الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٩٨ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 50 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٨ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وأعوذ بك رب أن يحضرون ) أي : في شيء من أمري; ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور وذلك مطردة للشياطين عند الأكل والجماع والذبح ، وغير ذلك من الأمور; ولهذا روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " اللهم إني أعوذ بك من الهرم ، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق ، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم ، من الفزع : " بسم الله ، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ، ومن شر عباده ، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون " قال : فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه ، ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها ، كتبها له ، فعلقها في عنقه .
ورواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، من حديث محمد بن إسحاق ، وقال الترمذي : حسن غريب .
وقوله: ( وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ) يقول: وقل أستجير بك ربِّ أن يحضرون في أموري.
كالذي حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ) في شيء من أمري.
قوله تعالى : من همزات الشياطين الهمزات هي جمع همزة .
والهمز في [ ص: 137 ] اللغة النخس والدفع ؛ يقال : همزه ولمزه ونخسه دفعه .
قال الليث : الهمز كلام من وراء القفا ، واللمز مواجهة .
والشيطان يوسوس فيهمس في وسواسه في صدر ابن آدم ؛ وهو قوله : أعوذ بك من همزات الشياطين أي نزغات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى .
وفي الحديث : كان يتعوذ من همز الشيطان ولمزه وهمسه .
قال أبو الهيثم : إذا أسر الكلام وأخفاه فذلك الهمس من الكلام .
وسمي الأسد هموسا ؛ لأنه يمشي بخفة لا يسمع صوت وطئه .
وقد تقدم في ( طه ) .أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بالتعوذ من الشيطان في همزاته ، وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه ، كأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة فلذلك اتصلت بهذه الآية .
فالنزغات وسورات الغضب الواردة من الشيطان هي المتعوذ منها في الآية ؛ وقد تقدم في آخر ( الأعراف ) بيانه مستوفى ، وفي أول الكتاب أيضا .
وروي عن علي بن حرب بن محمد الطائي ، حدثنا سفيان ، عن أيوب ، عن محمد بن حبان أن خالدا كان يؤرق من الليل ؛ فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأمره أن يتعوذ بكلمات الله التامة من غضب الله ، وعقابه ، ومن شر عباده ، ومن همزات الشياطين ، وأن يحضرون .
وفي كتاب أبي داود قال عمر : وهمزه الموتة ؛ قال ابن ماجه : الموتة يعني الجنون .
والتعوذ أيضا من الجنون وكيد .
وفي قراءة أبي ( رب عائذا بك من همزات الشياطين وعائذا بك أن يحضرون ) ؛ أي يكونوا معي في أموري ، فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز ، وإذا لم يكن حضور فلا همز .
وفي صحيح مسلم ، عن جابر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الشيطان يحضر أحدكم [ ص: 138 ] عند كل شيء من شأنه ، حتى يحضره عند طعامه ، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة ، فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان ، فإذا فرغ فليلعق أصابعه ، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة .
{ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } أي: أعوذ بك من الشر الذي يصيبني بسبب مباشرتهم وهمزهم ومسهم، ومن الشر الذي بسبب حضورهم ووسوستهم، وهذه استعاذة من مادة الشر كله وأصله، ويدخل فيها، الاستعاذة من جميع نزغات الشيطان، ومن مسه ووسوسته، فإذا أعاذ الله عبده من هذا الشر، وأجاب دعاءه، سلم من كل شر، ووفق لكل خير.
( وأعوذ بك رب أن يحضرون ) في شيء من أموري ، وإنما ذكر الحضور لأن الشيطان إذا حضره يوسوسه .
ثم أخبر أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت ، فقال :
«وأعوز بك رب أن يحضرون» في أموري لأنهم إنما يحضرون بسوء.
وقل - أيها النبي -: رب أستجير بك من إغواء الشياطين ووسوستها، المغرية على الباطل والفساد والصد عن الحق، وأستجير بك- يا رب- مِن حضورهم في شيء من أموري.
وأعوذ بك يا إلهى وأتحصن بك ، من أن يحضرنى أحد منهم فى أى أمر من أمور دينيى أو من دنياى ، فأنت وحدك القادر على حمايتى منهم .وفى هذه الدعوات من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم من همزات الشياطين - تعليم للمؤمنين ، وإرشاد لهم ، إلى اللجوء - دائما - إلى خالقهم ، لكى يدفع عنهم وساوس الشياطين ونزغاتهم .
اعلم أنه سبحانه لما أدب رسوله بقوله: ﴿ ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة ﴾ أتبعه بما به يقوى على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين: أحدهما: من همزات الشياطين، والهمزات جمع الهمزة، وهو الدفع والتحريك الشديد، وهو كالهز والأز، ومنه مهماز الرائض، وهمزاته هو كيده بالوسوسة، ويكون ذلك منه في الرسول بوجهين: أحدهما: بالوسوسة والآخر بأن يبعث أعداءه على إيذائه، وكذلك القول في المؤمنين، لأن الشيطان يكيدهم بهذين الوجهين، ومعلوم أن من ينقطع إلى الله تعالى ويسأله أن يعيذه من الشيطان، فإنه يجب أن يكون متذكراً متيقظاً فيما يأتي ويذر، فيكون نفس هذا الانقطاع إلى الله تعالى داعية إلى التمسك بالطاعة وزاجراً عن المعصية، قال الحسن كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة: «لا إله إلا الله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفثه ونفخه، فقيل يا رسول الله وما همزه؟
قال الموتة التي تأخذ ابن آدم أي الجنون الذي يأخذ ابن آدم قيل فما نفثه؟
قال الشعر قيل فما نفخه؟
قال الكبر».
وثانيها: قوله: ﴿ وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أن يحضرون عند قراءة القرآن لكي يكون متذكراً فيقل سهوه، وقال آخرون بل استعاذ بالله من نفس حضورهم لأنه الداعي إلى وسوستهم كما يقول المرء أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اشتكى إليه رجل أرقاً يجده فقال: «إذا أردت النوم فقل أعوذ بالله وبكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون».
أما قوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف حتى متعلق بيصفون أي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أنه يستزله عن الحلم والله أعلم.
المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: ﴿ حتى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الموت ﴾ فالأكثرون على أنه راجع إلى الكفار وقال الضحاك كنت جالساً عند ابن عباس، فقال من لم يترك ولم يحج سأل الرجعة عند الموت، فقال واحد إنما يسأل ذلك الكفار فقال ابن عباس رضي الله عنهما أنا أقرأ عليك به قرآناً ﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت».
والأقرب هو الأول إذا عرف المؤمن منزلته في الجنة فإذا شاهدها لا يتمنى أكثر منها، ولولا ذلك لكان أدونهم ثواباً يغتم بفقد ما يفقد من منزلة غيره وأما ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من قوله: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ فهو إخبار عن حال الحياة في الدنيا لا عن حال الثواب فلا يلزم على ما ذكرنا.
المسألة الثالثة: اختلفوا في وقت مسألة الرجعة فالأكثرون على أنه يسأل في حال المعاينة لأنه عندها يضطر إلى معرفة الله تعالى وإلى أنه كان عاصياً ويصير ملجأ إلى أنه لا يفعل القبيح بأن يعلمه الله تعالى أنه لو رامه لمنع منه، ومن هذا حاله يصير كالممنوع من القبائح بهذا الإلجاء فعند ذلك يسأل الرجعة، ويقول: ﴿ رَبِّ ارجعون * لَعَلّي أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ وقال آخرون بل يقول ذلك عند معاينة النار في الآخرة، ولعل هذا القائل إنما ترك ظاهر هذه الآية لما أخبر الله تعالى في كتابه عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون الرجعة لكن ذلك مما لا يمنع أن يكونوا سائلين الرجعة في حال المعاينة، والله تعالى يقول: ﴿ حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون ﴾ فعلق قولهم هذا بحال حضور الموت وهو حال المعاينة فلا وجه لترك هذا الظاهر.
المسألة الرابعة: اختلفوا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ارجعون ﴾ من المراد به؟
فقال بعضهم: الملائكة الذين يقبضون الأرواح وهم جماعة فلذلك ذكره بلفظ الجمع، وقال آخرون بل المراد هو الله تعالى لأن قوله رب بمنزلة أن يقول يا رب وإنما ذكر بلفظ الجمع للتعظيم كما يخاطب العظيم بلفظه فيقول فعلنا وصنعنا وقال الشاعر: فإن شئت حرمت النساء سواكم *** ومن يقول بالأول يجعل ذكر الرب للقسم، فكأنه عند المعاينة قال بحق الرب ارجعون، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: كيف يسألون الرجعة وقد علموا صحة الدين بالضرورة، ومن الدين أن لا رجعة؟
الجواب: أنه وإن كان كذلك فلا يمتنع أن يسألوه لأن الاستعانة بهذا الجنس من المسألة تحسن وإن علم أنه لا يقع فأما إرادته للرجعة فلا يمتنع أيضاً على سبيل ما يفعله المتمني.
السؤال الثاني: ما معنى قوله: ﴿ لَعَلّي أَعْمَلُ صالحا ﴾ أفيجوز أن يسأل الرجعة مع الشك؟
الجواب: ليس المراد بلعل الشك فإنه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطى ما سأل، بل هو مثل من قصر في حق نفسه وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير فيقول مكنوني من التدارك لعلي أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازماً بأنه سيتدارك، ويحتمل أيضاً أن الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين، فقد قال تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
السؤال الثالث: ما المراد بقوله فيما تركت؟
الجواب: قال بعضهم فيما خلفت من المال ليصير عند الرجعة مؤدياً لحق الله تعالى منه، والمعقول من قوله: ﴿ تَرَكْتُ ﴾ التركة وقال آخرون بل المراد أعمل صالحاً فيما قصرت فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق، وهذا أقرب كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه ويطيعوا في كل ما عصوا.
السؤال الرابع: ما المراد بقوله كلا؟
الجواب: فيه قولان: أحدهما: أنه كالجواب لهم في المنع مما طلبوا، كما يقال لطالب الأمر المستبعد هيهات، روي أنه عليه السلام قال لعائشة رضي الله عنها: إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان لا بل قدوماً على الله، وأما الكافر فيقال له نرجعك فيقول ارجعون فيقال له إلى أي شيء ترغب إلى جمع المال أو غرس الغراس أو بناء البنيان أو شق الأنهار؟
فيقول لعلي أعمل صالحاً فيما تركت!
فيقول فيقول الجبار كلا الثاني: يحتمل أن يكون على وجه الإخبار بأنهم يقولون ذلك وأن هذا الخبر حق فكأنه قال: حقاً إنها كلمة هو قائلها، والأقرب الأول.
أما قوله: ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قائلها ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه الثاني: أنه قائلها وحده ولا يجاب إليها ولا يسمع منه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ فالبرزخ هو الحاجز والمانع كقوله في البحرين ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي فهؤلاء صائرون إلى حالة مانعة من التلاقي حاجزة عن الاجتماع وذلك هو الموت، وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث، إنما هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
الهمز: النخس.
والهمزات: جمع المرّة منه.
ومنه: مهماز الرائض.
والمعنى: أنّ الشياطين يحثّون الناس على المعاصي ويغرونهم عليها، كما تهمز الراضة الدواب حثاً لها على المشي.
ونحو الهمز الأزّ في قوله تعالى: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ [مريم: 83] أمر بالتعوّذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه، المكرّر لندائه، وبالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً ويحوموا حوله.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: عند تلاوة القرآن.
وعن عكرمة: عند النزع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾ وهو الصَّفْحُ عَنْها والإحْسانُ في مُقابَلَتِها لَكِنْ بِحَيْثُ لَمْ يُؤَدِّ إلى وهَنٍ في الدِّينِ.
وقِيلَ هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ والسَّيِّئَةُ الشِّرْكُ.
وقِيلَ هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والسَّيِّئَةُ المُنْكَرُ وهو أبْلَغُ مِنِ ادْفَعْ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةِ لِما فِيهِ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلى التَّفْضِيلِ.
﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ بِما يَصِفُونَكَ بِهِ أوْ بِوَصْفِهِمْ إيّاكَ عَلى خِلافِ حالِكَ وأقْدَرُ عَلى جَزائِهِمْ فَكِلْ إلَيْنا أمْرَهم.
﴿ وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ﴾ وساوِسِهِمْ، وأصْلُ الهَمْزِ النَّخْسُ ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ، شَبَّهَ حَثُّهُمُ النّاسَ عَلى المَعاصِي بِهَمْزِ الرّاضَّةِ لِلدَّوابِّ عَلى المَشْيِ والجَمْعُ لِلْمَرّاتِ أوْ لِتَنَوُّعِ الوَساوِسِ أوْ لِتَعَدُّدِ المُضافِ إلَيْهِ.
﴿ وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ يَحُومُوا حَوْلِي في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ، وتَخْصِيصُ حالِ الصَّلاةِ وقِراءَةِ القُرْآنِ وحُلُولِ الأجَلِ لِأنَّها أحْرى الأحْوالِ بِأنْ يُخافَ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ} أمر بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه المكرر لندائه وبالتعوذ من أن يحضروه أصلاً أو عند تلاوة القرآن أو عند النزع
﴿ وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ﴾ أيْ وساوِسِهِمُ المُغْرِيَةِ عَلى خِلافِ ما أمَرْتَ بِهِ وهي جَمْعُ هَمْزَةٍ، والهَمْزُ النَّخْسُ والدَّفْعُ بِيَدٍ أوْ غَيْرِها، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ لِحَدِيدَةٍ تُرْبَطُ عَلى مُؤَخِّرِ رِجْلِهِ يَنْخُسُ بِهِ الدّابَّةَ لِتُسْرِعَ أوْ لِتَثِبَ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى الوَسْوَسَةِ والحَثِّ عَلى المَعاصِي لِما بَيْنَهُما مِنَ الشُّبَهِ الظّاهِرِ، والجَمْعُ لِلْمَرّاتِ أوْ لِتَنَوُّعِ الوَساوِسِ أوْ لِتَعَدُّدِ الشَّياطِينَ ﴿ وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ أيْ مِن حُضُورِهِمْ حَوْلِي في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وتَخْصِيصُ حالِ الصَّلاةِ وقِراءَةِ القُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وحالَ حُلُولِ الأجَلِ كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ لِأنَّها أحْرى الأحْوالِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنها لا سِيَّما الحالَ الأخِيرَةَ ولِذا قِيلَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ النَّزْعِ عِنْدَ النَّزْعِ، وإلى العُمُومِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، وفي الأمْرِ بِالتَّعَوُّذِ مِنَ الحُضُورِ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّعَوُّذِ مِن هَمَزاتِهِمْ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِن مُلابَسَتِهِمْ، وإعادَةِ الفِعْلِ مَعَ تَكْرِيرِ النِّداءِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالمَأْمُورِ بِهِ وعَرَضَ نِهايَةَ الِابْتِهالِ في الِاسْتِدْعاءِ ويَسُنُّ التَّعَوُّذَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وحُضُورِهِمْ عِنْدَ إرادَةِ النَّوْمِ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ عَمْرٍو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعِلِّمُنا كَلِماتٍ نَقُولُهُنَّ عِنْدَ النَّوْمِ مِنَ الفَزَعِ بِسْمُ اللَّهِ أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ وشَرِّ عِبادِهِ ومِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضُرُونَ»» <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ، يعني: ادفع بحلمك جهلهم، ويقال: بالكلام الحسن الكلام القبيح، ويقال: ادفع بقول لا إله إلا الله الشرك من أهل مكة.
ثم قال: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ، يعني: بما يقولون من الكذب.
ويقال: معناه نحن أعلم بما يقولون فلا تعجل أنت أيضاً.
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، يعني: أعتصم بك من نزغات الشيطان وضرباته ووساوسه.
ثم قال: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ، يعني: قل: رب أعوذ بك من قبل أن يحضرني الشياطين عند تلاوة القرآن، ويقال: يَحْضُرُونِ عند الموت، ويقال: عند الصلاة.
وأصله: أن يحضرونني، إلا أنه يكتب يَحْضُرُونِ بحذف إحدى النونين للتخفيف.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا تُرِيَنِّي ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ والضَّحّاكُ: ( تُرِئَنِّي ) بِالهَمْزِ بَيْنَ الرّاءِ والنُّونِ مِن غَيْرِ ياءٍ والمَعْنى: إنْ أرَيْتَنِي ما يُوعَدُونَ مِنَ القَتْلِ والعَذابِ، فاجْعَلْنِي خارِجًا عَنْهم ولا تُهْلِكْنِي بِهَلاكِهِمْ، فَأراهُ اللَّهُ تَعالى ما وعَدَهم بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَجّاهُ ومَن مَعَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ادْفَعْ إساءَةَ المُسِيءِ بِالصَّفْحِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ادْفَعِ الفُحْشَ بِالسَّلامِ، قالَهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: ادْفَعِ الشِّرْكَ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: ادْفَعِ المُنْكَرَ بِالمَوْعِظَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ ؛ أيْ: بِما يَقُولُونَ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، والمَعْنى: إنّا نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ.
﴿ وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ ﴾ ؛ أيْ: ألْجَأُ وأمْتَنِعُ، ﴿ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو نَخْسُها وطَعْنُها، ومِنهُ قِيلَ لِلَعائِبِ: هُمَزَةٌ، كَأنَّهُ يَطْعَنُ ويَنْخَسُ إذا عابَ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الهَمْزُ كالعَصْرِ، يُقالُ: هَمَزْتُ الشَّيْءَ في كَفِّي، ومِنهُ الهَمْزُ في الكَلامِ؛ لِأنَّهُ كَأنَّهُ يَضْغَطُ الحَرْفَ.
وقالَ غَيْرُهُ: الهَمْزُ في اللُّغَةِ: الدَّفْعُ، وهَمَزاتُ الشَّياطِينِ: دَفْعُهم بِالإغْواءِ إلى المَعاصِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ ؛ أيْ: أنْ يَشْهَدُونَ، والمَعْنى: أنْ يُصِيبُونِي بِسُوءٍ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا يَحْضُرُ ابْنَ آدَمَ إلّا بِسُوءٍ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وقِيلَ: هَذا السُّؤالُ مِنهم لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ ارْجِعُونِ ﴾ وهو يُرِيدُ: ارْجِعْنِي ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا اللَّفْظَ تَعْرِفُهُ العَرَبُ لِلْعَظِيمِ الشَّأْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ [ فِيهِ ] بِما تُخْبِرُ بِهِ الجَماعَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ﴾ ، فَجاءَ خِطابُهُ كَإخْبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ ﴿ وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَياطِينِ ﴾ ﴿ وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ بِالنَجاةِ مِن عَذابِ الظَلَمَةِ إنْ كانَ قُضِيَ أنْ يَرى ذَلِكَ، و"إنْ" شَرْطٌ و"ما" زائِدَةٌ، و"تُرِيَنِّي" جَزَمٌ بِالشَرْطِ لَزِمَتِ النُونَ الثَقِيلَةِ، وهي لا تُفارِقُ "إمّا" عِنْدَ المِبْرَدِ، ويَجُوزُ عن سِيبَوَيْهِ أنْ تُفارِقَ فَيُقالُ: "إمّا تُرِيَنِي"، لَكِنَّ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ لُزُومُها فَمِن هُنالِكَ التَزَمَهُ المُبَرِّدُ.
وهَذا الدُعاءُ فِيهِ اسْتِصْحابُ الخَشْيَةِ والتَحْذِيرِ مِنَ الأمْرِ المُعَذَّبِ مِن أجْلِهِ، ثُمْ نَظِيرُهُ لِسائِرِ الأُمَّةِ دُعاءٌ في جَوْدَةِ الخاتِمَةِ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ بِجُمْلَتِها إعْلامٌ بِقُرْبِ العَذابِ مِنهم كَما كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ.
وقَوْلُهُ ثانِيًا: "رَبِّ" اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَرْطِ وجَوابِهِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَيِّئَةَ ﴾ الآيَةُ أمْرٌ بِالصَفْحِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، وما كانَ مِنها لِهَذا فَهو حُكْمٌ باقٍ في الأُمَّةِ أبَدًا، وما فِيها مِن مَعْنى مُوادَعَةِ الكَفّارِ وتَرْكِ التَعَرُّضِ لَهم والصَفْحِ عن أُمُورِهِمْ فَمَنسُوخٌ بِالقِتالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الدَفْعُ بِالَّتِي هي أحْسَنَ هو السَلامُ، يُسَلِّمْ عَلَيْهِ إذا لَقِيَهُ، وقالَ الحَسَنُ: واللهِ لا يُصِيبُها أحَدٌ حَتّى يَكْظِمْ غَيْظُهُ ويَصْفَحَ عَمّا يَكْرَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذانَ الطَرَفانِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ عِدَةٌ لِلنَّبِيِّ ، أيِ: اشْتَغِلْ أنْتَ بِهَذا وكِلْ تَعْذِيبَهم والنِقْمَةَ مِنهم إلَيْنا، وأمَرَهُ بِالتَعَوُّذِ مِنَ الشَيْطانِ في هَمَزاتِهِ، وهي سَوْراتُ الغَضَبِ الَّتِي لا يَمْلِكُ الإنْسانُ فِيها نَفْسَهُ، وكَأنَّها هي الَّتِي كانَتْ تُصِيبُ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكَفّارِ فَتَقَعُ المُحادَّةُ، فَلِذَلِكَ اتَّصَلَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَمْزُ الشَيْطانِ: الجُنُونُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «اللهم إنِّي أُعَوِّذُ بِكَ مِنَ الشَيْطانِ هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ»، قالَ أبُو داوُدَ: وهَمْزَةُ المَوْتَةِ وهي الجُنُونُ، ونَفْخُهُ الكِبَرُ، ونَفْثُهُ السِحْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنَزَعاتُ وسَوْراتُ الغَضَبِ مِنَ الشَيْطانِ، وهي المُتَعَوِّذُ مِنها في الآيَةِ، والتَعَوُّذُ مِنَ الجُنُونِ أيْضًا وكَيْدٌ، وفي قِراءَةِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "رَبِّ عائِذًا بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَياطِينِ، وعائِذًا بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ مَعْناهُ: أنْ يَكُونُوا مَعِي في أُمُورِي، فَإنَّهم إذا حَضَرُوا الإنْسانَ كانُوا مُعَدِّينَ لِلْهَمْزِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ حُضُورٌ فَلا هَمْزٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأصْلُ الهَمْزِ الدَفْعُ والوَخْزُ بِيَدٍ وغَيْرَها، ومِنهُ هَمْزُ الخَيْلِ وهَمْزُ الناسِ بِاللِسانِ، وقِيلَ لِبَعْضِ العَرَبِ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟
سُئِلَ بِذَلِكَ عَنِ اللَفْظَةِ فَظَنَّ أنَّ المُرادَ شَخْصُ الفَأْرَةِ فَقالَ: الهِرُّ يَهْمِزُها.
<div class="verse-tafsir"
الظاهر أن يكون المعطوف موالياً للمعطوف هو عليه، فيكون قوله ﴿ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ﴾ متصلاً بقوله: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيئة ﴾ [المؤمنون: 96] فلما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يفوض جزاءهم إلى ربه أمره بالتعوذ من حيلولة الشياطين دون الدفع بالتي هي أحسن، أي التعوذ من تحريك الشيطان داعية الغضب والانتقام في نفس النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ﴿ الشياطين ﴾ مستعملاً في حقيقته.
والمراد من همزات الشياطين: تصرفاتهم بتحريك القوى التي في نفس الإنسان (أي في غير أمور التبليغ) مثل تحريك القوة الغضبية كما تأول الغزالي في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث " ولكن الله أعانني عليه فأسْلم ".
ويكون أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالتعوذ من همزات الشياطين مقتضياً تكفل الله تعالى بالاستجابة كما في قوله تعالى: ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ [البقرة: 286]، أو يكون أمره بالتعوذ من همزات الشياطين مراداً به الاستمرار على السلامة منهم.
قال في «الشفاء»: الأمة مجتمعة (أي مجمعة) على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان لا في جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس.
ويجوز أن تكون جملة ﴿ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ﴾ عطفاً على جملة ﴿ قل رب إما تريني ما يوعدون ﴾ [المؤمنون: 93] بأن أمره الله بأن يلجأ إليه بطلب الوقاية من المشركين وأذاهم، فيكون المراد من الشياطين المشركين فإنهم شياطين الإنس كما قال تعالى: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبيء عدواً شياطين الإنس والجن ﴾ [الأنعام: 112] ويكون هذا في معنى قوله: ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ إلى قوله ﴿ الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ﴾ [الناس: 1 6] فيكون المراد: أعوذ بك من همزات القوم الظالمين أو من همزات الشياطين منهم.
والهمز حقيقته: الضغط باليد والطعن بالإصبع ونحوه، ويستعمل مجازاً بمعنى الأذى بالقول أو بالإشارة، ومنه قوله تعالى: ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنميم ﴾ [القلم: 11] وقوله: ﴿ ويل لكل هُمزة لمزة ﴾ [الهمزة: 1].
ومحمله هنا عندي على المعنى المجازي على كلا الوجهين في المراد من الشياطين.
وهمز شياطين الجن ظاهر، وأما همز شياطين الإنس فقد كان من أذى المشركين النبي صلى الله عليه وسلم لمزه والتغامز عليه والكيد له.
ومعنى التعوذ من همزهم: التعوذ من آثار ذلك.
فإن من ذلك أن يغمزوا بعض سفهائهم إغراء لهم بأذاه، كما وقع في قصة إغرائهم من أتى بسلا جزور فألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته حول الكعبة.
وهذا الوجه في تفسير الشياطين هو الأليق بالغاية في قوله ﴿ حتى إذا جاء أحدهم الموت ﴾ [المؤمنون: 99] كما سيأتي.
وأما قوله: ﴿ وأعوذ بك رب أن يحضرون ﴾ فهو تعوذ من قربهم لأنهم إذا اقتربوا منه لحقه أذاهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِالإغْضاءِ والصَّفْحِ عَنْ إساءَةِ المُسِيءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: ادْفَعِ الفُحْشَ بِالسَّلامِ، قالَهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: ادْفَعِ المُنْكَرَ بِالمَوْعِظَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: مَعْناهُ امْسَحِ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ هَذا قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ.
الخامِسُ: مَعْناهُ قابِلْ أعْداءَكَ بِالنَّصِيحَةِ وأوْلِياءَكَ بِالمَوْعِظَةِ، وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فالمُرادُ بِهِ جَمِيعُ الأُمَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن نَزَغاتٍ.
الثّانِي: مِن إغْواءٍ.
الثّالِثُ: أذاهم.
الرّابِعُ: الجُنُونُ.
﴿ وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ أيْ يَشْهَدُونِي ويُقارِبُونِي وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الصَّلاةِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ.
قالَ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: في أحْوالِهِ كُلِّها، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وأعوذ بك رب أن يحضرون ﴾ قال: يحضرون في شيء من أمري.
وأخرج أحمد عن خالد بن الوليد أنه قال: «يا رسول الله إني أجد وحشة؟
قال: إذا أخذت مضجعك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنه لا يضرك وبالحري أن لا يضرك» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾ قال ابن زيد: يحضروني (١) (٢) (٣) (٤) وقال عكرمة: عند النزع والسياق (٥) قال صاحب النظم: هذا من باب الإيماء؛ لأن معنى قوله: ﴿ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾ إيماءً إلى أن يصيبوني بسوء، ومنه قولهم: حضر فلان، إذا دنى موته.
ويقال: اللبن (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴾ أي مصاب منه يصيب صاحبه.
هذا كلامه.
والصحيح أن يقال: المعنى: وأعوذ بك ربِّ (١٠) (١١) (١٢) ﴿ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴾ باحتضار صاحبه.
وهذا معنى ما ذكره صاحب النظم من قوله: أن يصيبوني بسوء؛ لأنهم إذا حضروه بسوء أصابوه به (١٣) (١٤) (١٥) (١) (يحضروني): ساقطة من (أ).
(٢) في (ع): (أمري).
(٣) رواه الطبري 18/ 51، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 114 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.
(٤) ذكره عنه ابن القيم في "إغاثة اللهفان" 1/ 155.
وذكر الزمخشري 3/ 42 هذا القول ونسبه لابن عباس.
(٥) ذكره عنه الزمخشري 3/ 42، وابن القيم في "إغاثة اللهفان" 1/ 155.
(٦) في (ظ): (الناس).
(٧) في (أ): (وكذا).
(٨) الحُشُوش: جمع: حُش -بضم الحاء وفتحها- وهو المخرج والمتوضأ.
"لسان العرب" 9/ 286 (حشش).
والكنف: جمع كَنِيف وهو المرحاض.
"القاموس المحيط" 3/ 192.
(٩) (الناس): ساقطة من (ظ).
والعبارة في (ظ): (أي يصاب منه أي يصاب فيها).
(١٠) (ربِّ) ليست في (أ).
(١١) (محتضر): ساقطة من (ع).
(١٢) قولى: (قولهم اللبن محتضر ...
إلى هنا).
هذا كلام الأصمعي كما في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 201 (حضر).
(١٣) (به): ساقطة من (أ).
(١٤) ذكر ابن الجوزي 5/ 489 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.
(١٥) في جميع النسخ: (فإذا).
وما أثبتناه هو الصواب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين ﴾ يعني نزغاته ووساوسه، وقيل: يعني الحنون، واللفظ أعم من ذلك ﴿ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ معناه أن يكونوا معه، وقيل: يعني حضورهم عند الموت ﴿ حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ قال ابن عطية: حتى هنا حرف ابتداء: أي ليست غاية لما قبلها، وقال الزمخشري: حتى تتعلق بيصفون: أي لا يزالون كذلك حتى يأيتهم الموت ﴿ قَالَ رَبِّ ارجعون ﴾ يعني الرجوع إلى الدنيا، وخاطب به مخاطبة الجماعة للتعظيم، قال ذلك الزمخشري وغيره، ومثله قول الشاعر: ألا فارحمون يا آل محمد وقيل إنه نادى ربه ثم خاطب الملائكة ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ قيل: يعني فيما تركت من المال، وقيل: فيما تركت من الإيمان فهو كقوله: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾ [الأنعام: 158]، والمعنى أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل صالحاً في الإيمان الذي تركه أول مرة ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع له عما طلب ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ﴾ يعني قوله: ﴿ رَبِّ ارجعون ﴾ ﴿ لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾ فسمى هذا الكلام كلمة وفي تأويل معناه ثلاثة أقوال: أحدها أن يقول هذه الكلمة لا محالة لإفراط ندمه وحسرته فهو إخبار بقوله والثاني أن المعنى أنها كلمة يقولها ولا تنفعه ولا تغني عنه شيئاً، والثالث أن يكون المعنى أنه يقولها كاذباً فيها، ولو رجع إلى الدنيا لم يعمل صالحاً ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ ﴾ أي فيما يستقبلون من الزمان والضمير للجماعة المذكورين في قوله جاء أحدهم ﴿ بَرْزَخٌ ﴾ يعني المدة التي بين الموت والقيامة، وهي تحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا وأصل البرزخ الحاجز بين شيئين ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ ﴾ المعنى أنه ينقطع يومئذ التعاطف والشفقة التي بين القرابة؛ لاشتغال كل أحد بنفسه كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ [عبس: 34-35] فتكون الأنساب كأنها معدومة ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضاً لاشتغال كل أحد بنفسه، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ [الطور: 25] فالجواب أن ترك التساؤل عند النفخة الأولى ثم يتساءلون بعد ذلك، فإن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف كثيرة.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ عالم ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وعاصم غيره حفص إلا الخزاز.
وقرأ رويس بالخفض إذا وصل وبالرفع إذا ابتدأ، الآخرون بالخفض ﴿ لعلي أعمل ﴾ بسكون الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
﴿ شقاوتنا ﴾ حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون ﴿ شقوتنا ﴾ بكسر الشين وسكون القاف في غير ألف.
﴿ سخرياً ﴾ بضم السين وكذلك في صاد: ابو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف والمفضل والخزاز عن هبيرة.
الآخرون بكسرها ﴿ إنهم ﴾ بالكسر: حمزة وعلي والخزاز عن هبيرة.
﴿ قل كم ﴾ ﴿ قل إن لبثم ﴾ على الأمر فيهما: حمزة وعلي وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل وافق ابن كثير في الأول.
﴿ لا ترجعون ﴾ على البناء للفاعل يعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ط لمن قرأ بالرفع إلى هو عالم ومن خفض لم يقف لأنه بدل أو وصف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ ما يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله "فلا" جواب للشرط وهو إما والنداء عارض ﴿ للظالمين ﴾ ه لا ﴿ لقادرون ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه لا ﴿ يحضرون ﴾ ه ﴿ ارجعون ﴾ ه لا لتعلق لعل ﴿ كلا ﴾ ط لأنها للردع عما قبلها أي لا يرجع.
وقيل: مبتدأ بها بمعنى حقاً والأول أحسن ﴿ قائلها ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ كالحون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ ضالين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ ولا تكلمون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ج للآية والوصل أجوز لشدة اتصال المعنى وللفاء ﴿ تضحكون ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ العادين ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لا ترجعون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي متوحداً غير مشارك ﴿ إلا هو ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ رب العرش ﴾ يصلح بدلاً من هو وخبر مبتدأ محذوف ﴿ الكريم ﴾ ط ﴿ آخر ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة ﴿ به ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه.
التفسير: لما أثبت لنفسه الإلهية بالدلائل الإلزامية في الآيات المتقدمة نفى عن نفسه الأنداد والأضداد بقوله ﴿ ما اتخذ الله من ولد ﴾ بقوله ﴿ وما كان معه من إله ﴾ وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله وإبطال الأقوال اليهود والنصارى والثنوية.
ثم ذكر شبه دليل التمانع بقوله ﴿ إذاً لذهب ﴾ وهو جواب لمن معه المحاجة من أهل الشرك وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره: ولو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق لانفرد كل واحد منهم بالخلق الذي خلقه واستبد به، لأن اجتماعهم على خلق واحد لا يتصور فإن ذلك يقتضي عجز الواحد عن ذلك الخلق، وحينئذ يكون ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخرين.
﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ أي لغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا من تمايز الممالك ومن التغالب، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فلذلك ختم الآية بقوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ إلى قوله ﴿ عما يشركون ﴾ ثم أمر نبيه بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ قل رب إما تريني ﴾ أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ﴿ فلا تجعلني ﴾ قريباً لهم.
وقد يجوز أن يستعيذ العبد بالله مما علم أنه لا يفعله اظهاراً للعبودية واستكانة له ويؤيده تكرار رب مرتين.
وكانوا ينكرون العذاب ويسخرون منه فأكد وقوعه بقوله ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ قيل: فيه دليل على أن القدرة تصح على المعدوم لأنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ثم أمره بالصفح عن سيئاتهم ومقابلتها بما يمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه كان أحسن لأنها حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.
أو نقول: المكافأة حسنة ولكن العفو أحسن.
عن ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك.
وعن مجاهد هي أن يسلم عليه إذا لقيه.
قيل: هي منسوخة بآية السيف والأولى أن يقال: هي محكمة لأن المداراة مستحبة مالم تؤد إلى محذور ﴿ نحن أعلم بما يصفون ﴾ مما ليس فيك من المثالب والمراد أنه أقدر على جزائهم فعليه أن يفوض أمرهم إلى الله ويدفع أذاهم بالكلام الجميل والسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه.
ثم أتبع هذا التعميم ما يقويه على ذلك وهو الإستعاذة بالله من همزات الشياطين.
والهمز النخس ومنه "مهماز الرائض" وذلك أنهم يحثون الناس على المعاصي بأنواع الوساوس كما يحث الرائض الدابة على المشي بالمهماز وهي حديدة تكون في مؤخر خفه.
عن الحسن أنه كان يقول بعد استفتاح الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفخه ونفثه" فهمزه الجنون ونفثه الشعر ونفخه الكبر.
ثم أمره بالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً كما يقال: أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك.
وعن ابن عباس أراد الحضور عند تلاوة القرآن.
وعن عكرمة عند النزع والأولى العموم "عن النبي وقد اشتكى إليه رجل أرقاً به فقال:إذا أردت النوم فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" .
قوله ﴿ حتى إذا جاء ﴾ قيل: متعلق بقوله ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وقيل: بـ ﴿ يصفون ﴾ اي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض وتأكيد للإعضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم.
والمراد بمجيء الموت أماراته التي تحقق عندها الموت وصارت المعرفة ضرورية فحينئذ يسال الرجعة ولا ينافي هذا السؤال الرجعة عند معاينة النار كقوله ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ والأكثرون على أنهم الكفار.
وروى الضحاك عن ابن عباس أنها تشمل من لم يزك ولم يحج لقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ﴾ وأما وجه الجمع في قوله ﴿ ارجعون ﴾ مع وحدة المنادى فقيل: إن الجمعية راجعة إلى الفعل كأنه قال: ارجع مرات ونظيره ﴿ ألقيا في جهنم ﴾ أي ألق ألق.
وقيل ﴿ رب ﴾ للقسم والخطاب للملائكة القابضين للأرواح أي بحق الله ارجعون والأقرب أن الجمع للتعظيم كقول الشاعر: ألا فارحموني يا إله محمد *** وقوله: فإن شئت حرمت النساء سواكم *** عن النبي "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله.
وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" قال جار الله: أي لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحاً كما تقول لعلي أبني على أس تريد أؤسس أساً وأبني عليه.
وقيل: أي فيما خلفت من المال والأولى العموم فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما افسدوه ويطيعوا فيما عصوا.
قيل: كيف سألوا الرجعة وقد عملوا صحة الدين بالضرورة ومن الدين أن لا رجعة؟
والجواب بعد تسليم أنهم عرفوا كل الدين أن الإنسان قد يتمنى شيئاً مع علمه بتعذره كقول القائل "ليت الشباب يعود" والاستغاثة بحنس هذه المسألة قد تحسن.
قولهم ﴿ لعلي ﴾ ليس المراد به الشك وإنما هو كقول المقصر "مكنوني لعلي أتدارك" مع كونه جازماً بأنه سيتدارك.
ويحتمل أنهم وإن كانوا جازمين بذلك إلا أن أمر المستقبل مبني على الظن والتخمين دون اليقين فلذلك أوردوا الكلام بصورة الترجي.
ثم ردعهم بقوله ﴿ كلا ﴾ أي ليس الأمر على ما توهموه من إمكان الرجعة ﴿ إنها كلمة ﴾ والمراد بها طائفة من الكلام منتظم بعضها مع بعض وهي قوله ﴿ ارجعون لعلي أعمل صالحاً ﴾ ﴿ هو قائلها ﴾ لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والحيرة عليه وهو قائلها وحده لإيجاب إليها ولا تسمع منه ﴿ ومن ورائهم ﴾ الضمير لكل المكلفين أي أمامهم ﴿ برزخ ﴾ حائل بينهم وبين الجنة أو النار وبين الجزاء التام ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ وذلك البرزخ هو مدة ما بين الموت إلى البعث، ولعل بعض الحجب من الأخلاق الذميمة يندفع في هذه المدة.
وقال في الكشاف: حائل بينهم وبين الرجعة ومعناه الإقناط الكلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.
ثم وصف يوم البعث بقوله ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ قد مر معناه في أواخر "طه".
وقوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ ليس المراد به نفي النسب لأن ذلك ثابت بالحقيقة فإذن المراد حكمه وما يتفرع عليه من التعاطف والتراحم والتواصل، فقد يكون أحد القريبين في الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من الالتفات إلى أحوال نسبه.
عن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء.
وأما الجمع بين قوله ﴿ ولا يتساءلون ﴾ وبين قوله ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ \[المؤمنون: 101\] فظاهر لأن هذا في صفة أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة.
ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها التساؤل كحقوق النسب ونحوها.
وعن النبي "ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس: حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين وعلى جسر جهنم" وقد مر مثل آية الموازين في أول "الأعراف" فليرجع إلى هنالك.
وقوله ﴿ في جهنم خالدون ﴾ بدل من ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ ولا محل له كالمبدل فإِن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى خسران أنفسهم امتناع انتفاعهم بها.
وقال ابن عباس: خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين.
ومعنى ﴿ تلفح ﴾ تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار، قاله ابن عباس.
وعن الزجاج أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً والكلوح أن يتقلص الشفتان عن الأسنان كالرؤوس المشوية.
يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن.
وعن النبي أنه قال: "تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته" .
وقال الجوهري: الكلوح تكشر في عبوس.
ثم بيّن أنه قال لهم حينئذ تقريعاً وتوبيخاً ﴿ الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ﴾ قالت المعتزلة: لو كان فعل التكذيب بخلق الله لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي.
وفسرت المعتزلة الشقاوة بسوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم.
وتفسرها الأشاعرة بما كتب الله عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤل حالهم إلى النار.
ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر.
وأما على تفسير المعتزلة فقد قال جار الله: معناه ملكتنا وأخذت منا.
وقال الجبائي: أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب.
وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله عليهم في سوء صنيعهم.
وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها الله فيه بدليل قوله ﴿ وكنا قوماً ضالين ﴾ اي في علم الله وسابق تقديره.
وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا: ولو كان الكفر بخلق الله لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذراً لهم أولى.
وأجيب بأن فحوى الكلام يؤل إلى هذا كما قررنا.
عن ابن عباس: أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا ﴾ فيجابون ﴿ حق القول مني ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ فيجابون ﴿ ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم ﴾ فينادون ألفاً ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ فيجابون ﴿ إنكم ماكثون ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب ﴾ فيجابون ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ﴾ فينادون الفاً ﴿ ربنا أخرجنا نعمل صالحاً ﴾ فيجابون ﴿ أولم نعمركم ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 6\] فيجابون ﴿ اخسئوا فيها ﴾ \[المؤمنون: 108\] وهو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب أي لا يفهمون ولا يفهمون ولهذا قال جار الله ﴿ ولا تكلمون ﴾ أي في رفع العذاب وليس نهياً عن الكلام فإِنها ليست بدار تكليف ولكنه تنبيه على أن العذاب لا يرفع ولا يخفف.
ومعنى ﴿ اخسؤاً ﴾ انزجروا صاغرين كما تنزجر الكلاب إذا طردت.
يقال: خسأ الكلب وخسأ نفسه يتعدى ولا يتعدى وهو المراد في الآية.
ثم عدد عليهم بعض قبائحهم في الدنيا بقوله ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم الصحابة.
وقيل: أهل الصفة خاصة.
عن الخليل وسيبويه أن السخري بالضم والكسر مصدر سخر إلا أن في ياء النسب زيادة تأكيد.
وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من التسخير والاستعباد والمعنى اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ ذكرى ﴾ فلم تذكروني حتى تخافوني.
ثم ذكر من حال المؤمنين ما أوجب الحسرة والندامة للساخرين.
فمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر على الاستئناف فمعناه ظاهر أي قد فازوا حيث صبروا، ومن قرأ بالفتح فعلى أنه مفعول جزيتهم أي جزيتهم فوزهم.
ومن قرأ ﴿ قال ﴾ فالضمير لله أو لمن أمر بسؤالهم من الملائكة، ومن قرأ ﴿ قل ﴾ فالخطاب للملك أو لبعض رؤساء أهل النار.
والغرض من هذا السؤال التوبيخ والتبكيت فقد كانوا لا يعدّون اللبث إلا في الدنيا ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنهم فيها خالدون سئلوا ﴿ كم لبثتم ﴾ تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ولا سيما إذا كان الأول ايام سرور والثاني ايام غم وخزن.
واختلفوا في الأرض فقيل: وجه الأرض حين ما كانوا أحياء فإنهم زعموا أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله وعذبوا في النار سئلوا عن ذلك توبيخاً.
وقال آخرون: المراد جوف الأرض وهو القبر لظاهر لفظة "في" ولقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ﴾ وقوله ﴿ عدد سنين ﴾ بدل من مميزكم.
وقيل: احتج بعض من أنكر عذاب القبر بأن قوله ﴿ في الأرض ﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض.
فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ واجيب بأن الجواب لا بد أن يكون على حسب السؤال وإنما سئلوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.
ويحتمل أن يكونوا سئلوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فصح أن يكون جوابهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ عند أنفسنا.
وليس هذا من قبيل الكذب إذ لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال فقالوا: إلا نعرف من عدد السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم.
وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا ﴿ فاسأل العادّين ﴾ اي ليس من شأننا أن نعدّها لما نحن فيه من العذاب فاسأل من يقدر أن يلقى إليه فكره، أو اسأل الملائكة الذي يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم.
وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.
وقيل: أرادوا بقولهم ﴿ لبثنا يوماً أبو بعض يوم ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة غلى ما وقعوا فيه وعرفوه من داوم العذاب.
وقد صدّقهم الله في ذلك حيث قال ﴿ إن لبثتم غلا قليلاً ﴾ ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها بقوله ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ أي لو علمتم البعث والحشر لما كنتم تعدونه طويلاً.
ثم زاد في التوبيخ بقوله ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ أي عابثين أو لأجل العبث وهو الفعل الذي لا غاية له صحيحة.
وجوّزوا أن يكون قوله ﴿ وأنكم إلينا لاترجعون ﴾ معطوفاً على ﴿ عبثاً ﴾ أي للعبث ولترككم غير مرجوعين وفيه دلالة على وجوب وقوع القيامة فلولاها لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء.
ثم نزه ذاته عن كل عيب وعبث قائلاً ﴿ فتعالى ﴾ الآية ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال "بيت كريم" إذا كان ساكنوه كراماً.
وقرئ ﴿ الكريم ﴾ بالرفع وهو ظاهر.
ثم زيف طريقة المقلدة من أهل الشرك وقوله لا برهان له به كقوله ﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ وهو صفة جيء بها للتأكيد لا أن بعض الآلهة قد يقوم على وجوده برهان.
وجوّز جار الله أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقول القائل: من أحسن إلى زيداً لا أحق بالإحسان إليه منه فالله مثيبه.
ومعنى ﴿ حسابه عند ربه ﴾ أنه بلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله.
وقرئ ﴿ أنه لا يفلح ﴾ بفتح الهمزة أي حسابه عدم فلاحه فوضع ﴿ الكافرون ﴾ موضع الضمير.
جعل فاتحة السورة ﴿ قد افلح المؤمنون ﴾ وأورد في خواتيهما ﴿ إنه لا يفلح الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفريقين.
وحين أثنى على المؤمنين في أثناء الكلام بأنهم يقولون ﴿ ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ﴾ نبه في آخر السورة على أنه قول ينبغي أن يواظب المكلف عليه ففيه الانقطاع إلى الله والإعراض عمن سواه والله المستعان.
التأويل: ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم إذا فارقوها ﴿ لكل امريء منهم يومئذ ﴾ في طلب الحق ﴿ شأن يغنيه ﴾ عن طلب الغير ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعليقات ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة فيها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة.
ولهذا قال ﴿ في جهنم خالدون ﴾ وأجيبوا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم العلماء بالله النصحاء لأجله ﴿ فاتخذتموهم سخرياً ﴾ فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العلية ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بهممهم وبيد الرد ﴿ ذكرى وكنتم منهم تضحكون ﴾ لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب ﴿ جزيتهم اليوم بما صبروا ﴾ فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار ﴿ لا برهان له به ﴾ أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات.
قوله: ﴿ قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴾ : يحتمل على وجهين: أحدهما: ﴿ قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ؛ لأنه كان وعد له أن يريه بعض ما وعد لهم بقوله: ﴿ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ ؛ فلا نريك شيئاً؛ فقال: ربّ إن أريتني ما يوعدون أو لا تريني فلا تجعلني في القوم الظالمين.
والثاني: أنك، وإن أريتني ما تعدهم على التحقيق، فلا تجعلني في القوم الظالمين.
ثم يحتمل قوله: ﴿ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ وجهين: أحدهما: لا تجعلني في القوم الظالمين: في العذاب الذي وعدت لهم أن ينزل؛ لأنه من العدل أن يعذبه ويعامله معاملة أهل العدل؛ كأنه يقول: ربّ لا تعاملني معاملتك إياهم، وإن كان ذلك من العدل أن تعاملني مثل ما تعامل أولئك؛ لأن رسول الله، وإن لم يكن [له] زلات ظاهرة، فلقد كان من الله إليه من النعم والإحسان: ما لو أخذ بشكر ذلك لم يقدر على أداء شكر واحدة منها فضلا عن أن يؤدي شكر الكل؛ ألا ترى أنه روي عنه أنه قال: "لا يدخلُ أحدٌ الجنةَ إلا برحمةِ اللهِ؛ فقيلَ: ولا أنتَ يا رسولَ اللهِ؟
فقالَ: ولا أنا إلا أَنْ يتغمدني اللهُ برحمتِهِ" ويحتمل قوله: ﴿ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : في الزيغ والغواية، يسأل ربّه أن يعصمه عن الزيغ بالضلال والغواية الذي عليه القوم الظالمون، وهو كدعاء إبراهيم ربّه وسؤال العصمة عن الزيغ بقوله: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ ، وإن كان وعد لهم العصمة عن ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴾ .
هذا أيضاً يحتمل وجهين: أحدهما: يخبر رسوله أنه ليس لعجز يؤخر ما وعد لهم من العذاب؛ ولكن لحلم منه وعفو، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ ﴾ : على التنبيه والإيقاظ؛ فعلى ذلك يحتمل هذا.
والثاني: يعزي رسول الله ويصبره على أذاهم إياه، يقول: إني مع قدرتي على إنزال العذاب عليهم والانتقام منهم أحلم عنهم وأؤخر عنهم؛ فأنت من ضعفك عن ذلك أولى أن تصبر على أذاهم، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ ، أي: لا تكافئهم لأذاهم إياك، ولا تشغل بهم بمجازاة ذلك [وادفع] بأحسن [من] ذلك وكِلْ مكافأتهم إليَّ حتى أنا أكافئهم.
﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ من الكذب والأذى الذي يؤذونك.
والثاني: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ ، أي: ادفع سيئاتهم المتقدمة بإحسان يكون منك إليهم؛ ليكونوا لك أولياء وإخوانا في حادث الأوقات، وهو كقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ علم رسوله وأمره أن يتعوذ به من الشيطان الرجيم اللعين إذا نزغه - ونزغه: وسوسته - وأمره أيضاً أن يتعوذ من همزه، وهو: همه وقصده بذلك، وأمره أن يتعوذ بحضورهم مكان الوسوسة؛ حتى يدفع عنهم ولا يحضرون ذلك المكان، وكأن التعوذ عن نزغهم؛ ليدفع عنه؛ لئلا يؤثروا في نفسه بعد ما حضروه ووسوسوه.
والتعوذ عن همزهم: هو أن يدفع عنه طعنهم ونخسهم؛ لئلا يشغلوه بالذي قصدوه به، والتعوذ عن حضورهم مكان الوسوسة.
قال الحسن: همز الشيطان: الموتة، والموتة: غشيان القلب، روي في الخبر عن رسول الله أنه كان يتعوذ من الشيطان الرجيم، قال: "في همزه، ونفخه، ونفثه" وقال بعضهم: همزاته ونزغاته: واحد.
وقال القتبي: همزات الشياطين: نخسها وطعنها، ومنه قيل للعائب: هُمَزة؛ كأنه يطعن ويعيب.
[و] قال أبو عوسجة: همزات الشياطين: وساوسهم، يقال: همز يهمز همزاً، أي: وسوس، ومن وجه آخر: همز يهمز همزاً، أي: عاب يعيب، ومنه قوله: ﴿ ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴾ .
ثم في قوله: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ إلى آخر ما ذكر وجهان على المعتزلة: أحدهما: أنه أمر رسوله أن يتعوذ به مما ذكر؛ فدل أن عنده لطفاً لم يعطه: ما لو أعطاه الله لدفع به ما ذكر وأنه مالكٌ لذلك؛ إذ لو كان غيره مالكاً لذلك يخرج السؤال به مخرج الهزء به؛ إذ من طلب من آخر شيئاً يعلم أنه ليس عنده ذلك خرج ذلك الطلب مخرج الهزء به؛ فعلى ذلك هذا.
والثاني: أن كل مأمور بالتعوذ جعل الله له [الإعاذة مما يتعوذ منه].
فالوجهان جميعاً ينقضان على المعتزلة في قولهم: إن الله قد أعطى كلا الأصلح في الدين، وأعطى كلا العصمة عن كل زيغ وضلال.
<div class="verse-tafsir"
وأعوذ بك رب أن يحضروني في شيء من أموري.
<div class="verse-tafsir" id="91.mJd10"