الآية ١٢٣ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٢٣ من سورة طه

قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ١٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٣ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٣ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس : اهبطوا منها جميعا ، أي : من الجنة كلكم .

وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة " .

( بعضكم لبعض عدو ) قال : آدم وذريته ، وإبليس وذريته .

وقوله : ( فإما يأتينكم مني هدى ) قال أبو العالية : الأنبياء والرسل والبيان .

( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) قال ابن عباس : لا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) يقول تعالى ذكره: قال الله تعالى لآدم وحوّاء ( اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا إِلَى الأرْضِ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) يقول: أنتما عدوّ إبليس وذرّيته، وإبليس عدوّكما وعدوّ ذرّيتكما.

وقوله ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) يقول: فإن يأتكم يا آدم وحواء وإبليس مني هدى: يقول: بيان لسبيلي، وما أختاره لخلقي من دين ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ ) يقول: فمن اتبع بياني ذلك وعمل به، ولم يزغ منه ( فَلا يَضِلُّ ) يقول: فلا يزول عن محجة الحق، ولكنه يرشد في الدنيا ويهتدي (ولا يَشْقَى) في الآخرة بعقاب الله، لأن الله يدخله الجنة، وينجيه من عذابه.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: تضمن الله لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا هذه الآية ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ).

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا حكام الرازيّ، عن أيوب بن موسى، عن مرو ثنا الملائي عن ابن عباس أنه قال: إن الله قد ضمن....

فذكر نحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أيوب بن يسار أبي عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، عن رجل عن ابن عباس، بنحوه.

حدثنا عليّ بن سهل الرملي، قال: ثنا أحمد بن محمد النسائي، عن أبي سلمة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، قال: قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه عصمه الله من الضلالة، ووقاه، أظنه أنه قال: من هول يوم القيامة، وذلك أنه قال ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ) في الآخرة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال اهبطا منها جميعا خطاب آدم وإبليس .

منها أي من الجنة .

وقد قال لإبليس : اخرج منها مذءوما مدحورا فلعله أخرج من الجنة إلى موضع من السماء ، ثم أهبط إلى الأرض .

بعضكم لبعض عدو تقدم في ( البقرة ) أي أنت عدو للحية ولإبليس وهما عدوان لك .

وهذا يدل على أن قوله : اهبطا ليس خطابا لآدم وحواء ؛ لأنهما ما كانا متعاديين ؛ وتضمن هبوط آدم هبوط حواء .

فإما يأتينكم مني هدى أي رشدا وقولا حقا .

وقد تقدم في ( البقرة ) .

فمن اتبع هداي يعني الرسل والكتب .

فلا يضل ولا يشقى قال ابن عباس : ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ، وتلا الآية .

من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب ، ثم تلا الآية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى، أنه أمر آدم وإبليس أن يهبطا إلى الأرض، وأن يتخذوا -آدم وبنوه- الشيطان عدوا لهم، فيأخذوا الحذر منه، ويعدوا له عدته ويحاربوه، وأنه سينزل عليهم كتبا، ويرسل إليهم رسلا يبينون لهم الطريق المستقيم الموصلة إليه وإلى جنته، ويحذرونهم من هذا العدو المبين، وأنهم أي: وقت جاءهم ذلك الهدى، الذي هو الكتب والرسل، فإن من اتبعه اتبع ما أمر به، واجتنب ما نهي عنه، فإنه لا يضل في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يشقى فيهما، بل قد هدي إلى صراط مستقيم، في الدنيا والآخرة، وله السعادة والأمن في الآخرة.

وقد نفى عنه الخوف والحزن في آية أخرى، بقوله: { فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } واتباع الهدى، بتصديق الخبر، وعدم معارضته بالشبه، وامتثال الأمر بأن لا يعارضه بشهوة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي ) يعني الكتاب والرسول ، ( فلا يضل ولا يشقى ) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله في الدنيا من الضلالة ، ووقاه الله يوم القيامة سوء الحساب ، وذلك بأن الله يقول : ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) .

وقال الشعبي عن ابن عباس : أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة ، وقرأ هذه الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال اهبطا» أي آدم وحواء بما اشمتلنا عليه من ذريتكما «منها» من الجنة «جميعاً بعضكم» بعض الذرية «لبعض عدو» من ظلم بعضهم بعضاً «فإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة «يأتينكم مني هدى فمن اتبع هدايَ» القرآن «فلا يضل» في الدنيا «ولا يشقى» في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله تعالى لآدم وحواء: اهبطا من الجنة إلى الأرض جميعًا مع إبليس، فأنتما وهو أعداء، فإن يأتكم مني هدى وبيان فمن اتبع هداي وبياني وعمل بهما فإنه يرشد في الدنيا، ويهتدي، ولا يشقى في الآخرة بعقاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان ما آل إليه أمر آدم فقال - تعالى - ( قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ .

.

.

) .فالضمير فيها يعود إلى آدم وزوجته وذريتهما .وقوله : ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) أى : بعض ذريتكما لبعض عدو ، بسبب التخاصم والتنازع والتدافع على حطام هذه الدنيا .( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ) يا بنى آدم عن طريق إرسال الرسل وإنزال الكتب فعليكم أن تتبعوا رسلى ، وتعملوا بما اشتملت عليه كتبى .( فَمَنِ اتبع هُدَايَ ) بأن آمن برسلى وصدق بكتبى .( فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى ) لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ، بسبب استمساكه بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها .وشبيه هذه الآية قوله - تعالى - : ( قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن على أول هذه الآية سؤالاً وهو أن قوله: ﴿ اهبطا ﴾ ، إما أن يكون خطاباً مع شخصين أو أكثر فإن كان خطاباً لشخصين فكيف قال بعده: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى ﴾ وهو خطاب الجمع وإن كان خطاباً لأكثر من شخصين فكيف قال: ﴿ اهبطا ﴾ وذكروا في جوابه وجوهاً: أحدها: قال أبو مسلم: الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله: ﴿ اهبطا ﴾ ولأجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ قال صاحب الكشاف: لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر والسبب اللذين منهما تفرعوا جعلا كأنهما البشر أنفسهم فخوطبا مخاطبتهم فقال: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ على لفظ الجماعة، أما قوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ فقال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء للناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام، وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ ﴾ فيه دلالة على أن المراد الذرية، وقد اختلفوا في المراد بالهدى، فقال بعضهم: الرسل وبعضهم قال: الآخر والأدلة وبعضهم قال القرآن، والتحقيق أن الهدى عبارة عن الدلالة فيدخل فيه كل ذلك، وفي قوله: ﴿ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى ﴾ دلالة على أن المراد بالهدى الذي ضمن الله على اتباعه ذلك اتباع الأدلة، واتباعها لا يتكامل إلا بأن يستدل بها وبأن يعمل بها، ومن هذا حاله فقد ضمن الله تعالى له أن لا يضل ولا يشقى، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.

وثانيها: لا يضل ولا يشقى في الآخرة لأنه تعالى يهديه إلى الجنة ويمكنه فيها.

وثالثها: لا يضل ولا يشقى في الدنيا فإن قيل: المتبع لهدى الله قد يحلقه الشقاء في الدنيا، قلنا: المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس، ولما وعد الله تعالى من يتبع الهدى أتبعه بالوعيد فيمن أعرض، فقال: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ﴾ والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى على ما تقدم بيانه ويحتمل أن يراد به الأدلة، وقوله: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ فالضنك أصله الضيق والشدة وهو مصدر ثم يوصف به فيقال: منزل ضنك، وعيش ضنك، فكأنه قال: معيشة ذات ضنك، واعلم أن هذا الضيق المتوعد به إما أن يكون في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة أو في الدين أو في كل ذلك أو أكثره.

أما الأول: فقال به جمع من المفسرين وذلك لأن المسلم لتوكله على الله يعيش في الدنيا عيشاً طيباً كما قال: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً  ﴾ والكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً للزيادة أبداً فعيشته ضنك وحالته مظلمة، وأيضاً فمن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة لكفره قال تعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله  ﴾ وقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءَامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والأرض  ﴾ وقال: ﴿ فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا  يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا  وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰرًا  ﴾ وقال: ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأسقيناهم مَّاء غَدَقاً  ﴾ .

وأما الثاني: وهو عذاب القبر، فهذا قول عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس ورفعه أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عذاب القبر للكافر قال والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه في قبره تسعة وتسعون تنيناً».

قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في الأسود بن عبد العزى المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيها أضلاعه.

وأما الثالث: وهو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم فيها الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين فلا يموتون فيها ولا يحيون وهذا قول الحسن وقتادة والكلبي.

وأما الرابع: وهو الضيق في أحوال الدين فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المعيشة الضنك هي أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها.

سئل الشبلي عن قوله عليه السلام: «إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية» فقال أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله تعالى فعقوبتهم أن يردهم الله تعالى إلى أنفسهم وأي معيشة أضيق وأشد من أن يرد الإنسان إلى نفسه، وعن عطاء قال: المعيشة الضنك هي معيشة الكافر لأنه غير موقن بالثواب والعقاب.

وأما الخامس: وهو أن يكون المراد الضيق في كل ذلك أو أكثره فروي عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عقوبة المعصية ثلاثة: ضيق المعيشة والعسر في الشدة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله تعالى».

أما قوله تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى ﴾ ففيه وجوه: أحدها: هذا مثل قوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا  ﴾ وكما فسرت الزرقة بالعمى، ثم قيل: إنه يحشر بصيراً فإذا سيق إلى المحشر عمى والكلام فيه وعليه قد تقدم في قوله: ﴿ زُرْقاً  ﴾ .

وثانيها: قال مجاهد والضحاك ومقاتل: يعني أعمى عن الحجة، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال القاضي: هذا القول ضعيف لأن في القيامة لابد أن يعلمهم الله تعالى بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً، والمراد به أنه كان من قبل ذلك كذلك ولا يليق بهذا قوله: ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ ولم يكن كذلك في حال الدنيا أقول ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه تعالى علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا فلو كان العمى الحاصل في الآخرة بين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر، كما أنه ما كان له في الدنيا بسبب ذلك ضرر، واعلم أن تحقيق الجواب عن هذا الاعتراض مأخوذ من أمر آخر وهو أن الأرواح الجاهلة في الدنيا المفارقة عن أبدانها على جهالتها تبقى على تلك الجهالة في الآخرة وأن تلك الجهالة تصير هناك سبباً لأعظم الآلام الروحانية.

وبين هذه الطريقة وبين طريقة القاضي المبنية على أصول الاعتزال بون شديد.

وثالثها: قال الجبائي: المراد من حشره أعمى أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً بل يبقى واقفاً متحيراً كالأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء، أما قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كذلك أَتَتْكَ آياتنا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى ﴾ ففي تقرير هذا الجواب وجهان: أحدهما: أنه تعالى إنما أنزل به هذا العمى جزاء على تركه اتباع الهدى والإعراض عنه.

والثاني: هو أن الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها جاهلة ضالة عن الاتصال بالروحانيات بقيت على تلك الحالة بعد المفارقة وعظمت الآلام الروحانية، فلهذا علل الله تعالى حصول العمى في الآخرة بالإعراض عن الدلائل في الدنيا، ومن فسر المعيشة الضنك بالضيق في الدنيا، قال إنه تعالى بين أن من أعرض عن ذكره في الدنيا فله المعيشة الضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة، أما قوله: ﴿ وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بئايات رَبّهِ ﴾ فقد اختلفوا فيه فبعضهم قال: أشرك وكفر، وبعضهم قال: أسرف في أن عصى الله وقد بين تعالى المراد بذلك بقوله: ﴿ وَلَمْ يُؤْمِن بئايات رَبّهِ ﴾ لأن ذلك كالتفسير لقوله: أسرف وبين أنه يجزي من هذا حاله بما تقدم ذكره من المعيشة الضنك والعمى وبين بعد ذلك أن: ﴿ عَذَابَ الآخرة أَشَدُّ وأبقى ﴾ أما الأشد فلعظمه، وأما الأبقى فلأنه غير منقطع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلي البشر، والسببين اللذين منها نشؤا وتفرعوا: جعلا كأنهما البشر في أنفسهما، فخوطبا مخاطبتهم، فقيل: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ على لفظ الجماعة.

ونظيره إسنادهم الفعل إلى السبب، وهو في الحقيقة للمسبب ﴿ هُدًى ﴾ كتاب وشريعة.

وعن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا قوله: ﴿ فَمَنِ اتبع هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى ﴾ والمعنى أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضلّ في الدنيا عن طريق الدين فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا ﴾ الخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ، أوْ لَهُ ولِإبْلِيسَ ولَمّا كانا أصْلَيِ الذَّرِّيَّةِ خاطَبَهُما مُخاطَبَتَهم فَقالَ: ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ لِأمْرِ المَعاشِ كَما عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ التَّجاذُبِ والتَّحارُبِ، أوْ لِاخْتِلالِ حالِ كُلٍّ مِنَ النَّوْعَيْنِ بِواسِطَةِ الآخَرِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى ﴾ كِتابٌ ورَسُولٌ.

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ﴾ في الدُّنْيا.

﴿ وَلا يَشْقى ﴾ في الآخِرَةِ.

﴿ وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾ عَنِ الهُدى الذّاكِرِ لِي والدّاعِي إلى عِبادَتِي.

﴿ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ ضَيِّقًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وقُرِئَ «ضَنْكى» كَسَكْرى، وذَلِكَ لِأنَّ مَجامِعَ هِمَّتِهِ ومَطامِحَ نَظَرِهِ تَكُونُ إلى أعْراضِ الدُّنْيا مُتَهالِكًا عَلى ازْدِيادِها خائِفًا عَلى انْتِقاصِها، بِخِلافِ المُؤْمِنِ الطّالِبِ لِلْآخِرَةِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدْ يُضَيِّقُ بِشُؤْمِ الكُفْرِ ويُوَسِّعُ بِبَرَكَةِ الإيمانِ كَما قالَ ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا ﴾ الآياتِ، وقِيلَ هو الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ في النّارِ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ ونَحْشُرُهُ) قُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ.

﴿ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ أعْمى البَصَرِ أوِ القَلْبِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً} يعني آدم وحواء {بعضكم} يا ذرية أدم {لبعض}

طه (١٢٩ - ١٢٣)

عَدُوٌّ بالتحاسد في الدنيا والاختلاف في الدين {فإما يأتينكم مني هدى} كتاب وشريعا {فَمَنِ اتبع هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ} في الدنيا {وَلاَ يشقى} في العقبى قال ابن عباس رضى الله عنهما ضمن الله لمن اتبع القرأن الا يضل فى الدنيا ولا يشقى فى الآخرى يعنى ان الشقاء فى الآخرى هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهُ تَعالى عامَلَهُ بِما عامَلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: قالَ لَهُ ولِزَوْجَتِهِ ﴿ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا ﴾ أيِ انْزِلا مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ مُجْتَمَعَيْنِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِإبْلِيسٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَإنَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ (اخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ) لِلْوَسْوَسَةِ، وخِطابُهُما عَلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ لِما أنَّهُما أصْلُ الذُّرِّيَّةِ ومَنشَأُ الأوْلادِ فالتَّعادِي في الحَقِيقَةِ بَيْنَ أوْلادِهِما.

وهَذا عَلى عَكْسِ مُخاطَبَةِ اليَهُودِ ونِسْبَةِ ما فَعَلَ آباؤُهم إلَيْهِمْ.

والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُتَعادِينَ في أمْرِ المَعاشِ وشَهَواتِ الأنْفُسِ.

وعَلى الثّانِي ظاهِرٌ لِظُهُورِ العَداوَةِ بَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وكَذا بَيْنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّةِ اللَّعِينِ.

ومِن هُنا قِيلَ: الضَّمِيرُ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ وإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لِآدَمَ وإبْلِيسَ والحَيَّةِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى ﴾ إلَخْ أيْ نَبِيٌّ أرْسَلَهُ إلَيْكم وكِتابٌ أنْزَلَهُ عَلَيْكم ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِتَشْرِيفِهِ والمُبالَغَةِ في إيجابِ اتِّباعِهِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ «أنَّ النَّبِيَّ  قَرَأ ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ ولا يَشْقى ﴾ في الآخِرَةِ»، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الهُدى بِالقُرْآنِ لِما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.

والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: أجارَ اللَّهُ تَعالى تابِعَ القُرْآنِ مِن أنْ يَضِلَّ في الدُّنْيا أوْ يَشْقى في الآخِرَةِ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْهُ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ  بِلَفْظِ ( «مَنِ اتَّبَعَ كِتابَ اللَّهِ هَداهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الضَّلالَةِ في الدُّنْيا ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ» )، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ، يعني: أمرنا آدم  بترك أكل الشجرة من قبل، يعني: من قبل محمد  .

فَنَسِيَ، يعني: فترك أمرنا وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قال: حفظاً لما أمر به.

روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ- أي فترك أمرنا وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً أي حزما.

وقال قتادة: صبراً، وقال السدي مثله وقال عطية: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً أي حفظاً بما أمر به.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: عهد إلى آدم فنسي، فسمي الإنسان (١) ثم قال عز وجل: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى، أي: تعظم عن السجود، فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ يعني: إبليس عدو لك ولزوجك حواء، فاحذرا منه، فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى يعني: فتتعب وتتعنّى بعمل كفيك ولا تأكل إلا كداً بعد النعمة.

وقال سعيد بن جبير: لما هبط آدم من الجنة وكلّف العمل، فكان يمسح العرق عن جبينه، فذلك قوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى، وهو العرق الذي مسحه من الجبين.

ثم قال عز وجل: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، يعني: أن حالك ما دمت في الجنة لا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى من الثياب.

وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيها، يعني: لا تعطش في الجنة، وَلا تَضْحى يعني: لا يصيبك الضحى، وهو حر الشمس.

قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: وَأَنَّكَ بالكسر على معنى الابتداء، وقرأ الباقون وَأَنَّكَ بالنصب على معنى البناء.

قوله عز وجل: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ من أكل منها خلد ولم يمت وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى؟

يعني: هل أدلك على ملك لا يفنى؟

فهو أكل الشجرة.

فَأَكَلا مِنْها، يعني: من الشجرة وقد ذكرنا تفسير الشجرة في سورة البقرة.

فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، أي: ظهرت لهما عوراتهما، وَطَفِقا يعني: عمدا يَخْصِفانِ يعني: يلزقان عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ، يعني: ترك أمر ربّه بأكله من الشجرة، فَغَوى أخطأ ولم يصب بأكله ما أراد وما وعد له من الخلود.

ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ، يعني: اصطفاه ربه واختاره بالنبوة فَتابَ عَلَيْهِ، يعني: تجاوز عنه وقبل توبته، وَهَدى يعني: هداه الله تعالى للتوبة بكلمات تلقاها، أي آدم  .

قوله عز وجل: قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً يعني: من الجنة آدم وحواء وإبليس والحية فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً يعني: يا ذرية آدم سيأتيكم مني الكتاب والرسل، خاطبه به وعنى ذريته.

فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ يعني: أطاع كتابي ورسلي فَلا يَضِلُّ باتباعه إياهما في الدنيا، وَلا يَشْقى في الآخرة.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «من قرأ القرآن واتَّبع ما فيه، هداه الله عز وجل من الضلالة، ووقاه الله عز وجل يوم القيامة سوء الحساب، فذلك قوله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويعودُ عليه بفضله فيقول: نَسِيَ تقريباً، ولا يجوز لأحد مِنّا أن يطلق ذلك على آدمَ، أو يذكره إلاَّ في تلاَوة القرآن أو قول النبيّ صلى الله عليه وسلّم.

انتهى من «الأحكام» .

وقوله سبحانه: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى المعنى: إنّ لك يا آدمُ في الجنة نعمة تامة، لا يصيبك جوعٌ، ولاَ عُري، ولاَ ظَمأٌ/، ولا بروزٌ للشمس يؤذيك، وهو ١٤ أالضحاء.

وقوله: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ص: عدّي هنا ب «إلى» على معنى أنهى الوسوسة إليه، وفي «الأعراف» باللام، فقال أبو البقاء: لأنه بمعنى ذكر لهما.

انتهى.

ثم أعلمهم سُبْحانه: أن من اتّبع هُدَاه فلا يضِلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وأنَّ من أعرض عن ذِكْر الله، وكفر به فَإنَّ له معيشةً ضَنْكاً، و «الضَّنْك» : النكدُ الشاقّ من العيش والمنازل، ونحو ذلك.

وهل هذه المعيشةُ الضنك تكون في الدنيا، أو في البَرْزَخ، أو في الآخرة؟

أقوال.

ت: ويُحْتَمَلُ في الجميع، قال القرطبي: قال أبو سعيد الخُدْرِيّ، وابن مسعودٍ:

ضَنْكاً: عذاب القبر»

، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «أتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى» أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنك؟

قالوا: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ.

قَالَ: عَذَابُ الكَافِرِ فِي الْقَبْرِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيناً- وَهِيَ الحَيَّاتُ- لكُلِّ حَيَّةٍ تِسْعَةُ رُؤُوسٍ، ينفخن في جسمه، ويلسعنه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ ﴾ ؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ ، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ.

وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ.

وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ.

والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ.

والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ.

والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ.

قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ  ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ.

﴿ وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَظْمَأُ فِيها ﴾ ؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ.

ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ﴾ ؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] .

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَغَوى ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ.

والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿ غَوى ﴾ : أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى.

والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ  ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى ﴾ ؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ.

﴿ قالَ اهْبِطا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ﴾ ؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» .

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها.

قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ.

والثّانِي: الدُّنْيا.

والثّالِثُ: جَهَنَّمُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما.

وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ.

ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ.

والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها ﴾ ؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ.

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿ وَأبْقى ﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى ﴾ ﴿ قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ﴾ ﴿ وَمَن أعْرَضَ عن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴾ ﴿ قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى ﴾ "اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ واصْطَفاهُ، و"تابَ عَلَيْهِ" مَعْناهُ: رَجَعَ بِهِ مِن حالِ المَعْصِيَةِ إلى حالِ النَدَمِ وهَداهُ لِصَلاحِ الأقْوالِ والأعْمالِ، وأمْضى عُقُوبَتَهُ عَزَّ وجَلَّ في إهْباطِهِ مِنَ الجَنَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "اهْبِطا" مُخاطَبَةَ آدَمَ وحَوّاءَ، ثُمْ أخْبَرَهُما بِقَوْلِهِ: "جَمِيعًا" أنَّ إبْلِيسَ والحَيَّةَ يَهْبِطانِ مَعَهُما، وأنَّ العَداوَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْسالِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، و"عَدُوٌّ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والِاثْنانِ والجَمْعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ شَرْطٌ، وجَوابُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ﴾ وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ القِسْمِ الثانِي، والهُدى مَعْناهُ دَعْوَةُ شَرْعِي.

ثُمْ أعْلَمَهم أنَّ مَنِ اتَّبَعَ هَدّاهُ وآمَنَ بِهِ فَإنَّهُ لا يَضِلُّ في الدُنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، وأنَّ مَن أعْرَضَ عن ذِكْرِ اللهِ وكَفَرَ بِهِ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا، و"الضَنْكُ": النَكَدُ الشاقُّ مِنَ العَيْشِ في المَنازِلِ أو في مُواطِنِ الحَرْبِ ونَحْوِها، ومِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ: ...........................

وإنْ نَزَلُوا يَوْمًا بِضَنْكٍ أنْزِلُ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُؤَنَّثُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ضَنْكى"، أُتْبِعَتْ بِالصِفَةِ لَفْظَةُ "المَعِيشَةِ".

واخْتَلَفَ الناسُ في المَعِيشَةِ الضَنْكِ، مَتى هو الوَقْتُ الَّذِي هي فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي الدُنْيا، ومَعْنى ذَلِكَ عِنْدَهم أنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ مُتَّسِعَ الحالِ والمالِ فَمَعَهُ مِنَ الحِرْصِ والأمَلِ والتَعْذِيبِ بِأُمُورِ الدُنْيا والرَغْبَةِ واتِّساعِ صَفاءِ العَيْشِ بِذَلِكَ ما يَصِيرُ مَعِيشَتَهُ ضَنْكًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي ضَنْكٌ بِأكْلِ الحَرامِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ العِيشَةُ الضَنْكُ هي في البَرْزَخِ، وهو أنْ يَرى مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ غُدُوًّا ورَواحًا، وبِالجُمْلَةِ عَذابُ القَبْرِ عَلى ما رُوِيَ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَمْلُ هَذِهِ الفِرْقَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ المَعِيشَةَ الضَنْكَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى  ﴾ .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المَعِيشَةُ الضَنْكُ في الآخِرَةِ، وهي عَذابُهم في جَهَنَّمَ وأكْلُهُمُ الزَقُّومَ وغَيْرِهِ، وذَكَرَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ مِن وعِيدٍ لَهُمْ، ثُمْ أخْبَرَ عن حالَةٍ أُخْرى هي أيْضًا في يَوْمِ القِيامَةِ وهي حَشْرُهم عُمْيًا، ثُمْ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى  ﴾ مَعْنى هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَنْكِ والعَمى ونَحْوِهِ هو عَذابُهُ في الآخِرَةِ، وهو أشَدُّ وأبْقى مِن كُلِّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الظَنُّ والتَخَيُّلُ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ نَوْعًا مِن عَذابِ الآخِرَةِ ثُمْ ذَكَرَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَنَحْشُرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَحْشُرُهُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَنَحْشُرُهُ" بِسُكُونِ الراءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أعْمى" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أعْمى" بِالإمالَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَمى هُنا هو عَمى البَصِيرَةِ عَنِ الحُجَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ كانَ هَذا لَمْ يُحِسَّ الكافِرُ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ ماتَ أعْمى البَصِيرَةِ ويُحْشَرُ كَذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَمى عَمى البَصَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأوجَهُ، مَعَ أنَّ عَمى البَصِيرَةِ حاصِلٌ في الوَجْهَيْنِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا  ﴾ فَمَن رَآهُ "فِي العَيْنِ" فَلا بُدَّ أنْ يَتَأوَّلَها مَعَ هَذا إمّا أنَّها في طائِفَتَيْنِ وإمّا في مَوْطِنَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا ﴾ ، "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى العَمى الَّذِي حَلَّ بِهِ، أيْ مِثْلِ هَذا في الدُنْيا أنْ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها، و"النِسْيانُ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى التَرْكِ، ولا مَدْخَلَ لِلذُّهُولِ في هَذا المَوْضِعِ، و"تُنْسى" بِمَعْنى: تَتْرُكُ في العَذابِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القُرَشِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

{ استئناف بياني، لأنّ الإخبار عن آدم بالعصيان والغواية يثير في نفس السامع سؤالاً عن جزاء ذلك.

وضمير قالقَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } عائد إلى ﴿ ربه ﴾ [طه: 121] من قوله ﴿ وعصى آدم ربه ﴾ والخطاب لآدم وإبليس.

والأمر في ﴿ اهبطا ﴾ أمر تكوين، لأنهما عاجزان عن الهبوط إلى الأرض إلاّ بتكوين من الله إذ كان قرارهما في عالم الجنة بتكوينه تعالى.

و ﴿ جميعاً ﴾ يظهر أنه اسم لمعنى كل أفرادِ ما يوصف بجميع، وكأنه اسم مفرد يدل على التعدد مثل: فريق، ولذلك يستوي فيه المذكر وغيره والواحد وغيره، قال تعالى: ﴿ فكيدوني جميعاً ﴾ [هود: 55] ونصبه على الحال، وهو هنا حال من ضمير وجملة بعضكم لبعض عدوٌّ } حال ثانية من ضمير ﴿ اهْبِطَا ﴾ .

فالمأمور بالهبوط من الجنة آدم وإبليس وأما حواء فتبع لزوجها.

والخطاب في قوله ﴿ بَعْضُكُم ﴾ خطاب لآدم وإبليس.

وخوطبا بضمير الجمع لأنه أريد عداوة نسليهما، فإنهما أصلان لنوعين نوع الإنسان ونوع الشيطان.

{ تفريع جملة فإمَّا يأتينَّكم مني هُدىً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى * قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتنى أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كذلك أَتَتْكَ آياتنا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بھايات رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاخرة أَشَدُّ وأبقى} على الأمر بالهبوط من الجنة إلى الدنيا إنباءٌ بأنهم يستقبلون في هذه الدنيا سيرة غير التي كانوا عليها في الجنة لأنّهم أُودِعوا في عالَم خليط خيره بشرّه، وحقائقه بأوهامه، بعد أن كانوا في عالم الحقائق المحضة والخير الخالص، وفي هذا إنباء بطور طرأ على أصل الإنسان في جبلته كان مُعَدّاً له من أصل تركيبه.

والخطاب في قوله ﴿ يَأتِيَنَّكُم ﴾ لآدم باعتبار أنه أصل لنوع الإنسان إشعاراً له بأنه سيكون منه جماعة، ولا يشمل هذا الخطاب إبليس لأنه مفطور على الشر والضلال إذ قد أنبأه الله بذلك عند إبايته السجود لآدم، فلا يكلفه الله باتباع الهدى، لأن طلب الاهتداء ممن أعلمه الله بأنه لا يزال في ضلال يعد عبثاً ينزه عنه فعل الحكيم تعالى.

وليس هذا مثلَ أمر أبي جهل وأضرابه بالإسلام إذ أمثال أبي جهل لا يوقَن بأنهم لا يؤمنون، ولم يرد في السنّة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الشيطان للإسلام ولا دعا الشياطين، وأما الحديث الذي رواه الدارَقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وُكل به قرينه من الجنّ، قالوا: وإياك يا رسول الله؟

قال: وإياي ولكن الله أعانني فأسْلَمَ» فلا يقتضي أنه دعاه للإسلام ولكن الله ألهم قرينه إلى أن يأمره بالخير، والمراد بالقرين: شيطان قرين، والمراد بالهدى: الإرشاد إلى الخير.

وفي هذه الآية وصاية الله آدم وذريته باتباع رسل الله والوحي الإلهي، وبذلك يعلم أن طلب الهدى مركوز في الجبلة البشريّة حتى قال كثير من علماء الإسلام: إن معرفة الإله الواحد كائنة في العقول أو شائعة في الأجيال والعصور.

وإنه لذلك لم يُعذر أهل الشرك في مُدد الفِتر التي لم تجئ فيها رسل للأمم.

وهذه مسألة عظيمة وقد استوعبها علماء الكلام، وحررناها في «رسالة النسب النبوي».

وقد تقدم تفسير نظير الجملتين الأوليْن في سورة البقرة.

وأما قوله ﴿ فلا يضل ﴾ فمعناه: أنه إذا اتبع الهُدى الوارد من الله على لسان رسله سَلِم من أن يعتريه شيء من ضلال، وهذا مأخوذ من دلالة الفِعل في حيّز النفي على العموم كعموم النكرة في سياق النفي، أي فلا يعتريه ضلال في الدنيا، بخلاف من اتبع ما فيه هدى وارد من غير الله فإنه وإن استفاد هدى في بعض الأحوال لا يسلم من الوقوع في الضلال في أحْوال أخرى.

وهذا حال متبعي الشرائع غير الإلهية وهي الشرائع الوضعية فإن واضعيها وإن أفرغوا جهودهم في تطلب الحق لا يسلمون من الوقوع في ضلالات بسبب غَفلات، أو تعارض أدلة، أو انفعال بعادات مستقرة، أو مصانعة لرؤساء أو أمم رأوا أن من المصلحة طلبَ مرضاتهم.

وهذا سقراط وهو سيّد حكماء اليونان قد كان يتذرع لإلقاء الأمر بالمعروف في أثينا بأن يفرغه في قوالب حكايات على ألسنة الحيوان، ولم يسلم من الخنوع لمصانعة اللفيف فإنه مع كونه لا يرى تأليه آلهتهم لم يسلم من أن يأمر قبل موته بقربان ديك لعطارد ربّ الحكمة.

وحالهم بخلاف حال الرسل الذين يتلقون الوحي من علاّم الغيوب الذي لا يضل ولا ينسى، وأيدهم الله، وعصمهم من مصانعة أهل الأهواء، وكوّنهم تكويناً خاصاً مناسباً لما سبق في علمه من مراده منهم، وثبت قلوبهم على تحمل اللأواء، ولا يخافون في الله لومة لائم.

وإن الذي ينظر في القوانين الوضعية نظرة حكيم يجدها مشتملة على مراعاة أوهام وعادات.

والشقاء المنفي في قوله {ولا يشقى هو شقاء الآخرة لأنه إذا سلم من الضلال في الدنيا سلم من الشقاء في الآخرة.

ويدل لهذا مقابلة ضده في قوله ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى}، إذ رتب على الإعراض عن هدي الله اختلال حَاله في الدنيا والآخرة، فالمعيشة مراد بها مدة المعيشة، أي مدّة الحياة.

والضنك: مصدر ضَنُك، من باب كَرُم ضناكة وضنكاً، ولكونه مصدراً لم يتغيّر لفظه باختلاف موصوفه، فوصف به هنا {معيشة وهي مؤنث.

والضنك: الضيق، يقال: مكان ضنك، أي ضيق.

ويستعمل مجازاً في عسر الأمور في الحياة، قال عنترة: إن يلحقوا أكرُر وإن يستلحموا *** أشدد وإن نَزلوا بضَنْك أنْزِلِ أي بمنزل ضنك، أي فيه عسر على نازله.

وهو هنا بمعنى عسر الحال من اضطراب البال وتبلبله.

والمعنى: أن مجامع همه ومطامح نظره تكون إلى التحيل في إيجاد الأسباب والوسائل لمطالبه، فهو متهالك على الازدياد خائف على الانتقاص غير ملتفت إلى الكمالات ولا مأنوس بما يسعى إليه من الفضائل، يجعله الله في تلك الحالة وهو لا يشعر، وبعضهم يبدو للناس في حالة حسنة ورفاهية عيش ولكن نفسَه غير مطمئنة.

وجعل الله عقابه يوم الحشر أن يكون أعمى تمثيلاً لحالته الحسية يومئذ بحالته المعنوية في الدنيا، وهي حالة عدم النظر في وسائل الهدى والنجاة.

وذلك العمى عنوان على غضب الله عليه وإقصائه عن رحمته، فأعمى الأول مجاز وأعمى الثاني حقيقة.

وجملة قال رب لم حشرتني أعمى} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

وجملة ﴿ قال كذلك أتتك ﴾ الخ واقعة في طريق المحاورة فلذلك فصلت ولم تعطف.

وفي هذه الآية دليل على أنّ الله أبلغ الإنسان من يوم نشأته التحذير من الضلال والشرك، فكان ذلك مستقراً في الفطرة حتى قال كثير من علماء الإسلام: بأن الإشراك بالله من الأمم التي يكون في الفتر بين الشرائع مستحق صاحبه العقاب، وقال جماعة من أهل السنّة والمعتزلة قاطبة: إنّ معرفة الله واجبة بالعقل، ولا شك أنّ المقصود من ذكرها في القرآن تنبيه المخاطبين بالقرآن إلى الحذر من الإعراض عن ذكر الله، وإنذار لهم بعاقبة مثل حالهم.

والإشارة في ﴿ كذلك أتتك آياتنا ﴾ راجعة إلى العمى المضمن في قوله ﴿ لم حشرتني أعمى ﴾ ، أي مثل ذلك الحال التي تساءلت عن سببها كنت نسيت آياتنا حين أتتك، وكنت تُعرض عن النظر في الآيات حين تُدعى إليه فكذلك الحال كان عقابك عليه جزاءً وفاقاً.

وقد ظهر من نظم الآية أن فيها ثلاثة احتباكات، وأن تقدير الأول: ونحشره يوم القيامة أعمى ونَنْساه، أي نُقصيه من رحمتنا.

وتقدير الثاني والثالث: قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وعميتَ عنها فكذلك اليوم تنسى وتُحْشَر أعمى.

والنسيان في الموضعين مستعمل كناية أو استعارة في الحرمان من حظوظ الرحمة.

وجملة ﴿ وكذلك نجزي من أسرف ﴾ الخ تذييل، يجوز أن تكون من حكاية ما يخاطب الله به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها التوبيخ له والتنكيل، فالواوُ عاطفةٌ الجملةَ على التي قبلها.

ويجوز أن تكون تذييلاً للقصّة وليست من الخطاب المخاطب به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها موعظة السامعين ليحذروا من أن يصيروا إلى مثل ذلك المصير.

فالواو اعتراضية لأن التذييل اعتراض في آخر الكلام، والواو الاعتراضية راجعة إلى الواو العاطفة إلاّ أنها عاطفة مجموع كلام على مجموع كلام آخر لا على بعض الكلام المعطوف عليه.

والمعنى: ومثل ذلك الجزاء نجزي من أسرف، أي كفر ولم يؤمن بآيات ربّه.

فالإسراف: الاعتقاد الضال وعدم الإيمان بالآيات ومكابرتها وتكذيبهما.

والمشار إليه بقوله ﴿ وكذلك ﴾ هو مضمون قوله ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ ، أي وكذلك نجزي في الدنيا الذين أسرفوا ولم يؤمنوا بالآيات.

وأعقبه بقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ﴾ ، وهذا يجوز أن يكون تذييلاً للقصة وليس من حكاية خطاب الله للذي حشره يوم القيامة أعمى.

فالمراد بعذاب الآخرة مقابل عذاب الدنيا المفاد من قوله ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ الآية، والواو اعتراضية.

ويجوز أن تكون الجملة من حكاية خطاب الله للذي يحشره أعمى، فالمراد بعذاب الآخرة العذاب الذي وقع فيه المخاطب، أي أشد من عذاب الدنيا وأبقى منه لأنّه أطول مدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ﴾ وعَمِلَ بِما فِيهِ ﴿ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ﴾ لا يَضِلُّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَمِنَ اللَّهُ لِمَن يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَعْمَلُ بِما فِيهِ ألّا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ.

﴿ وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَسْبًا حَرامًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَيْشُهُ مُنَغَّصًا بِأنْ يُنْفِقَ مَن لا يُوقِنُ بِالخَلَفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَدْ رَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

الرّابِعُ: أنَّهُ الطَّعامُ الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ في جَهَنَّمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والضَّنْكُ في كَلامِهِمُ الضِّيقُ، قالَ عَنْتَرَةُ: إنَّ المَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ مِثْلِي إذا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنزِلِ وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يَكْسِبَ دُونَ كِفايَتِهِ.

﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أعْمى في حالٍ، وبَصِيرٌ في حالٍ.

الثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أعْمى عَنْ وُجْهاتِ الخَيْرِ لا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني والخطيب في المتفق والمفترق وابن مردويه عن أبي الطفيل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿ فمن اتبع هداي ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اتبع كتاب الله، هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة» وذلك أن الله يقول: ﴿ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ .

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان من طرق، عن ابن عباس قال: أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة.

ثم قرأ: ﴿ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ قال: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في كتاب عذاب القبر، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً في قوله: ﴿ معيشة ضنكا ﴾ قال: عذاب القبر.

ولفظ عبد الرزاق قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.

ولفظ ابن أبي حاتم عن ضمة القبر.

وأخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: إن المعيشة الضنك: أن يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً تنهشه في القبر.

وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ قال: المعيشة الضنك التي قال الله: إنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية تنهش لحمه حتى تقوم الساعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم من وجه آخر، عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ قال: عذاب القبر» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويرحب له قبره سبعين ذراعاً، ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر...

هل تدرون فيما أنزلت ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ ؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: عذاب الكافر في قبره، يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً...

هل تدرون ما التنين؟

تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون» .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في كتاب عذاب القبر، عن ابن مسعود قال: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن المؤمن إذا وضع في قبره أجلس فيه فيقال له: من ربك؟

وما دينك؟

ومن نبيك؟

فيثبته الله فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم.

فيوسع له في قبره ويروّح له فيه.

ثم قرأ عبد الله ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فإذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟

وما دينك؟

ومن نبيك؟

فيقول: لا أدري.

قال: فيضيق عليه قبره ويعذب فيه.

ثم قرأ: ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: الشقاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: شدة عليه في النار.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: الضنك، الشديد من كل وجه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: والخيل قد لحقت بنا في مارق ** ضنك نواحيه شديد المقدم وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ قال: عذاب القبر.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود مثله.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن أبي صالح والربيع مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال: المعيشة الضنك، خصم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: يقول: كل مال أعطيته عبداً من عبادي قلّ أو كثر لا يطيعني فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: ضيقة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: الضنك، من المعيشة إذا وسع الله على عبده أن يجعل معيشته من الحرام، فيجعله الله عليه ضيقاً في نار جهنم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: يحول الله رزقه في الحرام، فلا يطعمه إلا حراماً حتى يموت فيعذبه عليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: العمل السيء والرزق الخبيث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: في النار شوك وزقوم وغسلين والضريع، وليس في القبر ولا في الدنيا معيشة، ما المعيشة والحياة إلا في الآخرة.

وأخرج البيهقي عن مجاهد ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ ضيقة يضيق عليه قبره.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ قال: رزقاً ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ قال: عن الحجة ﴿ قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً ﴾ قال: في الدنيا ﴿ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ﴾ قال: تترك في النار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ قال: ليس له حجة.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ قال: عمي عليه كل شيء إلا جهنم.

وفي لفظ قال: لا يبصر إلا النار.

وأخرج هناد عن مجاهد في قوله: ﴿ لم حشرتني أعمى ﴾ قال: لا حجة له.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أتتك آياتنا فنسيتها ﴾ يقول: تركتها أن تعمل بها.

﴿ وكذلك اليوم تنسى ﴾ قال: في النار.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد آدم وإبليس) (١) والآية مفسرة في سورة البقرة (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يَضِلُّ ﴾ أي: في الدنيا (ولا يشقى) [في الآخرة.

قال ابن عباس: (أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة ثم قرأ: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ ] (٣) (٤) (١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 224، "بحر العلوم" 2/ 357، "زاد المسير" 5/ 330، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 258.

== وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 539: (الظاهر أن ألف الإثنين في قوله: ﴿ اهْبِطَا ﴾ راجعة إلى آدم وحواء، خلافًا لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس وآدم، والتثنية باعتبار آدم وحواء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما).

(٢) عند قوله سبحانه في سورة البقرة الآية رقم: (38): ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).

(٤) "جامع البيان" 16/ 224، "الكشف والبيان" 3/ 26 أ، "بحر العلوم" 2/ 357، "النكت والعيون" 3/ 431، "معالم التنزيل" 5/ 300، "الدر المنثور" 4/ 556.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اهبطا ﴾ خطاب لآدم وحواء ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة وجوابها ﴿ فَمَنِ اتبع ﴾ ﴿ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى ﴾ أي لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ أي ضيقة، فقيل إن ذلك في الدنيا، فإن الكافر ضيق المعيشة لشدّة حرصه وإن كان واسع الحال، وقد قال بعض الصوفية: لا يُعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقته وتكدر عليه عيشه، وقيل: إن ذلك في البرزخ، وقيل: في جهنم بأكل الزقوم، وهذا ضعيف، لأنه ذكر بعد هذا يوم القيامة وعذاب الآخرة ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى ﴾ أي يعني أعمى البصر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإنك ﴾ بالكسر: أبو بكر وحماد والخراز ونافع.

الباقون بالفتح عطفاً على ﴿ أن لا تجوع ﴾ ولا يلزم منه دخول "إن" المكسورة على المفتوحة للفصل بالخبر، ولأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه ﴿ أعمى ﴾ بالإمالة.

حمزة وعلي وخلف ﴿ حشرتني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ ترضى ﴾ مبيناً للمفعول: علي وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ زهرة ﴾ بفتح الهاء: قتيبة وسهل ويعقوب.

الآخرون بسكونها.

وقرأ حمزة وعلي وخلف هذه السورة وكل سورة آياتها على الياء بالإمالة المفرطة وإن شاء بين الفتح والكسر.

الوقوف: ﴿ عزماً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أبى ﴾ ه ﴿ فتشقى ﴾ ه ﴿ ولا تعرى ﴾ ه، لمن قرأ ﴿ وإنك ﴾ بالكسر ﴿ ولا تضحى ﴾ ه ﴿ لا يبلى ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ز لنوع عدول عن ذكر حال اثنين إلى بيان فعل من هو المقصود ﴿ فغوى ﴾ ه ص ﴿ وهدى ﴾ ه ﴿ عدوّ ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء ﴿ ولا يشقى ﴾ ، ه ﴿ يوم القيامة أعمى ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ فنسيتها ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ تنسى ﴾ ه ﴿ يآت ربه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ النهي ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ه ط ﴿ غروبها ﴾ ج لعطف الجملتين مع اختلاف النظم ﴿ يرضى ﴾ ه ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ نرزقك ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ الأولى ﴾ ه ﴿ ونخزى ﴾ ه ﴿ فتربصوا ﴾ ج لسين التهديد مع الفاء ﴿ اهتدى ﴾ ه.

التفسير: في تعلق قصة آدم بما قبلها وجوه منها: أنه لما قال: ﴿ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ﴾ ثم عظم شأن القرآن وبالغ فيه ذكر القصة إنجازاً للوعد.

ومنها أنه لما قال: ﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ أردفه بهذه القصة ليعلم أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم وخلة موروثة، وذلك أنه عهد إلى آدم من قبل هؤلاء الذين صرف لأجلهم الوعيد فنسي وترك العهد.

ومنها أن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ دليل على أنه  زاد على قدر الواجب في رعاية أمر الدين وكان مفرطاً في أداء الرسالة وحفظ ما أمر به فناسب أن يعطف عليه قصة آدم لأنه كان موسوماً بالتفريط والإفراط والتفريط كلاهما من باب ترك الأولى، وإذا كان أوّل الأنبياء وخاتمهم موصوفين بما فيه نوع تقصير فما ظنك بغيرهما!

ومن هنا يعرف أفضلية الخاتم فإنه سعى في طلب الكمال إلى أن عوتب بالخروج عن حد الاعتدال، وآدم توسط في حيز النقصان فلا جرم وسم بالظلم والعصيان.

ومنها أن محمداً  أمر بأن يقول ﴿ رب زدني علماً ﴾ ثم ذكر عقيبه قصة آدم تنبيهاً على أن بني آدم مفتقرون في جميع أحوالهم إلى التضرع واللجأ إلى الله حتى ينفتح عليهم أبواب التيسير في العلم والعمل.

ومعنى ﴿ عهدنا إلى آدم ﴾ أمرناه ووصيناه ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل محمد والقرآن.

وفي النسيان قولان: أحدهما أنه نقيض الذكر.

عن الحسن: والله ما عصي قط إلا بنسيان.

والثاني أن معناه الترك وعلى هذا يحتمل أن يقال: أقدم على الأكل من غير تأويل.

وأن يقال: أقدم عليه بتأويل قد مر في "البقرة".

قال أهل الإشارة: عهد إليه أن لا يعلق نوره فانقاد للشيطان وهو النسيان.

والعزم أيضاً فيه أقوال: أحدها عزماً على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد.

وثانيها عزماً في العود إلى الذنب ثانياً.

وثالثها رأياً وصبراً أي لم يكن من أهل العزيمة والثبات إذ كان من حقه أن يتصلب في المأمور به تصلباً يؤيس الشيطان من التسويل.

قال جار الله: قوله: ﴿ ولم نجد له ﴾ يجوز أن يكون بمعنى العلم ومفعولاه ﴿ له عزماً ﴾ وأن يكون بمعنى نقيض العدم كأنه قال: وعد مثاله عزماً.

قوله: ﴿ وإذ قلنا للملائكة ﴾ سلف في "البقرة" مستقصى قوله: ﴿ إن هذا عدوّ لك ﴾ ذكروا في سبب عداوته إياه أنه كان شاباً عالماً لقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدوّاً للشاب العالم.

وأيضاً الماء والتراب مضادان للنار ﴿ فلا يخرجنكما ﴾ فلا يكون سبباً لإخراجكما لأن الفاعل الحقيقي هو الله  ﴿ فتشقى ﴾ فتتعب في طلب القوت وسائر ما يتعيش به الإنسان أسند الشقاء إليه وحده مع اشتراكهما في الخروج لأن الرجل أصل في باب الإنفاق والكسب والمرأة تابعة له.

ثم بين ذلك الشقاء بقوله: ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ﴾ إلى آخره.

والظمأ العطش وتقول: ضحيت للشمس بالكسر أضحى ضحاء ممدوداً إذا برزت لها.

والمراد به الكن مع أن الجنة ليس فيها شمس حتى يتصور فيها الضحاء، نفى كون هذه الأمور في الجنة ليثبت حصولها في غيرها.

ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي: الشبع والري الكسوة والكن.

وأما المنكوح فمشترك إلا أن مؤن النكاح تختص بالدنيا وأنها أيضاً ترجع إلى المذكورات.

يروى أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع.

﴿ فوسوس إليه الشيطان ﴾ أنهى إليه وسوسة كما مر في "الأعراف".

بيان الوسوسة أنه ﴿ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ﴾ أضافها إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأنه من باشر أثره حيي ﴿ وملك لا يبلى ﴾ أي لا ينقطع ولا يزول.

قال القاضي: ليس في الظاهر أنه قيل ذلك منه لأنه لا بد أن يحصل بين حال التكليف وحال المجازاة فصل بالموت، والنبي يمتنع أن لا يعلم هذا القدر.

وأجيب بالمنع ولو سلم فلم لا يكفي الفصل بغشي أو نوح خفيف.

ولو سلم أنه لا يكفي فلم استحال أن يجهل النبي ذلك كما جهل عدم جواز الرؤية زعمكم حين قال: ﴿ أرني أنظر إليك  ﴾ ومما يدل على أن آدم قبل وسوسته قوله  : ﴿ فأكلا ﴾ بالفاء مشعر بالعلية كقول الصحابي: "زنى ماعز فرجم" وما في الآية قد مر تفسيره في "الأعراف" إلا قوله: ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ قال بعض الناس: إن آدم ذنبه كبيرة وإلا لم يوصف بالعصيان والغواية فإن العاصي والغاوي اسمان مذمومان عرفاً وشرعاً وقد ترتب الوعيد عليهما.

وأجيب بأن المعصية مخالفة الأمر والأمر قد يكون مندوباً.

وزيف بالمنع من أن المندوب غير مأمور به.

ثم أن مخالفة عاص وإلا كان الأنبياء كلهم عصاة لأنهم لا ينكفون عن ترك المندوب.

قالوا: يقال أشرت إليه في أمر كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني.

وأجيب بالمنع من أن هذا من مستعملات العرب العاربة، ولو سلم فلعله إنما يقال ذلك إذا عرف أن المستشير لا بد له أن يفعل ذلك، وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً وإن لم يكن وجوب شرعي لأن ذلك الإيجاب لم يصدر عن الشارع.

ومنهم من زعم أنه ذنب صغير وهم عامة المعتزلة ورد بأن المعاصي إسم من يستحق العقاب وهذا لا يليق بالصغيرة.

وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف ولهذا قال  ﴿ فغوى ﴾ أي خاب من نعيم الجنة لأن الرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود والغي ضده، وأنه سعى في طلب الخلود فنال ضد المقصود.

وعن بعضهم ﴿ فغوى ﴾ أي بشم من كثرة الأكل وزيفه جار الله.

ورد قول أبي مسلم بأن مصالح الدنيا تكون مباحة فلا يوصل تاركها بالعصيان.

قلت: في هذا نظر، والأحوط في هذا الباب أن يعتقد كون هذه الواقعة قبل النبوة بدليل قوله: ﴿ ثم اجتباه ربه ﴾ أي اختاره للرسالة ﴿ وهدى ﴾ لحفظ أسباب العصمة.

أصل الاجتباء هو الجمع كما مر في آخر "الأعراف".

يروى عن أبي أمامة: لو وزنت أحلام بني آدم لرجح حلمه.

وقد قال الله  : ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ قال العلماء: فيه دليل على أنه لا رادَّ لقضائه وما قدره كائن لا محالة، وإذا جاء القضاء عمي البصر والدليل قد يكون غاية الظهور ومع ذلك يخفى على أعقل الناس كما خفي على آدم عداوة إبليس، وأنه تعرّض لسخط الله في شأنه حين امتنع من سجوده فكيف قبل من وسوسة ﴿ لولا كتاب من الله سبق  ﴾ قال المحققون: الأولى أن لا يطلق لفظ العاصي والغاوي على آدم  وإن ورد في القرآن ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ لأنه لم تصدر عنه الزلة إلا مرة واحدة.

وصيغة اسم الفاعل تنبىْ عن المزاولة، ولأن المسلم إذ تاب عن الشرب أو الزنا وحسنت توبته لا يقال له شارب وزان، ولأن السيد يجوز له أن يشتم عبده بما شاء وليس لغيره ذلك.

﴿ قال اهبطا ﴾ قد مر تفسير مثله في "البقرة" خاطبهما بالهبوط لأنهما أصلا البشر ثم عم الخطاب لهما ولذريتهما في قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ أما قوله: ﴿ بعضكم لبعض عدوّ ﴾ فقد قال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام.

عن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا قوله: ﴿ فمن ابتع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ والسبب فيه أن العقاب في الآخرة لأجل أنه قد ضل عن الدين في مدة التكليف، واتباع كتاب الله يستلزم عدم الضلال عن الدين المستتبع للنجاة من العقاب في الآخرة.

وأما الشقاء الذي قد يلحق المؤمن في الدنيا فلا اعتداد به لقصر مدته على أن الرضا بالقضاء يهوّن عليه مصائب الدنيا وآفاتها.

ثم ذكر وعيد من أعرض عن ذكره ظاهر الكلام يدل على أن الذكر ههنا هو الهدى المذكور لأن قوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ فمن اتبع هداي ﴾ .

وقد مر في أول "البقرة" أن المراد به الشريعة والبيان.

وقال كثير من المفسرين: إن الذكر هو القرآن وسائر كتب الله وفيه نوع تخصيص.

والضنك الضيق مصدر وصف به.

ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.

يقال: منزل ضنك ومعيشة ضنك كأنه قيل: ذات ضنك.

قالت الحكماء: عيش الدنيا ضنك ضيق لانقضائه وقصر مدّته وكثرة شوائبه، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة.

وهذا الضيق المتوعد به إما في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة مال إلى كل طائفة.

أما لأول فلأن المسلم الراضي بقضاء ربه معه من التسليم والتوكل والقناعة ما يعيش به عيشاً رافغاً.

والمعرض عن الدين متول عليه الحرص والشح فلا ينفك عن الانقباض ولطموح ما ليس يناله من الفراغ والرفاغ الكلي فلا هم له إلا هم الدنيا.

عن ابن عباس: المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، ومن الكفرة من ضربت عليه الذلة والمسكنة.

وسئل الشبلي عن قوله  : "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية" فقال: أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله  فعقوبتهم أن يردهم الله  إلى أنفسهم وأيّ معيشة أضيق وأشد من أن يرد الأنسان إلى نفسه.

قلت: التحقيق أن بعض البليات من العقوبات فطلب العافية منها لازم، وبعضها لمزيد الدرجات ولكن الإنسان خلق ضعيفاً فكثيراً ما يؤل أمر المبتلي إلى الجزع والفزع فيحرم الثواب فتطلب العافية من هذا القسم أيضاً خوفاً من المآل.

وأما الثاني فعن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ورفعه أبو هريرة إلى النبي  أنه: "عذاب القبر للكافر" وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الله المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيه أضلاعه.

وأما الثالث فعن الحسن وقتادة والكلبي أنه ضيق في الآخرة وفي جهنم، وأ طعامهم فيها الضريع والزقوم والحميم والغسلين، فلا يموتون فيها ولا يحيون.

أما قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ كقوله: ﴿ ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً  ﴾ فيمن فسر الزرق بالعمى ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً  ﴾ ﴿ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى  ﴾ قال الجبائي: أراد أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً كالأعمى.

وعن مجاهد والضحاك ومقاتل أنه أراد أعمى عن الحجة وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال القاضي: هذا القول ضعيف لأنه لا بد في القيامة أن يعلمهم الله  بطلان ما كانوا عليه بتمييزه لهم الحق من الباطل، ومن هذه حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً باعتبار ما كان، لكن قوله: ﴿ وقد كنت بصيراً ﴾ ينافيه.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه  علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر كما في الدنيا.

قال: والتحقيق في الجواب عن الاعتراض هو أن النفوس الجاهلة في الدنيا إذا فارقت أبدانها تبقى على جهالتها في الآخرة فتصير تلك الجهالة سبباً لأعظم الآلام الروحانية.

وأقول على القاضي: يحتمل أن يكون مجازاً باعتبار الغاية.

فقد ينفي الشيء باعتبار عدم غايته وثمرته فلا ينافي كونه أعمى في الآخرة بهذا الاعتبار إعلام الله  إياه الحجة، ولا كونه بصيراً في الدنيا كونه أعمى في الآخرة بالاعتبار المذكور لأن المعرض عن الدليل يشبه أن يكون كافراً معانداً، ويكون الغرض من الإعلام التوبيخ والإلزام يؤيده قوله  في جوابه: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك فعلت أنت.

ثم فسر ذلك بقوله: ﴿ أتتك آياتنا ﴾ أي دلائلنا وضاحة مستنيرة ﴿ فنسيتها ﴾ أي تركت العمل بها والقيام بموجبها ﴿ وكذلك اليوم تنسى ﴾ تترك بلا فائدة النظر والاعتبار.

وعلى الإمام الرازي: إنه لا يلزم من كون المكلف غير متضرر بنسيان الدلائل في الدنيا كونه غير متضرر به في الآخرة.

وأما قوله في الجواب المحقق بناء على قاعدة الحكيم إن جهل النفس يصير سبباً لتعذيبها فإن كان منعاً لقول المعتزلة إنه  يعلم المكلف بطلان ما كان عليه في الدنيا فذاك لا يفتقر إلى العدول، وإن كان تسليماً لقولهم فمن أين يتحمل الاعتراض هذا وقد رأيت في بعض الآثار أن أشد الناس عمى يوم القيامة هم الذين حفظوا القرآن ثم نسوه.

دليله قوله تعالى: ﴿ أتتك آياتنا فنسيتها ﴾ اللَّهم اجعلني ممن يواظب على تلاوة كتابك حتى لا أنساه يوم ألقاك.

﴿ وكذلك نجزي من أسرف ﴾ قيل: عصى ربه.

والأظهر أنه أراد أشرك وكفر بدليل قوله: ﴿ ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة ﴾ وهو الحشر على العمى ﴿ أشد وأبقى ﴾ من ضيق المعيشة في العاجل أو أراد، وتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا.

ثم وبخ المعرضين عن الدلائل بعدم الاعتبار بأحوال القرون الخالية فقال: ﴿ أفلم يهد لهم ﴾ بالفاء وفي السجدة بالواو، لأن الكلام ههنا كالمتصل بقوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ وهناك كالمنفصل عن الإعراض لأنه قال: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها  ﴾ .

وبعد ذلك أورد قصة موسى فناسب الاستئناف بالواو، وأما حذف من ههنا وإثباته هنالك فلما مر من أن "من" تفيد الاستيعاب وهنالك قد زاد في القرون بشرح قصة بني إسرائيل وما فيهم من الملوك والأنبياء.

قال في الكشاف: فاعل: ﴿ لم يهد ﴾ الجملة بعده.

وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجملة لا تقع فاعلاً فلهذا قال: يريد أو لم يهد لهم هذا المعنى أو مضمون هذا الكلام.

قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم.

وقال الزجاج: أراد أَوَ لَمْ نبين لهم ما يهدون به لو تدبروا وتأملوا.

وقيل: فيه ضمير الله أو الرسول والجملة بعده تفسره يريد أن قريشاً يتقلبون في السورة.

قال بعض أهل اللغة: إن للنبيه مزية على العقل فلا يقال إلا لمن له عقل ينتهي به عن القبائح فقوله: ﴿ أولي النهى ﴾ كقوله: ﴿ أولي العزم  ﴾ والحزم ومن هذا فسره بعضهم بأهل الورع والتقوى.

ثم بين الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كذب من هذه الأمة فقال: ﴿ ولولا كلمة ﴾ هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة كتبها في اللوح المحفوظ وأخبر بها ملائكته ورسله لأن فيهم أو في نسلهم من يؤمن، أو لمصلحة أخرى خفية.

قال أهل السنة: إنه بحكم المالكية له أن يفعل ما يشاء من غير علة.

واللزام مصدر لازم وصف به.

وقيل: فعال لما يفعل به فهو بمعنى ملزم كأنه آلة اللزوم أي ﴿ لكان ﴾ الأخذ العاجل ﴿ لزاماً وأجل مسمى ﴾ وهو عذاب الآخرة.

وقيل: يوم بدر معطوف على ﴿ كلمة ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون معطوفاً على الضمير في كان.

ولعله إنما جوز ذلك للفصل أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل.

وحين بين أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر على ما يقولون من التكذيب وسائر الأذيات.

زعم الكلبي ومقاتل أنها منسوخة بآية القتال وليس بذاك فإن كلاً منهما معمول بها في موضعها ﴿ وسبح بحمد ربك ﴾ أي متلبساً بحمده على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، والأكثرون أنها بمعنى الصلاة ليكون كقوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ ولأنه بين أوقاتها فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار ﴿ ومن آناء الليل فسبح ﴾ المغرب والعتمة.

وقوله ﴿ وأطراف النهار ﴾ أي في طرفيه فجمع للمبالغة وأمن الإلباس، أو لأن أقل الجمع اثنان.

أو أراد طرفي كل نهار تكرار لصلاتي الفجر والعصر لا المغرب على ما ظن اعتناء بشأنهما كقوله ﴿ والصلاة الوسطى  ﴾ وآناء جمع "أنى" وهو الساعة وقد مر في "آل عمران".

وإنما قدم آنا الليل وأدخل الفاء في ﴿ فسبح ﴾ المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها تنبيهاً على زيادة الاهتمام بشأن صلاة الليل، لأن الليل وقت السكون والراحة وهدوّ الأصوات فالصلاة فيه أشق على النفس وأدخل في الإخلاص وأقرب من المحافظة على الخشوع والإخبات.

وبعضهم أخرج من الآية صلاة الظهر لانه خصص قبل الغروب بصلاة العصر.

ومنهم من زاد فيها النوافل لأن الصلاة في الأوقات المذكورة تشملها والأمر قد يكون للندب لا أقل من التغليب.

وقال أبو مسلم: الأقرب حمل التسبيح على التنزيه والإجلال كأنه لما أمره بالصبر على أذية القوم بعثه على الاشتغال بالتقديس والمواظبة عليه في كل الأوقات.

وقوله: ﴿ لعلك ترضى ﴾ كقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً  ﴾ ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ ولا ريب أن الأطماع من الكريم واجب الوقوع اللَّهم ارزقنا شفاعته.

ولما حث رسوله على الأمور الدينية نهاه عن الميل إلى الزخارف الدنيوية فقال: ﴿ ولا تمدّن عينيك ﴾ أي نظر عينيك.

ومد النظر تطويله استحساناً للمنظور إليه، وفيه أن النظر الغير الممدود معفوّ عنه كما لو نظر فغض.

وقال أبو مسلم: المنهي عنه في الآية ليس هو التطويل وإنما هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوا من حظ الدنيا.

قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي  فبعثني إلى يهوديّ يستقرضه فقال: لا أقرضه إلا برهن.

فقال رسول الله  : "إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض،أحمل إليه درعي الحديد فنزلت.

" والأزواج الأصناف.

وقيل: أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب.

وقد مر في آخر الحجر.

ولقد شدد العلماء المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وملابسهم ومراكبهم لأنهم اتخذوها.

قال جار الله: انتصب ﴿ زهرة ﴾ على الذم، أو على تضمين متعنا بمعنى خولنا وأعطينا، أو على إبداله من محل ﴿ به ﴾ أو على إبداله من ﴿ أزواجاً ﴾ والتقدير ذوي زهرة وهي الزينة والبهجة.

ومن قرأ بفتح الهاء فبمعناها أيضاً أو هي جمع زاهر كأنهم لصفاء ألوانهم وظهور آثار النعومة عليهم زاهر وهذه الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب.

وقوله: ﴿ لنفتنهم ﴾ أي لنبلوهم كقوله: ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم  ﴾ وقيل: لعذبهم كقوله: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم  ﴾ .

وقال الكلبي ومقاتل: لنشدد عليهم في التكليف لأن الاجتناب عن المعاصي مع القدرة يكون أشق على النفس.

﴿ ورزق ربك ﴾ هو ثواب الآخرة أو ما رزقت من الإسلام والنبوّة ﴿ خير وأبقى ﴾ وقيل: أراد به الحلال الطيب الذي يحق أن ينسب إلى ربك خير من أموالهم التي غلب عليها الغصب والسرقة وسائر وجوه الخيانة، وأبقى بركة ونماء وحسن عاقبة.

﴿ وأمر أهلك ﴾ في سورة مريم ﴿ وكان يأمر أهله بالصلاة  ﴾ أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله.

ومن السلف من كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله ثم يتلو هذه الآية.

وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ ﴿ ولا تمدنّ عينيك ﴾ الآية.

ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله.

وكان رسول الله  بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ كل صباح ويقول: "الصلاة وكان يفعل ذلك شهراً" وقوله: ﴿ واصطبر عليها ﴾ أراد أنك كما تأمرهم بها فحافظ عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أثم منه بلسان القول ﴿ لا نسألك رزقاً ﴾ كما يريد الملوك خراجاً من رعيتهم والسادة خرجاً من عبيدهم ﴿ بل نحن نرزقك ﴾ كقوله: ﴿ وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين  ﴾ والحاصل أنا إنما أمرناك بالصلاة فذلك لأجل انتفاعك بثوابها لا لأنا ننتفع بها.

وقيل: لا نسألك رزقاً لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك وإياهم فلا تهتم بأمر الرزق والمعيشة وفرغ بالك لأمر الآخرة وفي معناه قولهم "من كان في عمل الله كان الله في عمله".

وقال أهل الإشارة ﴿ ورزق ربك ﴾ رمز إلى قوله: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" قال عبد الله بن سلام: كان النبي  إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة.

﴿ والعاقبة ﴾ أي الجميلة ﴿ للتقوى ﴾ .

ثم عاد إلى قوله: ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ فحكى واحدة من شبهاتهم هي قولهم: ﴿ لولا يأتينا بآية من ربه ﴾ كأنهم لم يتعدّوا بالقرآن الذي أخرس شقاشقهم فرد الله عليهم بقوله: ﴿ أولم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ لأن القرآن برهان سائر الكتب المنزلة لأنه معجز دونها فهو شاهد لها بالصحة وأنها من عند الله.

وقيل: أراد بالبينة ما فيها من بشارة مقدم محمد  .

وعن ابن جرير أنه ما رأوا فيها من قصص الأمم المكذبة وبيان إهلاكهم بعد اقتراح الآيات وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن فلهذا وصف القرآن بكونه ﴿ بينة ما في الصحف الأولى ﴾ ثم بين الحكمة في نزول القرآن فقال: ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ﴾ أي من قبل البرهان المذكور الدال عليه البينة ﴿ لقالوا ﴾ أي في القيامة لأن الهالك لا قول له في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "يحتج على الله  يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك وتلا قوله: ﴿ لولا أرسلت إلينا رسولاً ﴾ والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به.

ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل.

فيرفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فيدخلها من كان في عالم الله أنه سعيد ويتلكأ من كان في علمه أنه شقى.

فيقول الله  : عسيتم اليوم فكيف برسولي لو أتاكم؟!" .

وطعن المعتزلة في هذا الخبر قالوا: لا يحسن العقاب على ما لم يفعل.

وقال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب فعل اللطف والمراد أنه يجيب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده وإلا كان لهم أن يقولوا: هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن.

وقال الكعبي: فيها أوضح دليل على أنه تعال يقبل الاحتجاج من عباده.

وليس معنى قوله: ﴿ لا يسأل عما يفعل  ﴾ أن الجور منه يكون عدلاً بل تأويله أنه لا يقع منه إلا العدل.

وإذا ثبت أنه  يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة.

واستدل أهل السنة بها على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع وإلا لكان العقاب حاصلاً قبل مجيئه.

ثم ختم السورة بوعيد إجمالي فقال: ﴿ قل كل ﴾ أي كل منا ومنكم ﴿ متربص ﴾ عاقبة أمره وهذا الانتظار إما قبل الموت بسبب الأمر بالجهاد أو ظهور الدولة والغلبة، أو بالموت فإن كان واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، وإما بعد الموت وهو ظهور أثر الثواب والعقاب وتمييز المحق المبطل ويؤديه قوله: ﴿ فستعلمون ﴾ إلى آخره وهذا من كلام المنصف وبالله المستعان.

(تم).

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ .

قال الحسن وعامة أهل التأويل: إن قوله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ ، أي: ضيع وترك، ليس نسيان السهو؛ لأنه عوتب عليه وعوقب به، ولا يعاتب المرء على ما هو حقيقة السهو والنسيان؛ فدل أنه على التضييع والترك، ليس على النسيان والسهو، إلى هذا يذهب هؤلاء، لكن يقبح هذا أن يقال في آدم، أو في نبي من أنبيائه، أو في رسول من رسله - صلوات الله عليهم -: إنه ضيع، والنسيان عندنا على قسمين: نسيان يكون عن غفلة منه وشغل، ما لولا ذلك الشغل منه والغفلة، لحفظه وذكره ولا ينساه، وجائز المعاتبة على هذا النسيان؛ إذ لو كان تكلف لكان لا ينساه ولا يقع فيه.

ونسيان آخر يقع فيه من غير سبب كان منه لا يملك دفعه، وذلك نسيان ما لا يعاتب عليه ولا يعاقب به، وهكذا الكلفة من الله  والمحنة: أنه جائز أن يكلف ويمتحن من لا يعلم ولا يعقل الكلفة وقت تكليفه إياه بعد أن يحتمل عقله إدراك ذلك لو استعمله، فأما من كان عقله لا يحتمل إدراك ما كلفه وإن استعمله وأجهد نفسه فيه، فإنه لا يكلف ألبتة؛ فعلى ذلك النسيان الذي ذكر من آدم جائز أنه لو تكلف، حفظه وذكره؛ فإنما عوتب لذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ .

قال الحسن: أي: منعاً من الشيطان.

وقال بعضهم: حفظا لم يحفظ أمره.

وقال بعضهم: صبراً، ونحوه.

والعزم: حقيقة القصد والقطع على الشيء، وهو ضد النسيان الذي ذكر.

وقال بعضهم: العزم: هو المحافظة على أمر الله والتمسك به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ .

أي: قال [بعضهم]: لولا قول أهل التأويل في سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود، وإلا جائز أن يصرف الأمر بالسجود إلى الخضوع له، والسجود: هو الخضوع؛ حيث قال: ﴿ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ  ﴾ وقد يؤمر الإنسان بالخضوع لمن يتعلم منه العلم.

وقوله  : ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ ﴾ .

قال أهل التأويل: ليس شقاء الدين، ولكن تعب النفس والنصب في العمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ ﴾ .

أي: لا تصيبك الشمس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ ﴾ .

أي: لا يفنى.

﴿ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ  ﴾ ، أي: ذلت، يقال: عنا يعنو عنوا، وقال: ﴿ وَلاَ هَضْماً  ﴾ أي: ظلما، يقال: هضمته، أي: ظلمته، وأهضمته مثله.

وقال أبو عبيدة: الهضم: النقصان، وقال: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً  ﴾ : القاع: الأرض التي يعلوها الماء، وهو قريب مما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴾ .

كل من عصى ربه فقد غوى، العصيان والغواية واحد.

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴾ .

قوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: اجتباه للتوبة وهداه لها.

أو اجتباه ربه للرسالة وهداه لها.

أو اجتباه ربه للدين وهداه للتوحيد، وهذا جائز عندنا، للتوحيد والإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة؛ لأنه مأمور بترك الكفر ونفيه في كل وقت، فإذا كان مأموراً بترك الكفر في كل وقت منهيا عنه كان مأموراً بالإيمان والتوحيد، فإذا كان ما ذكرنا دل أن للإيمان والتوحيد حكم التجدد والحدوث في كل وقت، وإلا ظاهر قوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ ﴾ : أنه لم يكن يجتبيه قبل ذلك فاجتباه من بعد، لكن الوجه ما ذكرنا من اجتبائه إياه للرسالة، واجتبائه للتوحيد والطاعات والخيرات ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

قال الحسن: قوله: ﴿ ٱهْبِطَا ﴾ أي: آدم والشيطان، ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ، يعني: ذرية آدم وذرية إبليس بعضهم لبعض عدو.

وقال فيما قال: ﴿ ٱهْبِطُواْ  ﴾ عنى: آدم وحواء وإبليس، والهبوط: ليس هو الانحدار والتسفل من المكان العالي المرتفع، إنما هو النزول في المكان، فجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  ﴾ أراد ذريتهما: ذرية آدم وذرية إبليس، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ يعني: الذرية، ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ ﴾ وقت اتباعه الهدى، أو لا يضل ولا يشقى إذا ختم بالهدى، أو لا يضل طريق الجنة ولا يشقى في النار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ هو الشدة والضيق، ثم اختلفوا فيه.

قال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ في الدنيا، وإن كانت في الظاهر واسعة عليه؛ لأنهم ينفقون ولا يرون لنفقتهم خلفا ولا عاقبة، ويريدون الدنيا أنها تدوم، فذلك يمنعهم عن التوسيع في الإنفاق؛ خوفاً لنفاد ذلك المال وبقاء أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم لا يرون لنفقتهم خلفا ولا عوضاً ولا عاقبة لها، فذلك الضنك.

وقال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ ؛ لأنهم يعصون بما أعطوا من المال وأنعموا فيه؛ لأن توسعهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها؛ لما ذهبت منافعها في الطاعة.

وقال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ في عذاب القبر، لكن لا يقال لمن في القبر: إن له معيشة ضنكا حتى يوصف بالضيق، وعذاب القبر سبيل معرفته السمع، فإن ثبت السمع وإلا فالترك أولى.

وقال قائلون: ذلك في الآخرة - والله أعلم - كقوله: ﴿ مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: نحشره أعمى عن حججه في دينه، لكن متى كانت له الحجج في الدنيا حتى يعمى عنها في الآخرة؟!

وقال بعضهم: نحشره يوم القيامة أعمى: عمى الحقيقة؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً  ﴾ فهو على حقيقة عمى البصر، وهو أشبه، والله أعلم.

وقال مجاهد: قوله: ﴿ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ ﴾ قال: بلا حجة لي، ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ في الدنيا لكن الأشبه هو ما ذكرنا من حقيقة ذهاب البصر؛ إذ لم يكن للكافر حجة في الدنيا حتى يقول: ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ .

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك بعد ما حوسبوا وسيقوا إلى النار - نعوذ بالله من النار - فعند ذلك يعمى عليه البصر.

وقال بعضهم: لا ولكن يبعثون من قبورهم ويحشرون عمياناً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ ﴾ .

أي: كما أتتك آياتنا فصيرتها كالشيء المنسي، لم تكترث إليها ولم تنظر فيها ولم ترغب فيها، كذلك تصير في النار كالشيء المنسي عن رحمته، لا يكترث إليك ولا ينظر إليك.

أو أن يقول: كما ضيعت آياتنا التي أتتك لنجاتك كذلك تضيع أنت وتترك في النار لا نجاة لك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ﴾ .

أي: كذلك نجزي كل من أسرف في الدنيا ولم يؤمن بآيات ربه، ليس أحد المخصوص بذلك دون غيره، ولكن كل من كان [هذا] صنيعه في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ﴾ .

كأنه قد سبق منه الوعيد لهم بعذاب، ثم قال: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ﴾ من العذاب الذي أوعدتم، وإلا فعلى الابتداء لا يقال هذا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال الله لآدم وحواء: انزلا من الجنة أنتما وإبليس، فهو عدو لكما وأنتما عدوان له، فإن جاءكم مني بيان لسبيلي: فمن اتبع منكم بيان سبيلي وعمل به ولم ينحرف عنه؛ فلا يضلّ عن الحق، ولا يشقى في الآخرة بالعذاب، بل يدخله الله الجنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.vY2WQ"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر