﴿ وأولئك ﴾ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.
وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر.
وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم.
فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي.
قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب.
زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد.
ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة.
روي أن النبي قيل له: هل يكذب المؤمن؟
قال: لا.
وقرأ هذه الآية.
ثم إنه من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: ﴿ من كفر بالله ﴾ اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر.
واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ أي طاب منه نفساً واعتقده ﴿ فعليهم غضب ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿ الكاذبون ﴾ .
وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر.
وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب.
وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء.
قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم.
فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام.
وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه.
فأتى عمار رسول الله وهو يبكي فجعل رسول الله يمسح عينيه وقال : "إن عادوا لك فعد لهم بما قلت." فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر.
وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية.
وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار.
أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار.
وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.
ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب.
فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ.
ومنهم من قال: ليس له ذلك.
واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال.
ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده.
وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله.
ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام.
ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.
وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله.
ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه.
والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب.
قال بعض الأصوليين: في قوله: ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً.
وانتصاب ﴿ صدراً ﴾ على التمييز وأصله.
ولكن من شرح بالكفر صدره.
فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير.
قوله: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا ﴿ الدنيا على الآخرة ﴾ ولأجل أنه ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر.
وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم.
وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة.
﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ وقال في أوائل سورة هود ﴿ هم الأخسرون ﴾ لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون.
ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون".
وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها.
ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن.
قال جار الله: معنى ﴿ ثم إن ربك ﴾ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه.
ومعنى ﴿ إن ربك لهم ﴾ أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم.
ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير.
وتكرير "إن" لطول الكلام.
من قرأ ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر.
ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر.
وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم.
فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه بكرمه يغفر لهم إذا تابوا.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.
وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية.
ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: ﴿ ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴾ فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية.
والضمير في قوله: ﴿ من بعدها ﴾ يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر.
فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة.
قال الزجاج ﴿ يوم تأتي ﴾ منصوب بقوله: ﴿ رحيم ﴾ أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: ﴿ عن نفسها ﴾ إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس.
وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره.
ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم ﴿ هؤلاء أضلونا ﴾ ﴿ ما كنا مشركين ﴾ ونحو ذلك.
عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل يفعل ذلك.
ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها.
وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.
قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية.
فوصف الله تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة.
ثم قال: ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه.
قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.
قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف.
وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل".
قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة.
وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء.
عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.
نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟
قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً ما كان نبياً أما كان عربياً؟
كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي.
والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره.
فكانت الاستعارة مجردة.
ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب.
وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.
وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال.
ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع.
وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.
قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة.
قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: ﴿ يصنعون ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.
ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ ولقد جاءهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رسول منهم ﴾ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ﴾ متلبسون بالظلم.
قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة.
وقيل: القتل يوم بدر.
وقيل: إن قول ابن عباس أولى.
والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر.
﴿ فكلوا مما رزقكم الله ﴾ من الغنائم.
فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء.
وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟
وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ﴿ فكلوا ﴾ .
ورجح قول ابن عباس بأنه قال بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ لا تقولوا ﴾ أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم.
وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ بدل من الكذب ولك أن تنصب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ تصف ﴾ وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.
ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل.
ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.
وقوله: ﴿ تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر".
واللام في قوله: ﴿ لتفتروا ﴾ لام العاقبة لا الغرض.
والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ لم يكن فيه هذا البيان.
ثم أوعد المفترين بقوله: ﴿ إن الذين يفترون ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ متاع ﴾ قال الزجاج: أي متاعهم.
وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل.
والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم.
ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ يعني في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ {الأنعام: 146] ثم قال: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ كقوله هناك: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ .
ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.
وقوله: ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم.
﴿ إن ربك من بعدها ﴾ من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة.
ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله في آخر هذه السورة قائلاً: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة.
وكان رسول الله يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.
وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده.
وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم ﴿ قانتاً لله ﴾ قائماً بما يأمره الله.
وعن ابن عباس: مطيعاً لله ﴿ حنيفاً ﴾ مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه.
وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى.
﴿ ولم يك من المشركين ﴾ قط لا في الصغر ولا في الكبر ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة.
يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ عن قتادة: هي أن الله حببه إلى أهل الأديان كلها.
وقيل: الأموال والأولاد.
وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم".
﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ .
قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك ﴾ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.
قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟
فأجاب الله بقوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت.
فجعل عليهم السبت وشدد عليهم.
ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد.
وروى أبو هريرة عن النبي : "إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها.
والمعنى ﴿ إنما جعل ﴾ وبال ﴿ السبت ﴾ وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فيه ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.
وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة.
ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف.
سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول.
واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا.
فما وجه جعل الجمعة عيداً؟
والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى.
ثم أوعد اليهود بقوله: ﴿ وإن ربك ليحكم ﴾ الخ.
ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم بين وجه المتابعة فقال: ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ الآية.
وفيه أن طريقة إبراهيم في الدعوة كانت هكذا.
وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم.
فقوله: ﴿ بالحكمة ﴾ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال.
وقوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق.
وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: ﴿ وجادلهم بالتي ﴾ أي بالطريقة ﴿ التي هي أحسن ﴾ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً.
وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً.
فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة.
هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط.
وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.
ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله فقال: ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ الآية.
أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها.
ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً ﴿ وإن عاقبتم ﴾ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه.
والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب.
فوقف رسول الله على حمزة وقد مثل به.
وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده.
قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب.
ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية.
ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم ﴾ أمر الله أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.
وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم.
وفي قوله: ﴿ إن عاقبتم ﴾ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح.
ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً.
﴿ ولئن صبرتم لهو خير ﴾ أي صبركم خير لكم.
فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير ﴿ للصابرين ﴾ من جنسهم.
ثم صرح كل التصريح فقال: ﴿ واصبر ﴾ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر.
وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك ﴾ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع.
وأشار إليه بقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ قيل: أي على قتلى أحد.
وقيل: على الكافرين كقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين ﴾ وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ ولا تك في ضيق ﴾ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.
وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن.
ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ المعاصي كلها ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ استيفاء الزيادة ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في ترك أصل الانتقام.
فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة.
وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق.
واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص.
فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل.
التأويل: ﴿ وإذا بدلنا آية ﴾ إنه يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة.
﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر ﴿ يلحدون إليه أعجمي ﴾ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك ﴾ ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله.
﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله.
قال النبي : "ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .
﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه ﴿ إلا من أكره ﴾ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم ﴿ استحبوا ﴾ اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله ﴿ وإن الله لا يهدي ﴾ إلى حضرته ﴿ القوم الكافرين ﴾ بنعمته ﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ عما أعدّ الله لعباده الصالحين.
﴿ هم الخاسرون ﴾ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا ﴾ نفوسهم وهواهم ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ﴿ ثم جاهدوا ﴾ النفوس بسيوف الرياضات ﴿ وصبروا ﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ ﴿ يوم تأتي ﴾ أرباب النفوس ﴿ تجادل على نفسها ﴾ على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ﴿ قرية ﴾ هي قرية شخص الإنسان ﴿ كانت آمنة ﴾ أي آهلة وهو الروح الإنساني ﴿ مطمئنة ﴾ بذكر الله ﴿ يأتيها رزقها ﴾ من المواهب ﴿ من كل مكان ﴾ روحاني وجسماني ﴿ فكفرت ﴾ النفس الأمارة ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات ﴿ والخوف ﴾ وهو خوف الانقطاع عن الله ﴿ ولقد جاءهم رسول ﴾ الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ على عادة أهل الإباحة ﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ أي تابوا ﴿ حرمنا ﴾ من موانع الوصول ﴿ ما قصصنا عليك ﴾ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين.
﴿ وما ظلمناهم ﴾ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ممن له شركة مع الله في الوجود ﴿ اتبع ملة إبراهيم ﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ وأسري بمحمد راكباً ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم ".
﴿ وإن عاقبتهم ﴾ النفس الأمارة ﴿ فعاقبوا ﴾ أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها ﴿ بمثل ما عوقبتم به ﴾ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب.
﴿ ولئن صبرتم ﴾ على معاقبتهم ﴿ لهو خير ﴾ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.
﴿ واصبر ﴾ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.
﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له.
﴿ ولا تحزن ﴾ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.
﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.
قوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً ﴾ .
اختلف في ضرب المثل بهذه الآية، وفي نزولها: قال بعضهم: ضرب المثل لأهل مكة، وفيها نزلت - بقريات نزل بهم العذاب؛ بتكذيبهم رسلهم في بني إسرائيل، يحذر أهل مكة بتكذيبهم رسول الله نزول العذاب بهم كما نزل بأوائلهم.
وقال بعضهم: ضرب المثل لأهل المدينة، وفيهم نزل بأهل مكة؛ يحذر أهل المدينة؛ لئلا يكذبوا محمداً كما كذب أهل مكة؛ فيحل بهم كما حل بأهل مكة من الناس الجوع والخوف؛ بالتكذيب.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ .
قيل: هي مكة؛ أهلها كانوا آمنين فيها من خير أو شر، مطمئنين يأتيهم رزقهم من كل مكان.
ويحتمل قرية أخرى غيرها؛ كانوا على ما ذكر.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: كفرت بالشكر لأنعم الله، أي: لم يشكروها، ليس أنهم لم يروها من الله - - وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ ﴾ .
اللّباس: هو ما يستر وجوه الجواهر، ألا ترى أنه سمى الليل لباساً؛ لما ستر وجوه الأشياء؛ فعلى ذلك الجوع يرفع الستر واللباس الّذي كان قبل الجوع؛ لأن الجوع إذا اشتد غيّر وجه صاحبه، ورفع ستره، والجوع: ما ذكر أنه أصابهم جوع حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحرقة.
والخوف [ما] ذكر أنه بعث رسول الله إليهم؛ ألا ترى أنه قال: "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرةَ شَهْرَينِ" ، وقيل: الخوف: القتل.
وقوله: ﴿ رَغَداً ﴾ .
قال الكسائي: رغد الرجل إذا أصاب مالاً أو عيشاً من غير عناء وكدّ.
وقال القتبي: رغداً، أي كثيراً واسعاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ رَسُولٌ مِّنْهُمْ ﴾ ، أي: من أنفسهم، من نسبهم وحسبهم، يعرفونه، كقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ .
﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .
بالتكذيب؛ حيث وضعوا الشيء في غير موضعه، أو ظالمون على أنفسهم.
أخبر أنه بعث الرسول من جنسهم ومن حسبهم؛ لأنه إذا كان من غير جوهرهم لم يظهر لهم الآية من غير الآية، ولا الحجة من الشبهة؛ لأنه إذا خرج على غير المعتاد والطوق عرفوا أنه آية، وأنه حجة؛ إذ لا يعرفون من غير جوهرهم الخارج عن المعتاد والطوق، ويعرف ذلك من جوهرهم، وكذلك يعرف صدق من نشأ بين أظهرهم من كذبه، ولا يعرف إذا كان من غيرهم.
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ .
قال بعضهم: الحلال والطيب: واحد، وهو الحلال، كأنه قال: كلوا ما أحل لكم؛ كقوله: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ ، أي: ما حل لكم.
وقال بعضهم: ﴿ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ ، أي: حلالاً يطيب لكم ما تلذّذون به؛ لأن من الحلال ما لا تتلذذ به النفس ولا تستطيب؛ بل تكره، وقوله: تستطيب له أنفسكم وتتلذذ به، لا ما تستخبث [به]؛ لأنّ الله جعل غذاء البشر ما هو أطيب وألذ، وجعل للبهائم والأنعام ما هو أخبث وأخشن؛ لأن ما هو أطيب أدعى للشكر له.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ : لا تبعةَ عليكم.
وفي الآية دلالة أنه قد يرزق ما يخبث ولا يحل على ما يختارُهُ؛ حيث شرط فيه الحلال.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .
الشكر له عليهم لازم، وإن لم تعبدوا؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ : طاعته وطاعة رسوله واجبة، وإن لم يكونوا مؤمنين، أو يقول: وجّهوا شكر نعمه إليه إن كنتم عابدين له بجهة، أي: افعلوا العبادة له والشكر في الأحوال كلها.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ ﴾ .
أي: حرم أكل الميتة وما ذكر؛ كأنه قال هذا، وذكر على أثر تحريمهم أشياء أحل لهم - لحوماً حرموا على أنفسهم - أشياء أحل لهم: من الزرع والأنعام، والبحيرة والسّائبة، وما ذكر؛ فقال: لم يحرم ذاك؛ ولكن إنما حرّم ما ذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه، على هذا يجوز أن يخرج تأويله، وأمّا على الابتداء فإنه يبعد، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ ﴾ .
إلى ما ذكر من المحرمات.
﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ .
على ما نهى عنه، وهو الشبع؛ كقوله: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ .
﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ .
إليه.
وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ : يستحله في دينه؛ فلا عاد ولا متعدٍّ في أكله.
وقال بعضهم: غير باغ: على المسلمين مفارق بجماعتهم مُشَاقٍّ لهم، ولا عاد: عليهم؛ يستفهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم وأقاويلهم.
وأمّا تأويله عندنا: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ : على المسلمين سوى دفع الإهلاك عن نفسه، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ : متعد ومتجاوز اضطراره، ولا يحتمل ما قاله بعض الناس: غير باغ على الناس ولا متعد عليهم؛ لوجهين: أحدهما: أنه لا يحتمل البغي على الناس في حال الاضطرار؛ لأنه لا يقدر عليه والحال ما ذكر.
والثاني: أنه - وإن كان باغياً على ما ذكروا - لم يبح له التناول من الميتة؛ يكون باغياً على نفسه؛ لأنه إن لم يتناول هلكت نفسه؛ فيصير باغياً على نفسه فدلّ أنّه على ما ذكرنا.
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ ﴾ يحتمل: أي: لا تعودوا إلى ما وصفت ألسنتكم من الكذب هذا حلال وهذا حرام، وألا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم: هذا حلال وهذا حرام.
وعن ابن عباس - - قال: لا تقولوا لما أحللتموه: هذا حلال، ولما حرمتموه: هذا حرام، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ...
﴾ الآية [يونس: 59].
وفي هذه الآية دلالة ألا يسع لأحد أن يقول: هذا مما أحله الله وهذا مما حرمه الله؛ إلا بإذن من الله، ومن يقول بأن الأشياء في الأصل على الإباحة أو على الحظر؛ فهو مفتر بذلك على الله الكذب؛ لأن الله لم يأذن له أن يقول ذلك؛ بل نهاه عن ذلك مما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
أي: تكونوا مفترين على الله الكذب إذا قلتم ذا.
فإن قيل: كيف سماهم مفترين على الله بتسميتهم الحرام حلالاً، والحلال - حراماً؟
قيل: لأن التحليل والتحريم؛ والأمر والنهي - ربوبية، فإذا حرموا شيئاً أحله الله، أو أحلوا شيئاً حرّمه الله - فكأنهم على الله افتروا أنه حرم أو أحل، أو حرموا هم وأحلوا فأضافوا ذلك إلى الله - - أنه هو الذي حرم أو أحل فقد افتروا على الله؛ لأن من أحلّ شيئاً حرمه الله، أو حرم شيئاً أحلّه الله - فقد كفر وليس من انتفع بالمحرم، أو ترك الانتفاع بالمحلل - كفر؛ إنما يصير آثماً مجرماً، وكذلك تارك الأمر ومرتكب النهي.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
في تحليل ما حرم عليهم، وفي تحريم ما أحله، وقوْلهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لاَ يُفْلِحُونَ ﴾ .
أي: لا يفلحون وهم مفترون على الله، وأمّا إذا انتزعوا من الافتراء وتابوا أفلحوا، ولا يفلحون في الآخرة؛ إذا كانوا مفترين على الله في الدنيا.
ثم قوله: ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ .
على الابتداء؛ وإنما سمّى قليلاً - والله أعلم - لوجوه: أحدها: أن متاع الدنيا على الزوال والانقطاع؛ فكل ما كان على شرف الزوال والانقطاع فهو قليل، كما قيل لكلّ آتٍ: قريبٌ؛ لما يأتي لا محالة؛ فعلى ذلك كل زائِل منقطع - قليلٌ.
والثاني: سمي قليلاً؛ لما هو مشوب بالآفات والأحزان وأنواع البلايا والشدائِد؛ فهو قليل في الحقيقة، أو أنّه سمّاه قليلاً؛ لما أن متاع الدنيا قليل عما وعَدَ في الآخرة؛ فمتاعها من متاع الآخرة قليل؛ لما ليس فيها الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ .
وهو ما قصّ في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ ﴾ إلى قوله: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ...
﴾ الآية [النساء: 160].
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ .
بتحريم ما حرمنا عليهم؛ لأنا إنما حرمنا عليهم تلك الطيبات عقوبة لهم، وهو ما قال في سورة النساء، وهو قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ وهو ما قال: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ أخبر أنه إنما حرم عليهم ذلك؛ بظلم كان منهم عقوبة وجزاء لبغيهم، لكن هم ظلموا أنفسهم في ذلك.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ ؛ لأنهم عبيده وإماؤه؛ ولله أن يمتحن عباده وإماءه بتحريم مرة، وبتحليل ثانياً، ولكن ظلموا أنفسهم؛ حيث وجهوها إلى غير مالكها، أو صرفوا شكر ما أنعم عليهم إلى غيره.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ .
أي: عمل السوء بجهالة، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن الفعل فعل جاهل وسفيه وإن لم يجهل؛ يقال لمن عمل السوء: يا جاهل يا سفيه.
والثاني: جهل ما يحل به بعمله السوء.
ثم [قوله] ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ...
﴾ إلى آخره، يمكن أن يكون في الآية إضمار لم يذكر؛ لأنه قال: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ ﴾ ثم كرر ذلك الحرف على الابتداء من غير أن ذُكر له جواب، وهو قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ ﴿ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
فظاهر الجواب أن يقول: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ...
﴾ الآية [النحل: 110]؛ لكن يخرج على الإضمار، أو على التكرار: على إرادة التأكيد، أو على الابتداء والاكتفاء بجواب ذكره في موضع آخر.
ثم قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : هذا - والله أعلم - جوابه، أي: إن ربك من بعد التوبة لغفور رحيم، فهمُوا قبل أن يعمل السوء، والعرب قد تكرر أشياء على إرادة التأكيد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولقد جاء أهل مكة رسول منهم يعرفونه بالأمانة والصدق، وهو محمد ، فكذبوه فيما أنزله عليه ربه، فنزل بهم عذاب الله بالجوع والخوف، وهم ظالمون لأنفسهم بإيرادها موارد الهلاك حين أشركوا بالله، وكذبوا رسوله.
<div class="verse-tafsir" id="91.wbEzL"