الآية ١٢٧ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٢٧ من سورة طه

وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنۢ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ۚ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ ١٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٧ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٧ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة ، ( لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق ) [ الرعد : 34 ] ولهذا قال : ( ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) أي : أشد ألما من عذاب الدنيا ، وأدوم عليهم ، فهم مخلدون فيه; ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين : " إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) يقول تعالى ذكره: وهكذا نجزي: أي نثيب من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنجعل له معيشة ضنكا في البرزخ كما قد بيَّنا قبل ( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ) يقول جلّ ثناؤه: ولعذاب في الآخرة أشدّ لهم مما وعدتهم في القبر من المعيشة الضنك وأبقى يقول: وأدوم منها، لأنه إلى غير أمد ولا نهاية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وكذلك نجزي من أسرف أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن ، وعن النظر في المصنوعات ، والتفكير فيها ، وجاوز الحد في المعصية .

ولم يؤمن بآيات ربه أي لم يصدق بها .

ولعذاب الآخرة أشد أي أفظع من المعيشة الضنك ، وعذاب القبر .

وأبقى أي أدوم وأثبت ؛ لأنه لا ينقطع ولا ينقضي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَكَذَلِكَ } أي: هذا الجزاء { نَجْزِي } ه { مَنْ أَسْرَفَ } بأن تعدى الحدود، وارتكب المحارم وجاوز ما أذن له { وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ } الدالة على جميع مطالب الإيمان دلالة واضحة صريحة، فالله لم يظلمه ولم يضع العقوبة في غير محلها، وإنما السبب إسرافه وعدم إيمانه.

{ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ } من عذاب الدنيا أضعافا مضاعفة { وَأَبْقَى } لكونه لا ينقطع، بخلاف عذاب الدنيا فإنه منقطع، فالواجب الخوف والحذر من عذاب الآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكذلك ) أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك ( نجزي من أسرف ) أشرك ، ( ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد ) مما يعذبهم به في الدنيا والقبر ، ( وأبقى ) وأدوم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذلك» ومثل جزائنا من أعرض عن القرآن «نجزي من أسرف» أشرك «ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد» من عذاب الدنيا وعذاب القبر «وأبقى» أدوم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهكذا نعاقب مَن أسرف على نفسه فعصى ربه، ولم يؤمن بآياته بعقوبات في الدنيا، ولَعذاب الآخرة المعدُّ لهم أشد ألمًا وأدوم وأثبت؛ لأنه لا ينقطع ولا ينقضي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لا تختلف فقال : ( وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى ) .أى : ومثل ذلك الجزاء الأليم الذى أنزلناه بهؤلاء المعرضين عن ذكرنا نجازى كل من أسرف فى ارتكاب السيئات والموبقات ، وكل من لم يؤمن بآيات ربه بل كذب بها وأعرض عنها ، لعذاب الآخرة اشد من عذاب الدنيا ، و ( وأبقى ) منه أى : وأكثر بقاء ، وأطول زمانا من عذاب الدنيا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن على أول هذه الآية سؤالاً وهو أن قوله: ﴿ اهبطا ﴾ ، إما أن يكون خطاباً مع شخصين أو أكثر فإن كان خطاباً لشخصين فكيف قال بعده: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى ﴾ وهو خطاب الجمع وإن كان خطاباً لأكثر من شخصين فكيف قال: ﴿ اهبطا ﴾ وذكروا في جوابه وجوهاً: أحدها: قال أبو مسلم: الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله: ﴿ اهبطا ﴾ ولأجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ قال صاحب الكشاف: لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر والسبب اللذين منهما تفرعوا جعلا كأنهما البشر أنفسهم فخوطبا مخاطبتهم فقال: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ على لفظ الجماعة، أما قوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ فقال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء للناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام، وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ ﴾ فيه دلالة على أن المراد الذرية، وقد اختلفوا في المراد بالهدى، فقال بعضهم: الرسل وبعضهم قال: الآخر والأدلة وبعضهم قال القرآن، والتحقيق أن الهدى عبارة عن الدلالة فيدخل فيه كل ذلك، وفي قوله: ﴿ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى ﴾ دلالة على أن المراد بالهدى الذي ضمن الله على اتباعه ذلك اتباع الأدلة، واتباعها لا يتكامل إلا بأن يستدل بها وبأن يعمل بها، ومن هذا حاله فقد ضمن الله تعالى له أن لا يضل ولا يشقى، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.

وثانيها: لا يضل ولا يشقى في الآخرة لأنه تعالى يهديه إلى الجنة ويمكنه فيها.

وثالثها: لا يضل ولا يشقى في الدنيا فإن قيل: المتبع لهدى الله قد يحلقه الشقاء في الدنيا، قلنا: المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس، ولما وعد الله تعالى من يتبع الهدى أتبعه بالوعيد فيمن أعرض، فقال: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ﴾ والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى على ما تقدم بيانه ويحتمل أن يراد به الأدلة، وقوله: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ فالضنك أصله الضيق والشدة وهو مصدر ثم يوصف به فيقال: منزل ضنك، وعيش ضنك، فكأنه قال: معيشة ذات ضنك، واعلم أن هذا الضيق المتوعد به إما أن يكون في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة أو في الدين أو في كل ذلك أو أكثره.

أما الأول: فقال به جمع من المفسرين وذلك لأن المسلم لتوكله على الله يعيش في الدنيا عيشاً طيباً كما قال: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً  ﴾ والكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً للزيادة أبداً فعيشته ضنك وحالته مظلمة، وأيضاً فمن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة لكفره قال تعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله  ﴾ وقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءَامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والأرض  ﴾ وقال: ﴿ فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا  يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا  وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰرًا  ﴾ وقال: ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأسقيناهم مَّاء غَدَقاً  ﴾ .

وأما الثاني: وهو عذاب القبر، فهذا قول عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس ورفعه أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عذاب القبر للكافر قال والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه في قبره تسعة وتسعون تنيناً».

قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في الأسود بن عبد العزى المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيها أضلاعه.

وأما الثالث: وهو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم فيها الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين فلا يموتون فيها ولا يحيون وهذا قول الحسن وقتادة والكلبي.

وأما الرابع: وهو الضيق في أحوال الدين فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المعيشة الضنك هي أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها.

سئل الشبلي عن قوله عليه السلام: «إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية» فقال أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله تعالى فعقوبتهم أن يردهم الله تعالى إلى أنفسهم وأي معيشة أضيق وأشد من أن يرد الإنسان إلى نفسه، وعن عطاء قال: المعيشة الضنك هي معيشة الكافر لأنه غير موقن بالثواب والعقاب.

وأما الخامس: وهو أن يكون المراد الضيق في كل ذلك أو أكثره فروي عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عقوبة المعصية ثلاثة: ضيق المعيشة والعسر في الشدة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله تعالى».

أما قوله تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى ﴾ ففيه وجوه: أحدها: هذا مثل قوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا  ﴾ وكما فسرت الزرقة بالعمى، ثم قيل: إنه يحشر بصيراً فإذا سيق إلى المحشر عمى والكلام فيه وعليه قد تقدم في قوله: ﴿ زُرْقاً  ﴾ .

وثانيها: قال مجاهد والضحاك ومقاتل: يعني أعمى عن الحجة، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال القاضي: هذا القول ضعيف لأن في القيامة لابد أن يعلمهم الله تعالى بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً، والمراد به أنه كان من قبل ذلك كذلك ولا يليق بهذا قوله: ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ ولم يكن كذلك في حال الدنيا أقول ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه تعالى علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا فلو كان العمى الحاصل في الآخرة بين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر، كما أنه ما كان له في الدنيا بسبب ذلك ضرر، واعلم أن تحقيق الجواب عن هذا الاعتراض مأخوذ من أمر آخر وهو أن الأرواح الجاهلة في الدنيا المفارقة عن أبدانها على جهالتها تبقى على تلك الجهالة في الآخرة وأن تلك الجهالة تصير هناك سبباً لأعظم الآلام الروحانية.

وبين هذه الطريقة وبين طريقة القاضي المبنية على أصول الاعتزال بون شديد.

وثالثها: قال الجبائي: المراد من حشره أعمى أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً بل يبقى واقفاً متحيراً كالأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء، أما قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كذلك أَتَتْكَ آياتنا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى ﴾ ففي تقرير هذا الجواب وجهان: أحدهما: أنه تعالى إنما أنزل به هذا العمى جزاء على تركه اتباع الهدى والإعراض عنه.

والثاني: هو أن الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها جاهلة ضالة عن الاتصال بالروحانيات بقيت على تلك الحالة بعد المفارقة وعظمت الآلام الروحانية، فلهذا علل الله تعالى حصول العمى في الآخرة بالإعراض عن الدلائل في الدنيا، ومن فسر المعيشة الضنك بالضيق في الدنيا، قال إنه تعالى بين أن من أعرض عن ذكره في الدنيا فله المعيشة الضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة، أما قوله: ﴿ وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بئايات رَبّهِ ﴾ فقد اختلفوا فيه فبعضهم قال: أشرك وكفر، وبعضهم قال: أسرف في أن عصى الله وقد بين تعالى المراد بذلك بقوله: ﴿ وَلَمْ يُؤْمِن بئايات رَبّهِ ﴾ لأن ذلك كالتفسير لقوله: أسرف وبين أنه يجزي من هذا حاله بما تقدم ذكره من المعيشة الضنك والعمى وبين بعد ذلك أن: ﴿ عَذَابَ الآخرة أَشَدُّ وأبقى ﴾ أما الأشد فلعظمه، وأما الأبقى فلأنه غير منقطع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى في الآخرة- ختم آيات الوعيد بقوله: ﴿ وَلَعَذَابُ الأخرة أَشَدُّ وأبقى ﴾ كأنه قال: وللحشر على العمى الذي لا يزول أبداً أشدّ من ضيق العيش المنقضي.

أو أراد: ولتركنا إياه في العمى أشدّ وأبقى من تركه لآياتنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴾ وقَدْ أمالَهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ لِأنَّ الألِفَ مُنْقَلِبَةٌ مِنَ الياءِ، وفَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بِأنَّ الأوَّلَ رَأْسُ الآيَةِ ومَحَلُّ الوَقْفِ فَهو جَدِيرٌ بِالتَّغْيِيرِ.

﴿ قالَ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ فَعَلْتَ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقالَ: ﴿ أتَتْكَ آياتُنا ﴾ واضِحَةً نَيِّرَةً.

﴿ فَنَسِيتَها ﴾ فَعَمِيتَ عَنْها وتَرَكْتَها غَيْرَ مَنظُورٍ إلَيْها.

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلَ تَرْكِكَ إيّاها.

﴿ اليَوْمَ تُنْسى ﴾ تُتْرَكُ في العَمى والعَذابِ.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ﴾ بِالِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والإعْراضِ عَنِ الآياتِ.

﴿ وَلَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ﴾ بَلْ كَذَّبَ بِها وخالَفَها.

﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ ﴾ وهو الحَشْرُ عَلى العَمى، وقِيلَ عَذابُ النّارِ أيْ ولَلنّارُ بَعْدَ ذَلِكَ أشَدُّ وأبْقى مِن ضَنْكِ العَيْشِ أوْ مِنهُ ومِنَ العَمى، ولَعَلَّهُ إذا دَخَلَ النّارَ زالَ عَماهُ لِيَرى مَحَلَّهُ وحالَهُ أوْ مِمّا فَعَلَهُ مِن تَرْكِ الآياتِ والكَفْرِ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات رَبّهِ وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى} لما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين المعيشة الضنك في الدنيا وحشره أعمى في العقبى ختم آيات الوعيد بقوله ولعذاب الآخرة أشد وأبقى أي للحشر على العمى الذي لا يزول أبدا أشد من ضيق العيش المقضي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ المُوافِقِ لِلْجِنايَةِ ﴿ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ﴾ بِالِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ ﴿ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ﴾ بَلْ كَذَّبَها وأعْرَضَ عَنْها، والمُرادُ تَشْبِيهُ الجَزاءِ العامِّ بِالجَزاءِ الخاصِّ ﴿ ولَعَذابُ الآخِرَةِ ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوْ عَذابُ النّارِ ﴿ أشَدُّ ﴾ مِن عَذابِ الأُولى ﴿ وأبْقى ﴾ أيْ: أكْثَرُ بَقاءً مِنهُ أوْ أشَدُّ وأبْقى مِن ذَلِكَ ومِن عَذابِ القَبْرِ أوْ مِنهُما ومِنَ الحَشْرِ عَلى العَمى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي، يعني: عن القرآن والرسل ولم يؤمن.

وقال مقاتل: من أعرض عن الإيمان، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً يعني: معيشة ضيقة.

روي عن ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري أنهما قالا: مَعِيشَةً ضَنْكاً «يقول عذاب القبر» .

وروى أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ  في قوله: مَعِيشَةً ضَنْكاً، قال: «عَذَاب القَبْرِ» .

وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى، أي: أعمى عن الحجة.

وقال ابن عباس: «وذلك حين يخرج من القبر، خرج بصيراً، فإذا سيق إلى المحشر عمي» .

قال عكرمة رحمه الله في قوله: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى، قال: عمي عليه عن كل شيء إلا جهنم وقال الضحاك في قوله: مَعِيشَةً ضَنْكاً.

قال: كسب الخبيث وقال السدي: مَعِيشَةً ضَنْكاً، قال: معيشة القبر حين يأتيه الملكان، وقال قتادة: الضنك الضيق، يقول: ضنكاً في النار.

قوله عز وجل: قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى، قال مجاهد: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى لا حجة لي؟

وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً بالحجة في الدنيا، ويقال: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى أي: أعمى العينين وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً في الدنيا؟

قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا يعني: الرسول والقرآن فَنَسِيتَها وتركت العمل بها ولم تؤمن بها.

وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى، أي: تترك في النار.

ويقال: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها، أي: تعلمت القرآن فنسيته وتركته.

وقال السدي: وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى أي: تترك في النار وتترك عن الخير.

ثم قال عز وجل: وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ يعني: هكذا نعاقب من أشرك بالله، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ، يعني: بمحمد  والقرآن.

وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى، يعني: وأدوم.

قوله عز وجل: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ، يعني: أفلم يتبين لقومك؟

كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ، يعني: يمرون على منازلهم.

إِنَّ فِي ذلِكَ، يعني: في هلاكهم لَآياتٍ يعني: لعبرات لِأُولِي النُّهى، يعني: لذوي العقول من الناس.

وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى وهذا مقدم ومؤخر، يقول: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ بتأخير العذاب عن هذه الأمة أَجَلٌ مُسَمًّى، أي: إلى يوم القيامة، أي: لَكانَ لِزاماً، أي: لأخذتهم بالعذاب كما أخذت من كان قبلهم من الأمم عند التكذيب، ولكن نؤخّرهم إلى يوم القيامة وَهو أَجَلٌ مُسَمًّى.

وقال القتبي: معناه، ولولا أن الله عز وجل جعل الجزاء يوم القيامة وسبقت بذلك كلماته، لكان العذاب ملازماً لا يفارقهم.

وقال: في الآية تقديم، أي: وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن ربك وأجل مسمى، لكان العذاب لازما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويعودُ عليه بفضله فيقول: نَسِيَ تقريباً، ولا يجوز لأحد مِنّا أن يطلق ذلك على آدمَ، أو يذكره إلاَّ في تلاَوة القرآن أو قول النبيّ صلى الله عليه وسلّم.

انتهى من «الأحكام» .

وقوله سبحانه: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى المعنى: إنّ لك يا آدمُ في الجنة نعمة تامة، لا يصيبك جوعٌ، ولاَ عُري، ولاَ ظَمأٌ/، ولا بروزٌ للشمس يؤذيك، وهو ١٤ أالضحاء.

وقوله: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ص: عدّي هنا ب «إلى» على معنى أنهى الوسوسة إليه، وفي «الأعراف» باللام، فقال أبو البقاء: لأنه بمعنى ذكر لهما.

انتهى.

ثم أعلمهم سُبْحانه: أن من اتّبع هُدَاه فلا يضِلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وأنَّ من أعرض عن ذِكْر الله، وكفر به فَإنَّ له معيشةً ضَنْكاً، و «الضَّنْك» : النكدُ الشاقّ من العيش والمنازل، ونحو ذلك.

وهل هذه المعيشةُ الضنك تكون في الدنيا، أو في البَرْزَخ، أو في الآخرة؟

أقوال.

ت: ويُحْتَمَلُ في الجميع، قال القرطبي: قال أبو سعيد الخُدْرِيّ، وابن مسعودٍ:

ضَنْكاً: عذاب القبر»

، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «أتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى» أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنك؟

قالوا: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ.

قَالَ: عَذَابُ الكَافِرِ فِي الْقَبْرِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيناً- وَهِيَ الحَيَّاتُ- لكُلِّ حَيَّةٍ تِسْعَةُ رُؤُوسٍ، ينفخن في جسمه، ويلسعنه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ ﴾ ؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ ، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ.

وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ.

وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ.

والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ.

والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ.

والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ.

قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ  ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ.

﴿ وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَظْمَأُ فِيها ﴾ ؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ.

ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ﴾ ؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] .

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَغَوى ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ.

والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿ غَوى ﴾ : أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى.

والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ  ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى ﴾ ؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ.

﴿ قالَ اهْبِطا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ﴾ ؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» .

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها.

قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ.

والثّانِي: الدُّنْيا.

والثّالِثُ: جَهَنَّمُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما.

وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ.

ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ.

والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها ﴾ ؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ.

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿ وَأبْقى ﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُهى ﴾ ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى ﴾ ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ﴾ المَعْنى: وكَما وصَفْنا مِن ألِيمِ الأفْعالِ نَجْزِي المُسْرِفِينَ المُتَعَدِّينَ الكُفّارَ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى ﴾ إنْ كانَتْ مَعِيشَةُ الضَنْكِ في الدُنْيا أو في البَرْزَخِ فَجاءَ هَذا وعِيدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدَ وعِيدٍ، وإنْ كانَتِ المَعِيشَةُ "الضَنْكُ" في الآخِرَةِ فَأكَّدَ الوَعِيدُ بِعَيْنِهِ هَذا القَوْلَ الَّذِي جَعَلَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ فَوْقَ كُلِّ عَذابٍ يَتَخَيَّلُهُ الإنْسانُ أو يَقَعُ في الدُنْيا.

ثُمُ ابْتَدَأ يُوَبِّخُهم ويَذَكِّرُهُمُ العِبَرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ .

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَهْدِ" بِالياءِ بِمَعْنى: يَتَبَيَّنُ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في الفاعِلِ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الفاعِلُ "كَمْ"، وهَذا قَوْلٌ كُوفِيٌّ، ونُحاةُ البَصْرَةِ لا يُجِيزُونَهُ؛ لِأنَّ "كَمْ" لَها صَدْرُ الكَلامِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أفَلَمْ يَهْدِ لَهم مَن أهْلَكْنا"، فَكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُناسِبُ ذَلِكَ التَأْوِيلَ في "كَمْ"، وقالَ بَعْضُهُمُ: الفاعِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى: أفَلَمْ يَهْدِ لَهم ما جَعَلَ اللهُ لَهم مِنَ الآياتِ والعِبَرِ، فَأضافَ الفِعْلَ إلى اللهِ تَعالى بِهَذا الوَجْهِ: قالَهُ الزَجّاجُ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الفاعِلُ مُقَدَّرٌ، الهُدى أوِ الأمْرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أوِ النَظَرُ والِاعْتِبارُ، هَذا أحْسَنُ ما يُقَدَّرُ بِهِ عِنْدِي.

وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَهْدِ" بِالنُونِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُناسِبُ تَأْوِيلَ مَن قالَ في الَّتِي قَبِلَها: الفاعِلُ اللهُ، و"كَمْ" - عَلى هَذِهِ الأقْوالِ - نُصِبَ بِـ "أهْلَكْنا".

ثُمْ قَيَّدَ "القُرُونَ" بِأنَّهم يَمْشِي هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ في مَساكِنِهِمْ، فَإنَّما أرادَ عادًا وثَمُودَ والطَوائِفَ الَّتِي كانَتْ قُرَيْشٌ تَجُوزُ عَلى بِلادِهِمْ في المُرُورِ إلى الشامِ وغَيْرِهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُمَشَّوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ.

و"النُهى" جَمْعُ نُهْيَةٍ، وهو ما يَنْهى الإنْسانَ عن فِعْلِ القَبِيحِ.

ثُمْ أعْلَمَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ العَذابَ كانَ يَصِيرُ لَهم لِزامًا لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في تَأْخِيرِهِ عنهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ في التَأْخِيرِ لِأجَلٍ مُسَمًّى لَكانَ العَذابُ لِزامًا، كَما تَقُولُ: لَكانَ حَتْمًا أو واجِبًا واقِعًا، لَكِنَّهُ قَدَّمَ وأخَّرَ لِتَتَشابَهَ رُؤُوسُ الآيِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الأجَلِ -فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ القِيامَةِ.

والعَذابُ المُتَوَعَّدُ بِهِ - عَلى هَذا - هو عَذابُ جَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأجَلِ مَوْتَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم.

فالعَذابُ - عَلى هَذا - ما يَلْقى في قَبْرِهِ وما بَعْدَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأجِلِ يَوْمَ بَدْرٍ.

فالعَذابُ - عَلى هَذا - هو قَتْلُهم بِالسَيْفِ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ مِمّا ذَكَرْناهُ قالَتْ فِرْقَةٌ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنْ يَوْمَ بَدْرٍ هو اللِزامُ، وهو البَطْشَةُ الكُبْرى.

ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالصَبْرِ عَلى أقْوالِهِمْ: إنَّهُ ساحِرٌ، وإنَّهُ كاهِنٌ، وإنَّهُ كَذّابٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: لا تَحْفُلُ بِهِمْ فَإنَّهم مُدْرِكَةُ المُهْلِكَةِ.

وكَوْنُ اللِزامِ يَوْمَ بَدْرٍ أبْلَغُ في آياتِ نَبِيِّنا  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ، قالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ ﴾ : صَلاةُ الصُبْحِ، ﴿ وَقَبْلَ غُرُوبِها ﴾ : صَلاةُ العَصْرِ، ﴿ وَمِن آناءِ اللَيْلِ ﴾ : العَتَمَةُ، ﴿ وَأطْرافَ النَهارِ ﴾ : المَغْرِبُ والظَهْرُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ آناءِ اللَيْلِ ﴾ : المَغْرِبُ والعَشاءُ، و" أطْرافَ النَهارِ ": الظَهْرُ وحْدَها، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يُرادَ قَوْلُ: "سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ" مِن بَعْدِ صَلاةِ الصُبْحِ إلى رَكْعَتِي الضُحى، وقَبْلَ غُرُوبِ الشَمْسِ؛ فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : «مَن سَبَّحَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَمْسِ تَسْبِيحَةً غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وسَمّى الطَرَفَيْنِ أطْرافًا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما  ﴾ ، وإمّا عَلى أنْ يَجْعَلَ النَهارَ لِلْجِنْسِ فَلِكُلِّ يَوْمٍ طَرَفٌ، وهي الَّتِي جَمَعَ.

وأمّا مَن قالَ: " أطْرافَ النَهارِ " لِصَلاةِ الظُهْرِ وحْدَها فَلا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَتَمَسَّكَ بِأنْ يَكُونَ النَهارُ لِلْجِنْسِ كَما قُلْنا، أو يَقُولَ: إنَّ النَهارَ يَنْقَسِمْ قِسْمَيْنِ فَصَلَهُما الزَوالُ، ولِكُلِّ قِسْمٍ طَرَفانِ، فَعِنْدَ الزَوالِ طَرَفانِ، الآخَرُ مِنَ القَسَمِ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ القَسَمِ الآخَرِ، فَقالَ عَنِ الطَرَفَيْنِ: أطْرافًا عَلى نَحْوِ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما  ﴾ ، وأشارَ إلى هَذا النَظَرِ أبُو بَكْرٍ بْنُ فَوْرَكٍ في "المُشْكِلِ".

و"الآناءُ" جَمْعُ "إنى" وهي الساعَةُ مِنَ اللَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: لْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القَدَحِ مَرَّتْهُ في كُلِّ إنى قُضاةُ اللَيْلِ يَنْتَعِلُ وَقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ إشارَةٌ إلى نَوافِلَ، فَمِنها آناءُ اللَيْلِ، ومِنها قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ، ورَكْعَتا الفَجْرِ والمَغْرِبِ أطْرافُ النَهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَعَلَّكَ تَرْضى" بِفَتْحِ التاءِ، أيْ: لَعَلَّكَ تُثابُ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ بِما تَرْضى بِهِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "لَعَلَّكَ تَرْضى"، أيْ: لَعَلَّكَ تُعْطى ما يُرْضِيكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

{ استئناف بياني، لأنّ الإخبار عن آدم بالعصيان والغواية يثير في نفس السامع سؤالاً عن جزاء ذلك.

وضمير قالقَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } عائد إلى ﴿ ربه ﴾ [طه: 121] من قوله ﴿ وعصى آدم ربه ﴾ والخطاب لآدم وإبليس.

والأمر في ﴿ اهبطا ﴾ أمر تكوين، لأنهما عاجزان عن الهبوط إلى الأرض إلاّ بتكوين من الله إذ كان قرارهما في عالم الجنة بتكوينه تعالى.

و ﴿ جميعاً ﴾ يظهر أنه اسم لمعنى كل أفرادِ ما يوصف بجميع، وكأنه اسم مفرد يدل على التعدد مثل: فريق، ولذلك يستوي فيه المذكر وغيره والواحد وغيره، قال تعالى: ﴿ فكيدوني جميعاً ﴾ [هود: 55] ونصبه على الحال، وهو هنا حال من ضمير وجملة بعضكم لبعض عدوٌّ } حال ثانية من ضمير ﴿ اهْبِطَا ﴾ .

فالمأمور بالهبوط من الجنة آدم وإبليس وأما حواء فتبع لزوجها.

والخطاب في قوله ﴿ بَعْضُكُم ﴾ خطاب لآدم وإبليس.

وخوطبا بضمير الجمع لأنه أريد عداوة نسليهما، فإنهما أصلان لنوعين نوع الإنسان ونوع الشيطان.

{ تفريع جملة فإمَّا يأتينَّكم مني هُدىً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى * قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتنى أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كذلك أَتَتْكَ آياتنا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بھايات رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاخرة أَشَدُّ وأبقى} على الأمر بالهبوط من الجنة إلى الدنيا إنباءٌ بأنهم يستقبلون في هذه الدنيا سيرة غير التي كانوا عليها في الجنة لأنّهم أُودِعوا في عالَم خليط خيره بشرّه، وحقائقه بأوهامه، بعد أن كانوا في عالم الحقائق المحضة والخير الخالص، وفي هذا إنباء بطور طرأ على أصل الإنسان في جبلته كان مُعَدّاً له من أصل تركيبه.

والخطاب في قوله ﴿ يَأتِيَنَّكُم ﴾ لآدم باعتبار أنه أصل لنوع الإنسان إشعاراً له بأنه سيكون منه جماعة، ولا يشمل هذا الخطاب إبليس لأنه مفطور على الشر والضلال إذ قد أنبأه الله بذلك عند إبايته السجود لآدم، فلا يكلفه الله باتباع الهدى، لأن طلب الاهتداء ممن أعلمه الله بأنه لا يزال في ضلال يعد عبثاً ينزه عنه فعل الحكيم تعالى.

وليس هذا مثلَ أمر أبي جهل وأضرابه بالإسلام إذ أمثال أبي جهل لا يوقَن بأنهم لا يؤمنون، ولم يرد في السنّة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الشيطان للإسلام ولا دعا الشياطين، وأما الحديث الذي رواه الدارَقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وُكل به قرينه من الجنّ، قالوا: وإياك يا رسول الله؟

قال: وإياي ولكن الله أعانني فأسْلَمَ» فلا يقتضي أنه دعاه للإسلام ولكن الله ألهم قرينه إلى أن يأمره بالخير، والمراد بالقرين: شيطان قرين، والمراد بالهدى: الإرشاد إلى الخير.

وفي هذه الآية وصاية الله آدم وذريته باتباع رسل الله والوحي الإلهي، وبذلك يعلم أن طلب الهدى مركوز في الجبلة البشريّة حتى قال كثير من علماء الإسلام: إن معرفة الإله الواحد كائنة في العقول أو شائعة في الأجيال والعصور.

وإنه لذلك لم يُعذر أهل الشرك في مُدد الفِتر التي لم تجئ فيها رسل للأمم.

وهذه مسألة عظيمة وقد استوعبها علماء الكلام، وحررناها في «رسالة النسب النبوي».

وقد تقدم تفسير نظير الجملتين الأوليْن في سورة البقرة.

وأما قوله ﴿ فلا يضل ﴾ فمعناه: أنه إذا اتبع الهُدى الوارد من الله على لسان رسله سَلِم من أن يعتريه شيء من ضلال، وهذا مأخوذ من دلالة الفِعل في حيّز النفي على العموم كعموم النكرة في سياق النفي، أي فلا يعتريه ضلال في الدنيا، بخلاف من اتبع ما فيه هدى وارد من غير الله فإنه وإن استفاد هدى في بعض الأحوال لا يسلم من الوقوع في الضلال في أحْوال أخرى.

وهذا حال متبعي الشرائع غير الإلهية وهي الشرائع الوضعية فإن واضعيها وإن أفرغوا جهودهم في تطلب الحق لا يسلمون من الوقوع في ضلالات بسبب غَفلات، أو تعارض أدلة، أو انفعال بعادات مستقرة، أو مصانعة لرؤساء أو أمم رأوا أن من المصلحة طلبَ مرضاتهم.

وهذا سقراط وهو سيّد حكماء اليونان قد كان يتذرع لإلقاء الأمر بالمعروف في أثينا بأن يفرغه في قوالب حكايات على ألسنة الحيوان، ولم يسلم من الخنوع لمصانعة اللفيف فإنه مع كونه لا يرى تأليه آلهتهم لم يسلم من أن يأمر قبل موته بقربان ديك لعطارد ربّ الحكمة.

وحالهم بخلاف حال الرسل الذين يتلقون الوحي من علاّم الغيوب الذي لا يضل ولا ينسى، وأيدهم الله، وعصمهم من مصانعة أهل الأهواء، وكوّنهم تكويناً خاصاً مناسباً لما سبق في علمه من مراده منهم، وثبت قلوبهم على تحمل اللأواء، ولا يخافون في الله لومة لائم.

وإن الذي ينظر في القوانين الوضعية نظرة حكيم يجدها مشتملة على مراعاة أوهام وعادات.

والشقاء المنفي في قوله {ولا يشقى هو شقاء الآخرة لأنه إذا سلم من الضلال في الدنيا سلم من الشقاء في الآخرة.

ويدل لهذا مقابلة ضده في قوله ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى}، إذ رتب على الإعراض عن هدي الله اختلال حَاله في الدنيا والآخرة، فالمعيشة مراد بها مدة المعيشة، أي مدّة الحياة.

والضنك: مصدر ضَنُك، من باب كَرُم ضناكة وضنكاً، ولكونه مصدراً لم يتغيّر لفظه باختلاف موصوفه، فوصف به هنا {معيشة وهي مؤنث.

والضنك: الضيق، يقال: مكان ضنك، أي ضيق.

ويستعمل مجازاً في عسر الأمور في الحياة، قال عنترة: إن يلحقوا أكرُر وإن يستلحموا *** أشدد وإن نَزلوا بضَنْك أنْزِلِ أي بمنزل ضنك، أي فيه عسر على نازله.

وهو هنا بمعنى عسر الحال من اضطراب البال وتبلبله.

والمعنى: أن مجامع همه ومطامح نظره تكون إلى التحيل في إيجاد الأسباب والوسائل لمطالبه، فهو متهالك على الازدياد خائف على الانتقاص غير ملتفت إلى الكمالات ولا مأنوس بما يسعى إليه من الفضائل، يجعله الله في تلك الحالة وهو لا يشعر، وبعضهم يبدو للناس في حالة حسنة ورفاهية عيش ولكن نفسَه غير مطمئنة.

وجعل الله عقابه يوم الحشر أن يكون أعمى تمثيلاً لحالته الحسية يومئذ بحالته المعنوية في الدنيا، وهي حالة عدم النظر في وسائل الهدى والنجاة.

وذلك العمى عنوان على غضب الله عليه وإقصائه عن رحمته، فأعمى الأول مجاز وأعمى الثاني حقيقة.

وجملة قال رب لم حشرتني أعمى} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

وجملة ﴿ قال كذلك أتتك ﴾ الخ واقعة في طريق المحاورة فلذلك فصلت ولم تعطف.

وفي هذه الآية دليل على أنّ الله أبلغ الإنسان من يوم نشأته التحذير من الضلال والشرك، فكان ذلك مستقراً في الفطرة حتى قال كثير من علماء الإسلام: بأن الإشراك بالله من الأمم التي يكون في الفتر بين الشرائع مستحق صاحبه العقاب، وقال جماعة من أهل السنّة والمعتزلة قاطبة: إنّ معرفة الله واجبة بالعقل، ولا شك أنّ المقصود من ذكرها في القرآن تنبيه المخاطبين بالقرآن إلى الحذر من الإعراض عن ذكر الله، وإنذار لهم بعاقبة مثل حالهم.

والإشارة في ﴿ كذلك أتتك آياتنا ﴾ راجعة إلى العمى المضمن في قوله ﴿ لم حشرتني أعمى ﴾ ، أي مثل ذلك الحال التي تساءلت عن سببها كنت نسيت آياتنا حين أتتك، وكنت تُعرض عن النظر في الآيات حين تُدعى إليه فكذلك الحال كان عقابك عليه جزاءً وفاقاً.

وقد ظهر من نظم الآية أن فيها ثلاثة احتباكات، وأن تقدير الأول: ونحشره يوم القيامة أعمى ونَنْساه، أي نُقصيه من رحمتنا.

وتقدير الثاني والثالث: قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وعميتَ عنها فكذلك اليوم تنسى وتُحْشَر أعمى.

والنسيان في الموضعين مستعمل كناية أو استعارة في الحرمان من حظوظ الرحمة.

وجملة ﴿ وكذلك نجزي من أسرف ﴾ الخ تذييل، يجوز أن تكون من حكاية ما يخاطب الله به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها التوبيخ له والتنكيل، فالواوُ عاطفةٌ الجملةَ على التي قبلها.

ويجوز أن تكون تذييلاً للقصّة وليست من الخطاب المخاطب به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها موعظة السامعين ليحذروا من أن يصيروا إلى مثل ذلك المصير.

فالواو اعتراضية لأن التذييل اعتراض في آخر الكلام، والواو الاعتراضية راجعة إلى الواو العاطفة إلاّ أنها عاطفة مجموع كلام على مجموع كلام آخر لا على بعض الكلام المعطوف عليه.

والمعنى: ومثل ذلك الجزاء نجزي من أسرف، أي كفر ولم يؤمن بآيات ربّه.

فالإسراف: الاعتقاد الضال وعدم الإيمان بالآيات ومكابرتها وتكذيبهما.

والمشار إليه بقوله ﴿ وكذلك ﴾ هو مضمون قوله ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ ، أي وكذلك نجزي في الدنيا الذين أسرفوا ولم يؤمنوا بالآيات.

وأعقبه بقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ﴾ ، وهذا يجوز أن يكون تذييلاً للقصة وليس من حكاية خطاب الله للذي حشره يوم القيامة أعمى.

فالمراد بعذاب الآخرة مقابل عذاب الدنيا المفاد من قوله ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ الآية، والواو اعتراضية.

ويجوز أن تكون الجملة من حكاية خطاب الله للذي يحشره أعمى، فالمراد بعذاب الآخرة العذاب الذي وقع فيه المخاطب، أي أشد من عذاب الدنيا وأبقى منه لأنّه أطول مدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِأنْ جَعَلَ الجَزاءَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: بِتَأْخِيرِهِمْ إلى يَوْمِ بَدْرٍ.

﴿ لَكانَ لِزامًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكانَ عَذابًا لازِمًا.

الثّانِي: لَكانَ قَضاءً، قالَهُ الأخْفَشُ.

﴿ وَأجَلٌ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَوْمَ بَدْرٍ.

والثّانِي: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَقالَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: ولَوْلا كَلِمَةٌ وأجَلٌ مُسَمًّى لَكانَ لِزامًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الإيذاءِ والِافْتِراءِ.

﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ﴾ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَبْلَ غُرُوبِها صَلاةُ العَصْرِ.

﴿ وَمِن آناءِ اللَّيْلِ ﴾ ساعاتُهُ، واحِدُها إنًى، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هي صَلاةُ اللَّيْلِ كُلِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: هي صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ.

﴿ وَأطْرافَ النَّهارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلاةُ الفَجْرِ لِأنَّها آخِرُ النِّصْفِ الأوَّلِ، وأوَّلُ النِّصْفِ الثّانِي: قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها صَلاةُ التَّطَوُّعِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ لَعَلَّكَ تَرْضى ﴾ أيْ تُعْطى، وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ﴿ تَرْضى ﴾ بِضَمِّ التّاءِ يَعْنِي لَعَلَّ اللَّهَ يُرْضِيكَ بِكَرامَتِهِ، وقِيلَ بِالشَّفاعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ وكذلك نجزي من أسرف ﴾ قال: من أشرك.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أفلم يهد لهم ﴾ قال: ألم نبين لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ أفلم يهد لهم ﴾ قال: أفلم نبين لهم ﴿ كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ﴾ نحو عاد وثمود ومن أهلك من الأمم.

وفي قوله: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى ﴾ قال: هذا من مقاديم الكلام يقول: لولا كلمة من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً ﴾ قال: لكان أخذاً، ولكنا أخرناهم إلى يوم بدر وهو اللزوم، وتفسيرها ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى ﴾ لكان لزاماً، ولكنه تقديم وتأخير في الكلام.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: الأجل المسمى، الكلمة التي سبقت من ربك ﴿ لكان لزاماً وأجل مسمى ﴾ قال: أجل مسمى الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لكان لزاماً ﴾ قال: موتاً.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ قال: هي الصلاة المكتوبة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ﴾ قال: هي صلاة الفجر ﴿ وقبل غروبها ﴾ قال: صلاة العصر ﴿ ومن آناء الليل ﴾ قال: صلاة المغرب والعشاء ﴿ وأطراف النهار ﴾ قال: صلاة الظهر.

وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن جرير، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ قال: ﴿ قبل طلوع الشمس ﴾ صلاة الصبح ﴿ وقبل غروبها ﴾ صلاة العصر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ قال: كان هذا قبل أن تفرض الصلاة.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان وابن مردويه، عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا» ثم قرأ: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي، عن عمارة بن رومية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» .

وأخرج الحاكم عن فضالة بن وهب الليثي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «حافظ على العصرين.

قلت: وما العصران؟

قال: صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار ﴾ قال: بعد الصبح وعند غروب الشمس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ لعلك ترضى ﴾ قال: الثواب فيما يزيدك الله على ذلك.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن، أنه قرأ ﴿ لعلك ترضى ﴾ برفع التاء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطي في مكارم الأخلاق، وأبو نعيم في المعرفة عن أبي رافع قال: «أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيفاً ولم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم ما يصلحه، فأرسلني إلى رجل من اليهود أن بعنا أو أسلِفْنا دقيقاً إلى هلال رجب.

فقال: لا، إلا برهن.

فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض، ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه، اذهب بدرعي الحديد، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية ﴿ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ كأنه يعزيه عن الدنيا» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ ولا تمدن عينيك ﴾ الآية.

قال: تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم، ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا.

قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال: بركات الأرض» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ زهرة الحياة الدنيا ﴾ قال: زينة الحياة الدنيا ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ قال: لنبتليهم فيه ﴿ ورزق ربك خير وأبقى ﴾ قال: مما متع به هؤلاء من زهرة الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ورزق ربك خير وأبقى ﴾ يقول: رزق الجنة.

وأخرج المرهبي في فضل العلم عن زياد الصدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم تكفل الله برزقه» .

وأخرج المرهبي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غدا في طلب العلم، أظلت عليه الملائكة، وبورك له في معيشته ولم ينقص من رزقه وكان عليه مباركاً» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ كما ذكرنا ﴿ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ﴾ قال ابن عباس: (أشرك) (١) ﴿ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ لا أفظع وأعظم مما ذكر في عذاب القبر، وهذا يدلس على أن المراد بقوله: ﴿ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ عذاب القبر.

(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 16/ 231 بدون نسبة، وذكره "الدر المنثور" 4/ 559 ونسبة لسفيان.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى ﴾ من الترك لا من الذهول ﴿ وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى ﴾ أي عذاب جهنم أشدّ وأبقى من العيشة الضنك ومن الحشر أعمى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإنك ﴾ بالكسر: أبو بكر وحماد والخراز ونافع.

الباقون بالفتح عطفاً على ﴿ أن لا تجوع ﴾ ولا يلزم منه دخول "إن" المكسورة على المفتوحة للفصل بالخبر، ولأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه ﴿ أعمى ﴾ بالإمالة.

حمزة وعلي وخلف ﴿ حشرتني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ ترضى ﴾ مبيناً للمفعول: علي وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ زهرة ﴾ بفتح الهاء: قتيبة وسهل ويعقوب.

الآخرون بسكونها.

وقرأ حمزة وعلي وخلف هذه السورة وكل سورة آياتها على الياء بالإمالة المفرطة وإن شاء بين الفتح والكسر.

الوقوف: ﴿ عزماً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أبى ﴾ ه ﴿ فتشقى ﴾ ه ﴿ ولا تعرى ﴾ ه، لمن قرأ ﴿ وإنك ﴾ بالكسر ﴿ ولا تضحى ﴾ ه ﴿ لا يبلى ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ز لنوع عدول عن ذكر حال اثنين إلى بيان فعل من هو المقصود ﴿ فغوى ﴾ ه ص ﴿ وهدى ﴾ ه ﴿ عدوّ ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء ﴿ ولا يشقى ﴾ ، ه ﴿ يوم القيامة أعمى ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ فنسيتها ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ تنسى ﴾ ه ﴿ يآت ربه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ النهي ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ه ط ﴿ غروبها ﴾ ج لعطف الجملتين مع اختلاف النظم ﴿ يرضى ﴾ ه ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ نرزقك ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ الأولى ﴾ ه ﴿ ونخزى ﴾ ه ﴿ فتربصوا ﴾ ج لسين التهديد مع الفاء ﴿ اهتدى ﴾ ه.

التفسير: في تعلق قصة آدم بما قبلها وجوه منها: أنه لما قال: ﴿ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ﴾ ثم عظم شأن القرآن وبالغ فيه ذكر القصة إنجازاً للوعد.

ومنها أنه لما قال: ﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ أردفه بهذه القصة ليعلم أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم وخلة موروثة، وذلك أنه عهد إلى آدم من قبل هؤلاء الذين صرف لأجلهم الوعيد فنسي وترك العهد.

ومنها أن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ دليل على أنه  زاد على قدر الواجب في رعاية أمر الدين وكان مفرطاً في أداء الرسالة وحفظ ما أمر به فناسب أن يعطف عليه قصة آدم لأنه كان موسوماً بالتفريط والإفراط والتفريط كلاهما من باب ترك الأولى، وإذا كان أوّل الأنبياء وخاتمهم موصوفين بما فيه نوع تقصير فما ظنك بغيرهما!

ومن هنا يعرف أفضلية الخاتم فإنه سعى في طلب الكمال إلى أن عوتب بالخروج عن حد الاعتدال، وآدم توسط في حيز النقصان فلا جرم وسم بالظلم والعصيان.

ومنها أن محمداً  أمر بأن يقول ﴿ رب زدني علماً ﴾ ثم ذكر عقيبه قصة آدم تنبيهاً على أن بني آدم مفتقرون في جميع أحوالهم إلى التضرع واللجأ إلى الله حتى ينفتح عليهم أبواب التيسير في العلم والعمل.

ومعنى ﴿ عهدنا إلى آدم ﴾ أمرناه ووصيناه ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل محمد والقرآن.

وفي النسيان قولان: أحدهما أنه نقيض الذكر.

عن الحسن: والله ما عصي قط إلا بنسيان.

والثاني أن معناه الترك وعلى هذا يحتمل أن يقال: أقدم على الأكل من غير تأويل.

وأن يقال: أقدم عليه بتأويل قد مر في "البقرة".

قال أهل الإشارة: عهد إليه أن لا يعلق نوره فانقاد للشيطان وهو النسيان.

والعزم أيضاً فيه أقوال: أحدها عزماً على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد.

وثانيها عزماً في العود إلى الذنب ثانياً.

وثالثها رأياً وصبراً أي لم يكن من أهل العزيمة والثبات إذ كان من حقه أن يتصلب في المأمور به تصلباً يؤيس الشيطان من التسويل.

قال جار الله: قوله: ﴿ ولم نجد له ﴾ يجوز أن يكون بمعنى العلم ومفعولاه ﴿ له عزماً ﴾ وأن يكون بمعنى نقيض العدم كأنه قال: وعد مثاله عزماً.

قوله: ﴿ وإذ قلنا للملائكة ﴾ سلف في "البقرة" مستقصى قوله: ﴿ إن هذا عدوّ لك ﴾ ذكروا في سبب عداوته إياه أنه كان شاباً عالماً لقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدوّاً للشاب العالم.

وأيضاً الماء والتراب مضادان للنار ﴿ فلا يخرجنكما ﴾ فلا يكون سبباً لإخراجكما لأن الفاعل الحقيقي هو الله  ﴿ فتشقى ﴾ فتتعب في طلب القوت وسائر ما يتعيش به الإنسان أسند الشقاء إليه وحده مع اشتراكهما في الخروج لأن الرجل أصل في باب الإنفاق والكسب والمرأة تابعة له.

ثم بين ذلك الشقاء بقوله: ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ﴾ إلى آخره.

والظمأ العطش وتقول: ضحيت للشمس بالكسر أضحى ضحاء ممدوداً إذا برزت لها.

والمراد به الكن مع أن الجنة ليس فيها شمس حتى يتصور فيها الضحاء، نفى كون هذه الأمور في الجنة ليثبت حصولها في غيرها.

ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي: الشبع والري الكسوة والكن.

وأما المنكوح فمشترك إلا أن مؤن النكاح تختص بالدنيا وأنها أيضاً ترجع إلى المذكورات.

يروى أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع.

﴿ فوسوس إليه الشيطان ﴾ أنهى إليه وسوسة كما مر في "الأعراف".

بيان الوسوسة أنه ﴿ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ﴾ أضافها إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأنه من باشر أثره حيي ﴿ وملك لا يبلى ﴾ أي لا ينقطع ولا يزول.

قال القاضي: ليس في الظاهر أنه قيل ذلك منه لأنه لا بد أن يحصل بين حال التكليف وحال المجازاة فصل بالموت، والنبي يمتنع أن لا يعلم هذا القدر.

وأجيب بالمنع ولو سلم فلم لا يكفي الفصل بغشي أو نوح خفيف.

ولو سلم أنه لا يكفي فلم استحال أن يجهل النبي ذلك كما جهل عدم جواز الرؤية زعمكم حين قال: ﴿ أرني أنظر إليك  ﴾ ومما يدل على أن آدم قبل وسوسته قوله  : ﴿ فأكلا ﴾ بالفاء مشعر بالعلية كقول الصحابي: "زنى ماعز فرجم" وما في الآية قد مر تفسيره في "الأعراف" إلا قوله: ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ قال بعض الناس: إن آدم ذنبه كبيرة وإلا لم يوصف بالعصيان والغواية فإن العاصي والغاوي اسمان مذمومان عرفاً وشرعاً وقد ترتب الوعيد عليهما.

وأجيب بأن المعصية مخالفة الأمر والأمر قد يكون مندوباً.

وزيف بالمنع من أن المندوب غير مأمور به.

ثم أن مخالفة عاص وإلا كان الأنبياء كلهم عصاة لأنهم لا ينكفون عن ترك المندوب.

قالوا: يقال أشرت إليه في أمر كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني.

وأجيب بالمنع من أن هذا من مستعملات العرب العاربة، ولو سلم فلعله إنما يقال ذلك إذا عرف أن المستشير لا بد له أن يفعل ذلك، وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً وإن لم يكن وجوب شرعي لأن ذلك الإيجاب لم يصدر عن الشارع.

ومنهم من زعم أنه ذنب صغير وهم عامة المعتزلة ورد بأن المعاصي إسم من يستحق العقاب وهذا لا يليق بالصغيرة.

وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف ولهذا قال  ﴿ فغوى ﴾ أي خاب من نعيم الجنة لأن الرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود والغي ضده، وأنه سعى في طلب الخلود فنال ضد المقصود.

وعن بعضهم ﴿ فغوى ﴾ أي بشم من كثرة الأكل وزيفه جار الله.

ورد قول أبي مسلم بأن مصالح الدنيا تكون مباحة فلا يوصل تاركها بالعصيان.

قلت: في هذا نظر، والأحوط في هذا الباب أن يعتقد كون هذه الواقعة قبل النبوة بدليل قوله: ﴿ ثم اجتباه ربه ﴾ أي اختاره للرسالة ﴿ وهدى ﴾ لحفظ أسباب العصمة.

أصل الاجتباء هو الجمع كما مر في آخر "الأعراف".

يروى عن أبي أمامة: لو وزنت أحلام بني آدم لرجح حلمه.

وقد قال الله  : ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ قال العلماء: فيه دليل على أنه لا رادَّ لقضائه وما قدره كائن لا محالة، وإذا جاء القضاء عمي البصر والدليل قد يكون غاية الظهور ومع ذلك يخفى على أعقل الناس كما خفي على آدم عداوة إبليس، وأنه تعرّض لسخط الله في شأنه حين امتنع من سجوده فكيف قبل من وسوسة ﴿ لولا كتاب من الله سبق  ﴾ قال المحققون: الأولى أن لا يطلق لفظ العاصي والغاوي على آدم  وإن ورد في القرآن ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ لأنه لم تصدر عنه الزلة إلا مرة واحدة.

وصيغة اسم الفاعل تنبىْ عن المزاولة، ولأن المسلم إذ تاب عن الشرب أو الزنا وحسنت توبته لا يقال له شارب وزان، ولأن السيد يجوز له أن يشتم عبده بما شاء وليس لغيره ذلك.

﴿ قال اهبطا ﴾ قد مر تفسير مثله في "البقرة" خاطبهما بالهبوط لأنهما أصلا البشر ثم عم الخطاب لهما ولذريتهما في قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ أما قوله: ﴿ بعضكم لبعض عدوّ ﴾ فقد قال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام.

عن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا قوله: ﴿ فمن ابتع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ والسبب فيه أن العقاب في الآخرة لأجل أنه قد ضل عن الدين في مدة التكليف، واتباع كتاب الله يستلزم عدم الضلال عن الدين المستتبع للنجاة من العقاب في الآخرة.

وأما الشقاء الذي قد يلحق المؤمن في الدنيا فلا اعتداد به لقصر مدته على أن الرضا بالقضاء يهوّن عليه مصائب الدنيا وآفاتها.

ثم ذكر وعيد من أعرض عن ذكره ظاهر الكلام يدل على أن الذكر ههنا هو الهدى المذكور لأن قوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ فمن اتبع هداي ﴾ .

وقد مر في أول "البقرة" أن المراد به الشريعة والبيان.

وقال كثير من المفسرين: إن الذكر هو القرآن وسائر كتب الله وفيه نوع تخصيص.

والضنك الضيق مصدر وصف به.

ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.

يقال: منزل ضنك ومعيشة ضنك كأنه قيل: ذات ضنك.

قالت الحكماء: عيش الدنيا ضنك ضيق لانقضائه وقصر مدّته وكثرة شوائبه، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة.

وهذا الضيق المتوعد به إما في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة مال إلى كل طائفة.

أما لأول فلأن المسلم الراضي بقضاء ربه معه من التسليم والتوكل والقناعة ما يعيش به عيشاً رافغاً.

والمعرض عن الدين متول عليه الحرص والشح فلا ينفك عن الانقباض ولطموح ما ليس يناله من الفراغ والرفاغ الكلي فلا هم له إلا هم الدنيا.

عن ابن عباس: المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، ومن الكفرة من ضربت عليه الذلة والمسكنة.

وسئل الشبلي عن قوله  : "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية" فقال: أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله  فعقوبتهم أن يردهم الله  إلى أنفسهم وأيّ معيشة أضيق وأشد من أن يرد الأنسان إلى نفسه.

قلت: التحقيق أن بعض البليات من العقوبات فطلب العافية منها لازم، وبعضها لمزيد الدرجات ولكن الإنسان خلق ضعيفاً فكثيراً ما يؤل أمر المبتلي إلى الجزع والفزع فيحرم الثواب فتطلب العافية من هذا القسم أيضاً خوفاً من المآل.

وأما الثاني فعن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ورفعه أبو هريرة إلى النبي  أنه: "عذاب القبر للكافر" وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الله المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيه أضلاعه.

وأما الثالث فعن الحسن وقتادة والكلبي أنه ضيق في الآخرة وفي جهنم، وأ طعامهم فيها الضريع والزقوم والحميم والغسلين، فلا يموتون فيها ولا يحيون.

أما قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ كقوله: ﴿ ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً  ﴾ فيمن فسر الزرق بالعمى ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً  ﴾ ﴿ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى  ﴾ قال الجبائي: أراد أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً كالأعمى.

وعن مجاهد والضحاك ومقاتل أنه أراد أعمى عن الحجة وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال القاضي: هذا القول ضعيف لأنه لا بد في القيامة أن يعلمهم الله  بطلان ما كانوا عليه بتمييزه لهم الحق من الباطل، ومن هذه حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً باعتبار ما كان، لكن قوله: ﴿ وقد كنت بصيراً ﴾ ينافيه.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه  علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر كما في الدنيا.

قال: والتحقيق في الجواب عن الاعتراض هو أن النفوس الجاهلة في الدنيا إذا فارقت أبدانها تبقى على جهالتها في الآخرة فتصير تلك الجهالة سبباً لأعظم الآلام الروحانية.

وأقول على القاضي: يحتمل أن يكون مجازاً باعتبار الغاية.

فقد ينفي الشيء باعتبار عدم غايته وثمرته فلا ينافي كونه أعمى في الآخرة بهذا الاعتبار إعلام الله  إياه الحجة، ولا كونه بصيراً في الدنيا كونه أعمى في الآخرة بالاعتبار المذكور لأن المعرض عن الدليل يشبه أن يكون كافراً معانداً، ويكون الغرض من الإعلام التوبيخ والإلزام يؤيده قوله  في جوابه: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك فعلت أنت.

ثم فسر ذلك بقوله: ﴿ أتتك آياتنا ﴾ أي دلائلنا وضاحة مستنيرة ﴿ فنسيتها ﴾ أي تركت العمل بها والقيام بموجبها ﴿ وكذلك اليوم تنسى ﴾ تترك بلا فائدة النظر والاعتبار.

وعلى الإمام الرازي: إنه لا يلزم من كون المكلف غير متضرر بنسيان الدلائل في الدنيا كونه غير متضرر به في الآخرة.

وأما قوله في الجواب المحقق بناء على قاعدة الحكيم إن جهل النفس يصير سبباً لتعذيبها فإن كان منعاً لقول المعتزلة إنه  يعلم المكلف بطلان ما كان عليه في الدنيا فذاك لا يفتقر إلى العدول، وإن كان تسليماً لقولهم فمن أين يتحمل الاعتراض هذا وقد رأيت في بعض الآثار أن أشد الناس عمى يوم القيامة هم الذين حفظوا القرآن ثم نسوه.

دليله قوله تعالى: ﴿ أتتك آياتنا فنسيتها ﴾ اللَّهم اجعلني ممن يواظب على تلاوة كتابك حتى لا أنساه يوم ألقاك.

﴿ وكذلك نجزي من أسرف ﴾ قيل: عصى ربه.

والأظهر أنه أراد أشرك وكفر بدليل قوله: ﴿ ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة ﴾ وهو الحشر على العمى ﴿ أشد وأبقى ﴾ من ضيق المعيشة في العاجل أو أراد، وتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا.

ثم وبخ المعرضين عن الدلائل بعدم الاعتبار بأحوال القرون الخالية فقال: ﴿ أفلم يهد لهم ﴾ بالفاء وفي السجدة بالواو، لأن الكلام ههنا كالمتصل بقوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ وهناك كالمنفصل عن الإعراض لأنه قال: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها  ﴾ .

وبعد ذلك أورد قصة موسى فناسب الاستئناف بالواو، وأما حذف من ههنا وإثباته هنالك فلما مر من أن "من" تفيد الاستيعاب وهنالك قد زاد في القرون بشرح قصة بني إسرائيل وما فيهم من الملوك والأنبياء.

قال في الكشاف: فاعل: ﴿ لم يهد ﴾ الجملة بعده.

وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجملة لا تقع فاعلاً فلهذا قال: يريد أو لم يهد لهم هذا المعنى أو مضمون هذا الكلام.

قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم.

وقال الزجاج: أراد أَوَ لَمْ نبين لهم ما يهدون به لو تدبروا وتأملوا.

وقيل: فيه ضمير الله أو الرسول والجملة بعده تفسره يريد أن قريشاً يتقلبون في السورة.

قال بعض أهل اللغة: إن للنبيه مزية على العقل فلا يقال إلا لمن له عقل ينتهي به عن القبائح فقوله: ﴿ أولي النهى ﴾ كقوله: ﴿ أولي العزم  ﴾ والحزم ومن هذا فسره بعضهم بأهل الورع والتقوى.

ثم بين الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كذب من هذه الأمة فقال: ﴿ ولولا كلمة ﴾ هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة كتبها في اللوح المحفوظ وأخبر بها ملائكته ورسله لأن فيهم أو في نسلهم من يؤمن، أو لمصلحة أخرى خفية.

قال أهل السنة: إنه بحكم المالكية له أن يفعل ما يشاء من غير علة.

واللزام مصدر لازم وصف به.

وقيل: فعال لما يفعل به فهو بمعنى ملزم كأنه آلة اللزوم أي ﴿ لكان ﴾ الأخذ العاجل ﴿ لزاماً وأجل مسمى ﴾ وهو عذاب الآخرة.

وقيل: يوم بدر معطوف على ﴿ كلمة ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون معطوفاً على الضمير في كان.

ولعله إنما جوز ذلك للفصل أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل.

وحين بين أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر على ما يقولون من التكذيب وسائر الأذيات.

زعم الكلبي ومقاتل أنها منسوخة بآية القتال وليس بذاك فإن كلاً منهما معمول بها في موضعها ﴿ وسبح بحمد ربك ﴾ أي متلبساً بحمده على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، والأكثرون أنها بمعنى الصلاة ليكون كقوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ ولأنه بين أوقاتها فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار ﴿ ومن آناء الليل فسبح ﴾ المغرب والعتمة.

وقوله ﴿ وأطراف النهار ﴾ أي في طرفيه فجمع للمبالغة وأمن الإلباس، أو لأن أقل الجمع اثنان.

أو أراد طرفي كل نهار تكرار لصلاتي الفجر والعصر لا المغرب على ما ظن اعتناء بشأنهما كقوله ﴿ والصلاة الوسطى  ﴾ وآناء جمع "أنى" وهو الساعة وقد مر في "آل عمران".

وإنما قدم آنا الليل وأدخل الفاء في ﴿ فسبح ﴾ المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها تنبيهاً على زيادة الاهتمام بشأن صلاة الليل، لأن الليل وقت السكون والراحة وهدوّ الأصوات فالصلاة فيه أشق على النفس وأدخل في الإخلاص وأقرب من المحافظة على الخشوع والإخبات.

وبعضهم أخرج من الآية صلاة الظهر لانه خصص قبل الغروب بصلاة العصر.

ومنهم من زاد فيها النوافل لأن الصلاة في الأوقات المذكورة تشملها والأمر قد يكون للندب لا أقل من التغليب.

وقال أبو مسلم: الأقرب حمل التسبيح على التنزيه والإجلال كأنه لما أمره بالصبر على أذية القوم بعثه على الاشتغال بالتقديس والمواظبة عليه في كل الأوقات.

وقوله: ﴿ لعلك ترضى ﴾ كقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً  ﴾ ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ ولا ريب أن الأطماع من الكريم واجب الوقوع اللَّهم ارزقنا شفاعته.

ولما حث رسوله على الأمور الدينية نهاه عن الميل إلى الزخارف الدنيوية فقال: ﴿ ولا تمدّن عينيك ﴾ أي نظر عينيك.

ومد النظر تطويله استحساناً للمنظور إليه، وفيه أن النظر الغير الممدود معفوّ عنه كما لو نظر فغض.

وقال أبو مسلم: المنهي عنه في الآية ليس هو التطويل وإنما هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوا من حظ الدنيا.

قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي  فبعثني إلى يهوديّ يستقرضه فقال: لا أقرضه إلا برهن.

فقال رسول الله  : "إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض،أحمل إليه درعي الحديد فنزلت.

" والأزواج الأصناف.

وقيل: أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب.

وقد مر في آخر الحجر.

ولقد شدد العلماء المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وملابسهم ومراكبهم لأنهم اتخذوها.

قال جار الله: انتصب ﴿ زهرة ﴾ على الذم، أو على تضمين متعنا بمعنى خولنا وأعطينا، أو على إبداله من محل ﴿ به ﴾ أو على إبداله من ﴿ أزواجاً ﴾ والتقدير ذوي زهرة وهي الزينة والبهجة.

ومن قرأ بفتح الهاء فبمعناها أيضاً أو هي جمع زاهر كأنهم لصفاء ألوانهم وظهور آثار النعومة عليهم زاهر وهذه الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب.

وقوله: ﴿ لنفتنهم ﴾ أي لنبلوهم كقوله: ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم  ﴾ وقيل: لعذبهم كقوله: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم  ﴾ .

وقال الكلبي ومقاتل: لنشدد عليهم في التكليف لأن الاجتناب عن المعاصي مع القدرة يكون أشق على النفس.

﴿ ورزق ربك ﴾ هو ثواب الآخرة أو ما رزقت من الإسلام والنبوّة ﴿ خير وأبقى ﴾ وقيل: أراد به الحلال الطيب الذي يحق أن ينسب إلى ربك خير من أموالهم التي غلب عليها الغصب والسرقة وسائر وجوه الخيانة، وأبقى بركة ونماء وحسن عاقبة.

﴿ وأمر أهلك ﴾ في سورة مريم ﴿ وكان يأمر أهله بالصلاة  ﴾ أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله.

ومن السلف من كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله ثم يتلو هذه الآية.

وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ ﴿ ولا تمدنّ عينيك ﴾ الآية.

ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله.

وكان رسول الله  بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ كل صباح ويقول: "الصلاة وكان يفعل ذلك شهراً" وقوله: ﴿ واصطبر عليها ﴾ أراد أنك كما تأمرهم بها فحافظ عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أثم منه بلسان القول ﴿ لا نسألك رزقاً ﴾ كما يريد الملوك خراجاً من رعيتهم والسادة خرجاً من عبيدهم ﴿ بل نحن نرزقك ﴾ كقوله: ﴿ وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين  ﴾ والحاصل أنا إنما أمرناك بالصلاة فذلك لأجل انتفاعك بثوابها لا لأنا ننتفع بها.

وقيل: لا نسألك رزقاً لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك وإياهم فلا تهتم بأمر الرزق والمعيشة وفرغ بالك لأمر الآخرة وفي معناه قولهم "من كان في عمل الله كان الله في عمله".

وقال أهل الإشارة ﴿ ورزق ربك ﴾ رمز إلى قوله: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" قال عبد الله بن سلام: كان النبي  إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة.

﴿ والعاقبة ﴾ أي الجميلة ﴿ للتقوى ﴾ .

ثم عاد إلى قوله: ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ فحكى واحدة من شبهاتهم هي قولهم: ﴿ لولا يأتينا بآية من ربه ﴾ كأنهم لم يتعدّوا بالقرآن الذي أخرس شقاشقهم فرد الله عليهم بقوله: ﴿ أولم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ لأن القرآن برهان سائر الكتب المنزلة لأنه معجز دونها فهو شاهد لها بالصحة وأنها من عند الله.

وقيل: أراد بالبينة ما فيها من بشارة مقدم محمد  .

وعن ابن جرير أنه ما رأوا فيها من قصص الأمم المكذبة وبيان إهلاكهم بعد اقتراح الآيات وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن فلهذا وصف القرآن بكونه ﴿ بينة ما في الصحف الأولى ﴾ ثم بين الحكمة في نزول القرآن فقال: ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ﴾ أي من قبل البرهان المذكور الدال عليه البينة ﴿ لقالوا ﴾ أي في القيامة لأن الهالك لا قول له في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "يحتج على الله  يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك وتلا قوله: ﴿ لولا أرسلت إلينا رسولاً ﴾ والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به.

ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل.

فيرفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فيدخلها من كان في عالم الله أنه سعيد ويتلكأ من كان في علمه أنه شقى.

فيقول الله  : عسيتم اليوم فكيف برسولي لو أتاكم؟!" .

وطعن المعتزلة في هذا الخبر قالوا: لا يحسن العقاب على ما لم يفعل.

وقال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب فعل اللطف والمراد أنه يجيب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده وإلا كان لهم أن يقولوا: هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن.

وقال الكعبي: فيها أوضح دليل على أنه تعال يقبل الاحتجاج من عباده.

وليس معنى قوله: ﴿ لا يسأل عما يفعل  ﴾ أن الجور منه يكون عدلاً بل تأويله أنه لا يقع منه إلا العدل.

وإذا ثبت أنه  يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة.

واستدل أهل السنة بها على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع وإلا لكان العقاب حاصلاً قبل مجيئه.

ثم ختم السورة بوعيد إجمالي فقال: ﴿ قل كل ﴾ أي كل منا ومنكم ﴿ متربص ﴾ عاقبة أمره وهذا الانتظار إما قبل الموت بسبب الأمر بالجهاد أو ظهور الدولة والغلبة، أو بالموت فإن كان واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، وإما بعد الموت وهو ظهور أثر الثواب والعقاب وتمييز المحق المبطل ويؤديه قوله: ﴿ فستعلمون ﴾ إلى آخره وهذا من كلام المنصف وبالله المستعان.

(تم).

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ .

قال الحسن وعامة أهل التأويل: إن قوله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ ، أي: ضيع وترك، ليس نسيان السهو؛ لأنه عوتب عليه وعوقب به، ولا يعاتب المرء على ما هو حقيقة السهو والنسيان؛ فدل أنه على التضييع والترك، ليس على النسيان والسهو، إلى هذا يذهب هؤلاء، لكن يقبح هذا أن يقال في آدم، أو في نبي من أنبيائه، أو في رسول من رسله - صلوات الله عليهم -: إنه ضيع، والنسيان عندنا على قسمين: نسيان يكون عن غفلة منه وشغل، ما لولا ذلك الشغل منه والغفلة، لحفظه وذكره ولا ينساه، وجائز المعاتبة على هذا النسيان؛ إذ لو كان تكلف لكان لا ينساه ولا يقع فيه.

ونسيان آخر يقع فيه من غير سبب كان منه لا يملك دفعه، وذلك نسيان ما لا يعاتب عليه ولا يعاقب به، وهكذا الكلفة من الله  والمحنة: أنه جائز أن يكلف ويمتحن من لا يعلم ولا يعقل الكلفة وقت تكليفه إياه بعد أن يحتمل عقله إدراك ذلك لو استعمله، فأما من كان عقله لا يحتمل إدراك ما كلفه وإن استعمله وأجهد نفسه فيه، فإنه لا يكلف ألبتة؛ فعلى ذلك النسيان الذي ذكر من آدم جائز أنه لو تكلف، حفظه وذكره؛ فإنما عوتب لذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ .

قال الحسن: أي: منعاً من الشيطان.

وقال بعضهم: حفظا لم يحفظ أمره.

وقال بعضهم: صبراً، ونحوه.

والعزم: حقيقة القصد والقطع على الشيء، وهو ضد النسيان الذي ذكر.

وقال بعضهم: العزم: هو المحافظة على أمر الله والتمسك به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ .

أي: قال [بعضهم]: لولا قول أهل التأويل في سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود، وإلا جائز أن يصرف الأمر بالسجود إلى الخضوع له، والسجود: هو الخضوع؛ حيث قال: ﴿ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ  ﴾ وقد يؤمر الإنسان بالخضوع لمن يتعلم منه العلم.

وقوله  : ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ ﴾ .

قال أهل التأويل: ليس شقاء الدين، ولكن تعب النفس والنصب في العمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ ﴾ .

أي: لا تصيبك الشمس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ ﴾ .

أي: لا يفنى.

﴿ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ  ﴾ ، أي: ذلت، يقال: عنا يعنو عنوا، وقال: ﴿ وَلاَ هَضْماً  ﴾ أي: ظلما، يقال: هضمته، أي: ظلمته، وأهضمته مثله.

وقال أبو عبيدة: الهضم: النقصان، وقال: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً  ﴾ : القاع: الأرض التي يعلوها الماء، وهو قريب مما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴾ .

كل من عصى ربه فقد غوى، العصيان والغواية واحد.

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴾ .

قوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: اجتباه للتوبة وهداه لها.

أو اجتباه ربه للرسالة وهداه لها.

أو اجتباه ربه للدين وهداه للتوحيد، وهذا جائز عندنا، للتوحيد والإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة؛ لأنه مأمور بترك الكفر ونفيه في كل وقت، فإذا كان مأموراً بترك الكفر في كل وقت منهيا عنه كان مأموراً بالإيمان والتوحيد، فإذا كان ما ذكرنا دل أن للإيمان والتوحيد حكم التجدد والحدوث في كل وقت، وإلا ظاهر قوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ ﴾ : أنه لم يكن يجتبيه قبل ذلك فاجتباه من بعد، لكن الوجه ما ذكرنا من اجتبائه إياه للرسالة، واجتبائه للتوحيد والطاعات والخيرات ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

قال الحسن: قوله: ﴿ ٱهْبِطَا ﴾ أي: آدم والشيطان، ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ، يعني: ذرية آدم وذرية إبليس بعضهم لبعض عدو.

وقال فيما قال: ﴿ ٱهْبِطُواْ  ﴾ عنى: آدم وحواء وإبليس، والهبوط: ليس هو الانحدار والتسفل من المكان العالي المرتفع، إنما هو النزول في المكان، فجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  ﴾ أراد ذريتهما: ذرية آدم وذرية إبليس، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ يعني: الذرية، ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ ﴾ وقت اتباعه الهدى، أو لا يضل ولا يشقى إذا ختم بالهدى، أو لا يضل طريق الجنة ولا يشقى في النار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ هو الشدة والضيق، ثم اختلفوا فيه.

قال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ في الدنيا، وإن كانت في الظاهر واسعة عليه؛ لأنهم ينفقون ولا يرون لنفقتهم خلفا ولا عاقبة، ويريدون الدنيا أنها تدوم، فذلك يمنعهم عن التوسيع في الإنفاق؛ خوفاً لنفاد ذلك المال وبقاء أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم لا يرون لنفقتهم خلفا ولا عوضاً ولا عاقبة لها، فذلك الضنك.

وقال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ ؛ لأنهم يعصون بما أعطوا من المال وأنعموا فيه؛ لأن توسعهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها؛ لما ذهبت منافعها في الطاعة.

وقال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ في عذاب القبر، لكن لا يقال لمن في القبر: إن له معيشة ضنكا حتى يوصف بالضيق، وعذاب القبر سبيل معرفته السمع، فإن ثبت السمع وإلا فالترك أولى.

وقال قائلون: ذلك في الآخرة - والله أعلم - كقوله: ﴿ مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: نحشره أعمى عن حججه في دينه، لكن متى كانت له الحجج في الدنيا حتى يعمى عنها في الآخرة؟!

وقال بعضهم: نحشره يوم القيامة أعمى: عمى الحقيقة؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً  ﴾ فهو على حقيقة عمى البصر، وهو أشبه، والله أعلم.

وقال مجاهد: قوله: ﴿ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ ﴾ قال: بلا حجة لي، ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ في الدنيا لكن الأشبه هو ما ذكرنا من حقيقة ذهاب البصر؛ إذ لم يكن للكافر حجة في الدنيا حتى يقول: ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ .

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك بعد ما حوسبوا وسيقوا إلى النار - نعوذ بالله من النار - فعند ذلك يعمى عليه البصر.

وقال بعضهم: لا ولكن يبعثون من قبورهم ويحشرون عمياناً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ ﴾ .

أي: كما أتتك آياتنا فصيرتها كالشيء المنسي، لم تكترث إليها ولم تنظر فيها ولم ترغب فيها، كذلك تصير في النار كالشيء المنسي عن رحمته، لا يكترث إليك ولا ينظر إليك.

أو أن يقول: كما ضيعت آياتنا التي أتتك لنجاتك كذلك تضيع أنت وتترك في النار لا نجاة لك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ﴾ .

أي: كذلك نجزي كل من أسرف في الدنيا ولم يؤمن بآيات ربه، ليس أحد المخصوص بذلك دون غيره، ولكن كل من كان [هذا] صنيعه في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ﴾ .

كأنه قد سبق منه الوعيد لهم بعذاب، ثم قال: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ﴾ من العذاب الذي أوعدتم، وإلا فعلى الابتداء لا يقال هذا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومثل هذا الجزاء نجزي من انهمك في الشهوات المحرَّمة، وأعرض عن الإيمان بالدلائل الواضحة من ربه.

ولعذاب الله في الآخرة أفظع وأقوى من المعيشة الضنْك في الدنيا والبَرْزَخ وأدوم.

<div class="verse-tafsir" id="91.e93D0"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله