الآية ٦٦ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٦٦ من سورة طه

قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٦ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : أنتم أولا ليرى ماذا تصنعون من السحر ، وليظهر للناس جلية أمرهم ، ( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) .

وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا ( وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ) [ الشعراء : 44 ] وقال تعالى : ( سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ) [ الأعراف : 116 ] ، وقال هاهنا ( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) .

وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد ، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها ، وإنما كانت حيلة ، وكانوا جما غفيرا وجمعا كبيرا فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) يقول تعالى ذكره: فأجمعت السحرة كيدهم، ثم أتوا صفا فقالوا لموسى ( يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ) وترك ذكر ذلك من الكلام اكتفاء بدلالة الكلام عليه.

واختلف في مبلغ عدد السحرة الذين أتوا يومئذ صفا، فقال بعضهم: كانوا سبعين ألف ساحر، مع كل ساحر منهم حبل وعصا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، قال: ثنا القاسم بن أبي بزّة، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين فاغر به فاه، فابتلع حبالهم وعصيهم فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا عند ذلك، فما رفعوا رءوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما، فعند ذلك قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ .

وقال آخرون: بل كانوا نيفا وثلاثين ألف رجل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا) ، فألقوا حبالهم وعصيهم، وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ليس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا.

وقال آخرون بل كانوا خمسة عشر ألفا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه، قال: صف خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه.

وقال آخرون: كانوا تسع مئة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: كان السحرة ثلاث مئة من العريش، وثلاث مئة من فيوم، ويشكون في ثلاث مئة من الإسكندرية، فقالوا لموسى: إما أن تلقي ما معك قبلنا، وإما أن نلقي ما معنا قبلك، وذلك لقوله ( وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ) وأن في قوله (إمَّا أنْ ) في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام: اختر يا موسى أحد هذين الأمرين: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نكون أوّل من ألقى، ولو قال قائل: هو رفع، كان مذهبا، كأنه وجَّهه إلى أنه خبر، كقول القائل: فَسِــيرَا فإمَّــا حاجَـةً تَقْضِيانهـا وإمَّــا مَقِيــل صَــالِحٌ وصَـدِيقُ (1) --------------- الهوامش: (1) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( مصورة الجامعة ، الورقة 198) قال : وقوله " إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى " .

.

أن وأن : في موضع نصب ، والمعنى : اختر إحدى هاتين ؛ ولو رفع إذ لم يظهر الفعل ، كان صوابا ، كأنه خبر ، كقول الشاعر : فسيرا .

.

.

البيت " .

ولو رفع " فإما منا بعد وإما فداء " كان أيضا صوابا .

ومذهبه كمذهب قوله : " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " والنصب في قوله " إما أن تلقي " وفي قوله " فإما منا بعد وإما فداء " : أجود من الرفع ، لأنه شيء ليس بعام ، مثل ما ترى من معنى قوله " فإمساك " و " فصيام ثلاثة أيام " لما كان المعنى يعم الناس في الإمساك بالمعروف في صيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين ، كان الجزاء ، فرفع لذلك ، والاختيار إنما هي فعلة واحدة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قال بل ألقوا فإذا حبالهم في الكلام حذف ، أي فألقوا ؛ دل عليه المعنى .

وقرأ الحسن ( وعصيهم ) بضم العين .

قال هارون القارئ : لغة بني تميم ( وعصيهم ) وبها يأخذ الحسن .

الباقون بالكسر اتباعا لكسرة الصاد .

ونحوه دلي ودلي وقسي وقسي .

يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى وقرأ ابن عباس وأبو حيوة وابن ذكوان وروح عن يعقوب ( تخيل ) بالتاء ؛ وردوه إلى العصي والحبال إذ هي مؤنثة .

وذلك أنهم لطخوا العصي بالزئبق ، فلما أصابها حر الشمس ارتهشت واهتزت .

قال الكلبي : خيل إلى موسى أن الأرض حيات وأنها تسعى على بطنها .

وقرئ ( تخيل ) بمعنى تتخيل وطريقه طريق ( تخيل ) ومن قرأ يخيل بالياء رده إلى الكيد .

وقرئ ( نخيل ) بالنون على أن الله هو المخيل للمحنة والابتلاء .

وقيل : الفاعل أنها تسعى ف ( أن ) في موضع رفع ؛ أي يخيل إليه سعيها ؛ قاله الزجاج .

وزعم الفراء أن موضعها موضع نصب ؛ أي بأنها ثم حذف الباء .

والمعنى في الوجه الأول : تشبه إليه من سحرهم وكيدهم حتى ظن أنها تسعى .

وقال الزجاج ومن قرأ بالتاء جعل ( أن ) في موضع نصب أي تخيل إليه ذات سعي ، قال : ويجوز أن تكون في موضع رفع بدلا من الضمير في ( تخيل ) وهو عائد على الحبال والعصي ، والبدل فيه بدل اشتمال .

وتسعى معناه تمشي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال لهم موسى: { بَلْ أَلْقُوا } فألقوا حبالهم وعصيهم، { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } أي: إلى موسى { مِنْ سِحْرِهِمْ } البليغ { أَنَّهَا تَسْعَى } أي: أنها حيات تسعى فلما خيل إلى موسى ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) موسى : ( بل ألقوا ) أنتم أولا ( فإذا حبالهم ) وفيه إضمار ، أي فألقوا فإذا حبالهم ( وعصيهم ) جمع العصا ، ( يخيل إليه ) قرأ ابن عامر ويعقوب " تخيل " بالتاء ردا إلى الحبال والعصي ، وقرأ الآخرون بالياء ردوه إلى الكيد والسحر ، ( من سحرهم أنها تسعى ) وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس ، فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات ، وكانت قد أخذت ميلا من كل جانب ورأوا أنها تسعى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال بل ألقوا» فألقوا «فإذا حبالهم وعصيهم» أصله عصوو قبلت الواوان ياءين وكسرت العين والصاد «يخيل إليه من سحرهم أنها» حيات «تسعى» على بطونها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال لهم موسى: بل ألقُوا أنتم ما معكم أولا فألقَوا حبالهم وعصيَّهم، فتخيل موسى مِن قوة سحرهم أنها حيات تسعى، فشعر موسى في نفسه بالخوف.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك أن موسى - عليه السلام - ترك فرصة البدء لهم ، واستبقى لنفسه الجولة الأخيرة ، فقال - تعالى - : ( قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى ) .

والتخيل : هو إبداء أمر لا حقيقة له ، ومنه الخيال ، وهو الطيف الطارق فى النوم .أى : قال موسى - عليه السلام - للسحرة فى الرد على تخييرهم له ، ابدأوا أنتم بإلقاء ما معكم من حبال وعصى .والفاء فى قوله : ( فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ .

.

.

) فصيحة وهى معطوفة على كلام محذوف ، وإذا هى الفجائية .أى : قال لهم موسى بل ألقوا أنتم أولا ، فامتثلوا أمره وألقوا ما معهم ، فإذا حبالهم وعصيهم التى طرحوها ، جعلت موسى - لشدة اهتزازها واضطرابها - يخيل إليه من شدة سحرهم ، أن هذه الحبال والعصى حيات تسعى على بطونها .قال ابن كثير : وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد ، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها ، وإنما كانت حيلة ، وكانوا جمًّا غفيرا ، وجمعا كبيرا - أى السحرة - فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادى ملآن حيات ، يركب بعضها بعضا .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه لما تقدم ذكر الموعد وهو يوم الزينة وتقدم أيضاً قوله: ﴿ ثُمَّ ائتوا صَفّاً  ﴾ صار ذلك مغنياً عن قوله فحضروا هذا الموضع وقالوا: ﴿ إِمَّا أَن تُلْقِيَ ﴾ لدلالة ما تقدم عليه وقوله: ﴿ إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى ﴾ معناه إما أن تلقى ما معك قبلنا، وإما أن نلقى ما معنا قبلك، وهذا التخيير مع تقديمه في الذكر حسن أدب منهم وتواضع له، فلا جرم رزقهم الله تعالى الإيمان ببركته، ثم إن موسى عليه السلام قابل أدبهم بأدب فقال: ﴿ بَلْ أَلْقُواْ ﴾ أما قوله: ﴿ بَلْ أَلْقُواْ ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: كيف يجوز أن يقول موسى عليه السلام: ﴿ بَلْ أَلْقُواْ ﴾ فيأمرهم بما هو سحر وكفر لأنهم إذا قصدوا بذلك تكذيب موسى عليه السلام كان كفراً.

والجواب من وجوه: أحدها: لا نسلم أن نفس الإلقاء كفر ومعصية لأنهم إذا ألقوا وكان غرضهم أن يظهر الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة الرسول عليه السلام وهو موسى كان ذلك الإلقاء إيماناً وإنما الكفر هو القصد إلى تكذيب موسى وهو عليه السلام إنما أمر بالإلقاء لا بالقصد إلى التكذيب فزال السؤال.

وثانيها: ذلك الأمر كان مشروطاً والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين كما في قوله تعالى: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ إِن كُنتُمْ صادقين  ﴾ أي إن كنتم قادرين.

وثالثها: أنه لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار ذلك جائزاً.

وهذا كالمحق إذا علم أن في قلب واحد شبهة وأنه لو لم يطالبه بذكرها وتقريرها بأقصى ما يقدر عليه لبقيت تلك الشبهة في قلبه، ويخرج بسببها عن الدين فإن للمحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها ويزيل أثرها عن قلبه فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض تكون جائزة فكذا هاهنا.

ورابعها: أن لا يكون ذلك أمراً بل يكون معناه إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حساً لكي ينكشف الحق.

وخامسها: أن موسى عليه السلام لا شك أنه كان كارهاً لذلك ولا شك أنه نهاهم عن ذلك بقوله: ﴿ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ  ﴾ وإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون قوله أمراً لهم بذلك لأن الجمع بين كونه ناهياً وآمراً بالفعل الواحد محال، فعلمنا أن قوله غير محمول على ظاهره وحينئذ يزول الإشكال.

السؤال الثاني: لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم استماع الشبهة على استماع الحجة غير جائز فكذا تقديم إيراد الشبهة على إيراد الحجة وجب أن لا يجوز لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة ثم لا يتفرغ لإدراك الحجة بعده فيبقى حينئذ في الكفر والضلال وليس لأحد أن يقول إن ذلك كان بسبب أنهم لما قدموه على أنفسهم فهو عليه السلام قابل ذلك بأن قدمهم على نفسه لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس، فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز.

والجواب أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزة مرة واحدة فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى والقوم إنما جاؤوا لمعارضته فقال عليه السلام: «لو أني بدأت بإظهار المعجزة أولاً لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر» وقصد إبطال المعجزة وذلك غير جائز، ولكني أفوض الأمر إليهم حتى أنهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر ثم أنا أظهر المعجز الذي يبطل سحرهم فيكون على هذا التقدير سبباً لإزالة الشبهة، وأما على التقدير الأول فإنه يكون سبباً لوقوع الشبهة فكان ذلك أولى.

أما قوله: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ أَلْقَوْاْ حبالهم وَعِصِيَّهُمْ ﴾ ميلاً من هذا الجانب وميلاً من هذا الجانب فخيل إلى موسى عليه السلام أن الأرض كلها حيات وأنها تسعى فخاف فلما قيل له: ﴿ أَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ ﴾ ألقى موسى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم ثم أخذت تزداد عظماً حتى ملأت الوادي ثم صعدت وعلت حتى علقت ذنبها بطرف القبة ثم هبطت فأكلت كل ما عملوا في الميلين والناس ينظرون إليها لا يحسبون إلا أنه سحر ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعاً فصاح بموسى عليه السلام فأخذها فإذا هي عصى كما كانت ونظرت السحرة فإذا هي لم تدع من حبالهم وعصيهم شيئاً إلا أكلته فعرفت السحرة أنه ليس بسحر وقالوا أين حبالنا وعصينا لو لم تكن سحراً لبقيت فخروا سجداً وقالوا: ﴿ قَالُوٓا ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ  ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في عدد السحرة قال القاسم بن سلام: كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد عصا وحبل.

وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألفاً مع كل واحد عصا وحبل، وقال وهب: كانوا خمسة عشر ألفاً، وقال ابن جريج وعكرمة كانوا تسعمائة: ثلثمائة من الفرس وثلثمائة من الروم وثلثمائة من الاسكندرية.

وقال الكلبي: كانوا اثنين وسبعين ساحراً اثنان منهم من القبط وسبعون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على ذلك، واعلم أن الاختلاف والتفاوت واقع في عدد كثير وظاهر القرآن لا يدل على شيء منه والأقوال إذا تعارضت تساقطت.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: يقال في إذا هذه إذا المفاجأة والتحقيق فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها خصت في بعض المواضع بأن تكون ناصباً فعلاً مخصوصاً وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير فتقدير قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ﴾ ففاجأ موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم وهذا تمثيل، والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي اه.

المسألة الرابعة: قرئ عصيهم بالضم وهو الأصل والكسر إتباع نحو دلي ودلي وقسي وقسي وقرئ تخيل بالتاء المنقوطة من فوق بإسناد الفعل إلى الحبال والعصي وقرئ بالضم بالياء المنقطة من تحت بإسناد الفعل إلى الكيد والسحر وقال الفراء أي يخيل إليه سعيها.

المسألة الخامسة: الهاء في قوله: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ﴾ كناية عن موسى عليه السلام والمراد أنهم بلغوا في سحرهم المبلغ الذي صار يخيل إلى موسى عليه السلام أنها تسعى كسعي ما يكون حياً من الحيات لا أنها كانت حية في الحقيقة ويقال إنهم حشوها بما إذا وقعت الشمس عليه يضطرب ويتحرك.

ولما كثرت واتصل بعضها ببعض فمن رآها كان يظن أنها تسعى، فأما ما روي عن وهب أنهم سحروا أعين الناس وعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس  ﴾ وبقوله تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى ﴾ فهذا غير جائز لأن ذلك الوقت وقت إظهار المعجزة والأدلة وإزالة الشبهة فلو صار بحيث لا يميز الموجود عن الخيال الفاسد لم يتمكن من إظهار المعجزة فحينئذ يفسد المقصود، فإذن المراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى، أما قوله تعالى: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى ﴾ فالإيجاس استشعار الخوف أي وجد في نفسه خوفاً، فإن قيل: إنه لا مزيد في إزالة الخوف على ما فعله الله تعالى في حق موسى عليه السلام فإنه كلمه أولاً وعرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد، ثم إنه تعالى صيرها كما كانت بعد أن كانت كأعظم ثعبان، ثم إنه أعطاه الاقتراحات الثمانية وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن الثمانية ثم قال له بعد ذلك كله: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى  ﴾ فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن ذلك الخوف إنما كان لما طبع الآدمي عليه من ضعف القلب وإن كان قد علم موسى عليه السلام أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره وهذا قول الحسن.

وثانيها: أنه خاف أن تدخل على الناس شبهة فيما يرونه فيظنوا أنهم قد ساووا موسى عليه السلام ويشتبه ذلك عليهم وهذا التأويل متأكد بقوله: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى ﴾ وهذا قول مقاتل.

وثالثها: أنه خاف حيث بدأوا وتأخر إلقاؤه أن ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما يلقيه فيدوموا على اعتقاد الباطل.

ورابعها: لعله عليه السلام كان مأموراً بأن لا يفعل شيئاً إلا بالوحي فلما تأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت خاف أن لا ينزل الوحي في ذلك الوقت فيبقى في الخجالة.

وخامسها: لعله عليه السلام خاف من أنه لو أبطل سحر أولئك الحاضرين فلعل فرعون قد أعد أقواماً آخرين فيأتيه بهم فيحتاج مرة أخرى إلى إبطال سحرهم وهكذا من غير أن يظهر له مقطع وحينئذ لا يتم الأمر ولا يحصل المقصود، ثم إنه تعالى أزال ذلك الخوف بالإجمال أولاً وبالتفصيل ثانياً، أما الإجمال فقوله تعالى: ﴿ قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى ﴾ ودلالته على أن خوفه كان لأمر يرجع إلى أن أمره لا يظهر للقوم فآمنه الله تعالى بقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى ﴾ وفيه أنواع من المبالغة.

أحدها: ذكر كلمة التأكيد وهي إن.

وثانيها: تكرير الضمير.

وثالثها: لام التعريف.

ورابعها: لفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة وأما التفصيل فقوله: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ ﴾ وفيه سؤال، وهو أنه لمَ لم يقل وألق عصاك.

والجواب: جاز أن يكون تصغيراً لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي بيمينك فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها وجائز أن يكون تعظيماً لها أي لا تحتفل بهذه الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها وهذه على كثرتها أقل شيء عندها فألقه يتلقفها بإذن الله تعالى ويمحقها، أما قوله: ﴿ تَلْقَفْ ﴾ أي فإنك إذا ألقيتها فإنها تلقف ما صنعوا قراءة العامة تلقف بالجزم والتشديد أي فألقها تتلقفها وقرأ ابن عامر تلقف بالتشديد وضم الفاء على معنى الحال أي ألقها متلقفة أو بالرفع على الاستئناف، وروى حفص عن عاصم بسكون اللام مع التخفيف أي تأخذ بفيها ابتلاعاً بسرعة واللقف والتلقف جميعاً يرجعان إلى هذا المعنى، وصنعوا هاهنا بمعنى اختلقوا وزوروا والعرب تقول في الكذب: هو كلام مصنوع وموضوع وصحة قوله: ﴿ تَلْقَفْ ﴾ أنه إذا ألقى ذلك وصارت حية تلقفت ما صنعوا وفي قوله: ﴿ فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً  ﴾ دلالة على أنه ألقى العصا وصارت حية وتلقفت ما صنعوه وفي التلقف دلالة على أن جميع ما ألقوه تلقفته وذلك لا يكون إلا مع عظم جسدها وشدة قوتها.

وقد حكى عن السحرة أنهم عند التلقف أيقنوا بأن ما جاء به موسى عليه السلام ليس من مقدور البشر من وجوه: أحدها: ظهور حركة العصا على وجه لا يكون مثله بالحيلة.

وثانيها: زيادة عظمه على وجه لا يتم ذلك بالحيلة.

وثالثها: ظهور الأعضاء عليه من العين والمنخرين والفم وغيرها ولا يتم ذلك بالحيلة.

ورابعها: تلقف جميع ما ألقوه على كثرته وذلك لا يتم بالحيلة.

وخامسها: عوده خشبة صغيرة كما كانت وشيء من ذلك لا يتم بالحيلة ثم بين سبحانه وتعالى أن ما صنعوا كيد ساحر والمعنى أن الذي معك يا موسى معجزة إلهية والذي معهم تمويهات باطلة فكيف يحصل التعارض.

وقرئ كيد ساحر بالرفع والنصب فمن رفع فعلى أن ما موصولة ومن نصب فعلى أنها كافة وقرئ كيد سحر بمعنى ذي سحر أو ذوي سحر أو هم لتوغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته أو بين الكيد لأنه يكون سحراً وغير سحر، كما يبين المائة بدرهم ونحوه علم فقه وعلم نحو، بقي سؤالات: السؤال الأول: لم وحد الساحر، ولم يجمع.

الجواب: لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد فلو جمع تخيل أن المقصود هو العدد ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى ﴾ أي هذا الجنس.

السؤال الثاني: لم نكر أولاً ثم عرف ثانياً.

الجواب: كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر وجميع أقسام السحر لا فائدة فيه ولا شك أن هذا الكلام على هذا الوجه أبلغ.

السؤال الثالث: قوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى ﴾ يدل على أن الساحر لا يحصل له مقصوده بالسحر خيراً كان أو شراً وذلك يقتضي نفي السحر بالكلية.

الجواب: الكلام في السحر وحقيقته قد تقدم في سورة البقرة فلا وجه للإعادة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَن ﴾ مع ما بعده إما منصوب بفعل مضمر.

أو مرفوع بأنه خبر مبتدإ محذوف.

معناه: اختر أحد الأمرين؛ أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا.

وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن معه، وتواضع له وخفض جناح، وتنبيه على إعطائهم النصفة من أنفسهم، وكأن الله عزّ وعلا ألهمهم ذلك، وعلم موسى صلوات الله عليه اختيار إلقائهم أولاً، مع ما فيه من مقابلة أدب بأدب، حتى يبرزوا ما معهم من مكايد السحر.

ويستنفدوا أقصى طوقهم، ومجهودهم، فإذا فعلوا: أظهر الله سلطانه وقذف بالحق على الباطل فدمغه، وسلط المعجزة على السحر فمحقته، وكانت آية نيرة للناظرين، وعبرة بينة للمعتبرين.

يقال في ﴿ إِذَا ﴾ هذه: إذا المفاجأة والتحقيق فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت، الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلاً مخصوصاً وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير، فتقدير قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ﴾ ففاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

وهذا تمثيل.

والمعنى: على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي.

وقرئ: ﴿ عُصيهم ﴾ بالضم وهو الأصل بالكسر إتباع ونحوه: دُليّ ودِليّ، وقُسِيّ وقِسِيّ وقرئ ﴿ تخيل ﴾ على إسناده إلى ضمير الحبال والعصي وإبدال قوله: ﴿ أَنَّهَا تسعى ﴾ من الضمير بدل الاشتمال، كقولك: أعجبني زيد كرمه، وتخيل على كون الحبال والعصي مخيلة سعيها.

وتخيل.

بمعنى تتخيل.

وطريقه طريق تخيل.

ونخيل: على أنّ الله تعالى هو المخيل للمحنة والابتلاء.

يروى: أنهم لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت.

فخيلت ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ بَلْ ألْقُوا ﴾ مُقابَلَةَ أدَبٍ بِأدَبٍ وعَدَمَ مُبالاةٍ بِسِحْرِهِمْ، وإسْعافًا إلى ما أوْهَمُوا مِنَ المَيْلِ إلى البَدْءِ بِذِكْرِ الأوَّلِ في شِقِّهِمْ وتَغْيِيرِ النَّظْمِ إلى وجْهٍ أبْلَغَ، ولِأنْ يُبْرِزُوا ما مَعَهم ويَسْتَنْفِذُوا أقْصى وُسْعِهِمْ ثُمَّ يُظْهِرُ اللَّهُ سُلْطانَهُ فَيَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ.

﴿ فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ﴾ أيْ فَألْقَوْا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم، وهي لِلْمُفاجَأةِ والتَّحْقِيقُ أنَّها أيْضًا ظَرْفِيَّةٌ تَسْتَدْعِي مُتَعَلِّقًا يَنْصِبُها وجُمْلَةً تُضافُ إلَيْها، لَكِنَّها خُصَّتْ بِأنْ يَكُونَ المُتَعَلِّقُ فِعْلَ المُفاجَأةِ والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ والمَعْنى: فَألْقَوْا فَفاجَأ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقْتَ تَخْيِيلِ سَعْيِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ مِن سِحْرِهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهم لَطَّخُوها بِالزِّئْبَقِ فَلَمّا ضَرَبَتْ عَلَيْها الشَّمْسُ اضْطَرَبَتْ فَخُيِّلَ إلَيْهِ أنَّها تَتَحَرَّكُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ ورُوحٍ «تَخَيَّلَ» بِالتّاءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الحِبالِ والعِصِيِّ، وإبْدالِ أنَّها تَسْعى مِنهُ بَدَلَ الِاشْتِمالِ، وقُرِئَ «يُخَيِّلُ» بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، و «تَخَيَّلَ» بِمَعْنى تَتَخَيَّلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ بَلْ أَلْقُواْ} أنتم أولاً ليبرزوا ما معهم من مكايد السحر ويظهر الله سلطانه ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه ويسلط المعجزة على السحرة فتمحقه فيصير آية نيرة للناظرين وعبرة بينة للمعتبرين فألقوا {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ} يقال في إِذَا هذه إذا المفاجأة والتحقيق أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها وخصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلاً مخصوصاً وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير والتقدير ففاجأ موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي {يُخَيَّلُ} وبالتاء ابن ذكوان

{إِلَيْهِ} إلى موسى {مِن سحرهم أنها تسعى} رفع بدل اشمال من الضمر في يُخَيَّلُ أي يخيل الملقى رُوي أنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت فخيلت ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ؟

فَقِيلَ قالَ: ﴿ بَلْ ألْقُوا ﴾ أنْتُمْ أوَّلًا إظْهارًا لِعَدَمِ المُبالاةِ بِسِحْرِهِمْ وإسْعافًا لِما أوْهَمُوا مِنَ المَيْلِ إلى البَدْءِ في شِقِّهِمْ حَيْثُ غَيَّرُوا النَّظْمَ إلى وجْهٍ أبْلَغَ إذْ كانَ الظّاهِرُ أنْ يَقُولُوا: وإمّا أنْ نُلْقِيَ ولِيُبْرِزُوا ما مَعَهم ويَسْتَفْرِغُوا جُهْدَهم ويَسْتَنْفِذُوا قُصارى وُسْعِهِمْ ثُمَّ يُظْهِرُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ سُلْطانَهُ فَيَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ.

قِيلَ: وفي ذَلِكَ أيْضًا مُقابَلَةُ أدَبٍ بِأدَبٍ، واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم هَذا الأمْرَ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَجْوِيزَ السِّحْرِ فَحَمَلَهُ دَفْعًا لِذَلِكَ عَلى الوَعِيدِ عَلى السِّحْرِ كَما يُقالُ لِلْعَبْدِ العاصِي: افْعَلْ ما أرَدْتَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هو مَقْرُونٌ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ ألْقُوا إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ.

وفِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ عَدَمَ إحْقاقِهِمْ فَلا يُجْدِي التَّقْدِيرُ بِدُونِ مُلاحَظَةِ غَيْرِهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ ولا إشْكالَ فَإنَّ هَذا كالأمْرِ بِذِكْرِ الشُّبْهَةِ لِتَنْكَشِفَ.

والقَوْلُ بِأنَّ تَقْدِيمَ سَماعِ الشُّبْهَةِ عَلى الحُجَّةِ غَيْرُ جائِزٍ لِجَوازِ أنْ لا يَتَفَرَّغَ لِإدْراكِ الحُجَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْقى مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

﴿ فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُسارَعَتِهِمْ إلى الإلْقاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ ﴾ أيْ فَألْقَوْا فَإذا حِبالُهم إلَخْ.

وهي في الحَقِيقَةِ عاطِفَةٌ لِجُمْلَةِ المُفاجَأةِ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ.

وإذا فُجائِيَّةٌ وهي عِنْدَ الكُوفِيِّينَ حَرْفٌ وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ أبِي حَيّانِ وظَرْفُ زَمانٍ عِنْدَ الرِّياشِيِّ وهو كَذَلِكَ عِنْدَهُ أيْضًا وظَرْفُ مَكانٍ عِنْدَ المُبَرِّدِ وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ ومُخْتارُ أبِي حَيّانَ والعامِلُ فِيها هُنا (ألْقُوا) عِنْدَ أبِي البَقاءِ.

ورُدَّ بِأنَّ الفاءَ تَمْنَعُ مِنَ العَمَلِ، وفي البَحْرِ إنَّما هي مَعْمُولَةٌ لِخَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿ حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ ﴾ إنْ لَمْ نَجْعَلْها هي في مَوْضِعِ الخَبَرِ بَلْ جَعَلْنا الخَبَرَ جُمْلَةَ (يُخَيَّلُ) وإذا جَعَلْناها في مَوْضِعِ الخَبَرِ وجَعَلْنا الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ فالأمْرُ واضِحٌ.

وهَذا نَظِيرُ خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ رابِضٌ ورابِضًا.

ولِصِحَّةِ وُقُوعِها خَبَرًا يُكْتَفى بِها وبِالمَرْفُوعِ بَعْدَها كَلامًا فَيُقالُ: خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ.

ونَصَّ الأخْفَشُ في الأوْسَطِ عَلى أنَّها قَدْ يَلِيها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مَصْحُوبَةٌ بِقَدْ فَيُقالُ: خَرَجَتْ فَإذا قَدْ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وفي الكَشّافِ التَّحْقِيقُ فِيها أنَّها إذا الكائِنَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ الطّالِبَةُ ناصِبًا لَها وجُمْلَةٌ تُضافُ إلَيْها خُصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بِأنْ يَكُونَ ناصِبُها فِعْلًا مَخْصُوصًا وهو فِعْلُ المُفاجَأةِ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا غَيْرَ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ فَفاجَأ مُوسى وقْتَ تَخَيُّلِ سَعْيِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وهَذا تَمْثِيلٌ، والمَعْنى عَلى: مُفاجَأةُ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ مُخَيِّلَةٌ إلَيْهِ السَّعْيَ انْتَهى، وفِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما قَدَّمْنا ما فِيهِ لَكِنَّ أمْرَ العَطْفِ عَلَيْهِ أوْفَقُ كَما لا يَخْفى، وعَنى بِقَوْلِهِ: هَذا تَمْثِيلُ أنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلْإعْرابِ وأنَّ إذا وقْتِيَّةٌ أوْقَعَ عَلَيْها فِعْلَ المُفاجَأةِ تَوَسُّعًا لِأنَّها سَدَّتْ مَسَدَّ الفِعْلِ والمَفْعُولِ ولِأنَّ مُفاجَأةَ الوَقْتِ يَتَضَمَّنُ مُفاجَأةَ ما فِيهِ بِوَجْهٍ أبْلَغَ.

وما قِيلَ: إنَّهُ أرادَ الِاسْتِعارَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ فَيَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ لِتَحْصِيلِها.

وضَمِيرُ (إلَيْهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو كالمُتَعَيِّنِ، وقِيلَ: لِفِرْعَوْنَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وأنْ وما في حَيِّزِها نائِبُ فاعِلِ ﴿ يُخَيَّلُ ﴾ أيْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ بِسَبَبِ سِحْرِهِمْ سَعْيُها وكَأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ السِّيمِياءِ وهي عِلْمٌ يُقْتَدَرُ بِهِ عَلى إراءِ الصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ غالِبًا أنْ يَكُونَ لَها مادَّةٌ في الخارِجِ في الجُمْلَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عُمَرَ البَغْدادِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلى رِسالَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الغَنِيِّ النّابْلُسِيِّ في وحْدَةِ والوُجُودِ بِواسِطَةِ أسْماءَ وغَيْرِها.

وذَكَرَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ أنَّ عِلْمَ السِّيمِياءِ حاصِلُهُ إحْداثُ مَثالاتٍ خَيالِيَّةٍ لا وُجُودَ لَها في الحِسِّ ويُطْلَقُ عَلى إيجادِ تِلْكَ المَثالاتِ بِصُوَرِها في الحِسِّ وتَكُونُ صُوَرًا في جَوْهَرِ الهَواءِ وهي سَرِيعَةُ الزَّوالِ بِسَبَبِ سُرْعَةِ تَغَيُّرِ جَوْهَرِهِ، ولَفْظُ سِيمِياءَ مُعَرَّبُ شيم يه ومَعْناهُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى انْتَهى وما ذَكَرَهُ مِن سُرْعَةِ الزَّوالِ لا يُسَلَّمُ كُلِّيًّا وهو عِنْدِي بَعْضٌ مِن عِلْمِ السِّحْرِ.

وعَرَّفَهُ البَيْضاوِيُّ بِأنَّهُ عِلْمٌ يُسْتَفادُ مِنهُ حُصُولُ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ يُقْتَدَرُ بِها عَلى أفْعالٍ غَرِيبَةٍ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ ثُمَّ قالَ: والسِّحْرُ مِنهُ حَقِيقِيٌّ.

ومِنهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ويُقالُ لَهُ: الأخْذُ بِالعُيُونِ وسَحَرَةِ فِرْعَوْنَ أتَوْا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ انْتَهى، والمَشْهُورُ أنَّ هَؤُلاءِ السَّحَرَةَ جَعَلُوا في الحِبالِ والعِصِيِّ زِئْبَقًا، فَلَمّا أصابَتْها حَرارَةُ الشَّمْسِ اضْطَرَبَتْ واهْتَزَّتْ فَخُيِّلَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَمْشِي كَشَيْءٍ فِيهِ حَياةٌ.

ويُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَآها كَأنَّها حَيّاتٌ وقَدْ أخَذَتْ مَيْلًا في مَيْلٍ، وقِيلَ: حَفَرُوا الأرْضَ وجَعَلُوا فِيها نارًا ووَضَعُوا فَوْقَها تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ، فَلَمّا أصابَتْها حَرارَةُ النّارِ تَحَرَّكَتْ ومَشَتْ.

وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ كِلا القَوْلَيْنِ شَيْءٌ.

والظّاهِرُ أنَّ التَّخَيُّلَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ حَصَلَ حَقِيقَةً بِواسِطَةِ سِحْرِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهْبٍ.

وقِيلَ: لَمْ يَحْصُلْ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شاهِدٌ شَيْئًا لَوْلا عِلْمُهُ بِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ لَظَنَّ فِيها أنَّها تَسْعى فَيَكُونُ تَمْثِيلًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ( عُصْيُهم ) بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الصّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ مَعَ الرَّفْعِ وهو جَمْعٌ كَما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ ورُوحٌ وابْنُ ذَكْوانَ وغَيْرُهم ( تَخَيَّلُ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وفِيهِ ضَمِيرُ الحِبالِ والعِصِيِّ.

و ﴿ أنَّها تَسْعى ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ ولا يَضُرُّ الإبْدالُ مِنهُ في كَوْنِهِ رابِطًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ ساقِطًا مِن كُلِّ الوُجُوهِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ( تَخَيَّلُ ) بِفَتْحِ التّاءِ أيْ تَتَخَيَّلُ وفِيهِ أيْضًا ضَمِيرُ ما ذُكِرَ و(أنَّها تَسْعى) بَدَلٌ مِنهُ أيْضًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ حُبارَةَ الهُذَلِيُّ الأنْدَلُسِيُّ في كِتابِ الكامِلِ: عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قُرِئَ ( تُخَيِّلُ ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الياءِ والضَّمِيرُ فِيهِ فاعِلٌ و( أنَّها تَسْعى ) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.

ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ إلى الحَسَنِ وعِيسى الثَّقَفِيِّ ومَن بَنى ( تُخَيَّلُ ) لِلْمَفْعُولِ فالمُخَيِّلُ لَهم ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى لِلْمِحْنَةِ والِابْتِلاءِ.

ورَوى الحَسَنُ بْنُ يَمَنَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ ( نُخَيِّلُ ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الياءِ فالفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى و ﴿ أنَّها تَسْعى ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ يعني: تناظروا أمرهم بينهم- يعني: اختلفوا فيما بينهم سراً من فرعون وهم السحرة، وقالوا فيما بينهم: إن كان ما يقول موسى حقاً واجباً فيكون الغلبة لموسى، فذلك قوله عز وجل: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ، يعني: تناظروا أمرهم بينهم (١)  بهذا اللفظ إن هذين لساحران إنّ هذين ليس فيه ألف، وهكذا رأيت رفع الاثنين في جميع المصاحف بإسقاط الألف، وإذا كتبوا بالنصب والخفض كتبوها بالياء.

وحكى الكسائي، عن أبي الحارث بن كعب وخثعم وزيد وأهل تلك الناحية: الرفع مكان النصب وقال القائل: أَي قلوص راكب تراها ...

طاروا علاهن فطر علاها وقال آخر: إنَّ أبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ...

قَدْ بلغا في المجد غَايَتَاهَا وقال آخر: فَمَنْ يك أمسى بالمدينة رَحْلُه ...

فَإِنِّي وَقَيَّارٍ بِهَا لَغَرِيبُ وروى وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم قالوا: كانوا يرون أن الألف والياء في القراءة سواء إنّ هاذان لساحران وإنّ هاذين لساحرين سواء.

وفي مصحف عبد الله إنّ هاذان ساحران وفي مصحف أبي إِنْ هذان إلّا ساحران.

ثم قال الله عزّ وجلّ: وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى، يقول برجالكم الأمثل فالأمثل.

يقول: ليغلبا على الرجال من أهل العقول والشرف، وقال القتبي: يقال: هؤلاء طريقة القوم، أي: أشرافهم، ويقال: أراد سنتكم ودينكم، وقال الزجاج: معناه، يذهبا بأهل طريقتكم، كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] .

ثم قال عز وجل: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ قرأ أبو عمرو فاجمعوا بجزم الألف ونصب الميم، يعني: جيئوا بكل كيد تقدرون عليه، لا تبقوا منه شيئاً.

وقرأ الباقون: فَأَجْمِعُوا بقطع الألف وكسر الميم، ومعناه: ليكن عزمكم كلكم على الكيد مجمعاً عليه، ولا تختلفوا فتخذلوا.

وقال أبو عبيدة: بهذا نقرأ، لأن الناس عليها ولصحتها في العربية يقال: أجمعت الأمر واجتمعت عليه، وإنما يقال: جمعت الشيء المتفرق فتجمّع.

ثمّ قال: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا، يعني: جميعاً.

قال أبو عبيد: الصف المصلى، وقال الزجاج: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا يعني: الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم.

قال: ويجوز أن يكون قوله ثم ائتوا مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأمركم، وأشد لهيبتكم.

وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ يعني: قد فاز ونجا اليوم مَنِ اسْتَعْلى أي: من علا بالغلبة.

ثم جمع فرعون بينهم وبين موسى  ف قالُوا يا مُوسى، يعني: السحرة، إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ يعني: أن تطرح عصاك على الأرض، وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى إلى الأرض.

قالَ لهم موسى: بَلْ أَلْقُوا، فألقوا في الكلام مضمر.

فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ، يعني: تراءت إلى موسى مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، يعني: كأنها حيات تسير.

وروي عن الحسن أنه كان يقرأ بالتاء تُخَيَّلُ لأن جمع العصي مؤنث، وقراءة العامة بالياء يعني: سعيها.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ ...

الآية جُمْلَةَ ما دُعي إليه فرعون الإيمان، وإرْسال بني إسْرَائِيل، وأَما تعذِيبُه بني إسْرَائيل، فبذبح أَولادِهم، وتسخِيرهم وإذْلاَلهم.

وقولهما: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يحتمل أنْ يكون آخر كلام فيقوى أنْ يكون السلامُ بمعنى التَّحِيَّة كأَنَّهما رَغِبَا بها عنه، وجَرَيَا على العُرْف في التسلِيم عند الفَرَاغِ مِنَ القول.

ويحتمل أَنْ يكون في دَرْجِ القول، فيكون خبراً بأن السلامة للمهتدين، وبهذين المعنيين قالت كلّ فرقة من العلماء.

وقوله سبحانه: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قالت فرقة: المعنى أَعطى كل موجود من مخلوقاتِه خلْقته، وصورته، أي: أكمل ذلك له، وأتقنه ثُمَّ هَدى، أي: يسّر كُلَّ شيء لمنافعه وهذا أحسنُ ما قيل هنا، وأشرف معنىً وأعم في الموجودات.

وقول فرعونَ: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى يحتمل أن يريد ما بال القرون الأولى لم تبعث لها، ولم يوجدْ أمرك عندها؟

ويحتمل أن يريد فرعون قطعَ الكلام، والرجوعَ إلى/ ١٠ ب سؤال موسى عن حالة مَنْ سلف من الأمم روغاناً في الحجّة، وحَيْدَةً.

وقيل: البالُ: الحالُ، فكأنه سأله عن حالهم، وقولُ موسى [عليه السلام] : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يريد في اللّوح المحفوظ، ولا يَضِلُّ: معناه لا ينتلف ويعمه، «والأزواج» هنا: بمعنى الأنواع.

وقوله: شَتَّى نعت للأزواج، أي: مختلفة.

وقوله كُلُوا وَارْعَوْا بمعنى هي صالحةٌ للأكل والرعي، فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال، وأهزها للنفوس.

والنُّهى جمع نُهْيَةٍ، والنُّهْيَةُ: العَقْلُ النَّاهِي عن القبائح.

وقوله سبحانه: مِنْها خَلَقْناكُمْ يريد من الأَرض وَفِيها نُعِيدُكُمْ أَيْ: بالموت، والدفن.

وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ أيْ: بالبعث ليوم القيامة.

وقوله: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا إخبار لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم.

وقوله كُلَّها عائد على الآيات التي رآها فرعون، لا أنه رأى كلَّ آية للَّه عز وجل وإنما المعنى: أن اللَّه أراه آيات ما كاليد، والعصا، والطّمْسة، وغير ذلك.

وكانت رؤيتُه لهذه الآياتِ مستوعبة يرى الآياتِ كلَّها كاملةً.

ومعنى سُوىً أَيْ: عَدْلاً ونصفَه، أي:

حالنا فيه مُستَوِيَة.

وقالت فرقة: معناه مستوياً من الأرض لا وهْدَ فيه، ولا نشز، فقال موسَى:

مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وروي أَنَّ يوم الزينة كان عيداً لهم، ويوماً مشهوراً.

وقيل: هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم.

وقوله: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ عطفاً على الزِّينَةِ فهو في موضع خفض.

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي: جمع السحرةَ، وأمرهم بالاِسْتعدَادِ لموسى، فهذا هو كيدُه.

ثُمَّ أَتى فرعونُ بجمعه، فقال موسى للسحرة: وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً وهذه مُخَاطَبةُ مُحَذّر «١» ، وندبَهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه، وألّا يباهتوا بكذب فَيُسْحِتَكُمْ أيّ: فيهلككم، ويذهبكم، فلما سمع السَّحَرَةُ هذه المقالةَ، هالهم هذا المنزع، ووقع في نفوسهم من هَيْبتِه شديد الموقع.

وفَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ والتنازُعُ يقتضي اختلافا كان بينهم في السرِّ فقائلٌ منهم يقول: هو محقٌّ، وقائل يقول: هو مُبْطل، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى عليه السلام والنَّجْوى المسارة، أي: كل واحد يناجي مَنْ يليه سِرّاً مخافةً من فرعون أن يتبين له فيهم ضعف.

وقالت فرقة: إنما كان تناجِيهم بالآية التي بعد هذا.

إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ والكسائيُّ «١» : «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ» فقالت فرقةٌ: قوله: «إِن» بمعنى: نعم كما قال صلى الله عليه وسلّم إن الحمدُ للَّه، برفع الحمد.

وقالت فرقةٌ: إنّ هذه القراءةَ على لغةِ بَلْحَارِث بن كعْب، وهي إبقاء ألف التثنية في حال النَّصْبِ، والخِفْضِ، وتعزى هذه اللغة لكِنَانةَ، وتُعْزى لخثْعَم.

وقال الزجاج «٢» : في الكلام ضميرٌ تقديره: إنه هذان لساحران وقرأ أبو عَمْرو وَحْدَه: «إنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ» .

[وقرأ ابنُ كثيرٍ: «إنْ هَذَانِّ لسَاحِرَانِّ» بتخفيف إنَّ، وتشديد نون هذان لساحران] .

«٣» .

وقرأ حفصٌ عن عاصِمٍ: «إنْ» بالتخفيف «هَذَانِ» خفيفة أَيْضاً «لَسَاحِرَانِ» .

وعبّر كَثيرٌ من المفسرين عن الطريقة بالسادة أهْل العَقْل والحِجَا وحكوا/ أن ١١ أالعرب تقول: فلان طريقة قومه، أي: سيدهم، والأظهر في الطريقة هنا أَنها السِّيرة، والمملكة، والحال الّتي كانوا عليها.

والْمُثْلى تأنِيث أَمثل، أي: الفاضلة الحسنة.

وقرأَ جمهورُ «٤» القرَّاء: «فأَجْمِعوا» : بقطْع الهمزة، وكسْرِ الميم على معنى:

انفذوا «٥» ، واعزموا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ ألْقُوا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِصِيُّهُمْ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إلَيْهِ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ.

﴿ إلَيْهِ ﴾ ؛ أيْ: إلى مُوسى.

يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ.

فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ.

وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى أثَّرَ فِيهِ، وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.

وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿ لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى ﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقِ ما في يَمِينِكَ ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿ تَلْقَفْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً.

وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ.

وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) .

﴿ إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) .

وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ.

﴿ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ.

ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى ﴾ ، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ آمَنتُمْ لَهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم.

قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ : " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ  ﴾ .

﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا ﴾ لَكم، ﴿ وَأبْقى ﴾ ؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟

﴿ قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ ﴾ ؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ جاءَنا ﴾ ، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِي فَطَرَنا ﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا.

والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ ﴾ ؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ.

﴿ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿ إنَّما ﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ .

ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَنا ﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿ وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ ﴾ ؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟

فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ.

والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ.

والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ.

والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَيْرٌ ﴾ ؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿ وَأبْقى ﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى ﴾ ، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى ﴾ ﴿ قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ﴾ ﴿ فَأوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ﴾ ﴿ قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى ﴾ ﴿ وَألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ الساحِرُ حَيْثُ أتى ﴾ خَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أنْ يَبْتَدِئَ بِالإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ بَعْدَهُمْ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ألْفَ ساحِرٍ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا تِسْعَمِائَةِ ألْفٍ، ثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الفَيُّومِ، وثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الفِرْما، وثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ، وكانَ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصى قَدِ اسْتَعْمَلَ فِيها السِحْرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا ﴾ هي لِلْمُفاجَأةِ، كَما تَقُولُ: خَرَجْتُ فَإذا زَيْدٌ، وهي الَّتِي تَلِيها الأسْماءُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عِصِيُّهُمْ" بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُخَيَّلُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، فَقَوْلُهُ: "أنَّها" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى ما لَمَّ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ، والثَقَفِيُّ: "تُخَيَّلُ" بِضَمِّ التاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ الياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الحِبالِ والعِصِيِّ، فَقَوْلُهُ: "أنَّها" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَخَيَّلُ" بِفَتْحِ التاءِ والياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الجِبالِ والعِصِيِّ، فَقَوْلُهُ: "أنَّها"مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِنَ الآياتِ والقَصَصِ في كُتُبِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الحِبالَ والعِصِيَّ كانَتْ تَتَحَرَّكُ وتَنْتَقِلُ بِحِيَلِ السِحْرِ، وبِدَسِّ الأجْسامِ الثَقِيلَةِ المَيّاعَةِ فِيها، وكانَ تَحَرُّكُها يُشْبِهُ تَحَرُّكَ الَّذِي لَهُ إرادَةٌ كالحَيَوانِ، وهو السَعْيُ، فَإنَّهُ لا يُوصَفُ بِالسَعْيِ إلّا مَن يَمْشِي مِنَ الحَيَوانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها لَمْ تَكُنْ تَتَحَرَّكُ، ولَكِنَّهم سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ وكانَ الناظِرُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَنْتَقِلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللهُ أعْلَمُ أيُّ ذَلِكَ كانَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَأوجَسَ" عِبارَةً عَمّا يَعْتَرِي نَفْسَ الإنْسانِ إذا وقَعَ ظَنُّهُ في أمْرٍ عَلى شَيْءٍ يَسُوءُهُ، وظاهِرُ الأمْرِ كُلِّهِ الصَلاحُ، فَهَذا الفِعْلُ مِن أفْعالِ النَفْسِ يُسَمّى الوَجِيسُ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "أوجَسَ" بِأضْمَرَ، وهَذِهِ العِبارَةُ أعَمُّ مِن بِكَثِيرِ الوَجِيسِ.

و"خِيفَةً" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أصْلُها "خَوْفَةً" فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِلتَّناسُبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَوْفَةً" بِفَتْحِ الخاءِ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِلتَّناسُبِ.

وخَوْفُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما كانَ عَلى الناسِ أنْ يَضِلُّوا لِهَوْلِ ما رَأى.

والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ عَلى الجُمْلَةِ وبَقِيَ يَنْتَظِرُ الفَرَجَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْتَ الأعْلى ﴾ أيِ: الغالِبُ لِمَن ناوَأكَ في هَذا المَقامِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَلَقَّفْ" بِالجَزْمِ وشَدِّ القافِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "تَلَقُّفَ"، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ المُلْقى عَلى الِاتِّساعِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ المُلْقى وهي العَصا، وهَذِهِ حالٌ وإنْ كانَتْ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "تَلْقُفْ" بِسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ القافِ، وأنَّثَ الفِعْلَ وهو مُسْنَدٌ إلى ما في اليَمِينِ مِن حَيْثُ كانَتِ العَصا مُرادَةً بِذَلِكَ.

ورَوى البَزِّيُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ كانَ يُشَدِّدُ الفاءَ مِن "تَلَقَّفَ"، كَأنَّهُ أرادَ: تَتَلَقَّفُ فَأدْغَمَ، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ هَذِهِ القِراءَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشْبِهُ أنَّ قارِئَها إنَّما يَلْتَزِمُها في الوَصْلِ حَيْثُ يُسْتَغْنى عن جَلْبِ ألِفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَيَدُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْدَ" بِالنَصْبِ، وهَذا عَلى أنَّ "ما" كافَّةٌ و "كَيْدَ" مَنصُوبٌ بِـ "صَنَعُوا"، ورَفْعُ "كَيَدُ" عَلى أنَّ "ما" بِمَعْنى الَّذِي.

و "يُفْلِحُ" مَعْناهُ: يَبْقى ويَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أنَّ الساحِرَ يُقْتَلُ حَيْثُ ثُقِفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا جَزاءُ مَن عَدِمُ الفَلاحَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أيْنَ أتى"، والمَعْنى بِهِما مُتَقارِبٌ.

ورُوِيَ مِن قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ جَلَسَ في عِلْيَةٍ لَهُ طُولُها ثَمانُونَ ذِراعًا، والناسُ تَحْتَهُ في بَسِيطٍ، وجاءَ سَبْعُونَ ألْفَ ساحِرٍ فَألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ ما فِيهِ وَقَّرَ ثَلاثُمِائَةِ بَعِيرٍ، فَهالَ الأمْرُ، ثُمْ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ألْقى عَصاهُ مِن يَدِهِ فاسْتَحالَتْ ثُعْبانًا، وجَعَلَتْ تَنْمُو حَتّى رُوِيَ أنَّها عَبَرَتِ النَهْرَ بِذَنَبِها، وقِيلَ: البَحْرَ، وفِرْعَوْنُ في هَذا يَضْحَكُ ويَرى أنَّ الِاسْتِواءَ حاصِلٌ، ثُمْ أقْبَلَتْ تَأْكُلُ الحِبالَ والعِصِيَّ حَتّى أفْنَتْها، فَفَرَّتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ، فَفَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ: يا مُوسى.

فَمَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَدَهُ إلَيْها فَرَجَعَتْ عَصى كَما كانَتْ، فَنَظَرَ السَحَرَةُ وعَلِمُوا الحَقَّ ورَأوا عَدَمَ الحِبالِ والعِصِيِّ فَآمَنُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدمت هذه القصة ومعانيها في سورة الأعراف سوى أن الأوليّة هنا مصرّح بها في أحد الشقّين.

فكانت صريحة في أن التخيير يتسلط على الأولية في الإلقاء، وسوى أنه صرّح هنا بأن السحر الذي ألقوْهُ كان بتخييل أن حبالهم وعصيّهم ثعابين تسعى لأنها لا يشبهها في شكلها من أنواع الحيوان سوى الحيات والثعابين.

والمفاجأة المستفادة من (إذا) دلّت على أنهم أعدّوها للإلقاء وكانوا يخشون أن يمرّ زمان تزول به خاصياتها فلذلك أسرعوا بإلقائها.

وقرأ الجمهور ﴿ يُخيّل بتحتيّة في أول الفعل على أن فاعله المصدر من قوله أنَّها تسعى ﴾ .

وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، ورَوحٌ عن يعقوب «تُخيّل» بفوقية في أوله على أنّ الفعل رافع لضمير ﴿ حِبَالُهُم وعِصِيُّهُم ﴾ ، أي هي تخيل إليه.

و ﴿ أنَّها تسعى ﴾ بدل من الضمير المستتر بدل اشتمال.

وهذا التخييل الذي وجده موسى من سحر السحرة هو أثر عقاقير يُشرِبونها تلك الحبالَ والعصيّ، وتكون الحبال من صنف خاص، والعصيّ من أعواد خاصة فيها فاعلية لتلك العقاقير، فإذا لاقت شعاع الشمس اضطربت تلك العقاقير فتحركت الحبال والعصيّ.

قيل: وضعوا فيها طِلاءَ الزئبق.

وليس التخييل لموسى من تأثير السحر في نفسه لأنّ نفس الرسول لا تتأثر بالأوهام، ويجوز أن تتأثر بالمؤثرات التي يتأثر منها الجسد كالمرض، ولذلك وجب تأويل ظاهر حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في سحر النبي صلى الله عليه وسلم وأخبار الآحاد لا تنقض القواطع.

وليس هذا محلّ ذكره وقد حققته في كتابي المسمّى «النظر الفسيح» على صحيح البخاري.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله ﴿ مِن سِحْرِهِم ﴾ للسببيّة كما في قوله تعالى: ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا ﴾ [نوح: 25].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ بَلْ ألْقُوا ﴾ الآيَةِ.

في أمْرِ مُوسى لِلسَّحَرَةِ بِالإلْقاءِ - وإنْ كانَ ذَلِكَ كُفْرًا لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ بِهِ - وجْهانِ: أحَدُهُما: إنَّ اللَّفْظَ عَلى صِفَةِ الأمْرِ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ إلْقاؤُكم عِنْدَكم حُجَّةً فَألْقُوا.

الثّانِي: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ عَلى وجْهِ الِاعْتِبارِ لِيُظْهِرَ لَهم صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ ووُضُوحَ مَحَبَّتِهِ، وأنَّ ما أبْطَلَ السِّحْرَ لَمْ يَكُنْ سِحْرًا.

واخْتَلَفُوا في عَدَدِ السَّحَرَةِ فَحُكِيَ عَنِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ألْفَ ساحِرٍ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم كانُوا تِسْعَمِائَةِ ساحِرٍ، ثَلاثَمِائَةٍ مِنَ العَرِيشِ، وثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الفَيُّومِ، ويَشُكُّونَ في الثَّلاثِمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ، وحَكى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا، مِنهُمُ اثْنانِ مِنَ القِبْطِ وسَبْعُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانُوا في أوَّلِ النَّهارِ سَحَرَةً وفي آخِرِهِ شُهَداءَ.

﴿ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُخَيَّلُ ذَلِكَ لِفِرْعَوْنَ.

الثّانِي: لِمُوسى كَذَلِكَ.

﴿ فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ﴾ وفي خَوْفٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهم فَيَتَوَهَّمُوا أنَّهم فَعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِ وأنَّهُ مِن جِنْسِهِ.

الثّانِي: لِما هو مَرْكُوزٌ في الطِّباعِ مِنَ الحَذَرِ.

وَأوْجَسَ: بِمَعْنى أسَرَّ.

﴿ قُلْنا لا تَخَفْ ﴾ الآيَةِ.

تَثْبِيتًا لِنَفْسِهِ، وإزالَةً لِخَوْفِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا ﴾ أيْ تَأْخُذُهُ بِفِيها ابْتِلاعًا بِسُرْعَةٍ، فَقِيلَ إنَّها ابْتَلَعَتْ حَمْلَ ثَلاثِمِائَةِ بَعِيرٍ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، ثُمَّ أخَذَها مُوسى ورَجَعَتْ عَصًا كَما كانَتْ.

وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مِن عَوْسَجٍ، قالَهُ وهْبٌ.

الثّانِي: مِنَ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ: وبِها قَتَلَ مُوسى عُوجَ بْنَ عَناقٍ.

﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا ﴾ طاعَةً لِلَّهِ وتَصْدِيقًا لِمُوسى.

﴿ قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى ﴾ أيْ بِالرَّبِّ الَّذِي دَعا إلَيْهِ هارُونُ ومُوسى، لِأنَّهُ رَبٌّ لَنا ولِجَمِيعِ الخَلْقِ، فَقِيلَ إنَّهم ما رَفَعُوا رُءُوسَهم حَتّى رَأوُا الجَنَّةَ وثَوابَ أهْلِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ قالوا: أولو العقل والشرف والأسنان.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ووكيع في الغرور، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ قال باشرافكم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ قال: يذهبا بالذي أنتم عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ قال: من غلب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تلقف ما صنعوا ﴾ قال: ألقاها موسى فتحوّلت حية تأكل حبالهم وما صنعوا.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أخذتم الساحر فاقتلوه» ثم قرأ ﴿ ولا يفلح الساحر حيث أتى ﴾ قال: لا يأمن حيث وجد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال موسى: ﴿ بَلْ أَلْقُوا ﴾ أمرهم بالإلقاء أولًا، لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم بم معهم، ثم يلقي هو عصاه فتبتلع كل ذلك على ما ذكر (١) وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ﴾ في الكلام محذوف تقديره: فألقوا فإذا حبالهم.

[قال أبو إسحاق: (وترك هاهنا؛ لأنه قد جاء في موضع آخر: ﴿ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ  ﴾ (٢) (٣) قال ابن عباس في رواية عطاء: (كان عدد السحرة سبعين ألف رجل، ومع كل رجل عصا وحبل غليظ مثل حبال السفن) (٤) وقال عكرمة، وابن جريج: (كانوا تسع مائة) (٥) وقال محمد بن إسحاق: (كانوا خمسة عشر ألفًا) (٦) وقوله تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾ يقال خُيل على الرجل تخييلا: إذا أدخل عليه التهمة والشبهة، وأصل هذا الحرف: من الشَبَه والاشتباه الذي ينافي الحق والحقيقة، ومنه الخَيَال الذي يشبه الشيء وليس منه كخَيال الإنسان في المرآة، وخَياله في النوم، وأَخَال الشيء إذا اشتبه وأشكل فهو مخيل (٧) (٨) والصَّدْقُ أَبْلَجُ لا يُخَيلُ سَبِيلُهُ ...

والصَّدقُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الأَلبَابِ ومعنى هذه الآية كمعنى قوله: ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ  ﴾ وذكر الكلام فيه.

وموضع (أن) من قوله: ﴿ أَنَّها تَسْعَى ﴾ رفع على معنى يخيل إليه سعيها (٩) قال الكلبي: (خُيل إلى موسى أن الأرض حيات كلها، وأنها تسعي على بطنها) (١٠) (١١) (١) ويشهد لذلك قوله سبحانه: ﴿ فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ  ﴾ .

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.

(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 184، "النكت والعيون" 3/ 413، "المحرر الوجيز" 10/ 52، "الكشاف" 2/ 543.

(٥) "جامع البيان" 16/ 185، "النكت والعيون" 3/ 413، "التفسير الكبير" 22/ 83.

(٦) "جامع البيان" 16/ 185، وذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 52 بدون نسبة.

وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 225 بعد ذكر هذه الأقوال: ولا يخفى حال الأخبار في ذلك، والقلب لا يميل إلى المبالغة والله تعالى أعلم.

وقال الشنقطي في "أضواء البيان" 4/ 438 بعد ذكر هذه الأقوال: وهذه الأقوال من الإسرائيليات.

(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (خال) 1/ 966، "القاموس المحيط" (خال) ص 996، "الصحاح" (خيل) 4/ 1692، "لسان العرب" (خيل) 3/ 1304.

(٨) لم أهتد إلى قائله.

وذكر في كتب اللغة بلا نسبة.

انظر: "تهذيب اللغة" (خال) 1/ 968، "لسان العرب" (خيل) 3/ 1304.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 186، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 366، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 348.

(١٠) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 222.

اختلف العلماء هل للسحر حقيقة أم لا؟

فقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 437: والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين: أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا مطلق تخيل لا حقيقة له، ومنه ما هو تخيل لا حقيقة له.

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 2/ 44، "التفسير الكبير" 3/ 213، "أحكام السحر والسحرة" للرازي ص 110، "السحر" للدكتور مسفر الدميني ص 25، "السحر بين الحقيقة والخيال" للدكتور أحمد الحمد ص 37.

(١١) وردت قصة موسى  مع فرعون في سورة الأعراف (103 - 162).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى ﴾ استدل بعضهم بهذه الآية على أن السحر تخييل لا حقيقة، وقال بعضهم: إن حيلة السحرة في سعي الحبال والعصيّ هو أنهم حشوها بالزئبق، وأوقدوا تحتها ناراً وغطوا النار لئلا يراها الناس، ثم وضعوا عليها حبالهم وعصيهم، وقيل: جعلوها للشمس، فلما أحسّ الزئبق بحر النار أو الشمس سال، وهو في حشو الحبال والعصيّ فحملها، فتخيل للناس أنها تمشي، فألقى موسى عصاه فصارت ثعباناً فابتلعتها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.

﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.

الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.

الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون مشددة.

﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.

الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.

والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.

وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.

﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.

الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.

الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.

﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.

﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.

التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله  قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.

قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.

فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.

وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم  ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.

ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.

"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.

قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.

وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.

واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.

وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.

قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.

يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.

أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.

قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.

والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟

فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.

قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.

قال القاضي.

هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.

ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.

يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال  ﴿ وحرمنا عليه المراضع  ﴾ جاءت أخت موسى  واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه  ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك  ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.

وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له  ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال  ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.

عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.

ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.

قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله  وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.

قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.

والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.

وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.

وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.

وقال غيره من المعتزلة: إنه  إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.

ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.

أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.

﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم  ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.

وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.

وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.

والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.

وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.

وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.

وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.

ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟

والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.

ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ والقاتل واحد منهم.

ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: ألهم بذلك.

وقيل: سمع بخبره فتلقاه.

سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟

جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.

وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.

وكيف ذلك القول اللين؟

الأصح انه نحو قوله  ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى  ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.

وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.

فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.

وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.

بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.

ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.

قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.

وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.

قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.

ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.

وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟

وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.

قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.

وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.

ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.

قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.

وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.

ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.

وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.

وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟

وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.

قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.

والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.

قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.

وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا  كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.

وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى  بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.

فأراد أن يعجز عن الجواب.

قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!

وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.

وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض  ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا  ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون  ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.

وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين  ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.

وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين  ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.

وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله  غير حاصل للبشر.

وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.

فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.

ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.

وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما  ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً  ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.

ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.

من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى  ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.

وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.

ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.

واعلم أن عجائب حكمة الله  في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.

ثم إنه  جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.

وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.

وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.

والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.

ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.

قال أهل النظم: إن موسى  لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟

أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟

فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.

أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.

ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله  بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.

وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه  عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.

والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.

وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.

وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.

وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.

والتحقيق ما قاله القفال.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.

قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.

وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.

وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.

ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.

و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.

ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم  ﴾ ومن نعم الله  أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.

وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.

﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.

أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.

﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.

﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.

وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.

وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.

وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه  ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.

والحاصل أنه  عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.

وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.

ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.

ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله  : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.

ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.

قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.

ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.

سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه  ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.

الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.

قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.

وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.

ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.

وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.

وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.

ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.

وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.

ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.

وهو معنى قول مجاهد.

فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.

وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.

وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.

وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.

ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.

ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.

وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.

عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.

وقيل: أربعمائة.

وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله  أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.

حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم  ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.

وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.

﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.

وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.

وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.

وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.

والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.

قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.

وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.

وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.

وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.

وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.

وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.

والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.

من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم  ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.

وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.

ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.

﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.

واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.

﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

قال وهب: سحروا أعين موسى  حتى تخيل ذلك.

وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.

وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله  خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.

﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".

ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.

ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍.

وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.

وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.

ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.

قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.

قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.

قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله  ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.

وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.

والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.

والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله  ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.

ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.

وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.

وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.

وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.

قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.

أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر  ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين  ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  ﴾ إلى آخر السورة.

فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟

سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.

سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.

قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.

ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.

قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.

وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.

وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ ﴾ ، إنما ألقوا بأمر من الله وإذن منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ﴾ إلى موسى ﴿ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴾ أي: وقع في قلبه الخوف، وخاف إذ صنع القوم ما صنعوا من السّحر، ثمّ يحتمل ذلك الخوف منه وجهين: أحدهما: خاف على ما طبع البشر عليه من خوف الطبع، لا خوف غلبة؛ لأنه قال لهم: ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ  ﴾ كان يعلم - صلوات الله عليه - أن تمويهات السحر لا تبطل حجج الله وآياته، فدل ذلك أنه خاف خوف الطبع والجِبِلَّة، لا خوف القهر والغلبة.

أو أن يكون خوفه لما أخذ سحر أولئك أعين الناس؛ خاف موسى أن يمنعهم ذلك عن أن يبصروا ما جاء هو من الآية والبرهان.

وقال بعضهم: خاف أن يشكوا فيه فلا يتابعوه، ويشك فيه من تابعه، وهو ما ذكرنا قريباً منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ أي: الغالب، فإن كان الخوف الذي ذكر خوف طبع وما جبل عليه المرء، فيكون قوله: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ على تسكين القلب وتثبيته، وإن كان الثاني فهو على البشارة له، والإخبار على ألا يمنع سحر أولئك عن أن يبصروا ما تأتي به أنت من الآية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ ﴾ هذا يدل أن سحر أولئك إنما صار بعدما ألقوا ما في أيديهم، لم يكن سحراً وقت كونه في أيديهم، وكذلك عصا موسى إنما صارت آية وحجة بعدما ألقاها من يده لم تكن وقت كونها في يده، وكذلك حيث قال: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ ﴾ ، أي: تلقم وتأكل ما صنعوا ﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ﴾ أي: لا يفلح الساحر حيث أتى بسحره، وإلا قد أفلح سحرة فرعون، وفي حرف ابن مسعود: (أين أتى).

وقال بعضهم: حيث كان.

وحيث وحوث لغتان، وهو قول الكسائي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ ﴾ ؛ لأنهم عرفوا حقيقة ما أتى به موسى، فعلموا أنه سماوي وأنه آية ليس بسحر، فآمنوا إيمانا لم يرتابوا فيه قط، وهذا يدل أن كل ذي بصر وعلم في شيء يكون أبصر وأعلم في ذلك الشيء من غيره؛ حيث لم ينظروا لما رأوا ما أتى به موسى وعاينوا وقتاً ينظروا فيه، بل لسرعة معرفتهم، لم يملكوا أنفسهم، بل ألقوا على وجوههم على ما أخبر؛ حيث قال: ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ  ﴾ و ﴿ سُجَّداً ﴾ .

وقال القتبي: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴾ : أي: أضمر خوفاً.

وقال غيره: وقع في قلبه حيث أنَّى كان.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: يظن، يقول: يخيل إلي، أي: يريني فهمي وعلمي أن هذا الشيء كذا وكذا، ﴿ فَأَوْجَسَ ﴾ أي: أحس.

﴿ تَلْقَفْ ﴾ وتلقم: واحدٌ.

وقوله  : ﴿ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ﴾ .

قال بعضهم: يعني: موسى.

وقال بعضهم: كبير السحرة الذي علم غيره السحر.

وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 123]، قد علم اللعين أن ذلك ليس بسحر ولا مكر مكروا به، لكنه أراد أن يموّه على قومه ويلبس عليهم أمر موسى وما جاء [به] من الآيات والحجج؛ لأنه هو الذي رباه ونشأ بين ظهرانيه وأهله، فعلم أنه لم يتعلم السحر من أحد، [و] لما فارقه وخرج من عندهم إلى مدين لم يكن هناك من يتعلم منه السحر، لكنه أراد التمويه والتلبيس على قومه، وكذلك أهل مكة حيث نسبوا رسول الله إلى السحر والكهانة والافتراء والجنون وغيره، علموا أنه ليس بساحر ولا كاهن ولا مجنون ولا مفتر؛ لأنه نشأ بين أظهرهم صغيراً لم يؤخذ عليه كذب قط على أحد من الخلائق، فكيف على الله  ؟

ولا رأوه اختلف إلى أحد من السحرة والكهنة في تعلم ذلك، لكنهم أرادوا بذلك التمويه والتلبيس على الناس؛ لئلا يتبعوه ولا يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من دين الله وتوحيده.

ثم الرسل - صلوات الله عليهم - لو لم يكن معهم الآيات المعجزة ولا الحجج النيرة، كانت أنفسهم وما طبعوا عليه من السيرة الحسنة والأخلاق الكريمة الجميلة وما اختاروا من الأمور العظيمة الرفيعة - دالة على رسالتهم ونبوتهم، فكيف وقد جاءوا بالآيات المعجزة والبراهين المنيرة؟

وما بطبع السحرة من السيرة المذمومة والأخلاق الدنيئة والأمور الخسيسة، يدل على كذبهم وافتعالهم، فكيف أشكل عليهم معرفة السحر من الرسالة والتمويه من الحجة، لكنهم أرادوا بذلك ما ذكرنا من التمويه على قومهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا الوعيد منه في وقتين: أوعدهم أولا بقطع اليد والرجل من خلاف على الإبقاء؛ رجاء أن ينتهوا عما اختاروا، فإذا لم ينتهوا عنه، فعند ذلك أوعدهم بالقتل والصلب؛ إذ في القتل والصلب إتلاف ما دونه من الجوارح، فإن كان على هذا ففيه أن كل حد يراد به الإبقاء، فإنه لا يؤتى على الجوارح كلها، والقطع في السرقة قد يراد به الإبقاء؛ لذلك لا يؤتى على الجوارح كلها، وكذلك [حد] قطاع الطريق؛ إذ يراد به الإبقاء لم يزد على قطع اليد والرجل من خلاف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ ﴾ .

لو ذاق اللعين شيئاً من عذاب ربه لم يقل مثل هذه المقالة، ولولا ما عرف من حلم ربه، وإلا لم يتجاسر أن يتكلم بمثل هذا ويوعدهم أن عذابه أشدّ من عذاب الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

أي: لن نؤثرك بالربوبية والعبادة لك والطاعة على ما جاءنا من البينات على ربوبية الله وألوهيته وعبادته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا ﴾ .

قال بعضهم: لو نؤثرك على الذي خلقنا، لكن غيره كأنه أشبه، وهو أن قوله: ﴿ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا ﴾ على القسم، أي: بالذي فطرنا، كأنهم أيأسوه عن العود إلى عبادته وخدمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ ليس على الأمر لكن على عناد لك، أي: إنك وإن فعلت بنا ما أوعدت فإنا لا نؤثرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ ﴾ أي: إنما تقضي في هذه الحياة الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرٌ ﴾ معبود وثوابه أبقى من ثواب غيره.

أو أن يكون هذا جواب قوله: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ ﴾ فيقول: عذاب الله أبقى، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: جذوع النخل: ساق النخل وأصله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال موسى  : بل اطرحوا أنتم ما لديكم أوّلًا، فطرحوا ما عندهم، فإذا حبالهم وعصيهم التي طرحوها يُخَيّل إلى موسى من سحرهم أنها ثعابين تتحرك بسرعة.

<div class="verse-tafsir" id="91.7dnoy"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده