الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ١ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
تفسير سورة المؤمنون مكية .
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرني يونس بن سليم قال : أملى علي يونس بن يزيد الأيلي ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ، يسمع عند وجهه كدوي النحل فمكثنا ساعة ، فاستقبل القبلة ورفع يديه ، فقال : " اللهم ، زدنا ولا تنقصنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وآثرنا ولا تؤثر [ علينا ، وارض عنا ] وأرضنا " ، ثم قال : " لقد أنزلت علي عشر آيات ، من أقامهن دخل الجنة " ، ثم قرأ : ( قد أفلح المؤمنون ) حتى ختم العشر .
وكذا روى الترمذي في تفسيره ، والنسائي في الصلاة ، من حديث عبد الرزاق ، به .
وقال الترمذي : منكر ، لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم ، ويونس لا نعرفه .
وقال النسائي في تفسيره : أنبأنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جعفر ، عن أبي عمران عن يزيد بن بابنوس قال : قلنا لعائشة : يا أم المؤمنين ، كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت : كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، فقرأت : ( قد أفلح المؤمنون ) حتى انتهت إلى : ( والذين هم على صلواتهم يحافظون ) ، قالت : هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد روي عن كعب الأحبار ، ومجاهد ، وأبي العالية ، وغيرهم : لما خلق الله جنة عدن ، وغرسها بيده ، نظر إليها وقال لها .
تكلمي .
فقالت : ( قد أفلح المؤمنون ) ، قال كعب الأحبار : لما أعد لهم فيها من الكرامة .
وقال أبو العالية : فأنزل الله ذلك في كتابه .
وقد روي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا ، فقال أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا المغيرة بن سلمة ، حدثنا وهيب ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : خلق الله الجنة ، لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وغرسها ، وقال لها : تكلمي .
فقالت : ( قد أفلح المؤمنون ) ، فدخلتها الملائكة فقالت : طوبى لك ، منزل الملوك!
.
ثم قال : وحدثنا بشر بن آدم ، وحدثنا يونس بن عبيد الله العمري ، حدثنا عدي بن الفضل ، حدثنا الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خلق الله الجنة ، لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وملاطها المسك " .
قال أبو بكر : ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث : " حائط الجنة ، لبنة ذهب ولبنة فضة ، وملاطها المسك .
فقال لها : تكلمي .
فقالت : ( قد أفلح المؤمنون ) فقالت الملائكة : طوبى لك ، منزل الملوك !
" .
ثم قال البزار : لا نعلم أحدا رفعه إلا عدي بن الفضل ، وليس هو بالحافظ ، وهو شيخ متقدم الموت .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن علي ، حدثنا هشام بن خالد ، حدثنا بقية ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله جنة عدن ، خلق فيها ما لا عين رأت ، [ ولا أذن سمعت ] ، ولا خطر على قلب بشر .
ثم قال لها : تكلمي .
فقالت : ( قد أفلح المؤمنون ) .
بقية : عن الحجازيين ضعيف .
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا منجاب بن الحارث ، حدثنا حماد بن عيسى العبسي ، عن إسماعيل السدي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس يرفعه : " لما خلق الله جنة عدن بيده ، ودلى فيها ثمارها ، وشق فيها أنهارها ، ثم نظر إليها فقال : ( قد أفلح المؤمنون ) .
قال : وعزتي لا يجاورني فيك بخيل " .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا محمد بن المثنىالبزار ، حدثنا محمد بن زياد الكلبي ، حدثنا يعيش بن حسين ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خلق الله جنة عدن بيده ، لبنة من درة بيضاء ، ولبنة من ياقوتة حمراء ، ولبنة من زبرجدة خضراء ، ملاطها المسك ، وحصباؤها اللؤلؤ ، وحشيشها الزعفران ، ثم قال لها : انطقي .
قالت : ( قد أفلح المؤمنون ) فقال الله : وعزتي ، وجلالي لا يجاورني فيك بخيل " .
ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) [ الحشر : 9 ] فقوله تعالى : ( قد أفلح المؤمنون ) أي : قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح ، وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف .
قال أبو جعفر: يعني جلّ ثناؤه بقوله: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) قد أدرك الذين صدّقوا الله ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمى في هذه الآيات، الخلود في جنَّات ربهم وفازوا بطلبتهم لديه.
كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) ثم قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي!
فقالت: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) لما علمت فيها من الكرامة.
حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد، قال: لما غرس الله تبارك وتعالى الجنة، نظر إليها فقال: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ).
قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: لما خلق الله الجنة قال: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) فأنـزل به قرآنا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جبير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: " لم يخلق الله شيئا بيده غير أربعة أشياء: خلق آدم بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرس عدنًا بيده، ثم قال: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ )".
وقوله: ( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) يقول تعالى ذكره: الذين هم في صَلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعهم فيها تذللهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها.
وقيل إنها نـزلت من أجل أن القوم كانوا يرفعون أبصارهم فيها إلى السماء قبل نـزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.
*ذكر الرواية بذلك:
قوله تعالى : قد أفلح المؤمنون روى البيهقي من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت : قد أفلح المؤمنون .
وروى النسائي ، عن عبد الله بن السائب قال : حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة ، فخلع نعليه ، فوضعهما عن يساره ، فافتتح سورة المؤمنين ، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع .
خرجه مسلم بمعناه .
وفي الترمذي ، عن [ ص: 96 ] عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل ؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : اللهم زدنا ولا تنقصنا وأرضنا وارض عنا - ثم قال : أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون حتى ختم عشر آيات ؛ صححه ابن العربي .
وقال النحاس : معنى من أقامهن من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن ؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله .
ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن .
وقرأ طلحة بن مصرف قد أفلح المؤمنون بضم الألف على الفعل المجهول ؛ أي أبقوا في الثواب والخير .
وقد مضى في أول ( البقرة ) معنى الفلاح لغة ومعنى ، والحمد لله وحده .
هذا تنويه من الله، بذكر عباده المؤمنين، وذكر فلاحهم وسعادتهم، وبأي: شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك، الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب فيها.
فليزن العبد نفسه وغيره على هذه الآيات، يعرف بذلك ما معه وما مع غيره من الإيمان، زيادة ونقصا، كثرة وقلة، فقوله { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } أي: قد فازوا وسعدوا ونجحوا، وأدركوا كل ما يرام المؤمنون الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين
مكية أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري ، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي ، أخبرنا محمد بن حماد ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا يونس بن سليمان ، أملى علي يونس صاحب أيلة ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : كان إذا نزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل ، فمكثنا ساعة - وفي رواية : فنزل علينا يوما فمكثنا ساعة - فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال : " اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وارض عنا ، ثم قال : لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة " ، ثم قرأ ( قد أفلح المؤمنون ) إلى عشر آيات .
ورواه أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، وجماعة عن عبد الرزاق ، وقالوا : " وأعطنا ولا تحرمنا وأرضنا وارض عنا " .
قوله تعالى : ( قد أفلح المؤمنون ) " قد " حرف تأكيد ، وقال المحققون : " قد " تقرب الماضي من الحال ، يدل على أن الفلاح قد حصل لهم ، وأنهم عليه في الحال ، وهو أبلغ من تجريد ذكر الفعل ، " والفلاح " النجاة والبقاء ، قال ابن عباس : قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة .
«قد» للتحقيق «أفلح» فاز «المؤمنون».
قد فاز المصدِّقون بالله وبرسوله العاملون بشرعه.
أخرج الإمام أحمد والترمذى والنسائى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال : كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى ، نسمع عند وجهه كدوى النحل ، فأنزل عليه يوماً ، فمكثنا ساعة فسرى عنه ، فاستقبل القبلة ، فرفع يديه فقال : " اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وارض عنا وأرضنا " .ثم قال : لقد أنزلت على عشر آيات ، من أقامهن دخل الجنة ، ثم قرأ : ( قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ) إلى قوله : ( هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .وأخرج النسائى عن يزيد بن بابنوس قال : قلنا لعائشة : يا أم المؤمنين ، كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقالت : كان خلقه القرآن ، ثم قرأت : ( قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ) حتى انتهت إلى قوله - تعالى - : ( والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) وقالت : هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم .والفلاح : الظفر بالمراد ، وإدراك المأمول من الخير والبر مع البقاء فيه .
اعلم أنه سبحانه حكم بحصول الفلاح لمن كان مستجمعاً لصفات سبع، وقبل الخوض في شرح تلك الصفات لابد من بحثين: البحث الأول: أن ﴿ قَدْ ﴾ نقيضة لما فقد تثبت المتوقع ولما تنفيه ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه.
البحث الثاني: الفلاح الظفر بالراد وقيل البقاء في الخير، وأفلح دخل في الفلاح كأبشر دخل في البشارة، ويقال أفلحه صيره إلى الفلاح، وعليه قراءة طلحة بن مصرف أفلح على البناء للمفعول، وعنه أفلحوا على لغة أكلوني البراغيث أو على الإبهام والتفسير.
الصفة الأولى: قوله: ﴿ المؤمنون ﴾ وقد تقدم القول في الإيمان في سورة البقرة.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خاشعون ﴾ واختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات، ومنهم من جمع بين الأمرين وهو الأولى.
فالخاشع في صلاته لابد وأن يحصل له مما يتعلق بالقلب من الأفعال نهاية الخضوع والتذلل للمعبود، ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم، ومما يتعلق بالجوارح أن يكون ساكناً مطرقاً ناظراً إلى موضع سجوده، ومن التروك أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولكن الخشوع الذي يرى على الإنسان ليس إلا ما يتعلق بالجوارح فإن ما يتعلق بالقلب لا يرى، قال: الحسن وابن سيرين كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاه، فإن قيل فهل تقولون إن ذلك واجب في الصلاة؟
قلنا إنه عندنا واجب ويدل عليه أمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله تعالى: ﴿ وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً ﴾ معناه قف على عجائبه ومعانيه.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة لذكريا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين ﴾ وظاهر النهي للتحريم.
ورابعها: قوله: ﴿ حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق المهتم بالدنيا.
وخامسها: قوله عليه السلام: «إنما الخشوع لمن تمسكن وتواضع».
وكلمة إنما للحصر، وقوله عليه السلام: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً» وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء، وقال عليه السلام: «كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب» وما أراد به إلا الغافل، وقال أيضاً: ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل.
وسادسها: قال الغزالي رحمه الله: المصلي يناجي ربه كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة ألبتة، وبيانه أن الإنسان إذا أدى الزكاة حال الغفلة فقد حصل المقصود منها على بعض الوجوه، وهو كسر الحرص وإغناء الفقير، وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى التي هي عدوة الله تعالى.
فلا يبعد أن يحصل منه مقصوده مع الغفلة، وكذا الحج أفعال شاقة، وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء سواء كان القلب حاضراً أو لم يكن.
أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود، أما الذكر فإنه مناجاة مع الله تعالى.
فإما أن يكون المقصود منه كونه مناجاة، أو المقصود مجرد الحروف والأصوات، ولا شك في فساد هذا القسم فإن تحريك اللسان بالهذيان ليس فيه غرض صحيح.
فثبت أن المقصود منه المناجاة وذلك لا يتحقق إلا إذا كان اللسان معبراً عما في القلب من التضرعات فأي سؤال في قوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ وكان القلب غافلاً عنه؟
بل أقول لو حلف إنسان، وقال: والله لأشكرن فلاناً وأثني عليه وأسأله حاجة.
ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في اليوم لم يبر في يمينه ولو جرى على لسانه في ظلمة الليل وذلك الإنسان حاضر وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير باراً في يمينه، ولا يكون كلامه خطاباً معه ما لم يكن حاضراً بقلبه، ولو جرت هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر في بياض النهار إلا أن المتكلم غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد توجيه الخطاب عليه عند نطقه لم يصر باراً في يمينه، ولا شك أن المقصود من القراءة الأذكار والحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله تعالى، فإذا كان القلب محجوباً بحجاب الغفلة وكان غافلاً عن جلال الله وكبريائه، ثم إن لسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد ذلك عن القبول.
وأما الركوع والسجود فالمقصود منهما التعظيم، ولو جاز أن يكون تعظيماً لله تعالى مع أنه غافل عنه، لجاز أن يكون تعظيماً للصنم الموضوع بين يديه وهو غافل عنه، ولأنه إذا لم يحصل التعظيم لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس، وليس فيها من المشقة ما يصير لأجله عماداً للدين، وفاصلاً بين الكفر والإيمان، ويقدم على الحج والزكاة والجهاد وسائر الطاعات الشاقة، ويجب القتل بسببه على الخصوص، وبالجملة فكل عاقل يقطع بأن مشاهدة الخواص العظيمة ليس أعمالها الظاهرة إلا أن ينضاف إليها مقصود هذه المناجاة، فدلت هذه الاعتبارات على أن الصلاة لابد فيها من الحضور.
وسابعها: أن الفقهاء اختلفوا فيما ينويه بالسلام عند الجماعة والانفراد، هل ينوي الحضور أو الغيبة والحضور معاً.
فإذا احتيج إلى التدبر في معنى السلام الذي هو آخر الصلاة فلأن يحتاج إلى التدبر في معنى التكبير والتسبيح التي هي الأشياء المقصودة من الصلاة بالطريق الأولى، واحتج المخالف بأن اشتراط الخضوع والخشوع على خلاف اجتماع الفقهاء فلا يلتفت إليه والجواب: من وجوه: أحدها: أن الحضور عندنا ليس شرطاً للإجزاء، بل شرط للقبول، والمراد من الإجزاء أن لا يجب القضاء، والمراد من القبول حكم الثواب.
والفقهاء إنما يبحثون عن حكم الإجزاء لا عن حكم الثواب، وغرضنا في هذا المقام هذا، ومثاله في الشاهد من استعار منك ثوباً ثم رده على الوجه الأحسن، فقد خرج عن العهدة واستحق المدح، ومن رماه إليك على وجه الاستخفاف خرج عن العهدة، ولكنه استحق الذم، كذا من عظم الله تعالى حال أدائه العبادة صار مقيماً للفرض مستحقاً للثواب، ومن استهان بها صار مقيماً للفرض ظاهراً لكنه استحق الذم.
وثانيها: أنا نمنع هذا الإجماع، أما المتكلمون فقد اتفقوا على أنه لابد من الحضور والخشوع، واحتجوا عليه بأن السجود لله تعالى طاعة وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلابد من أمر لأجله صار السجود في إحدى الصورتين طاعة، وفي الأخرى معصية، قالوا وما ذاك إلا القصد والإرادة، والمراد من القصد إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور، فلهذا اتفقوا على أنه لابد من الحضور، أما الفقهاء فقد ذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله في تنبيه الغافلين: أن تمام القراءة أن يقرأ بغير لحن وأن يقرأ بالتفكر.
وأما الغزالي رحمه الله فإنه نقل عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي أنه قال: من لم يخشع فسدت صلاته.
وعن الحسن رحمه الله: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع.
وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له.
وروي أيضاً مسنداً قال عليه السلام: «إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها».
وقال عبد الواحد بن زيد: أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل، وادعى فيه الإجماع إذا ثبت هذا فنقول هب أن الفقهاء بأسرهم حكموا بالجواز، أليس الأصوليون وأهل الورع ضيقوا الأمر فيها، فهلا أخذت بالاحتياط فإن بعض العلماء اختار الإمامة، فقيل له في ذلك فقال: أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي، وإن قرأتها مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الاختلاف، والله أعلم.
الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ ﴾ وفي اللغو أقوال: أحدها: أنه يدخل فيه كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو كان مباحاً، ولكن لا يكون بالمرء إليه ضرورة وحاجة.
وثانيها: أنه عبارة عن كل ما كان حراماً فقط، وهذا التفسير أخص من الأول.
وثالثها: أنه عبارة عن المعصية في القول والكلام خاصة، وهذا أخص من الثاني.
ورابعها: أنه المباح الذي لا حاجة إليه، واحتج هذا القائل بقوله تعالى: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم ﴾ فكيف يحمل ذلك على المعاصي التي لابد فيها من المؤاخذة، واحتج الأولون بأن اللغو إنما سمي لغواً بما أنه يلغي وكل ما يقتضي الدين إلغاءه كان أولى باسم اللغو، فوجب أن يكون كل حرام لغواً، ثم اللغو قد يكون كفراً لقوله: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ ﴾ وقد يكون كذباً لقوله: ﴿ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ ثم إنه سبحانه وتعالى مدحهم بأنهم يعرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه، هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه، وعلى هذا الوجه قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً ﴾ واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس الذين هما قاعدتا بناء التكليف وهو أعلم.
الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ والذين هُمْ للزكواة فاعلون ﴾ وفي الزكاة قولان: أحدهما: قول أبي مسلم: أن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي، كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ومن جملته ما يخرج من حق المال، وإنما سمى بذلك لأنها تطهر من الذنوب لقوله تعالى: ﴿ تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ﴾ .
والثاني: وهو قول الأكثرين أنه الحق الواجب في الأموال خاصة وهذا هو الأقرب.
لأن هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى، فإن قيل إنه لا يقال في الكلام الفصيح إنه فعل الزكاة، قلنا قال صاحب الكشاف: الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير، والمعنى فعل المزكى الذي هو التزكية وهو الذي أراده الله تعالى فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل.
ويقال لمحدثه فاعل، يقال للضارب فاعل الضرب، وللقاتل فاعل القتل، وللمزكى فاعل الزكاة، وعلى هذا الكلام كله يجوز أن يراد بالزكاة العين، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء فإن قيل إن الله تعالى هناك لم يفصل بين الصلاة والزكاة، فلم فصل هاهنا بينهما بقوله: ﴿ والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ ﴾ ؟
قلنا لأن الإعراض عن اللغو من متممات الصلاة.
الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون * إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: لم لم يقل إلا عن أزواجهم الجواب: قال الفراء معناه إلا من أزواجهم وذكر صاحب الكشاف فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه في موضع الحال أي إلا والين على أزواجهم أو قوامين عليهن من قولك كان فلان على فلانة، ونظيره كان زياد على البصرة أي والياً عليها، ومنه قولهم فلانة تحت فلان ومن ثم سميت المرأة فراشاً.
والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم.
وثانيها: أنه متعلق بمحذوف يدل عليه ﴿ غير ملومين ﴾ كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه وهو قول الزجاج.
وثالثها: أن تجعله صلة لحافظين.
السؤال الثاني: هلا قيل من ملكت الجواب: لأنه اجتمع في السرية وصفان: أحدهما: الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل والآخر كونها بحيث تباع وتشتري كسائر السلع، فلاجتماع هذين الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء.
السؤال الثالث: هذه الآية تدل على تحريم المتعة على ما يروى عن القاسم بن محمد الجواب: نعم وتقريره أنها ليست زوجة له فوجب أن لا تحل له، وإنما قلنا إنها ليست زوجة له لأنهما لا يتوارثان بالإجماع ولو كانت زوجة له لحصل التوارث لقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم ﴾ وإذا ثبت أنها ليست بزوجة له وجب أن لا تحل له لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ وهو أعلم.
السؤال الرابع: أليس لا يحل له في الزوجة وملك اليمين الاستمتاع في أحوال كحال الحيض وحال العدة وفي الأمة حال تزويجها من الغير وحال عدتها، وكذا الغلام داخل في ظاهر قوله وتعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ والجواب: من وجهين: أحدهما: أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتاً واحتج عليه بقوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي» فإن ذلك لا يقتضي حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور وحصول النكاح بمجرد حصول الولي.
وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به فقوله: ﴿ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون * إِلاَّ على أزواجهم ﴾ معناه أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات الثاني: أنا إن سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات، فغايته أنه عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى فيما وراءه حجة.
أما قوله تعالى: ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العادون ﴾ يعني الكاملون في العدوان المتناهون فيه.
الصفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون ﴾ قرأ نافع وابن كثير ﴿ لأمانتهم ﴾ واعلم أنه يسمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهداً، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا ﴾ وقال: ﴿ وَتَخُونُواْ أماناتكم ﴾ وإنما تؤدي العيون دون المعاني فكان المؤتمن عليه الأمانة في نفسه والعهد، ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى ربه ويقع أيضاً على ما أمر الله تعالى به كقوله: ﴿ الذين قَالُواْ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا ﴾ والراعي القائم على الشيء لحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية، ويقال من راعى هذا الشيء؟
أي موليه.
واعلم أن الأمانة تتناول كل ما تركه يكون داخلاً في الخيانة وقد قال تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وَتَخُونُواْ أماناتكم ﴾ فمن ذلك العبادات التي المرء مؤتمن عليها وكل العبادات تدخل في ذلك، لأنها إما أن تخفى أصلاً كالصوم وغسل الجنابة وإسباغ الوضوء أو تخفى كيفية إتيانه بها وقال عليه السلام: «أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته».
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة ومن جملة ذلك ما يلتزمه بفعل أو قول فيلزمه الوفاء به كالودائع والعقود وما يتصل بهما.
ومن ذلك الأقوال التي يحرم بها العبيد والنساء لأنه مؤتمن في ذلك، ومن ذلك أن يراعى أمانته فلا يفسدها بغصب أو غيره، وأما العهد فإنه دخل فيه العقود والأيمان والنذور، فبين سبحانه أن مراعاة هذه الأمور والقيام بها معتبر في حصول الفلاح.
الصفة السابعة: قوله: ﴿ والذين هُمْ على صلواتهم يحافظون ﴾ وإنما أعاد تعالى ذكرها لأن الخشوع والمحافظة متغايران غير متلازمين، فإن الخشوع صفة للمصلي في حال الأداء لصلاته والمحافظة إنما تصح حال ما لم يؤدها بكمالها.
بل المراد بالمحافظة التعهد لشروطها من وقت وطهارة وغيرهما والقيام على أركانها وإتمامها حتى يكون ذلك دأبه في كل وقت، ثم لما ذكر الله تعالى مجموع هذه الأمور قال: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الوارثون * الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لم سمى ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث؟
مع أنه سبحانه حكم بأن الجنة حقهم في قوله: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ﴾ الجواب: من وجوه: الأول: ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أبين على ما يقال فيه وهو: أنه لا مكلف إلا أعد الله له في النار ما يستحقه إن عصى وفي الجنة ما يستحقه إن أطاع وجعل لذلك علامة.
فإذا آمن منهم البعض ولم يؤمن البعض صار منزل من لم يؤمن كالمنقول إلى المؤمنين وصار مصيرهم إلى النار الذي لابد معه من حرمان الثواب كموتهم، فسمى ذلك ميراثاً لهذا الوجه، وقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه كذلك قالوا في الدية التي تجب بالقتل إنها تورث مع أنه ما ملكها على التحقيق وذلك يشهد بما ذكرنا، فإن قيل إنه تعالى وصف كل الذي يستحقونه إرثاً وعلى ما قلتم يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم لو أطاع.
قلنا لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو منزلة لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك كان يزيد في المنازل فإذا آمن هذا عدل بذلك إليه.
وثانيها: أن انتقال الجنة إليهم بدون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث.
وثالثها: أن الجنة كانت مسكن أبينا آدم عليه السلام فإذا انتقلت إلى أولاده صار ذلك شبيهاً بالميراث.
السؤال الثاني: كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبع بالفلاح مع أنه تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج والطهارة والجواب: أن قوله: ﴿ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون ﴾ يأتي على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما قدمنا والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات الخمس لكونها من شرائطها.
السؤال الثالث: أفيدل قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الوارثون ﴾ على أنه لا يدخلها غيرهم؟
الجواب: أن قوله: ﴿ هُمُ الوارثون ﴾ يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور العين ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو، لقوله تعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ .
السؤال الرابع: أفكل الجنة هو الفردوس؟
الجواب: الفردوس هو الجنة بلسان الحبشة وقيل بلسان الروم، وروى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار».
وروى أبو أمامة عنه عليه السلام أنه قال: «سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش».
السؤال الخامس: هل تدل الآية على أن هذه الصفات هي التي لها ولأجلها يكونون مؤمنين أم لا؟
الجواب: ادعى القاضي أن الأمر كذلك بناء على مذهبه أن الإيمان اسم شرعي موضوع لأداء كل الواجبات، وعندنا أن الآية لا تدل على ذلك، لأن قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون * الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خاشعون ﴾ مثل قد أفلح الناس الأذكياء العدول، فإن هذا لا يدل على أن الزكاة والعدالة داخلان في مسمى الناس فكذا هاهنا.
السؤال السادس: روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لما خلق الله تعالى جنة عدن قال لها تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون».
وقال كعب: خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده، ثم قال لها تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون وروي أنه عليه السلام قال: «إذا أحسن العبد الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت حفظك الله كما حافظت علي، وشفعت لصاحبها.
وإذا أضاعها قالت أضاعك الله كما ضيعتني وتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها».
الجواب: أما كلام الجنة فالمراد به أنها أعدت للمؤمنين فصار ذلك كالقول منها، وهو كقوله تعالى: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ وأما أنه تعالى خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها لا أنه وكله إلى غيره، وأما أن الصلاة تثنى على من قام بحقها فهو في الجواز أبعد من كلام الجنة، لأن الصلاة حركات وسكنات ولا يصح عليها أن تتصور وتتكلم فالمراد منه ضرب المثل كما يقول القائل للمنعم إن إحسانك إلي ينطق بالشكر.
السؤال السابع: هل تدل الآية على أن الفردوس مخلوقة؟
الجواب: قال القاضي دل قوله تعالى: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ ﴾ على أنها غير مخلوقة فوجب تأويل هذه الآية، كأنه تعالى قال إذا كان يوم القيامة يخلق الله الجنة ميراثاً للمؤمنين أو وإذا خلقها تقول على مثال ما تأولنا عليه قوله تعالى: ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ﴾ وهذا ضعيف لأنه ليس إضمار ما ذكره في هذه الآية أولى من أن يضمر في قوله: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ ﴾ ثم إن أكلها دائم، يوم القيامة، وإذا تعارض هذان الظاهران فنحن نتمسك في أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ ﴾ نقيضه (لما) هي تثبت المتوقع و (لما) تنفيه، ولا شكّ أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دلّ على ثبات ما توقعوه.
والفلاح: الظفر بالمراد، وقيل: البقاء في الخير.
و ﴿ أَفْلَحَ ﴾ دخل في الفلاح، كأبشر: دخل في البشارة.
ويقال: أفلحه: أصاره إلى الفلاح.
وعليه قراءة طلحة بن مصرِّف: أفلح، على البناء للمفعول.
وعنه: ﴿ أفلحوا ﴾ على: أكلوني البراغيث.
أو على الإبهام والتفسير.
وعنه: ﴿ أفلح ﴾ بضمة بغير واو، اجتزاء بها عنها، كقوله: فَلَوْ أَنَّ الاطِبَّا كَانَ حَوْلِي فإن قلت: ما المؤمن؟
قلت: هو في اللغة المصدق.
وأما في الشريعة فقد اختلف فيه على قولين، أحدهما: أنّ كل من نطق بالشهادتين مواطئاً قلبه لسانه فهو مؤمن.
والآخر أنه صفة مدح لا يستحقها إلاّ البرّ التقيّ دون الفاسق الشقيّ.
﴿ خاشعون ﴾ الخشوع في الصلاة: خشية القلب وإلباد البصر عن قتادة: وهو إلزامه موضع السجود.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصلي رافعاً بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره نحو مسجده، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشدّ بصره إلى شيء، أو يحدث نفسه بشأن من شأن الدنيا.
وقيل: هو جمع الهمة لها، والإعراض عما سواها.
ومن الخشوع: أن يستعمل الآداب، فيتوقى كفّ الثوب، والعبث بجسده وثيابه والالتفات، والتمطي، والتثاؤب، والتغميض، وتغطية الفم، والسدل، والفرقعة، والتشبيك، والاختصار، وتقليب الحصا.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلبه خشعت جوارحه» ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصا وهو يقول: اللَّهم زوّجني الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت!
تخطب وأنت تعبث.
فإن قلت: لم أضيفت الصلاة إليهم؟
قلت: لأنّ الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى له، فالمصلي هو المنتفع بها وحده، وهي عدّته وذخيرته فهي صلاته: وأمّا المصلى له، فغنيّ متعال عن الحاجة إليها والانتفاع بها.
<div class="verse-tafsir"
( 23 سُورَةُ المُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وتِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وثَمانِي عَشْرَةَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ قَدْ فازُوا بِأمانِيهِمْ وقَدْ تُثْبُتُ المُتَوَقَّعَ كَما أنَّ لَمّا تَنْفِيهِ وتَدُلُّ عَلى ثَباتِهِ إذا دَخَلَتْ عَلى الماضِي، ولِذَلِكَ تُقَرِّبُهُ مِنَ الحالِ ولَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ مُتَوَقِّعِينَ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ صُدِّرَتْ بِها بِشارَتُهم، وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ ( قَدْ أفْلَحَ ) بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ وحَذْفِها، وقُرِئَ «أفْلَحُوا» عَلى لُغَةِ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ، و «أفْلَحُ» بِالضَّمِّ اجْتِزاءً بِالضَّمَّةِ عَنِ الواوِ و «أُفْلِحَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ خائِفُونَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَذَلِّلُونَ لَهُ مُلْزِمُونَ أبْصارَهم مَساجِدَهم.
رُوِيَ «أنَّهُ كانَ يُصَلِّي رافِعًا بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ» وأنَّهُ رَأى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فَقالَ: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذا لَخَشَعَتْ جَوارِحُهُ» .
<div class="verse-tafsir"
{قد أفلح المؤمنون} قد نقضية لما هي تثبت المتوقع ولما تنفيه وكان المؤمنين يتوقعون مثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم فخوطبوا بمادل على ثبات ما توقعوه والفلاح الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب أي فازوا بما طلبوا أونجوا مما هربوا والإيمان في اللغة التصديق والمؤمن المصدق لغة وفي الشرع كل من نطق بالشهادتين موطئا قلبه لسانه فهو مؤمن قال عليه السلام خلق الله الجنة فقال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون ثلاثاً أنا حرام على كل بخيل مراء لأنه بالرياء أبطل العبادات البدنية وليس له عبادة مالية
(سُورَةُ المُؤْمِنِينَ 23 ) مَكِّيَّةٌ كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي البَحْرِ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، واسْتَثْنى مِنها كَما يُقالُ في الإتْقانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ واسْتَشْكَلَ الحُكْمُ عَلى ما عَداهُ بِكَوْنِهِ مَكِّيًّا لِما فِيهِ مِن ذِكْرِ الزَّكاةِ وهي إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ ما ذُكِرَ فِيهِ يَدُلُّ عَلى فَرْضِيَّتِها يُقالُ: إنَّ الزَّكاةَ كانَتْ واجِبَةً بِمَكَّةَ والمَفْرُوضُ بِالمَدِينَةِ ذاتُ النَّصْبِ وسَتَسْمَعُ تَمامَ الكَلامِ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وهي كَما في كِتابِ العَدَدِ لِلدّانِي ومَجْمَعِ البَيانِ لِلطَّبَرْسِيِّ مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً في الكُوفِيِّ ومِائَةٌ وسَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً في الباقِي، وقَدْ مَدَحَ النَّبِيُّ العَشْرَ الأوَّلَ مِنها فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وغَيْرُهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««كانَ إذا نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ الوَحْيُ نَسْمَعُ عِنْدَ وجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَمَكَثْنا ساعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ زِدْنا ولا تَنْقُصْنا وأكْرِمْنا ولا تُهِنّا وأعْطِنا ولا تَحْرِمْنا وآثِرْنا ولا تُؤْثَرْ عَلَيْنا وارْضِ عَنّا وارْضِنا ثُمَّ قالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ» ثُمَّ قَرَأ ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ حَتّى خَتَمَ العَشْرَ،» ومُناسَبَتُها لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها ظاهِرَةٌ لِأنَّهُ تَعالى خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: يا ﴿ أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا ﴾ ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ فَناسَبَ أنْ يُحَقِّقَ ذَلِكَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ والفَلاحُ الفَوْزُ بِالمَرامِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ والإفْلاحُ الدُّخُولُ في ذَلِكَ كالإبْشارِ الَّذِي هو الدُّخُولُ بِالبِشارَةِ، وقَدْ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مَصْرِفٍ وعَمْرِو بْنِ عَبِيدٍ «أفْلَحَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ( وقَدْ ) لِثُبُوتِ أمْرٍ مُتَوَقَّعٍ وتَحَقُّقِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هُنا الفَلاحُ لِأنَّ قَدْ دَخَلَتْ عَلى فِعْلِهِ وهو مُتَوَقَّعُ الثُّبُوتِ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ الأخْبارَ بِثَباتِهِ وذَلِكَ لِأنَّ الفَلاحَ مُسْتَقْبَلٌ أبْرَزُ في مَعْرِضِ الماضِي مُؤَكِّدًا بِقَدْ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ فَيُفِيدُ تَحَقُّقَ البِشارَةِ وثَباتَها كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تَحَقَّقَ أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الفَلاحِ في الآخِرَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ قَدْ أفْلَحَ ﴾ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وقَدْ ذَكَرَ الزَّجّاجَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها ﴾ أنَّهُ جَوابُ القَسَمُ المَذْكُورِ قَبْلَهُ بِتَقْدِيرِ اللّامِ.
وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ «قَدْ أفْلَحَ» بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ وحَذْفِها لَفْظًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وهُما الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها والدّالُ السّاكِنَةُ بِحَسْبِ الأصْلِ لِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِحَرَكَتِها العارِضَةِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا «وقَدْ أفْلَحُوا» بِضَمُ الهَمْزَةِ والحاءِ وإلْقاءِ واوِ الجَمْعِ وهي مُخْرِجَةٌ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ هي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ مَرْدُودٌ، وعَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ يَقْرَأُ «قَدْ أفْلَحُوا المُؤْمِنُونَ» فَقُلْتُ لَهُ: أتَلْحَنُ؟
قالَ: نَعَمْ كَما لَحَنَ أصْحابِي، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مَرْجِعَ قِراءَتِي الرِّوايَةُ ومَتى صَحَّتْ في شَيْءٍ لا يَكُونُ لَحْنًا في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ كانَ كَذَلِكَ ظاهِرًا، وإثْباتُ الواوِ في الرَّسْمِ مَرْوِيٌّ عَنْ كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهٍ.
وفِي اللَّوامِحِ أنَّها حُذِفَتْ في الدُّرْجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحَمَلَتِ الكِتابَةَ عَلى ذَلِكَ فَهي مَحْذُوفَةٌ فِيها أيْضًا، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ﴾ وقَدْ جاءَ حَذْفُ الواوِ لَفْظًا وكِتابَةً والِاكْتِفاءُ بِالضَّمَّةِ الدّالَّةِ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ: ولَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانَ حَوْلِي وكانَ مَعَ الأطِبّاءِ الأساةُ وهُوَ ضَرُورَةٌ عِنْدِ بَعْضِ النُّحاةِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ قِيلَ إمّا المُصَدِّقُونَ بِما عَلِمَ ضَرُورَةَ أنَّهُ مِن دِينِ نَبِيِّنا مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والحَشْرِ الجُسْمانِيِّ والجَزاءِ ونَظائِرِها.
<div class="verse-tafsir"
كلها مكية وهي مائة وسبع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم قال: حدثنا الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر بن أبي سعيد قال: حدثنا محمد بن علي بن طرخان قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا عبد الرزاق، عن يونس بن سليم، عن زيد الأيلي، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ، عن عمر عن رسول الله قال: «لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة» (١) قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى عشر آيات وروي عن كعب الأحبار قال: «إن الله تعالى لما خلق الجنة، قال لها: تكلمي، فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ.
وروي عن غيره: «أنها قالت: أنا حرام على كل بخيل ومرائي» .
وروي عن رسول الله نحو هذا.
وقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ أي سعد وفاز ونجا المصدقون بإيمانهم.
ثم نعتهم ووصف أعمالهم، فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ، يعني: متواضعين.
وقال الزهري: «سكون المرء في صلاته، لا يلتفت يميناً ولا شمالاً» وقال الحسن البصري: خاشِعُونَ أي خائفون.
وروي عنه أنه قال: خاشِعُونَ الذين لا يرفعون أيديهم في الصلاة إلا في التكبيرة الأولى، وروي عن علي أنه قال: «الخشوع في الصلاة، أن لا تلتفت في صلاتك يميناً ولا شمالاً.» «وذكر عن النبي : «أنه كان إذا قام في الصلاة، رفع بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية، رمى بصره نحو مسجده» .
وروي عن أبي هريرة، «أن النبي رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» .
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، يعني: الحلف والباطل من الكلام تاركون.
قال قتادة: كل كلام أو عمل لا يحتاج إليه فهو لغو.
ويقال: الذين هم عن الشتم والأذى معرضون، كقوله عز وجل: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفرقان: 72] .
ثم قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ، يعني: مؤدون.
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ عن الفواحش وعن ما لا يحل لهم.
ثم استثنى، فقال: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ، يعني: على نسائهم الأربع، وذكر عن الفراء أنه قال، عَلى بمعنى من، يعني: إلا من نسائهم مثنى وثلاث ورباع.
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ، يعني: الإماء، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، لا يلامون على الحلال.
فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ، يعني: طلب بعد ذلك ما سوى نسائه وإِمائه، فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ، يعني: المعتدين من الحلال إلى الحرام، ويقال: وأُولئك هم الظالمون الجائرون الذين تعمدوا الظلم.
(١) عزاه السيوطي: 6/ 82 إلى عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والعقيلي والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ المُؤْمِنُونَ سُورَةُ المُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ.
رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنا عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ إلى عَشْرِ آياتٍ "»، رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في " صَحِيحِهِ " .
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ تَعالى حاطَ حائِطَ الجَنَّةِ لَبِنَةً مِن ذَهَبٍ ولَبِنَةٍ مِن فِضَّةٍ، وغَرَسَ غَرْسَها بِيَدِهِ، فَقالَ لَها: تَكَلَّمِي، فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ، فَقالَ لَها: طُوبى لَكِ مَنزِلَ المُلُوكِ» " .
قالَ الفَرّاءُ: " قَدْ " هاهُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِفَلاحِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَقْرِيبًا لِلْماضِي مِنَ الحالِ؛ لِأنَّ " قَدْ " تُقَرِّبُ الماضِيَ مِنَ الحالِ حَتّى تُلْحِقَهُ بِحُكْمِهِ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَبْلَ حالِ قِيامِها، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: إنَّ الفَلّاحَ قَدْ حَصَلَ لَهم، وإنَّهم عَلَيْهِ في الحالِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعِكْرِمَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( قَدْ أُفْلِحَ ) بِضَمِّ الألْفِ وكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الحاءِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: قَدْ نالَ المُؤْمِنُونَ البَقاءَ الدّائِمَ في الخَيْرِ.
ومَن قَرَأ: ( قَدْ أُفْلِحَ ) بِضَمِّ الألْفِ، كانَ مَعْناهُ: قَدْ أُصِيرُوا إلى الفَلاحِ.
وأصِلُ الخُشُوعِ في اللُّغَةِ: الخُضُوعُ والتَّواضُعُ.
وَفِي المُرادِ بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّظَرُ إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا صَلّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَنَزَلَتِ: " الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ " فَنَكَّسَ رَأْسَهُ» .
وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ، وأنْ تُلِينَ كَنَفَكَ لِلرَّجُلِ المُسْلِمِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ السُّكُونُ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والزُّهْرِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الخَوْفُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي المُرادِ بِاللَّغْوِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الشِّرْكُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الباطِلُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: المَعاصِي، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: الكَذِبُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والخامِسُ: الشَّتْمُ والأذى الَّذِي كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الكُفّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: واللَّغْوُ: كُلُّ لَعِبٍ ولَهْوٍ، وكُلُّ مَعْصِيَةٍ فَهي مُطَّرَحَةٌ مُلْغاةٌ؛ فالمَعْنى: شَغَلَهُمُ الجِدُّ فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَنِ اللَّغْوِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ؛ أيْ: مُؤَدُّونَ، فَعَبَّرَ عَنِ التَّأْدِيَةِ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّهُ فَعَلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: " عَلى " بِمَعْنى " مِن " .
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم يُلامُونَ في إطْلاقِ ما حُظِرَ عَلَيْهِمْ وأُمِرُوا بِحِفْظِهِ، إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم لا يُلامُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ ابْتَغى ﴾ ؛ أيْ: طَلَبَ، ﴿ وَراءَ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: سِوى الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ يَعْنِي: الجائِرِينَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهم قَدْ تَجاوَزُوا إلى ما لا يَحِلُّ.
﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( لِأمانَتِهِمْ ) وهو اسْمُ جِنْسٍ، والمَعْنى: لِلْأماناتِ الَّتِي ائْتُمِنُوا عَلَيْها، فَتارَةً تَكُونُ الأمانَةُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ، وتارَةً تَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مُراعاةُ الكُلِّ، وكَذَلِكَ العَهْدُ.
ومَعْنى ﴿ راعُونَ ﴾ : حافِظُونَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وأصِلُ الرَّعْيِ في اللُّغَةِ: القِيامُ عَلى إصْلاحِ ما يَتَوَلّاهُ الرّاعِي مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى صَلَواتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( صَلَواتِهِمْ ) عَلى الجَمْعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( صَلاتِهِمْ ) عَلى التَّوْحِيدِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ.
والمُحافَظَةُ عَلى الصَّلَواتِ: أداؤُها في أوْقاتِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ ذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ لِلْكُفّارِ الجَنَّةَ، فَيَنْظُرُونَ إلى بُيُوتِهِمْ فِيها لَوْ أنَّهم أطاعُوا، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَيَرِثُونَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ .
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( الأعْرافِ: ٤٣ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أُورِثْتُمُوها ﴾ ، وشَرَحْنا مَعْنى الفِرْدَوْسِ في ( الكَهْفِ: ١٠٧ ) .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَنِ اللَغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ أخْبَرَ اللهُ -تَبارَكَ وتَعالى- عن فَلاحِ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم نالُوا البُغْيَةَ وأحْرَزُوا البَقاءَ الدائِمْ، ورُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ اللهَ -تَعالى- لَمّا خَلَقَ جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي، فَقالَتْ: "قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ".
ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ اللهَ -تَعالى- لَمّا خَلَقَ الجَنَّةَ وأتْقَنَ حُسْنَها قالَ: "قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ".
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ: "قَدْ أفْلَحُ المُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الحاءِ، يُرِيدُ: قَدْ أفْلَحُوا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، ورُوِيَ عنهُ "قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللامِ.
ثُمْ وصَفَ -تَعالى- هَؤُلاءِ المُفْلِحِينَ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ والخُشُوعُ: التَطامُنُ وتَساكُنُ الأعْضاءِ والوَقارُ، وهَذا إنَّما يَظْهَرُ في الأعْضاءِ لِمَن في قَلْبِهِ خَوْفٌ واسْتِكانَةٌ، ورُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ رَأى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ في الصَلاةِ فَقالَ: لَوْ خَشَعَ هَذا خَشَعَتْ جَوارِحُهُ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَلْتَفِتُونَ في صَلاتِهِمْ يُمْنَةً ويُسْرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُمِرُوا أنْ يَكُونَ بَصَرُ المُصَلِّي حِذاءَ قِبْلَتِهِ أو بَيْنَ يَدَيْهِ، وفي الحَرَمِ إلى الكَعْبَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ وغَيْرِهِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - - كانَ يَلْتَفِتُ في صِلاتِهِ إلى السَماءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ».
و"اللَغْوِ": سَقْطُ القَوْلِ، وهَذا يَعُمْ جَمِيعَ ما لا خَيْرَ فِيهِ، ويَجْمَعُ آدابَ الشَرْعِ، وكَذَلِكَ كانَ النَبِيُّ - - وأصْحابُهُ، وكَأنَّ الآيَةَ فِيها مُوادَعَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ في الأمْوالِ، وهَذا بَيِّنٌ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يُرِيدَ بِالزَكاةِ الفَضائِلَ، كَأنَّهُ أرادَ الأزْكى مِن كُلِّ فِعْلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ صِفَةُ العِفَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ الآيَةُ، يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزِنا والِاسْتِمْناءِ ومُواقَعَةَ البَهائِمْ، وكُلَّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَراءَ ذَلِكَ ﴾ ، ويُرِيدُ: وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حَدَّ، ومَعْنى " ما مَلَكَتْ أيْمانُهم " مِنَ النِساءِ، ولَمّا كانَ "حافِظُونَ" بِمَعْنى (مَحْجُوزُونَ) حَسُنَ اسْتِعْمالُ "عَلى"، و"العادِي": الظالِمْ.
<div class="verse-tafsir"
افتتاح بديع لأنه من جوامع الكلم فإن الفلاح غاية كل ساع إلى عمله، فالإخبار بفلاح المؤمنين دون ذكر متعلِّق بفعل الفلاح يقتضي في المقام الخطابي تعميم ما به الفلاح المطلوب، فكأنه قيل: قد أفلح المؤمنون في كل ما رغبوا فيه.
ولما كانت همة المؤمنين منصرفة إلى تمكن الإيمان والعمَللِ الصالح من نفوسهم كان ذلك إعلاماً بأنهم نجحوا فيما تعلقت به هممهم من خير الآخرة وللحق من خيْر الدنيا، ويتضمن بشارة برضى الله عنهم ووعداً بأن الله مكمل لهم ما يتطلبونه من خير.
وأكد هذا الخبر بحرف (قد) الذي إذا دخل على الفعل الماضي أفاد التحقيق أي التوكيد، فحرف (قد) في الجملة الفعلية يفيد مفاد (إنّ واللام) في الجملة الاسميَّة، أي يفيد توكيداً قويّاً.
ووجه التوكيد هنا أن المؤمنين كانوا مؤملين مثل هذه البشارة فيما سبق لهم من رجاء فلاحِهم كالذي في قوله: ﴿ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ﴾ [الحج: 77]، فكانوا لا يعرفون تحقق أنهم أتوا بما أرضى ربهم ويخافون أن يكونوا فرطوا في أسبابه وما علق عليه وعده إياهم، بلْهَ أن يعرفوا اقتراب ذلك؛ فلما أخبروا بأن ما ترجَّوه قد حصل حقق لهم بحرف التحقيق وبفعل المضي المستعمل في معنى التحقق.
فالإتيان بحرف التحقيق لتنزيل ترقبهم إياه لفرط الرغبة والانتظار منزلة الشك في حصوله، ولعل منه: قد قامت الصلاة، إشارة إلى رغبة المصلين في حلول وقت الصلاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «أرِحْنَا بها يا بلال» وشأن المؤمنين التشوق إلى عبادتهم كما يشاهد في تشوق كثير إلى قيام رمضان.
وحُذِف المتعلق للإشارة إلى أنهم أفلحوا فلاحاً كاملاً.
والفلاح: الظفَر بالمطلوب من عمل العامل، وقد تقدم في أول البقرة.
ونيط الفلاح بوصف الإيمان للإشارة إلى أنه السبب الأعظم في الفلاح فإن الإيمان وصف جامع للكمال لتفرع جميع الكمالات عليه.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ المُؤْمِنُونَ ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ قَدْ سَعِدَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ فاعْقِلِي إنْ كُنْتِ لَمْ تَعْقِلِي إنَّما أفْلَحَ مَن كانَ عَقَلْ الثّانِي: أنَّ الفَلاحَ البَقاءُ ومَعْناهُ قَدْ بَقِيَتْ لَهم أعْمالُهم، وقِيلَ: إنَّهُ بَقاؤُهم في الجَنَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهم في الأذانِ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ أيْ حَيَّ عَلى بَقاءِ الخَيْرِ قالَ طُرْفَةُ بْنُ العَبْدِ أفَبَعْدَنا أوْ بَعْدَهم ∗∗∗ يُرْجى لِغابِرِنا الفَلاحُ الثّالِثُ: أنَّهُ إدْراكُ المَطالِبِ قالَ الشّاعِرُ: لَوْ كانَ حَيٌّ مُدْرِكَ الفَلاحِ ∗∗∗ أدْرَكَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُفْلِحُونَ الَّذِينَ أدْرَكُوا ما طَلَبُوا ونَجَوْا مِن شَرِّ ما مِنهُ هَرَبُوا.
رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ «كانَ النَّبِيُّ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ يُسْمَعُ عِنْدَ وجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَلَمّا سَرى عَنْهُ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ورَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنا ولا تُنْقِصْنا، وأكْرِمْنا ولا تُهِنّا، وأعْطِنا ولا تَحْرِمْنا، وآثِرْنا ولا تُؤْثِرْ عَلَيْنا، وأرْضِنا وارْضَ عَنّا ثُمَّ قالَ: (لَقَدْ أنْزَلَ عَلَيَّ عَشْرَ أياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْنا ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ حَتّى خَتَمَ العَشْرَ» .
رَوى أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ قالَ: «قِيلَ لِعائِشَةَ: ما كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ؟، قالَتْ أتَقْرَأُونَ سُورَةَ المُؤْمِنُونَ؟
قِيلَ: نَعَمْ، قالَتِ اقْرَؤُوا فَقُرِئَ عَلَيْها ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ يُحافِظُونَ ﴾ .
فَقالَتْ: هَكَذا كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ » .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خائِفُونَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: خاضِعُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عِيسى.
والثّالِثُ: تائِبُونَ، وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ غَضُّ البَصَرِ، وخَفْضُ الجَناحِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: هو أنْ يَنْظُرَ إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ كانَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ فَنَزَلَتْ: ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ فَصارَ لا يُجَوِّزُ بَصَرَهُ مُصَلّاهُ» .
فَصارَ في مَحَلِّ الخُشُوعِ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في القَلْبِ خاصَّةً، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.
والثّانِي: في القَلْبِ والبَصَرِ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الحَسَنِ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّغْوَ الباطِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الكَذِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الحَلِفُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الشَّتْمُ لِأنَّ كَفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَشْتُمُونَ المُسْلِمِينَ فَهو عَنِ الإجابَةِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الخامِسُ: أنَّها المَعاصِي كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «ما مِنكم إلّا لَهُ مَنزِلانِ: مَنزِلٌ في الجَنَّةِ ومَنزِلٌ في النّارِ، فَإنْ ماتَ ودَخَلَ النّارَ، ورِثَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَهُ، وإنْ ماتَ ودَخَلَ الجَنَّةَ، ورِثَ أهْلُ النّارِ مَنزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ » .
ثُمَّ بَيَّنَ ما يَرِثُونَ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ أعْلى الجِنانِ قالَهُ قُطْرُبٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ جَبَلُ الجَنَّةِ الَّذِي تَتَفَجَّرُ مِنهُ أنْهارُ الجَنَّةِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ البُسْتانُ وهو رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الخامِسُ: أنَّهُ عَرَبِيٌّ وهو الكَرَمُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن المنذر والعقيلي والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب قال: «كان إذا نزل على رسول الله صلى الله وعليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فأنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة، فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه فقال: اللهم زدنا ولا تُنْقِِِِِِِِصْنَا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا ارضنا، ثم قال: لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ حتى ختم العشر» .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة، كيف كان خلق رسول الله صلى الله وعليه وسلم؟
قالت: كان خلقه القرآن.
ثم قالت: تقرأ سورة المؤمنون ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ فقرأ حتى بلغ العشر فقالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله وعليه وسلم.
واخرج ابن عدي والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خلق الله جنة عدن، وغرس أشجارها بيده وقال لها: تكلمي.
فقالت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ » .
وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه من حديث ابن عباس مثله.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، والتوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده ثم قال: تكلمي..
فقالت: ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ لما علمت فيها من الكرامة.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: لما غرس الله الجنة نظر إليها فقال: ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: لما خلق الله الجنة قال: ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ وأنزل الله به قرآناً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ يعني: سعد المصدقون بتوحيد الله.
وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن مصرف أنه كان يقرأ ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ برفع أفلح.
وأخرج عن عاصم أنه قرأ بنصب ﴿ أفلح ﴾ .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ قال: فازوا وسعدوا.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول لبيد: فاعقلي إن كنت ما تعقلي ** ولقد أفلح من كان عقل <div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ لأماناتهم ﴾ على التوحيد: ابن كثير ﴿ على صلاتهم ﴾ موحدة: حمزة وعلي وخلف.
و ﴿ عظماً ﴾ ﴿ العظم ﴾ موحدين على إرادة الجنس أو على وضع الواحد مكان الجمع لعدم اللبس: ابن عامر وأبو بكر وحماد و ﴿ جبلة ﴾ الأول موحداً والثاني مجموعاً: زيد بن يعقوب.
وروى القطعي عن أبي زيد بالعكس فيهما.
الباقون مجموعين ﴿ سيناء ﴾ بكسر السين: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون بفتحها.
﴿ تنبت ﴾ من الإنبات: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير روح.
الآخرون بفتح التاء وضم الباء من النبات.
﴿ تسقيكم ﴾ بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد.
بالتاء الفوقانية: يزيد: الباقون بضم النون.
﴿ منزلاً ﴾ بفتح الميم وكسر الزاء: ابو بكر وحماد.
الآخرون بضم الميم وفتح الزاء.
الوقوف: ﴿ المؤمنون ﴾ ه لا ﴿ خاشعون ﴾ ه لا ﴿ معرضون ﴾ ه لا ﴿ فاعلون ﴾ ه لا ﴿ حافظون ﴾ ه ﴿ ملومين ﴾ ه لاعتراض الاستثناء بين الأوصاف ولاستحقاق الشرط الابتداء ولطول الكلام وإلا فالآيتان من أوصاف المؤمنين ايضاً ﴿ العادون ﴾ ه ج ﴿ راعون ﴾ ه لا ﴿ يحافظون ﴾ ه م وإلا لأوهم تخصيص الإرث بالمذكورين في الآيتين فقط ﴿ الوارثون ﴾ ه لا ﴿ الفردوس ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ج ه للعدول عن المظهر إلى كناية عن غير مذكور فإن المراد من الإنسان آدم، ومن الهاء في جعلناه جنس ولده مع عطف ظاهر ﴿ مكين ﴾ ه ج للعطف ﴿ لحماً ﴾ صلى وقد قيل للابتداء بإنشاء نفخ الروح تعظيماً ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ الخالقين ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار فإن بين الإحياء والإفناء مهلة ﴿ لميتون ﴾ ه ط لذلك ﴿ لقادرون ﴾ ه للآية مع اتصال المعنى بلفظ الفاء ﴿ وأعناب ﴾ م لئلا يوهم أن الجار والمجرور وصف أعناب ﴿ تأكلون ﴾ ه لا لأن شجرة مفعول ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ لآكلين ﴾ ه ﴿ لعبرة ﴾ ط لأن الجملة بعدها ليست بصفة لها ﴿ تأكلون ﴾ ه لا ﴿ تحملون ﴾ ه ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن قوله ﴿ يريد ﴾ صفة ﴿ بشر ﴾ ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ ملائكة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولين ﴾ ج ه للآية مع اجتناب الابتداء بقول الكفار مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ حين ﴾ ه ﴿ كذبون ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب فإذا ﴿ منهم ﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الاستثناء ﴿ ظلموا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال إضمار اللام والفاء للتعليل ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ المبتلين ﴾ ه.
التفسير: لما أنجر الكلام في السورة المتقدمة إلى الختم بالصلاة والزكاة بدأ في هذه السورة بذكر فضائلهما وفضائل ما ينخرط في سلكهما من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
"وقد" نقيضة "لما" لأنها تثبت المتوقع و "لما" تنفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي إخبار بثبوت الفلاح لهم.
وقد مر معنى الإيمان والاختلاف فيه بين الأقوام في أول "البقرة".
وأما الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون، وترك الالتفات، والنظر إلى موضع السجود، والتوقي عن كف الثوب أي جمعه، والعبث بجسده وثيابه، والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم، والسدل بأن يضع وسط الثوب على رأسه أو على عاتقه ويرسل طرفيه، والاحتراز عن الفرقعة والتشبيك وتقليب الحصى، والاختصار وهو أن يمسك بيده عصاً أو سوطاً ونحوهما.
وقال الحسن وابن سيرين: كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، وكان رسول الله يفعل ذلك، فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاة، وهذا الخشوع واجب عند المحققين.
نقل الإمام الغزالي عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي: من لم يخشع فسدت صلاته.
وعن الحسن: كلا صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع.
وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له.
وروي عنه مرفوعاً: إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها وعشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها.
وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته.
ومما يدل على صحة هذا القول قوله ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ والتدبر لا يتصوّر بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله ﴿ وأقم الصلاة لذكرى ﴾ والغفلة تضاد الذكر ولهذا قال ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ وقوله ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ نهي للسكران إلا أن المستغرق في هموم الدنيا بمنزلته.
وقوله "المصلي يناجي ربه" ولا مناجاة مع الغفلة أصلاً بخلاف سائر أركان الإسلام فإِن المقصود منها يحصل مع الغفلة، فإن الغرض من الزكاة كسر الحرص وإغناء الفقير، وكذا الصوم قاهر للقوي كاسر لسطوة النفس التي هي عدّو الله، وكذا الحج فإِن أفعاله شاقة وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء وإن لم يكن القلب حاضراً.
والمتكلمون أيضاً اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع قالوا: لأن السجود لله طاعة، وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بد من مميز وما ذاك إلا القصد والإرادة ولا بد فيهما من الحضور.
وأما الفقهاء فالأكثرون منهم لا يوجبون ذلك فيقال لهم: هبوا أنه ليس من شرط الإجزاء وهو عدم وجوب القضاء، أليس هو من شرط القبول الذي يترتب عليه الثواب؟
فمن استعار ثوباً ثم ردّه على أحسن الوجوه فقد خرج عن العهدة، وكذا إن ردّه على وجه الإهانة والاستخفاف إلا أنه يستحق المدح في الصورة الأولى والذم في الصورة الثانية.
" وعن النبي أنه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" .
ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زّوجني الحور العين.
فقال: بئس الخاطب أنت قلت: لا ريب أن الاحتياط إنما هو في رعاية جانب الخشوع كما حكي عن بعض العلماء أنه اختار الإمامة فقيل له في ذلك؟
فقال: أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي.
وإن قرأت مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الخلاف.
قال علماء المعاني: سبب إضافة الصلاة إليهم هو أن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى لأجله، فالمصلي هو المنتفع بها وحده وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فمتعال عن ذلك.
ولما كان اللغو هو الساقط من القول أو الفعل احتمل أن يقع في الصلاة، وأيضاً كان الإعراض عنه من باب التروك كما أن الخشوع وهو استعمال الآداب وما لا يصح ولا تكمل الصلاة إلا به كان من باب الأفعال وعلى الفعل والترك بناء قاعدة التكليف فلا جرم جعلهما قرينين فقال ﴿ والذين هم عن اللغو معرضون ﴾ واللغو على ما قلنا يشمل كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو مباحاً لا ضرورة إليه ولا حاجة قولاًَ أو فعلاً.
فمن الحرام قوله حكاية عن الكفار ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن وَالغَواْ فيه ﴾ فإِن ذلك اللغو كفر والكفر حرام.
ومن المباح قوله ﴿ لا يؤاخذكم الله بِاللَّغوِ في أيمانكم ﴾ ولو لم يكن مباحاً لم يناسبه عدم المؤاخذة.
والإعراض عن اللغو هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه كما قال عز من قائل ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ ثم وصفهم بفعل الزكاة وهو مناسب للصلاة.
وليس المراد بالزكاة ههنا عين القدر المخرج من النصاب لأن الخلق لا قدرة لهم على فعلها فلا يصح فقوله للمزكي فاعل الزكاة كقولك للضارب فاعل الضرب.
وعن أبي مسلم أنه حمل الزكاة ههنا على فعل محمود مرضي كقوله ﴿ قد افلح من تزكى ﴾ والأول أقرب لأنه مناسب لعرف الشرع.
الصفة الرابعة قوله ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ﴾ قال الفراء: "على" بمعنى "عن": وقال غيره: هو في موضع الحال أي إلا والين أو قوامين على أزواجهم نظيره قولهم "كان زياد على البصرة" اي والياً عليها، والمعنى أنهم مستمرون على حفظ الفروج في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسربهم.
أو تعلق الجار بمحذوف يدل عليه ﴿ غير ملومين ﴾ كأنه قيل: يلامون على كل من يباشرونه إلا على أزواجهم فإنهم غير ملومين عليهن، وجوّز في الكشاف أن يكون صلة لحافظين من قولهم "احفظ عليّ عنان فرسي" على تضمينه معنى الفي أي لا تسلط علي فرسي.
وإنما لم يقل "أو من ملكت" لأنه اجتمع في السرية وصفان: الأنوثة التي هي سبب نقصان العقل وكونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع ﴿ فمن ابتغى ﴾ حداً ﴿ وراء ذلك ﴾ الحد الذي شرع وهو إباحة أربع من الحرائر وما الإماء من الإماء وكفى به حداً فسيحاً ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في العدوان المتناهون فيه.
قيل: لا دليل فيه على تحريم نكاح المتعة لأنها من جملة الأزواج إذا صح النكاح.
ومنع من أنها من الأزواج ولو كانت زوجة لورث منها الزوج لقوله ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ ولورثت منه لقوله ﴿ ولهن الربع ﴾ ثم الآية من العمومات التي دخلها التخصيص بدلائل أخر فيخرج منها الغلام بل الوطء في الدبر على الإطلاق لأنه ليس موضع الحرث، وكذا الزوجة والأمة في أحوال الحيض والعدة والإحرام ونحوها.
وقال أبو حنيفة: الاستثناء من النفي ليس بإثبات فقوله "لا صلاة إلا بطهور" "ولا نكاح إلا بولي" لا يقتضي حصول الصلاة والنكاح بمجرد حصول الطهور والولي، ولا تخصيص عنده في الآية.
والمعنى أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات، وهكذا نقله الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره.
الصفة الخامسة رعاية الأمانة والعهد والمراد بهما الشيء المؤمتمن عليه والمعاهد عليه لتمكن رعايتهما، والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية.
ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله ومن جهة الناس كالعبادات والمعاملات والودائع والقصود والنيات والعقود والنذور والطلاق والعتاق وغيرها، وقد مر في تفسير قوله ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ وقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ ويحتمل الخصوص فيما تحملوه من أمانات الناس وعهودهم.
الصفة السادسة محافظة الصلاة كما مر في قوله { ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ وذلك في "البقرة" وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم وآخراً بالمداومة عليها وبمراقبة أعداها وأوقاتها فرائض كانت أو سنناً، رواتب أو غيرها.
فالمحافظة أعم من الخشوع وأشمل، ومن هنا يعرف فضيلة الصلاة إذ وقع الافتتاح بها والاختتام عليها وإن اختلف الاعتباران والعبارتان.
﴿ أولئك هم الوارثون ﴾ الأحقاء بأن يسموا ورّاثاً دون من عداهم ممن يرث مالاً فانياً أو متاعاً قليلاً أو ممن يدخل الجنة سواهم كالأطفال والمجانين والفساق بعد العفو وكالولدان والحور.
ثم بين الموروث بقوله ﴿ الذين يرثون الفردوس ﴾ وقد سبق معنى هذه الوراثة في "الأعراف" في قوله ﴿ ونودوا أن تِلكُمُ الجنة أورثتموها ﴾ قال الفقهاء: لا فرق في الميراث بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر ملكه فيه ولذلك قالوا للدية إنها ميراث المقتول.
وكل من في الجنة فله مسكن مفروض في النار على تقدير طفره، وكل من في النار فله مسكن مفروض في الجنة على تقدير إيمانه كما ورد في الحديث، فإذا تبادل المسكنان كان جميع أهل الجنة وارثين، ولكن كل افردوس لا يكون ميراثاً بل بعضه ميراث وبعضه بالاستحقاق إلا أنه يصدق بالجملة أنهم ورثوا الفردوس أي الجنة ولهذا أنت الضمير في قوله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ وقيل: إن الجنة كانت مسكن أبينا آدم فإذا انتقلت إلى أولاده كان شبيهاً بالميراث.
والفردوس بلسان الحبشة أو الروم هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر.
روي أن الله عز وجل بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر.
وروى أبو موسى الشعري عن النبي أنه قال "الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار" وعن أبي أماة مرفوعاً "سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش" ويروى عن النبي أنه قال "لما خلق الله جنة عدن قال لها: تكلمي.
فقالت: قد افلح المؤمنون" ويروى عن النبي أنه قال "إذا أحسن العبد الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت: حفظك الله كما حافظت علي وتشفع لصاحبها.
فإذا أضاعها قالت: ضيعك الله كما ضيعتني وتلف كما يلف الثوب ويضرب بها على وجه صاحبها" قالت العلماء: أما كلام الجنة فالمراد به أنها أعدت للمتقين كقوله ﴿ قالتا أتينا طائعين ﴾ وكذا الكلام في كلام "طوبى".
وأما أنه خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها وإيجادها من غير واسطة.
وأما حديث الصلاة فلا ريب أنها حركات وسكنات ولا يصح عليها التكلم فالمراد به ضرب المثل كقولك للمنعم عليك "إن إحسانك إليّ ينطق بالشكر".
ولما حث عباده على العبادات ووعدهم الفردوس على مواظبتها عاد إلى تقرير المبدأ والمعاد ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين وهو ثلاثة أنواع: الأول الاستدلال بأطوار خلق الإنسان والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر وهذا البناء للقلة ولما يسقط عن الشيء كالقلامة.
قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل: المراد آدم لأنه استل من الطين، والكناية في ﴿ جعلناه ﴾ راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم أي جعلنا جوهره نطفة وقال آخرون: الإنسان ههنا هو ولد آدم والطين اسم آدم والسلالة هي الأجزاء الكلية المبثوثة في أعضائه التي تجتمع منياً في أوعيته، ويحتمل أن يقال: إن كل نسل آدم حاله كذلك لأن غذاءه ينتهي إلى النبات المتولد من صفو الأرض والماء المسمى بالسلالة.
ثم إن تلك السلالة تصير منياً وعلى هذا فكلتا لفظي "من" للابتداء.
قال في الكشاف: الأولى للابتداء والثانية للبيان وهو موجه على التفسير الأول فقط.
والقرار المستقر اراد به الرحم.
وإنما وصفت بالمكين لمكانتها في نفسها فإنها مكنت حيث هي وأحرزت، أو على الإسناد المجازي باعتبار المستقر فيها كقولك "طريق سائر".
وترتيب الأطوار كما مر في أول الحج.
ومعنى "ثم" في بعض هذه المعطوفات تراخي الرتبة ولا سيما في قوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ اي خلقاً مبايناً للخلق الأول حيث جعله حيواناً وكان جماداً إلى غير ذلك من دقائق اللطف وغرائب الصنع وذلك بعد استكماله ثلاثة أربعينات.
ومن هنا ذهب أبو حنيفة فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده إلى أنه يضمن البيضة ولا يردّ الفرخ لأنه خلق آخر سوى البيضة.
وروى العوفي عن ابن عباس أن ذلك تصريف الله في أطواره بعد الولادة من الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب وخلق الفهم والعقل فيه يؤيده قوله ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ﴾ ويروى هذا القول أيضاً عن مجاهد وابن عمر ﴿ فتبارك الله ﴾ كثر خيره وبركته أو هو وصف له بالدوام والبقاء أو بالتعالي لأن البركة يرجع معناها إلى الامتداد وكل ما زاد على الشيء فقد علاه.
ومعنى ﴿ أحسن الخالقين ﴾ أحسن المقدّرين تقديراً فحذف المميز للعلم به.
قالت المعتزلة: في الاية دلالة على أن كل ما يفعله الله فهو حسن وحكمة فلا يكون خالقاً للكفر والمعاصي.
وأجيب بأن الحسن ههنا بمعنى الإحكام والإتقان في التركيب والتأليف وبأنه لا يقبح منه شيء لأنه يتصرف في ملكه.
قالوا: لولا أن غيره خالق لم تحسن هذه الإضافة فيعلم منه أن العبد خالق أفعاله.
وعورض بقوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ وأجيب بأن المراد أنه أحسن الخالقين في زعمكم واعتقادكم.
وبعضهم أجاب بأن وجه حسن الإضافة هو أنه وصف عيسى بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ولا يخفى ضعف هذا الجواب من أنه يلزم إطلاق الجمع على الواحد ومن حيث إنه يلزم إطلاق الخالق على المصوّرين.
والحق أن الخلق لو كان بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد لا يلزم منه شيء من هذه الإشكالات.
روي أن عبد الله بن أبي سرج كان يتب لرسول الله فنطق بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله اكتب هكذا نزلت.
فقال عبد الله: إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ فلحق بمك كافراً ثم اسلم يوم الفتح.
وروي عن عمر ايضاً سبق لسانه بقوله ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ قبل أن ينزل.
واعلم أن هذا غير مستبعد ولا قادح في إعجاز القرآن لأنه ليس بمقدار سورة الكوثر التي وقع فيها أقل التحدي به.
سؤال: ما الحكمة في الموت وهلا وصل نعيم الدنيا بنعيم الآخرة ليكون في الأنعام أبلغ؟
جواب لو كان كذلك لكان الآتي بالطاعة آتياً بها لمحض الجنة والثواب فلا جرم أوقع الله الإماتة والإعادة في البين لتكون الطاعات أدخل في الإخلاص وابعد عن صورة المبايعة.
وليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة وهي حياة القبر فتعرف تلك بدليل آخر.
ويمكن إن يقال: بل الآية تتضمنها فإنها ايضاً من جنس الإعادة.
النوع الثاني: الاستدلال بخلق السموات قال الخليل والفراء والزجاج: سميت السموات طرائق لأنها طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل.
وقال علي بن عيسى: لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم.
وقيل: لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها ﴿ وما كنا عن الخلق ﴾ أي عن السموات وحفظها أن لا تقع على الأرض قاله سفيان بن عيينة.
وعن الحسن أراد بالخلق الناس أي ما كنا ﴿ غافلين ﴾ عن مصالحهم فخلقنا الطرائق فوقهم لينزل منها عليهم البركات والأرزاق ولينتفعوا بغير ذلك من منافعها.
ويحتمل أن يريد بالأول كمال قدرته وبالثاني كمال علمه بأحوال مخلوقاته وفيه نوع من الزجر.
ويمكن أن يراد خلقنا السموات وما كنا عن خلقها ذاهلين فلهذا لم تخرج عن التقدير الذي اردنا كونها عليه نظيره ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ النوع الثالث: الاستدلال بنزول الأمطار وإخراج النبات وإنشاء الحيوانات.
ونزول المطر عند الظاهرين من أهل الشرع لا يبعد أن يكون من نفس السماء، وعند أرباب المعقول منهم يراد به إنزاله من جهة السماء قالوا: إنه يصعد الأجزاء المائية من البحر بواسطة التبخير فتصير في الجو صافية عذبة زائلة عنها ملوحة البحر، ثم ينزلها بواسطة السحب وقد سلف في أول البقرة تفصيل ذلك.
ومعنى ﴿ بقدر ﴾ بتقدير يسلمون معه من المضار ويصلون إلى المنافع، او بمقدار يوافق حاجاتهم.
ومعنى إسكان ماء المطر في الأرض جعله مدداً للينابيع والآبار.
وقيل: أراد إثابته في الأرض على ما روي عن ابن عباس أن الأنهار خمسة: سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة واستودعها الجبال وأجراها في الأرض.
﴿ وإنا على ذهاب به لقادرون ﴾ أي كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه.
ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى إذ فيه إيذان على أن الذاهب به قادر على ايّ وجه اراد به، وفيه تحذير من كفران نعمة الماء وتخويف من نفاذه إذا لم يشكر.
ثم لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء بين المنافع الحاصلة بسببه وخص منها النخيل والأعناب وشجرة الزيتون لأنها أكرم الشجر وأعمها نفعاً، ووصف النخل بأن ثمرهما جامع لأمرين: التفكه والتطعم.
وجوز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ومنها تأكلون ﴾ من قولهم "فلان يأكل من حرفة كذا" كأنه قال: ومن هذه الجنان وجوه ارزاقكم ومعايشكم ووصف الزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعاً.
قال جار الله: طور سيناء وطور سينين إما أن يكون الطور فيه مضافاً إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون المجموع اسماً للجبل وهو جبل فلسطين على قول والطور الذي منه نودي موسى.
من قرأ ﴿ سيناء ﴾ بفتح السين فهو كصحراء، ومن قرأ بكسرها فمنع صرفه للعلمية والعجمة أو التأنيث بتأويل البقعة ولا يكون الفه حينئذ للتأنيث كعلباء وحرباء.
قال في الكشاف ﴿ بالدهن ﴾ في موضع الحال والباء للمصاحبة دون التعدية، لأن نبات الدهن أو إنباته لا يكاد يستعمل.
فالمعنى تنبت الشجرة وفيها الدهن أو تنبت الشجرة زيتونها وفيه الزيت.
ويجوز أن يكون أنبت بمعنى نبت أيضا، والصبغ الإدام لأنه يصبغ الخبز.
قلت: لا يبعد أن يريد بالصبغ نفس ثمر الزيتون لا الزيت، وكذا يحتمل أن تكون الباء في ﴿ بالدهن ﴾ للتعدية إلا أن يكون الإنبات متعدياً.
قال المفسرون: إنما أضافها الله إلى هذا الجبل لأنها منه تشعبت في البلاد وتفرقت أو لأن معظمها هنالك.
قوله ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ قد مر في "النحل".
ولعل القصد بالأنعام ههنا.
الإِبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة ولانه قرنها بالفلك وهي سفائن البر كما أن الفلك سفائن البحر.
وإنما قال في هذه السورة.
﴿ فواكه كثيرة ﴾ بالجمع بخلاف ما في "الزخرف" لتناسب قوله هنا ﴿ منافع كثيرة ﴾ لتناسب قوله ﴿ جنات ﴾ كما قال هنالك ﴿ فاكهة ﴾ على التوحيد لتناسب قوله ﴿ تلك الجنة ﴾ وإنما قال هنا في الموضعين ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بزيادة الواو خلاف الزخرف لأن تقدير الاية: منها تدخرون ومنها تأكلون ومنها تبيعون ومنها ومنها، وليس كذلك فاكهة الجنة فإنها للأكل فحسب فافهم.
وأعلم أنه لما أنجر الكلام إلى ذكر الفلك أتبعه قصة نوح لأنه أول من الهم صنعتها، وفيه أيضاً تمزيج القصص بدلائل التوحيد على عادة القرآن لأجل الاعتبار والتنشيط.
وقوله ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ جملة مستأنفة تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة.
ومعنى ﴿ أفلا تتقون ﴾ أفلا تخافون أن تتركوا عبادة من هو لوجوب وجوده مستحق العبادة ثم تذهبوا فتعبدوا ما ليس بهذه الصفة بل هو في أخس مراتب الإمكان وهي الجمادية.
ثم حكى الله عنهم شبهاً: الأولى قولهم ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ إنكار كون الرسول من جنس البشر أو إنكار مثلهم في الأسباب الدنيوية من المال والجاه والجمال كأنهم ظنوا أن القرب من الله يوجب المزية في هذه الأمور ويتأكد هذا الاحتمال بالشبهة الثانية وهي قوله ﴿ يريد أن يتفضل عليكم ﴾ أي يتكلف طلب الفضل والرياسة عليكم نظيره { ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ ويتأكد الاحتمال والأول بالشبهة الثالثة وهي قوله ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ لعلو شأنهم ووفور علمهم وكمال قوتهم.
وقد حكى هذه الشبهة عن أقوام آخرن في "حم السجدة" ﴿ قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ﴾ خص هذه السورة باسم الله على الأصل ولتقدم ذكر الله وخص تلك السورة باسم الرب لتقدم ذكر الرب في قوله ﴿ ذلك رب العالمين ﴾ وهم من جملة العالمين قالوه إما اعتقاداً وإما استهزاء.
الشبهة الرابعة الاعتصام بحبل التقليد ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي بمثل هذا الكلام أو بمثل هذا المدعي فيجوز أن يكونوا صادقين في ذلك للفطرة المتداولة، ويجوز أن يكونوا تجاهلوا وتكذبوا لانهماكهم في الغي وتشمرهم لدفع الحق وإفحام النبي بأيّ وجه يمكنهم يؤيده الشبهة الخامسة وهي نسبتهم إياه إلى الجنون مع علمهم ظاهراً بأنه أرجح الناس عقلاً ورزانة.
قال جار الله: الجنة الجنون أو الجن أي به جن يخبلونه، وهذا بناء على زعم العوام أن المجنون ضر به الجن.
ثم رتبوا على هذه الشبهة قولهم ﴿ فتربصوا به حتى حين ﴾ أي اصبروا عليه إلى أن ينكشف جنونه ويفيق أو إلى أن يموت أو يقتل.
وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام فإنه كان يفعل أفعالاً على خلاف عاداتهم.
وكان رؤساؤهم يقولون للعوام: إنه مجنون لينفروهم عنه وليلبسوا عليهم أمره.
ويحتمل أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه إن كان نبياً حقاً فالله ينصره ويقوّي أمره فنحن حينئذ نتبعه، وإن كان كاذباً فالله يخذله ويبطل أمره فحينئذ نستريح منه.
واعلم أنه لم يذكر جواب شبهاتهم لركاكتها ولأنه قد علم في هذا الكتاب الكريم أجوبتها غير مرة ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ { ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ﴾ ﴿ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ﴾ وإذا بطل طريقة التقليد صار حديث التربص ضائعاً يجب قبول قول من يدعي النبوّة بعد ظهور المعجزة من غير توقف.
ثم حكى أن نوحاً لما علم إصرارهم على الكفر ﴿ قال رب انصرني ﴾ أي أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي ففي نصرته إهلاكهم، أو انصرني بدل تكذيبهم إياي كقولك "هذا بذاك" والمراد بدلني من غم التكذيب سلوة النصرة أو انصرني بإنجاز ما كذبوني فيه وهو وعد العذاب في قوله ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ وباقي القصة إلى قوله ﴿ إنهم مغرقون ﴾ قد مر تفسير مثلها في سورة هود.
ومعنى ﴿ فأسلك ﴾ أدخل فيها وقد مر في أول الحجر في قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ و ﴿ سبق عليه القول ﴾ نقيض ﴿ سبقت لهم منا الحسنى ﴾ لأن "على" تستعمل في الضار كما أن اللام تستعمل في النافع.
وقد جاء زيادة منهم ههنا على الأصل وحذفت في "هود" ليحسن عطف ﴿ ومن آمن ﴾ من غير التباس وبشاعة.
قيل: في قوله ﴿ بأعيننا ﴾ على الجمع فساد قول المشبهة إن الله خلق آدم على صورته.
أما قوله ﴿ فإذا استويت ﴾ أي ركبت واستوليت ﴿ أنت ومن معك على الفلك فقل ﴾ لم يقل "فقولوا" لأن أول الكلام مبني على خطاب نوح، ولأن قول النبي قول الأمة مع ما فيه من الإشعار بفضله ومن إظهار الكبرياء وأن كل أحد لا يليق لخطاب رب العزة.
وفي الأمر بالحمد على هلاكهم تقبيح صورة الظلمة كقوله ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ﴾ وإنما جعل استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزماً لأنه كان عرفه أن ذلك سبب نجاتهم من الاشتراك مع الظلمة في حكم الإهلاك.
ثم أمره أن يسأل ما هو أهم وأنفع أن ينزله في السفينة بدليل عطف ﴿ وقل ﴾ على جزاء ﴿ فإذا استويت ﴾ أو ينزله في الأرض عند خروجه من السفينة لأنه لا يبعد أن يدعو عند ركوب السفينة بما يتعلق بالخروج منها ﴿ منزلاً ﴾ اي إنزالاً أو موضع إنزال يبارك له فيه بزيادة إعطاء خير الدارين وقد أمره أن يشفع بالدعاء الثناء المطابق للمسألة وهو قوله ﴿ وأنت خير المنزلين ﴾ أي إنزالاً وذلك أنه أقدر على الحفظ وأعلم بحال النازل بل كل منزل فإنه لا يقدر على إيصال الخير إلى النازل إلا بإقداره وتمكينه وإلقاء تلك الداعية في قلبه ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من القصة ﴿ لآيات ﴾ لعبراً ودلالات لمن اعتبر وادّكر فإن إظهار تلك المياه العظيمة والذهاب بها إلى مقارّها لا يقدر عليها إلا القدير الخبير ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لمبتلين ﴾ هي الفارقة.
والمعنى وإن الشأن والقصة كما مبتلين أي مصيبين قوم نوح ببلاء الغرق أو مختبرين بهذه الآيات من يخلفهم لننظر من يعتبر كقوله ﴿ ولقد تركناها آية فهل من مدكر ﴾ وقيل: المراد كما يعاقب بالغرق من كفر فقد يمتحن به من لم يكفر على وجه المصلحة لا التعذيب، فليس الغرق كله على وجه واحد.
التأويل: الفلاح الظفر والفوز والبقاء أي ظفر المؤمنون بالإيمان الحقيقي المقيد بجميع الشرائط بنفوسهم ببذلها في الله، وفازوا بالوصول إلى الله وبقوابه بعد أن فنوا فيه.
الخشوع في الظاهر انتكاس الراس وغض العين واستماع الأذن وقراءة اللسان ووضع اليمين على الشمال كالعبيد، واعتدال الظهر في القيام وانحناؤه في الركوع وثبات القدمين.
والخشوع في الباطن سكون النفس عن الخواطر والهواجس وحضور القلب لمعاني القراءة والأذكار ومراقبة السر بترك الالتفات إلى المكوّنات، واستغراق الروح في بحر المحبة وذوبانه عند تجلي صفات الجمال والجلال.
واللغو كل ما يشغلك عن الله.
والزكاة تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة بل عن حب الدنيا لأنه راس خطيئة ﴿ إلا على أزواجهم ﴾ في كلمة "على" دلالة على أنهم يجب أن يستولوا على الأزواج لا بالعكس وإلا كن عدوّاً لهم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ﴾ وعلامة الاستيلاء على الأزواج أن يبتغي بالنكاح النسل ورعاية السنة في أوانها لاحظ النفس وإلا كان متجاوزاً طريق الكمال ﴿ لأمانتهم ﴾ يعني التي حملها الإنسان ﴿ وعهدهم ﴾ هو عهد الميثاق في الأزل يحافظون الفرق بين المحافظة والخشوع، أن الخشوع معتبر في نفس الصلاة، والمحافظة معتبرة فيها وفيما قبلها من الشرائط وفيما بعدها وهو أن لا يفعل ما يحبطها ويضيعها الوارثون لأنهم أحياء القلوب وقد نالوا من المراتب ما خلفتها أموات القلوب ﴿ من سلالة ﴾ لأنه سل من جميع أجزاء الأرض فجاء مختلف الألوان والأخلاق حسب اختلاف أجزاء الطين.
بل بحسب اختلاف المركبات من الطين.
ففيه حرص الفأرة والنملة، وشهوة الحمار والعصفور، وغضب الفهد والأسد، وكبر النمر، وبخل الكلب، وشره الخنزير، وحقد الحية، وغير ذلك من الصفات الذميمة، وفيه شجاعة السد، وسخاوة الديك، وقناعة البوم، وحلم الجمل، وتواضع الهرة، ووفاء الكلب، وبكور الغراب، وهمة البازي ونحوها من الأخلاق الحميدة ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ لأنه خلق أحسن المخلوقين.
أما من حيث الصورة فلأنه خلق من نطفة متشابهة الأجزاء بدناً مختلف الأبعاض والأعضاء كاللحم والشحم والعظم والعروق والشعر والظفر والعصب والعروق والمخ والأنف والفم واليد والرجل وغيرها مما يشهد لبعضها علم التشريح.
وأما من حيث المعنى فلأنه خلق الإنسان مستعداً لحمل الأمانة التي أبى حملها السموات والأرض والجبال وسيجيء تحقيق ذلك في موضعه ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ﴾ إلى قوله ﴿ تبعثون ﴾ فيه أن الإنسان قابل لموت القلب ولموت النفس ولحشرهما.
وفي موت أحدهما حياة الآخر وحشره.
وموت القلب عبارة عن انغماسه وتستره في حجب الغواشي الاتية عليه من طرق الحواس الظاهرة وحاستي الوهم والخيال فلذلك قال ﴿ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ﴾ هي الأغشية والحجب من الجهات المذكورة ﴿ وما كنا عن ﴾ مصالح ﴿ الخلق غافلين ﴾ فلا نترك العبد في تلك الحجب بدليل قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ﴾ سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الرحمة ﴿ بقدر ﴾ استعداد السالك ﴿ فأسكناه ﴾ في أرض وجوده ﴿ فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ﴾ المعارف ﴿ وأعناب ﴾ الكشوف وشجرة الخفي الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلي أنوار الصفات ﴿ تنبت ﴾ بدهن حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة لأنه سر بين الله وبين الروح.
﴿ وصبغ ﴾ لآكل الكونين بقوة الهمة.
ثم أخبر عن نعم الغلب أن فيها منافع لأنها آلة تحصيل الكمال ﴿ وعليها وعلى ﴾ ذلك الشريعة في سفر السير إلى الله ﴿ تحملونه ﴾ وتأويل قصة نوح قد مر في سورة هود والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
الفلاح، قال قائلون: الفلاح هو البقاء، أي: بقي المؤمنون.
وقال قائلون: الفلاح: السعادة.
وقال [قائلون]: الفلاح: الفوز، وأمثاله.
[و] في قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر دلالة أن من المؤمنين من هم بهذا الوصف الذي وصف هؤلاء، وأن اسم الإيمان يقع بدون الذي ذكر في هذه الآية؛ لأنه لو لم يكن لذكر ما ذكر من الخشوع في صلاتهم، والحفظ لفروجهم، والإعراض عن اللغو، يعني: دل أنه يكون مؤمناً بغير الوصف الذي وصف هؤلاء، وكذلك في قوله: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ ﴾ ؛ فدل أن فيهم من ليس بعدل، وفيهم من لا يرضى في الشهداء؛ حيث خصّ العدل والمرضي في الشهادة.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ .
قال الحسن: الخشوع هو الخوف الدائم اللازم في القلب.
وقال غيره: الخشوع في القلب، وأصل الخشوع كأنه آثار ذل - من الخوف - تظهر في الوجه والجوارح كلها، لا الخوف الذي ذكر هؤلاء؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴾ ، وقال: ﴿ خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ ﴾ - دل هذا أن الخشوع هو آثار ذلّ من خوف يظهر في الوجه والجوارح كلها؛ ولذلك قال بعضهم: الخشوع في الصلاة هو ألا يعرف من عن يمينه وشماله؛ لأن ذلك يشغله عن العلم بمن يليه، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ ﴾ .
اللغو: كأنه اسم كل باطل، واسم كل ما يلغى ولا يعبأ به، أخبر أنهم يعرضون عن كل باطل وعن كل ما نهوا عنه، ويقبلون على كل طاعة وبكل ما أمروا به.
﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ ﴾ .
يحتمل الزكاة: الزكاة التي بها تزكو أنفسهم عند الله.
وجائز الزكاة المعروفة المعهودة، أخبر أنهم فاعلون ذلك مؤدون.
وجائز أن يكون ذكر هذا من المؤمنين؛ من الطاعة لله والائتمار لأمره، والرضا به، مقابل ما كان من المنافقين من الكراهية في الإنفاق، والصلاة على الكسل، والمراءاة؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ...
﴾ الآية [النساء: 142]، وقوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ ، وقولهم: ﴿ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ ﴾ نعتهم بالكسل، والخلاف، وترك الإنفاق والمراءاة في الطاعات، ونعت المؤمنين بضدّ ذلك، وبالرغبة في أوامره، والانتهاء عن معاصيه ونواهيه.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ .
استثنى في هذا؛ لأنّ هذا مما يحلّ في حال ويحرم في حال، وأما اللغو وما ذكر من أوّل الآية إلى آخره لا يحل بحال، واللغو حرام في الأحوال كلها، وكذلك ترك أداء الأمانة والزكاة والصلاة مما لا يحل تركه بحال.
وقوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ .
ذكر ألا يلحقهم لائمة في ذلك - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: لقول الثنوية؛ لأنهم لا يرون التناكح، فأخبر أن اللائمة [ليست] في هذين وإنما اللائمة في غير هذين.
والثاني: ذكر لإبطال المتعة؛ لأنه استثنى الأزواج وما ملكت أيمانهم، والمتعة ليست في هذين اللذين استثناهما، ثم أخبر أن لا لائمة في هذين، وفيما عداهما لائمة، والمتعة مما عدا هذين، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ ﴾ وإلى هذا يصرف حفظ الفروج، وإلا: كان عامة الناس يحفظون فروجهم عن الزنا، ويعرفون حرمته، لكنهم كانوا يستبيحون المتعة والإجارة فيه؛ فحرم ذلك.
ثم قال: ﴿ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ﴾ .
والعادي: هو المجاوز عن الحد الذي حدّ له.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ .
يحتمل الأمانات: العبادات والفرائض التي فرضت عليهم، راعوها، أي: أدوها في أوقاتها، والعهود التي فيما بينهم وبين ربهم.
أو أن يكون الأمانات التي وضعت عندهم والعهود التي فيما بينهم وبين الخلق، راعوها، أي: حفظوها، وأدوها إلى أربابها ولم يضيعوها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ .
يكون محافظة الصلاة بوجوه: أحدها: يحافظونها بأركانها وفرائضها ولوازمها وآدابها.
والثاني: يحافظونها بأسبابها التي جعلت لها من الأوقات والطهارات وستر العورة وغيرها من الأسباب التي لا تقوم الصلاة إلا بها.
والثالث: يحافظونها بالخشوع والوقار وإظهار الذلّ له والإخلاص، وغير ذلك من الأشياء مما ندب المصلي إليه، وعلى ذلك جميع ما ذكر من الأمانات وغيرها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ ﴾ .
الوارث: هو الباقي عن المورث.
وقال الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ ﴾ ، أي: إنا باقون عن الخلق، أي: يفني الخلائق، وهو يبقى.
أو أن يكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ ﴾ هكذا هو ما وعد الله عباده الجنة إن أجابوه، وإليها دعاهم بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ ؛ فمن ترك إجابته يصير الموعود الذي وعد له إن أجاب لمن أجابه؛ فذلك الوراثة التي ذكر الله.
وقوله: ﴿ ٱلْفِرْدَوْسَ ﴾ ، قيل: هو بلسان الروم: بستان، سمى الله الجنة بأسماء مختلفة: منها عدن، ونعيم، ومأوى، وفردوس، و [هي] في الحقيقة واحد؛ لأن العدن هو المقام، والنعيم هو ما ينعم، ومأوى فهي كذلك، ثم فردوس وعدن، ومأوى نعيم.
وروي في بعض الأخبار عن رسول الله أنه قال: " ﴿ الْفِردَوْسُ رَبْوةُ الجَنَّةِ الْعُلْيَا، وَهِيَ أَوْسَطُهَا، وَأَحْسَنُهَا ﴾ " ، فإن ثبت هذا فهو ما ذكر.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ ، قال: الإقبال عليها، والذلة فيها.
وعن علي - - قال: الخشوع في القلب، وأن تلين كنفك للمرء المسلم، وألا تلتفت في صلاتك.
وقيل: التواضع، وأصله ما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
قد فاز المؤمنون بالله العاملون بشرعه بالحصول على ما يطلبون، والنجاة مما يرهبون.
<div class="verse-tafsir" id="91.l3VaX"