الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٨٢ من سورة النحل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٢ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله "فإن تولوا" أي بعد هذا البيان وهذا الامتنان فلا عليك منهم "فإنما عليك البلاغ المبين" وقد أديته إليهم.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن أدبر هؤلاء المشركون يا محمد عما أرسلتك به إليهم من الحقّ، فلم يستجيبوا لك وأعرضوا عنه، فما عليك من لوم ولا عذل لأنك قد أديت ما عليك في ذلك، إنه ليس عليك إلا بلاغهم ما أرسلت به.
ويعني بقوله ( الْمُبِينُ ) الذي يبين لمن سمعه حتى يفهمه.
وأما قوله ( يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا ) فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنى بالنعمة التي أخبر الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين أنهم ينكرونها مع معرفتهم بها، فقال بعضهم: هو النبيّ صلى الله عليه وسلم عرفوا نبوته ثم جحدوها وكذبوه.
* ذكر من قال ذلك:
قوله تعالى : فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين قوله تعالى : فإن تولوا أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان .فإنما عليك البلاغ المبين أي ليس عليك إلا التبليغ ، وأما الهداية فإلينا .
{ فَإِنْ تَوَلَّوْا } عن الله وعن طاعته بعد ما ذُكِّروا بنعمه وآياته، { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } أي: ليس عليك من هدايتهم وتوفيقهم شيء بل أنت مطالب بالوعظ والتذكير والإنذار والتحذير.
( فإن تولوا ) فإن أعرضوا فلا يلحقك في ذلك عتب ولا ثمة تقصير ، ( فإنما عليك البلاغ المبين)
«فإن تولوْا» أعرضوا عن الإسلام «فإنما عليك» يا محمد «البلاغ المبين» الإبلاغ البيِّن وهذا قبل الأمر بالقتال.
فإن أعرضوا عنك -أيها الرسول- بعدما رأوا من الآيات فلا تحزن، فما عليك إلا البلاغ الواضح لما أُرْسِلْتَ به، وأما الهداية فإلينا.
ثم سلى الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه فقال : ( فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين ) .وجواب الشرط محذوف ، والتقدير : فإن استمر هؤلاء المشركون فى إعراضهم عن دعوتك بعد هذا البيان والامتنان ، فلا لوم عليك ، فأنت عليك البلاغ الواضح ونحن علينا محاسبتهم ، ومعاقبتهم بما يستحقون من عقاب .
اعلم أن الإنسان إما أن يكون مقيماً أو مسافراً، والمسافر إما أن يكون غنياً يمكنه استصحاب الخيام والفساطيط، أو لا يمكنه ذلك فهذه أقسام ثلاثة: أما القسم الأول: فإليه الإشارة بقوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ .
وأما القسم الثاني: فإليه الإشارة بقوله: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ وأما القسم الثالث: فإليه الإشارة بقوله: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وذلك لأن المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل بها فإنه لابد وأن يستظل بشيء آخر كالجدران والأشجار وقد يستظل بالغمام كما قال: ﴿ وظللنا عليكم الغمام ﴾ .
ثم قال: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ واحد الأكنان كن على قياس أحمال وحمل، ولكن المراد كل شيء وقى شيئاً، ويقال استكن وأكن إذا صار في كن.
واعلم أن بلاد العرب شديدة الحر، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر شديدة، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة، وأيضاً البلاد المعتدلة والأوقات المعتدلة نادرة جداً والغالب إما غلبة الحر أو غلبة البرد.
وعلى كل التقديرات فلابد للإنسان من مسكن يأوي إليه، فكان الإنعام بتحصيله عظيماً، ولما ذكر تعالى أمر المسكن ذكر بعده أمر الملبوس فقال: ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ السرابيل القمص واحدها سربال، قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال من قميص أو درع أو جوشن أو غيره، والذي يدل على صحة هذا القول أنه جعل السرابيل على قسمين: أحدهما: ما يكون واقياً من الحر والبرد.
والثاني: ما يتقى به عن البأس والحروب، وذلك هو الجوشن وغيره، وذلك يدل على أن كل واحد من القسمين من السرابيل.
فإن قيل: لم ذكر الحر ولم يذكر البرد؟
أجابوا عنه من وجوه: الوجه الأول: قال عطاء الخراساني: المخاطبون بهذا الكلام هم العرب وبلادهم حارة فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد كما قال: ﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ﴾ وسائر أنواع الثياب أشرف، إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان إلفتهم بها أشد، واعتيادهم للبسها أكثر، ولذلك قال: ﴿ وينزل من السماء من جبال فيها من برد ﴾ لمعرفتهم بذلك وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه.
والوجه الثاني: في الجواب قال المبرد: إن ذكر أحد الضدين تنبيه على الآخر، قلت ثبت في العلوم العقلية أن العلم بأحد الضدين يستلزم العلم بالضد الآخر، فإن الإنسان متى خطر بباله الحر خطر بباله أيضاً البرد، وكذا القول في النور والظلمة والسواد والبياض، فلما كان الشعور بأحدهما مستتبعاً للشعور بالآخر، كان ذكر أحدها مغنياً عن ذكر الآخر.
والوجه الثالث: قال الزجاج: ما وقى من الحر وقى من البرد، فكان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر.
فإن قيل: هذا بالضد أولى، لأن دفع الحر يكفي فيه السرابيل التي هي القمص من دون تكلف زيادة، وأما البرد فإنه لا يندفع إلا بتكليف زائد.
قلنا: القميص الواحد لما كان دافعاً للحر كان الاستكثار من القميص دافعاً للبرد فصح ما ذكرناه، وقوله: ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ يعني دروع الحديد، ومعنى البأس الشدة ويريد هاهنا شدة الطعن والضرب والرمي.
واعلم أنه تعالى لما عدد أقسام نعمة الدنيا قال: ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعمة الدنيا والدين عليكم: ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية، وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات أحد سواه، ونقل عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ بفتح التاء، والمعنى: أنا أعطيناكم هذه السرابيلات لتسلموا عن بأس الحرب، وقيل أعطيتكم هذه النعم لتتفكروا فيها فتؤمنوا فتسلموا من عذاب الله.
ثم قال تعالى: ﴿ فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ أي فإن تولوا يا محمد وأعرضوا وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة في الكفر فعلى أنفسهم جنوا ذلك، وليس عليك إلا ما فعلت من التبليغ التام، ثم إنه تعالى ذمهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وذلك نهاية في كفران النعمة.
فإن قيل: ما عنى ثم؟
قلنا: الدلالة على أن إنكارهم أمر يستبعد بعد حصول المعرفة، لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر.
وفي المراد بهذه النعمة وجوه: الأول: قال القاضي: المراد بها جميع ما ذكره الله تعالى في الآيات المتقدمة من جميع أنواع النعم؛ ومعنى أنهم أنكروه هو أنهم ما أفردوه تعالى بالشكر والعبادة، بل شكروا على تلك النعم غير الله تعالى ولأنهم قالوا: إنما حصلت هذه النعم بشفاعة هذه الأصنام.
والثاني: أن المراد أنهم عرفوا أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حق ثم ينكرونها، ونبوته نعمة عظيمة كما قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة العالمين ﴾ .
الثالث: يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، أي لا يستعملونها في طلب رضوان الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ .
فإن قيل: ما معنى قوله؛ ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ مع أنه كان كلهم كافرين.
قلنا: الجواب من وجوه: الأول: إنما قال: ﴿ وأكثرهم ﴾ لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجة ممن لم يبلغ حد التكليف أو كان ناقص العقل معتوهاً، فأراد بالأكثر البالغين والأصحاء.
الثاني: أن يكون المراد بالكافر الجاحد المعاند، وحينئذ نقول إنما قال: ﴿ وأكثرهم ﴾ لأنه كان فهيم من لم يكن معانداً بل كان جاهلاً بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام وما ظهر له كونه نبياً من عند الله.
الثالث: أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع، لأن أكثر الشيء يقوم مقام الكل، فذكر الأكثر كذكر الجميع، وهذا كقوله: ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ فلم يقبلوا منك فقد تمهد عذرك بعدما أدّيت ما وجب عليك من التبليغ، فذكر سبب العذر وهو البلاغ ليدل على المسبب ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وأنها من الله ﴿ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ بعبادتهم غير المنعم بها وقولهم: هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.
وقيل: إنكارهم قولهم ورثناها من آبائنا.
وقيل: قولهم لولا فلان ما أصبت كذا لبعض نعم الله.
وإنما لا يجوز التكلم بنحو هذا إذا لم يعتقد أنها من الله وأنه أجراها على يد فلان وجعله سبباً في نيلها ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون ﴾ أي الجاحدون غير المعترفين.
وقيل: ﴿ نعمة الله ﴾ نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عناداً، وأكثرهم الجاحدون المنكرون بقلوبهم.
فإن قلت: ما معنى ثم؟
قلت: الدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة؛ لأنّ حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أعْرَضُوا ولَمْ يَقْبَلُوا مِنكَ.
﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ فَلا يَضُرُّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وقَدْ بَلَّغْتَ، وهَذا مِن إقامَةِ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ.
﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ﴾ أيْ يَعْرِفُ المُشْرِكُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي عَدَّدَها عَلَيْهِمْ وغَيْرَها حَيْثُ يَعْتَرِفُونَ بِها وبِأنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ﴾ بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ المُنْعِمِ بِها وقَوْلُهم إنَّها بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا، أوْ بِسَبَبِ كَذا أوْ بِإعْراضِهِمْ عَنْ أداءِ حُقُوقِها.
وقِيلَ نِعْمَةُ اللَّهِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ عَرَفُوها بِالمُعْجِزاتِ ثُمَّ أنْكَرُوها عِنادًا ومَعْنى ثُمَّ اسْتِبْعادُ الإنْكارِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ.
﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ الجاحِدُونَ عِنادًا، وذَكَرَ الأكْثَرَ إمّا لِأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَعْرِفِ الحَقَّ لِنُقْصانِ العَقْلِ أوِ التَّفْرِيطِ في النَّظَرِ، أوْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ وإمّا لِأنَّهُ يُقامُ مَقامَ الكُلِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{فَإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن الإسلام {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين} أي فلا تبعة عليك في ذلك لأن الذي عليك هو التبليغ الظاهر وقد فعلت
﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ فِعْلٌ ماضٍ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وتَوْجِيهُ الكَلامِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ فَإنْ دامُوا عَلى التَّوَلِّي والإعْراضِ وعَدَمِ قَبُولِ ما أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مِنَ البَيِّناتِ ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ أيْ فَلا يَضُرُّكَ لِأنَّ وظِيفَتَكَ هي البَلاغُ المُوَضَّحُ أوِ الواضِحُ وقَدْ فَعَلْتَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَهو مِن بابِ وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبِّبِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ المَعْنى إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى خَلْقِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ لا خَلْقُ الإيمانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( تَوَلَّوْا ) مُضارِعًا حُذِفَتْ إحْدى تاءَيْهِ وأصْلُهُ تَتَوَلَّوْا فَلا التِفاتَ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ ارْتِباطُ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ إلّا بِتَكَلُّفٍ ولِذا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وفي التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى أنَّ الفِطْرَةَ الأُولى داعِيَةٌ إلى الإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضُ لا يَكُونُ إلّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ ومُعالَجَةٍ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا أي: أشجاراً تستظلون بها.
ويقال: بيوتاً تسكنون فيها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً أي: الغيران والأسراب، واحدها كنّ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ أي: القمص تَقِيكُمُ الْحَرَّ والبرد، اكتفى بذكر أحدهما إذا كان يدل على الآخر.
وقال قتادة في قوله: مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا أي: من الشجر وغيره وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً قال: غيراناً في الجبال يسكن فيها تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي: من القطن والكتان والصوف.
قال: وكانت تسمى هذه السورة سورة النعم.
وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ وهي الدروع من الحديد تدفع عنكم قتال عدوكم.
كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ أي: ما ذكر من النعم في هذه السورة لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ أي: تعرفون رب هذه النعم فتوحدوه، وتخلصوا له بالعبادة.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ بنصب التاء واللام، ومعناه: «تسلمون من الجراحات إذا لبستم الدروع، وتسلمون من الحر والبرد إذا لبستم القمص» .
ثم قال بعد ما بيّن العلامات: فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: أعرضوا عن الإيمان فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ تبلغهم رسالتي، وتبيّن لهم الهدى من الضلالة.
قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها أي: يعرفون أن خالق هذه الأشياء هو الله تعالى، ثُمَّ يُنْكِرُونَها ويقولون: هي بشفاعة آلهتنا، وهذا قول الكلبي.
وقال السدي: يعرفون محمدا أنه نبي، وأنه صادق، ولا يؤمنون به.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها وسرابيل الحديد والثياب، يعرف هذا الكافرون ثُمَّ يُنْكِرُونَها أي البعث، وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ بالتوحيد.
ويقال: جاحدون بالنعم.
<div class="verse-tafsir"
عَبْدٌ بهذه الصفةِ، مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيء من المال، ولا أمْر نفسه، وإنما هو مُسَخَّرٌ بإرادة سَيِّده، مَدَبَّرٌ، وبإزاء العبْدِ في المثالِ رجُلٌ موسَّعٌ عليه في المال، فهو يتصرَّف فيه بإِرادته، واختلف النَّاس في الذي له المَثَلُ، فقال ابن عباس وقتادة: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِنِ «١» ، وقال مجاهد والضَّحَّاك: هذا المِثَال والمِثَالُ الآخر الذي بَعْدَه، إِنما هو مثَالٌ للَّهِ تعالى، والأصنامِ، فتلك كالعَبْدِ المملوكِ الذي لا يَقْدِرُ على شيء، واللَّه تعالى تتصرَّف قدرته دون معقب «٢» ، وكذلك فَسَّر الزَّجَّاج على نحو قول مجاهد، وهذا التأويلُ أصوبُ لأن الآية تكُونُ من معنى ما قَبْلَها، ومدارُها في تبْيِيِن أمْر اللَّه والردِّ على أمْر الأصنام.
وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجَّة.
وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ...
الآية: هذا مثَلٌ للَّه عزَّ وجلَّ والأصنامِ، فهي كالأبكم الذي لا نُطْقَ له ولا يَقْدِرُ على شيء، «والكلّ» الثقيل المئونة، كما الأصنامُ تحتاجُ إِلى أنْ تُنْقَلَ وتَخْدَمَ ويتعذَّب بها، ثم لا يأتي مِنْ جهتها خَيْرٌ أبداً، والذي يأمر بالعدلِ هو اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ ...
الآية: المعنى، على ما قاله قتادة وغيره: ما تكونُ الساعةُ وإقامتها في قُدْرة اللَّه تعالى «٣» إِلا أنْ يقول لها: كُنْ، فلو آتَّفَقَ أنْ يقف على ذلك محصِّلٌ من البشر، لكانَتْ من السرعة بحَيْث يشكُّ، هل هي كَلَمْحِ البَصرِ أو هي أقْرَبُ، «ولمح البصر» هو وقوعه على المرئيّ.
وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ...
الاية: «الجوُّ مسافةُ ما بين السماءِ والأرض، وقيل: هو ما يلي الأرض منها، والآيةُ عِبْرةٌ بيِّنة المعنى، تفسيرها تكلف محت، ويَوْمَ ظَعْنِكُمْ معناه رَحِيلكم، والأصواف: للضأنِ، والأوبار:
للإِبل، والأشعار: للمعز، ولم تكُنْ بلادهم بلادَ قُطْن وَكَّتانٍ، فلذلك اقتصَرَ على هذه، ويحتملُ أنَّ تَرْكَ ذكْر القُطْن والكَتَّانِ والحرير إعراضٌ عن السَّرَف، إذ ملْبَسُ عبادِ اللَّهِ الصالحينَ إِنما هو الصُّوف، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» عند قوله تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [النحل: ٥] : في هذه الآية دليلٌ على لبَاسِ الصُّوفِ، فهو أوَّل ذلك وأولاه، لأنه شِعارُ المتقين، ولباسُ الصالحين، وشَارَةُ الصَّحابة والتابعين، واختيار الزُّهَّاد والعارفين، وإِليه نُسِبَ جماعةٌ من النَّاس «الصُّوفِيَّةُ» لأنه لباسُهم في الغالِبَ انتهى.
«والأثاث» متاعُ البَيْت، واحِدُها أَثَاثَة هذا قول أبي زَيْد الأنْصَارِيِّ «١» وقال غيره:
«الأثَاثُ» : جميع أنواعِ المالِ، ولا واحدَ له من لفظه.
قال ع «٢» : والاشتقاق «٣» يقوي هذا المعنى الأعمَّ لأنَّ حالَ الإِنسان تَكُونُ بالمال أثِيثَةً كما تقول: شَعْرٌ أثيث، ونبات أثيث، إذا كثر والتفّ، والسرابيل: جميعُ ما يُلْبَسُ عَلَى جميع البدنِ، وذكر وقاية الحَرِّ، إِذ هو أمسُّ بتلك البلادِ، والبَرْدُ فيها معدومٌ في الأكثر، وأيضاً: فذكر أحدهما يدلّ على الآخر، وعن عمر رضي اللَّه عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يقوُلُ: مَنْ لَبِسَ ثَوباً جَدِيداً، فَقَالَ: «الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوارِي به عَوْرَتي وأَتَجَمَّلُ بِهِ في حَيَاتي، ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي خَلَقَ، فَتَصَدَّقَ به- كَانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حفْظِ اللَّه، وفي سَتْر اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتاً «٤» » رواه الترمذيُّ، واللفظُ له، وابنُ ماجَه، والحاكمُ في «المستدرك» ، وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما اشترى عبد ثوبا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا ﴾ أيْ: مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ، وهي المَساكِنُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الحَجَرِ والمُدَرِ تَسْتُرُ العَوْراتِ والحُرَمِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَشَبَ والمُدَرَ والآلَةَ الَّتِي بِها يُمْكِنُ بِناءُ البَيْتِ وتَسْقِيفُهُ، ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ﴾ وهي القِبابُ والخِيَمُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الأدَمِ ﴿ تَسْتَخِفُّونَها ﴾ أيْ: يَخِفُّ عَلَيْكم حَمْلُها ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو " ظَعَنِكم " بِفَتْحِ العَيْنِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِتَسْكِينِ العَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، كالشَّعَرِ والشَّعْرِ، والنَّهَرِ والنَّهْرِ، والمَعْنى: إذا سافَرْتُمْ، " ويَوْمَ إقامَتِكم " أيْ: لا تَثْقُلُ عَلَيْكم في الحالَيْنِ.
﴿ وَمِن أصْوافِها ﴾ يَعْنِي: الضَّأْنَ ﴿ وَأوْبارِها ﴾ يَعْنِي: الإبِلَ ﴿ وَأشْعارِها ﴾ يَعْنِي: المَعْزَ ﴿ أثاثًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الأثاثُ: المَتاعُ، لا واحِدَ لَهُ، كَما أنَّ المَتاعَ لا واحِدَ لَهُ.
والعَرَبُ تَقُولُ: جَمْعُ المَتاعِ أمْتِعَةٌ، ولَوْ جَمَعْتَ الأثاثَ، لَقُلْتَ: ثَلاثَةُ أإثَّةٍ وأثُثٍ، مِثْلُ: أعِثَّةٍ وعُثُثٍ لا غَيْرُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأثاثُ: مَتاعُ البَيْتِ مِنَ الفَرْشِ والأكْسِيَةِ.
قالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُ الأثاثِ: أثاثَةٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: قَدْ أثَّ يَأثُّ أثًّا: إذا صارَ ذا أثاثٍ.
ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: أصْلُهُ الكَثْرَةُ واجْتِماعُ بَعْضِ المَتاعِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ: شَعَرٌ أثِيثٌ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَمَتاعًا ﴾ فَقِيلَ: إنَّما جُمِعَ بَينَهُ وبَيْنَ الأثاثِ، لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إلى حِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، والمَعْنى: يَنْتَفِعُونَ بِهِ إلى حِينِ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ إلى حِينِ البِلى، فالمَعْنى: إلى أنْ يَبْلى ذَلِكَ الشَّيْءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ أيْ: ما يَقِيكم حَرَّ الشَّمْسِ، وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ظِلالُ الغَمامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ظِلالُ البُيُوتِ، [قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: ظِلالُ الشَّجَرِ، قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: ظِلالُ الشَّجَرِ والجِبالِ]، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والخامِسُ: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن حائِطٍ، وسَقْفٍ، وشَجَرٍ وجَبَلٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ أيْ: ما يَكُنُّكم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وهي الغِيرانُ والأسْرابُ.
وواحِدُ الأكْنانِ " كِنٌّ " وكُلُّ شَيْءٍ وقى شَيْئًا وسَتَرَهُ فَهو " كِنٌّ " .
﴿ وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ ﴾ وهي القُمُصُ ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ولَمْ يَقُلِ: البَرْدَ، لِأنَّ ما وقى مِنَ الحَرِّ، وقى مِنَ البَرْدِ، وأنْشَدَ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي وَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما خَصَّ الحَرَّ، لِأنَّهم كانُوا في مَكاناتِهِمْ أكْثَرَ مُعاناةً لَهُ مِنَ البَرْدِ، وهَذا مَذْهَبُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ ﴾ يُرِيدُ الدُّرُوعَ الَّتِي يَتَّقُونَ بِها شِدَّةَ الطَّعْنِ والضَّرْبَ في الحَرْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: مِثْلَما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِهَذِهِ الأشْياءِ، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم في الدُّنْيا ﴿ لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، وكانَ أكْثَرُهم حِينَئِذٍ كُفّارًا، ولَوْ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فالمَعْنى: لَعَلَّكم تَدُومُونَ عَلى الإسْلامِ، وتَقُومُونَ بِحَقِّهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ: " لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ " بِفَتْحِ التّاءِ واللّامِ، عَلى مَعْنى: لَعَلَّكم إذا لَبِسْتُمُ الدُّرُوعَ تُسَلِّمُونَ مِنَ الجِراحِ في الحَرْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ وهَذِهِ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ﴾ وفي هَذِهِ النِّعْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها [المَساكِنُ] نِعَمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
وفي إنْكارِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم يَقُولُونَ: هَذِهِ ورِثْناها [عَنْ آبائِنا] .
رَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نِعَمُ اللَّهِ: المَساكِنُ، والأنْعامُ، وسَرابِيلُ الثِّيابِ، والحَدِيدُ، يَعْرِفُهُ كَفّارُ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يُنْكِرُونَهُ بِأنْ يَقُولُوا: هَذا كانَ لِآبائِنا ورِثْناهُ عَنْهم، وهَذا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهم يَقُولُونَ: لَوْلا فُلانٌ، لَكانَ كَذا، فَهَذا إنْكارُهم، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والثّالِثُ: يَعْرِفُونَ أنَّ النِّعَمَ مِنَ اللَّهِ، ولَكِنْ يَقُولُونَ: هَذِهِ بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ يَعْرِفُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ ثُمَّ يُكَذِّبُونَهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، والزَّجّاجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: وجَمِيعُهم كَفّارٌ، فَذَكَرَ الأكْثَرَ، والمُرادُ بِهِ الجَمِيعُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عنهم ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِيها مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى: إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى خَلْقِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبَيِّنَ وتُبَلِّغَ أمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، ثُمَّ قَرَّعَهم ووَبَّخَهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ في هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، ويَقُولُونَ إنَّها مِن عِنْدِهِ ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ تَعالى، وذَلِكَ فِعْلُ المُنْكِرِ لِلنِّعْمَةِ الجاحِدِ لَها.
هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَسَمّاهم مُنْكِرِينَ لِلنِّعْمَةِ تَجَوُّزًا؛ إذْ كانَتْ لَهم أفْعالُ المُنْكِرِينَ مِنَ الكُفْرِ بِرَبِّ النِعَمِ، ولِشِرْكِهِمْ في النِعَمِ الأوثانَ عَلى وجْهٍ ما، وهو ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ لِلْأوثانِ مِنَ الأفْعالِ مِنَ النَفْعِ والضُرِّ، وقالَ السُدِّيُّ: النِعْمَةُ هُنا: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
ووَصَفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُعْجِزاتِهِ وآياتِ نُبُوَّتِهِ ويُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالتَكْذِيبِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالكُفْرِ وهم أهْلُ مَكَّةَ ؛ لَأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن قَدْ داخَلَهُ الإسْلامُ ومَن أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ آيَةُ وعِيدٍ، التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْعَثُ ويَرِدُ شَهِيدًا عَلى كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ، فَـ "شَهِيدٌ" بِمَعْنى "شاهِدٌ"، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المَعْنى: ثُمَّ يُنْكِرُونَها اليَوْمَ، ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم فَيُكَذِّبُهُمُ الشَهِيدُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ لا يُؤْذَنُ ﴾ أيْ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا أيْ في المَعْذِرَةِ، وهَذا في مَوْطِنٍ دُونَ مَوْطِنٍ؛ لَأنَّ في القُرْآنِ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تَأْتِي تُجادِلُ عن نَفْسِها ويَتَرَتَّبُ أنْ تَجِيءَ كُلُّ نَفْسِ تَجادُلُ، فَإذا اسْتَقَرَّتْ أقْوالُهم بَعَثَ اللهُ الشُهُودَ مِنَ الأُمَمِ فَتُكَذِّبُ الكُفّارَ فَلا يُؤْذَنُ لِلْكاذِبِينَ بَعْدُ في مَعْذِرَةٍ، ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ بِمَعْنى: يُعْتَبُونَ، تَقُولُ: "عَتَبْتُ الرَجُلَ" إذا كَفَيْتَهُ ما عَتَبَ فِيهِ، كَما تَقُولُ: "أشْكَيْتُهُ ما شَكا"، كَأنَّهُ قالَ: ولا هم يُكْفَوْنَ ما يُعْتِبُونَ فِيهِ ويَشُقُّ عَلَيْهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، تَقُولُ: أدْنَيْتُ الرَجُلَ واسْتَدْنَيْتُهُ، وقالَ قَوْمُ: لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُنْيا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبَ عُتْباهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ الرُجُوعَ إلى الدُنْيا فَلا يُعْطُونَ فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةُ عَمَلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ ﴾ ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الظالِمِينَ في كُفْرِهِمْ إذا أراهُمُ اللهُ عَذابَ النارِ وشارَفُوها وتَحَقَّقُوا كُنْهَ شِدَّتِها، فَإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الهائِلَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ لا يُخَفَّفُ بِوَجْهٍ ولا يُؤَخَّرُ عنهُمْ، وإنَّما مَقْصِدُ الآيَةِ الفَرْقَ بَيْنَ ما يَحِلُّ بِهِمْ وبَيْنَ رَزايا الدُنْيا، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَتَوَقَّعُ أمْرًا مِن خُطُوبِ الدُنْيا إلّا ولَهُ طَمَعٌ في أنْ يَتَأخَّرَ عنهُ، وأنْ يَجِيئَهُ في أخَفِّ ما يَتَوَهَّمُ بِرَجائِهِ، وكَذَلِكَ مَتى حَلَّ بِهِ كانَ طامِعًا في أنْ يَخِفَّ، وقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ في خُطُوبِ الدُنْيا كَثِيرًا، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ -إذا عايَنَهُ الكافِرُ- لا طَماعِيَةً فِيهِ بِتَخْفِيفٍ ولا تَأْخِيرٍ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على جملة ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ [سورة النحل: 81] وقع اعتراضاً بين جملة ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم ﴾ [سورة النحل: 81] وجملة ﴿ ويوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ [سورة النحل: 84].
وقد حوّل الخطاب عنهم إلى خطاب النبي وهو نوع من الالتفات فيه التفات من أسلوب إلى أسلوب والتفات عمّن كان الكلام موجّهاً إليه بتوجيه الكلام إلى شخص آخر.
والمعنى: كذلك يتمّ نعمته عليكم لتسلموا فإن لم يُسلموا فإنما عليك البلاغ.
والمقصود: تسلية النبي على عدم استجابتهم.
والتولّي: الإعراض.
وفعل ﴿ تولوا ﴾ هنا بصيغة الماضي، أي فإن أعرضوا عن الدعوة فلا تقصير منك ولا غضاضة عليك فإنك قد بلّغت البلاغ المبين للمحجّة.
والقصر إضافي، أي ما عليك إلا البلاغ لا تقليب قلوبهم إلى الإسلام، أو لا تولى جزاءهم على الإعراض، بل علينا جزاؤهم كقوله تعالى: ﴿ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ﴾ [سورة الرعد: 40].
وجَعْل هذا جواباً لجملة فإن تولوا } من إقامة السبب والعلّة مقام المسبّب والمعلُول: وتقدير الكلام: فإن تولّوا فلا تقصير ولا مؤاخذة عليك لأنك ما عليك إلا البلاغ.
ونظير هذه قوله تعالى: ﴿ وأطيعوا الله وأطيعو الرسول واحذروا فإن تولّيتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ﴾ [سورة المائدة: 92].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البُيُوتُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: الشَّجَرُ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ الأكْنانُ: جَمْعُ كِنٍّ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَكَنَّ فِيهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ ظِلُّ الجِبالِ.
الثّانِي: أنَّهُ ما فِيها مِن غارٍ أوْ شَرَفٍ.
﴿ وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ يَعْنِي ثِيابَ القُطْنِ والكَتّانِ والصُّوفِ.
﴿ وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ ﴾ يَعْنِي الدُّرُوعَ الَّتِي تَقِي البَأْسَ، وهي الحَرْبُ.
قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما لُبِسَ مِن قَمِيصٍ ودُرُوعٍ فَهو سِرْبالٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ السَّهْلَ وقالَ: ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ؟
فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ القَوْمَ كانُوا أصْحابَ جِبالٍ ولَمْ يَكُونُوا أصْحابَ سَهْلٍ، وكانُوا أهْلَ حَرٍّ ولَمْ يَكُونُوا أهْلَ بَرْدٍ، فَذَكَرَ لَهم نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ مِمّا هو مُخْتَصٌّ بِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، إذْ كانَ مَعْلُومًا أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِنَ الجِبالِ أكْنانًا اتَّخَذَ مِنَ السَّهْلِ، والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي الحَرَّ تَقِي البَرْدَ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي.
فَكَنّى عَنِ الشَّرِّ ولَمْ يَذْكُرْهُ لِأنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الجِبالَ لِأنَّهُ قَدَّمُ ذِكْرَ السَّهْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا ﴾ وذَكَرَ الحَرَّ دُونَ البَرْدِ تَحْذِيرًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ وتَوَقِّيًا لِاسْتِحْقاقِها بِالكَفِّ عَنِ المَعاصِي.
﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ أيْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إذا عَرَفْتُمْ نِعَمَهُ عَلَيْكم.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ لَعَلَّكم تُسَلِّمُونَ بِفَتْحِ التّاءِ أيْ تَسْلَمُونَ مِنَ الضَّرَرِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ عَنى ضَرَرَ الحَرِّ والبَرْدِ واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ضَرَرَ القِتالِ والقَتْلِ، واحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ ضَرَرَ العَذابِ في الآخِرَةِ إنِ اعْتَبَرْتُمْ وآمَنتُمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى النَّبِيَّ يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ويُكَذِّبُونَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهم يَعْرِفُونَ ما عَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ وأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ ويُنْكِرُونَها بِقَوْلِهِمْ أنَّهم ورِثُوا ذَلِكَ عَنْ آبائِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّ إنْكارَها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فُلانٌ ما كانَ كَذا وكَذا ولَوْلا فُلانٌ ما أصَبْتُ كَذا، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِالنِّعْمَةِ إقْرارُهم بِأنَّ اللَّهَ رَزَقَهم، وإنْكارَهم قَوْلُهُمْ: رُزِقْنا ذَلِكَ بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا.
الخامِسُ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِتَقَلُّبِهِمْ فِيها، ويُنْكِرُونَها بِتَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْها.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ، ويُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ.
وَيَحْتَمِلُ سابِعًا يَعْرِفُونَها بِأقْوالِهِمْ، ويُنْكِرُونَها بِأفْعالِهِمْ.
قالَ الكَلْبِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى سُورَةُ النِّعَمِ؛ لِما ذَكَرَ اللَّهُ فِيها مِن كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ.
﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وجَمِيعُهم كافِرُونَ، فَعَبَّرَ عَنِ الجَمِيعِ بِالأكْثَرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ ﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ لِأنَّ فِيهِمْ مَن جَرى عَلَيْهِ حُكْمُ الكُفْرِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ كالصِّبْيانِ والمَجانِينِ، فَتَوَجَّهُ الذِّكْرُ إلى المُكَلَّفِينَ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ قال: من الشجر ومن غيرها ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ قال: غارات يسكن فيها.
﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ من القطن والكتان والصوف ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ من الحديد ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ﴾ ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الكسائي، عن حمزة عن الأعمش وأبي بكر وعاصم، أنهم قرأوا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ برفع التاء من أسلمت.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ قال: يعني الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ قال: يعني الدروع والسلاح ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ﴾ يعني من الجراحات.
وكان ابن عباس يقرؤها ﴿ تسلمون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه: أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟
فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ قال: الأعرابي نعم، قال: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها ﴾ قال: الأعرابي نعم ثم قرأ عليه، كل ذلك يقول نعم، حتى بلغ ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ﴾ فولى الأعرابي، فأنزل الله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ﴾ قال: هي المساكن والأنعام وما ترزقون منها، وسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا فورثونا إياه.
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في الآية قال: يعلمون أن الله خلقهم وأعطاهم، بعدما أعطاهم يكفرون، فهو معرفهم نعمته، ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عون بن عبد الله في قوله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ﴾ قال: انكارهم إياها، أن يقول الرجل: لولا فلان أصابني كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ﴾ قال محمد:- صلى الله عليه وسلم- ولفظ ابن أبي حاتم قال: هذا في حديث أبي جهل والأخنس، حين سأل الأخنس أبا جهل عن محمد: فقال: هو نبي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ أي عليك أن تُبلِّغَ الرسالةَ والآياتِ الدالةَ على التوحيد وصدقك، ولا يَلْزَمك تقصيرٌ مِنْ أجل تَوَلِّيهم، وهذا تسلية للنبي - - عما يلحقه عند توليهم عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظلالا ﴾ أي نعمة عددها الله عليهم بالظل، لأن الظل مطلوب في بلادهم محبوب لشدّة حرها، ويعني بما خلق من الشجر وغيرها ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أكنانا ﴾ الأكنان جمع كن، وهو ما يقي من المطر والريح وغير ذلك، ويعني بذلك الغيران والبيوت المنحوتة في الجبال ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سرابيل تَقِيكُمُ الحر ﴾ السرابيل هي الثياب من القمص وغيرها، وذكر وقاية الحر ولم يذكر وقاية البرد، لأن وقاية الحر عندهم لحرارة بلادهم، وقيل: لأن ذكر أحدهما يغني عن ذكر الآخر ﴿ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ﴾ يعني دروع الحديد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.
الآخرون على الغيبة.
﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.
﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.
الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.
﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.
الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.
﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.
التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.
وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.
وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.
فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.
ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!
"عن أبي ذر أنه سمع رسول الله يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.
قال أبو عبيدة وأبو حاتم.
قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.
الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.
ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.
والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.
قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.
ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.
﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.
والفاعل حافد والجمع حفدة.
فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.
وقيل: أولاد الأولاد.
وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.
وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.
وقيل: الأولى دخول الكل فيه.
ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.
وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.
وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.
وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.
وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.
ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.
و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.
أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.
والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.
وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟
﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.
وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.
وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.
وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.
وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.
وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.
ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.
وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.
احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.
وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.
فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.
وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.
قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.
ولا يمتنع أن تكون موصولة.
وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.
وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!
وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.
والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.
وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً ﴾ .
والثاني عابد الصنم.
والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.
لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.
﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.
وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.
وقيل: أراد قل الحمد لله.
والخطاب إما للرسول وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.
وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.
ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.
أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.
وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.
وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.
يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.
وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.
والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.
﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.
ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.
قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.
قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.
أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله .
وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.
وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.
والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.
ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.
ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .
ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.
وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.
﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.
واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.
وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.
وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.
فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.
ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.
ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.
وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟
ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.
وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.
ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.
والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.
﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.
قال الفراء لا واحد له.
وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.
قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.
وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.
قيل: إنه عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟
وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.
والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.
قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.
ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.
وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.
قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.
وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.
وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.
ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.
ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.
وقيل: نعمة الله نبوّة محمد كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.
وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.
قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله أعلم.
التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.
فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.
أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.
﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.
﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.
﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وجواب ﴿ بلى ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.
ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.
وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.
تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.
﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.
و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .
أي: من قدر على إمساك الطير، وهي أجسام كغيرها من الأجسام في الهواء بلا إعانة في الأسفل ولا تعلق بشيء من الأعلى، لقادر على إنشاء الخلق وإعادتهم بعد الفناء.
أو يقول: أو لم يروا إلى اللطف الذي جعل في الطير، والحكمة التي أنشأ فيها حتى قدرت على الاستمساك في الهواء، والطيران في الجو: ما لو اجتمع الخلائق جميعاً أن يدركوا ذلك اللطف أو تلك الحكمة - ما قدروا على إدراكه.
وفي ذلك نقض قول المعتزلة؛ لأن الطيران فعل الطير، ثم أضاف ذلك إلى الله حيث قال: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : دلّ ذلك أن لله في ذلك صنعاً وفعلاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأََيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
جميع ما ذكر يكون آية لمن آمن؛ لأنه هو المنتفع.
قال أبو عوسجة: لمح البصر: سرعة النظر، وجوّ السماء: هواؤها، ويقال: بطن السماء، ويقال: جوف السماء، ويقال: الجوّ: ما اطمأن من الأرض.
والأوّل أشبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ .
ظاهر هذا أنه قد جعل لنا من البيوت - أيضاً - ما ليس بسكن؛ لأنه قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ : وهو كالمساجد والرباطات وغيرها.
ويشبه أن يكون ذكر هذا؛ ليعرفوا عظيم مننه ونعمه، حيث جعل الأرض بمحل يقرّون عليها ويمكن لهم المقام بها؛ بالرواسي التي ذكر أنه أثبت فيها بعدما كانت تميد بهم ولا تقر بها، أخبر أنه [جعل] فيها رواسي أو أن يكون حرف (من) صلة، أي: جعل لكم بيوتاً تسكنون فيها.
ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: سخر لكم الأرض حتى قدرتْم على اتخاذ المساكن فيها تسكنون.
أو جعل لكم بيوتاً، أي: علمكم تسكنون فيها.
ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أي [علمكم] ما تبنون فيها من البيوت ما لولا تعليمه إياكم ما تقدرون على بناء البيوت فيها؛ يذكر مننه عليهم، والله أعلم.
وفي هذه الآيات في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ .
ونحوه: دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه ذكر أنه جعل بيوتاً سكناً، والسكن فعل العباد؛ دلّ أنّ لله في فعلهم صنعاً.
﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، قال أهل التأويل: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، أي: من صوفها، لكنه أضافها إلى الجلود؛ لما من الجلود يخرج، ومنها يجزّ ويؤخذ، وهو ما ذكر.
﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا ﴾ : وهو صوف الغنم.
﴿ وَأَوْبَارِهَا ﴾ : وهو صوف الإبل.
﴿ وَأَشْعَارِهَآ ﴾ : ما يخرج من المعز.
﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : قيل: ليوم سفركم وسيركم.
﴿ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾ : قال بعضهم: في المصر.
وقال بعضهم: في السفر حين النزول.
والجعل في هذا يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أحدهما: على التسخير لهم، والثاني: على التعليم.
ذكر - عز وجل - في البيوت المتخذة من المدر السكني؛ حيث قال: ﴿ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، ولم يذكر في البيوت المتخذة من الجلود والأوبار والأشعار؛ فكأنه ترك ذكره في هذه، الذكر في الأول ذكر تصريح، وذكر في الثاني ذكر دلالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثَاثاً ﴾ قيل: الأثاث والرياش: واحد، وهو المال.
وقيل: ما يتخذ من الثياب والأمتعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .
[يحتمل إلى حين] إلى وقت بِلَى ذلك الأثاث، أو إلى حين وقت فنائهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ البيوت التي ذكر وهي تظلهم، ويحتمل الأشجار.
﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً ﴾ .
وهي الغِيرَان والبيوت التي تتخذ في الجبال؛ تقيهم من الحرّ والبرد.
﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ ﴾ .
قيل: القميص والدروع، ثم ذكر أن ما ذكر من البيوت والأكنان والسرابيل تقيكم الحرّ، وتقيكم أيضاً بأس العدو.
﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
[على] ما ذكر من أنواع النعم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ ﴾ .
ذكر أنها تقي من الحر، وهي تقي الحرّ والبرد جميعاً؛ فكان في ذكر أحدهما ذكر الآخر ذكر كفاية.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
أي: كذلك يتم [ذكر] نعمته عليكم؛ ليلزمهم الإسلام أو حجته، ثم يحتمل النعمة على ما تقدم ذكره، ويحتمل: الرسول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .
جميع ما ذكر من النعم والآيات في هذه السّورة من أوّلها إلى آخرها؛ إنما ذكر لهذا الحرف، وهو قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .
وما ذكر ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ و ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ : يحتمل أن يكون هذه الأحرف كلها واحداً، ويحتمل أن يكون لكل حرف من ذلك معنى غير الآخر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .
عن الإجابة لك وعما تدعوهم إليه.
﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
أي: ليس عليك إجابتهم، إنما عليك التبليغ إليهم والبيان لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ .
يحتمل النعمة - هاهنا - محمداً كانوا يعرفونه [لكنهم أنكروه؛ كقوله]: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ ، وما ذكر: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ : يعرفون نعمة الله، وهو ما ذكر عرفوها أنها من الله ﴿ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ ؛ بعبادتهم الأصنام، وصرفهم شكرها إلى غيره، كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، مع ما يعرفون: أن الله هو خالقهم، وأن ما لهم كله من عند الله يعبدون الأصنام؛ فتكون عبادتهم دون الله كفران نعمة الله.
وقال أبو عوسجة: ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : يوم سيركم؛ ظعن يظعن: سار، والسراويل: القميص.
يقول: ﴿ تَقِيكُمُ ﴾ ، أي: تستركم.
وقال القتبي: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ ، أي: ظلال الشجر والجبال.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - في قوم علم الله أنهم يؤمنون بما ذكر لهم من أنواع النعم والأفضال؛ ليعلم أن الإسلام من أعظم نعم الله، لا يناله أحد إلا بنعمته.
وقال بعض أهل التأويل: سميت سورة (النحل) سورة النعم؛ لما فيها من ذكر النعم وأنواع منافع الخلق من أولها إلى آخرها.
<div class="verse-tafsir"
فإن أعرضوا عن الإيمان والتصديق بما جئت به فليس عليك -أيها الرسول- إلا تبليغ ما أمرت بتبليغه تبليغًا واضحًا، وليس عليك على الهداية.
<div class="verse-tafsir" id="91.rryEj"