الآية ٣٨ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٣٨ من سورة النحل

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٨ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن المشركين : أنهم حلفوا فأقسموا ( بالله جهد أيمانهم ) أي : اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان على أنه ( لا يبعث الله من يموت ) أي : استبعدوا ذلك ، فكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك ، وحلفوا على نقيضه .

فقال تعالى مكذبا لهم وردا عليهم : ( بلى ) أي : بلى سيكون ذلك ، ( وعدا عليه حقا ) أي : لا بد منه ، ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أي : فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وحلف هؤلاء المشركون من قريش بالله جَهْد أيمانِهِمْ حلفهم، لا يبعث الله من يموت بعد مماته، وكذبوا وأبطلوا في أيمانهم التي حلفوا بها كذلك، بل سيبعثه الله بعد مماته، وعدا عليه أن يبعثهم وعد عباده، والله لا يخلف الميعاد ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) يقول: ولكن أكثر قريش لا يعلمون وعد الله عباده ، أنه باعثهم يوم القيامة بعد مماتهم أحياء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ) تكذيبا بأمر الله أو بأمرنا، فإن الناس صاروا في البعث فريقين: مكذّب ومصدّق ، ذُكر لنا أن رجلا قال لابن عباس: إن ناسا بهذا العراق يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، ويتأوّلون هذه الآية ، فقال ابن عباس: كذب أولئك، إنما هذه الآية للناس عامَّة، ولعمري لو كان عليّ مبعوثا قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه ، ولا قسمنا ميراثه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال ابن عباس: إن رجالا يقولون: إن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، ويتأوّلون ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) قال: لو كنا نعلم أن عليا مبعوث، ما تزوّجنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، ولكن هذه للناس عامة.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع، في قوله ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ) قال: حلف رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم عند رجل من المكذّبين، فقال: والذي يرسل الروح من بعد الموت ، فقال: وإنك لتزعم أنك مبعوث من بعد الموت ، وأقسم بالله جهد يمينه: لا يبعث الله من يموت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا ، فقال المشرك: إنك تزعم أنك تُبعث بعد الموت ، فأقسم بالله جهد يمينه: لا يبعث الله من يموت ، فأنـزل الله ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن عطاء بن أبي رباح أنه أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: " قال الله: سبني ابن آدم، ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذّبني ولم يكن ينبغي له أن يكذّبني فأما تكذيبه إياي ، فقال ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ) قال: قلت ( بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ) وأما سبه إياي ، فقال: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وقلت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون [ ص: 95 ] قوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم هذا تعجيب من صنعهم ، إذ أقسموا بالله وبالغوا في تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث من يموت .

ووجه التعجيب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم يعجزونه عن بعث الأموات .

وقال أبو العالية : كان لرجل من المسلمين على مشرك دين فتقاضاه ، وكان في بعض كلامه : والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا ، فأقسم المشرك بالله : لا يبعث الله من يموت ; فنزلت الآية .

وقال قتادة : ذكر لنا أن ابن عباس قال له رجل : يا ابن عباس ، إن ناسا يزعمون أن عليا مبعوث بعد الموت قبل الساعة ، ويتأولون هذه الآية .

فقال ابن عباس : كذب أولئك !

إنما هذه الآية عامة للناس ، لو كان علي مبعوثا قبل القيامة ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه .بلى هذا رد عليهم ; أي بلى ليبعثنهم .وعدا عليه حقا مصدر مؤكد ; لأن قوله يبعثهم يدل على الوعد ، أي وعد البعث وعدا حقا .ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنهم مبعوثون .

وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله - تعالى - كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد .

وقد تقدم ويأتي

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن المشركين المكذبين لرسوله أنهم { أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ْ} أي: حلفوا أيمانا مؤكدة مغلظة على تكذيب الله، وأن الله لا يبعث الأموات، ولا يقدر على إحيائهم بعد أن كانوا ترابا، قال تعالى مكذبا لهم: { بَلَى ْ} سيبعثهم ويجمعهم ليوم لا ريب فيه { وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ْ} لا يخلفه ولا يغيره { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ْ} ومن جهلهم العظيم إنكارهم للبعث والجزاء،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ) وهم منكرو البعث ، قال الله تعالى ردا عليهم : ( بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأقسموا بالله جهد أيمانهم» أي غاية اجتهادهم فيها «لا يبعث الله من يموت» قال تعالى «بلى» يبعثهم «وعداً عليه حقا» مصدران مؤكدان منصوبان بفعلهما المقدر أي وعد ذلك وحقه حقا «ولكن أكثر الناس» أي أهل مكة «لا يعلمون» ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وحلف هؤلاء المشركون بالله أيمانًا مغلَّظة أن الله لا يبعث مَن يموت بعدما بَلِيَ وتفرَّق، بلى سيبعثهم الله حتمًا، وعدًا عليه حقًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون قدرة الله على البعث، فينكرونه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - سبحانه - : ( وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ .

.

.

) معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ ولا آبَاؤُنَا ) للإيذان بأنهم قد جمعوا بين إنكار التوحيد وإنكار البعث بعد الموت .والقسم : الحلف : وسمى الحلف قسما ، لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ومكذب والجهد - بفتح الجيم - المشقة .

يقال جهد فلان دابته وأجهدها ، إذا حمل عليها فوق طاقتها .

وجهد الرجل فى كذا ، إذا جد فيه وبالغ ، وبابه قطع .والمراد بقوله : ( جهد أيمانهم ) أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها بكل ألفاظ التأكيد والتوثيق ، على أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت ، لأنهم يزعمون أن إعادة الميت إلى الحياة بعد أن صار ترابا وعظاما نخرة ، أمر مستحيل .وقد أكدوا زعمهم هذا بالقسم ، للتدليل على أنهم متثبتون مما يقولونه ، ومتيقنون من صحة ما يدعونه ، من أنه لا يبعث الله من يموت .قال القرطبي .

قوله - تعالى - ( وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ .

.

) هذا تعجيب من صنعهم ، إذ أقسموا بالله وبالغوا فى تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث من يموت .ووجه العجب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم يعجزونه عن بعث الأموات .وقال أبو العالية : كان لرجل من المسلمين على مشرك دين فتقاضاه ، وكان فى بعض كلامه : والذى أرجوه بعد الموت إنه لكذا ، فأقسم المشرك بالله : لا يبعث الله من يموت ، فنزلت الآية .وفى البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم " قال الله - تعالى - كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمنى ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياى فقوله : لن يعيدنى كما بدأنى ، وأما شتمه إياى فقوله : اتخذ الله ولدا ، وأنا الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " .وقوله - سبحانه - : ( بلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) تكذيب لهم فيما زعموه من أن الله - تعالى - لا يبعث من يموت ، ورد عليهم فيما قالوه بغير علم .

و ( بلى ) حرف يؤتى به لإِبطال النفى فى الخبر والاستفهام .أى : بلى سيبعث الله - تعالى - الأموات يوم القيامة ، وقد وعد بذلك وعدا صدقا لا خلف فيه ولا تبديل ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة لجهلهم بكمال قدرة الله - تعالى - وعموم علمه ، ونفاذ إرادته ، وسمو حكمته .قال الجمل : " وقوله : ( وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ) هذان المصدران منصوبان على المصدر المؤكد ، أى : وعد ذلك وعدا ، وحق حقا .

وقيل : حقا نعتا لوعدا ، والتقدير ، بلى يبعثهم وعد بذلك وعد حقا " .وجئ بقوله ( عليه ) لتأكيد هذا الوعد ، تفضلا منه - سبحانه - وكرما .والمراد بالحق هنا : الصدق الذى لا يتخلف ، والثابت الذى لا يتبدل .أى : وعدا صادقا ثابتا لا يقبل الخلف ، لأن البعث من مقتضيات حكمته - سبحانه - .والمراد بأكثر الناس : المشركون ومن كان على شاكلتهم فى إنكار البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة .وفى التنصيص على أكثر الناس ، مدح للأقلية منهم ، الذين آمنوا بالبعث وبالآخرة وما فيها من حساب ، وهم المؤمنون الصادقون .هذا ، وقد حكى - سبحانه - مزاعم المشركين ورد عليها فى آيات كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - : ( زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ .

.

) وقوله - تعالى - : ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ .

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا القول بالبعث والحشر والنشر باطل، فكان القول بالنبوة باطلاً.

أما المقام الأول: فتقريره أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه، لأن الشيء إذا عدم فقد فنى ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فالذي يعود يجب أن يكون شيئاً مغايراً للأول فلا يكون عينه.

وأما المقام الثاني: وهو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة وتقريره من وجهين: الأول: أن محمداً كان داعياً إلى تقرير القول بالمعاد، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعياً إلى القول الباطل ومن كان كذلك لم يكن رسولاً صادقاً.

الثاني: أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب والترهيب عن العقاب، وإذا بطل ذلك بطلت نبوته.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ﴾ معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فنى وصار عدماً محضاً ونفياً صرفاً، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر غيره.

وهذا القسم واليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم ﴾ على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري، وأما بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح، لأنه كلام جلي متبادر إلى العقول فتركوه لهذا العذر.

ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان: الوجه الأول: أنه وعد حق على الله تعالى، فوجب تحقيقه، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعداً حقاً على الله تعالى، وهو التمييز بين المطيع وبين العاصي، وبين المحق والمبطل، وبين الظالم والمظلوم، وهو قوله: ﴿ لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كاذبين ﴾ وهذه الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة يونس.

والوجه الثاني: في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجداً للأشياء ومكوناً لها لا يتوقف على سبق مادة ولا مدة ولا آلة، وهو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته ومشئته، وليس لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وإذا كان كذلك، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الإبتداء وجب أن يكون قادراً عليه في الإعادة، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق، والقول إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضاً طعنهم في النبوة، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم ﴾ حكاية عن الذين أشركوا، وقوله: ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد النفي، أي بلى يبعثهم، وقوله: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا ﴾ مصدر مؤكد أي وعد بالبعث وعداً حقاً لا خلف فيه، لأن قوله يبعثهم دل على قوله وعد بالبعث، وقوله: ﴿ لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ من أمور البعث أي بلى يبعثهم ليبين لهم وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما أقسموا فيه.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ إن كان خطاباً مع المعدوم فهو محال، وإن كان خطاباً مع الموجود كان هذا أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال.

والجواب: أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق بما يعقلون، وليس خطاباً للمعدوم، لأن ما أراده الله تعالى فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الإسراع، ولو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما من السموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ قَوْلُنَا ﴾ مبتدأ و ﴿ أَن نَّقُولَ ﴾ خبره و ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف.

المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر والكسائي ﴿ فَيَكُونُ ﴾ بنصب النون، والباقون بالرفع قال الفراء: القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله: ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ ﴾ كلاماً تاماً ثم يخبر عنه بأنه سيكون كما يقال: إن زيداً يكفيه إن أمر فيفعل فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاماً مبتدأ، وأما القراءة بالنصب فوجهه أن تجعله عطفاً على أن نقول، والمعنى: أن نقول كن فيكون هذا قول جميع النحويين، قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصباً على جواب ﴿ كُنَّ ﴾ قال أبو علي لفظة كن وإن كانت على لفظة الأمر فليس القصد بها هاهنا الأمر إنما هو والله أعلم الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يبطل قوله إنه نصب على جواب ﴿ كُنْ ﴾ ، والله أعلم.

المسألة الرابعة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على قدم القرآن فقالوا قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ يدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون، فلو كان قوله: ﴿ كُنْ ﴾ حادثاً لافتقر إحداثه إلى أن يقول له كن وذلك يوجب التسلسل، وهو محال فثبت أن كلام الله قديم.

واعلم أن هذا الدليل عندي ليس في غاية القوة، وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ لا تفيد التكرار، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة طلقت طلقة واحدة فلو دخلت ثانياً لم تطلق طلقة ثانية فعلمنا أن كلمة إذا لا تفيد التكرار، وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل.

والوجه الثاني: أن هذا الدليل إن صح لزم القول بقدم لفظه كن وهذا معلوم البطلان بالضرورة، لأن لفظة: كن، مركبة من الكاف والنون، وعند حضور الكاف لم تكن النون حاضرة وعند مجيء النون تتولى الكاف، وذلك يدل على أن كلمة كن يمتنع كونها قديمة، وإنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديماً صفة مغايرة للفظة كن، فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا، والذي يقولون به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به.

والوجه الثالث: أن الرجل إذا قال إن فلاناً لا يقدم على قول، ولا على فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلاً لا يقول: إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه.

والوجه الرابع: أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه: الوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة، وما كان كذلك فهو محدث.

والوجه الثاني: أنه علق القول بكلمة إذا، ولا شك أن لفظة إذا تدخل للاستقبال.

والوجه الثالث: أن قوله: ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ ﴾ لا خلاف أن ذلك ينبئ عن الاستقبال.

والوجه الرابع: أن قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب قوله: ﴿ كُنْ ﴾ فتكون كلمة ﴿ كُنْ ﴾ متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً.

والوجه الخامس: أنه معارض بقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً  ﴾ ، ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً  ﴾ .

﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث  ﴾ .

﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ  ﴾ ، ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إماماً وَرَحْمَةً  ﴾ .

فإن قيل: فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام، ولكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب عنه؟.

قلنا: نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات، ونحن نقول بكونه محدثاً مخلوقاً.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله ﴾ معطوف على ﴿ وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ [النحل: 35] إيذاناً بأنهما كفرتان عظيمتان موصوفتان، حقيقتان بأن تحكيا وتدوّنا: توريك ذنوبهم على مشيئة الله، وإنكارهم البعث مقسمين عليه.

و ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد النفي، أي: بلى يبعثهم.

ووعد الله: مصدر مؤكد لما دلّ عليه بلى، لأن يبعث موعد من الله، وبين أنّ الوفاء بهذا الموعد حق واجب عليه في الحكمة ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم يبعثون أو أنه وعد واجب على الله؛ لأنهم يقولون: لا يجب على الله شيء، لا ثواب عامل ولا غيره من مواجب الحكمة ﴿ لِيُبَيّنَ لَهُمُ ﴾ متعلق بما دل عليه ﴿ بلى ﴾ أي يبعثهم ليبين لهم.

والضمير لمن يموت، وهو عام للمؤمنين والكافرين، والذين اختلفوا فيه هو الحق ﴿ وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ ﴾ كذبوا في قولهم: لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء، وفي قولهم: لا يبعث الله من يموت.

وقيل: يجوز أن يتعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً ﴾ [النحل: 36] أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على الضلالة قبله، مفترين على الله الكذب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ تَحْرِصْ ﴾ يا مُحَمَّدُ.

﴿ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ ﴾ مَن يُرِيدُ ضَلالَهُ وهو المَعْنِيُّ بِمَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ.

وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ (لا يُهْدى) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو أبْلَغُ.

﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ مَن يَنْصُرُهم بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم.

﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ إيذانًا بِأنَّهم كَما أنْكَرُوا التَّوْحِيدَ أنْكَرُوا البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ زِيادَةً في البَتِّ عَلى فَسادِهِ، ولَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْلَغَ رَدٍّ فَقالَ: ﴿ بَلى ﴾ يَبْعَثُهم.

﴿ وَعْدًا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ بَلى ﴾ فَإنْ يُبْعَثْ مَوْعِدٌ مِنَ اللَّهِ.

﴿ عَلَيْهِ ﴾ إنْجازُهُ لِامْتِناعِ الخُلْفِ في وعْدِهِ، أوْ لِأنَّ البَعْثَ مُقْتَضى حِكْمَتِهِ.

﴿ حَقًّا ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِلْوَعْدِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم يُبْعَثُونَ إمّا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ الَّتِي جَرَتْ عادَتُهُ بِمُراعاتِها، وإمّا لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ بِالمَأْلُوفِ فَيَتَوَهَّمُونَ امْتِناعَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ الأمْرَيْنِ فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم} معطوف على وقال الذين أشركوا {لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ بلى} هو إثبات لما بعد النفي أي بل يبعثهم {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا} وهو مصدر مؤكد لما دل عليه بلى لأن يبعث موعد من الله وبين أن

الوفاء بهذا الوعد حق {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} أن وعده حق أو أنهم يبعثون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ إنَّ أوَّلَ هَذِهِ الآياتِ رُبَّما يُوهِمُ نُصْرَةَ مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ لَكِنَّ آخِرَها مُشْتَمِلٌ عَلى الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ كَما قالَ الإمامُ الدّالَّةِ عَلى نُصْرَةِ مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ، ولَعَلَّ الأمْرَ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ عَلى ذَلِكَ ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ وهو إنْكارُهُمُ البَعْثَ، وهو عَلى ما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ قِيلَ: ولِتَضَمُّنِ الأوَّلِ إنْكارَ التَّوْحِيدِ وهَذا إنْكارُ البَعْثِ وهُما أمْرانِ عَظِيمانِ مِنَ الكُفْرِ والجَهْلِ حَسُنَ العَطْفُ بَيْنَهُما، والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ أيْضًا أيْ حَلَفُوا بِاللَّهِ ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ جاهِدِينَ في أيْمانِهِمْ لا ﴿ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَيِّتَ يَعْدَمُ ويَفْنى وأنَّ البَعْثَ إعادَةٌ لَهُ وأنَّهُ يَسْتَحِيلُ إعادَةُ المَعْدُومِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذِهِ الِاسْتِحالَةِ الفَلاسِفَةُ ولَمْ يُوافِقْهم في دَعْوى ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إلّا الكَرامِيَّةُ وأبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، واحْتَجُّوا عَلَيْها بِما رَدَّهُ المُحَقِّقُونَ، وبَعْضُهُمُ ادَّعى الضَّرُورَةَ في ذَلِكَ وأنَّ ما يُذْكَرُ في بَيانِهِ تَنْبِيهاتٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ نَقَلَ الإمامُ عَنِ الشَّيْخِ أبِي عَلِيِّ بْنِ سِينا أنَّهُ قالَ: كُلُّ مَن رَجَعَ إلى فِطْرَتِهِ السَّلِيمَةِ ورَفَضَ عَنْ نَفْسِهِ المَيْلَ والتَّعَصُّبَ شَهِدَ عَقْلُهُ الصَّرِيحِ بِأنَّ إعادَةَ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ مُمْتَنِعَةٌ وفي قَسَمِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ عَلى عَدَمِ البَعْثِ إشارَةٌ كَما قالَ في التَّفْسِيرِ إلى أنَّهم يَدَّعُونَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِذَلِكَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا جُوِّزَ إعادَةُ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ كَما هو رَأْيُ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ فَلا إشْكالَ في البَعْثِ أصْلًا.

وأمّا إنْ قُلْنا بِعَدَمِ جَوازِ الإعادَةِ لِقِيامِ القاطِعِ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ قِيلَ: نَلْتَزِمُ القَوْلَ بِعَدَمِ انْعِدامِ شَيْءٍ مِنَ الأبْدانِ حَتّى يَلْزَمَ في البَعْثِ إعادَةُ المَعْدُومِ وإنَّما عَرَضَ لَها التَّفَرُّقُ ويَعْرِضُ لَها في البَعْثِ الِاجْتِماعُ فَلا إعادَةَ لِمَعْدُومٍ، وفِيهِ بَحْثٌ وإنْ أُيِّدَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِن هُنا قالَ المَوْلى مِيرْزاجانُ: لا مَخْلَصَ إلّا بِأنْ يُقالَ بِبَقاءِ النَّفْسِ المُجَرَّدَةِ وإنَّ البَدَنَ المَبْعُوثَ مِثْلُ البَدَنِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا ولَيْسَ عَيْنَهُ بِالشَّخْصِ ولا يُنافِي هَذا قانُونَ العَدالَةِ إذِ الفاعِلُ هو النَّفْسُ لَيْسَ إلّا والبَدَنُ بِمَنزِلَةِ السِّكِّينِ بِالنِّسْبَةِ إلى القَطْعِ فَكَما أنَّ الأثَرَ المُتَرَتِّبَ عَلى القَطْعِ مِنَ المَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ إنَّما هو لِلْقاطِعِ لا لِلسِّكِّينِ كَذَلِكَ الأثَرُ المُتَرَتِّبُ عَلى أفْعالِ الإنْسانِ إنَّما هو لِلنَّفْسِ وهي المُتَلَذِّذَةُ والمُتَألِّمَةُ تَلَذُّذًا أوْ تَألُّمًا عَقْلِيًّا أوْ حِسِّيًّا فَلَيْسَ يَلْزَمُ خِلافُ العَدالَةِ، وأمّا الظَّواهِرُ الدّالَّةُ عَلى عَوْدِ ذَلِكَ الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ فَمُؤَوَّلَةٌ لِفَرْضِ القاطِعِ الدّالِّ عَلى الِامْتِناعِ، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: المُرادُ إعادَةُ مادَّتِهِ مَعَ صُورَةٍ كانَتْ أشْبَهَ الصُّوَرِ إلى الصُّورَةِ الأُولى فَتَدَبَّرْ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ يس تَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ الجَوْزِيِّ وأبِي العالِيَةِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِأنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ: وإنَّكَ لَتُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ وأقْسَمَ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ فَقَصَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ورَدَّهُ أبْلَغَ رَدٍّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلى ﴾ لِإيجابِ النَّفْيِ أيْ بَلى يَبْعَثُهم ( وعْدًا ) مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ( بَلى ) إذْ لا مَعْنى لَهُ سِوى الوَعْدِ بِالبَعْثِ والإخْبارِ عَنْهُ، ويُسَمّى نَحْوُ هَذا مُؤَكِّدًا لِنَفْسِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِمَحْذُوفٍ أيْ وعَدَ ذَلِكَ وعْدًا ( عَلَيْهِ ) صِفَةٌ ( وعْدًا ) والمُرادُ وعْدًا ثابِتًا عَلَيْهِ إنْجازُهُ وإلّا فَنَفْسُ الوَعْدِ لَيْسَ ثابِتًا عَلَيْهِ، وثُبُوتُ الإنْجازِ لِامْتِناعِ الخَلَفِ في وعْدِهِ أوْ لِأنَّ البَعْثَ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ.

﴿ حَقًّا ﴾ صِفَةٌ أُخْرى- لِوَعْدًا- وهي مُؤَكَّدَةٌ إنْ كانَ بِمَعْنى ثابِتًا مُتَحَقِّقًا ومُؤَسَّسَةً إنْ كانَ بِمَعْنى غَيْرَ باطِلٍ أوْ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِمَحْذُوفٍ أيْ حَقَّ حَقًّا ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِشُؤُونِ اللَّهِ تَعالى مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ الكَمالِ وبِما يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَجُوزُ وعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى سِرِّ التَّكْوِينِ والغايَةِ القُصْوى مِنهُ وعَلى أنَّ البَعْثَ مِمّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ لا ( يَعْلَمُونَ ) أنَّهُ تَعالى يَبْعَثُهُمْ، ونَعى عَلَيْهِمْ عَدَمَ العِلْمِ بِالبَعْثِ دُونَ العِلْمِ بِعَدَمِهِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَسَمِهِمْ لِيُعْلَمَ مِنهُ نَعْيُ ذاكَ بِالطَّرِيقِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما عِنْدَهم بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يُسَمّى عِلْمًا بَلْ هو تَوَهُّمُ صَرْفٍ وجَهْلٌ مَحْضٌ، وتَقْدِيرُ مَفْعُولِ ( يَعْلَمُونَ ) ما عَلِمْتَ هو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ فَيُكَذِّبُونَهُ قائِلِينَ: ﴿ لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ  ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ وكل من حلف بالله فهو جهد اليمين، وكانوا ينكرون البعث فحلفوا بالله حين قالوا: لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ فكذبهم الله عَزَّ وَجَلَّ في مقالتهم، فقال: بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا أوجبه على نفسه ليبعثنّهم بعد الموت.

وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أي: لا يصدقون بالبعث بعد الموت.

ثم قال: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ من الدين يوم القيامة، يعني: يبعثهم ليبين لهم أن ما وعدهم حقّ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: ليستبين لهم عند ما خرجوا من قبورهم أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ...

الآية: إِلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وقرأ حمزة والكسائِيُّ وعاصم «١» : «لاَ يَهْدِي» - بفتح الياء وكسر الدال-، وذلك على معنيين: أيْ: إِن اللَّه لا يَهْدِي من قضَى بإِضلاله، والمعنى الثاني: أنَّ العربَ تقُولُ: هَدَى الرَّجُلُ، بمعنى اهتدى.

وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ: الضمير في أَقْسَمُوا لكفَّار قريش، ثم رَدَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: بَلى، فأوجب بذلك البعث، وأَكْثَرَ النَّاسِ في هذه الآية: الكفَّار المكذِّبون بالبَعْث.

وقوله سبحانه: لِيُبَيِّنَ: التقدير: بلى يبعثه ليبيِّن لهم الذي يَخْتَلِفُونَ فيه.

وقوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ ...

الآية: المَقْصَدُ بهذه الآية إِعلامُ مُنْكِرِي البَعْث بِهَوَانِ أمره على اللَّه تعالى، وقُرْبِهِ في قُدْرته، لا ربِّ غيره.

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا: هؤلاء هُمُ الذين هاجروا إِلى أرض الحبشةِ، هذا قول الجمهورِ، / وهو الصحيحُ في سبب نزولِ الآية لأن هجرة المدينة لم تكُنْ وقْتَ نزول الآيةِ، والآيةُ تتناوَلُ كلَّ مَنْ هاجر أَولاً وآخراً، وقرأ جماعة «٢» خارجَ السبْعِ: «لَنُثْوِيَنَّهُمْ» ، واختلف في معنى الحسنة هنا، فقالتْ فرقة:

الحسنةُ عِدَةٌ بَبُقْعةٍ شريفةٍ، وهي المدينةُ، وذهبَتْ فرقةٌ إِلى أن الحسنة عامّة في كلّ أمر

مستحسَنٍ يناله ابنُ آدم، وفي هذا القولِ يدخُلُ ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: أنه كَانَ يُعْطِي المَالَ وَقْتَ القِسْمَة الرَّجُلَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ويقُولُ له: خُذْ ما وَعَدَكَ اللَّهُ في الدنيا، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثم يتلو هذه «١» الآية، ويدخل في هذا القولِ النَّصْرُ على العدوِّ، وفتْحُ البلادِ، وكلُّ أَمَلٍ بلغه المهاجرون، والضمير في يَعْلَمُونَ عائدٌ على كفار قريشٍ.

وقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا: من صفة المهاجرين.

وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ: هذه الآيةُ ردٌّ على كفَّار قريش الذينَ استبعدوا أنْ يبعثَ اللَّه بشراً رَسُولاً، ثم قال تعالى: فَسْئَلُوا، أي: قل لهم: فَسْئَلُوا، وأَهْلَ الذِّكْرِ هنا: أحبارِ اليهودِ والنصارَى قاله ابن عباس وغيره «٢» ، وهو أظهر الأقوال، وهم في هذه النازِلَةِ خاصَّة إِنما يخبرون بأنَّ الرسُلَ من البَشَر، وأخبارُهم حجَّة على هؤلاء، وقدْ أرسلَتْ قريشٌ إِلى يهودِ يَثْرِبَ يسألونهم ويُسْنِدُون إِليهم.

وقوله: بِالْبَيِّناتِ: متعلِّق بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: أرسلناهم بالبيِّنات، وقالتْ فرقة:

الباءُ متعلِّقة ب أَرْسَلْنا في أول الآية، والتقدير على هذا: وما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزُّبُرِ إِلاَّ رجالا، ففي الآية تقديم وتأخير، والزُّبُرِ: الكُتُبُ المزبورة.

وقوله سبحانه: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ...

الآية.

ت: وقد فعل صلّى الله عليه وسلّم ذلك، فبيَّن عن اللَّهِ، وأوْضَح، وقد أوتي صلّى الله عليه وسلّم جوامعَ الكَلِم، فأعرب عن دين اللَّهِ، وأفصح، ولنذكُر الآن طَرَفاً من حِكَمِهِ، وفصيحِ كلامِهِ بحذف أسانيده، قال عِياضٌ في «شِفَاهُ» : وأما كلامه صلّى الله عليه وسلّم المعتادُ، وفصاحَتُه المعلومةُ، وجوامُع كَلِمِهِ، وحِكَمُه المأثورةُ، فمنها ما لا يُوَازَى فصاحةً، ولا يبارَى بلاغةً كقوله: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» «٣» ، وقوله: «النّاس

كأسنان المشط» «١» ، «والمرء مَعَ مَنْ أَحَبَّ» «٢» ، و «لاَ خَيْرِ فِي صُحْبَةِ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ مَا تَرَى لَهُ» «٣» ، و «النَّاسُ مَعَادِنٌ» «٤» ، و «مَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَهُ» ، و «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» ، و «هو بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم» «٥» ، و «رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ عَنْ شرّ فسلم» ،

وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» ، و «أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ» ، و «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ منّي

مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطّئون أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ» ، وقوله: «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يَعْنِيهِ، وَيَبْخَلُ بِمَا لاَ يُغْنِيهِ» ، وقوله: «ذُو الوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» / وَنَهْيُهُ عَنْ قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ «١» ، وقوله: «اتق اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها،

وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حسنٍ» «١» و «خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُها» ، وقوله: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَّا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَّا» ، وقوله: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَة» ، وقولِهِ في بَعْضِ دعائه: «اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي، وَتُلِمُّ بِهَا شَعْثِي «٢» ، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي، وتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رَشَدِي، وَتُرَدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الفَوْزَ فِي القَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ» ، إِلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ بيانِهِ، وحُسْنِ كلامه ممَّا روته الكافَّة مما لا يُقَاسُ به غيره، وحاز فيه سبقاً لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ كقوله:

«السَّعَيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» في أخواتها مما يدرك الناظِرُ العَجَبَ في مضمَّنها، ويذهَبُ به الفكْرُ في أداني حكمها، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ» ، فجمع اللَّه له بذلك قُوَّة عارضَةِ الباديةِ وجزالَتَهَا، وَنَصَاعَةَ ألفاظِ الحاضِرَةِ وَرَوْنَقَ كلامِهَا، إِلى التأييد الإلهي الذي مَدَدُهُ الوَحْي، الذي لا يحيطُ بعلمه بَشَرِيّ.

انتهى.

وبالجملة فليس بَعْدَ بيان اللَّه ورسُولِهِ بيانٌ لمن عَمَّر اللَّهُ قلْبَه بالإِيمان.

وقوله سبحانه: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ...

الآية: تهديدٌ لكفَّار مكَّة ونَصْبُ السيئات ب مَكَرُوا وعُدِّيَ مَكَرُوا لأنه في معنى عملوا، قال البخاريُّ: قال ابن عباس: فِي تَقَلُّبِهِمْ، أي: في اختلافهم «٣» انتهى.

وقال المهدويُّ: قال قتادة: فِي تَقَلُّبِهِمْ: في أسفارهم «٤» ، الضَّحَّاك: فِي تَقَلُّبِهِمْ: باللْيلِ انتهى.

وقوله: عَلى تَخَوُّفٍ، على جهة التخُّوف، والتخُّوفُ التنقُّص، وروي أن عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه خَفِيَ عليه معنى التخُّوف في هذه الآية، وأراد الكَتْبَ إلى الأمصار يسأل عن ذلك، فيروَى أنه جاءه فَتًى مِن العرب، فقال: يا أمير المؤمِنِين، إِنَّ أَبي يتخَّوفُنِي مَالي، فقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ!

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «٥» ، ومنه قول النابغة: [الطويل]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دَيْنٌ، فَأتاهُ يَتَقاضاهُ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ: والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَقالَ المُشْرِكُ: وإنَّكَ لَتَزْعُمُ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ ؟!

فَأقْسَمَ بِاللَّهِ ﴿ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

و ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ مُفَسَّرٌ في (المائِدَةِ:٥٣) .

وقَوْلُهُ: ﴿ بَلى ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: " بَلى " لَيَبْعَثَنَّهم " وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالبَعْثِ، فَيَكُونُ المَعْنى: بَلى يَبْعَثُهم فَيُبَيِّنُ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا ﴾ لِيُبَيِّنَ لَهم.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، يُبَيِّنُ لَهم بِالبَعْثِ ما خالَفُوا المُؤْمِنِينَ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ ﴾ أيْ: فِيما أقْسَمُوا عَلَيْهِ مِن نَفْيِ البَعْثِ.

ثُمَّ أخْبَرَ بِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: " فَيَكُونُ " رَفْعًا، وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ " فَيَكُونَ " نَصْبًا.

قالَ مَكِّيُّ بْنُ إبْراهِيمَ: مَن رَفَعَ، قَطَعَهُ عَمّا قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَهو يَكُونُ، ومَن نَصَبَ، عَطَفَهُ عَلى " يَقُولَ "، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وقَدْ فَسَّرْناهُ في (البَقَرَةِ:١١٧) .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سُمِّيَ الشَّيْءُ قَبْلَ وُجُودِهِ شَيْئًا ؟

فالجَوابُ: أنَّ الشَّيْءَ وقَعَ عَلى المَعْلُومِ عِنْدَ اللَّهِ قَبْلَ الخَلْقِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ عُويِنَ وشُوهِدَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في سِتَّةٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وعايِشٍ وجَبْرٍ مَوْلَيانِ لِقُرَيْشٍ، أخَذَهم أهْلُ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهم، لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، قالَهُ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ المُهاجِرِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

ومَعْنى ﴿ هاجَرُوا في اللَّهِ ﴾ ، أيْ: في طَلَبِ رِضاهُ وثَوابِهِ ﴿ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ بِما نالَ المُشْرِكُونَ مِنهم، ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ وفِيها خَمْسَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: لَنُنْزِلَنَّهُمُ المَدِينَةَ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَنُبَوِّئَنَّهم دارًا حَسَنَةً وبَلْدَةً حَسَنَةً.

والثّانِي: لَنَرْزُقَنَّهم في الدُّنْيا الرِّزْقَ الحَسَنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: النَّصْرُ عَلى العَدُوِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ما بَقِيَ بَعْدَهم مِنَ الثَّناءِ الحَسَنِ، وصارَ لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وقَدْ رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ مُجاهِدٍ، فَرَوى عَنْهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ قالَ: لِسانٌ صادِقٌ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا، قالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: فَتَكُونُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ " لَنُبَوِّئَنَّهم "، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، إلّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: الجَنَّةَ، ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.

وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ، قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أثْنى عَلَيْهِمْ ومَدَحَهم بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ أيْ: عَلى دِينِهِمْ، لَمْ يَتْرُكُوهُ لِأذًى نالَهم، وهم في ذَلِكَ واثِقُونَ بِرَبِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللهَ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مَن ناصِرِينَ ﴾ ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لَمّا أشارَ قَوْلُهُ: ﴿ فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ  ﴾ إلى إقامَةِ الحُجَّةِ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ بَيْنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ إنَّهُ بَعْثَ الرُسُلِ آمِرًا بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.

و"الطاغُوتَ" في اللُغَةِ كُلُّ ما عَبَدَ مِن دُونِ اللهِ مِن آدَمِيٍّ راضٍ بِذَلِكَ أو حَجَرٍ أو خَشَبٍ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِنهم مَنِ اعْتَبَرَ وهَداهُ اللهُ ونَظَرَ بِبَصِيرَتِهِ، ومِنهم مَن أعْرِضُ وكَفَرَ فَحَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ، وهي مُؤَدِّيَةٌ إلى النارِ حَتْمًا، ومِنهم مَن أدَّتْهُ إلى عَذابِ اللهِ في الدُنْيا، ثُمَّ أحالَهم في عِلْمِ ذَلِكَ عَلى الطَلَبِ في الأرْضِ، واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَواقِبِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ،.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَحْرِصْ ﴾ الآيَةُ، الحِرْصُ: أبْلَغُ الإرادَةِ في الشَيْءِ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أيْ أنَّ حِرْصَكَ لا يَنْفَعُ، فَإنَّها أُمُورٌ مَحْتُومَةٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ، وشِبْلُ، ومُزاحِمُ الخُراسانِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العَطارِدِيِّ، وابْنُ سِيرِينِ: "لا يُهْدى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِّ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٍ، وذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أيْ أنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن قَضى بِإضْلالِهِ، والمَعْنى الآخَرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "يَهْدِي الرَجُلُ" بِمَعْنى "اهْتَدى"، حَكاهُ الفَرّاءُ، وفي القُرْآنِ: ﴿ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى  ﴾ ، وجَعَلَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ بِمَعْنى "يَهْتَدِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُهْدِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، وهي ضَعِيفَةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَإنَّ اللهَ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، وحَكاها أبُو حاتِمٍ: "فَإنَّهُ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الراجِعُ إلى اسْمِ "إنَّ" مُقَدَّرٌ في "يُضِلُّ" عَلى كُلِّ قِراءَةٍ إلّا قِراءَةَ "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، أيْ: يَهْدِي اللهُ، فَإنَّ الراجِعَ مُقَدَّرٌ في "يَهْدِي".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ ضَمِيرٌ عَلى مَعْنى "مِن"، وتَقُولُ العَرَبُ: حَرَصَ يَحْرُصُ وحَرَصَ يَحْرِصُ، والكَسْرُ في المُسْتَقْبَلِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِ الراءِ في قَوْلِهِ "حَرَصَ" وقَرَأ إبْراهِيمُ: "وَإنْ تَحْرِصْ" بِزِيادَةِ الواوِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَأقْسَمُوا" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ جاوَرَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: "لا والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ"، فَقالَ لَهُ الكافِرُ: "أو بَعَثَ بَعْدَ المَوْتِ"؟

قالَ: "نَعَمْ"، فَأقْسَمَ الكافِرُ مُجْتَهِدًا في يَمِينِهِ أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ أحَدًا بَعْدَ المَوْتِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، و"جَهْدَ" مَصْدَرٌ، ومَعْناهُ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: "بَلى" فَأوجَبَ بِذَلِكَ البَعْثَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ، وقَرَأ الضَحاكُ: "بَلى وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ" بِالرَفْعِ في المَصْدَرَيْنِ، وَأكْثَرُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ مِمّا يُجَوِّزُهُ العَقْلُ، وأثْبَتَهُ خَبَرُ الشَرِيعَةِ عَلى لِسانِ جَمِيعِ النَبِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ الشِيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وإنَّ اللهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُنْيا، وهَذا هو القَوْلُ بِالرَجْعَةِ، وقَوْلُهم هَذا باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللهِ، وبُهْتانٌ مِنَ القَوْلِ رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال لحكاية مقالة أخرى من شنيع مقالاتهم في كفرهم، واستدلال من أدلّة تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به إظهاراً لدعوته في مظهر المحال، وذلك إنكارهم الحياة الثانية ولبعث بعد الموت.

وذلك لم يتقدم له ذكر في هذه السورة سوى الاستطراد بقوله: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ [سورة النحل: 22].

والقسم على نفي البعث أرادوا به الدّلالة على يقينهم بانتفانه.

وتقدّم القول في جهد أيمانهم } عند قوله تعالى: ﴿ أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ في سورة العقود (53).

وإنما أيقنوا بذلك وأقسموا عليه لأنّهم توهّموا أن سلامة الأجسام وعدم انخرامها شرط لقبولها الحياة، وقد رأوا أجساد الموتى معرّضة للاضمحلال فكيف تعاد كما كانت.

وجملة لا يبعث الله من يموت } عطف بيان لجملة ﴿ أقسموا ﴾ وهي ما أقسموا عليه.

والبعث تقدّم آنفاً في قوله تعالى: ﴿ وما يشعرون أيّان يبعثون ﴾ [سورة النمل: 65].

والعدول عن (الموتى) إلى ﴿ من يموت ﴾ لقصد إيذان الصّلة بتعليل نفي البعث، فإن الصّلة أقوى دلالة على التعليل من دلالة المشتق على عليّة الاشتقاق، فهم جعلوا الاضمحلال منافياً لإعادة الحياة، كما حكي عنهم ﴿ وقال الذين كفروا أإذا كنا تراباً وآباؤنا أإنا لمخرجون ﴾ [سورة النمل: 67].

و ﴿ بَلى ﴾ حرف لإبطال النفي في الخبر والاستفهام، أي بل يبعثهم الله.

وانتصب ﴿ وعداً ﴾ على المفعول المطلق مؤكداً لما دلّ عليْه حرف الإبطال من حصول البعث بعد الموت.

ويسمى هذا النوع من المفعول المطلق مؤكداً لنفسه، أي مؤكداً لمعنى فعل هو عين معنى المفعول المطلق.

و ﴿ عليه ﴾ صفة ل ﴿ وعداً ﴾ ، أي وعداً كالواجب عليه في أنه لا يقبل الخلف.

ففي الكلام استعارة مكنية.

شبه الوعد الذي وعده الله بمحض إرادته واختياره بالحقّ الواجب عليه ورُمز إليه بحرف الاستعلاء.

و ﴿ حقاً ﴾ صفة ثانية ل ﴿ وعداً ﴾ .

والحقّ هنا بمعنى الصدق الذي لا يتخلّف.

وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ في سورة براءة (111).

والمراد بأكثر الناس المشركون، وهم يومئذٍ أكثر الناس.

ومعنى لا يعلمون} أنهم لا يعلمون كيفيّة ذلك فيقيمون من الاستبعاد دليل استحالة حصول البعث بعد الفناء.

والاستدراك ناشئ عن جعله وعداً على الله حقّاً، إذ يتوهّم السامع أن مثل ذلك لا يجهله أحد فجاء الاستدراك لرفع هذا التوهّم، ولأن جملة ﴿ وعداً عليه حقاً ﴾ تقتضي إمكان وقوعه والناس يستبعدون ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما ظَلَمَهم أهْلُ مَكَّةَ حِينَ أخْرَجُوهم إلى الحَبَشَةِ بَعْدَ العَذابِ والإبْعادِ.

﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُزُولُ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ.

الثّانِي: الرِّزْقُ الحَسَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لِسانُ صِدْقٍ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّهُ ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: أنَّهُ ما بَقِيَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ.

وَقالَ داوُدُ بْنُ إبْراهِيمَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سَهْلٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ عَذَّبَهم أهْلُ مَكَّةَ حَتّى قالُوا لَهم ما أرادُوا في الدُّنْيا، فَلَمّا خَلَّوْهم هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ.

وَرُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ إذا دَفَعَ إلى المُهاجِرِينَ العَطاءَ قالَ: هَذا ما وعَدَكُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما خَوَّلَكم في الآخِرَةِ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به والذي أرجوه بعد الموت، أنه لكذا وكذا.

فقال له المشرك: إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت...

فأقسم بالله جهد يمينه: لا يبعث الله من يموت.

فأنزل الله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن علي في قوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ قال: نزلت في.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: «قال الله: سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني.

فأما تكذيبه إياي فقال: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ وقلت: ﴿ بلى وعداً عليه حقاً ﴾ وأما سبه إياي فقال: ﴿ إن الله ثالث ثلاثة ﴾ وقلت ﴿ هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ﴾ ﴿ الصمد ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ليبين لهم الذي يختلفون فيه ﴾ قال: للناس عامة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ مضى الكلام في هذا في سورة الأنعام [109]، قال ابن عباس: أغلظوا في الأيمان تكذيبًا منهم بقدرة الله على البعث بعد الموت (١) ﴿ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ ، أي: لَيَبْعَثَنَّهم وعدًا عليه حقًّا، وهو مصدر مؤكد؛ أي وعدَ البعثِ وعدًا حقًّا لا خُلْفَ فيه؛ لأنه إذا قال يبعثهم دَلَّ على وعدٍ بالبعث وعدًا.

(١) انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق سيسي 2/ 394، وورد بلا نسبة في "تفسير ابن كثير" 2/ 627.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بلى ﴾ ردّ على الذين أقسموا ﴿ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ﴾ أي أنه يبعثه ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ اللام تتعلق بما دل عليه أي يبعثهم ليبين لهم، وهذا برهان أيضاً على البعث، فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم، فيبعثهم الله ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ﴾ الآية: برهان أيضاً على البعث، لأنه داخل تحت قدرة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ .

فإن قيل: لنا: ما الحكمة والفائدة في ذكر قسمهم الذي أقسموا في القرآن؛ وجعل ذلك آية تتلى؟

وذلك القسم الذي أقسموا كان بحضرة النبي  وأصحابه، وهم علموا ذلك ليس كالأنباء والقصص التي كانت من قبل، إذ كان ذلك شيئاً غاب عنه لم يشهدها؛ فأخبرهم على ما كان، ففي ذلك إثبات رسالته ونبوّته؟

فالحكمة والفائدة من ذكرها في القرآن؛ وجعلها آيات تتلى؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وأمّا القسم الذي أقسموا ليس فيه ما ذكرنا من إثبات الرسالة؛ وهم قد علموا ذلك؛ فما الفائدة في ذكره؟

قيل: يشبه أن يكون ذكره لنا - عز وجل - لنعلم نحن عظيم سفه أولئك؛ وقلة عقولهم، وحلم الرسول واحتمال ما احتمل منهم من الأذى والمكروه؛ لنعلم نحن أن كيف يعامل السفهاء؛ وأهل الفساد؛ والعصاة من الناس؛ على ما عامل رسل الله أقوامهم؛ مع عظيم سفههم وقلة عقلهم، فذلك فائدة ذكر قسمهم في القرآن قد تكلف أولئك الكفرة الكبراء منهم في تلبيس [الآيات والحجج] التي أتت بها الرسل: مرة بالقسم الذي ذكر؛ حيث أقسموا بالله جهد أيمانهم أنه لا يبعثون، ومرة بالنسبة إلى السحر، ومرة بالافتراء، ومرة بالنسبة إلى الجنون، وفي الإنباء بأنه إنما يعلمه بشر منا، يريدون بذلك التلبيس على الأتباع.

ثم البعث واجب بالعقل، والحكمة، وأخبار الرسل؛ إذ ليس خبر أصدق من أخبار الرسل وآثارهم، وهم ممن يقبلون الأخبار، فأخبار الرسل أولى بالقبول والتصديق من غيرهم؛ لأن معهم آيات صدقهم ودلالات تحقيقهم.

وأما العقل فهو أن كون هذا العالم وإنشاءه للفناء خاصة خارج عن الحكمة، إذ كل عمل لا يكون له عاقبة [حميدة] عبث، وهو كما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...

﴾ الآية [المؤمنون: 115] أخبر أنه إذا لم يكن رجوع إليه يكون خلقه إياهم عبثاً.

وأما الحكمة فهي أن الانتقام لأوليائه من الظلمة واجب لظلمهم، والإحسان لأهل الإحسان، فلو لم يكن بعث والحياة بعد الموت؛ لينتقم من الظالم لظلمه، ويجزي المحسن لإحسانه يذهب فائدة الترغيب على الطاعة والإحسان، ووعيد الظالم بالانتقام، فالبعث واجب؛ للوجوه التي ذكرنا، والتفريق بين الأولياء والأعداء؛ وقد جمعهم في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما.

وقوله: ﴿ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ .

ذكر أن مشركي العرب كانوا [لا] يقسمون بالله إلا فيما يعظم من الأمر، ويشتد عليهم؛ تعظيماً له وإجلالا؛ إنما كانوا يقسمون بالأصنام والأوثان التي عبدوها، فإذا حلفوا بالله فذلك جهد إيمانهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .

قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ردّ على قولهم: ﴿ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ \[فقال\]: بلى يبعث.

وقوله: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .

يحتمل ﴿ وَعْداً ﴾ : أي: وعد أنه يبعثهم، فحق عليه أن ينجز ما وعد، أو حقّاً عليه أن يعد البعث والإنجاز له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه نفى عنهم العلم لما لم ينتفعوا بعلمهم، فهو كما نفى عنهم السمع والبصر وغيرهما من الحواس؛ لما لم ينتفعوا بها انتفاع ما لذلك كان خلقها، فنفى ذلك عنهم.

والثاني: نفى عنهم ذلك على حقيقة النفي؛ لأنهم لم ينظروا؛ ولم يتأملوا في الآيات والأسباب التي [بها] جعل لهم الوصول إلى العلم، فلم يعلموا، ثم لم يعذرهم بجهلهم ذلك؛ لما جعل لهم سبيل الوصول إلى علم ذلك بالنظر والتأمل في الآيات والحجج، لكنهم شغلوا أنفسهم في غيرها، ولم ينظروا في الأسباب التي جعلها لهم سبيل الوصول إليه، فهذا يدل أن من جهل أمر الله ونهيه يكون مؤاخذاً به؛ بعد أن جعل له سبيل الوصول إليه بالدلائل والإشارات، فلا يخرج مؤاخذته إياه؛ وعقوبته بترك أمره عن الحكمة، وأما في الشاهد من أمر عبده شيئاً؛ ولم يعلمه ما أمره، ثم عاقبه بذلك؛ فهو خارج عن الحكمة؛ إذ لا سبيل [إلى] الوصول بما أمر به إلا بالتصريح، ولم يكن منه تصريح إعلام، لذلك كان ما ذكر؛ ألا ترى أنه أوعد لهم [الوعيد] الشديد في الآخرة بقوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي: ليعلم أتباعهم أن الرؤساء كانوا كاذبين، وإلا كان الرؤساء منهم كانوا كاذبين عند أنفسهم.

أو أن يكون قال ذلك لما ادعى أولئك الكفرة أن الآخرة لهم؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ...

﴾ الآية [فصلت: 50] فقال جواباً له: ليعلم الذين كفروا منهم أنهم كانوا كاذبين؛ لا دعائهم الآخرة لأنفسهم.

ثم قوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ .

قال بعضهم: إنما اختلفوا في البعث: منهم من صدقه، ومنهم من كذبه يقول: يبين لهم ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ أي: في الدين والمذهب؛ لأنهم اختلفوا في الدين والمذهب، وكل من ادعى ديناً ومذهباً؛ حتى دعى غيره إلى دينه ومذهبه يتبين لهم المحق منهم من غيره؛ والصادق منهم من الكاذب.

وقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل كفرهم بالبعث؛ وإنكارهم إياه، أو كفروا برسول الله  أو وحدانية الله ﴿ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .

في إنكار ما أنكروا، يتبين لهم ذلك في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .

يخبر عن سرعة نفاذ أمره، وسهولة الأمر عليه، أنه يكون أسرع من لحظة بصر ولمحة عين وفيه دلالة أن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ لأنه عبّر بـ (كن) عن تكوينه، ويكون عن المكون، وكذا كنى عنه بالشيء؛ لقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ﴾ فكنى عنه بوقوع القول عليه، والتكوين ثبت أن التكوين غير المكون، ثم لا يخلو من أن يكون التكوين بتكوين آخر إلى ما لا نهاية له، أو لا بتكوين، وقد بينا فسادهما جميعاً، وهما وجها الحديث، ثبت أن الله  به موصوف في الأزل، وبالله التوفيق.

والثاني: من فعله كسب سمي كاسباً، ومن فعله باسم سمي به، فلو كان فعل الله كلية الخلق يسمى به، فيسمى ميتاً، متحركاً ساكناً، خبيثاً طيباً، صغيراً كبيراً، ونحو ذلك، فإذا كان يتعالى عن ذلك وقد سمي فاعلا، مميتاً محيياً، محركاً مسكناً، جامعاً مفرقاً؛ ثبت أن فعله غير مفعوله، وأنه بذاته يفعل الأشياء؛ لا بغيره، وفي ذلك لزوم الوصف له به في الأزل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وحَلَفَ هؤلاء المكذبون بالبعث مبالغين في حلفهم جاهدين فيه مؤكِّدِين له: لا يبعث الله من يموت؛ دون أن تكون لهم حجة على ذلك، بلى، سيبعث الله كل من يموت، وعدًا عليه حقًّا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله يبعث الموتى، فينكرون البعث.

<div class="verse-tafsir" id="91.XQB0e"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الحمد لله