الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٣١ من سورة فاطر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 62 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣١ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( والذي أوحينا إليك ) يا محمد من الكتاب ، وهو القرآن ( هو الحق مصدقا لما بين يديه ) أي : من الكتب المتقدمة يصدقها ، كما شهدت له بالتنويه ، وأنه منزل من رب العالمين .
( إن الله بعباده لخبير بصير ) أي : هو خبير بهم ، بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه .
ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع البشر ، وفضل النبيين بعضهم على بعض ، ورفع بعضهم درجات ، وجعل منزلة محمد صلى الله عليه وسلم فوق جميعهم ، صلوات الله عليهم أجمعين .
القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) يقول تعالى ذكره: ( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ ) يا محمد وهو هذا القرآن الذي أنـزله الله عليه (هُوَ الْحَقُّ) يقول: هو الحق عليك وعلى أمتك أن تعمل به، وتتبع ما فيه دون غيره من الكتب التي أوحيت إلى غيرك ( مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) يقول: هو يصدق ما مضى بين يديه فصار أمامه من الكتب التي أنـزلتها إلى من قبلك من الرسل.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) للكتب التي خلت قبله.
وقوله ( إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله بعباده لذو علم وخبرة بما يعملون بصير بما يصلحهم من التدبير.
قوله تعالى : والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير قوله تعالى : والذي أوحينا إليك من الكتاب يعني القرآن .
هو الحق مصدقا لما بين يديه أي من الكتب .
إن الله بعباده لخبير بصير .
يذكر تعالى أن الكتاب الذي أوحاه إلى رسوله { هُوَ الْحَقُّ } من كثرة ما اشتمل عليه من الحق، كأن الحق منحصر فيه، فلا يكن في قلوبكم حرج منه، ولا تتبرموا منه، ولا تستهينوا به، فإذا كان هو الحق، لزم أن كل ما دل عليه من المسائل الإلهية والغيبية وغيرها، مطابق لما في الواقع، فلا يجوز أن يراد به ما يخالف ظاهره وما دل عليه.{ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب والرسل، لأنها أخبرت به، فلما وجد وظهر، ظهر به صدقها.
فهي بشرت به وأخبرت، وهو صدقها، ولهذا لا يمكن أحدا أن يؤمن بالكتب السابقة، وهو كافر بالقرآن أبدا، لأن كفره به، ينقض إيمانه بها، لأن من جملة أخبارها الخبر عن القرآن، ولأن أخبارها مطابقة لأخبار القرآن.{ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } فيعطي كل أمة وكل شخص، ما هو اللائق بحاله.
ومن ذلك، أن الشرائع السابقة لا تليق إلا بوقتها وزمانها، ولهذا، ما زال اللّه يرسل الرسل رسولا بعد رسول، حتى ختمهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم، فجاء بهذا الشرع، الذي يصلح لمصالح الخلق إلى يوم القيامة، ويتكفل بما هو الخير في كل وقت.
( والذي أوحينا إليك من الكتاب ) يعني : القرآن ( هو الحق مصدقا لما بين يديه ) من الكتب ( إن الله بعباده لخبير بصير )
«والذي أوحينا إليك من الكتاب» القرآن «هو الحق مصدقا لما بين يديه» تقدمه من الكتب «إن الله بعباده لخبير بصير» عالم بالبواطن والظواهر.
والذي أنزلناه إليك -أيها الرسول- من القرآن هو الحق المصدِّق للكتب التي أنزلها الله على رسله قبلك.
إن الله لخبير بشؤون عباده، بصير بأعمالهم، وسيجازيهم عليها.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ، بتثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم ، وتسليته عما أصابه من أعدائه فقال : ( والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب ) أى القرآن الكريم ( هُوَ الحق ) الثابت الذى لا يحوم حوله باطل .( مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) أى : أن من صفات هذا القرآن أنه مصدق لما تقدمه من الكتب السماوية .
كالتوراة والإِنجيل .( إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ) أى : إن الله - تعالى - لمحيط إحاطة تامة بأحوال عباده ، مطلع على ما يسرونه وما يلعنونه من أقوال أو أفعال .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت ألواناً من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وأثنت على العلماء ، وعلى التالين للقرآن الكريم ، والمحافظين على أداء ما كلفهم الله - تعالى - ثناء عظيماً .
ثم قال تعالى: ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق ﴾ .
لما بين الأصل الأول وهو وجود الله الواحد بأنواع الدلائل من قوله: ﴿ والله الذي أَرْسَلَ الرياح ﴾ وقوله: ﴿ والله خَلَقَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ ﴾ ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة، فقال: ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق ﴾ وأيضاً كأنه قد ذكر أن الذين يتلون كتاب الله يوفيهم الله فقال: ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق ﴾ تقريراً لما بين من الأجر والثواب في تلاوة كتاب الله فإنه حق وصدق فتاليه محق ومحقق وفي تفسيرها مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ مِّنَ الكتاب ﴾ يحتمل أن يكون لابتداء الغاية كما يقال أرسل إلى كتاب من الأمير أو الوالي وعلى هذا فالكتاب بمكن أن يكون المراد منه اللوح المحفوظ يعني الذي أوحينا من اللوح المحفوظ إليك حق، ويمكن أن يكون المراد هو القرآن يعني الإرشاد والتبيين الذي أوحينا إليك من القرآن ويحتمل أن يكون للبيان كما يقال أرسل إلى فلان من الثياب والقماش جملة.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ هُوَ الحق ﴾ آكد من قول القائل الذي أوحينا إليك حق من وجهين أحدهما أن تعريف الخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور لأن الخبر في الأكثر يكن نكرة، لأن الإخبار في الغالب يكون إعلاماً بثبوت أمر لا معرفة للسامع به لأمر يعرفه السامع كقولنا زيد قام فإن السامع ينبغي أن يكون عارفاً بزيد ولا يعلم قيامه فيخبر به، فإذا كان الخبر أيضاً معلوماً فيكون الإخبار للتنبيه فيعرفان باللام كقولنا زيد العالم في هذه المدينة إذا كان علمه مشهوراً.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ حال مؤكدة لكونه حقاً لأن الحق إذا كان لا خلاف بينه وبين كتب الله يكون خالياً عن احتمال البطلان وفي قوله: ﴿ مصدقاً ﴾ تقرير لكونه وحياً لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يكن قارئاً كاتباً وأتى ببيان ما في كتب الله لا يكون ذلك إلا من الله تعالى وجواب عن سؤال الكفار وهو أنهم كانوا يقولون بأن التوراة ورد فيها كذا والإنجيل ذكر فيه كذا وكانوا يفترون من التثليث وغيره وكانوا يقولون بأن القرآن فيه خلاف ذلك فقال التوراة والإنجيل لم يبق بهما وثوق بسبب تغييركم فهذا القرآن ما ورد فيه إن كان في التوراة فهو حق وباق على ما نزل، وإن لم يكن فيه ويكون فيه خلاف فهو ليس من التوراة، فالقرآن مصدق للتوراة وفيه وجه آخر: وهو أن يقال إن هذا الوحي مصدق لما تقدم لأن الوحي لو لم يكن وجوده لكذب موسى وعيسى عليهما السلام في إنزال التوراة والإنجيل فإذا وجد الوحي ونزل على محمد صلى الله عليه وسلم علم جوازه وصدق به ما تقدم، وعلى هذا ففيه لطيفة: وهي أنه تعالى جعل القرآن مصدقاً لما مضى مع أن ما مضى أيضاً مصدق له لأن الوحي إذا نزل على واحد جاز أن ينزل على غيره وهو محمد صلى الله عليه وسلم ولم يجعل ما تقدم مصدقاً للقرآن كونه معجزة يكفي في تصديقه بأنه وحي، وأما ما تقدم فلابد معه من معجزة تصدقه.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ فيه وجهان: أحدهما أنه تقرير لكونه هو الحق لأنه وحي من الله والله خبير عالم بالبواطن بصير عالم بالظواهر، فلا يكون باطلاً في وحيه لا في الباطن ولا في الظاهر وثانيهما: أن يكون جواباً لما كانوا يقولونه إنه لم لم ينزل على رجل عظيم؟
فيقال إن الله بعباده لخبير يعلم بواطنهم وبصير يرى ظواهرهم فاختار محمداً عليه السلام ولم يختر غيره فهو أصلح من الكل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الكتاب ﴾ القرآن.
ومن للتبيين أو الجنس.
و (من) للتبعيض ﴿ مُصَدّقاً ﴾ حال مؤكدة؛ لأنّ الحق لا ينفك عن هذا التصديق ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ لما تقدّمه من الكتب ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ يعني أنه خبرك وأبصر أحوالك، فرآك أهلاً لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ و ( مِنَ ) لِلتَّبْيِينِ أوِ الجِنْسِ و ( مِنَ ) لِلتَّبْعِيضِ.
﴿ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أحَقُّهُ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَسْتَلْزِمُ مُوافَقَتَهُ إيّاهُ في العَقائِدِ وأُصُولِ الأحْكامِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ عالِمٌ بِالبَواطِنِ والظَّواهِرِ فَلَوْ كانَ في أحْوالِكَ ما يُنافِي النُّبُوَّةَ لَمْ يُوحِ إلَيْكَ مِثْلَ هَذا الكِتابِ المُعْجِزِ الَّذِي هو عِيارٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العُمْدَةَ في ذَلِكَ الأُمُورُ الرُّوحانِيَّةُ.
<div class="verse-tafsir"
{والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب} أي القرآن ومن التبين {هُوَ الحق مُصَدّقاً} حال مؤكدة لأن الحق لا ينفعك عن هذا التصديق {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}
لما تقدمه من الكتب {إِنَّ الله بِعِبَادِهِ} {لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} فعلمك وأبصر أحوالك ورآك أهلاً لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عبار على سائر الكتب
﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ ﴾ وهو القُرْآنُ، ومِن لِلتَّبْيِينِ إذِ القُرْآنُ أخَصُّ مِنَ الَّذِي أوْحَيْنا مَفْهُومًا وإنِ اِتَّحَدا ذاتًا أوْ، جِنْسُ الكِتابِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ إذِ المُرادُ مِن ( الَّذِي أوْحَيْنا ) هو القُرْآنُ وهو بَعْضُ جِنْسِ الكِتابِ، وقِيلَ هو اللَّوْحُ ومِن لِلِابْتِداءِ.
﴿ هُوَ الحَقُّ ﴾ إذا كانَ المُرادُ الحَصْرَ فَهو مِن قَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ لا العَكْسُ لِعَدَمِ اِسْتِقامَةِ المَعْنى إلّا أنْ يُقْصَدَ المُبالَغَةَ، قالَهُ الخَفاجِيُّ، والمُتَبادِرُ الشّائِعُ في أمْثالِهِ قَصْرُ المُسْنَدُ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو هاهُنا إنْ لَمْ تُقْصَدِ المُبالَغَةُ قَصْرٌ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَفْتَرِيهِ أهْلُ الكِتابِ ويَنْسُبُونَهُ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أيْ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ونَصْبُ ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ عَلى الحالِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ يُفْهَمُ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ أيْ أُحَقِّقُهُ مُصَدِّقًا وهو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَسْتَلْزِمُ مُوافَقَتَهُ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلَيْهِ بِالزَّمانِ في العَقائِدِ وأُصُولِ الأحْكامِ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ مُحِيطٌ بِبَواطِنِ أُمُورِهِمْ وظَواهِرِها فَلَوْ كانَ في أحْوالِكَ ما يُنافِي النُّبُوَّةَ لَمْ يُوحَ إلَيْكَ مِثْلُ هَذا الحَقِّ المُعْجِزِ الَّذِي هو عِيارٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ، وتَقْدِيمُ ﴿ لَخَبِيرٌ ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العُمْدَةَ هي الأُمُورُ الرُّوحانِيَّةُ، وإلى ذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أعْمالِكم وإنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ»».
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ يعني: أرسلنا إليك جبريل- - بالقرآن هُوَ الْحَقُّ لا شك فيه، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: موافقاً لما قبله من الكتب إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ يعني: عالم بهم وبأعمالهم.
قوله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ ويقال: أعطينا القرآن الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا يعني: اخترنا من هذه الأمة.
وثُمَّ بمعنى العطف.
يعني: وأورثنا الكتاب.
ويقال ثُمَّ بمعنى التأخير.
يعني: بعد كتب الأولين أَوْرَثْنَا الْكِتابَ فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ يعني: من الناس ظالم لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ.
روي عن ابن عباس في إحدى الروايتين أنه قال: الظالم الكافر، والمقتصد المنافق، والسابق المؤمن.
وروي عنه رواية أُخرى أنه قال: هؤلاء كلهم من المؤمنين.
فالسابق الذي أسلم قبل الهجرة.
والمقتصد الذي أسلم بعد الهجرة، قبل فتح مكة.
والظالم الذي أسلم بعد فتح مكة.
وطريق ثالث ما روى أبو الدرداء عن رسول الله أنه قال: «السابق الذي يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالمُقْتَصِدُ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً، وَالظَّالِمُ الذي يُحَاسَبُ فِي طُولِ المَحْشَرِ» .
وطريق رابع ما روي عن عمر بن الخطاب- - أنه قال: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناجي، وظالمنا مغفور له.
وطريق آخر ما روى أسد بن رفاعة عن عثمان بن عفان- - أنه قال: سابقنا أهل الجهاد، ومقتصدنا أهل حضرنا، يعني: أهل الأمصار وهم أهل الجماعات والجمعات، وظالمنا أهل بدونا.
وطريق سادس ما روي عن عائشة- ا- أنها سألت عن هذه الآية فقالت: السابق النبي ومن مضى معه، والمقتصد مثل أبي بكر ومن مضى معه، والظالم فمثلي ومثلكم.
وطريق سابع ما روي عن مجاهد قال: الظالم هم أصحاب المشأمة، والمقتصد أصحاب الميمنة، والسابق هم السابقون بالخيرات، فكأنه استخرجه من قوله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [الواقعة: 8] وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة: 10] وطريق ثامن ما روي عن الحسن البصري- رحمه الله- أنه قال: الظالم هم المنافقون، والمقتصد هم التابعون بإحسان، والسابق هم أصحاب النبيّ .
وطريق تاسع ما روي عن الحسن أيضاً أنه قال: السابق الذي ترك الدنيا، والمقتصد الذي أخذ من الحلال، والظالم الذي لا يبالي من أين أخذ.
وقيل: طريق عاشر: السابق الذي رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد الذي استوت حسناته مع سيئاته، والظالم الذي رجحت سيئاته على حسناته.
وقيل: طريق حادي عشر، السابق الذي سره خَيْرٌ من علانيته، والمقتصد الذي سِرُّهُ وعلانيته سواء، والظالم الذي علانيته خير من سره.
وطريق ثاني عشر: السابق الذي تهيأ للصلاة قبل دخول وقتها، والمقتصد الذي تهيأ للصلاة بعد دخول وقتها، والظالم الذي ينتظر الإقامة.
وطريق ثالث عشر: السابق الذي يتوكل على الله يجعل جميع جهده في طاعة الله عز وجل، والمقتصد الذي يطلب قوته ولا يطلب الزيادة، والظالم الذي يطلب فوق القوت والكفاف.
وقيل: طريق رابع عشر: السابق الذي شغله معاده عن معاشه، والمقتصد الذي يشتغل بهما جميعاً، والظالم الذي شغله معاشه عن معاده.
وقيل: طريق خامس عشر: السابق الذي ينجو نفسه وينجو غيره بشفاعته، والمقتصد الذي يدخل الجنة برحمة الله وفضله، والظالم الذي يدخل الجنة بشفاعة الشافعين.
وطريق سادس عشر: السابق الذي يعطى كتابه بيمينه، والمقتصد الذي يعطى كتابه بشماله، والظالم الذي يعطى كتابه وراء ظهره.
وطريق سابع عشر قيل: السابق الذي ركن إلى المولى، والمقتصد الذي ركن إلى العقبى، والظالم الذي ركن إلى الدنيا.
وطريق ثامن عشر: ما روي عن يحيى بن معاذ الرازي قال: الظالم الذي يضيع العمر في الشهوة، والمعصية، والمقتصد الذي يحارب فيهما، والسابق الذي يجتهد في الزلات.
ثم قال: لأن محاربة الصديقين في الزلات، ومحاربة الزاهدين في الشهوات، ومحاربة التائبين في الموبقات.
وطريق تاسع عشر قال: الظالم يطلب الدنيا تمتعاً، والمقتصد الذي يطلب الدنيا تلذذاً، والسابق الذي ترك الدنيا تزهداً.
وطريق العشرين قال: الظالم الذي يطلب ما لم يؤمر بطلبه، وهو الرزق، والمقتصد الذي يطلب ما أمر به ولم يؤمر بطلبه، والسابق الذي طلبه مرضاة الله ومحبته.
وطريق حادي عشرين قيل: الظالم أصحاب الكبائر، والمقتصد أصحاب الصغائر، والسابق المجتنب عن الصغائر والكبائر.
وطريق ثاني عشرين قيل: السابق الخارج إلى الغزو والرباطات قبل الناس، والمقتصد الخارج إليها مع الناس الذي يعلم ويعلم الناس ويعمل به، والمقتصد الذي يعلم ويعلم ولا يعمل به، والظالم الذي لا يعلم ولا يرغب إلى التعليم.
وطريق رابع وعشرين، السابق الذي هو مشغول في عيب نفسه ولا يطلب عيب غيره، والمقتصد الذي يطلب عيب غيره، والظالم الذي هو مشغول في عيب غيره ولا يصلح عيب نفسه.
وطريق خامس وعشرين ما روي عن أنس بن مالك- - عن النبيّ - في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا إلى قوله: الْفَضْلُ الْكَبِيرُ قال: قال رسول الله : «هَؤُلاءِ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ.
أمَّا السَّابِقُ بِالخَيْرَاتِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا المُقْتَصِدُ فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ حِسَابَاً يَسِيْرَاً ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، وَأَمَّا الظَالِمُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ حِسَابَاً شَدِيداً وَيُحْبَسُ حَبْسَاً طَوِيلاً ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ.
فَإِذَا دَخَلُوا الجَنَّةَ قَالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ الذى أذهب عنا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ» .
وقد قيل غير هذا: إلا أنه يطول الكلام فيه.
وفيما ذكرنا كفاية لمن عمل به.
وأكثر الروايات أن الأصناف الثلاثة كلهم في الجنة مؤمنون، وأول الآية وآخرها دليل على ذلك.
فأما أول الآية فقوله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا من عبادنا يعني: أعطينا الكتاب.
فأخبر أنه أعطى الكتاب لهؤلاء الثلاثة.
وقال في آخر الآية جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [النحل: 31 وغيرها] فأشار إلى الأصناف الثلاثة بالآية الأولى، حيث قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ، والأخرى حيث قال: يَدْخُلُونَها ولم يقل: يدخلانها.
وفي الآية الأخرى دليل أن الأصناف الثلاثة هم يدخلون الجنة.
وقال بعضهم: تأول قول ابن عباس الذي قاله في رواية أبي صالح: أن الظالم كافر يعني: كفر النعمة.
ومعناه: فمنهم من كفر بهذه النعمة، ولم يشكر الله عز وجل عليها.
ومنهم مقتصد يعني: يشكر ويكفر.
ومنهم سابق يعني: يشكر ولا يكفر.
وروي عن كعب الأحبار أنه قيل له: ما منعك أن تسلم على عهد رسول الله ؟
قال: كان أبي مكنني جميع التوراة إلا ورقات منعني أن أنظر فيها.
فخرج أبي يوماً لحاجة.
فنظرت فيها فوجدت فيها نعت رسول الله وأمته، وأنه يجعلهم يوم القيامة ثلاثة أثلاث ثلث يدخلون الجنة بغير حساب.
وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ويدخلون الجنة بغير حساب، وثلث تشفع لهم الملائكة والنبيون فأسلمت.
وقلت: لعلّي أكون من الصنف الأول، وإن لم أكن من الصنف الأول لعلّي أن أكون من الصنف الثاني أو من الصنف الثالث.
فلما قرأت القرآن وجدتها في القرآن وهو قوله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ إلى قوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها الآية.
فإن قيل: ايش الحكمة في ذكره الظالم ابتداءً وتأخيره ذكر السابق قيل له: الحكمة فيه والله أعلم لكيلا يعجب السابق بنفسه، ولا ييأس الظالم من رحمة الله عز وجل.
ثم قال تعالى: بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ يعني: الذي أورثهم من الكتاب واختارهم هو الفضل الكبير من الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
قال صاحب: «الكلم الفارقية والحكم الحقيقة» : العلم النافعُ ما زَهَّدَك في دنياك، ورغَّبك في أخراك، وزادَ في خوفِك وتَقْواك، وبعثَك على طاعةِ مولاك، وصَفَّاك مِن كَدَرِ هَوَاك.
وقال- رحمه الله-: العلومُ النافعةُ ما كانتْ لِلْهِمَمِ رافعةً، وللأهواءِ قامِعةً، وللشكوكِ صَارِفةً دافعةً.
انتهى.
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ...
الآية، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية «١» القُرَّاء.
قال ع «٢» : وهذا على أنْ يَتْلُونَ بمعنى: يقرؤون، وإنْ جَعَلناه بمعنى: يتبعون، صَحَّ معنى الآية وكانت في القُرَّاء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، وكتاب الله هو القرآن، وإقامةُ الصلاة، أي: بجميع شروطها، والنفقةُ هي في الصدقات ووجوه البرّ ولَنْ تَبُورَ معناه: لن تكسد.
ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قالت فرقة: هو تَضْعِيفُ الحسناتِ، وقالت فرقة: هو إما النظر إلى وجه الله عز وجل، وإما أن يجعلَهم شَافِعينَ في غيرهم كما قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] .
ت: وَقَدْ خَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ بإسناده عن الثَّورِي عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعةُ لِمَنْ وَجَبَتْ له النار ممن صنع إليه المعروف في الدنيا.
وخَرَّج ابنُ مَاجَه في «سُنَنه» عن أنس بن مالك/، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «يصفّ النّاس ٨٤ أصفوفا» .
وقال ابن نُمير: أهُلُ الجَنَّةِ- فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ استسقيتني، فسقيتك شربة؟
قال: فيشفع له.
ويمرّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي قُرّاءَ القُرْآنِ، فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِقِراءَةِ القُرْآنِ؛ وكانَ مُطَرِّفٌ يَقُولُ: هَذِهِ آيَةُ القُرّاءِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يَتْلُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَقْرَؤُونَ.
والثّانِي: يَتَّبِعُونَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ بِمَعْنى ويُقِيمُونَ، وهو إدامَتُها لِمَواقِيتِها وحُدُودِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْجُونَ تِجارَةً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ ﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: يَرْجُونَ بِفِعْلِهِمْ هَذا تِجارَةً لَنْ تَفْسُدَ ولَنْ تَهْلَكَ ولَنْ تَكْسُدَ ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ ﴾ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ ﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سِوى الثَّوابِ ما لَمْ تَرَ عَيْنٌ ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ.
فَأمّا الشَّكُورُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: هو الَّذِي يَشْكُرُ اليَسِيرَ مِنَ الطّاعَةِ، فَيُثِيبُ عَلَيْهِ الكَثِيرَ مِنَ الثَّوابِ، ويُعْطِي الجَزِيلَ مِنَ النِّعْمَةِ، ويَرْضى بِاليَسِيرِ مِنَ الشُّكْرِ؛ ومَعْنى الشُّكْرِ المُضافِ إلَيْهِ: الرِّضى بِيَسِيرِ الطّاعَةِ مِنَ العَبْدِ، والقَبُولُ لَهُ، وإعْظامُ الثَّوابِ عَلَيْهِ؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِالشَّكُورِ تَرْغِيبَ الخَلْقِ في الطّاعَةِ قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ، لِئَلّا يَسْتَقِلُّوا القَلِيلَ مِنَ العَمَلِ، ولا يَتْرُكُوا اليَسِيرَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وأقامُوا الصَلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ قالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِخِّيرِ: "هَذِهِ آيَةُ القُرّاءِ"، وهَذا عَلى أنَّ "يَتْلُونَ" بِمَعْنى: يَقْرَأُونَ، وإنْ جَعَلْناها بِمَعْنى: يَتَّبِعُونَ، صَحَّ مَعْنى الآيَةِ، وكانَتْ في القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِأوصافِ الآيَةِ، و"كِتابَ اللهِ" هو القُرْآنُ، و"إقامَةُ الصَلاةِ" إقامَتُها بِجَمِيعِ شُرُوطِها، و"النَفَقَةُ" هي في الصَدَقاتِ ووُجُوهِ البِرِّ، فالسِرُّ مِن ذَلِكَ هو التَطَوُّعُ، والعَلانِيَةُ هو المَفْرُوضُ، و"يَرْجُونَ" جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُ "إنَّ"، و"تَبُورَ" مَعْناها: تَكْسُدُ ويَتَعَذَّرُ رِبْحُها، ويُقالُ: "نَعُوذُ بِاللهِ مِن بَوارِ الأيِّمِ".
واللامُ في ﴿ "لِيُوَفِّيَهُمْ" ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: وعَدَهم بِألا تَبُورُ إنْ فَعَلُواْ ذَلِكَ كُلَّهُ وأطاعُوهُ، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيَزِيدَهُمْ" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَضْعِيفُ الحَسَناتِ مِنَ العَشْرِ إلى السَبْعِمِائَةِ، وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ - عَلى هَذا - هي المُجازاةُ مُقابَلَةً.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ التَضْعِيفَ داخِلٌ في تَوْفِيَةِ الأُجُورِ، وأمّا الزِيادَةُ مِن فَضْلِهِ فَهِيَ؛ إمّا النَظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ وإمّا الشَفاعَةُ في غَيْرِهِمْ، كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ ، و"غَفُورٌ" مَعْناهُ: مُتَجاوِزٌ عَنِ الذُنُوبِ ساتِرٌ لَها، و"شَكُورٌ" مَعْناهُ: مَجازٍ عَلى اليَسِيرِ مِنَ الطاعَةِ، مُقَرِّبٌ لِعَبْدِهِ بِهِ.
ثُمَّ ثَبَّتَ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ، و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ هو التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ غَفُورٌ شَكُورٌ * والذى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق ﴾ .
لما كان المبدأ به من أسباب ثواب المؤمنين هو تلاوتهم كتاب الله أعقب التنويه بهم بالتنويه بالقرآن للتذكير بذلك، ولأن في التذكير بجلال القرآن وشرفه إيماء إلى علة استحقاق الذين يتلونه ما استحَقوا.
وابتدئ التنويه به بأنه وحي من الله إلى رسوله، وناهيك بهذه الصلة تنويهاً بالكتاب، وهو يتضمن تنويهاً بشأن الذي أنزل عليه من قوله: ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ ، ففي هذا مسرة للنبيء صلى الله عليه وسلم وبشارة له بأنه أفضل الرسل وأن كتابه أفضل الكتب.
وهذه نكتة تعريف المسند إليه باسم الموصول لما في الصلة من الإِيماء إلى وجه كونه الحق الكامل، دون الإِضمار الذي هو مقتضى الظاهر بأن يقال: وهو الكتاب الحق.
فالتعريف في ﴿ الكتاب ﴾ تعريف العهد.
و ﴿ مِن ﴾ بيانية لما في الموصول من الإِبهام، والتقدير: والكتاب الذي أوحينا إليك هو الحقّ.
فقدم الموصول الذي حقه أن يَقع صفة للكتاب تقديماً للتشويق بالإِبهام ليقع بعده التفصيل فيتمكن من الذهن فضْلَ تمكن.
فجملة ﴿ والذي أوحينا إليك من الكتاب ﴾ معطوفة على جملة ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله ﴾ [فاطر: 29] فهي مثلها في حكم الاستئناف.
وضمير ﴿ هو ﴾ ضمير فصل، وهو تأكيد لما أفاده تعريفَ المسند من القصر.
والتعريف في ﴿ الحق ﴾ تعريف الجنس.
وأفاد تعريفُ الجزأين قصر المسند على المسند إليه، أي قصر جنس الحق على ﴿ الذي أوحينا إليك ﴾ ، وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بحقيّة ما عداه من الكتب.
فأما الكتب غير الإِلهية مثل (الزند فسْتَا) كتاب (زرادشت) ومثل كتب الصابئة فلأنَّ ما فيها من قليل الحق قد غمر بالباطل والأوهام.
وأما الكتب الإِلهية كالتوراة والإِنجيل وما تضمنته كتب الأنبياء كالزبور وكتاب أرميا من الوحي الإِلهي، فما شهد القرآن بحقيته فقد دخل في شهادة قوله: ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ ، وما جاء نسخُه بالقرآن فقد بين النسخ تحديد صلاحيته في القرآن.
وذلك أيضاً تصديق لها لأنه يدفع موهم بطلانها عند من يجد خلافها في القرآن وما عسى أن يكون قد نقل على تحريف أو تأويل فقد دخل فيما أخرجه القصر.
وقد بين القرآن معظمهُ وكشف عن مواقعه كقوله: ﴿ وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ [البقرة: 85].
ومعنى «ما بين يديه» ما سبقه لأن السابق يجيء متقدِّماً على المسبوق فكأنه يمشي بين يديه كقوله تعالى: ﴿ إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ﴾ [سبأ: 46].
والمراد بما بين يديه ما قبله من الشرائع، وأهمها شريعة موسى وشريعة عيسى عليهما السلام.
وانتصب ﴿ مصدقاً ﴾ على الحال من ﴿ الكتاب ﴾ والعامل في الحال فعل ﴿ أوحينا ﴾ ليفيد أنه مع كونه حقّاً بالغاً في الحقيَّة فهو مصدق للكتب الحقّة، ومقرر لما اشتملت عليه من الحق.
﴿ بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ الله بِعِبَادِهِ ﴾ .
تذييل جامع لما تضمنته الآيات قبله من تفضيل بعض عباد الله على بعض ومن انطواء ضمائرهم على الخشية وعدمها، وإقبال بعضهم على الطاعات وإعراض بعض، ومن تفضيل بعض كتب الله على بعض المقتضي أيضاً تفضيل بعض المرسلين بها على بعض، فموقع قوله: ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير ﴾ موقع إقناع السامعين بأن الله عليم بعباده وهو يعاملهم بحسب ما يعلم منهم، ويصطفي منهم من علم أنه خلقه كفئاً لاصطفائه، فأَلْقَمَ بهذا الذين قالوا: ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ [ص: 8] حَجراً، وكأولئك أيضاً الذين ينكرون القرآن من أهل الكتاب بعلة أنه جاء مبطلاً لكتابهم.
والخبير: العالم بدقائق الأمور المعقولة والمحسوسة والظاهرة والخفية.
والبصير: العالم بالأمور المبصرة.
وتقديم الخبير على البصير لأنه أشمل.
وذكر البصير عقبه للعناية بالأعمال التي هي من المبصرات وهي غالب شرائع الإِسلام، وقد تكرر إرداف الخبير بالبصير في مواضع كثيرة من القرآن.
والتأكيد ب ﴿ إنَّ ﴾ واللام للاهتمام بالمقصود من هذا الخبر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ومَعْنى الإرْثِ انْتِقالُ الحُكْمِ إلَيْهِمْ.
الثّانِي: أنَّ إرْثَ الكِتابِ هو الإيمانُ بِالكُتُبِ السّالِفَةِ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإرْثِ انْتِقالُ الشَّيْءِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ.
وَفِي ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّهم بَنُو إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا ﴾ الآيَةَ.
قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ .
قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا يَرْجِعُ إلى المُصْطَفِينَ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ المُصْطَفِينَ الأنْبِياءَ، فَيَكُونُ مَن عَداهم ثَلاثَةَ أصْنافٍ عَلى ما بَيَّنَهم.
الثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى تَفْصِيلِ أحْوالِ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا، ومَعْنى الِاصْطِفاءِ الِاخْتِيارُ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ المُصْطَفِينَ غَيْرَ الأنْبِياءِ، فَجَعَلَهم ثَلاثَةَ أصْنافٍ.
فَأمّا الظّالِمُ لِنَفْسِهِ ها هُنا فَفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الصَّغائِرِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، رَوى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ.
الثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكَبائِرِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ وهم مُسْتَثْنَوْنَ.
الرّابِعُ: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: أنَّهُ الجاحِدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَأمّا المُقْتَصِدُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَوَسِّطُ في الطّاعاتِ وهَذا مَعْنى حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ، رَوى إبْراهِيمُ عَنْ أبِي صالِحٍ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: (أمّا السّابِقُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا المُقْتَصِدُ فَيُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الظّالِمُ لِنَفْسِهِ فِيُحْصَرُ في طُولِ الحَبْسِ ثُمَّ يَتَجاوَزُ اللَّهُ عَنْهُ)» .
الثّانِي: أنَّهم أصْحابُ اليَمِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهم أصْحابُ الصَّغائِرِ وهو قَوْلٌ مُتَأخِّرٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سُنَنَ النَّبِيِّ مِن بَعْدِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وَمِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُقَرَّبُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المُسْتَكْثِرُونَ مِن طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو مَأْثُورٌ.
الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ المَنزِلَةِ العُلْيا في الطّاعاتِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّهُ مَن مَضى عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَشَهِدَ لَهُ بِالجَنَّةِ.
رَوى عُقْبَةُ بْنُ صُهْبانَ قالَ: سَألْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَتْ: كُلُّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، السّابِقُ مَن مَضى عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَشَهِدَ لَهُ بِالحَياةِ والرِّزْقِ، والمُقْتَصِدُ مَنِ اتَّبَعَ أثَرَهُ حَتّى لَحِقَ بِهِ، والظّالِمُ لِنَفَسِهِ مِثْلِي ومِثْلُكَ ومَنِ اتَّبَعَنا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن عباس؛ أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي، نزلت فيه ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ قال: الجنة ﴿ لن تبور ﴾ لا تبيد ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾ قال: هو كقوله: ﴿ ولدينا مزيد ﴾ [ ق: 35] ﴿ إنه غفور ﴾ قال: لذنوبهم ﴿ شكور ﴾ لحسناتهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ قال: لن تهلك.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة...
﴾ .
قال كان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ قال ابن عباس: حيث جعلت نعمتى كرامتي فيمن خافني وعظم حقي (١) (١) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين يَتْلُونَ كِتَابَ الله ﴾ أي يقرأون القرآن وقيل: معنى ﴿ يَتْلُونَ ﴾ : يتبعون والخبر ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً ﴾ أو محذوف ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ أي لن تكسد ويعني بالتجارة طلب الثواب ﴿ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ توفية الأجور، وهو ما يستحقه المطيع من الثواب، والزيادة التضعيف فوق ذلك، وقيل: الزيادة النظر إلى وجه الله ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ تقدم في البقرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يدخلونها ﴾ مجهولاً: ابو عمرو و ﴿ يجزي ﴾ مجهولاً غائباً كل بالرفع: أبو عمرو.
الباقون: بالنون مبيناً للفاعل كل بالنصب و ﴿ مكر السيء ﴾ بهمزة ساكنة: حمزة استثقالاً للحركات، وحمله النحويون على الاختلاس، وإذا وقف يبدل من الهمزة ياء ساكنة.
الوقوف: ﴿ ماء ﴾ ج للعدول ﴿ ألوانها ﴾ الأولى ج ﴿ سود ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط ﴿ العلماء ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ لن تبور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ يديه ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ عبادنا ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ج تفصيلاً بين الجمل مع النسق ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ لا بدل ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ حرير ﴾ ه ﴿ الحزن ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ عذابها ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ج لاحتمال الواو الحال ﴿ فيها ﴾ ج للقول المحذوف ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ النذير ﴾ ه ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ كفره ﴾ ط ﴿ مقتاً ﴾ ج وان اتفقت الجملتان ولكن لتكرار الفعل وتصريح الفاعل والمفعول في الثانية ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ دون الله ﴾ ط ﴿ السموات ﴾ ج لاحتمال أن "أم" منقطعة ﴿ منه ﴾ ج ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ تزولا ﴾ ج لابتداء ما في معنى القسم مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ الأمم ﴾ ج ﴿ نفوراً ﴾ ه لا ﴿ ومكر السيء ﴾ ط ﴿ بأهله ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ج لانتهاء الاستفهام مع اتصال الفاء ﴿ تبديلاً ﴾ هج ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ قوة ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ج ﴿ بصيراً ﴾ ه.
التفسير: لما بين دلائل الوحداينة بطريق الإخبار ذكر دليلاً آخر بطريق الاستخبار لأن الشيء إذا كان خفياً ولا يراه من بحضرتك كان معذوراً، أما إذا كان بارزاً مكشوفاً فإنك تقول: أما تراه.
والمخاطب إما كل أحد أو النبي لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره.
اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول.
والالتفات في ﴿ فأخرجنا ﴾ لأن نزول الماء يمكن أن يقال: إنه بالطبع ولكن الإخراج لا يمكن إلا بإرادة الله.
وأيضاً الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن إنزال المطر لفائدة الإخراج.
واختلاف ألوان الثمرات اختلاف" أصنافها أو هيئاتها، والجدد الخطط، والطرائق "فعلة" بمعنى "مفعول" والجد القطع.
قال جار الله: لا بدّ من تقدير مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك، وكذلك الحمرة.
والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أوّلاً ثم أظهر ثانياً على طريقة قوله: والمؤمن العائذات الطير *** وإنما لم يتصوّر اختلاف الألوان ههنا لأن السواد إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون.
يقال: أسود غربيب للذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب.
ويمكن أن يقال: إن المختلف صفة الحمر فقط.
وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن شرع في الاستدلال بالحيوان، وقدّم الإنسان لشرفه، ثم ذكر الدواب على العموم، ثم خصص الأنعام، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان.
وقوله ﴿ مختلف ﴾ اي بعض مختلف ﴿ ألوانه ﴾ وذكر الضمير تغليباً للإنسان أو نظراً إلى البعض.
وقوله ﴿ كذلك ﴾ أي كاختلاف الجبال والثمرات، وفيه ن هذه الأجناس كما أنها في أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضاً دلائل.
وحين خاطب نبيه بقوله ﴿ ألم تر ﴾ بمعنى ألم تعلم أتبعه قوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته، أو أراد أن يعرّفه كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله.
وفي الحديث "أعلمكم بالله أشدّكم خشية له" وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحاً وهو أنهم لا يخشون أحداً إلا الله إلا أن ذلك غير مراد ههنا.
وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة قرءا برفع الله ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة للتعظيم اي لا يعظم الله ولا يجل من الرجال إلا العلماء به.
ثم بين السبب الباعث على الخشية بقوله ﴿ إن الله عزيز غفور ﴾ فالعزة توجب الخوف من أليم عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن يكون مخلوطاً برجائه.
ثم مدح العالمين العاملين بقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ الآية.
قال أهل التحقيق: قوله ﴿ إنما يخشى الله ﴾ إشارة إلى عمل القلب، وقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان.
وقوله ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ إشارة إلى عمل الجوارح، والكل أقسام التعظيم لأمر الله.
ثم اشار إلى الشفقة على خلق الله بقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم ﴾ وقوله ﴿ يرجون ﴾ وهو خبر "إن" إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي نفقون من الأموال لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب مرضاة الله.؟
وقوله ﴿ ليوفيهم ﴾ متعلق بـ ﴿ لن تبور ﴾ أي تنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها عنده أجورهم.
وجوّز جار الله أن يجعل ﴿ يرجون ﴾ في موضع الحال واللام متعلق بالأفعال المتقدّمة اي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة والإنفاق لغرض التوفية.
وخبر "إن" قوله ﴿ إنه غفور ﴾ لهم ﴿ شكور ﴾ لأعمالهم.
وحين ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلوّ والكتاب للجنس فـ "من" للتبعيض أو هو القرآن، و"من" للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و"من" للابتداء وقد مرّ في البقرة أن قوله ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة.
وفي قوله ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير ﴾ تقرير لكونه حقاً لأن الذي يكون عالماً بالبواطن والظواهر لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل.
وفيه لم يختر محمداً للرسالة جزافاً وعلى سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته.
قوله ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ زعم جمع من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ﴾ والإيراث الإعطاء، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال: علمنا البواطن وابصرنا الظواهر فاصطفينا عباداً ثم أورثناهم الكتاب.
وعلى هذا فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه قول ابينا آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ وقول يونس ﴿ إني كنت من الظالمين ﴾ وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزاً عليهم فالاقتصاد أولى.
ويجوز أن يعود الضمير في قوله ﴿ فمنهم ﴾ إلى الأمة كأنه قيل: إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا، وآتيناهم كتباً فمن قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك، ومقتصد آمن به ولم يأتِ بجميع ما أمر به، وسابق آمن وعمل صالحاً.
وقال أكثرهم: إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو هو على عادة إخبار الله في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه أي نريد أن نورثه.
والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله ﴿ كنتم خير أمة ﴾ ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ وعلى هذا ففي تفسير المراتب الثلاثة أقوال أحدها: الظالم الراجح السيئات، والمقتصد المتساوي الحسنات والسيئات، والسابق راجح الحسنات.
ثانيها الظالم من ظاهره خير من باطنه، والمقتصد المتساوي، والسابق من باطنه خير.
ثالثها: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم.
رابعها: عن علي : الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا.
فقيل له: كيف ذاك؟
قال: أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي.
خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العامل سادسها: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.
سابعها: الظالم من يحاسب فيدخل النار وهو أصحاب المشأمة، والمقتصد من يحاسب فيدخل الجنة وهو اصحاب الميمنة، والسابق من يدخل الجنة بغير حساب، ثامنها: الظالم من خالف أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للتكليف في غير موضعه، والمقتصد هو المجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك فإنه قصد الحق واجتهد، والسابق هو الذي لم يخالف تكاليف الله بتوفيقه دليله قوله في الأخير ﴿ بإذن الله ﴾ وذلك أنه إذا وقع الخير في نفسه سبق إليه قبل تسويل النفس، والمقتصد يقع في قلبه فتردّده النفس، والظالم تغلبه النفس.
وبعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم، ومن جاهد نفسه فغلبته تارة غلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة، ومن قهر نفسه فهو السابق.
وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين والظالمون أكثر الأقسام كما قال ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث ﴿ هو الفضل الكبير ﴾ قال جار الله: أبدل قوله ﴿ جنات عدن ﴾ من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو.
قلت: ويمكن أن يقال ﴿ جنات عدن ﴾ مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن ﴾ ولئن سلم أنها نكرة فليكن ﴿ يدخلونها ﴾ صفة له وخبرها ﴿ يحلون ﴾ ثم إن ضمير ﴿ يدخلون ﴾ إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا إشكال؛ فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفاً كقوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله ﴾ أو كقوله ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة، وقد يروى عن رسول الله : "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له" وفي تقديم ﴿ جنات عدن ﴾ وبناء الكلام عليها دون أن يقول "يدخلون جنات عدن" إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس الدخول.
وقد مرت العبارة الأصلية في سورة الحج في قوله ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ﴾ إلى قوله ﴿ حرير ﴾ وتغيير العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم.
وفي قوله ﴿ يحلون فيها ﴾ إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول.
وفي تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم، الثاني أنهم لا يحتاجون فيها إلى عمل من الصبخ وتهيئة سائر الأسباب.
قال جار الله: أي يحلون بعض أساور من ذهب كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسوّرون به غيرهم، والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحليّ.
وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ، والحزن للجنس فيعم كل حزن من أحزان الدنيا والدين كما روي عن رسول الله "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" وقد خصه جمع من المفسرين بخوف سوء العاقبة أو بحزن الآفات أو بحزن الموت أو بهمّ المعاش حتى قال بعضهم: كراء الدار والتعميم أولى.
والمقامة بمعنى الإقامة والفضل التفضل.
وعند المعتزلة العطاء لأن الثواب أجر مستحق واجب عندهم.
والنصب التعب والمشقة التي تصيب المزاول للأمر المنتصب له.
واللغوب ما يلحقه من الفتور والكلال بعد ذلك قاله جار الله.
وقال غيره: إن الذي يباشر عملاً من الأعمال لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد أن يستريح، فالمراد أنهم لايخرجون من الجنة إلى موضع يتعبون بسبب ذلك ثم يلحقهم الإعياء بعد الرجوع.
ثم عطف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ على قوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ وقوله ﴿ فيموتوا ﴾ جواب للنفي والتقدير لا يقضي عليهم بالموت فيستريحوا و ﴿ يصطرخون ﴾ يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدّة كشأن المستغيث.
وفائدة قوله ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح، أو المراد نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون.
وفيه إشارة إلى أنهم في الآخرة أيضاً ضالون لم يهدهم الله في الآخرة كما لم يهدهم في الدنيا، ولو كانوا مهتدين لقالوا: ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظراً إلى فضلك، ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظراً إلى عدلك، وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة.
وهذا بخلاف حال المؤمن هداه في العقبى كما هداه في الدنيا حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا ﴿ الحمد لله ﴾ وقالوا ﴿ إن ربنا لغفور ﴾ اعترافاً بتقصيرهم ﴿ شكور ﴾ إقراراً بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وأحالوا الكل إلى فضله تصريحاً بأنه لا عمل لهم بالنسبة إلى بحار نعمه.
قوله ﴿ أولم نعمركم ﴾ استفهام فيه توبيخ وإفحام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه إلا أن التوبيخ في العمر الطويل أعظم.
عن النبي "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة" وروي "من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار" وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.
وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة.
وقوله ﴿ وجاءكم ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم ﴿ النذير ﴾ وهو النبي .
وقيل: الشيب.
فبين بالجملتين أن القابل موجود والفاعل حاصل، فالعذر غير مقبول ﴿ فذوقوا ﴾ العذاب ﴿ فما للظالمين ﴾ الذين وضعوا أعمالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها ﴿ من نصير ﴾ نفى الأنصار والناصرين في آخر "آل عمران" وفي "الروم" ووحد ههنا كأنهم في النار قد أيسوا من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة إلا من نصير واحد وهو الله .
ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال الكافر يعذب ابداً وإنه ما كفر إلا أياماً معدودة فلا جرم قال ﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض ﴾ فكان يعلم من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.
وذات الصدور صواحباتها من الظنون والعقائد فذو موضوع لمعنى الصحبة، فالصدور ذات العقائد والعقائد ذات الصدور باعتبار أنها تصحبها.
وحين ذكرهم بما مر من أنه سوف يوبخهم بالتعمير وإيتاء العقول وإرسال من يؤيد المعقول بالمنقول وعظهم بأنه ﴿ هو الذي جعلكم ﴾ وفقد العاطف هنا خلاف ما في آخر "الأنعام" للعدول عن خطاب أهل الآخرة إلى خطاب أهل الدنيا.
وقال ههنا ﴿ خلائف في الأرض ﴾ بزيادة "في" المفيدة لتمكن المظروف في الظرف لأجل المبالغة والترقي من الأدنى إلى الأعلى كأنه قيل: أمهلتهم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلفاء الهالكين الماضين فأصبحتم بحالهم راضين ﴿ فمن كفر ﴾ بعد هذا كله ﴿ فعليه ﴾ وبال ﴿ كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً ﴾ لأن الكافر السابق ممقوت واللاحق الذي أنذروه الرسول ولم ينتبه أمقت لأنه رأى عذاب من تقدّمه ولم يتنبه ﴿ ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا ﴾ فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ومن اشترى به سخطه خسر.
ثم وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وأبدل منه ﴿ أروني ﴾ كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، أروني أيّ جزء من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه ﴿ أم لهم ﴾ مع الله ﴿ شرك في ﴾ خلق ﴿ السموات ﴾ أم معهم أو مع عابديهم كتاب من عند الله فهم على برهان من ذلك الكتاب.
والإضافة في ﴿ شركائكم ﴾ لملابسة العبادة، أو المراد كونهم شركاءهم في النار كقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ ﴿ بل إن يعد الظالمون بعضهم ﴾ وهم الرؤساء ﴿ بعضاً ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غروراً ﴾ وهو قولهم ﴿ هؤلاء شفعاؤنا ﴾ وحين بين عجز الأصنام أراد أن يبين كمال القدرة فقال ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض ﴾ أي يمنعهما من ﴿ أن تزولاً ﴾ أو كراهة زوالهما عن مقرهما ومركزهما، ولو فرض زوالهما بأمر الله فلن يمسكهما أحد من بعد زوالهما أو من بعد الله.
وقيل: أراد أنهما كانتا جديرتين بأن تهدّ هدّاً لعظم كلمة الشرك كقوله ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه ﴾ يؤيد هذا الوجه قوله ﴿ إنه كان حليماً ﴾ غير معاجل بالعقوبة ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب من الشرك.
قال المفسرون: بلغ قريشاً قبل مبعث رسول الله أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوا فوالله لئن أتانا رسول لكنا أهدى.
وزيف هذا النقل بأن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر فكيف اعترفوا بأن اليهود والنصارى جاءهم رسل.
سلمنا لكنهم كيف عرفوا تكذيب اليهود وتحريفهم ولم يأتهم رسول ولا كتاب؟
فالوجه الصحيح في سبب النزول أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا رسول لم ننكره وإنما ينكرون كون محمد رسولاً لأنه كاذب، ولو صح كونه رسولاً لآمنا.
وقوله ﴿ من إحدى الأمم ﴾ ليس للتفضيل بل المراد أنا نكون أهدى مما نحن عليه ونكون من إحدى الأمم كقولك: زيد من المسلمين.
أو هو للتفضيل والأمم لتعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى عليهم السلام، أو للعموم أي أهدى من ايّ أمة تفرض ويقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة.
﴿ فلما جاءهم نذير ﴾ هو محمد الذي صح لهم نذارته بالمعجزات الباهرة ﴿ ما زادهم ﴾ هو أو مجيئه ﴿ إلا نفوراً ﴾ كأنه صار سبباً في نفارهم عن الحق عناداً وكبراً فانتصب ﴿ استكباراً ﴾ على أنه مفعول لأجله أو حل ويجوز أن يون بدلاً من ﴿ نفوراً ﴾ وقوله ﴿ ومكر ﴾ من إضافة المصدر إلى صفة معموله أصله وأن مكروا السيء أي المكر السيء، والمكر هو مكرهم بالنبي من الهّم بالقتل والإخراج وقد حاق بهم يوم بدر، أو هو عام وعاقبة الماكر وخيمة يصل إليه جزاؤه عاجلاً أو آجلاً.
عن النبي "لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" .
وفي أمثالهم "من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكباً".
وفي قوله ﴿ بأهله ﴾ دون أن يقول "إلا بالماكر إشارة إلى أن الرضا بالمكر والإعانة عليه كهو فيندرج صاحبه في زمرة أهل المكر.
وقوله ﴿ سنة الأوّلين ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.
وقوله ﴿ سنة الله ﴾ من إضافته إلى الفاعل والمراد بها إنزال العذاب على أمثالهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك واستعجالهم إياه انتظاراً له منهم.
والتبديل تغيير الصورة مع بقاء المادة، والتحويل نقل الشيء من مكان إلى مكان آخر.
خص هذه السورة بالجمع بين الوصفين لأن كثيراً من أحوال الكفرة جاءت ههنا مثناة كقوله ﴿ ولا يزيد الكافرين ﴾ إلى قوله ﴿ إلا خساراً ﴾ وكقوله ﴿ إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيء ﴾ ويحتمل أن يريد بسنة الأوّلين استمرارهم على الإنكار كأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأوّلين والله يأتي بسنة لا تبدل.
العذاب المعلوم بنوع آخر ولا تحوّله عن مستحقيه إلى من لا يستحقه.
ثم أمرهم بالسير وذكرهم ما رأوه في مسايرهم ومتاجرهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الهالكين الأقدمين مع وفور قوّتهم وكثرة شوكتهم.
ثم بين كمال علمه ونهاية قدرته على اتصال أصناف الاستحقاقات بقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ أي ليسبقه ويفوته شيء.
ثم ختم السورة بما يدل على غاية حلمه وهو أنه لا يؤاخذ الناس بكل جرم ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو القيامة وهو يومئذ أعلم بأحوالهم علماً عيانياً فيجزي كلاً بحسب علمه، وقد مر مثل الآية في سورة النحل.
وقيل: الأجل هو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن أو حين يجتمع الناس على الضلال والله أعلم.
قوله: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ : يا محمد، ﴿ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : وهو القرآن، ﴿ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ : أنه من عند الله، ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي: موافقاً للكتب التي قبله.
ثم يكون وفاقه إياها بأحد شيئين: إما في الأخبار والأنباء: أن توافق الأنباء والأخبار التي في القرآن أنباء الكتب المتقدمة وأخبارها ويصدق بعضها بعضا، فكذلك كانت الكتب كلها داعية إلى توحيد الله والعبادة له والطاعة.
أو توافق الأحكام، فإن كانت الموافقة في الأحكام ففيها الناسخ والمنسوخ مختلفة؛ ألا ترى أن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً، ثم أخبر أنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، ولو كان الناسخ والمنسوخ خلافاً في الحقيقة لكان من عند غير الله على ما أخبر، فدل أن بينهما وفاقاً ليس باختلاف.
وقال بعضهم: إن محمداً يصدق ما قبله من الكتب والرسل، وهو ما ذكرنا: أن جميع الكتب والرسل: إنما دعوا الخلق إلى توحيد الله وعبادته.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ .
أي: ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ بما به مصالحهم، أو ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ ، أي: على علم وبصيرة منه بتكذيب القوم رسلهم بعث الرسل إليهم لا عن جهل منه بذلك، وذلك لا يخرجه عن الحكمة كما قال بعض الملاحدة: إن ليس بحكيم من بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبه ويرد رسالته، فهذا لو كان بعث الرسل لحاجة المرسل ولمنفعته يكون إرساله وبعثه إلى من يعلم أنه يكذبه ويردّ رسالته [عبثاً]، فأمّا الله - وتعالى - يتعالى عن أن يرسل الرسل لحاجة أو لمنفعة بل لحاجة المبعوث إليه والمرسل [إليه]؛ فلم يخرج علمه برده وتكذيبه عن الحكمة، والتوفيق بالله.
أو أن يكون قوله: ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ يخرج عن الوعيد، أي: عالم بأحوالهم وأفعالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر ومراقبة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ هو ممن أخبر أنه اصطفاه للهدى من متبعي محمد، وهم أصحاب الكبائر في قول بعض.
وقال بعضهم: هم أصحاب الصغائر.
وقال بعضهم: هم أصحاب الصغائر والكبائر جميعاً.
ومنهم من يقول: هو في الناس جميعاً المتبع له وغير المتبع.
ثم اختلف في قوله: ﴿ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ : قال بعضهم: هو المنافق الذي أظهر الموافقة لرسوله وأضمر الخلاف له.
وقال بعضهم: هم اليهود والنصارى، فقد آمنوا قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به.
وقال بعضهم: هم المشركون وقد أقسموا أنه لو جاءهم نذير: ﴿ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ ﴾ .
فهؤلاء كلهم في النار، وما ذكر من الاصطفاء والاختيار على قول هؤلاء يكون لرسول الله؛ حيث بعث إليهم؛ ليدعوهم إلى توحيد الله.
والأشبه أن يكون قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ من أمته من متبعي الرسول ما روي في الخبر عن أبي الدرداء - إن ثبت - قال: "تلا رسول الله هذه الآية فقال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة، وأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يظن أنه لن ينجو ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة، ثم قال رسول الله: وهم الذين قالوا: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ...
﴾ " .
الآية [فاطر: 34] وكذلك روي عن أنس وعائشة عن رسول الله ، فإن ثبت عنه فهو تأويل الآية، وتفسير الظالم من أهل التوحيد والملة.
والمقتصد: قال بعضهم: هو الذي يخلط عملا صالحاً بعمل سيئ؛ كقوله: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ﴾ .
وقال بعضهم: هو الذي يقوم بأداء الفرائض والأركان وأما غيره فلا.
والسابق يخرج على وجهين: أحدهما: سابق بالخيرات كلها لا تقصير فيه ولا نقصان.
أو سابق بالخيرات فيه تقصير ونقصان، وقد ذكرنا هؤلاء الفرق الثلاثة في غير موضع: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ...
﴾ الآية [التوبة: 100]، ثم قال: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، فالذين اعترفوا بذنوبهم هم المقتصد، والآخرون هم الظالم لنفسه.
وقال في موضع آخر: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ ﴾ - ففي ظاهر هذا أن أصحاب الشمال المكذبون؛ حيث ذكر في آخر هذه السورة الفرق الثلاثة حيث قال: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ ، ففي ظاهر هذا أن الظالم لنفسه هو المكذب والكافر في قوله: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ ﴾ في ظاهر ما ذكر في سورة التوبة أنه من أهل التوحيد حيث قال: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [التوبة: 106]، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: بعلم الله، ويحتمل: بمشيئة الله، وقيل: بأمره.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: هذا الذي أورثناهم من الكتاب هو الفضل الكبير؛ كقوله: ﴿ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ .
أو يقول: إدخالهم الجنة فضل منه كبير.
وروي عن عمر - - قال: " ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ ﴾ قال: ألا إن سابقنا سابق، وإن مقتصدنا ناج، وإن ظالمنا مغفور له".
وقال عثمان بن عفان - -: "ألا إن سابقنا أهل الجهاد منا، وإن مقتصدنا أهل حضرنا، وإن ظالمنا أهل بدونا".
وابن عباس - - يقول: "الظالم لنفسه كافر".
وعن الحسن قال: "الظالم لنفسه المنافق وهو هالك، وأما السابق والمقتصد فقد نجيا".
وقوله: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ .
ذكر التحلي فيها بالذهب واللؤلؤ ولبس الحرير، وليس للرجال رغبة في هذه الدنيا في التحلي بذلك ولا لبس الحرير، اللهم إلا [أن] يكون للعرب رغبة فيما ذكر، فخرج الوعد لهم بذلك والترغيب في ذلك، وهو ما ذكر من الخيام فيها والقباب والغرفات، وذلك أشياء تستعمل في حال الضرورة في الأسفار، وعند عدم غيره من المنازل والغرف عند ضيق المكان؛ فأما في حال الاختيار ووجود غيره فلا، لكنه خرج ذلك لهم؛ لما لهم في ذلك من فضل رغبة؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ ﴾ ، ذكروا ذلك لما لذلك عندهم فضل قدر ومنزلة ورغبة في ذلك.
أو يذكر هذا لهم في الجنة - أعني: الذهب والفضة والحرير وما ذكر - ليس على أن هذا مما يشابهه بحال أو يماثله في الجوهر على التحقيق سوى موافقة الاسم؛ لما روي في الخبر: "أن فيها - يعني في الجنة - ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر أو بال بشر" على ما ذكر، وما ذكر - أيضاً - أن ما في الجنة لا يشبه ما في الدنيا أو لا يوافقه إلا في الاسم أو كلام نحو هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ﴾ .
قال بعضهم: إنما يقول هذا الظالم لنفسه الذي ذكر في قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ أنهم يحبسون على الصراط حبساً طويلا، أو يحاسبون حساباً شديداً؛ فيطول حزنهم بذلك، ثم يؤذن لهم بالدخول في الجنة، فعند ذلك يقولون ذلك ويحمدون ربهم على إذهاب ذلك الحزن عنهم.
وقال بعضهم: لا، ولكن يقول هذا كل مسلم إذا دخل الجنة؛ لما يخاف كل مسلم في الدنيا على مساويه؛ لما لا يدري إلى ماذا يكون مصيره ومرجعه؟
وأين مقامه في الآخرة؟
فلما أدخل الجنة أمن ما كان يخافه في الدنيا ويحزن عليه، وسلم من تلك الأخطار، حمد ربه عند ذلك.
وقال بعضهم: ذلك الحمد إنما يكون منهم؛ لما ذهب عنهم غمّ العيش والخبر الذي كان لهم في الدنيا؛ إذ كل أحد يهتم لعيشه في الدنيا، فلما دخل الجنة فذهب ذلك عنه، فعند ذلك يحمد ربه.
وقال بعضهم: يحمدون ربهم؛ لما يأمنون الموت عند ذلك؛ إذ ذكر في الخبر "أنه يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش، فيذبح بين أيديهم" ، فعند ذلك يأمنون الموت، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ .
لمساوئهم من غير أن كان منهم ما يستوجبون المغفرة، شكور لحسناتهم حيث قبلها منهم وأعطاهم الثواب.
وقال أهل التأويل: غفور لذنوبهم، شكور يعطيهم الجزاء الجزيل بالعمل القليل.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ ﴾ .
لما لا يتمنى التحوّل منها ولا الانتقال، لا يبغون حولا.
وقوله: ﴿ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ .
ليس من صاحب نعمة في هذه الدنيا وإن عظمت إلا وهو يمل منها ويسأم، ويتمنى التحول منها والانتقال، وكذلك ليس من لذة وإن حلت في هذه الدنيا إلا وهي تعقب آفة وتعباً، فأخبر أن نعيم [الآخرة] ولذاتها مما لا يتمنى ولا يبتغى التحول منها، ولا لذتها تعقب آفة ولا تعباً ولا إعياء.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ وذلك أن من حل بقرابته وبالمتصلين [به شيء] في هذه الدنيا من آفاتها يهتم لذلك ويتكلف دفع ذلك عنهم، فأخبر أنهم إذا حلوا في دار المقامة لا يهمهم شيء من ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ : شكر لهم ما كان منه إليهم، وغفر لهم ما كان منهم من ذنب، "وفي حديث رفع إلى رسول الله في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ قال: شكر الله للمؤمن اليسير من الحسنات، وغفر لهم الذنوب العظام" .
والنصب: الأذى، ويقال: الفناء، واللغوب: التعب.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ ﴾ : فيستريحوا من عذابها، ﴿ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ .
وفي قوله: ﴿ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ نقض قول الجهم وأبي هذيل المعتزلي: أما قول الجهم؛ لأنه يقول: بانقطاع العذاب عن أهل النار، فأخبر أنه لا يخفف عنهم العذاب، فلو كان يحتمل الانقطاع يحتمل التخفيف، فإذا أخبر أنه لا يخفف عنهم دل أنه لا ينقطع، وكذلك قول مالك لهم: ﴿ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ ﴾ لما طلبوا منه التخفيف: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ .
وأما على قول أبي الهذيل فإنه يقول: إن العذاب قد يفتر عن أهل النار، ويصير بحال لو أراد الله أن يزيد في عذابهم شيئاً ما قدر عليه، وكذلك يقول في لذات أهل الجنة: إنها تصير بحال وتبلغ مبلغاً لو أراد الله أن يزيد لهم شيئاً منها ما قدر عليه، فظاهر الآية يكذبهم ويردّ قولهم حيث قال: ﴿ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ .
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ : لنعمه وجاحد وحدانيته.
وقوله: ﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا ﴾ .
قال بعضهم: يصيحون فيها.
[و] قال بعضهم: الاصطراخ: الاستغاثة، أي: يستغيثون، واصطراخهم قولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ﴾ يفزعون أولا إلى كبرائهم الذين اتبعوهم في الدنيا، يطلبون منهم دفع ما هم فيه من العذاب والتخفيف عنهم، حيث قالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ فأجابوا لهم: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ...
﴾ الآية [غافر: 48]، فلما أيسوا وانقطع رجاؤهم بالفرج من عندهم فزعوا عند ذلك إلى خزنة جهنم حيث قالوا: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، فلما أيسوا منهم وانقطع رجاؤهم، فزعوا إلى مالك يطلبون منه أن يسأل ربه؛ ليقضي عليهم بالموت حيث قال: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ ، فلما أيسوا، سألوا ربهم الإخراج عنها؛ ليعملوا غير الذي عملوا حيث قالوا: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، فاحتج عليهم: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ أي: أولم نعمركم فيها من العمر مثل العمر الذي يتعظ به من يتعظ، فهلا اتعظتم فيه ما اتعظ من اتعظ فيه، وقد أعمرناكم مثل الذي أعمرنا أولئك، أو كلام نحو هذا.
﴿ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ﴾ .
قال بعضهم: جاءكم الرسول وأنذركم هذا فقد كذبتموه.
وقال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ﴾ أي: الشيب، ومعناه - والله أعلم - أي: قد رأيتم وعاينتم تغير الأحوال في أنفسكم من حال إلى حال: من حال الصغر إلى الكبر من الشباب إلى الشيب، ثم الرد إلى أرذل العمر، فهلا اتعظتم به كما اتعظ أولئك، فذوقوا ما أنذركم به الرسل ﴿ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الوعيد والتخويف، أي: هو عالم بالأشياء التي لم يمتحنها بمحن، ولا أمرها بأمور، ولا نهاها بمناه، فالذين امتحنهم بأنواع المحن، وأمرهم بأوامر، ونهى بمناه - أحق أن يكون عالماً بهم.
والثاني: أنه على علم بما يكون من خلق السماوات وأهل الأرض، خلقهم وبعث إليهم الرسل من التكذيب لهم والردّ عليهم، لا عن سهو وجهل بما يكون منهم؛ ليعلم أنه إنما بعث إليهم الرسل لحاجة أنفس المبعوث إليهم ولمنفعة لهم في ذلك، لا لحاجة المرسل والباعث ولمنفعة له؛ لذلك خرج البعث إليهم على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد للرسالة على الحكمة وفي الشاهد على السفه؛ لأن في الشاهد إنما يبعث الرسل إلى من يبعث لحاجة نفسه ولمنفعة له في ذلك، فخرج البعث إليه على علم منه بالتكذيب والردّ عليه سفها وباطلا، ومن الله حكمة وحقّاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .
وكأن ذات الصدور هم البشر، خصهم بعلم ما يكون منهم؛ لأنهم أهل تمييز وبصر وامتحان، فيخرج ذلك مخرج الوعيد لهم والتحذير، وأما غيرهم من الدواب ونحوها فلا محنة عليهم ولا تمييز لهم؛ لذلك خص هؤلاء بذلك، وإن كان عالماً بالكل بذات الصدور وغير ذات الصدور، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
والذي أوحيناه إليك -أيها الرسول- من الكتاب هو الحق الذي لا شك فيه، الذي أنزله الله تصديقًا للكتب السابقة، إن الله لخبير بعباده بصير، فهو يوحي إلى رسول كل أمة ما تحتاج إليه في زمانها.
<div class="verse-tafsir" id="91.q69O3"