الآية ٤٣ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٤٣ من سورة النحل

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الضحاك ، عن ابن عباس : لما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسولا أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا .

فأنزل الله : ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ) [ يونس : 2 ] وقال ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) يعني : أهل الكتب الماضية : أبشرا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة ؟

فإن كانوا ملائكة أنكرتم ، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا ، [ و ] قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) ليسوا من أهل السماء كما قلتم .

وهكذا روي عن مجاهد ، عن ابن عباس ، أن المراد بأهل الذكر : أهل الكتاب .

وقاله مجاهد ، والأعمش .

وقول عبد الرحمن بن زيد - الذكر : القرآن واستشهد بقوله : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [ الحجر : 9 ] - صحيح ، [ و ] لكن ليس هو المراد هاهنا ; لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه .

وكذا قول أبي جعفر الباقر : " نحن أهل الذكر " - ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر - صحيح ، فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة ، وعلماء أهل بيت الرسول - عليهم السلام والرحمة - من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة ، كعلي ، وابن عباس ، وبني علي : الحسن والحسين ، ومحمد بن الحنفية ، وعلي بن الحسين زين العابدين ، وعلي بن عبد الله بن عباس ، وأبي جعفر الباقر - وهو محمد بن علي بن الحسين - وجعفر ابنه ، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم ، ممن هو متمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم ، وعرف كل ذي حق حقه ، ونزل كل المنزل الذي أعطاه الله ورسوله واجتمع إليه قلوب عباده المؤمنين .

والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت أن الرسل الماضين قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا بشرا كما هو بشر ، كما قال تعالى : ( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ) [ الإسراء : 93 ، 94 ] وقال تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) [ الفرقان : 20 ] وقال ( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين [ ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين ] ) [ الأنبياء : 8 ، 9 ] وقال : ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) [ الأحقاف : 9 ] وقال تعالى : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ) [ الكهف : 110 ] .

ثم أرشد الله تعالى من شك في كون الرسل كانوا بشرا إلى سؤال أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذين سلفوا : هل كان أنبياؤهم بشرا أو ملائكة ؟

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلى أمة من الأمم، للدعاء إلى توحيدنا ، والانتهاء إلى أمرنا ونهينا، إلا رجالا من بني آدم نوحي إليهم وحينا لا ملائكة، يقول: فلم نرسل إلى قومك إلا مثل الذي كنا نرسل إلى من قَبلهم من الأمم من جنسهم وعلى منهاجهم ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) يقول لمشركي قريش: وإن كنتم لا تعلمون أن الذين كنا نرسل إلى من قبلكم من الأمم رجال من بني آدم مثل محمد صلى الله عليه وسلم وقلتم: هم ملائكة: أي ظننتم أن الله كلمهم قبلا فاسألوا أهل الذكر ، وهم الذين قد قرءوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنجيل، وغير ذلك من كتب الله التي أنـزلها على عباده.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) قال: أهل التوراة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن سفيان، قال: سألت الأعمش، عن قوله ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) قال: سمعنا أنه من أسلم من أهل التوراة والإنجيل.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) قال: هم أهل الكتاب.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) قال: قال لمشركي قريش: إن محمدا في التوراة والإنجيل.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: لما بعث الله محمدا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ، قال: فأنـزل الله أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ فاسألوا أهل الذكر: يعني أهل الكتب الماضية، أبشرا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟

فإن كانوا ملائكة أنكرتم ، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد رسولا قال: ثم قال وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم.

وقال آخرون في ذلك ما حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) قال: نحن أهل الذكر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) قال: الذكر: القرآن ، وقرأ إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وقرأ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ...

الآية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمونقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم قراءة العامة " يوحى " بالياء وفتح الحاء .

وقرأ حفص عن عاصم نوحي إليهم بنون العظمة وكسر الحاء .

نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، فهلا بعث إلينا ملكا ; فرد الله - تعالى - عليهم بقوله : وما أرسلنا من قبلك إلى الأمم الماضية يا محمد إلا رجالا آدميين .فاسألوا أهل الذكر قال سفيان : يعني مؤمني أهل الكتاب .

وقيل : المعنى فاسألوا أهل [ ص: 98 ] الكتاب فإن لم يؤمنوا فهم معترفون بأن الرسل كانوا من البشر .

روي معناه عن ابن عباس ومجاهد .

وقال ابن عباس : أهل الذكر أهل القرآن .

وقيل : أهل العلم ، والمعنى متقارب .إن كنتم لا تعلمون يخبرونكم أن جميع الأنبياء كانوا بشرا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ـ يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ْ} أي: لست ببدع من الرسل، فلم نرسل قبلك ملائكة بل رجالا كاملين لا نساء.

{ نُوحِي إِلَيْهِمْ ْ} من الشرائع والأحكام ما هو من فضله وإحسانه على العبيد من غير أن يأتوا بشيء من قبل أنفسهم، { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ْ} أي: الكتب السابقة { إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ْ} نبأ الأولين، وشككتم هل بعث الله رجالا؟

فاسألوا أهل العلم بذلك الذين نزلت عليهم الزبر والبينات فعلموها وفهموها، فإنهم كلهم قد تقرر عندهم أن الله ما بعث إلا رجالا يوحي إليهم من أهل القرى، وعموم هذه الآية فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه العلم بكتاب الله المنزل.

فإن الله أمر من لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة، فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال.

وأفضل أهل الذكر أهل هذا القرآن العظيم، فإنهم أهل الذكر على الحقيقة، وأولى من غيرهم بهذا الاسم،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، فهلا بعث إلينا ملكا ؟

( فاسألوا أهل الذكر ) يعني مؤمني أهل الكتاب ، ( إن كنتم لا تعلمون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم» لا ملائكة «فاسألوا أهل الذكر» العلماء بالتوراة والإنجيل «إن كنتم لا تعلمون» ذلك، فإنهم يعلمونه وأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما أرسلنا في السابقين قبلك -أيها الرسول- إلا رسلا من الرجال لا من الملائكة، نوحي إليهم، وإن كنتم -يا مشركي قريش- لا تصدقون بذلك فاسألوا أهل الكتب السابقة، يخبروكم أن الأنبياء كانوا بشرًا، إن كنتم لا تعلمون أنهم بشر.

والآية عامة في كل مسألة من مسائل الدين، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها أن يسأل من يعلمها من العلماء الراسخين في العلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الإِمام ابن كثير : عن ابن عباس - رضى الله عنهما - : لما بعث الله - تعالى - محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا ، أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، فأنزل الله : ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ .

.

) وقال : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ .

.

) .أى : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - لهداية الناس وإرشادهم إلى الحق إلا رجالا مثلك ، وقد أوحينا إليهم بما يبلغونه إلى أقوامهم ، من نصائح وتوجيهات وعبادات وتشريعات ، وقد لقى هؤلاء الرسل من أقوامهم ، مثل مالقيت من قومك من أذى وتكذيب وتعنت فى الأسئلة .فالمقصود من الآية الكريمة تسلية النبى صلى الله عليه وسلم والرد على المشركين فيما أثاروه حوله صلى الله عليه وسلم من شبهات .وقد حكى القرآن فى مواطن عدة إنكار المشركين لبشرية الرسل ورد عليهم بما يخرسهم ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى .

.

) وقوله - تعالى - : ( وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً ) وقوله - تعالى - ( ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات فقالوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ واستغنى الله والله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) والمراد بأهل الذكر فى قوله ( فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ) علماء أهل الكتاب أى : لقد اقتضت حكمتنا أن يكون الرسول من البشر فى كل زمان ومكان ، فإن كنتم فى شك من ذلك - أيها المكذبون - فاسألوا علماء أهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى ، فسيبينون لكم أن الرسل جميعا كانوا من البشر ولم يكونوا من الملائكة .وهذه الجملة الكريمة معترضة بين قوله - تعالى - ( وما أرسلنا .

.

) وبين قوله بعد ذلك : ( بالبينات والزبر .

.

) للمبادرة إلى توبيخ المشركين وإبطال شبهتهم ، لأنه قد احتج عليهم ، بمن كانوا يذهبون إليهم لسؤالهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم .وفى قوله - تعالى - ( إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ) إيماء إلى أنهم كانوا يعلمون أن الرسل لا يكونون إلا من البشر ، ولكنهم قصدوا بإنكار ذلك الجحود والمكابرة ، والتمويه لتضليل الجهلاء ، ولذا جئ فى الشرط بحرف " إن " المفيد للشك .وجواب الشرط لهذه الجملة محذوف ، دل عليه ما قبله .

أى : إن كنتم لا تعلمون ، فأسألوا أهل الذكر .

وقيل المراد بأهل الذكر هنا : المسلمون مطلقا ، لأن الذكر هو القرآن ، وأهله هم المسلمون .ونحن لا ننكر أن الذكر يطلق على القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى - ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )إلا أن المراد بأهل الذكر هنا : علماء أهل الكتاب ، لأن المشركين كانوا يستفسرون منهم عن أحوال النبى صلى الله عليه وسلم ، أكثر من استفسارهم من المسلمين .قال الآلوسى ماملخصه قوله - تعالى - : ( فاسألوا أَهْلَ الذكر .

.

) أى : أهل الكتاب من اليهود والنصارى .

قاله : ابن عباس والحسن والسدى وغيرهم .وقال أبو حيان فى البحر : " والمراد من لم يسلم من أهل الكتاب ، لأنهم الذين لا يتهمون عند المشركين فى إخبارهم بأن الرسل كانوا رجالا ، فإخبارهم بذلك حجة عليهم .

والمراد كسر حجتهم وإلزامهم ، وإلا فالحق واضح فى نفسه لا يحتاج إلى إخبار هؤلاء .

.

" .قالوا : وفى الآية دليل على وجوب الرجوع إلى أهل العلم فيما لا يعلم ، وعلى أن الرسل جميعا كانوا من الرجال ولم يكن من بينهم امرأة قط .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري النبوة كانوا يقولون: الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحداً من البشر، بل لو أراد بعثة رسول إلينا لكان يبعث ملكاً، وقد ذكرنا تقرير هذه الشبهة في سورة الأنعام فلا نعيده هاهنا، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ  ﴾ وقالوا: ﴿ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا  ﴾ وقالوا: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ  وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَٰسِرُونَ  ﴾ وقال: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ  ﴾ وقالوا: ﴿ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  ﴾ .

فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ ﴾ والمعنى: أن عادة الله تعالى من أول زمان الخلق والتكليف أنه لم يبعث رسولاً إلا من البشر، فهذه العادة مستمرة لله سبحانه وتعالى، وطعن هؤلاء الجهال بهذا السؤال الركيك أيضاً طعن قديم فلا يلتفت إليه.

المسألة الثانية: دلت الآية على أنه تعالى ما أرسل أحداً من النساء، ودلت أيضاً على أنه ما أرسل ملكاً، لكن ظاهر قوله: ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً  ﴾ يدل على أن الملائكة رسل الله إلى سائر الملائكة، فكان ظاهر هذه الآية دليلاً على أنه ما أرسل رسولاً من الملائكة إلى الناس.

قال القاضي: وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء عليهم السلام إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.

ثم قال القاضي: لعله أراد أن الملك الذي يرسل إلى الأنبياء عليهم السلام بحضرة أممهم، لأنه إذا كان كذلك فلابد من أن يكون أيضاً بصورة الرجال، كما روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وفي صورة سراقة، وإنما قلنا ذلك لأن المعلوم من حال الملائكة أن عند إبلاغ الرسالة من الله تعالى إلى الرسول قد يبقون على صورتهم الأصلية الملكية، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين، وعليه تأولوا قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى  ﴾ ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام أتبعه بقوله: ﴿ فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في المراد بأهل الذكر وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل التوراة، والذكر هو التوراة.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر  ﴾ يعني التوراة.

الثاني: قال الزجاج: فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر، والثالث: أهل الذكر أهل العلم بأخبار الماضين، إذ العالم بالشيء يكون ذاكراً له.

والرابع: قال الزجاج: معناه سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.

وأقول: الظاهر أن هذه الشبهة وهي قولهم: الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحداً من البشر إنما تمسك بها كفار مكة، ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها، فإن اليهودي والنصراني لابد لهما من تزييف هذه الشبهة وبيان سقوطها.

المسألة الثانية: اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد؟

منهم من حكم بالجواز واحتج بهذه الآية فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالماً وجب عليه الرجوع إلى المجتهد الآخر الذي يكون عالماً لقوله تعالى: ﴿ فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ فإن لم يجب فلا أقل من الجواز.

المسألة الثالثة: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: المكلف إذا نزلت به واقعة فإن كان عالماً بحكمها لم يجز له القياس، وإن لم يكن عالماً بحكمها وجب عليه سؤال من كان عالماً بها لظاهر هذه الآية، ولو كان القياس حجة لما وجب عليه سؤال العالم لأجل أنه يمكنه استنباط ذلك الحكم بواسطة القياس، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه الآية فوجب أن لا يجوز، والله أعلم.

وجوابه: أنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من هذا الدليل، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوهاً: الأول: أن التقدير: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالاً يوحى إليهم، وأنكر الفراء ذلك وقال: إن صلة ما قبل إلا لا يتأخر إلى بعد، والدليل عليه: أن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته، فما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.

الثاني: أن التقدير: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم بالبينات والزبر، وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ متعلق بالمستثنى.

والثالث: أن الجالب لهذا الباء محذوف، والتقدير أرسلناهم بالبينات وهذا قول الفراء.

قال: ونظيره ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثم يقول مر بزيد.

الرابع: أن يقال: الذكر بمعنى العلم، والتقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون.

الخامس: أن يكون التقدير: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فاسألوا أهل الذكر.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ لفظة جامعة لكل ما تكامل به الرسالة، لأن مدار أمرها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر هذا الكلام يقتضي أن هذا الذكر مفتقر إلى بيان رسول الله والمفتقر إلى البيان مجمل، فظاهر هذا النص يقتضي أن القرآن كله مجمل، فلهذا المعنى قال بعضهم متى وقع التعارض بين القرآن وبين الخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والدليل عليه هذه الآية، والخبر مبين له بدلالة هذه الآية، والمبين مقدم على المجمل.

والجواب: أن القرآن منه محكم، ومنه متشابه، والمحكم يجب كونه مبيناً فثبت أن القرآن ليس كله مجملاً بل فيه ما يكون مجملاً فقوله: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ محمول على المجملات.

المسألة الثانية: ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبين لكل ما أنزله الله تعالى على المكلفين، فعند هذا قال نفاة القياس لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول بيان كل ما أنزله الله تعالى على المكلفين من الأحكام، لاحتمال أن يبين المكلف ذلك الحكم بطريقة القياس، ولما دلت هذه الآية على أن المبين لكل التكاليف والأحكام، هو الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا أن القياس ليس بحجة.

وأجيب عنه بأنه صلى الله عليه وسلم لما بين أن القياس حجة، فمن رجع في تبيين الأحكام والتكاليف إلى القياس، كان ذلك في الحقيقة رجوعاً إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم قال تعالى: ﴿ أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ السيئات ﴾ المكر في اللغة عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء، ولا بد هاهنا من إضمار، والتقدير: المكرات السيئات، والمراد أهل مكة ومن حول المدينة.

قال الكلبي: المراد بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه على سبيل الخفية، ثم إنه تعالى ذكر في تهديدهم أموراً أربعة: الأول: أن يخسف الله بهم الأرض كما خسف بقارون.

الثاني: أن يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، والمراد أن يأتيهم العذاب من السماء من حيث يفجؤهم فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط.

والثالث: أن يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين، وفي تفسير هذا التقلب وجوه: الأول: أنه يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم، فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر وهم لا يعجزون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله حيث كانوا، وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد  ﴾ .

وثانيهما: تفسير هذا اللفظ بأنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم.

وثالثها: أن يكون المعنى أو يأخذهم في حال ما ينقلبون في قضايا أفكارهم فيحول الله بينهم وبين إتمام تلك الحيل قسراً كما قال: ﴿ وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ فاستبقوا الصراط فأنى يُبْصِرُونَ  ﴾ وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله: ﴿ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور  ﴾ فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها.

والنوع الرابع: من الأشياء التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية على سبيل التهديد قوله تعالى: ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ ﴾ وفي تفسير التخوف قولان: القول الأول: التخوف تفعل من الخوف، يقال خفت الشيء وتخوفته والمعنى أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أولاً بل يخيفهم أولاً ثم يعذبهم بعده، وتلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك فرقة فتخاف التي تليها فيكون هذا أخذاً ورد عليهم بعد أن يمر بهم قبل ذلك زماناً طويلاً في الخوف والوحشة.

والقول الثاني: أن التخوف هو التنقص قال ابن الأعرابي يقال: تخوفت الشيء وتخفيته إذا تنقصته، وعن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون في هذه الآية؟

فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص، فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟

قال: نعم.

قال شاعرنا وأنشد: تخوف الرحل منها تامكا قردا *** كما تخوف عود النبعة السفن فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟

قال شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا التنقص يحتمل أن يكون المراد منه ما يقع في أطراف بلادهم كما قال تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا  ﴾ والمعنى أنه تعالى لا يعاجلهم بالعذاب ولكن ينقص من أطراف بلادهم إلى القرى التي تجاورهم حتى يخلص الأمر إليهم فحينئذ يهلكهم، ويحتمل أن يكون المراد أنه ينقص أموالهم وأنفسهم قليلاً قليلاً حتى يأتي الفناء على الكل فهذا تفسير هذه الأمور الأربعة، والحاصل أنه تعالى خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء أو بآفات تحدث دفعة واحدة حال ما لا يكونون عالمين بعلاماتها ودلائلها، أو بآفات تحدث قليلاً قليلاً إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ والمعنى أنه يمهل في أكثر الأمور لأنه رؤوف رحيم فلا يعاجل بالعذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قالت قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فقيل ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ ﴾ على ألسنة الملائكة ﴿ فَاسْئَلُواْ أَهْلَ الذكر ﴾ وهم أهل الكتاب، ليعلموكم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشراً.

فإن قلت: بم تعلق قوله ﴿ بالبينات ﴾ ؟

قلت: له متعلقات شتى، فأما أن يتعلق بما أرسلنا داخلاً تحت حكم الاستثناء مع رجالاً أي: وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات، كقولك: ما ضربت إلا زيداً بالسوط؛ لأن أصله: ضربت زيداً بالسوط وإما برجالا، صفة له: أي رجالاً ملتبسين بالبينات.

وإما بأرسلنا مضمراً، كأنما قيل: بما أرسلوا؟

فقلت بالبينات، فهو على كلامين، والأوّل على كلام واحد، وإما بيوحي، أي: يوحي إليهم بالبينات.

وإما بلا تعلمون، على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.

وقوله: ﴿ فَاسْئَلُواْ أَهْلَ الذكر ﴾ اعتراض على الوجوه المتقدّمة، وأهل الذكر: أهل الكتاب.

وقيل للكتاب الذكر؛ لأنه موعظة وتنبيه للغافلين ﴿ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ يعني ما نزل الله إليهم في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ووعدوا وأوعدوا ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وإرادة أن يصغوا إلى تنبيهاته فيتنبهوا ويتأملوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِ قُرَيْشٍ: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، أيْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ بِأنْ لا يَبْعَثَ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ إلّا بَشَرًا يُوحِي إلَيْهِ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَتْ في سُورَةِ « الأنْعامِ» فَإنْ شَكَكْتُمْ فِيهِ.

﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ ﴾ أهْلَ الكِتابِ أوْ عُلَماءَ الأخْبارِ لِيُعْلِمُوكم.

﴿ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرْسِلِ امْرَأةً ولا مَلَكًا لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ وقَوْلِهِ: ﴿ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ مَعْناهُ رُسُلًا إلى المَلائِكَةِ أوْ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ لَمْ يُبْعَثُوا إلى الأنْبِياءِ إلّا مُتَمَثِّلِينَ بِصُورَةِ الرِّجالِ.

ورُدَّ بِما رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى جِبْرِيلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها مَرَّتَيْنِ.» وعَلى وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلى العُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ.

﴿ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ ﴾ أيْ أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ أيِ المُعْجِزاتِ والكُتُبِ، كَأنَّهُ جَوابُ قائِلٍ قالَ: بِمَ أُرْسِلُوا ؟

ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما أرْسَلْنا داخِلًا في الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، أوْ صِفَةٌ لَهم أيْ رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، أوْ بِيُوحِي عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ الحالِ مِنَ القائِمِ مَقامَ فاعِلِهِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ فاسْألُوا اعْتِراضٌ، أوْ بِلا تَعْلَمُونَ عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ.

﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ ﴾ أيِ القُرْآنَ وإنَّما سُمِّيَ ذِكْرًا لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ.

﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ﴾ في الذِّكْرِ بِتَوَسُّطِ إنْزالِهِ إلَيْكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، أوْ مِمّا تَشابَهَ عَلَيْهِمْ والتَّبْيِينُ أعَمُّ مِن أنْ يَنُصَّ بِالمَقْصُودِ، أوْ يُرْشِدَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كالقِياسِ.

ودَلِيلُ العَقْلِ.

﴿ وَلَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وإرادَةُ أنْ يَتَأمَّلُوا فِيهِ فَيَتَنَبَّهُوا لِلْحَقائِقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما قالت قريش الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً نزل {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قبلك إلا رجالا نوحي اليهم} على ألسنة الملائكة نوحي حفص {فاسألوا أَهْلَ الذكر} أهل الكتاب ليعلموكم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشراً وقيل للكتاب الذكر لأنه موعظة وتنبيه للغافلين {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ رَدٌّ لِقُرَيْشٍ حَيْثُ أنْكَرُوا رِسالَةَ النَّبِيِّ  وقالُوا: اللَّهُ تَعالى أعْظَمُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا هَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا أيْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ بِأنْ لا نَبْعَثَ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ إلّا بَشَرًا نُوحِي إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلَكِ في الأغْلَبِ الأوامِرَ والنَّواهِيَ لِيُبَلِّغُوها، ويُحْتَرَزُ بِالدَّعْوَةِ العامَّةِ عَنْ بَعْثِ المَلَكِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِلتَّبْلِيغِ أوْ لِغَيْرِهِمْ كَبَعْثِهِ لِمَرْيَمَ لِلْبِشارَةِ، وبِالأغْلَبِ بَعْضُ أقْسامِ الوَحْيِ مِمّا لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ المَلَكِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ  ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ «يُوحى» بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ.

وفِرْقَةٌ بِالياءِ وكَسْرِها وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ وطَلْحَةُ.

وحَفْصٌ بِالنُّونِ وكَسْرِها.

وفي ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الوَحْيِ ما لا يَخْفى.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ  تَنْبِيهَ الكُفّارِ عَلى مَضْمُونِهِ صُرِفَ الخِطابُ إلَيْهِمْ فَقِيلَ: ﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ ﴾ أيْ أهْلَ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، وتَسْمِيَةُ الكِتابِ تُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَنْ مُجاهِدٍ تَخْصِيصُهُ بِالتَّوْراةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ  ﴾ فَأهْلُهُ اليَهُودُ.

قالَ في البَحْرِ والمُرادُ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُتَّهَمُونَ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ في إخْبارِهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا رِجالًا فَإخْبارُهم بِذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ كَسْرُ حُجَّتِهِمْ وإلْزامُهم وإلّا فالحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى إخْبارِ هَؤُلاءِ، وقَدْ أرْسَلَ المُشْرِكُونَ بَعْدَ نُزُولِها إلى أهْلِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنْ ذَلِكَ، وقالَ الأعْمَشُ وابْنُ عُيَيْنَةَ وابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ مَن أسْلَمَ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِما.

ويُضْعِفُهُ أنَّ قَوْلَ مَن أسْلَمِ لا حُجَّةَ فِيهِ عَلى الكُفّارِ ومِنهُ يُعْلَمُ ضَعْفُ ما قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ زَيْدٍ مِن أنَّ المُرادَ مِنَ الذِّكْرِ القُرْآنُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ ذِكْرًا في مَواضِعَ مِنها ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وأهْلُ الذِّكْرِ عَلى هَذا المُسْلِمُونَ مُطْلَقًا، وخَصَّهم بَعْضُ الإمامِيَّةِ بِالأئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ احْتِجاجًا بِما رَواهُ جابِرٌ ومُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ مِنهم عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: نَحْنُ أهْلُ الذِّكْرِ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الذِّكْرَ بِالنَّبِيِّ  لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا  ﴾ عَلى قَوْلٍ، ويُقالُ عَلى مُقْتَضى ما في البَحْرِ: كَيْفَ يُقْنَعُ كُفّارُ أهْلِ مَكَّةَ بِخَبَرِ أهْلِ البَيْتِ في ذَلِكَ ولَيْسُوا بِأصْدَقَ مِن رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَهم وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَشْهُورُ فِيما بَيْنَهم بِالأمِينِ، ولَعَلَّ ما رَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنّا مُوافِقًا بِظاهِرِهِ لِمَن زَعَمَهُ ذَلِكَ البَعْضُ مِنَ الإمامِيَّةِ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي ويَصُومُ ويَحُجُّ ويَعْتَمِرُ وإنَّهُ لِمُنافِقٌ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِماذا دَخَلَ عَلَيْهِ النِّفاقُ؟

قالَ: يَطْعَنُ عَلى إمامِهِ وإمامُهُ مَن قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ ﴾ إلى آخِرِهِ»».

مِمّا لا يَصِحُّ، وأنا أقُولُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن أهْلِ الذِّكْرِ أهْلُ القُرْآنِ وإنْ قالَ أبُو حَيّانَ ما قالَ وسَتَعْلَمُ وجْهَهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المَنّانُ، وقالَ الرُّمّانِيُّ والزَّجّاجُ، والأزْهَرِيُّ: المُرادُ بِأهْلِ الذِّكْرِ عُلَماءُ أخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ كائِنًا مَن كانَ فالذِّكْرُ بِمَعْنى الحِفْظِ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْألُوا المُطَّلِعِينَ عَلى أخْبارِ الأُمَمِ يُعْلِمُوكم بِذَلِكَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ وجَوابُ إنْ إمّا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ فاسْألُوا، وإمّا نَفْسُ ما قَبْلَهُ بِناءً عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرْسِلِ امْرَأةً ولا صَبِيًّا ولا يُنافِيهِ نُبُوَّةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ فَإنَّ النُّبُوَّةَ أعَمُّ مِنَ الرِّسالَةِ ولا يَقْتَضِي صِحَّةَ القَوْلِ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ أيْضًا لِأنَّ غايَتَهُ نَفْيُ رِسالَةِ المَرْأةِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ إثْباتُ نُبُوَّتِها، وذَهَبَ إلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النِّساءِ جَماعَةٌ وصَحَّحَ ذَلِكَ ابْنُ السَّيِّدِ، ولا يُنافِي ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِن نَفْيِ إرْسالِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ لِأنَّ المُرادَ جاعِلُهم رُسُلًا إلى المَلائِكَةِ أوْ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ وهو المُدَّعى كَما عَلِمْتَ فالرَّسُولُ إمّا بِالمَعْنى المُصْطَلَحِ أوْ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، وقالَ الجَبائِيُّ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يُبْعَثُوا إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا مُمَثَّلِينَ بِصُوَرِ الرِّجالِ ورُدَّ بِما رُوِيَ «أنَّ نَبِيَّنا  رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها مَرَّتَيْنِ» وهُوَ وارِدٌ عَلى الحَصْرِ المُقْتَضِي لِلْعُمُومِ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيما رَوى عَلى رُؤْيَةِ مَن قَبْلَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ مَعَ أنَّهُ إذا ثَبَتَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  ولَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا مانِعَ مِن ثُبُوتِهِ لِغَيْرِهِ قالَهُ الشِّهابُ، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَ الإمامُ عَنِ القاضِي أنَّ مُرادَ الجَبائِيَّ أنَّهم لَمْ يُبْعَثُوا إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَضْرَةِ أُمَمِهِمْ إلّا وهم عَلى صُوَرِ الرِّجالِ كَما رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  بِمَحْضَرٍ مِن أصْحابِهِ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ وفي صُورَةِ سُراقَةَ وفي صُورَةِ أعْرابِيٍّ لَمْ يَعْرِفُوهُ.

واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى وُجُوبِ المُراجَعَةِ لِلْعُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ.

وفِي الإكْلِيلِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِها عَلى جَوازِ تَقْلِيدِ العامِّ في الفُرُوعِ وانْظُرِ التَّقْيِيدَ بِالفُرُوعِ فَإنَّ الظّاهِرَ العُمُومُ لا سِيَّما إذا قُلْنا إنَّ المَسْألَةَ المَأْمُورِينَ بِالمُراجَعَةِ فِيها والسُّؤالِ عَنْها مِنَ الأُصُولِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنِ الجَلالِ المَحَلِّيِّ أنَّهُ يَلْزَمُ غَيْرَ المُجْتَهِدِ عامِّيًّا كانَ أوْ غَيْرَهُ التَّقْلِيدُ لِلْمُجْتَهِدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ والصَّحِيحُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَسائِلِ الِاعْتِقادِيَّةِ وغَيْرِها وبَيْنَ أنْ يَكُونَ المُجْتَهِدُ حَيًّا أوْ مَيِّتًا اهـ.

وصَحَّحَ هو وغَيْرُهُ امْتِناعَ التَّقْلِيدِ عَلى المُجْتَهِدِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لَهُ قاطِعٌ أوْ لا وسَواءٌ كانَ مُجْتَهِدًا بِالفِعْلِ أوْ لَهُ أهْلِيَّةُ الِاجْتِهادِ، ومُقْتَضى كَلامِهِمْ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَقْلِيدِ أحَدِ أئِمَّةِ المَذاهِبِ الأرْبَعِ وتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ نَعَمْ ذَكَرَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرِ، وغَيْرُهُ أنَّهُ يُشْتَرَطُ في تَقْلِيدِ الغَيْرِ أنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ مُدَوَّنًا مَحْفُوظَ الشُّرُوطِ والمُعْتَبَراتِ فَقَوْلُ السُّبْكِيِّ: إنَّ مُخالِفَ الأرْبَعَةِ كَمُخالِفِ الإجْماعِ مَحْمُولٌ عَلى ما لَمْ يُحْفَظْ ولَمْ تُعْرَفْ شُرُوطَهُ وسائِرُ مُعْتَبَراتِهِ مِنَ المَذاهِبِ الَّتِي انْقَطَعَ حَمَلَتُها وفُقِدَتْ كُتُبُها كَمَذْهَبِ الثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنَّ تَقْلِيدَ الغَيْرِ بِشَرْطِهِ إنَّما يَجُوزُ في العَمَلِ وأمّا لِلْإفْتاءِ والقَضاءِ فَيَتَعَيَّنُ أحَدُ المَذاهِبِ الأرْبَعِ، واسْتَشْكَلَ الفَرْقَ العَلّامَةُ ابْنُ قاسِمٍ العَبّادِيُّ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفَرْقُ أنَّهُ يُحْتاطُ فِيهِما لِتَعَدِّيهِما ما لا يُحْتاطُ في العَمَلِ فَيُتْرَكانِ لِأدْنى مَحْذُورٍ ولَوْ مُحْتَمَلًا، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ في القَوْلَيْنِ المُتَكافِئَيْنِ أنَّهُ لا يُفْتى ولا يُقْضى بِكُلٍّ مِنهُما لِاحْتِمالِ كَوْنِهِ مَرْجُوحًا ويَجُوزُ العِلْمُ بِهِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ التَّقْلِيدَ لِلْمُجْتَهِدِ لِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ أحَدُ المُجْتَهِدِينَ عالِمًا وجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلى المُجْتَهِدِ العالِمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْألُوا ﴾ الآيَةَ فَإنْ لَمْ يُجِبْ فَلا أقَلَّ مِنَ الجَوازِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّ بَعْضَ المُجْتَهِدِينَ نَقَلُوا مَذاهِبَ بَعْضِ الصَّحابَةِ وأقَرُّوا الحُكْمَ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ ما سَمِعْتَ أوَّلًا، وما ذُكِرَ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ بَلْ هو مِن بابِ مُوافَقَةِ الِاجْتِهادِ الِاجْتِهادَ.

واحْتَجَّ بِها أيْضًا نُفاةُ القِياسِ فَقالُوا: المُكَلَّفُ إذا نَزَلَتْ بِهِ واقِعَةٌ فَإنْ كانَ عالِمًا بِحُكْمِها لَمْ يَجُزْ لَهُ القِياسُ وإلّا وجَبَ عَلَيْهِ سُؤالُ مَن كانَ عالِمًا بِها بِظاهِرِ الآيَةِ ولَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَما وجَبَ عَلَيْهِ السُّؤالُ لِأجْلِ أنَّهُ يُمْكِنُهُ اسْتِنْباطُ ذَلِكَ الحُكْمِ بِالقِياسِ، فَثَبَتَ أنَّ تَجْوِيزَ العَمَلِ بِالقِياسِ يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بِظاهِرِ الآيَةِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ ثَبَتَ جَوازُ العَمَلِ بِالقِياسِ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ والإجْماعُ أقْوى مِن هَذا الدَّلِيلِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَ المُكَلَّفُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى القِياسِ كانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤالُ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ كما أوحي إليك.

وذلك أن مشركي قريش لما بلغهم النبيّ  الرسالة، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى، أنكروا ذلك وقالوا: لن يبعث الله رجلاً إلينا، ولو أراد الله أن يبعث إلينا رسولاً، لبعث إلينا من الملائكة الذين عنده، فنزل وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلى الأمم الماضية إِلَّا رِجالًا مثلك نُوحِي إِلَيْهِمْ كما نوحي إليك.

قرأ عاصم في رواية حفص: نُوحِي بالنون وقرأ الباقون: بالياء.

قوله عز وجل: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ أي: أهل التوراة والإنجيل إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وفي الآية تقديم وتأخير.

أي: وما أرسلنا من قبلك إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ بالبينات، والزبر.

وروى أسباط عن السدي قال: البينات: الحلال والحرام.

وَالزُّبُرِ: كتب الأنبياء.

وقال الكلبي: بِالْبَيِّناتِ أي: بالآيات الحلال والحرام والأمر والنهي ما كانوا يأتون به قومهم منها، وهو كتاب النبوة.

ويقال: بِالْبَيِّناتِ التي كانت تأتي بها الأنبياء مثل عصا موسى وناقة صالح.

وقال مقاتل: وَالزُّبُرِ يعني: حديث الكتب.

ثم قال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ يعني: القرآن لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ لتقرأ للناس مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ أي: ما أمروا به في الكتاب وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ يتفكروا فيه، ليؤمنوا به.

ثم خوّفهم فقال: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أي: أشركوا بالله أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ يعني: أن تغور الأرض بهم، حتى يدخلوا فيها إلى الأرض السفلى أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أي: من حيث لا يعلمون بهلاكهم.

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ أي: في سفرهم، في ذهابهم، ومجيئهم في تجارتهم فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي: بفائتين أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ أي: على تنقص.

ويقال: يأخذ قرية بالعذاب، ويترك أخرى قريبةً منها فيخوفها بمثل ذلك.

وهذا قول مقاتل.

وروى عن بعض التابعين: أن عمر سأل جلساءه عن قوله: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فقالوا: ما نرى إلا عند بعض ما يرون من الآيات يخوفهم، فقال عمر: «ما أراه إلا عند بعض ما يتنقصون من معاصي الله» ، فخرج رجل فلقي أعرابياً، فقال: يا فلان ما فعل دينك؟

تخوّفته: أي: تنقصته.

فرجع إلى عمر فأخبره بذلك.

ثم قال تعالى: فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي: لا يعجل عليهم بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ...

الآية: إِلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وقرأ حمزة والكسائِيُّ وعاصم «١» : «لاَ يَهْدِي» - بفتح الياء وكسر الدال-، وذلك على معنيين: أيْ: إِن اللَّه لا يَهْدِي من قضَى بإِضلاله، والمعنى الثاني: أنَّ العربَ تقُولُ: هَدَى الرَّجُلُ، بمعنى اهتدى.

وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ: الضمير في أَقْسَمُوا لكفَّار قريش، ثم رَدَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: بَلى، فأوجب بذلك البعث، وأَكْثَرَ النَّاسِ في هذه الآية: الكفَّار المكذِّبون بالبَعْث.

وقوله سبحانه: لِيُبَيِّنَ: التقدير: بلى يبعثه ليبيِّن لهم الذي يَخْتَلِفُونَ فيه.

وقوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ ...

الآية: المَقْصَدُ بهذه الآية إِعلامُ مُنْكِرِي البَعْث بِهَوَانِ أمره على اللَّه تعالى، وقُرْبِهِ في قُدْرته، لا ربِّ غيره.

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا: هؤلاء هُمُ الذين هاجروا إِلى أرض الحبشةِ، هذا قول الجمهورِ، / وهو الصحيحُ في سبب نزولِ الآية لأن هجرة المدينة لم تكُنْ وقْتَ نزول الآيةِ، والآيةُ تتناوَلُ كلَّ مَنْ هاجر أَولاً وآخراً، وقرأ جماعة «٢» خارجَ السبْعِ: «لَنُثْوِيَنَّهُمْ» ، واختلف في معنى الحسنة هنا، فقالتْ فرقة:

الحسنةُ عِدَةٌ بَبُقْعةٍ شريفةٍ، وهي المدينةُ، وذهبَتْ فرقةٌ إِلى أن الحسنة عامّة في كلّ أمر

مستحسَنٍ يناله ابنُ آدم، وفي هذا القولِ يدخُلُ ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: أنه كَانَ يُعْطِي المَالَ وَقْتَ القِسْمَة الرَّجُلَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ويقُولُ له: خُذْ ما وَعَدَكَ اللَّهُ في الدنيا، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثم يتلو هذه «١» الآية، ويدخل في هذا القولِ النَّصْرُ على العدوِّ، وفتْحُ البلادِ، وكلُّ أَمَلٍ بلغه المهاجرون، والضمير في يَعْلَمُونَ عائدٌ على كفار قريشٍ.

وقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا: من صفة المهاجرين.

وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ: هذه الآيةُ ردٌّ على كفَّار قريش الذينَ استبعدوا أنْ يبعثَ اللَّه بشراً رَسُولاً، ثم قال تعالى: فَسْئَلُوا، أي: قل لهم: فَسْئَلُوا، وأَهْلَ الذِّكْرِ هنا: أحبارِ اليهودِ والنصارَى قاله ابن عباس وغيره «٢» ، وهو أظهر الأقوال، وهم في هذه النازِلَةِ خاصَّة إِنما يخبرون بأنَّ الرسُلَ من البَشَر، وأخبارُهم حجَّة على هؤلاء، وقدْ أرسلَتْ قريشٌ إِلى يهودِ يَثْرِبَ يسألونهم ويُسْنِدُون إِليهم.

وقوله: بِالْبَيِّناتِ: متعلِّق بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: أرسلناهم بالبيِّنات، وقالتْ فرقة:

الباءُ متعلِّقة ب أَرْسَلْنا في أول الآية، والتقدير على هذا: وما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزُّبُرِ إِلاَّ رجالا، ففي الآية تقديم وتأخير، والزُّبُرِ: الكُتُبُ المزبورة.

وقوله سبحانه: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ...

الآية.

ت: وقد فعل صلّى الله عليه وسلّم ذلك، فبيَّن عن اللَّهِ، وأوْضَح، وقد أوتي صلّى الله عليه وسلّم جوامعَ الكَلِم، فأعرب عن دين اللَّهِ، وأفصح، ولنذكُر الآن طَرَفاً من حِكَمِهِ، وفصيحِ كلامِهِ بحذف أسانيده، قال عِياضٌ في «شِفَاهُ» : وأما كلامه صلّى الله عليه وسلّم المعتادُ، وفصاحَتُه المعلومةُ، وجوامُع كَلِمِهِ، وحِكَمُه المأثورةُ، فمنها ما لا يُوَازَى فصاحةً، ولا يبارَى بلاغةً كقوله: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» «٣» ، وقوله: «النّاس

كأسنان المشط» «١» ، «والمرء مَعَ مَنْ أَحَبَّ» «٢» ، و «لاَ خَيْرِ فِي صُحْبَةِ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ مَا تَرَى لَهُ» «٣» ، و «النَّاسُ مَعَادِنٌ» «٤» ، و «مَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَهُ» ، و «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» ، و «هو بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم» «٥» ، و «رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ عَنْ شرّ فسلم» ،

وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» ، و «أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ» ، و «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ منّي

مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطّئون أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ» ، وقوله: «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يَعْنِيهِ، وَيَبْخَلُ بِمَا لاَ يُغْنِيهِ» ، وقوله: «ذُو الوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» / وَنَهْيُهُ عَنْ قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ «١» ، وقوله: «اتق اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها،

وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حسنٍ» «١» و «خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُها» ، وقوله: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَّا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَّا» ، وقوله: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَة» ، وقولِهِ في بَعْضِ دعائه: «اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي، وَتُلِمُّ بِهَا شَعْثِي «٢» ، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي، وتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رَشَدِي، وَتُرَدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الفَوْزَ فِي القَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ» ، إِلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ بيانِهِ، وحُسْنِ كلامه ممَّا روته الكافَّة مما لا يُقَاسُ به غيره، وحاز فيه سبقاً لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ كقوله:

«السَّعَيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» في أخواتها مما يدرك الناظِرُ العَجَبَ في مضمَّنها، ويذهَبُ به الفكْرُ في أداني حكمها، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ» ، فجمع اللَّه له بذلك قُوَّة عارضَةِ الباديةِ وجزالَتَهَا، وَنَصَاعَةَ ألفاظِ الحاضِرَةِ وَرَوْنَقَ كلامِهَا، إِلى التأييد الإلهي الذي مَدَدُهُ الوَحْي، الذي لا يحيطُ بعلمه بَشَرِيّ.

انتهى.

وبالجملة فليس بَعْدَ بيان اللَّه ورسُولِهِ بيانٌ لمن عَمَّر اللَّهُ قلْبَه بالإِيمان.

وقوله سبحانه: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ...

الآية: تهديدٌ لكفَّار مكَّة ونَصْبُ السيئات ب مَكَرُوا وعُدِّيَ مَكَرُوا لأنه في معنى عملوا، قال البخاريُّ: قال ابن عباس: فِي تَقَلُّبِهِمْ، أي: في اختلافهم «٣» انتهى.

وقال المهدويُّ: قال قتادة: فِي تَقَلُّبِهِمْ: في أسفارهم «٤» ، الضَّحَّاك: فِي تَقَلُّبِهِمْ: باللْيلِ انتهى.

وقوله: عَلى تَخَوُّفٍ، على جهة التخُّوف، والتخُّوفُ التنقُّص، وروي أن عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه خَفِيَ عليه معنى التخُّوف في هذه الآية، وأراد الكَتْبَ إلى الأمصار يسأل عن ذلك، فيروَى أنه جاءه فَتًى مِن العرب، فقال: يا أمير المؤمِنِين، إِنَّ أَبي يتخَّوفُنِي مَالي، فقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ!

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «٥» ، ومنه قول النابغة: [الطويل]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أنْكَرَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ  وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا؛ فَهَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا !

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: أنَّ الرُّسُلَ كانُوا مِثْلَكَ آدَمِيِّينَ، إلّا أنَّهم يُوحى إلَيْهِمْ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " نُوحِي " بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ.

" فاسْألُوا " يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ " أهْلَ الذِّكْرِ " وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أهْلُ التَّوْراةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أهْلُ القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: العُلَماءُ بِأخْبارِ مَن سَلَفَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ.

والثّانِي: لا تَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، جائِزٌ أنْ يَسْألَ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ومَن كَفَرَ، لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ والعِلْمِ بِالسِّيَرِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ كُلَّهم، مِنَ البَشَرِ، وعَلى الثّانِي إنَّما يَسْألُ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وعَنْ قَتادَةَ، قالَ: سَلْمانُ الفارِسِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ ﴾ في هَذِهِ " الباءِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ.

والزُّبُرُ: الكُتُبُ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في (آلِ عِمْرانَ:١٨٤) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ ﴾ وهو القُرْآنُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ﴾ \[فِيهِ\] مِن حَلالٍ وحَرامٍ، ووَعْدٍ ووَعِيدٍ ﴿ وَلَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في ذَلِكَ فَيَعْتَبِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُنْيا حَسَنَةً ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ لِمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ ورَدَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الصَحِيحُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ لَمْ تَكُنْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ الآيَةِ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرُو، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ أمْرَ أبِي جَنْدَلٍ إنَّما كانَ والنَبِيِّ  بِالمَدِينَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وأصْحابِهِمُ الَّذِينَ أُوذُوا بِمَكَّةَ وخَرَجُوا عنها، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالآيَةُ تَتَناوَلُ بِالمَعْنى كُلَّ مَن هاجَرَ أوَّلًا وآخِرًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "لِنُبَوِّئَنَّهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَبِيعُ بْنُ خَثْيَمٍ، وَأمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَنُثْوِيَنَّهُمْ"، وهاتانِ اللَفْظَتانِ مَعْناهُما التَقْرِيرُ في مَوْضِعٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحَسَنَةُ" عِدَةٌ بِبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ كَشَفَ الغَيْبَ أنَّها كانَتِ المَدِينَةَ، وإلَيْها كانَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "حَسَنَةً"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَسَنَةُ لِسانُ الصِدْقِ الباقِي عَلَيْهِمْ في غابِرِ الدَهْرِ، وفي قَوْلِهِ: "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" أو "لَنُثْوِيَنَّهُمْ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ في لِسانِ الصِدْقِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ واسْتِعارَةٌ بَعِيدَةٌ، وهَذا عَلى أنَّ "الحَسَنَةَ" هي الحَياةُ والمَثْوى، وأنَّ الفِعْلَ الظاهِرَ عامَلٌ فِيها، وقالَأبُو الفَتْحِ: نَصَبَها عَلى مَعْنى: "نُحْسِنُ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ إحْسانًا"، وجُعِلَتْ "حَسَنَةٌ" مَوْضِعَ "إحْسانًا"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الحَسَنَةَ عامَّةٌ في كُلِّ أمْرٍ مُسْتَحْسَنٍ يَنالُهُ ابْنُ آدَمَ، وتُخْفى الِاسْتِعارَةُ المَذْكُورَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وفي هَذا القَوْلِ يَدْخُلُ ما رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ يُعْطِي المالَ وقْتَ القِسْمَةِ لِلرَّجُلِ مِنَ المُهاجِرِينَ ويَقُولُ لَهُ: خُذْ ما وعَدَكَ اللهُ في الدُنْيا ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، ويَدْخُلُ في هَذا القَوْلِ النَصْرُ عَلى العَدْوِ وفَتْحُ البِلادِ وكُلُّ أمَلٍ بَلَغَهُ المُهاجِرُونَ، و"أجْرُ الآخِرَةِ" هُنا إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ، والضَمِيرُ في "يَعْلَمُونَ" عائِدٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وجَوابُ "لَوْ" مُقَدَّرٌ مَحْذُوفٌ، ومَفْعُولُ "يَعْلَمُونَ" كَذَلِكَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ مِن صِفَةِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ وعَدَهُمُ اللهُ، والصَبْرُ يَجْمَعُ: عَنِ الشَهَواتِ، وعَلى المَكارِهِ في اللهِ تَعالى، والتَوَكُّلِ بِتَفاصِيلِ مَراتِبِهِ، فَمُطِيلٌ فِيهِ وذَلِكَ مُباحٌ حَسَنٌ، ما لَمْ يَغُلْ حَتّى يُسَبِّبَ الهَلاكَ، ومُتَوَسِّطُ يَسْعى جَمِيلًا ويَتَوَكَّلُ، وهَذا مَعَ قَوْلِ النَبِيِّ  : « "قَيِّدْها وتَوَكَّلَ"،» ومُقَصِّرٌ لا نَفْعَ في تَقْصِيرِهِ، وإنَّما لَهُ ما قُدِّرَ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ البَشَرُ رَسُولًا مِنَ اللهِ تَعالى، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ  أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلى الأُمَمِ إلّا رِجالًا، ولَمْ يُرْسِلْ مَلِكًا ولا غَيْرَ ذَلِكَ، و"رِجالًا" مَنصُوبٌ بِـ "أرْسَلْنا"، و"إلّا" إيجابٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ مِن طَرِيقٍ حَفَصٍ وحْدَهُ "نُوحِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الحاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: "فَسْألُوا؛ أيْ: قُلْ لَهم فاسْألُوا، و"أهْلُ الذِكْرِ" هُنا اليَهُودُ والنَصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنُ.

وقالَ الأعْمَشُ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيِنَةَ: المُرادُ مِن أسْلَمِ مِنهُمْ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ زَيْدٍ: "أهْلُ الذِكْرِ": أهَّلُ القُرْآنِ، وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ بِما ذَكَرَ، لِأنَّهم يَكْذِبُونَ هَذِهِ الصَنائِفَ، وقالَ الزَجاجُ: "أهْلُ الذِكْرِ" عامٌ في كُلِّ مَن يُعَزّى إلى عِلْمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ في هَذا كُلِّهِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنْ يَكُونَ أهْلُ الذِكْرِ هُنا أحْبارَ اليَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ النازِلَةِ خاصَّةٌ إنَّما يُخْبِرُونَ بِأنَّ الرُسُلَ مِنَ البَشَرِ، وأخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهُمْ، ولا يَتَّهِمُونَ بِشَهادَةِ لَنا لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ  قاتَلَهُمُ اللهُ، وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ مِن مَذْهَبِهِمْ، لا أنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ، وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبِ يَسْألُونَهم ويَسْتَنِدُونَ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالبَيِّناتِ" مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أرْسَلْنا" في أوَّلِ الآيَةِ، والتَقْدِيرُ -عَلى هَذا-: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ إلّا رِجالًا، فَفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، و"الزُبُرُ": الكُتُبُ المَزْبُورَةُ، تَقُولُ: "زَبَرْتَ ودَبَّرْتَ" إذا كَتَبَتْ، و"الذِكْرَ" في هَذِهِ الآيَةِ القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ: "لِتُبَيِّنَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتُبَيِّنَ بِسَرْدِكَ نَصَّ القُرْآنِ ما نَزَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتُبَيِّنَ بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلَ وبِشَرْحِكَ ما أُشْكِلَ مِمّا نَزَلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما بَيَّنَتْهُ السُنَّةُ مِن أمْرِ الشَرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحى إِلَيْهِمْ فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ بالبينات والزبر ﴾ .

كانت الآيات السابقة جارية على حكاية تكذيب المشركين نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وإنكارهم أنه مرسل من عند الله وأن القرآن وحي الله إليه، ابتداء من قوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ﴾ [سورة النحل: 24]، وردّ مزاعمهم الباطلة بالأدلّة القارعة لهم متخلّلاً بما أدمج في أثنائه من معان أخرى تتعلّق بذلك، فعاد هنا إلى إبطال شبهتهم في إنكار نبوءته من أنه بشر لا يليق بأن يكون سفيراً بين الله والناس، إبطالاً بقياس التّمثيل بالرّسل الأسبقين الذين لا تنكر قريش رسالتهم مثل نوح وإبراهيم عليهما السلام.

وهذا ينظر إلى قوله في أول السورة ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ﴾ [سورة النحل: 1].

وقد غيّر أسلوب نظم الكلام هنا بتوجيه الخطاب إلى النبي بعد أن كان جارياً على أسلوب الغيبة ابتداء من قوله تعالى: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ [سورة النحل: 22]، وقوله تعالى ﴿ وقال الذين أشركوا ﴾ [سورة النحل: 35] الآية، تأنيساً للنبيء عليه الصلاة والسلام لأن فيما مضى من الكلام آنفاً حكاية تكذيبهم إيّاه تصريحاً وتعريضاً، فأقبل الله على الرسول بالخطاب لما في هذا الكلام من تنويه منزلته بأنه في منزلة الرسل الأولين عليهم الصلاة والسلام.

وفي هذا الخطاب تعريض بالمشركين، ولذلك التفت إلى خطابهم بقوله تعالى: فسألوا أهل الذكر}.

وصيغة القصر لقلب اعتقاد المشركين وقولهم: ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ [سورة الإسراء: 94]، فقصر الإرسال على التعلّق برجال موصوفين بأنهم يوحى إليهم.

ثم أشهد على المشركين بشواهد الأمم الماضية وأقبل عليهم بالخطاب توبيخاً لهم لأن التوبيخ يناسبه الخطاب لكونه أوقع في نفس الموبّخ، فاحتجّ عليهم بقوله: فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} الخ.

فهذا احتجاج بأهل الأديان السابقين أهل الكتُب اليهود والنصارى والصابئة.

و ﴿ الذّكر ﴾ : كتاب الشريعة.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ في أول سورة الحِجر (6).

وفي قوله تعالى: إن كنتم لا تعلمون } إيماء إلى أنهم يعلمون ذلك ولكنهم قصدوا المكابرة والتمويه لتضليل الدهماء، فلذلك جيء في الشرط بحرف ﴿ إن ﴾ التي ترد في الشرط المظنون عدم وجوده.

وجملة ﴿ فسألوا أهل الذكر ﴾ معترضة بين جملة ﴿ وما أرسلنا ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ .

والجملة المعترضة تقترن بالفاء إذا كان معنى الجملة مفرّعاً على ما قبله، وقد جعلها في «الكشاف» معترضة على اعتبار وجوه ذكرها في متعلّق قوله تعالى: ﴿ بالبينات ﴾ .

ونقل عنه في سورة الإنسان (29) عند قوله تعالى: ﴿ إن هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربه سبيلا ﴾ أنه لا تقترن الجملة المعترضة بالفاء.

وتردد صاحب الكشاف} في صحة ذلك عنه لمخالفته كلامه في آية سورة النحل.

وقوله ﴿ بالبينات ﴾ متعلّق بمستقر صفةً أو حالاً من ﴿ رجالاً ﴾ .

وفي تعلّقه وجوه أخر ذكرها في «الكشاف»، والباء للمصاحبة، أي مصحوبين بالبينات والزبر، فالبينات دلائل الصّدق من معجزات أو أدلّة عقلية.

وقد اجتمع ذلك في القرآن وافترق بين الرسل الأوّلين كما تفرّق منه كثير لرسولنا صلى الله عليه وسلم و ﴿ الزُّبُر ﴾ : جمع زبور وهو مشتقّ من الزبرْ أي الكتابة، ففعول بمعنى مفعول.

﴿ والزبر ﴾ الكتب التي كتب فيها ما أوحي إلى الرسل مثل صحف إبراهيم والتوراة وما كتبه الحواريون من الوحي إلى عيسى عليه السلام وإن لم يكتبه عيسى.

ولعل عطف ﴿ الزبر ﴾ على ﴿ بالبينات ﴾ عطف تقسيم بقصد التوزيع، أي بعضهم مصحوب بالبينات وبعضهم بالأمرين لأنه قد تجيء رسل بدون كتب، مثل حنظلة بن صفوان رسول أهل الرّسّ وخالد بن سنان رسول عبس.

ولم يذكر الله لنوح عليه السلام كتاباً.

وقد تجعل ﴿ الزّبر ﴾ خاصة بالكتب الوجيزة التي ليست فيها شريعة واسعة مثل صحف إبراهيم وزبور داود عليهما السلام والإنجيل كما فسّروها به في سورة فاطر.

لما اتّضحت الحجّة بشواهد التاريخ الذي لا ينكر ذُكرت النتيجة المقصودة، وهو أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو ذكر وليس أساطير الأوّلين.

والذكر الكلام الذي شأنه أن يُذكر، أي يُتلى ويكرّر.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ في سورة الحِجر (6).

أي ما كنتَ بدعاً من الرّسل فقد أوحينا إليك الذكر.

والذكر: ما أنزل ليقرأه الناس ويتلونه تكراراً ليتذكروا ما اشتمل عليه.

وتقديم المتعلّق المجرور على المفعول للاهتمام بضمير المخاطب.

وفي الاقتصار على إنزال الذكر عقب قوله: بالبينات والزبر } إيماء إلى أن الكتاب المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم هو بيّنةٌ وزبور معاً، أي هو معجزة وكتاب شرع.

وذلك من مزايا القرآن التي لم يشاركه فيها كتاب آخر، ولا معجزةٌ أخرى، وقد قال الله تعالى: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مُبين أو لم يكفهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمةً وذكرى لقوم يؤمنون ﴾ سورة العنكبوت (50، 51).

وفي الحديث: أن النبي قال: ما من الأنبياء نبيء إلا أوتي من الآيات ما مِثْلُه آمَنَ عليه البشر وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة.

والتبيين: إيضاح المعنى.

والتعريف في الناس للعموم.

والإظهار في قوله تعالى: ما نزل إليهم} يقتضي أن ما صدق الموصول غير الذكر المتقدم، إذ لو كان إيّاه لكان مقتضى الظاهر أن يقال لتبيّنه: للناس.

ولذا فالأحسن أن يكون المراد بما نزل إليهم الشرائع التي أرسل الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم فجعل القرآن جامعاً لها ومبيناً لها ببليغ نظمه ووفرة معانيه، فيكون في معنى قوله تعالى: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ [سورة النحل: 89].

وإسناد التبيين إلى النبي عليه الصلاة والسلام باعتبار أنه المبلّغ للناس هذا البيانَ.

واللّام على هذا الوجه لذكر العِلّة الأصلية في إنزال القرآن.

وفسر ما نزل إليهم } بأنه عين الذكر المنزّل، أي أنزلنا إليك الذكر لتبينّه للناس، فيكون إظهاراً في مقام الإضمار لإفادة أن إنزال الذكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو إنزاله إلى الناس كقوله تعالى: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ [سورة الأنبياء: 10].

وإنّما أتي بلفظه مرتين للإيماء إلى التّفاوت بين الإنزالين: فإنزاله إلى النبي مباشرةً، وإنزاله إلى إبلاغه إليهم.

فالمراد بالتبيين على هذا تبيين ما في القرآن من المعاني، وتكون اللّام لتعليل بعض الحِكم الحافّة بإنزال القرآن فإنها كثيرة، فمنها أن يبيّنه النبي فتحصل فوائد العلم والبيان، كقوله تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للناس ﴾ [سورة آل عمران: 187].

وليس في هذه الآية دليل لمسائل تخصيص القرآن بالسنّة، وبيان مجمل القرآن بالسنّة، وترجيح دليل السنّة المتواترة على دليل الكتاب عند التعارض المفروضات في أصول الفقه إذ كل من الكتاب والسنّة هو من تبيين النبي إذ هو واسطته.

عطف لعلهم يتفكرون } حكمة أخرى من حِكَم إنزال القرآن، وهي تهيئة تفكّر الناس فيه وتأمّلهم فيما يقرّبهم إلى رضى الله تعالى.

فعلى الوجه الأول في تفسير ﴿ لتبين للناس ﴾ يكون المراد أن يتفكّروا بأنفسهم في معاني القرآن وفهم فوائده، وعلى الوجه الثاني أن يتفكّروا في بيانك ويعوه بأفهامهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ هَذا خِطابٌ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ.

﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ أهْلَ الذِّكْرِ العُلَماءُ بِأخْبارِ مَن سَلَفَ مِنَ القُرُونِ الخالِيَةِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما بَعَثَ رَسُولًا إلّا مِن رِجالِ الأُمَّةِ، وما بَعَثَ إلَيْهِمْ مَلَكًا.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِأهْلِ الذِّكْرِ أهْلَ الكِتابِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ.

الثّانِي: أنَّهُ العِلْمُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك، ومن أنكر منهم قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد.

فأنزل الله: ﴿ أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم ﴾ [ يونس: 2] وقال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ يعني فاسألوا أهل الذكر والكتب الماضية: أبشرا كانت الرسل الذين أتتهم أم ملائكة؟

فإن كانوا ملائكة أتتكم، وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون رسولاً.

ثم قال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم من أهل القرى ﴾ [ يوسف: 109] أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ قال: قالت العرب ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة ﴾ [ المائدة: 73] قال الله: ما أرسلت الرسل إلا بشراً ﴿ فاسألوا ﴾ يا معشر العرب ﴿ أهل الذكر ﴾ وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين جاءتهم قبلكم ﴿ إن كنتم لا تعلمون ﴾ أن الرسل الذين كانوا من قبل محمد كانوا بشراً مثله، فإنهم سيخبرونكم أنهم كانوا بشراً مثله.

وأخر الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس ﴿ فاسألوا أهل الذكر ﴾ يعني مشركي قريش، أن محمداً رسول الله في التوراة والإنجيل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فاسألوا أهل الذكر ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة، وكانوا أهل كتب يقول: فاسألوهم ﴿ إن كنتم لا تعلمون ﴾ أن الرجل ليصلي ويصوم ويحج ويعتمر، وأنه لمنافق.

قيل: يا رسول الله، بماذا دخل عليه النفاق؟

قال: يطعن على إمامه، وإمامه من قال الله في كتابه: ﴿ فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للعالم أن يسكت عن علمه، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله.

وقد قال الله: ﴿ فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون ﴾ فينبغي للمؤمن أن يعرف عمله على هدى أم على خلافه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ بالبينات ﴾ قال: الآيات ﴿ والزبر ﴾ قال: الكتب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أصحابه في قوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ قال: ﴿ البينات ﴾ الحلال والحرام الذي كانت تجيء به الأنبياء ﴿ والزبر ﴾ كتب الأنبياء ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ قال: هو القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ قال: ما أحل لهم وما حرم عليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ قال: أرسله الله إليهم ليتخذ بذلك الحجة عليهم.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولعلهم يتفكرون ﴾ قال: يطيعون.

وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً أخبرنا بما يكون إلى قيام الساعة، عقله منا من عقله ونسيه من نسيه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ قال: هو نمرود بن كنعان وقومه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي الشرك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ قال: تكذيبهم الرسل وأعمالهم بالمعاصي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ قال: في اختلافهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ قال: إن شئت أخذته في سفره.

وفي قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه.

وتخوف بذلك.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ قال: في أسفارهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ يعني على أي حال كانوا بالليل والنهار ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ يعني أن يأخذ بعضاً بالعذاب ويترك بعضاً، وذلك أنه كان يعذب القرية فيهلكها ويترك الأخرى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قال: ينقص من أعمالهم.

وأخرج ابن جرير من طريق عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قالوا: ما نرى إلا أنه عند تنقص ما نردده من الآيات، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما تنتقصون من معاصي الله.

فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابياً فقال: يا فلان، ما فعل ربك.

فقال: قد تخيفته.

يعني تنقصته.

فرجع إلى عمر فأخبره فقال: قدر الله ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قال: يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قال: كان يقال: التخوف، هو التنقص...

تنقصهم من البلد والأطراف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤُا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله ﴾ قال: ظل كل شيء فيه، وظل كل شيء سجوده.

﴿ فاليمين ﴾ أول النهار ﴿ والشمائل ﴾ آخر النهار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤُا ظلاله ﴾ قال: إذا فَاءَ الْفَيءُ توجه كل شيء ساجداً لله قِبَلَ القبلة من بيت أو شجر.

قال: فكانوا يستحبون الصلاة عند ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن الضحاك في الآية قال: إذا فاء الفيء، لم يبق شيء من دابة ولا طائر إلا خر لله ساجداً.

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلين من صلاة السحر» .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وليس من شيء إلا وهو يسبح الله تلك الساعة» ثم قرأ ﴿ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله...

﴾ الآية كلها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم قال: صلوا صلاة الآصال حتى يفيء الفيء قبل النداء بالظهر، من صلاها فكأنما تهجد بالليل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: فيء كل شيء ظله، وسجود كل شيء فيه سجود الخيال فيها.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية في قوله: ﴿ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل ﴾ قال: الغدو والآصال، إذا فاء ظل كل شيء.

أما الظل بالغداة فعن اليمين، وأما بالعشي فعن الشمائل.

إذا كان بالغداة سجدت لله، وإذا كان بالعشي سجدت له.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غالب الشيباني قال: أمواج البحر صلاته.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ داخرون ﴾ قال: صاغرون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وهم داخرون ﴾ قال: صاغرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ﴾ قال المفسرون (١)  -، قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فهلا بعث إلينا ملكًا (٢) ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ أي إلى الأمم الماضية، ﴿ إِلَّا رِجَالًا ﴾ : آدميين لا ملائكة، أعلمَ اللهُ أن الرسلَ بشر، إلا أنهم يُوحَى إليهم، فقال: ﴿ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ﴾ ، نظير هذه الآية في أواخر سورة يوسف (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ فقال ابن عباس: يريد أهل التوراة الذين آمنوا من قريظة والنضير (٤) (٥) ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ  ﴾ ، ﴿ الذِّكْرِ ﴾ يعني التوراة، وهذا قول عامة المفسرين: أن أهل الذكر هم أهل الكتاب؛ يعني المؤمنين منهم في قول الأكثرين (٦) وقال أبو إسحاق: قيل: فاسألوا أهل الكُتب الذين يشهدون بهذا (٧) (٨) وقال الزجاج: ويجوز -والله أعلم- قيل لهم: سلوا كلَّ من يُذْكَرُ بعلم، وافق هذه الملة أو خالفها (٩) قال أهل المعاني: وفي هذه الآية دليل على أن الخصم إذا التبس عليه أمر رَدّ إلى أهل العلم بذلك (١٠) (١) ساقط من (د).

(٢) أخرجه الطبري 14/ 109، بنحوه عن ابن عباس، من طريق الضحاك مقطعة، وورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 203 أ، والسمرقندي 2/ 236، والثعلبي 2/ 157أ، بنصه، وانظر: البغوي 5/ 20، وابن عطية 4/ 423، وابن الجوزي 4/ 449، والفخر الرازي 20/ 35، و"تفسير القرطبي" 10/ 108، والخازن 3/ 116، وأبي حيان 5/ 493، وابن كثير 2/ 628، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 222، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.

(٣) وهي قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى  ﴾ .

(٤) هما قبيلتان من قبائل اليهود التي سكنت المدينة وخيبر، وكانوا ثلاث قبائل؛ الثالثة هي بنو قينقاع، وقد أجلاهم النبي -  - عن المدينة لما خانوا عهده وتآمروا عليه، وآذوا المسلمين.

انظر: "سيرة النبي -  -" لابن هشام 1/ 16، 2/ 442، و"الروض الأنف" 2/ 289، و"زاد المعاد" 3/ 65، و"البداية والنهاية" 4/ 3، 74، 116.

(٥) أخرجه الطبري 14/ 109، وهو جزء من رواية الضحاك عن ابن عباس السابقة؛ وفيها: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾ : يعني أهل الكتب الماضية، وورد بنحوه مختصرًا في "تفسير الماوردي" 3/ 189، والطوسىِ 6/ 384، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 423، وابن الجوزي 4/ 449، والفخر الرازي 20/ 36، وأبي حيان 5/ 493، وابن كثير 2/ 628، والقول في كل المصادر ورد مطلقًا دون تقيده بمن آمن من بني قريظة أو النضير.

(٦) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 203، و"معاني القرآن" للنحاس 5/ 21، و"تفسير السمرقندي" 2/ 236، وهود الهواري 2/ 371، والطوسي 6/ 384، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 70، وابن عطية 8/ 423، و"تفسير القرطبي" 10/ 108، والخازن 3/ 116، وأبي حيان 5/ 493.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 201، بنحوه، وهو أحد قولين ذكرهما في الآية.

(٨) (أن) ساقط من (ع).

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 201، بنصه، وهذا القول هو الراجح؛ لأنه موافق لعموم اللفظ، وحمل اللفظ على عمومه أولى ما لم يرد له مخصص، والرواية المخصص بأهل الكتاب عن ابن عباس، هي من طريق الضحاك وهي منقطعة.

(١٠) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 384، بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين هَاجَرُواْ فِي الله ﴾ يعني الذين هاجروا من مكة إلى أرض الحبشة، لأن الهجرة إلى المدينة كانت بعدها، وقيل: نزلت في أبي جندل بن سهيل وخبره مذكور في السير في قصة الحديبية، وهذا بعيد لأن السورة نزلت قبل ذلك ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً ﴾ وعد أن ينزلهم بقعة حسنة، وهي المدينة التي استقروا بها، وقيل: إن حسنة صفة لمصدر؛ أي نبوئنهم تبوئة حسنة وقرئ لنثوبنهم بالثاء من الثواب ﴿ الذين صَبَرُواْ ﴾ وصف للذين هاجروا، ويحتمل إعرابه أن يكون نعتاً أو على تقدير: هم الذين أو مدح الذين ﴿ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ ردّ على من استبعد أن يكون الرسول من البشر ﴿ فاسألوا أَهْلَ الذكر ﴾ يتعلق بأرسلنا الذي في أول الآية على التقديم والتأخير في الكلام، أو بأرسلنا مضمراً وبيوحي أو بتعلمون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نوحي ﴾ بالنون: حفص غير الخزاز.

الباقون بالياء مجهولاً ﴿ أو لم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف ﴿ تتفيؤ ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ لا تعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء ﴿ والزبر ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ بمعجزين ﴾ ه لا كذلك ﴿ على تخوّف ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اثنين ﴾ ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل ﴿ واحد ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ فارهبون ﴾ ه ﴿ واصباً ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تجأرون ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع شدة اتصال المعنى ﴿ يشركون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول والفاء للاستئناف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ رزقناهم ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه {  } لا لأن ما بعده من جملة مفعول ﴿ يجعلون ﴾ و {  } معترض للتنزيه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعد وصف ﴿ لكظيم ﴾ أو استنئاف.

﴿ ما بشر به ﴾ ط لأن التقدير يتفكر في نفسه المسألة ﴿ في التراب ﴾ ط ﴿ ما يحكمون ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف لفظاً ﴿ الأعلى ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: الشبهة الخامسة أن قريشاً كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله بشراً فأجاب  بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ والمراد أن هذه عادة مستمرة من أوّل زمان الخلق والتكليف.

وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.

قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما روي أن جبرائيل  كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما روي أنه  رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين.

وعليه تأوّلوا قوله: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى  ﴾ ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله - أعني قريشاً - بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك قوله: ﴿ فاسئلوا أهل الذكر ﴾ قال بعض الأصولين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه.

واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس.

وأجيب بأنه قد ثبت العمل بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص.

أما قوله: ﴿ بالبينات ﴾ ففي متعلقه وجوه منها: أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ داخلاً تحت حكم الاستثناء مع ﴿ رجالاً ﴾ وأنكر الفراء ذلك قال: إن صلة ما قبل "إلا" لا تتأخر على ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالاً.

ولما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ رجالاً ﴾ صفة له أي رجالاً متلبسين بالبينات.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ مضمراً نظيره "ما مر إلا أخوك"، ثم تقول "مرَّ بزيد" قاله الفراء.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ بيوحى ﴾ أي يوحى إليهم بالبينات.

ومنها أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ لا تعلمون ﴾ أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا.

وقال في الكشاف: الشرط ههنا في معنى التبكيت والإلزام كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.

قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل الأجير ثابت.

وسلم جار الله أن مثل قوله: ﴿ فاسألوا ﴾ جواب الشرط على هذا الوجه.

وأما على الوجوه المتقدمة فجزم أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما دل عليه قوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الخ.

وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل الوجوه أن يكون مثل ﴿ فاسألوا ﴾ جواباً والله أعلم.

وأهل الذكر أهل التوراة.

كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر  ﴾ يعني التوراة.

وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.

وقوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي تعتبر في باب العبادة وهي للزبر.

ثم قال: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ أي القرآن الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبيّن الغاية المترتبة على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة إلى المكلفين.

وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والخبر مبين له.

وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، وقوله: ﴿ لتبين ﴾ محمول على المتشابهات المجملات.

قال بعض من نفى القياس: لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بيّن أن القياس من جملة الحجج فالقياس أيضاً راجع إلى بيان الرسول.

ثم لما ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار والتنبيه فقال ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ومن حول المدينة.

قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول  وإيذاء أصحابه على سبيل الخفية ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض ﴾ كما خسف بقارون ﴿ أو يأتيهم العذاب ﴾ أو ملائكة العذاب من السماء ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ كما فعل بقوم لوط ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فيما هم بمعجزين ﴾ فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوهاً منها: أنه  يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة.

ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم.

ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم.

والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد  ﴾ وبالمعنى الثالث من قرأ ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ {التوبة: 48].

﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل.

عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟

فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟

قال: نعم قال شاعرنا زهير: تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً *** كما تخوف عود النبعة السفن قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر.

فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم.

قالوا: وما ديواننا؟

قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فإن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب.

وأقول: يحتمل أن يكون قوله "فإن" تعليلاً لقوله ﴿ أفأمن ﴾ كقوله: { ﴿ ما غرك بربك الكريم  ﴾ .

ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله ﴾ قال جار الله: "ما" مبهمة بيانه ﴿ من شيء ﴾ وقال أهل المعاني: قوله: ﴿ يتفيؤ ظلاله ﴾ إخبار عن شيء وليس بوصف له.

ويتفيأ "يتفعل" من الفيء وأصله الرجوع ومنه فيئة المولى.

وقال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار.

فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل.

وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل.

وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحداً في اللفظ وإن كان كثيراً في المعنى وهو قوله: ﴿ إلى ما خلق ﴾ نظيره ﴿ لتستووا على ظهوره  ﴾ أضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما تركبون.

قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت.وقوله ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ قال أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله ﴿ ما خلق الله ﴾ لفظ مفرد ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة.

وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار يختلف بحسب البلاد.

وقد يتفق انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصاً عن الميل الكلي.

ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأظلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم.

أما قوله ﴿ سجداً لله ﴾ فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية.

وقد نبى المتأخرون على الأظلال مسائل كثيرة منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد.

وقوله ﴿ وهم داخرون ﴾ حال أخرى من الظلال.

وإنما جمع بالواو والنون لأنهم أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله  .

وقال جار الله: اليمين والشمائل استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ.

والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال الأخفش: أي من الدواب: وأخبر بالواحد كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله.

وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض، والوجه في تخصيص الدابة والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضاً كذلك.

ثم عطف عليها الملائكة إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها تطير بالجناحين، وبين النوعين مغايرة لقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة والدب.

قال جار الله: ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أن في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الملائكة.

وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: ﴿ والملائكة ﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه.

ثم شرع  في صفة الملائكة وذكر عصمتهم قال: ﴿ وهم لا يستكبرون يخافون ﴾ على أنه حال منهم أو بيان لنفي استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار.

وقوله ﴿ من فوقهم ﴾ إما أن يتعلق بـ[يخافون} والمعنى يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإما أن يكون حالاً من الرب أي يخافونه غالباً قاهراً.

وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ {الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه  وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟

والجواب عن الأوّل أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله  : ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ فمن هذا الخوف يتركون الذنب.

وعن ابن عباس أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم.

وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون.

وقد يستدل بها على أن الملك أفضل من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه ﴿ قتل الإنسان ما أكفره  ﴾ وقال  : "ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا" وقال أيضاً  "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.

وتمام البحث في هذه المسألة مذكور في أول سورة البقرة.

وفي قوله: ﴿ ما يؤمرون ﴾ دلالة على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين.

ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلاً ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ﴾ فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟

وأجيب بوجوه منها: قول صاحب النظم أن فيه تقديماً وتأخيراً أي لا تتخذوا اثنين إلهين.

ومنها أنه كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك.

ومنها قول لأهل المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية.

وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والأثنينية منافية للإلهية لاستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركباً من جزأين ما به الاشتراك في الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب.

ودليل التمانع أيضاً يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر.

ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلاً: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وقد مر مثله في أوّل "البقرة" ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ فقالت الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال ﴿ وله الدين واصباً ﴾ فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها.

ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازماً له.

وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.

قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق  ، فإن طاعته واجبة أبداً.

ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفاً، أو وله الجزاء سرمداً لا يزول يعني الثواب والعقاب.

وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ إشارة إلى احتياج الكل إليه في حال حدوثه.

وقوله: ﴿ وله الدين ﴾ أي الانقياد ﴿ واصباً ﴾ إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرحج.

ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ ثم منّ عليهم بقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ "ما" بمعنى "الذي" وبكم صلته و ﴿ من نعمة ﴾ حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: ﴿ فمن الله ﴾ الخبر.

وقيل: "ما" شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن.

وقال جار الله: معناه أي شيء حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله.

والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه.

ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلاً ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ ما تتضرعون إلا إليه.

والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.

﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وما بكم ﴾ عاماً، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و ﴿ منكم ﴾ للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله: ﴿ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد  ﴾ أقول: وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقاً منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى لله، وفريقاً يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: ﴿ ليكفروا ﴾ كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران.

والمراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان.

ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظراً إلى أوّل الكلام ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ عاقبة كفركم ومثله في "الروم" كما سيجيء، وأما في "العنكبوت" فإنه قال: ﴿ ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا  ﴾ بالعطف على القياس.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون ﴾ الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضراً.

وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ﴿ نصيباً ﴾ أو يجعلون لما لا يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة.

والمراد بجعل النصيب ما مر في "الأنعام" في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا  ﴾ وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

عن الحسن: وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب.

ثم أوعدهم الله بقوله: ﴿ تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ﴾ على الله من أن له شريكاً وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشىء أصلاً، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن لغير الله تأثيراً في هذا العالم.

ومتى يكون هذا السؤال؟

قيل: عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر.

والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون  ﴾ في الأمم عامة.

قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله.

قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر.

{  } تنزيه لذاته عن نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم.

ومحل "ما" في قوله ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين.

وأبى الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا.

فلو كان منصوباً لقيل: و "لأنفسهم ما يشتهون".

ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي جعلوها لله  فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ﴾ أي صار ﴿ مسودّاً ﴾ ويحتمل أن يكون استعمل "ظل" لان وضع الحمل يتفق بالليل غالباً فيظل نهاره مسود الوجه ﴿ وهو كظيم ﴾ مملوء غماً وحزناً وغيظاً على المرأة.

قال أهل المعاني: جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل القلب ولم يبق منه أثر قويّ على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود ﴿ يتوارى ﴾ يستخفي ﴿ من القوم من سوء ما بشر به ﴾ من أجل سوء المبشر به ولم يظهر أياماً يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: ﴿ أيمسكه ﴾ أي يحبسه ﴿ على هون ﴾ ذل وهوان.

والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها.

وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ أي بيده.

والدس إخفاء الشيء في الشيء.

وإنما ذكر الضمير في ﴿ يمسكه ﴾ و ﴿ يدسه ﴾ باعتبار ما بشر به.

كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها.

وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة.

روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذين بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها فقال: يا أبتي قتلتني.

فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء.

فقال  : ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار.

ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء ﴿ مثل السوء ﴾ وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق والتزام الشح البالغ ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ وهو أضداد صفات المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ينسب إليه ما لا يليق به ﴿ الحكيم ﴾ في خلق الذكور والإناث أو في الوعيد على قتل البنات.

قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة.

وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله.

ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله  وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله  فعلى جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.

أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها هو الله  فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم.

التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى ﴿ أو يأخذهم على تخوّف ﴾ تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم ﴿ فإن ربكم لرءُوف ﴾ بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد ﴿ رحيم ﴾ حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال.

ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال ﴿ سجداً لله ﴾ منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله.

وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ أراد بالإله الآخر الهوى لقوله  : "ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" ﴿ ويجعلون ﴾ يعني أصحاب النفوس والأهواء ﴿ لما لا يعلمون ﴾ لمن لا علم لهم بأحوالهم ﴿ نصيباً ﴾ بالرياء ﴿ مما رزقناهم ﴾ من الطاعات ﴿ تالله ليسئلن عما كنتم تفترون ﴾ والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوةوبالعكس ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال  : ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ﴾ .

كان ظلمهم إياهم على وجوه: منهم من ظلم بالإخراج من الدّيار والطرد من البلد؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ...

﴾ الآية [الممتحنة: 9] ومنهم من ظلم بالمنع عن الهجرة، ومنهم ظلم بالمنع عن إظهار الإسلام؛ والعمل له، وأنواع ما أوذوا وظلموا بإظهارهم الإسلام، وإجابتهم رسول الله، واتباعهم إياه.

ثم وعد لهم في الدنيا حسنة؛ فقال: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ﴾ : قيل: لنعطينهم، وقيل: لنرزقنهم، وهو واحد.

﴿ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ .

تحتمل الحسنة في الدنيا العزّ بعد الذل، والسعة بعد الضيق، والشدة والنصر والغلبة لهم بعد ما كانوا مقهورين مغلوبين في أيدي الأعداء، والذكر والشرف بعد الهوان، هذه الحسنة التي بوّأهم في الدنيا.

والمهاجرة: المقاطعة؛ كأنه قال: والذين قاطعوا أرحامهم، وأقاربهم، وأموالهم، ومكاسبهم، وديارهم، فأبدل الله لهم مكان الأرحام والأقارب أخلاء وإخواناً، ومكان أموالهم أموالا أخرى، وكذلك الدور وكل شيء تركوا هنالك؛ فأبدلهم مكان ذلك كله.

وأما قوله: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

يشبه أن يكون ذكر هذا عن حسد كان من الكفرة للمهاجرين؛ لما أنزلهم في المدينة، وبوأهم فيها، وأعزهم، ورفع ذكرهم، وأمرهم، ونصرهم حسدهم أهل الكفر بذلك، فعند ذلك قال: ولأجر الآخرة لهم أكبر وأعظم في الآخرة، لو كانوا يعلمون ما وعد لهم في الآخرة.

ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ هؤلاء المهاجرون فيخفّ عليهم احتمال ما أوذوا وظلموا، ويهون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .

قال الحسن: أي: على ربهم يثقون في إنجاز ما وعد لهم في الآخرة أنه ينجز ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ صَبَرُواْ ﴾ على أمره، أو صبروا على الهجرة، وانقطاع ما ذهب عنهم، وفراق ما كان لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ .

هذا - والله أعلم - يكون على إثر أمر كان من الكفرة، نحو ما قال أهل التأويل: أنهم قالوا: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ ، وقالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ  ﴾ ، ونحوه؛ من كلامهم، فقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ أي: [إلا بشراً، أي: لم نرسل من غير البشر، فيكون قوله: ﴿ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ كناية عن البشر، أو أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ أي:] لم يبعث من النساء رسولا إنما بعث الرسل من الرجال إلى الرجال والنساء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: ليس على الأمر بالسؤال، ولكن لو سألتم أهل الذكر لأخبروكم أنه لم يبعث الرسول من قبل إلا من البشر.

وقال بعضهم: هو على الأمر بالسؤال؛ أي: اسألوا أهل الذكر فتقلدوهم؛ أي: إن كان لا بد لكم من التقليد فاسألوا أهل الذكر فقلدوهم؛ ولا تقلدوا آباءكم ومن لا يعرف الكتاب، ولكن قلدوا أهل الذكر، [وقوله  ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ ﴾ ].

قال بعضهم: فاسألوا أهل الذكر فقلدوهم؛ إن كنتم لا تعلمون بالبينات والحجج؛ لأنهم كانوا أهل تقليد، لم يكونوا أهل نظر وتفكر في الحجج والبينات.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ ﴾ والحجج التي أتت بها الرسل [فيكون تأويله: أي اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون البينات والزبر التي أتت بها الرسل ليخبروكم] أن الرسل إنما بعثوا من البشر بالبينات والكتب، فيكون على التقديم الذي ذكره بعض أهل التأويل: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر.

ويحتمل قوله: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: أهل الشرف من أهل الكتاب؛ ليبينوا لكم البينات والزبر؛ لأنهم يأنفون الكتمان والكذب، وإن كان أهل الذكر جميع أهل الكتاب، فالسؤال عن الرسل أنهم كانوا من البشر والرجال؛ لأنهم يعلمون ذلك.

وقوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ ﴾ .

قيل: أنزل إليك القرآن؛ لتبين للناس ما نزل إليهم.

يحتمل قوله: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ﴾ من أنباء الغيب؛ وما غاب عنهم، وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض، ولتبين لهم جميع ما يأتون وما يتقون، وما يحل وما يحرم.

﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ ﴾ لهم ما حرفوا من كتبهم وبدلوه وغيروه، فيكون فيه آية لرسالتك، أو يكون الذي أنزل إليه كالمنزل إليهم، حيث ذكر أنه يبين ما أنزل إليه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما أرسلنا من قبلك -أيها الرسول- إلا رجالًا من البشر نوحي إليهم، فلم نرسل رسلًا من الملائكة، وهذه سُنَّتنا المطردة، وإن كنتم تنكرون ذلك فاسألوا أهل الكتب السابقة يخبروكم أن الرسل كانوا بشرًا، ولم يكونوا ملائكة، إن كنتم لا تعلمون أنهم بشر.

<div class="verse-tafsir" id="91.y58g9"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر