الآية ١٠٢ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ١٠٢ من سورة المؤمنون

فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ١٠٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٢ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٢ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ) أي : من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة ، قاله ابن عباس .

( فأولئك هم المفلحون ) أي : الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة .

وقال ابن عباس : أولئك الذين فازوا بما طلبوا ، ونجوا من شر ما منه هربوا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ) موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) يعني: الخالدون في جنات النعيم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان ; فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وفي القيامة مواضع، يشتد كربها، ويعظم وقعها، كالميزان الذي يميز به أعمال العبد، وينظر فيه بالعدل ما له وما عليه، وتبين فيه مثاقيل الذر، من الخير والشر، { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } بأن رجحت حسناته على سيئاته { فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } لنجاتهم من النار، واستحقاقهم الجنة، وفوزهم بالثناء الجميل

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فمن ثقلت موازينه» بالحسنات «فأولئك هم المفلحون» الفائزون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فمن كثرت حسناته وثَقُلَتْ بها موازين أعماله عند الحساب، فأولئك هم الفائزون بالجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون .

.

) بيان لما يكون بعد النفخ فى الصور من ثواب أو عقاب .أى : وجاء وقت الحساب بعد النفخ فى الصور ، ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ) أى : موازين أعماله الصالحة ، ( فأولئك هُمُ المفلحون ) فلاحا ليس بعده فلاح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما قال: ﴿ وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  ﴾ ذكر أحوال ذلك اليوم فقال: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور ﴾ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصور آلة إذا نفخ فيها يظهر صوت عظيم، جعله الله تعالى علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرن ينفخ فيه.

وثانيها: أن المراد من الصور مجموع الصور، والمعنى فإذا نفخ في الصور أرواحها وهو قول الحسن فكان يقرأ بفتح الواو والفتح والكسر عن أبي رزين وهو حجة لمن فسر الصور بجمع صورة.

وثالثها: أن النفخ في الصور استعارة والمراد منه البعث والحشر، والأول أولى للخبر وفي قوله: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى  ﴾ دلالة على أنه ليس المراد نفخ الروح والإحياء لأن ذلك لا يتكرر.

أما قوله: ﴿ فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ ﴾ فمن المعلوم أنه سبحانه إذا أعادهم فالأنساب ثابتة لأن المعاد هو الولد والوالد، فلا يجوز أن يكون المراد نفي النسب في الحقيقة بل المراد نفي حكمه.

وذلك من وجوه: أحدها: أن من حق النسب أن يقع به التعاطف والتراحم كما يقال في الدنيا: أسألك بالله والرحم أن تفعل كذا.

فنفى سبحانه ذلك من حيث إن كل أحد من أهل النار يكون مشغولاً بنفسه وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب، وهكذا الحال في الدنيا لأن الرجل متى وقع في الأمر العظيم من الآلام ينسى ولده ووالده.

وثانيها: أن من حق النسب أن يحصل به التفاخر في الدنيا، وأن يسأل بعضهم عن كيفية نسب البعض، وفي الآخرة لا يتفرغون لذلك.

وثالثها: أن يجعل ذلك استعارة عن الخوف الشديد فكل امرئ مشغول بنفسه عن بنيه وأخيه وفصيلته التي تؤويه فكيف بسائر الأمور، قال ابن مسعود رضي الله عنه يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وينادي مناد ألا إن هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة حينئذ أن يثبت لها حق على أمها أو أختها أو أبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها ﴿ فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ وعن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء ثم تلا ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ  ﴾ وعن الشعبي قال: قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله، أما نتعارف يوم القيامة، أسمع الله تعالى يقول: ﴿ فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ ﴾ فقال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث مواطن تذهل فيها كل نفس؛ حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين، وعلى جسر جهنم».

وطعن بعض الملحدة فقال قوله: ﴿ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً  ﴾ يناقض قوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ  ﴾ الجواب: عنه من وجوه: أحدها: أن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة ففيه أزمنة وأحوال مختلفة فيتعارفون ويتساءلون في بعضها، ويتحيرون في بعضها لشدة الفزع.

وثانيها: أنه إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شغلوا بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا: ﴿ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن  ﴾ .

وثالثها: المراد لا يتساءلون بحقوق النسب.

ورابعها: أن قوله: ﴿ لاَ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ صفة للكفار وذلك لشدة خوفهم.

أما قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها، واعلم أنه سبحانه قد بين أن بعد النفخ في الصور تكون المحاسبة، وشرح أحوال السعداء والأشقياء، وقيل لما بين سبحانه أنه ليس في الآخرة إلا ثقل الموازين وخفتها، وجب أن يكون كل مكلف لابد وأن يكون من أهل الجنة وأهل الفلاح أو من أهل النار فيبطل بذلك القول بأن فيهم من لا يستحق الثواب والعقاب أو من يتساوى له الثواب والعقاب، ثم إنه سبحانه شرح حال السعداء بقوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ موازينه فأولئك هُمُ المفلحون ﴾ وفي الموازين أقوال: أحدها: أنه استعارة من العدل.

وثانيها: أن الموازين هي الأعمال الحسنة فمن أتى بما له قدر وخطر فهو الفائز الظافر، ومن أتى بما لا وزن له كقوله تعالى: ﴿ والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَاءً حتى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً  ﴾ فهو خالد في جهنم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال أي الصالحات التي لها وزن وقدر عند الله تعالى من قوله: ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً  ﴾ أي قدراً.

وثالثها: أنه ميزان له لسان وكفتان يوزن فيه الحسنات في أحسن صورة، والسيئات في أقبح صورة فمن ثقلت حسناته سيق إلى الجنة ومن ثقلت سيئاته فإلى النار، وتمام الكلام في هذا الباب قد تقدم في سورة الأنبياء عليهم السلام.

وأما الأشقياء فقد وصفهم الله تعالى بأمور أربعة: أحدها: أنهم خسروا أنفسهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما غبنوها بأن صارت منازلهم للمؤمنين، وقيل امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب.

وثانيها: قوله: ﴿ فِي جَهَنَّمَ خالدون ﴾ ودلالته على خلود الكفار في النار بينة.

قال صاحب الكشاف: ﴿ فِي جَهَنَّمَ خالدون ﴾ بدل من خسروا أنفسهم أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف.

وثالثها: قوله: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم، قال الزجاج: اللفح والنفخ واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً.

ورابعها: قوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا كالحون ﴾ والكلوح أن تتقلص الشفتان ويتباعدا عن الأسنان، كما ترى الرؤوس المشوية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته»، وقرئ (كلحون)، ثم إنه سبحانه لما شرح عذابهم، حكى ما يقال لهم عند ذلك تقريعاً وتوبيخاً، وهو قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ ءاياتي تتلى عَلَيْكُمْ ﴾ ثم إنكم كنتم تكذبون بها مع وضوحها، فلا جرم صرتم مستحقين لما أنتم فيه من العذاب الأليم.

قالت المعتزلة: الآية تدل على أنهم إنما وقعوا في ذلك العذاب لسوء أفعالهم، ولو كان فعل العباد بخلق الله تعالى لما صح ذلك والجواب: أن القادر على الطاعة والمعصية إن صدرت المعصية عنه لا لمرجح ألبتة كان صدورها عنه اتفاقياً لا اختيارياً، فوجب أن لا يستحق العقاب، وإن كان لمرجح، فذاك المرجح ليس من فعله وإلا لزم التسلسل، فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطرارياً لا اختيارياً، فوجب أن لا يستحق الثواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن عباس: الموازين: جمع موزون؟

وهي الموزونات من الأعمال: أي الصالحات، التي لها وزن وقدر عند الله، من قوله تعالى: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً ﴾ [الكهف: 105] .

﴿ فِى جَهَنَّمَ خالدون ﴾ بدل من خسروا أنفسهم، ولا محلّ للبدل والمبدل منه؛ لأنّ الصلة لا محلّ لها.

أو خبر بعد خبر لأولئك.

أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ تَلْفَحُ ﴾ تسفع.

وقال الزجاج: اللفح والنفح واحد، إلاّ أنّ اللفح أشدّ تأثيراً.

والكلوح: أن تتقلص الشفتان وتتشمرا عن الأسنان، كما ترى الرؤوس المشوية.

وعن مالك بن دينار: كان سبب توبة عتبة الغلام أنه مرّ في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام وليالهنّ.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تشويهِ النارُ فتقلصُ شفتُه العُليا حتَّى تبلغَ وسطَ رأسِهِ، وتسترخِي شفتُه السفَلى حتى تبلغَ سرّتَه» وقرئ: ﴿ كلحون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ ﴾ لِقِيامِ السّاعَةِ والقِراءَةُ بِفَتْحِ الواوِ وبِهِ وبِكَسْرِ الصّادِ يُؤَيِّدُ أنَّ الصُّوَرِ أيْضًا جَمْعُ الصُّورَةِ.

﴿ فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ ﴾ تَنْفَعُهم لِزَوالِ التَّعاطُفِ والتَّراحُمِ مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ واسْتِيلاءِ الدَّهْشَةِ بِحَيْثُ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ أوْ يَفْتَخِرُونَ بِها.

﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ كَما يَفْعَلُونَ اليَوْمَ.

﴿ وَلا يَتَساءَلُونَ ﴾ ولا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ، وهو لا يُناقِضُ قَوْلَهُ ﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ لِأنَّهُ عِنْدَ النَّفْخَةِ وذَلِكَ بَعْدَ المُحاسَبَةِ، أوْ دُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ والنّارِ النّارَ.

﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ مَوْزُوناتُ عَقائِدِهِ وأعْمالِهِ، أيْ فَمَن كانَتْ لَهُ عَقائِدُ وأعْمالٌ صالِحَةٌ يَكُونُ لَها وزْنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وقَدْرٌ.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفائِزُونَ بِالنَّجاةِ والدَّرَجاتِ.

﴿ وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَكُونُ لَهُ وزْنٌ، وهُمُ الكُفّارُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ .

﴿ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ غَبَنُوها حَيْثُ ضَيَّعُوا زَمانَ اسْتِكْمالِها وأبْطَلُوا اسْتِعْدادَها لِنَيْلِ كَمالِها.

﴿ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ «لِأُولَئِكَ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَمَن ثَقُلَتْ موازينه} جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن وقدر عندالله تعالى من قوله فلا نقيم لها يوم القيامة وزنا {فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ أيْ مَوْزُوناتِ حَسَناتِهِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوازِينُ جَمْعَ مِيزانٍ ووَجْهُ جَمْعِهِ قَدْ مَرَّ.

والمَعْنى عَلَيْهِ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِالحَسَناتِ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ النّاجُونَ عَنْ كُلِّ مَهْرُوبٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، يعني: أمهلهم وأجلهم، حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت وهم الكفار، قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ يعني: يقول لملك الموت وأعوانه: يا سيدي ردني، ويقال: يدعو الله تعالى، ويقول: يا رب ارجعون، ويقال: إنما قال بلفظ الجماعة، لأن العرب تخاطب جليل الشأن بلفظ الجماعة.

ويقال: معناه يا رب مرهم ليرجعوني إلى الدنيا.

لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً يعني: خالصاً فِيما تَرَكْتُ في الدنيا.

قال الله تعالى: كَلَّا وهو رد عليهم، يعني: أنه لا يرد إلى الدنيا.

ثم قال: إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها يعني: يقولها ولا تنفعه.

ثم قال: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ يعني: من بعدهم القبر إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ويقال: بين كل شيئين حاجز فهو برزخ، ويقال: هو بين النفختين، وقال قتادة: البرزخ بقية الدنيا، وقال الحسن: القبر بين الدنيا والآخرة.

قوله عز وجل: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ يعني: النفخة الأخيرة، فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يعني: لا ينفعهم يَوْمَئِذٍ النسبُ، وَلا يَتَساءَلُونَ عن ذلك.

فهذه حالات لا يتساءلون في موضع، ويتساءلون في موضع آخر.

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ يعني: رجحت حسناته على سيئاته، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجون في الآخرة، وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ يعني: رجحت سيئاته على حسناته، فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ قوله تعالى: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ يعني: تنفح.

قال أهل اللغة: النفح واللفح بمعنى واحد، إلا أن اللفح أشد تأثيراً وهو الدفع، يعني: تضرب وجوههم النار.

وَهُمْ فِيها يعني: في النار، كالِحُونَ يعني: كلحت وعبست وجوههم، والكالح: الذي قد قلصت شفتاه عن أسنانه، ونحو ما تُرى من رؤوس الغنم مشوية إذا بدت الأسنان، يعني: كلحت وجوههم فلم تلتق شفاههم.

وقال ابن مسعود: «كالرأس النضيج» .

ثم قال: أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني: ألم يكن يقرأ عليكم القرآن فيه بيان هذا اليوم، وما هو كائن فيه؟

فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ يعني: بالآيات.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فِيما مَضى مِن عُمْرِي.

وقالَ مُقاتِلٌ: فِيما تَرَكْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ ؛ أيْ: لا يُرْجَعُ إلى الدُّنْيا، ﴿ إنَّها ﴾ يَعْنِي: مَسْألَتُهُ الرَّجْعَةَ، ﴿ كَلِمَةٌ هو قائِلُها ﴾ ؛ أيْ: هو كَلامٌ لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ.

﴿ وَمِن ورائِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: أمامِهم وبَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿ بَرْزَخٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَرْزَخُ: ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو بَرْزَخٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: البَرْزَخُ في اللُّغَةِ: الحاجِزُ، وهو هاهُنا ما بَيْنَ مَوْتِ المَيِّتِ وبَعْثِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ ﴾ في هَذِهِ النَّفْخَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الثّانِيَةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ يَتَفاخَرُونَ بِها أوْ يَتَقاطَعُونَ بِها؛ لِأنَّ الأنْسابَ لا تَنْقَطِعُ يَوْمَئِذٍ، إنَّما يُرْفَعُ التَّواصُلُ والتَّفاخُرُ بِها.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَتَساءَلُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَتَساءَلُونَ بِالأنْسابِ أنْ يَتْرُكَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ حَقَّهُ.

والثّانِي: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ شَأْنِهِ لِاشْتِغالِ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ.

والثّالِثُ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن أيِّ قَبِيلٍ أنْتَ، كَما تَفْعَلُ العَرَبُ لِتَعْرِفَ النَّسَبَ فَتَعْرِفَ قَدْرَ الرَّجُلِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الأعْرافِ: ٨ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَلْفَحُ وتَنْفَحُ بِمَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ اللَّفْحَ أعْظَمُ تَأْثِيرًا.

والكالِحُ: الَّذِي قَدْ تَشَمَّرَتْ شَفَتُهُ عَنْ أسْنانِهِ، نَحْوَ ما تَرى [ مِن ] رُءُوسِ الغَنَمِ إذا بَرَزَتِ الأسْنانُ وتَشَمَّرَتِ الشِّفاهُ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَدْ بَدَتْ أسْنانُهم وتَقَلَّصَتْ شِفاهُهم كالرَّأْسِ المَشِيطِ بِالنّارِ.

ورَوى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: " تَشْوِيهِ النّارُ فَتُقَلِّصُ شَفَتَهُ العُلْيا حَتّى تَبْلُغَ وسَطَ رَأْسِهِ، وتَسْتَرْخِيَ شَفَتُهُ السُّفْلى حَتّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ» " .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ ﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ "حَتّى" في هَذا المَوْضِعِ حَرْفُ ابْتِداءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غايَةً مُجَرَّدَةً بِتَقْدِيرِ كَلامٍ مَحْذُوفٍ، والأوَّلُ أبْيَنُ لَأنَّ ما بَعْدَها هو المَعْنِيُّ بِهِ المَقْصُودُ ذِكْرُهُ.

والضَمِيرُ في "أحَدَهُمْ" لِلْكُفّارِ، وقَوْلُهُ: "ارْجِعُونِ" مَعْناهُ: إلى الحَياةِ الدُنْيا.

وجَمْعُ الضَمِيرِ يَتَخَرَّجُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يُخاطِبَهُ مُخاطَبَةَ الجَمْعِ تَعْظِيمًا، عَلى نَحْوِ إخْبارِهِ تَعالى عن نَفْسِهِ بِنُونِ الجَماعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ اسْتِغاثَةً بِرَبِّهِ أوَّلًا ثُمْ خاطَبَ مَلائِكَةَ العَذابِ بِقَوْلِهِ: "ارْجِعُونِ".

وقالَ الضِحاكُ: هي في المُشْرِكِ، وقالَ النَبِيُّ  لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: «إذا عايَنَ المُؤْمِنُ قالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: نَرْجِعُكَ؟

فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ؟

بَلْ قُدُمًا إلى اللهِ تَعالى، وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا».

وقَرَأ الحَسَنُ والجُمْهُورُ: "لَعَلِّي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "لَعَلِّي" بِفَتْحِ الياءِ، و"كَلّا" كَلِمَةُ زَجْرٍ وهي مِن كَلامِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحُدُها: الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِأنَّ هَذا الشَيْءَ يَقَعُ ويَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، والآخَرُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّها كَلِمَةٌ لا تُغْنِي أكْثَرَ مِن أنْ يَقُولَها، ولا نَفْعَ لَهُ فِيها ولا غَوْثَ، والثالِثُ: أنْ تَكُونَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ رُدَّ لَعادَ، فَتَكُونُ آيَةَ ذَمٍّ لَهم.

والضَمِيرُ في "وَرائِهِمْ" لِلْكُفّارِ، أيْ يَأْتِي بَعْدَ مَوْتِهِمْ حاجِزٌ مِنَ المُدَّةِ، و"البَرْزَخُ" في كَلامِ العَرَبِ: الحاجِزُ بَيْنَ المَسافَتَيْنِ، ثُمْ يُسْتَعارُ لِما عَدا ذَلِكَ، فَهو هُنا لِلْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ مَوْتِ الإنْسانِ وبَيْنَ بَعْثِهِ، هَذا إجْماعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

و"يَوْمِ" مُضافٌ إلى "يَبْعَثُونَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي الصُوَرِ" وهو القَرْنُ، وقَرَأ ابْنُ عِياضٍ: "فِي الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ﴾ ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في صِفَةِ ارْتِفاعِ الأنْسابِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هَذا في النَفْخَةِ الأولى، وذَلِكَ أنَّ الناسَ بِأجْمَعِهِمْ يَمُوتُونَ فَلا يَكُونُ بَيْنَهم نَسَبٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهم أمْواتٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يُزِيلُ ما في الآيَةِ مِن ذِكْرِ هَوْلِ الحَشْرِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: إنَّما المَعْنى أنَّهُ عِنْدَ النَفْخَةِ الثانِيَةِ وقِيامُ الناسِ مِنَ القُبُورِ فَهم حِينَئِذٍ لِهَوْلِ المَطْلَعِ قَدِ اشْتَغَلَ كُلُّ امْرِئٍ بِنَفْسِهِ، قَدِ انْقَطَعَتْ بَيْنَهُمُ الوَسائِلُ وزالَ انْتِفاعُ الأنْسابِ، فَلِذَلِكَ نَفاها، فالمَعْنى: فَلا أنْسابَ نافِعَةٌ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ: أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أبْغَضُ إلى الإنْسانِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِمَّنْ يَعْرِفُ، لَأنَّهُ يَخافُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، ويَفْرَحُ كُلُّ أحَدٍ يَوْمَئِذٍ أنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ عَلى ابْنِهِ وأبِيهِ، وقَدْ ورَدَ بِهَذا حَدِيثٌ.

وكَذَلِكَ ارْتِفاعُ التَساؤُلِ لِهَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، ثُمْ تَأْتِي في القِيامَةِ مُواطِنُ يَكُونُ فِيها السُؤالُ والتَعارُفُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ حَسَنٌ، وهو مَرْوِيُّ المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وثِقَلُ المَوازِينِ هو بِالحَسَناتِ، والثِقَلُ والخِفَّةُ إنَّما يَتَعاقَبانِ بِأجْرامٍ يَخْتَرِعُ اللهُ تَعالى فِيها ذَلِكَ، وهي فِيما رُوِيَ بَراءاتٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على قوله ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ [المؤمنون: 100] فإن زمن النفخ في الصور هو يوم البعث فالتقدير: فإذا جاء يوم يبعثون، ولكن عدل عن ذلك إلى ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ تصوير لحالة يوم البعث.

والصور: البوق الذي ينفخ فيه النافخ للتجمع والنفير، وهو مما ينادى به للحرب وينادى به للصلاة عند اليهود كما جاء في حديث بدء الأذان من «صحيح البخاري».

وتقدم ذكر الصور عند قوله تعالى: ﴿ وله الملك يوم ينفخ في الصور ﴾ في سورة الأنعام (73).

وأسند ﴿ نُفِخ ﴾ إلى المجهول لأن المعتنى به هو حدوث النفخ لا تعيين النافخ.

وإنما يُنفخ فيه بأمر تكوين من الله تعالى، أو ينفخ فيه أحد الملائكة وقد ورد أنه الملك إسرافيل.

والمقصود التفريع الثاني في قوله ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ إلى آخره لأنه مناط بيان الرد على قول قائلهم ﴿ رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ﴾ [المؤمنون: 99، 100] المردود إجمالاً بقوله تعالى ﴿ كلا إنها كلمة هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 100] فقدم عليه ما هو كالتمهيد له وهو قوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ إلى آخره مبادرة بتأييسهم من أن تنفعهم أنسابهم أو استنجادهم.

والأظهر أن جواب (إذا) هو قوله الآتي ﴿ قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ﴾ [المؤمنون: 112] كما سيأتي وما بينهما كله اعتراض نشأ بعضه عن بعض.

وضمير ﴿ بينهم ﴾ عائد إلى ما عادت عليه ضمائر جمع الغائبين قبله وهي عائدة إلى المشركين.

ومعنى نفي الأنساب نفي آثارها من النجدة والنصر والشفاعة لأن تلك في عرفهم من لوازم القرابة.

فقوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ كناية عن عدم النصير.

والتساؤل: سؤال بعضهم بعضاً.

والمعنيّ به التساؤل المناسب لحلول يوم الهول، وهو أن يسأل بعضهم بعضاً المعونة والنجدة، كقوله تعالى ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ [المعارج: 10].

وأما إثبات التساؤل يومئذ في قوله تعالى ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون ﴾ [الصافات: 27 33] فذلك بعد يأسهم من وجود نصير أو شفيع.

وفي «البخاري»: أن رجلاً (هو نافع بن الأزرق الخارجي) قال لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال ﴿ فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون ﴾ وقال ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ [الصافات: 27] فقال ابن عباس: أما قوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ فهو في النفخة الأولى فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون اه.

يريد اختلاف الزمان وهو قريب مما قلناه.

وذكر من ﴿ ثقلت موازينه ﴾ في هذه الآية إدماج للتنويه بالمؤمنين وتهديد المشركين لأن المشركين لا يجدون في موازين الأعمال الصالحة شيئاً، قال تعالى: ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ﴾ [الفرقان: 23].

وتقدم الكلام على نظير قوله ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ في أول سورة الأعراف (8).

والخسارة: نقصان مال التجارة وتقدم في قوله تعالى: ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ في سورة الأنعام (12)، وقوله ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ في أول الأعراف (9).

وهي هنا تمثيل لحال خيبتهم فيما كانوا يأملونه من شفاعة أصنامهم وأن لهم النجاة في الآخرة أو من أنهم غير صائرين إلى البعث، فكذبوا بما جاء به الإسلام وحسبوا أنهم قد أعدوا لأنفسهم الخير فوجدوا ضده فكانت نفوسهم مخسورة كأنها تَلِفَت منهم.

ولذلك نصب ﴿ أنفسهم ﴾ على المفعول ب ﴿ خسروا ﴾ .

واسما الإشارة لزيادة تمييز الفريقين بصفاتهم.

وجملة ﴿ تلفح وجوههم النار ﴾ في موضع الحال من ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ .

ومعنى ﴿ تلفح وجوههم النار ﴾ تحرق.

واللفح: شدة إصابة النار.

والكالح: الذي به الكلوح وهو تقلص الشفتين وظهور الأسنان من أثر تقطب أعصاب الوجه عند شدة الألم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ لا يَتَعارَفُونَ لِلْهَوْلِ الَّذِي قَدْ أذْهَلَهم.

الثّانِي: أنَّهم لا يَتَواصَلُونَ عَلَيْها ولا يَتَقابَلُونَ بِها مَعَ تَعارُفِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ  ﴾ ﴿ وَلا يَتَساءَلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَتَساءَلُونَ أنْ يَحْمِلَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، أوْ يُعِينَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ خَبَرِهِ لِانْشِغالِ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ قالَهُ ابْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ﴾ قال: حين ينفخ في الصور فلا يبقى حي إلا الله عز وجل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي ﴿ فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ﴾ قال: في النفخة الأولى.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: ليس أحد من الناس يسأل أحداً بنسبه ولا بقرابته شيئاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال: لا يسأل أحد يومئذ بنسب شيئاً ولا ينمي إليه برحم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ﴾ وقوله: ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ [ الصفات: 27] فقال: إنها مواقف.

فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون.

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من وجه إلى آخر عن ابن عباس أنه سئل عن الآيتين فقال: أما قوله: ﴿ ولا يتساءلون ﴾ فهذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شيء.

وأما قوله: ﴿ فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ [ الصافات: 27] فإنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين- وفي لفظ: يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤؤس الأوّلين والآخرين- ثم ينادي مناد ألا إن هذا فلان ابن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه- فيفرح- والله- المرء أن يكون له الحق على والده أو زوجته وإن كان صغيراً.

ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يدور له على شيء، ثم قرأ ﴿ يوم يفر المرء من أخيه ﴾ [ عبس: 34] .

وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي، وسببي، وصهري» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ هذه والآية (١) (١) في (ظ)، (ع): (الآية).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين ﴾ يعني نزغاته ووساوسه، وقيل: يعني الحنون، واللفظ أعم من ذلك ﴿ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ معناه أن يكونوا معه، وقيل: يعني حضورهم عند الموت ﴿ حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ قال ابن عطية: حتى هنا حرف ابتداء: أي ليست غاية لما قبلها، وقال الزمخشري: حتى تتعلق بيصفون: أي لا يزالون كذلك حتى يأيتهم الموت ﴿ قَالَ رَبِّ ارجعون ﴾ يعني الرجوع إلى الدنيا، وخاطب به مخاطبة الجماعة للتعظيم، قال ذلك الزمخشري وغيره، ومثله قول الشاعر: ألا فارحمون يا آل محمد وقيل إنه نادى ربه ثم خاطب الملائكة ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ قيل: يعني فيما تركت من المال، وقيل: فيما تركت من الإيمان فهو كقوله: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾ [الأنعام: 158]، والمعنى أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل صالحاً في الإيمان الذي تركه أول مرة ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع له عما طلب ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ﴾ يعني قوله: ﴿ رَبِّ ارجعون ﴾ ﴿ لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾ فسمى هذا الكلام كلمة وفي تأويل معناه ثلاثة أقوال: أحدها أن يقول هذه الكلمة لا محالة لإفراط ندمه وحسرته فهو إخبار بقوله والثاني أن المعنى أنها كلمة يقولها ولا تنفعه ولا تغني عنه شيئاً، والثالث أن يكون المعنى أنه يقولها كاذباً فيها، ولو رجع إلى الدنيا لم يعمل صالحاً ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ ﴾ أي فيما يستقبلون من الزمان والضمير للجماعة المذكورين في قوله جاء أحدهم ﴿ بَرْزَخٌ ﴾ يعني المدة التي بين الموت والقيامة، وهي تحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا وأصل البرزخ الحاجز بين شيئين ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ ﴾ المعنى أنه ينقطع يومئذ التعاطف والشفقة التي بين القرابة؛ لاشتغال كل أحد بنفسه كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ [عبس: 34-35] فتكون الأنساب كأنها معدومة ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضاً لاشتغال كل أحد بنفسه، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ [الطور: 25] فالجواب أن ترك التساؤل عند النفخة الأولى ثم يتساءلون بعد ذلك، فإن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف كثيرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ عالم ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وعاصم غيره حفص إلا الخزاز.

وقرأ رويس بالخفض إذا وصل وبالرفع إذا ابتدأ، الآخرون بالخفض ﴿ لعلي أعمل ﴾ بسكون الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

﴿ شقاوتنا ﴾ حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون ﴿ شقوتنا ﴾ بكسر الشين وسكون القاف في غير ألف.

﴿ سخرياً ﴾ بضم السين وكذلك في صاد: ابو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف والمفضل والخزاز عن هبيرة.

الآخرون بكسرها ﴿ إنهم ﴾ بالكسر: حمزة وعلي والخزاز عن هبيرة.

﴿ قل كم ﴾ ﴿ قل إن لبثم ﴾ على الأمر فيهما: حمزة وعلي وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل وافق ابن كثير في الأول.

﴿ لا ترجعون ﴾ على البناء للفاعل يعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ط لمن قرأ بالرفع إلى هو عالم ومن خفض لم يقف لأنه بدل أو وصف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ ما يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله "فلا" جواب للشرط وهو إما والنداء عارض ﴿ للظالمين ﴾ ه لا ﴿ لقادرون ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه لا ﴿ يحضرون ﴾ ه ﴿ ارجعون ﴾ ه لا لتعلق لعل ﴿ كلا ﴾ ط لأنها للردع عما قبلها أي لا يرجع.

وقيل: مبتدأ بها بمعنى حقاً والأول أحسن ﴿ قائلها ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ كالحون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ ضالين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ ولا تكلمون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ج للآية والوصل أجوز لشدة اتصال المعنى وللفاء ﴿ تضحكون ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ العادين ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لا ترجعون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي  متوحداً غير مشارك ﴿ إلا هو ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ رب العرش ﴾ يصلح بدلاً من هو وخبر مبتدأ محذوف ﴿ الكريم ﴾ ط ﴿ آخر ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة ﴿ به ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه.

التفسير: لما أثبت لنفسه الإلهية بالدلائل الإلزامية في الآيات المتقدمة نفى عن نفسه الأنداد والأضداد بقوله ﴿ ما اتخذ الله من ولد ﴾ بقوله ﴿ وما كان معه من إله ﴾ وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله وإبطال الأقوال اليهود والنصارى والثنوية.

ثم ذكر شبه دليل التمانع بقوله ﴿ إذاً لذهب ﴾ وهو جواب لمن معه المحاجة من أهل الشرك وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره: ولو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق لانفرد كل واحد منهم بالخلق الذي خلقه واستبد به، لأن اجتماعهم على خلق واحد لا يتصور فإن ذلك يقتضي عجز الواحد عن ذلك الخلق، وحينئذ يكون ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخرين.

﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ أي لغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا من تمايز الممالك ومن التغالب، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فلذلك ختم الآية بقوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ إلى قوله ﴿ عما يشركون ﴾ ثم أمر نبيه  بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ قل رب إما تريني ﴾ أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ﴿ فلا تجعلني ﴾ قريباً لهم.

وقد يجوز أن يستعيذ العبد بالله مما علم أنه لا يفعله اظهاراً للعبودية واستكانة له ويؤيده تكرار رب مرتين.

وكانوا ينكرون العذاب ويسخرون منه فأكد وقوعه بقوله ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ قيل: فيه دليل على أن القدرة تصح على المعدوم لأنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ثم أمره بالصفح عن سيئاتهم ومقابلتها بما يمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه كان أحسن لأنها حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.

أو نقول: المكافأة حسنة ولكن العفو أحسن.

عن ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك.

وعن مجاهد هي أن يسلم عليه إذا لقيه.

قيل: هي منسوخة بآية السيف والأولى أن يقال: هي محكمة لأن المداراة مستحبة مالم تؤد إلى محذور ﴿ نحن أعلم بما يصفون ﴾ مما ليس فيك من المثالب والمراد أنه أقدر على جزائهم فعليه أن يفوض أمرهم إلى الله ويدفع أذاهم بالكلام الجميل والسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه.

ثم أتبع هذا التعميم ما يقويه على ذلك وهو الإستعاذة بالله من همزات الشياطين.

والهمز النخس ومنه "مهماز الرائض" وذلك أنهم يحثون الناس على المعاصي بأنواع الوساوس كما يحث الرائض الدابة على المشي بالمهماز وهي حديدة تكون في مؤخر خفه.

عن الحسن أنه  كان يقول بعد استفتاح الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفخه ونفثه" فهمزه الجنون ونفثه الشعر ونفخه الكبر.

ثم أمره بالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً كما يقال: أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك.

وعن ابن عباس أراد الحضور عند تلاوة القرآن.

وعن عكرمة عند النزع والأولى العموم "عن النبي  وقد اشتكى إليه رجل أرقاً به فقال:إذا أردت النوم فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" .

قوله ﴿ حتى إذا جاء ﴾ قيل: متعلق بقوله ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وقيل: بـ ﴿ يصفون ﴾ اي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض وتأكيد للإعضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم.

والمراد بمجيء الموت أماراته التي تحقق عندها الموت وصارت المعرفة ضرورية فحينئذ يسال الرجعة ولا ينافي هذا السؤال الرجعة عند معاينة النار كقوله ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد  ﴾ والأكثرون على أنهم الكفار.

وروى الضحاك عن ابن عباس أنها تشمل من لم يزك ولم يحج لقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني  ﴾ وأما وجه الجمع في قوله ﴿ ارجعون ﴾ مع وحدة المنادى فقيل: إن الجمعية راجعة إلى الفعل كأنه قال: ارجع مرات ونظيره ﴿ ألقيا في جهنم  ﴾ أي ألق ألق.

وقيل ﴿ رب ﴾ للقسم والخطاب للملائكة القابضين للأرواح أي بحق الله ارجعون والأقرب أن الجمع للتعظيم كقول الشاعر: ألا فارحموني يا إله محمد *** وقوله: فإن شئت حرمت النساء سواكم *** عن النبي  "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله.

وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" قال جار الله: أي لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحاً كما تقول لعلي أبني على أس تريد أؤسس أساً وأبني عليه.

وقيل: أي فيما خلفت من المال والأولى العموم فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما افسدوه ويطيعوا فيما عصوا.

قيل: كيف سألوا الرجعة وقد عملوا صحة الدين بالضرورة ومن الدين أن لا رجعة؟

والجواب بعد تسليم أنهم عرفوا كل الدين أن الإنسان قد يتمنى شيئاً مع علمه بتعذره كقول القائل "ليت الشباب يعود" والاستغاثة بحنس هذه المسألة قد تحسن.

قولهم ﴿ لعلي ﴾ ليس المراد به الشك وإنما هو كقول المقصر "مكنوني لعلي أتدارك" مع كونه جازماً بأنه سيتدارك.

ويحتمل أنهم وإن كانوا جازمين بذلك إلا أن أمر المستقبل مبني على الظن والتخمين دون اليقين فلذلك أوردوا الكلام بصورة الترجي.

ثم ردعهم بقوله ﴿ كلا ﴾ أي ليس الأمر على ما توهموه من إمكان الرجعة ﴿ إنها كلمة ﴾ والمراد بها طائفة من الكلام منتظم بعضها مع بعض وهي قوله ﴿ ارجعون لعلي أعمل صالحاً ﴾ ﴿ هو قائلها ﴾ لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والحيرة عليه وهو قائلها وحده لإيجاب إليها ولا تسمع منه ﴿ ومن ورائهم ﴾ الضمير لكل المكلفين أي أمامهم ﴿ برزخ ﴾ حائل بينهم وبين الجنة أو النار وبين الجزاء التام ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ وذلك البرزخ هو مدة ما بين الموت إلى البعث، ولعل بعض الحجب من الأخلاق الذميمة يندفع في هذه المدة.

وقال في الكشاف: حائل بينهم وبين الرجعة ومعناه الإقناط الكلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.

ثم وصف يوم البعث بقوله ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ قد مر معناه في أواخر "طه".

وقوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ ليس المراد به نفي النسب لأن ذلك ثابت بالحقيقة فإذن المراد حكمه وما يتفرع عليه من التعاطف والتراحم والتواصل، فقد يكون أحد القريبين في الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من الالتفات إلى أحوال نسبه.

عن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء.

وأما الجمع بين قوله ﴿ ولا يتساءلون ﴾ وبين قوله ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ \[المؤمنون: 101\] فظاهر لأن هذا في صفة أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة.

ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها التساؤل كحقوق النسب ونحوها.

وعن النبي  "ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس: حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين وعلى جسر جهنم" وقد مر مثل آية الموازين في أول "الأعراف" فليرجع إلى هنالك.

وقوله ﴿ في جهنم خالدون ﴾ بدل من ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ ولا محل له كالمبدل فإِن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى خسران أنفسهم امتناع انتفاعهم بها.

وقال ابن عباس: خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين.

ومعنى ﴿ تلفح ﴾ تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار، قاله ابن عباس.

وعن الزجاج أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً والكلوح أن يتقلص الشفتان عن الأسنان كالرؤوس المشوية.

يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن.

وعن النبي  أنه قال: "تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته" .

وقال الجوهري: الكلوح تكشر في عبوس.

ثم بيّن  أنه قال لهم حينئذ تقريعاً وتوبيخاً ﴿ الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ﴾ قالت المعتزلة: لو كان فعل التكذيب بخلق الله  لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي.

وفسرت المعتزلة الشقاوة بسوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم.

وتفسرها الأشاعرة بما كتب الله عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤل حالهم إلى النار.

ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر.

وأما على تفسير المعتزلة فقد قال جار الله: معناه ملكتنا وأخذت منا.

وقال الجبائي: أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب.

وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله  عليهم في سوء صنيعهم.

وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها الله فيه بدليل قوله ﴿ وكنا قوماً ضالين ﴾ اي في علم الله وسابق تقديره.

وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا: ولو كان الكفر بخلق الله لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذراً لهم أولى.

وأجيب بأن فحوى الكلام يؤل إلى هذا كما قررنا.

عن ابن عباس: أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا  ﴾ فيجابون ﴿ حق القول مني  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أمتنا اثنتين  ﴾ فيجابون ﴿ ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك  ﴾ فيجابون ﴿ إنكم ماكثون  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب  ﴾ فيجابون ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل  ﴾ فينادون الفاً ﴿ ربنا أخرجنا نعمل صالحاً  ﴾ فيجابون ﴿ أولم نعمركم  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 6\] فيجابون ﴿ اخسئوا فيها ﴾ \[المؤمنون: 108\] وهو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب أي لا يفهمون ولا يفهمون ولهذا قال جار الله ﴿ ولا تكلمون ﴾ أي في رفع العذاب وليس نهياً عن الكلام فإِنها ليست بدار تكليف ولكنه تنبيه على أن العذاب لا يرفع ولا يخفف.

ومعنى ﴿ اخسؤاً ﴾ انزجروا صاغرين كما تنزجر الكلاب إذا طردت.

يقال: خسأ الكلب وخسأ نفسه يتعدى ولا يتعدى وهو المراد في الآية.

ثم عدد عليهم بعض قبائحهم في الدنيا بقوله ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم الصحابة.

وقيل: أهل الصفة خاصة.

عن الخليل وسيبويه أن السخري بالضم والكسر مصدر سخر إلا أن في ياء النسب زيادة تأكيد.

وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من التسخير والاستعباد والمعنى اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ ذكرى ﴾ فلم تذكروني حتى تخافوني.

ثم ذكر من حال المؤمنين ما أوجب الحسرة والندامة للساخرين.

فمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر على الاستئناف فمعناه ظاهر أي قد فازوا حيث صبروا، ومن قرأ بالفتح فعلى أنه مفعول جزيتهم أي جزيتهم فوزهم.

ومن قرأ ﴿ قال ﴾ فالضمير لله أو لمن أمر بسؤالهم من الملائكة، ومن قرأ ﴿ قل ﴾ فالخطاب للملك أو لبعض رؤساء أهل النار.

والغرض من هذا السؤال التوبيخ والتبكيت فقد كانوا لا يعدّون اللبث إلا في الدنيا ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنهم فيها خالدون سئلوا ﴿ كم لبثتم ﴾ تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ولا سيما إذا كان الأول ايام سرور والثاني ايام غم وخزن.

واختلفوا في الأرض فقيل: وجه الأرض حين ما كانوا أحياء فإنهم زعموا أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله  وعذبوا في النار سئلوا عن ذلك توبيخاً.

وقال آخرون: المراد جوف الأرض وهو القبر لظاهر لفظة "في" ولقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة  ﴾ وقوله ﴿ عدد سنين ﴾ بدل من مميزكم.

وقيل: احتج بعض من أنكر عذاب القبر بأن قوله ﴿ في الأرض ﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض.

فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ واجيب بأن الجواب لا بد أن يكون على حسب السؤال وإنما سئلوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.

ويحتمل أن يكونوا سئلوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فصح أن يكون جوابهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ عند أنفسنا.

وليس هذا من قبيل الكذب إذ لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال فقالوا: إلا نعرف من عدد السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم.

وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا ﴿ فاسأل العادّين ﴾ اي ليس من شأننا أن نعدّها لما نحن فيه من العذاب فاسأل من يقدر أن يلقى إليه فكره، أو اسأل الملائكة الذي يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم.

وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.

وقيل: أرادوا بقولهم ﴿ لبثنا يوماً أبو بعض يوم ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة غلى ما وقعوا فيه وعرفوه من داوم العذاب.

وقد صدّقهم الله في ذلك حيث قال ﴿ إن لبثتم غلا قليلاً ﴾ ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها بقوله ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ أي لو علمتم البعث والحشر لما كنتم تعدونه طويلاً.

ثم زاد في التوبيخ بقوله ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ أي عابثين أو لأجل العبث وهو الفعل الذي لا غاية له صحيحة.

وجوّزوا أن يكون قوله ﴿ وأنكم إلينا لاترجعون ﴾ معطوفاً على ﴿ عبثاً ﴾ أي للعبث ولترككم غير مرجوعين وفيه دلالة على وجوب وقوع القيامة فلولاها لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء.

ثم نزه ذاته عن كل عيب وعبث قائلاً ﴿ فتعالى ﴾ الآية ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال "بيت كريم" إذا كان ساكنوه كراماً.

وقرئ ﴿ الكريم ﴾ بالرفع وهو ظاهر.

ثم زيف طريقة المقلدة من أهل الشرك وقوله لا برهان له به كقوله ﴿ ما لم ينزل به سلطاناً  ﴾ وهو صفة جيء بها للتأكيد لا أن بعض الآلهة قد يقوم على وجوده برهان.

وجوّز جار الله أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقول القائل: من أحسن إلى زيداً لا أحق بالإحسان إليه منه فالله مثيبه.

ومعنى ﴿ حسابه عند ربه ﴾ أنه بلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله.

وقرئ ﴿ أنه لا يفلح ﴾ بفتح الهمزة أي حسابه عدم فلاحه فوضع ﴿ الكافرون ﴾ موضع الضمير.

جعل فاتحة السورة ﴿ قد افلح المؤمنون ﴾ وأورد في خواتيهما ﴿ إنه لا يفلح الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفريقين.

وحين أثنى على المؤمنين في أثناء الكلام بأنهم يقولون ﴿ ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ﴾ نبه في آخر السورة على أنه قول ينبغي أن يواظب المكلف عليه ففيه الانقطاع إلى الله والإعراض عمن سواه والله المستعان.

التأويل: ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم إذا فارقوها ﴿ لكل امريء منهم يومئذ  ﴾ في طلب الحق ﴿ شأن يغنيه  ﴾ عن طلب الغير ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعليقات ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة فيها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة.

ولهذا قال ﴿ في جهنم خالدون ﴾ وأجيبوا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم العلماء بالله النصحاء لأجله ﴿ فاتخذتموهم سخرياً ﴾ فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العلية ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بهممهم وبيد الرد ﴿ ذكرى وكنتم منهم تضحكون ﴾ لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب ﴿ جزيتهم اليوم بما صبروا ﴾ فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار ﴿ لا برهان له به ﴾ أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ .

ظاهر هذا أن يكون قوله: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ بعد الموت، وبعد ما عاين أهوال الآخرة وأفزاعها؛ لأن الموت ليس هو شيء يأتي من مكان إلى مكان؛ إنما هو شيء يذهب بالحياة التي فيهم، إلا أن أهل التأويل قالوا: إن ذلك عند معاينتهم ملك الموت، وعند هجومه عليهم بأهواله؛ فعند ذلك يسألون الرجعة إلى الدنيا، والأول أشبه وأقرب.

ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ : ليس هو صلة قوله: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ ، ولا جوابه؛ لأنه ليس من نوعه، ولا من جنس ذلك، ولكنه - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، وجواب قوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ ، ونحوه الذي تقدم ذكره، يقول: وإنهم على ذلك ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ ، فعند ذلك يرجع إلى الحق والتصديق، لكن ذلك لا ينفعه في ذلك الوقت ﴿ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ ، ولم يقل: ربّ ارجعني، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: سأل على ما يسأل الملوك ويخاطبون: افعلوا كذا، على الجماعة، وإن كان إنما يخاطب واحدا؛ على ما خرج جواب الله وقوله: إنا فعلنا كذا، ونفعل كذا.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ : يسأل ربه أن يأمر الملائكة الذين يتولون قبض أرواحهم أن يرجعوه إلى ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ، أي: فيما كذبت.

وقال بعضهم: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ : في الدنيا من الأعمال الصّالحة فأعمل بها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ : من الأموال فأؤدي منه حقك؛ لأن من الكفرة ما كان سبب كفرهم منع الزكاة وجحودها؛ كقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ  ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ فيسأل ربه أن يرجع إلى المال الذي تركه؛ ليؤدّي الحق الذي كان فيه فمنعه، كقوله: ﴿ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ ، أي: فأتصدق بالصدقة التي منعتها؛ لأن الخطاب في الصدقة بقوله: ﴿ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم...

﴾ الآية [البقرة: 254]، وهذا أشبه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، هو ردّ لما سألوا من الرجعة.

[و] قوله: ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ ﴾ : هو قول الله: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً...

﴾ الآية [المنافقون: 11]، ﴿ قَآئِلُهَا ﴾ : يعني الكافر عند معاينة العذاب، وهو قوله: ﴿ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ على هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا حقيقة لسؤاله الذي يسأله من الرجعة ليعمل العمل الصالح، أي: أنه وإن ردّ ورجع لا يعمل؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ .

والثاني: أن لا منفعة لهم في سؤالهم الرجعة؛ إذ لو رجعوا لا يصلون إلى ما يأملون؛ لأنهم إنما يسألون ليؤمنوا، والإيمان سبيله الاستدلال، فإذا لم يستدلوا به وقت أمنهم وفسحتهم؛ فكيف يقدرون على الاستدلال في وقت خوفهم؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .

قال بعضهم: وراءهم، أي: أمامهم.

قال أبو معاذ: مشتقة من تواريت عنك، فكل ما توارى عنك أمامك كان أو وراءك فهو وراءك.

وقال بعضهم: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ ﴾ : على حقيقة الوراء.

﴿ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ، قال بعضهم: البرزخ: هو ما بين شيئين.

وقال بعضهم: البرزخ: هو الأجل بين الموت والبعث، وهو قول الكلبي وقتادة.

وقال مجاهد: البرزخ: هو حاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا.

وقال القتبي: وأبو عبيدة: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، وقالا: كل شيء بين شيئين فهو برزخ.

وقال أبو عوسجة: البرزخ: ما بين الحدين، يعني: الدنيا والآخرة، والأرض المستوية، وأصل البرزخ: الحاجز بينه كقوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً  ﴾ ، أي: حاجزاً، وتأويله، أي: صاروا إلى الوقت الذي يحجزهم عما يتمنون ويشتهون، وهو كقوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ  ﴾ ، وإنما يشتهون ويتمنون الإيمان والأعمال الصالحة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ ، أي: من ورائهم أحوالهم [أي: الحال التي طلبوا] الإيمان فيه أحوال لا يمكن فيها الإيمان وما تمنوا من العمل الصالح، والله أعلم.

وفيه نقض قول الباطنية؛ لأنهم يقولون: البرزخ هو أن يجعل للمؤمن من الأعمال الصالحة صورة روحانية تبقى أبداً تثاب تلك الصورة الروحانية من الأعمال، وأن يجعل من الأعمال السيئة للكافر صورة قبيحة روحانية هي تعاقب وتعذب أبداً، فذلك البعث عندهم، فأخبر - عز وجل - أن بين موتهم وبين البعث: البرزخ، وهو الأجل الذي ذكرنا، أو الحاجز؛ فدل ذلك على نقض قولهم: أن ليس البعث إلا خروج الصورة دون المعاينة.

وقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ .

إن كان قوله: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ في الناس كلهم؛ فذلك في اختلاف المواطن، على ما قال ابن عباس وغيره من أهل التأويل، واختلاف الأوقات: لا يتساءلون في موطن أو في وقت، ويتساءلون في وقت آخر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ  ﴾ ، ونحوه.

وإن كانت الآية في [أهل] الكفر خاصّة فهو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ ؛ لأنه كان يتناصر بعضهم ببعض على غيرهم، ويستعين بعضهم بعضا، ويكونون ردءاً لهم في هذه الدنيا وشفعاء وأعواناً وأنصاراً، فأخبر أن ذلك ينقطع بينهم ويذهب ذلك التناصر عنهم في الآخرة، والعرب خاصّة كان يتفاخر بعضهم على بعض بالأنساب ويتناصر؛ فأخبر أن ذلك منقطع عنهم في الآخرة.

والثاني: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ ﴾ وما ذكر ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ؛ لشغلهم بأنفسهم؛ لفزع ذلك اليوم وأهواله ينسى بعضهم بعضا ويهرب منه، كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 43]، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...

﴾ الآية [ عبس: 34]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ...

﴾ الآية [الحج: 2]، فذلك كله؛ لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه كأن لكل في نفسه شغلا حتى لا يتفرغ إلى أحد وإن قرب عنه لشغلهم بأنفسهم.

وإن كان في الناس جميعاً فهو ما ذكرنا أن ذلك يكون في اختلاف المواطن والأوقات: يسألون في وقت ولا يسألون في وقت، ويسألون في موطن ولا يسألون في موضع، أو يسألون عن شيء ولا يسألون عن آخر، وروي [في] الخبر عن رسول الله  أنه قال: "كلُّ نَسَبٍ كانَ فهو منقطعٌ إلا نسبي" أو كلام نحو هذا، ثم يحتمل قوله: "إلا نسبي" وجهين: أحدهما: الشفاعة له في أنسابه، لا يكون ذلك لغيره في نسبه؛ فإذا أراد هذا فهو على حقيقة نسبه.

والثاني: أراد بقوله: "إلا نسبي": المعين له في دينه؛ لأن كل من اتبعه فقد انتسب إليه؛ فكأنه قال: إن كل [ذي] شفاعة دوني فهو منقطع إلا شفاعتي، فيمن اتبعني وانتسب إلي بقبوله ديني.

وقوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ ، أي: من عظم قدره ومنزلته عند الله بالأعمال التي عملوها من الصالحات والحسنات فهو من المفلحين، ومن خفت منزلته وقدره عند الله بالأعمال الخبيثة السيئة فهو من الذين خسروا أنفسهم، والله أعلم.

وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل في الموازين فيما تقدم.

وقوله: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ .

قال بعضهم: لفحتهم النار لفحة؛ فلم تدع لحماً على عظم إلا ألقته.

﴿ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ ، قال بعضهم: عابسون.

وقال بعضهم: تلفح، أي: تنفح.

وقال بعضهم: تلفح: تشوي وتحرق، وذلك عادة النار أنها تعمل كل هذا العمل.

وقال أبو عوسجة: تلفح، أي تضرب، واللفح: الضرب، يقال: لفحته النار، أي: ضربته؛ فأحرقت وجهه، تلفح لفحاً فهي لافحة.

والكالح: العابس.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ .

كذلك كانوا يكذبون، وقد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ .

أما ما قال أهل التأويل: غلبت علينا من الشقاوة فإنه لا يحتمل؛ لأنهم يقولون ذلك القول؛ اعتذاراً لما كان منهم من التفريط في أمره والتضييع؛ فلا يحتمل أن يطلبوا لأنفسهم عذراً فيما كان منهم؛ إذ لو كان ما ذكر أولئك لكان في ذلك طلب العذر لأنفسهم، وهم في ذلك الوقت لا يطلبون عذراً لأنفسهم؛ ولكن يقرون بما كان منهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ  ﴾ ، لكن يحتمل وجهين: أحدهما: يقولون: ربنا شقينا بأعمالنا التي عملناها، وظلمنا أنفسنا، وكنا قوماً ضالين.

والثاني: عملنا أعمالا استوجبنا بتلك الأعمال جزاء؛ فنحن أولى بذلك الجزاء، فغلب علينا جزاء تلك الأعمال، أو كلام نحو هذا.

وأما ما قاله أولئك من أهل التأويل: ﴿ غَلَبَتْ ﴾ ، أي: كتبت فهو بعيد؛ لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره لا يكتب غير الذي علم أنه يفعله ويختاره، والله أعلم.

قوله: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ : ظلم عيان، وظلم ظاهر، وإلا قد كانوا أقرّوا بالظلم بقولهم: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ ﴾ : قد أقروا بالظلم، لكنهم أقروا بظلم خبر وظلم سماع، لا ظلم عيان؛ فقالوا: ﴿ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ : ظلم عيان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ ﴾ ، أي: اسكتوا.

وقال بعضهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ ﴾ ، أي: ابعدوا فيها.

قال أبو عوسجة: يقال: خسأت فلانا، وأخسأت، أي: باعدته؛ فخسأ، أي: تباعد.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ .

يحتمل الوجهين: أحدهما: جائز أن يكون هذا السؤال منهم في أوّل ما أدخلوا، فقال لهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ فإنكم ماكثون، أو أن يكون هذا السؤال منهم بعد ما سألوا الملك الموت مرة بقوله: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ...

﴾ الآية [الزخرف: 77].

وسألوا مرة تخفيف العذاب بقوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، فلما أيسوا منه فعند ذلك يسألون ربهم إخراجهم والإعادة إلى المحنة؛ فقال: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ ، أي: ابعدوا فيها ولا تكلمون، أي: يصيرون بحال لا يقدرون على الكلام؛ لشدة العذاب؛ فعند ذلك يكون منهم الشهيق والزفير.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ * فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾ .

يخبر - عز وجل - أولئك الكفرة الذين يسألون الإخراج من النار أنكم قد اتخذتم فريقاً من عبادي آمنوا سخريا، وكنتم منهم تضحكون؛ يذكر هذا لهم - والله أعلم - ليكون ذلك حسرة ونكاية.

وقوله: ﴿ سِخْرِيّاً ﴾ اختلف في قراءته: [فقرئ] بكسر السين فهو من الاستهزاء والهزء.

وقال الكسائي: بالرفع والكسر جميعاً، من الاستهزاء، ولا يقال في العبودة إلا برفع السين، وقال بعضهم: هما سواء.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ﴾ ، قال بعضهم: حتى أنساكم الهزء بهم عن العمل بطاعتي.

وقيل: أضاف الإنساء إلى الذكر؛ لأنهم كانوا [عندما] يذكرهم ويدعوهم إلى ذكر الله يهزءون به؛ فأضاف إليه ذلك؛ فكان كإضافة الرجس إلى السورة؛ لأن ذلك إنما يزداد لهم عند تلاوة السورة؛ فأضيف ذلك إلى السورة، وإلا كانت السورة لا تزيد رجساً؛ فعلى ذلك أضاف الإنساء إلى ذكره؛ لما عند ذكره ودعائهم إليه يحملهم إلى ذلك، والله أعلم، فأضيف إليه.

وقوله: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ ﴾ .

أي: إني جزيتهم اليوم الفوز بما صبروا في الدنيا على أذى أولئك الكفرة، أو على أداء ما أمروا به ونهوا عنه.

أو أن يكون ذلك كقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ، ونصره إياهم هو أن صارت لهم عاقبة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .

اختلف فيه: قال مقاتل بن سليمان: في القبور.

وقال أبو معاذ: أخطأ مقاتل، وذلك قول من ينكر عذاب القبر، وهو قول الجهمية؛ لأن من كان في عذاب وشدة لا يقتصر المقام فيه كل هذا الاقتصار، حتى يقول: لبثت يوماً أو بعض يوم؛ بل يزداد له مقام يوم في العذاب على سنة أو أكثر، قال: إلا أن يكون عَنِيَ ما بين النفختين حين تؤخذ الأرواح فترقد، فإذا بعثوا استقلوا رقدة ذلك المقدار؛ بما كانوا قاسوا قبل الرقدة من العذاب في القبور، إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.

وجائز عندنا ما قال مقاتل ومحمد بن إسحاق: بأن ذلك يكون في القبر، وذلك لا يدل على نفي عذاب القبر؛ لأنهم لا يعذبون في القبور بالعذاب الذي يعذبون في الآخرة؛ فجائز أن يستقلوا عذاب القبر بعذاب الآخرة، ويستقصرون ذلك الوقت بعذاب الآخرة لشدته وأهواله، وذلك جائز في متعارف الخلق أن يكون الرجل في بلاء وشدة، ثم يزداد له البلاء والشدة؛ فيستقل ذلك البلاء الذي كان به لشدة ما حلّ به؛ فعلى ذلك هم: جائز أن يكونوا في عذاب في قبورهم، لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة استقلوا عذاب القبر واستقصروه؛ لشدة عذاب الآخرة.

أو أن يكون عذاب القبر: على النفس الروحاني الدراك الذي يخرج في حال النوم ليس على روح الحياة، [مثل] النائم يرى نفسه في بلاء وعذاب في نومه، ويكون في أفزاع، وكانت نفسه ملقاة في مكان لا علم لها بذلك ولا خبر، وبها آثار الأحياء، فجائز أن يكون عذاب القبر على هذا السبيل على الروح التي بها يدرك الأشياء، لا على روح الحياة التي بها يحيا.

وقال قائلون: ذلك في الدنيا: استقلوا حياة الدنيا لحياة الآخرة، وهو كقوله: ﴿ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  ﴾ ؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ ﴾ : هذا يدل على أن ذلك في الحياة الدنيا أشبه؛ حيث أمر أن يسأل الذين يعدون، وذلك إنما يكون في الدنيا لا في الآخرة.

ثم اختلف في العادين: قال بعضهم: هم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم في هذه الدنيا ويرقبونهم.

وقال بعضهم: هم ملك الموت وأعوانه.

وقوله: ﴿ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: ما لبثتم إلا قليلا لو كنتم تعلمون، ولكن لا تعلمون.

قال القتبي: ﴿ سِخْرِيّاً ﴾ بكسر السين، أي: يسخرون منهم، و (سُخْرِيّاً): بضمّها، أي: يتسخرونهم من السخرية عبثاً.

[و] قوله: ﴿ حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ﴾ ، أي: شغلكم أمرهم عن ذكري، والوجه فيه ما ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ .

قوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ : قد حسبتم أنما خلقناكم عبثاً.

والثاني: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ ، أي: لا تحسبوا أنا إنما خلقناكم عبثاً.

﴿ وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ .

صير خلقه الخلق لا للرجوع والبعث عبثاً؛ لوجهين: أحدهما: لأن خلقه إياهم لا لعاقبة تتأمل أو لمنافع تقصد؛ للهلاك خاصة وللفناء - عبث؛ كبناء المباني لا لمنفعة تقصد به، ولكن للنقض يكون عبثاً في الشاهد، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً  ﴾ : سفهها في غزلها للنقض خاصة لا لمنفعة قصدت به، ونهانا أن نفعل مثل فعلها؛ فلو لم يكن المقصود من خلق الخلق إلا الموت والفناء خاصة، لا لعاقبة تقصد - كان سفهاً وعبثاً.

والثاني: ما أخبر أنه إنما أنشأ هذا العالم غير البشر لهذا البشر، وله سخر ذلك كله؛ حيث قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  ﴾ ؛ إذ ليس لغير البشر منفعة بهذه النعم التي أنشأها لهم، من نحو الجن والملائكة ونحوهم؛ إذ لهم قوام بدون ذلك: من الشمس، والقمر، ونحوه من النعم؛ إنما ذلك للبشر خاصّة، فإذا كان كذلك - لا يحتمل أن يجعل لهم كل هذه النعم التي ذكرها وأنشأها لهم، ثم لا يمتحنهم بالشكر على ذلك ولا يأمرهم بأوامر ولا ينهاهم بمناهٍ؛ فدل ما أنشأ لهم من النعم وسخر لهم من الأشياء أنهم يبعثون ويرجعون إليه؛ حتى يجزون جميعاً: المحسن جزاء [الإحسان والمسيء جزاء] الإساءة؛ إذ في العقول التفرقة بين الولي والعدو، وبين المحسن والمسيء وبين الشاكر والكافر، ثم رأيناهم جميعاً في هذه الدنيا عاشوا على سواء في الضيق والسعة، لم نر ما يفصل بين الولي والعدوّ، وبين المحسن والمسيء، وبين الشاكر والكافر؛ فدل ما لم يكن من التفرقة ما ذكرنا في هذه الدنيا على أن هنالك داراً أخرى دار الجزاء، هناك يفصل بين ما ذكرنا في الجزاء، والله الموفق.

﴿ لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ : لا تبعثون.

وقيل: لا ترجعون إليه بالأعمال التي عملتموها، كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .

أي: يتعالى الله عن أن يكون خلق الخلق منه عبثاً، أو يتعالى أن يكون خلق الخلق لا لحكمة.

﴿ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .

قال الحسن: الحق: اسم من أسماء الله، أو الملك الذي خلق الخلق للحكمة.

﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : تنزيه وتبرئة عن جميع ما قالوا فيه.

وقوله: ﴿ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ﴾ يشبه أن يكون على الأوّل: يتعالى الملك الحق وربّ الملك الكريم عن أن يخلقهم لا للحكمة أو للبعث.

وقالت الباطنية: العرش: القيامة.

ونحن [نقول:] يشبه أن يكون العرش القيامة، على ما قالوا هم، إلا أنهم يقولون: هو قائم الزمان، وقلنا نحن: هي القيامة المعروفة وهي الساعة، ربّ القيامة وهي الملك الذي ذكرنا؛ كقوله: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ : خص ذلك اليوم بالملك له، وإن كان الملك له في الدارين جميعاً؛ لما لا يتنازع في ملكه يومئذ، [و] قد نوزع في الدنيا، فخلص له ملك ذلك اليوم وصفا له يومئذٍ.

وقال بعض أهل التأويل: العرش: السرير، أضافه إلى نفسه؛ لمنزلته عند الله، والكريم: هو نعت ذلك السرير، أي: الحسن؛ كقولهم: (رجل كريم)، أي: حسن، وهكذا يوصف كل كريم بالحسن.

وقال بعضهم: هو نعت الرب، أي: ذو عفو وصفح، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فمن ثقلت موازينه برجحان حسناته على سيئاته فأولئك هم المفلحون بما ينالونه من مطلوبهم، وما يجنّبون من مرهوبهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.vvmkp"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله