الآية ١١ من سورة الواقعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ١١ من سورة الواقعة

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 103 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الواقعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى ، حدثنا البراء الغنوي ، حدثنا الحسن ، عن معاذ بن جبل ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية : ( وأصحاب اليمين ) ، ( وأصحاب الشمال ) فقبض بيده قبضتين فقال : " هذه للجنة ولا أبالي ، وهذه للنار ولا أبالي " .

وقال أحمد أيضا : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا خالد بن أبي عمران ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أتدرون من السابقون إلى ظل يوم القيامة ؟

" قالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : " الذين إذا أعطوا الحق قبلوه ، وإذا سئلوه بذلوه ، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم " .

وقال محمد بن كعب وأبو حرزة يعقوب بن مجاهد : ( والسابقون السابقون ) : هم الأنبياء ، عليهم السلام .

وقال السدي : هم أهل عليين .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ( والسابقون السابقون ) ، قال : يوشع بن نون ، سبق إلى موسى ، ومؤمن آل " يس " ، سبق إلى عيسى ، وعلي بن أبي طالب ، سبق إلى محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

رواه ابن أبي حاتم ، عن محمد بن هارون الفلاس ، عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزاز ، عن شعيب بن الضحاك المدائني ، عن سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح به .

وقال ابن أبي حاتم : وذكر محمد بن أبي حماد ، حدثنا مهران ، عن خارجة ، عن قرة ، عن ابن سيرين : ( والسابقون السابقون ) الذين صلوا للقبلتين .

ورواه ابن جرير من حديث خارجة ، به .

وقال الحسن وقتادة : ( والسابقون السابقون ) أي : من كل أمة .

وقال الأوزاعي ، عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية : ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) ثم قال : أولهم رواحا إلى المسجد ، وأولهم خروجا في سبيل الله .

وهذه الأقوال كلها صحيحة ، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا ، كما قال تعالى : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ) [ آل عمران : 133 ] ، وقال : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) [ الحديد : 22 ] ، فمن سابق إلى هذه الدنيا وسبق إلى الخير ، كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة ، فإن الجزاء من جنس العمل ، وكما تدين تدان ; ولهذا قال تعالى : ( أولئك المقربون في جنات النعيم ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن زكريا القزاز الرازي ، حدثنا خارجة بن مصعب ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عمرو قال : قالت الملائكة : يا رب ، جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون ، فاجعل لنا الآخرة .

فقال : لا أفعل .

فراجعوا ثلاثا ، فقال : لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له : كن ، فكان .

ثم قرأ عبد الله : ( والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ) .

وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه : " الرد على الجهمية " ، ولفظه : فقال الله عز وجل : " لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ، كمن قلت له : كن فكان " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أولئك المقربون من صفتهم .

وقيل : إذا خرج رجل من السابقين المقربين من منزله في الجنة كان له ضوء يعرفه به من دونه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

[أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ]

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"أولئك المقربون"، من الله.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك المقربون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والسابقون إلى الخيرات في الدنيا هم السابقون إلى الدرجات في الآخرة، أولئك هم المقربون عند الله، يُدْخلهم ربهم في جنات النعيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وأخرهم - سبحانه - عن أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ، لتشويق السامع إلى معرفة أحوالهم ، وبيان ما أعد لهم من ثواب عظيم ، فصله بعد ذلك فى قوله - تعالى - : ( أولئك المقربون فِي جَنَّاتِ النعيم .

.

) أى : والسابقون غيرهم إلى كل فضيلة وطاعة ، أولئك هم المقربون عند الله - تعالى - وأولئك هم الذين مقرهم جنات النعيم .فالجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأنها جواب يثيره فى النفوس قوله - تعالى - ( والسابقون السابقون ) َ و ( أولئك ) مبتدأ ، وخبره ما بعده .

وما فيه من معنى البعد ، مع قرب العهد بالمشار إليه ، للإشعار يسمو منزلتهم عند الله - تعالى - ولفظ ( المقربون ) مأخوذ من القربة بمعنى الخطوة ، وهو أبلغ من القريب ، للدلالة صيغته على الاصطفاء والاختباء .أى : أولئك هم المقربون من ربهم - عز وجل - قرب لا يعرف أحد مقداره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في إعرابه ثلاثة أوجه: أحدها: ﴿ والسابقون ﴾ عطف على ﴿ وأصحاب الميمنة  ﴾ وعنده تم الكلام، وقوله: ﴿ والسابقون...

أولئك المقربون ﴾ جملة واحدة والثاني: أن قوله: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ جملة واحدة، كما يقول القائل: أنت أنت وكما قال الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري *** وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون لشهرة أمر المبتدأ بما هو عليه فلا حاجة إلى الخبر عنه وهو مراد الشاعر وهو المشهور عند النحاة والثاني: للإشارة إلى أن في المبتدأ مالا يحيط العلم به ولا يخبر عنه ولا يعرف منه إلا نفس المبتدأ، وهو كمايقول القائل لغيره أخبرني عن حال الملك فيقول: لا أعرف من الملك إلا أنه ملك فقوله: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ أي لا يمكن الإخبار عنهم إلا بنفسهم فإن حالهم وما هم عليه فوق أن يحيط به علم البشر وهاهنا لطيفة: وهي أنه في أصحاب الميمنة قال: ﴿ مَا أصحاب الميمنة  ﴾ بالاستفهام وإن كان للإعجاز لكن جعلهم مورد الاستفهام وهاهنا لم يقل: والسابقون ما السابقون، لأن الاستفهام الذي للإعجاز يورد على مدعي العلم فيقال له: إن كنت تعلم فبين الكلام وأما إذا كان يعترف بالجهل فلا يقال له: كذبت ولا يقال: كيف كذا، وما الجواب عن ذلك، فكذلك في: ﴿ والسابقون ﴾ ما جعلهم بحيث يدعون، فيورد عليهم الاستفهام فيبين عجزهم بل بنى الأمر على أنهم معترفون في الابتداء بالعجز، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ كقول العالم: لمن سأل عن مسألة معضلة وهو يعلم أنه لا يفهمها وإن كان أبانها غاية الإبانة أن الأمر فيها على ما هو عليه ولا يشتغل بالبيان.

وثالثها: هو أن السابقون ثانياً تأكيد لقوله: ﴿ والسابقون ﴾ والوجه الأوسط هو الأعدل الأصح، وعلى الوجه الأوسط قول آخر: وهو أن المراد منه أن السابقين إلى الخيرات في الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى.

المسألة الثانية: ﴿ أولئك المقربون ﴾ يقتضي الحصر فينبغي أن لا يكون غيرهم مقرباً، وقد قال في حق الملائكة إنهم مقربون، نقول: ﴿ أُوْلَئِكَ المقربون ﴾ من الأزواج الثلاثة، فإن قيل: ﴿ فأصحاب الميمنة ﴾ ليسوا من المقربين، نقول: للتقريب درجات ﴿ والسابقون ﴾ في غاية القرب، ولا حد هناك، ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يقال: المراد السابقون مقربون من الجنات حال كون أصحاب اليمين متوجهين إلى طريق الجنة لأنه بمقدار ما يحاسب المؤمن حساباً يسيراً ويؤتى كتابه بيمينه يكون السابقون قد قربوا من المنزل أو قربهم إلى الله في الجنة وأصحاب اليمين بعد متوجهون إلى ما وصل إليه المقربون، ثم إن السير والارتفاع لا ينقطع فإن السير في الله لا انقطاع له، والارتفاع لا نهاية له، فكلما تقرب أصحاب اليمين من درجة السابق، يكون قد انتقل هو إلى موضع أعلى منه، فأولئك هم المقربون في جنات النعيم، في أعلى عليين حال وصول أصحاب اليمين إلى الحور العين.

المسألة الثالثة: بعد بيان أقسام الأزواج لم يعد إلى بيان حالهم على ترتيب ذكرهم، بل بين حال السابقين مع أنه أخرهم، وأخر ذكر أصحاب الشمال مع أنه قدمهم أولاً في الذكر على السابقين، نقول: قد بينا أن عند ذكر الواقعة قدم من ينفعه ذكر الأهوال، وأخر من لا يختلف حاله بالخوف والرجاء، وأما عند البيان فذكر السابق لفضيلته وفضيلة حاله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والسابقون ﴾ المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله عز وجل وقيل: الناس ثلاثة فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا السابق المقرَّب، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة، ثم تراجع بتوبة؛ فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب الشمال (ما أصحاب الميمنة).

(ما أصحاب المشأمة) تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة.

والمعنى: أي شيء هم؟

والسابقون السابقون، يريد: والسابقون من عرفت حالهم وبلغك وصفهم، كقوله وعبد الله عبد الله.

وقول أبي النجم: وشعري شعري كأنه قال: وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته، وقد جعل السابقون تأكيداً.

وأولئك المقرّبون: خبراً وليس بذاك: ووقف بعضهم على: والسابقون؛ وابتدأ السابقون أولئك المقرّبون، والصواب أن يوقف على الثاني، لأنه تمام الجملة، وهو في مقابلة: ما أصحاب الميمنة، وما أصحاب المشأمة ﴿ المقربون فِي جنات النعيم (12) ﴾ الذين قربت درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت مراتبهم.

وقرئ: ﴿ في جنة النعيم ﴾ والثلة: الأمة من الناس الكثيرة.

قال: وَجَاءَتْ إلَيْهِمْ ثُلَّةٌ خِنْدِفِيَّة ** بِجَيْشٍ كَتَيَّارٍ مِن السَّيّلِ مُزْبِدِ وقوله عز وجل: ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأخرين (14) ﴾ كفى به دليلاً على الكثرة، وهي من الثل وهو الكسر، كما أنّ الأمّة من الأمّ وهو الشج، كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم.

والمعنى: أنّ السابقين من الأوّلين كثير، وهم الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأخرين (14) ﴾ وهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقيل: ﴿ مِّنَ الأولين ﴾ من متقدّمي هذه الأمة، و ﴿ مِّنَ الأخرين ﴾ من متأخريها.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلتان جميعاً من أمّتي» فإن قلت: كيف قال: ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَثُلَّةٌ مّنَ الأخرين (40) ﴾ ؟

قلت: هذا في السابقين وذلك في أصحاب اليمين؛ وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعاً.

فإن قلت: فقد روى أنها لما نزلت شق ذلك على المسلمين، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثَلة من الأولين وثلة من الأخرين ﴾ [الواقعة: 39- 40].

قلت: هذا لا يصح لأمرين، أحدهما: أنّ هذه الآية واردة في السابقين وروداً ظاهراً، وكذلك الثانية في أصحاب اليمين.

ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم، على السابقين ووعدهم، والثاني: أنّ النسخ في الأخبار غير جائز وعن الحسن رضي الله عنه: سابقو الأمم أكثر من سابقي أمّتنا، وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمّة.

وثلة: خبر مبتدإ محذوف، أي: هم ثلة ﴿ مَّوْضُونَةٍ ﴾ مرمولة بالذهب، مشبكة بالدرّ والياقوت، قد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع.

قال الأعشى: وَمِنْ نَسْجِ دَاوُدَ مَوْضُونَة وقيل: متواصلة، أدنى بعضها من بعض.

﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ حال من الضمير في على، وهو العامل فيها، أي: استقرّوا عليها متكئين ﴿ متقابلين ﴾ لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض.

وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق والآداب ﴿ مُّخَلَّدُونَ ﴾ مبقون أبداً على شكل الولدان وحدّ الوصافة لا يتحوّلون عنه.

وقيل: مقرّطون، والخلدة: القرط.

وقيل: هم أولاد أهل الدنيا: لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.

روى عن علي رضي الله عنه وعن الحسن.

وفي الحديث: «أولاد الكفار خدّام أهل الجنة» الأكواب: أوان بلا عرى وخراطيم، والأباريق، ذوات الخراطيم ﴿ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا ﴾ أي بسببها، وحقيقته: لا يصدر صداعهم عنها.

أو لا يفرّقون عنها.

وقرأ مجاهد: ﴿ لا يصدعون ﴾ ، بمعنى: لا يتصدعون لا يتفرقون، كقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ [الروم: 43] ويصدعون، أي: لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرّقونهم ﴿ يَتَخَيَّرُونَ ﴾ يأخذون خيره وأفضله ﴿ يَشْتَهُونَ ﴾ يتمنون.

وقرئ: ﴿ ولحوم طير ﴾ قرئ: ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع على: وفيها حور عين، كبيت الكتاب: إِلاَّ رَوَاكِدُ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ** وَمُشَجَّجٌ............

أو للعطف على ولدان، وبالجر: عطفاً على جنات النعيم، كأنه قال: هم في جنات النعيم، وفاكهة ولحم وحور.

أو على أكواب، لأن معنى ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ ﴾ ينعمون بأكواب، وبالنصب على: ويؤتون حورا ﴿ جَزَآءً ﴾ مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك كله جزاء بأعمالهم ﴿ سلاما سلاما ﴾ إما بدل من ﴿ قِيلاً ﴾ بدليل قوله ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سلاما ﴾ [مريم: 62] وإما مفعول به لقيلا، بمعنى: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما.

والمعنى: أنهم يفشون السلام بينهم، فيسلمون سلاماً بعد سلام.

وقرئ: ﴿ سلام سلام ﴾ ، على الحكاية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ والَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَوانٍ، أوْ سَبَقُوا في حِيازَةِ الفَضائِلِ والكَمالاتِ، أوِ الأنْبِياءُ فَإنَّهم مُقَدَّمُو أهْلِ الأدْيانِ هُمُ الَّذِينَ عَرَفْتَ حالَهم وعَرَفْتَ مَآلَهم كَقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي أوِ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجَنَّةِ ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ الَّذِينَ قُرِّبَتْ دَرَجاتُهم في الجَنَّةِ وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أُوْلَئِكَ المقربون} والأول أوجه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ هو الصِّنْفُ الثّالِثُ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أسْبَقَ الأصْنافِ وأقْدَمَهم في الفَضْلِ لِيُرْدِفَ ذِكْرَهم بِبَيانِ مَحاسِنَ أحْوالِهِمْ عَلى أنَّ إيرادَهم بِعُنْوانِ السَّبْقِ مُطْلَقًا مُعْرِضٌ عَنْ إحْرازِهِمْ قَصَبَ السَّبْقِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.

واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الحَقِّ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَوانٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِكْرِمَةَ ومُقاتِلٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ في حِزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وحَبِيبِ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في يَسٍ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وكُلِّ رَجُلٍ مِنهم سابِقٍ أُمَّتَهُ وعَلَيٌّ أفْضَلٌهٌمْ، وقِيلَ: هُمٌ الَّذِينَ سَبَقُوا في حِيازَةِ الكَمالاتِ مِنَ العُلُومِ اليَقِينِيَّةِ ومَراتِبِ التَّقْوى الواقِعَةِ بَعْدَ الإيمانِ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم مُقَدَّمُو أهْلِ الأدْيانِ، وقالَ ابْنُ سَيْرَيْنَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا إلى القَبْلَتَيْنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ  ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ السّابِقُونَ إلى الهِجْرَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ هُمُ السّابِقُونَ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أوَّلُ مَن يَهْجُرُ إلى المَسْجِدِ وآخِرُ مَن يَخْرُجُ مِنهُ» .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ أبِي سَوْدَةَ مَوْلى عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: بَلَغَنا أنَّهُمُ السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ الضَّحّاكِ هُمُ السّابِقُونَ إلى الجِهادِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ، وقالَ كَعْبُ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وفي البَحْرِ في الحَدِيثِ ««سُئِلَ عَنِ السّابِقَيْنِ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ وإذا سَألُوهُ بَذَلُوهُ وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ»»، وقِيلَ: النّاسُ ثَلاثَةٌ فَرَجُلٌ ابْتَكَرَ الخَيْرَ في حَداثَةِ سِنِّهِ ثُمَّ دامَ عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيا فَهَذا هو السّابِقُ، ورَجُلٌ ابْتَكَرَ عُمْرَهُ بِالذَّنْبِ وطُولَ الغَفْلَةِ ثُمَّ تَراجَعَ بِتَوْبَتِهِ فَهَذا صاحِبُ اليَمِينِ، ورَجُلٌ ابْتَكَرَ الشَّرَّ في حَداثَةِ سِنِّهِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيا فَهَذا صاحِبُ الشِّمالِ، وعَنِ ابْنِ كِيسانَ أنَّهُمُ المُسارِعُونَ إلى كُلِّ ما دَعا اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِالعُمُومِ، وجَعَلَ ما ذُكِرَ في أكْثَرِ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وأيًّا ما كانَ فالشّائِعُ أنَّ الجُمْلَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والمَعْنى ( والسّابِقُونَ ) هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ أحْوالُهم وعُرِفَتْ فَخامَتُهم كَقَوْلِهِ: ( أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ) وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ والإيذانِ بِشُيُوعِ فَضْلِهِمْ ما لا يَخْفى، وقِيلَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ مُخالِفٌ لِمُتَعَلِّقِ السَّبْقِ الثّانِي أيِ السّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى «السّابِقُونَ» إلى رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ ﴿ السّابِقُونَ ﴾ إلى الخَيْرِ ﴿ السّابِقُونَ ﴾ إلى الجَنَّةِ، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ مَحْكِيُّ عَنْ صاحِبِ المُرْشِدِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَمْلَ مُفِيدٌ بِدُونِ ذَلِكَ كَما سَمِعَتْ بَلْ هو أبْلَغُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، وقِيلَ: ﴿ السّابِقُونَ ﴾ السّابِقُ مُبْتَدَأٌ ( والسّابِقُونَ ) اللّاحِقُ تَأْكِيدٌ لَهُ وما بَعْدُ خَبَرٍ ولَيْسَ بِذاكَ أيْضًا لِفَواتِ مُقابَلَةِ ما ذُكِرَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأصْحابُ ﴾ إلَخْ ولِأنَّ القِسْمَةَ لا تَكُونُ مُسْتَوْفاةً حِينَئِذٍ، ولِفَواتِ المُبالِغَةِ المَفْهُومَةِ مِن نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ عَلى ما سَمِعْتَ مَعَ أنَّهم أعْنِي السّابِقَيْنِ أحَقُّ بِالمَدْحِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ مِنَ السّابِقَيْنِ ولِفَواتِ ما في الِاسْتِئْنافِ بِأُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ مِنَ الفَخامَةِ وإنَّما لَمْ يَقُلْ - السّابِقُونَ ما السّابِقُونَ - عَلى مِنوالِ الأُوَّلَيْنَ لِأنَّهُ جُعِلَ أمْرًا مَفْرُوغًا مُسَلَّمًا مُسْتَقِلًّا في المَدْحِ والتَّعْجِيبِ، والإشارَةُ بِأُولَئِكَ إلى السّابِقَيْنِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، ( والمُقَرَّبُونَ ) مِنَ القُرْبَةِ بِمَعْنى الحُظْوَةِ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ النَّعْتِ الجَلِيلِ الَّذِينَ أُنِيلُوا حُظْوَةً ومَكانَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ الَّذِينَ قُرِّبَتْ إلى العَرْشِ العَظِيمِ دَرَجاتُهم.

هَذا وفِيِ الإرْشادِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ والسّابِقُونَ ﴾ فَإنَّ المُتَرَقِّبَ عِنْدَ بَيانِ انْقِسامِ النّاسِ إلى الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بَيانُ أنْفَسِ الأقْسامِ.

وأمّا أوْصافُها وأحْوالُها فَحَقُّها أنْ تُبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإسْنادِها إلَيْها، والتَّقْدِيرُ فَأحَدُها أصْحابُ المَيْمَنَةِ والآخَرُ أصْحابُ المَشْأمَةِ، والثّالِثُ السّابِقُونَ خَلا أنَّهُ لَمّا أخَّرَ بَيانَ أحْوالِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَقَّبَ كُلًّا مِنهُما بِجُمْلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ بَيْنَ القَسْمَيْنِ مُنْبِئَةٍ عَنْ تَرامِي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ إنْباءً إجْمالِيًّا مُشْعِرًا بِأنَّ لِأحْوالِ كُلٍّ مِنهُما تَفْصِيلًا مُتَرَقَّبًا لَكِنْ لا عَلى أنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدُها خَبَرٌ عَلى ما رَآهُ سِيبَوَيْهُ في أمْثالِهِ بَلْ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِما بَعْدَها فَإنَّ مَناطَ الإفادَةِ بَيانُ أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ أمْرٌ بَدِيعٌ كَما يُفِيدُهُ كَوْنُ ما خَبَرًا لا بَيانَ أنَّ أمْرًا بَدِيعًا أصْحابُ المَيْمَنَةِ كَما يُفِيدُهُ كَوْنُها مُبْتَدَأ وكَذا الحالُ فِيما ﴿ أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ ، وأمّا القِسْمُ الأخِيرُ فَحَيْثُ قُرِنَ بِهِ بَيانُ مَحاسِنَ أحْوالِهِ لَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلى تَقْدِيمِ الأُنْمُوذَجِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ السّابِقُونَ ﴾ مُبْتَدَأٌ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّفْخِيمِ ( وأُولَئِكَ ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، أوْ بَدَلُ مِنَ الأوَّلِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ لَهُ، أوْ لِلثّانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ لِلْأوَّلِ انْتَهى، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ في جَعْلِ جُمْلَتَيِ الاسْتِفْهامِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ السّابِقُونَ ﴾ إخْبارًا لِما قَبْلَها بَيانٌ لِأوْصافِ الأقْسامِ وأحْوالِها تَفْصِيلًا حَتّى يُقالَ: حَقُّها أنْ تُبَيَّنَ بَعْدَ أنْفُسِ الأقْسامِ بَلْ فِيهِ بَيانُ الأقْسامِ مَعَ إشارَةٍ إلى تَرامِي أحْوالِها في الخَيْرِ والشَّرِّ والتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ.

وأيْضًا مُقْتَضى ما ذَكَرَهُ أنْ لا يَذْكُرُ ﴿ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ و ﴿ ما أصْحابُ الشِّمالِ ﴾ في التَّفْصِيلِ، وتَعَقُّبُ هَذا بِأنَّ الذَّكْرَ مُحْتاجٌ إلى بَيانِ نُكْتَةٍ عَلى الوَجْهِ الدّائِرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ كاحْتِياجِهِ إلَيْهِ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولَعَلَّها عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا عَقَّبَ الأوَّلَيْنِ بِما يُشْعِرُ بِأنَّ لِأحْوالِ كُلٍّ تَفاصِيلُ مُتَرَقَّبَةٌ أُعِيدَ ذَلِكَ لِلْإعْلامِ بِأنَّ الأحْوالَ العَجِيبَةَ هي هَذِهِ فَلْتَسْمَعَ، والَّذِي يَتَبادَرُ لِلنَّظَرِ الجَلِيلِ ما في الإرْشادِ مِن كَوْنِ أصْحابُ المَيْمَنَةِ وكَذا كُلٌّ مِنَ الأخِيرَيْنِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما سَمِعْتَ لِأنَّ المُتَبادِرَ بَعْدَ بَيانِ الِانْقِسامِ ذَكْرُ نَفْسَ الأقْسامِ عَلى أنْ تَكُونَ هي المَقْصُودَةَ أوَّلًا وبِالذّاتِ دُونَ الحُكْمِ عَلَيْها وبَيانِ أحْوالِها مُطْلَقًا وإنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ ذَكْرَها لَكِنْ ما ذَكَرُوهُ أبْعَدَ مَغْزى ومَعَ هَذا لا يَتَعَيَّنُ عَلى ما ذُكِرَ كَوْنُ تِينَكَ الجُمْلَتَيْنِ الِاسْتِفْهامِيَّتَيْنِ مُعْتَرِضَتَيْنِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما صِفَةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأحَدُها أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَقُولُ فِيهِمْ ﴿ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ وكَذا يُقالُ في ﴿ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ إلَخْ، ويَجْعَلُ أيْضًا ﴿ السّابِقُونَ ﴾ صِفَةً - لَلسّابِقُونَ - قَبْلَهُ، والتَّأْوِيلُ في الوَصْفِيَّةِ كالتَّأْوِيلِ في الخَبَرِيَّةِ ويَكُونُ الوَصْفُ بِذَلِكَ قائِمًا مُقامَ تِينَكَ الجُمْلَتَيْنِ في المَدْحِ، والجُمْلَةُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَما في الوَجْهِ الشّائِعِ، وما يُقالُ: إنَّ في هَذا الوَجْهِ حَذْفُ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ أجْزاءِ الصِّلَةِ يُجابُ عَنْهُ بِمَنعِ كَوْنِ - ألْ - في الوَصْفِ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ مِنهُ الحُدُوثُ مَوْصُولَةً فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ يعني: السابقين إلى الإيمان، والجهاد، والطاعات السَّابِقُونَ يعني: هم السَّابِقُونَ إلى الجنة.

فذكر الأصناف الثلاثة.

أحدها أصحاب اليمين، الثاني أصحاب الشمال، والثالث السابقون.

ثم وصف كل صنف منهم بصفة، فبدأ بصفة السابقين فقال: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ يعني: المقربين عند الله في الدرجات فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يعني: في جنات عدن ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: إن السابقين تكون جماعة من الأولين.

يعني: من أول هذه الأمة مثل الصحابة، والتابعين وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: إن السابقين في آخر هذه الأمة يكون قليلاً.

وقال بعضهم: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني جميعاً من الأمم الخالية، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: من هذه الأمة.

فحزن المسلمون بذلك حتى نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فطابت أنفسهم.

والطريق الأول أصح.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «كِلْتَا الثُّلَّتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي» .

وروي عن عبد الله بن يزيد قال: قال رسول الله  : «أَهْلَ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةَ صِنْفٍ هذه الأُمّةِ مِنْهَا ثَمَانُونَ صِنْفاً» .

ثم قال: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ يعني: إن السابقين في الجنة على سرر منسوجة بالدر والياقوت.

وقال مجاهد: مَوْضُونَةٍ بالذهب.

وقال القتبي: مَوْضُونَةٍ أي: منسوجة.

كأن بعضها أدخل في بعض، أو نضد بعضها على بعض، ومنه قيل للدرع مَوْضُونَةٍ.

ثم قال: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ يعني: ناعمين على سرر متقابلين في الزيادة.

وروي عن عبد الله بن مسعود  أنه قرأ: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعمين.

وقال مجاهد: مُتَقابِلِينَ يعني: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.

ثم قال عز وجل: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ يعني: في الخدمة وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ يعني: غلماناً خلدوا في الجنة.

ويقال: على سن واحد لا يتغيرون، لأنهم خلقوا للبقاء ومن خلق للبقاء، لا يتغير.

ويقال: مُخَلَّدُونَ يعني: لا يكبرون.

ويقال: هم أولاد الكفار لم يكن لهم ذنب يعذبون، ولا طاعة يثابون، فيكونون خداماً لأهل الجنة.

قوله تعالى: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ هي التي لها عرى.

ثم قال: وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ يعني: خمراً بيضاء من نهر جار لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها يعني: لا يصدع رؤوسهم بشرب الخمر في الآخرة وَلا يُنْزِفُونَ يعني: لا تذهب عقولهم، ولا ينفد شرابهم.

ثم قال: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يعني: ما يتمنون، ويختارون من ألوان الفاكهة وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يعني: إن شاء مشويّاً، وإن شاء مطبوخاً.

ثم قال عز وجل: وَحُورٌ عِينٌ قرأ حمزة، والكسائي وَحُورٌ عِينٌ بالكسر عطفاً على قوله: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ والباقون وَحُورٌ عِينٌ بالضم.

ومعناها: ولهم حور عين، والحور: البيض، والعين: الحسان الأعين كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ يعني: اللؤلؤ الذي في الصدف، لم تمسه الأيدي، ولم تره الأعين، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: هذه الجنة مع هذه الكرامات، ثواباً لأعمالهم.

ثم قال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً يعني: في الجنة حلفاً، وكذباً، وَلا تَأْثِيماً يعني: كلاماً فيها عند الشرب كما يكون في الدنيا ويقال ولا تأثيماً يعني: ولا إثم عليهم فيما شربوا إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً يعني: إلا قولاً وكلاماً يسلم بعضهم على بعض، ويبعث الله تعالى إليهم الملائكة بالسلام، فهذا كله نعت السابقين.

ثم ذكر الصنف الثاني فقال: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ يعني: ما لأصحاب اليمين من الخير، والكرامة، على وجه التعجب.

ثم وصف حالهم فقال: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني: لا شوك له كالدر الذي يكون في الدنيا.

وقال قتادة: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني: كثير الحمل.

أي: ليس له شوك.

وقال القتبي: كأنه نضد شوكه.

يعني: قطع.

وروي في الخبر: أنه لما نزل ذكر السدر، قال أهل الطائف: إنها سِدْرنا هذا.

فنزل مَخْضُودٍ يعني: موقر بلا شوك.

ثم قال: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وقال مقاتل: يعني: الموز المتراكم بعضه على بعض.

وقال قتادة: هو الموز، وهذا روي عن ابن عباس.

والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره.

ويروى عن علي بن أبي طالب  أنه قرأ: وطلع مَّنْضُودٍ كقوله تعالى: طَلْعٌ نَضِيدٌ كقوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ يعني: دائماً لا يزول.

وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة  : قال: في الجنة شجرة يسير الراكب، في ظلها مائة عام، ما يقطعها اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ.

ثم قال: وَماءٍ مَسْكُوبٍ يعني: منصباً كثيراً.

ويقال: يعني منصباً من ساق العرش وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ يعني: الفاكهة كثيرة لاَّ مَقْطُوعَةٍ يعني: لاَّ مَقْطُوعَةٍ يعني: لا تنقطع عنهم في حين كما يكون في فواكه الدنيا، بل توجد في جميع الأوقات وَلا مَمْنُوعَةٍ يعني: لا تمنع منهم، والممنوعة أن ينظر إليها، ولا يقدر أن يأكلها كأشجار الدنيا.

وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ بعضها فوق بعض مرتفعة.

ثم قال عز وجل: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً يعني: الجواري، والزوجات.

يقال: نساء الدنيا خلقناهن خلقاً بعد خلق الدنيا.

ويقال: إنهن أفضل، وأحسن من حور الجنة، لأنهن عملن في الدنيا، والحور لم يعملن.

وعن أنس بن مالك، قال النبيّ  : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «إنَّ مِنَ المُنْشِآتِ الَّتِي كُنَّ فِي الدُّنْيَا عَجِائِزَ عُمْشاً رُمْصاً زُمْناً» .

ثم قال: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً يعني: خلقناهن أبكارا عذارى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

البنية، ترتفعُ طائفةٌ من الأجرام، وتَنْخَفِضُ أُخْرَى، فكأَنَّها عبارة عن شِدَّةِ هول القيامة.

ت: والأَوَّلُ أبين، وهو تفسير البخاريِّ، ومعنى رُجَّتِ: زُلْزِلَتْ وَحُرِّكَتْ بعنف قاله ابن عباس «١» ، ومعنى بُسَّتِ: فُتَّتْ كما تُبَسُّ البَسِيسَةُ وهي السَّوِيقُ قاله ابن عباس وغيره «٢» ، وقال بعض اللغويين: «بست» معناه: سيِّرَتْ، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلتْ من كُوَّةٍ قاله ابن عباس وغيره «٣» ، والمُنْبَثُّ- بالثاء المثلثة-: الشائع في جميع الهواء، والخطاب في قوله: وَكُنْتُمْ لجميع العالم، والأزواج: الأنواع، قال قتادة «٤» : هذه منازل الناس يوم القيامة.

وقوله سبحانه: فَأَصْحابُ/ الْمَيْمَنَةِ: ابتداء، وما ابتداء ثان، وأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ: خبرُ مَا، والجملة خبر الابتداء الأوَّلِ، وفي الكلام معنى التعظيم كما تقول: زيد ما زيد، ونظير هذا في القرآن كثير، والميمنة أظهر ما في اشتقاقها أَنَّها من ناحية اليمين، وقيل من اليمْن، وكذلك المشأمة: إمَّا أَنْ تكونَ من اليد الشُّؤْمى، وإمَّا أَنْ تكونَ من الشؤم، وقد فُسِّرَتِ الآيةُ بهذين المعنيين.

وقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ: ابتداء، والسَّابِقُونَ الثاني: قال سيبويه: هو خبر الأَوَّلِ، وهذا على معنى تفخيم الأمر وتعظيمه، وقال بعض النحاة: السابقون الثاني نَعْتٌ للأوَّلِ، ومعنى الصفة أَنْ تقولَ: والسابقون إلى الإيمان السابقونَ إلى الجنة والرحمة أَولئك، وَيَتَّجِهُ هذا المعنى على الابتداء والخبر.

وقوله: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ: ابتداء وخبر، وهو في موضع الخبر على قول مَنْ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الواقِعَةِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وجابِرٌ، ومُقاتِلٌ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ  ﴾ والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ، مَتى هَذا الفَتْحُ؟!

نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ .

فالمَعْنى يَكُونُ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ: القِيامَةُ، وكُلُّ آتٍ يُتَوَقَّعُ، يُقالُ لَهُ إذا كانَ: قَدْ وقَعَ، والمُرادُ بِها ها هُنا: النَّفْخَةُ في الصُّورِ لِقِيامِ السّاعَةِ.

﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها ﴾ أيْ: لِظُهُورِها ومَجِيئِها "كاذِبَةٌ" أيْ: كَذِبٌ،كَقَوْلِهِ: ﴿ لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً  ﴾ أيْ: لَغْوًا.

قالَ الزَّجّاجُ: و"كاذِبَةٌ" مَصْدَرٌ، كَقَوْلِكَ: عافاهُ اللَّهُ عافِيَةً، وكَذَبَ كاذِبَةً، فَهَذِهِ أسْماءٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا رَجْعَةَ لَها ولا ارْتِدادَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لَيْسَ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِها كَذِبًا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خافِضَةٌ ﴾ أيْ: هي خافِضَةٌ ﴿ رافِعَةٌ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ، واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَّصْبِ فِيهِما.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها خَفَضَتْ فَأسْمَعَتِ القَرِيبَ، ورَفَعَتْ فَأسْمَعَتِ البَعِيدَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالواقِعَةِ: صَيْحَةُ القِيامَةِ.

والثّانِي: أنَّها خَفَضَتْ ناسًا، ورَفَعَتْ آخَرِينَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: تَخْفِضُ أقْوامًا إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ في النّارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى عِلِّيِّينَ في الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً وزُلْزِلَتْ، وذَلِكَ أنَّها تَرْتَجُّ حَتّى يَنْهَدِمَ ما عَلَيْها مِن بِناءٍ، ويَتَفَتَّتُ ما عَلَيْها مِن جَبَلٍ.

وفي ارْتِجاجِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لِإماتَةِ مَن عَلَيْها مِنَ الأحْياءِ.

والثّانِي لِإخْراجِ مَن في بَطْنِها مِنَ المَوْتى.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فُتِّتَتْ فَتًّا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فُتِّتَتْ حَتّى صارَتْ كالدَّقِيقِ والسَّوِيقِ المَبْسُوسِ.

والثّانِي: لُتَّتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: خُلِطَتْ ولُتَّتْ.

قالَ الشّاعِرُ: لا تَخْبِزُوا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وَفِي "الهَباءِ" أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [الفُرْقانِ: ٢٣] .

وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ الهَباءَ المُنْبَثَّ: ما سَطَعَ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ، وهو مِنَ "الهَبْوَةِ"، والهَبْوَةُ: الغُبارُ.

والمَعْنى: كانَتْ تُرابًا مُنْتَشِرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا "ثَلاثَةً" .

"فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ " فِيهِمْ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُمُ] الَّذِينَ كانُوا عَلى يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن صُلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والقُرَظِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا مَيامِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ، أيْ: مُبارَكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ مَنزِلَتُهم عَنِ اليَمِينِ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.

والسّادِسُ: أنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّابِعُ: أنَّهم أصْحابُ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّامِنُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُؤْخَذُ [بِهِمْ] ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: عَجَّبَ نَبِيَّهُ  مِنهُمْ؛ والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هُمْ؟!

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا اللَّفْظُ في العَرَبِيَّةِ مَجْراهُ مَجْرى التَّعَجُّبِ، ومَجْراهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مُخاطَبَةِ العِبادِ ما يُعَظَّمُ بِهِ الشَّأْنُ عِنْدَهُمْ، ومِثْلُهُ: ﴿ ما الحاقَّةُ  ﴾ ، ﴿ ما القارِعَةُ  ﴾ ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: زَيْدٌ ما زَيْدٌ!

أيْ: أيُّ رَجُلٍ هُوَ!

﴿ وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ \[أيْ: أصْحابُ\] الشِّمالِ، والعَرَبُ تُسَمِّي اليَدَ اليُسْرى: الشُّؤْمى، والجانِبَ الأيْسَرَ: الأشْأمَ، ومِنهُ قِيلَ: اليُمْنُ والشُّؤْمُ، فاليُمْنُ: كَأنَّهُ [ما] جاءَ عَنِ اليَمِينِ، والشُّؤْمُ [ما جاءَ] عَنِ الشِّمالِ، ومِنهُ سُمِّيَتِ "اليَمَنُ" و "الشَّأْمُ" لِأنَّها عَنْ يَمِينِ الكَعْبَةِ وشِمالِها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ: هُمُ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ، ويُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ؛ وتَفْسِيرُ أصْحابِ المَشْأمَةِ عَلى ضِدٍّ تَفْسِيرِ أصْحابِ المَيْمَنَةِ سَواءً؛ والمَعْنى: أيُّ قَوْمٍ هُمْ؟!

ماذا أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ؟!

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا [إلى] القِبْلَتَيْنِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

والثّالِثُ: أهْلُ القُرْآنِ، قالَهُ كَعْبٌ.

والرّابِعُ: الأنْبِياءُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والخامِسُ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ وإلى الخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ.

وَفِي إعادَةِ ذِكْرِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: السّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَعْنِي عِنْدَ اللَّهِ في ظِلِّ عَرْشِهِ وجِوارِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ  يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ﴾ ﴿ خافِضَةٌ رافِعَةٌ ﴾ ﴿ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ﴾ ﴿ وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ ﴿ فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ﴾ ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً ﴾ ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ ﴿ وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ ﴿ والسابِقُونَ السابِقُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ.

و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خافِضَةٌ رافِعَةٌ ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ.

والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ.

ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ.

واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: .

لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ.

وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ".

وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ.

و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ.

و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟

فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قد علمت عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ [الواقعة: 1] الوجه في متعلق ﴿ إذا ﴾ وإذ قد وقع قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ [الواقعة: 7] عطفاً على الجمل التي أضيف إليها (إذَا) من قوله: ﴿ إذا رجت الأرض رجا ﴾ [الواقعة: 4] كان هو محط القصد من التوقيت ب (إذا) الثانية الواقعة بدلاً من (إذا) الأولى وكلتاهما مضمن معنى الشرط، فكان هذا في معنى الجزاء، فلك أن تجعل الفاء لربط الجزاء مع التفصيل للإجمال، وتكون جملة ﴿ فأصحاب الميمنة ﴾ جواباً ل (إذا) الثانية آئلاً إلى كونه جواباً ل (إذا) الأولى لأن الثانية مبدلة منها، ولذلك جاز أن يكون هذا هو جواب (إذا) الأولى فتكون الفاء مستعملة في معنييها كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ليس لوقعتها كاذبة ﴾ [الواقعة: 2].

وقد أفاد التفصيل أن الأصناف ثلاثة: صنفٌ منهم أصحاب الميمنة، وهم الذين يجعلون في الجهة اليمنى في الجنة أو في المحشر.

واليمين جهة عناية وكرامة في العرف، واشتقت من اليمْن، أي البركة.

وصنف أصحاب المشأمة، وهي اسم جهة مشتقة من الشؤم، وهو ضد اليمن فهو الضر وعدم النفع وقد سميا في الآية الآتية ﴿ أصحابَ اليمين ﴾ [الواقعة: 27] و ﴿ أصحاب الشمال ﴾ [الواقعة: 41]، فجعل الشمال ضدَّ اليمين كما جُعل المشأمة هنا ضد الميمنة إشعاراً بأن حالهم حال شؤم وسوء، وكل ذلك مستعار لما عرف في كلام العرب من إطلاق هذين اللفظين على هذا المعنى الكنائي الذي شاع حتى ساوى الصريح، وأصله جاءٍ من الزجر والعيافة إذ كانوا يتوقعون حصول خير من أغراضهم من مرور الطير أو الوحش من يمين الزاجر إلى يساره ويتوقعون الشر من مروره بعكس ذلك، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى: ﴿ قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ في سورة الصافات (28)، وتقدم شيء منه عند قوله تعالى: ﴿ يَطَّيَّروا بموسى ومن معه ﴾ في سورة الأعراف (131)، وعند قوله تعالى: ﴿ قالوا إنا تَطيرنا بكم ﴾ في سورة يس (18).

ولذلك استغني هنا عن الإخبار عن كلا الفريقين بخبر فيه وصف بعض حاليهما بذكر ما هو إجمال لحاليهما مما يشعر به ما أضيف إليه أصحابه من لفظي الميمنة والمشأمة بطريقة الاستفهام المستعمل في التعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة، وهو تعجيب ترك على إبهامه هنا لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن من الخير والشر، ف (ما) في الموضعين اسم استفهام.

و (أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة) خبرَانِ عن (مَا) في الموضعين كقوله تعالى: ﴿ الحاقة ما الحاقة ﴾ [الحاقة: 1، 2] وقوله: ﴿ القارعة ما القارعة ﴾ [القارعة: 1، 2].

وإظهار لفظي ﴿ أصحاب الميمنة ﴾ و ﴿ أصحاب المشئمة ﴾ بعد الاستفهامين دون الإِتيان بضميريْهما.

لأن مقام التعجيب والتشهير يقتضي الإظهار بخلاف مقام قوله تعالى: ﴿ وما أدراك ماهية ﴾ [القارعة: 10].

وقوله: ﴿ والسابقون ﴾ هذا الصنفُ الثالث في العدّ وهم الصنف الأفضل من الأصناف الثلاثة، ووصفُهم بالسبق يقتضي أنهم سابقون أمثالهم من المحسنين الذين عبر عنهم بأصحاب الميمنة فهم سابقون إلى الخير، فالناس لا يتسابقون إلا لنوال نفيس مرغوب لكل الناس، وأما الشر والضرّ فهم يتكعكون عنه.

وحقيقة السبق: وصول أحد مكاناً قبل وصول أحد آخر.

وهو هنا مستعمل على سبيل الاستعارة، وقد جمع المعنيين قول النابغة: سَبقتَ الرجال الباهشين إلى العُلا *** كسبق الجواد اصطاد قبل الظوارد فيجوز أن يكون ﴿ السابقون ﴾ مستعملاً في المبادرة والإسراع إلى الخير في الدين كما في قوله تعالى: ﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ﴾ في سورة براءة (100).

ويجوز أن يكون مستعملاً في المغالبة في تحصيل الخير كقوله تعالى: ﴿ أولئك يسارعون في الخيران وهم لها سابقون ﴾ في سورة المؤمنين (61).

وقوله: ﴿ السابقون ﴾ ثانياً يجوز جعله خبراً عن ﴿ السابقون ﴾ الأول كما أُخبر عن أصحاب الميمنة بأنهم ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ لأنه يدل على وصفهم بشيء لا يكتنه كنهه بحيث لا يفي به التعبير بعبارة غير تلك الصفة إذ هي أقصى ما يسعه التعبير، فإذا أراد السامع أن يتصور صفاتهم فعليه أن يتدبر حالهم، وهذا على طريقه قوله: ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ [الأعراف: 157].

ويجوز جعله تأكيداً للأول فمآل جملة ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ونظيرتها وجملة ﴿ والسابقون السابقون ﴾ هو التعجيب من حالهم وطريقُه هو الكناية ولكنّ بين الكنايتين فرقاً بأن إحداهما كانت من طريق السؤال عن الوصف، والأخرى من طريق تعذر التعبير بغير ذلك الوصف.

والمعنى: أن حالهم بلغت منتهى الفضل والرفعة بحيث لا يجد المتكلم خبراً يُخبر به عنهم أدلّ على مرتبتهم مِن اسم ﴿ السابقون ﴾ فهذا الخبر أبلغ في الدلالة على شرف قدرهم من الإِخبار ب ﴿ ما ﴾ الاستفهامية التعجيبية في قوله: ﴿ ماأصحاب الميمنة ﴾ ، وهذا مثل قول أبي الطمحان القفيني: وإني من القوم الذين هُمُو هُمُو *** إذا مات منهم سيد قام صاحبه مع ما في اشتقاق لقبهم من «السبق» من الدلالة على بلوغهم أقصى ما يطلبه الطالبون.

وحذف متعلق ﴿ السابقون ﴾ في الآية لقصد جعل وصف ﴿ السابقون ﴾ بمنزلة اللقب لهم، وليفيد العموم، أي أنهم سابقون في كل ميدان تتسابق إليه النفوس الزكية كقوله تعالى: ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ [المطففين: 26]، فهؤلاء هم السابقون إلى الإِيمان بالرسل وهم الذين صحبوا الرسل والأنبياء وتلقوا منهم شرائعهم، وهذا الصنف يوجد في جميع العصور من القدم، ومستمر في الأمم إلى الأمة المحمدية وليس صنفاً قد انقضى وسبقَ الأمةَ المحمدية.

وأُخِّر ﴿ السابقون ﴾ في الذكر عن أصحاب اليمين لتشويق السامعين إلى معرفة صنفهم بعد أن ذكر الصنفان الآخران من الأصناف الثلاثة ترغيباً في الاقتداء.

وجملة ﴿ أولئك المقربون في جنات النعيم ﴾ ، مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنها جواب عما يثيره قوله: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ من تساؤل السامع عن أثر التنويه بهم.

وبذلك كان هذا ابتداء تفصيل لجزاء الأصناف الثلاثة على طريقة النشرِ بعد اللف، نشراً مشوَّشاً تشويشاً اقتضته مناسبة اتصال المعاني بالنسبة إلى كل صنف أقربَ ذِكراً، ثم مراعاةُ الأهمّ بالنسبة إلى الصنفين الباقيين فكان بعض الكلام آخذاً بحُجز بعض.

والمقرَّب: أبلغ من القريب لدلالة صيغته على الاصطفاء والاجتباء، وذلك قُرب مجازي، أي شُبه بالقرب في ملابسة القريب والاهتمام بشؤونه فإن المطيع بمجاهدته في الطاعة يكون كالمتقرب إلى الله، أي طالب القرب منه فإذا بلغ مرتبة عالية من ذلك قرّبه الله، أي عامله معاملة المقرّب المحبوب، كما جاء: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحِبَّه فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به وبصَره الذي يُبصر به ويدَه التي يبطش بها ورجلَه الذي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه» وكل هذه الأوصاف مجازيه تقريباً لمعنى التقريب.

ولم يُذكَر متعلِّق ﴿ المقربون ﴾ لظهور أنه مقرب من الله، أي من عنايته وتفضيله، وكذلك لم يذكر زَمان التقريب ولا مكانُه لقصد تعميم الأزمان والبقاع الاعتبارية في الدنيا والآخرة.

وفي جعل المسند إليه اسم إشارة تنبيه على أنهم أحرياء بما يخبر عنه من أجل الوصف الوارد قبل اسم الإشارة وهو أنهم السابقون على نحو ما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة البقرة (5).

وقوله: ﴿ في جنات النعيم ﴾ خبر ثاننٍ عن ﴿ أولئك المقربون ﴾ أو حال منه.

وإيقاعه بعد وصف ﴿ المقربون ﴾ مشير إلى أن مضمونه من آثار التقريب المذكور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الواقِعَةِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّيْحَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: السّاعَةُ وقَعَتْ بِحَقٍّ فَلَمْ تُكَذَّبْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها القِيامَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

وَسُمِّيَتِ الواقِعَةَ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ.

﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَيْسَ لَها مَرْدُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا رَجْعَةَ فِيها ولا مَشُورَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لَيْسَ لَها مُكَذِّبٌ مِن مُؤْمِنٍ ولا مِن كافِرٍ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الرّابِعُ: لَيْسَ الخَبْرُ عَنْ وُقُوعِها كَذِبًا.

﴿ خافِضَةٌ رافِعَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَخْفِضُ رِجالًا كانُوا في الدُّنْيا مُرْتَفِعِينَ، وتَرْفَعُ رِجالًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ في النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ في الجَنَّةِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.

الثّالِثُ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتِ الأدْنى، ورَفَعَتْ فَأسْمَعَتِ الأقْصى، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها خَفَضَتْ بِالنَّفْخَةِ الأُولى مَن أماتَتْ، ورَفَعَتْ بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مَن أحْيَتْ.

﴿ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: رُجِفَتْ وزُلْزِلَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَهُ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ ألَيْسَ يَوْمٌ سُمِّيَ الخُرُوجا أعْظَمَ يَوْمٍ رَجَّهُ رُجُوجًا ∗∗∗ يَوْمًا يَرى مُرْضَعَةً خَلُوجًا الثّانِي: أنَّها تُرَجُّ بِما فِيها كَما يُرَجُّ الغُرْبالُ بِما فِيهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ فَيَكُونُ تَأْوِيلُها عَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّها تُرَجُّ بِإماتَةِ ما عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ، وتَأْوِيلُها عَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّها تُرَجُّ لِإخْراجِ مَن في بَطْنِها مِنَ المَوْتى.

﴿ وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سالَتْ سَيْلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: هُدَّتْ هَدًّا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: سُيِّرَتْ سَيْرًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأغْلَبِ العِجْلِيِّ نَحْنُ بَسَسْنا بِأثَرٍ أطارا ∗∗∗ أضاءَ خَمْسًا ثَمَّتْ سارا الرّابِعُ: قُطِّعَتْ قِطَعًا، قالَهُ الحَسَنُ.

.

الخامِسُ: إنَّها بُسَّتْ كَما يُبَسُّ السَّوِيقُ أيْ بُلَّتْ، البَسِيسَةُ هي الدَّقِيقُ يُلَتُّ ويُتَّخَذُ زادًا، قالَ لِصٌّ مِن غَطْفانَ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ ولا تُطِيلا بِمُناخٍ حَبْسًا ﴿ فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رَهَجُ الغُبارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَجَعَلَ اللَّهُ أعْمالَهم كَذَلِكَ، قالَهُ عَلِيٌّ.

الثّانِي: أنَّها شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي مِنَ الكُوَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَبَتْ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ما يَبِسَ مِن ورَقِ الشَّجَرِ تَذْرُوهُ الرِّيحُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي المُنْبَثِّ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: المُنْتَشِرُ.

الثّالِثُ: المَنثُورُ.

﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً ﴾ يَعْنِي أصْنافًا ثَلاثًةً، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: اثْنانِ في الجَنَّةِ وواحِدٌ في النّارِ.

وَفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا ﴾ الثّانِي: ما رَواهُ النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً ﴾ الآيَةَ.

» وَيَحْتَمِلُ جَعْلَهم أزْواجًا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ الصِّنْفَ مِنهم مُسْتَكْثِرٌ ومُقَصِّرٌ، فَصارَ زَوْجًا.

الثّانِي: أنَّ في كُلِّ صِنْفٍ مِنهم رِجالًا ونِساءً، فَكانَ زَوْجًا.

﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْسَرَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَسارِهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الرّابِعُ: أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ أهْلُ الجَنَّةِ، وأصْحابَ المَشْأمَةِ أهْلُ النّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَقَوْلُهُ ﴿ وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ لِتَكْثِيرِ ما لَهم مِنَ العِقابِ.

﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ صَلُّوا إلى القِبْلَتَيْنِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

الرّابِعُ: هم أوَّلُ النّاسِ رَواحًا إلى المَساجِدِ وأسْرَعُهم خُفُوفًا في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوادَةَ.

الخامِسُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: مِنهم سابِقُ أُمَّةِ مُوسى وهو حَزْقِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وسابِقُ أُمَّةِ عِيسى وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ صاحِبُ أنْطاكِيَّةِ، وسابِقانِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  وهُما: أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ  وبِالمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ إلَيْهِمْ لِأنَّهم سَبَقُوا بِالإسْلامِ قَبْلَ زَمانِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.

وَفي تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: السّابِقُونَ في الدُّنْيا إلى الإيمانِ، السّابِقُونَ في الآخِرَةِ إلى الجَنَّةِ هُمُ المُقَرَّبُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِالأنْبِياءِ في زَمانِهِمْ، وسابِقُوهم بِالإيمانِ هُمُ المُقَرَّبُونَ المُقَدَّمُونَ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ قال: أصنافاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ قال: هي التي في سورة الملائكة ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ [ فاطر: 32] .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ قال: هذا حين تزايلت بهم المنازل، هم أصحاب اليمين وأصحاب الشمال والسابقون.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ قال: منازل الناس يوم القيامة ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ قال: ماذا لهم وماذا أعد لهم ﴿ وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ﴾ قال: ماذا لهم وماذا أعد لهم ﴿ والسابقون السابقون ﴾ قال: السابقون من كل أمة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ إلى قوله: ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ قال: سوى بين أصحاب اليمين من الأمم الماضية وبين أصحاب اليمين من هذه الأمة، وكان السابقون من الأولين أكثر من سابقي هذه الأمة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ قال: يوشع بن نون سبق إلى موسى ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه سبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السابقون يوم القيامة أربعة فأنا سابق العرب، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة، وصهيب سابق الروم» .

وأخرج أبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ والسابقون السابقون أولئك المقربون ﴾ أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج منه» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عثمان بن أبي سودة مولى عبادة بن الصامت قال: بلغنا في هذه الآية ﴿ والسابقون السابقون ﴾ أنهم السابقون إلى المساجد والخروج في سبيل الله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ والسابقون السابقون ﴾ قال: من كل أمة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ قال: نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار الذي ذكر في يس، وعلي بن أبي طالب، وكل رجل منهم سابق أمته، وعليّ أفضلهم سبقاً.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: الضرباء كل رجل مع قوم كانوا يعملون بعمله، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون ﴾ قال: هم الضرباء» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ثلة ﴾ قال: أمة.

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم الشطر الثاني» .

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله قال: «لما نزلت ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ ذكر فيها ﴿ ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ﴾ قال عمر: يا رسول الله: ﴿ ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين ﴾ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر تعالى فاستمع ما قد أنزل الله: ﴿ ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين ﴾ ألا وإن من آدم إليّ ثلة، وأمتي ثلة ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإِبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عروة بن رويم مرسلاً.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين ﴾ حزن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إذاً لا يكون من أمة محمد إلا قليل، فنزلت نصف النهار ﴿ ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين ﴾ وتقابلون الناس، فنسخت الآية ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثلة من الأوّلين ﴾ قال: ممن سبق ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ قال: من هذه الأمة.

أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله: ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال: مصفوفة.

وأخرج سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال: مرمولة بالذهب.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ موضونة ﴾ قال: مرمولة بالذهب.

وأخرج هناد عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: الموضونة المرملة وهو أوثق الأسِرّة.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال: الموضونة ما توضن بقضبان الفضة عليها سبعون فراشاً، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول: أعددت للهيجاء موضونة ** فضفاضة بالنهي بالباقع وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ متكئين عليها متقابلين ﴾ قال: لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه.

وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال في قراءة عبد الله: ﴿ متكئين عليها ناعمين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ يطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ قال: لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذه المواضع!

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ قال: لا يموتون، وفيه قوله: ﴿ بأكواب وأباريق ﴾ قال: الأكواب ليس لها آذان، والأباريق التي لها آذان، وفي قوله: ﴿ وكأس من معين ﴾ قال: خمر بيضاء ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ قال: لا تصدع رؤوسهم ولا يقيئونها، وفي لفظ، ولا تنزف عقولهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي رجاء قال: سألت الحسن عن الأكواب، فقال: هي الأباريق التي يصب منها.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: الأكواب الأقداح.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكأس من معين ﴾ قال: يعني الخمر وهي هناك جارية، المعين الجاري ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ ليس فيها وجع الرأس ولا يغلب أحد على عقله.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ قال: لا تصدع رؤوسهم ولا تذهب عقولهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ قال: لا تصدع رؤوسهم، ولا تنزف عقولهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ قال: أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا ينزفون كما ينزف أهل الدنيا إذا أكثروا الطعام والشراب، يقول: لا يملوا.

وأخرج عبد بن حميد بن عاصم أنه قرأ ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ برفع الياء وكسر الزاي.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن الرجل من أهل الجنة ليؤتى بالكأس وهو جالس مع زوجته فيشربها، ثم يلتفت إلى زوجته فيقول: قد ازددت في عيني سبعين ضعفاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال الفراء والزجاج يجوز أن يكون (وَالسَّابِقُونَ) ابتداء، وخبره الثاني، ويكون المعنى: والسابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمة الله، ويكون ﴿ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ من صفتهم.

ويجوز أن يكون الأول ابتداء والثاني توكيده، ويكون الخبر ﴿ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ (١) واختلفوا في تفسير السابقين فقال ابن عباس (٢) ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ  ﴾ الآية.

وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين (٣) (٤)  - (٥) وقال مقاتل: إلى الأنبياء بالإيمان (٦) (٧) وأكثر المفسرين جعلوا هذا السبق إلى الطاعات، فمنهم من أجملها وهو القرظي فقال: إلى كل خير وإلى كل ما دعا الله إليه، وهو اختيار ابن كيسان (٨) ومنهم من فصَّل فقال سعيد بن جبير: إلى التوبة (٩)  -: إلى الصلوات الخمس (١٠) (١١) (١٢) ثم وصفهم وأخبر عنهم فقال: ﴿ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ قال ابن عباس: مثل النبيين والمرسلين (١٣) (١٤) (١٥) ثم أخبر أين محلهم فقال: (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 122، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 109.

أورد النحاس قولهما أن ﴿ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ صفة، قال: ولكن يكون بدلاً أو خبرًا بعد خبر.

انظر: "إعراب القرآن" 3/ 321.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و"معالم التنزيل" 4/ 285.

(٣) انظر: "جامع البيان" 27/ 99، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 283.

(٤) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 285، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199.

(٥) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 280.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 137 ب.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و"الوسيط" 4/ 232.

(٨) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 280.

(٩) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 280، و"زاد المسير" 8/ 133.

(١٠) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199، و"روح المعاني" 27/ 132.

(١١) هو عثمان بن أبي سودة المقدسي، روى عن أبي الدرداء وأبي هريرة وغيرهما، وعنه الأوزاعي وجابر بن زيد وغيرهما، وثقه مروان بن محمد وذكره ابن حبان في "الثقات" ..

انظر: "تهذيب التهذيب" 7/ 120، و"تقريب التهذيب" 2/ 9.

(١٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 99، و"المصنف" 5/ 267، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199، ونسبه لمجاهد وغيره.

قال ابن كثير بعد ذكره للأقوال: وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ  ﴾ فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 283.

(١٣) انظر: "الوسيط" 4/ 232.

(١٤) لم أجده، وذكر المفسرون نحوه، فقالوا: (عند الله).

(١٥) انظر: "الوسيط" 4/ 232.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ هذا خطاب لجميع الناس لأنهم ينقسمون يوم القيامة إلى هذه الأصناف الثلاثة: وهم السابقون، وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فأما السابقون فهم: أهل الدرجات العلى في الجنة، وأما أصحاب اليمين فهم سائر أهل الجنة، وأما أصحاب الشمال فهم أهل النار ﴿ فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة ﴾ هذا ابتداء خبر فيه معنى التعظيم، كقولك: زيد ما زيد، والميمنة يحتمل أن تكون مشتقة من اليمن وهو ضد الشؤم وتكون المشأمة به مشتقة من الشؤم أو يكون الميمنة من ناحية اليمين والمشأمة من ناحية الشمال، واليد الشؤمى هي الشمال، وذلك لأن العرب تجحعل الخير من اليمين، والشر من الشمال، أو لأن أهل الجنة يحملون إلى جهة اليمين، وأهل النار يحملون إلى جهة الشمال، أو يكون من أخذ الكتاب باليمين أو الشمال ﴿ والسابقون السابقون ﴾ الأول متبدأ والثاني خبره على وجه العظيم كقولك: أنت أنت أو على معنى أن السابقين إلى طاعة الله هم السابقون إلى الجنة، وقيل: إن السابقون الثاني صفة للأول أو تأكيداً، والخبر ﴿ أولئك المقربون ﴾ ، والأرجح أن يكون الثاني خبر الأول لأنه في مقابلة قوله: ﴿ فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة ﴾ ، ﴿ وَأَصْحَابُ المشأمة مَآ أَصْحَابُ المشأمة ﴾ ، وعلى هذا يوقف على السابقون الثاني ويبتدئ بما بعده.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.

الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.

﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.

الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.

يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.

واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.

ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.

وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.

وقالت له: إنك تطيقه.

فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.

وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.

وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.

والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.

ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.

روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا  .

قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.

﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.

قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي  وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد  .

جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد  والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون  ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.

وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.

قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي  وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.

وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي  قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله  يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله  لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد  سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.

وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله  المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا  أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله  أعلم بمراده.

ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.

قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.

وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.

قال جار الله: روي هذا عن علي  .

والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.

والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.

ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.

ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.

والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.

قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.

قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.

وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.

ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.

والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.

وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.

وفي الكشاف أن علياً  أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟

قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.

قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.

والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.

ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.

والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي  .

وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.

والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.

ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.

روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.

وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.

ثم عجب من أصحاب الشمال.

ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.

والحميم الماء الكثير الحرارة.

واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.

ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.

قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.

قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.

ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.

وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.

وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.

وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.

أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.

ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله  " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.

فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله  أعلم بمراده.

ثم أمر نبيه  بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.

ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.

والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.

وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.

ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.

ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.

ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.

يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى  ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.

ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.

فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.

يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.

والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.

وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.

ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.

ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.

وفي الكشاف عن رسول الله  " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.

وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.

ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.

وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.

من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.

ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.

ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.

والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.

ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.

وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.

ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".

وأعلم أنه  بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.

ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله  "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.

وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه  بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.

ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.

أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.

وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.

وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.

ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.

ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال  ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله  ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.

وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.

ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.

أو كرمه نفعه للمكلفين.

أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.

ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.

وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.

ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.

ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.

وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون  ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.

وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.

ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.

ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.

ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.

فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟

ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.

ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.

ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.

وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.

ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.

هذا قول كثير من المفسرين.

وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.

وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".

"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.

أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.

هذا ما قاله أكثر المفسرين.

وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.

ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله  " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.

ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله  في شأن الأزواج الثلاثة.

وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.

ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.

روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟

قال: ذنوبي.

قال: ما تشتهي؟

قال:رحمة ربي.

قال: أفلا ندعو الطبيب؟

قال: الطبيب أمرضني.

قال: افلا نأمر بعطائك؟

قال: لا حاجة لي فيه.

قال: تدفعه إلى بناتك.

قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله  يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ هذا مما لم يبتدأ به الخطاب، وإنما هو جواب سؤال وخطاب لم يذكر؛ فيحتمل أن يكون المؤمنون ذكروا كرامتهم التي وعدوا في الآخرة، فقال لهم أولئك الكفرة: متى يكون ذلك لكم؟

فقالوا: إذا وقعت والواقعة؛ كما يسأل الرجل: متى يكون أمر كذا؟

فيقول: إذا كان كذا، فهو حرف جواب لسؤاله، وعلى هذا يخرج جميع ما ذكر في القرآن من هذا النوع؛ من نحو قوله  : ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا  ﴾ ونحو ذلك، وقوله: ﴿ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ كناية عنها، جائز أن يكون تأويله: إذا وقعت المثوية والعقوبة؛ فتكمون الواقعة كناية عنها.

وجائز أن تكون الواقعة: اسما من أسماء البعث: كالقيامة والساعة، وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ ، قال ب عضهم: أي: ليس لوقعتها مَثْنَويَّة ولا ترداد، يقال: حمل عليه فما كذب، أي: فما رجع.

وقال بعضهم: أي: هي حق، ليست بكذب.

وقال بعضهم: أي: لا يكذب بها أحد إذا وقعت، ليست كالآيات التي عاينوها في الدنيا مع ما عرفوا أنها آيات كذبوها؛ كقوله  : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ  لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ  ﴾ ، وغير ذلك يكذبونها مع العلم بأنها آيات، يقول  : إذا عاينوا القيامة يقرون بها؛ ويصدقونها، ولا يكذبون بها؛ كقوله: ﴿ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، ونحوه.

ويحتلم أن يكون قوله: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ ، اي: ليست الأنباء والأخبار التي جاءت على وقوعها وقيامها كاذبة بل هي صادقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾ ، قال بعضهم: خافضة: تسمع القريب، رافعة: تسمع البعيد؛ وقال صاحب هذا التأويل: إن تفسير الواقعة هي الصيحة، وتلك خافضة رافعة.

وقال بعضهم: خافضة أناسا في النار ورافعة أناسا في الجنة.

ويحتمل خافضة لمن تكبر وتعظم على الخلق ورده، ورافعة لمن تواضع للخلق وانقاد له وقبله.

وقيل: خافضة لأهل النار في النار، كقوله  : ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ  ﴾ ، ورافعة لأهل الجنة، كقوله: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ .

وقوله: - عز وجل -: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً ﴾ يخرج على السؤال، كأنهم لما سمعوا وصف القيامة والواقعة من المؤمنين، فقالوا عند ذلك: متى تكون الواقعة؟

فعند ذلك قال: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا  ﴾ ، فزلزلت حتى تلقي ما في بطنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً ﴾ قيل: فتنت حتى تصير كالدقيق، ومنه يقال للطعام المبسوس والبسيسة: سويق يلت به الزيت والخلط.

وقال الحسن: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ ﴾ أي: سيرت تسييرا.

وقوله: ﴿ فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ قيل: الهباء الذي يكون فوق النار إذا خمدت، لا يكون غيره ﴿ مُّنبَثّاً ﴾ ؛ أي: متفرقا.

وقيل: ﴿ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ أي: ترابا.

وقيلِ: الهباء المنبث، هو ما يسطع من سنابك الخيل.

وقيل: الهباء: الغبار الذي تراه في الشمس إذا دخلت في الكوة؛ يخبر  عن شدة ذلك اليوم وهو له أنه يفعل بالجبال مع صلابتها وطاعتها لله  ، فكيف يفعل بكم يا بني آدم مع ضعفكم ومعصيتكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ ، أي: أصنافا ثلاثة: ما فسر عقيبه؛ حيث قال: ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ الآية.

وقيل: الأصناف الثلاثة: المذكبون، والمصدقون، والسابقون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أصحاب الميمنة من اليمن، وأصحاب المشأمة من الشؤم.

والثاني: سموا: أصحاب الميمنة؛ لأنهم أصحاب اليمين، وهي التي تستعمل في الطيبات، والكفرة أصحاب الشمال؛ لأنهم أصحاب الخبائث، والشمال تستعمل في الخبائث.

وهو كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  ﴾ ؛ لأن في كتبهم طيبات وخيرات، وفي كتب الكفرة خبائث فتؤتى بشمالهم.

وقيل: أصحاب الميمنة والمشأمة؛ لما ذكر الله  : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ...

 ﴾ ، فكذا؛ فكل من أوتي كتابه بيمنيه فهو من أصحاب اليمين، ومن أوي كتابه بشماله فهو من أصحاب الشمال.

وقوله  : ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: السابقون في الخيرات، يسبقون الناس في كل خير.

والثاني: السابقون في الإجابة لله ورسوله إلى ما دعاهم إليه.

ثم جائز أن يكون الخطاب به للناس كافة: الأولين والآخرين؛ فيكون جميعهم أصنافا ثلاثة: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.

وجائز أن يكون الخطاب بهذه الآية لهذه الأمة: ففيهم السباقون، وفيهم أصحاب اليمين، وهم أصحاب النظر في الحجج والآيات والتأمل فيها [وفيهم] اصحاب الشمال، وهم الكفرة.

وقوله  : ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ ﴾ على التعجب لرسول الله  بما يكرمهم، أو على التعظيم لأولئك لعظم منزلتهم.

وكذلك قوله: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ يخرج على هذين الوجهين: على التعجب والتعظيم لما يحل بهم.

وقوله: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ ﴾ يخرج على هذا أيضا: فلان ما أمر فلان، فيقال: فلان فلان؛ على تعظيم أمره وشأنه.

ثم في قوله  : ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ \[دليل\] لقول أصحابنا - رحمهم الله - في جعلهم الكفر كله واحدة؛ لأنه جعل الله  الكفرة على اختلاف مذاهبم وأديانهم زوجا، وأهل الإسلام زوجين، حيث جعل الكل أزواجا ثلاثة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ يحتمل أن يكون وصف القرب لهم لمسابقتهم في الخيرات في الدنيا.

ويحتمل: أنهم مقربون في الآخرة والمنزلة، لسبقهم في الخيرات، أو: في الإجابة، والسبق فعلهم، والتقريب بلطف من الله  وفضل منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ جميع الجنات نعيم؛ لأن فيها نعيما، وله أن يسمى واحدة منها: نعيما، والأخرى: عدنا، والفردوس والمأوى، يسمى ما شاء بما شاء وكيف شاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ اختلف في ذلك: قال بعضهم: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ممن شهد رسول الله، وقربوا منه، ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ ممن بعد من هذه الأمة من رسول الله  بنفسه وإدراك زمانه، وقليل من المقربين من الآخرين، وهو ما روي عن رسول الله  أنه قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم" ، وعلى ذلك قوله  : ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ  ﴾ على ما يذكر، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، أي: جماعة من المؤمنين الذين كانوا في الأمم الماضية، ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ أي: من هذه الأمة، وهكذا يكون عدد أهل الإيمان من هذه الأمة مع الأمم الماضية يكون هؤلاء أقل منهم.

ويحتمل - أيضا - أن السابقين المقربين من الأمم السابقة أكثر من السابقين المقربين من هذه الأمة؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كلهم من الأمم السالفة.

وقال أهل التأويل لما نزلت: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ ، وجد أصحاب رسول الله  وحدا شديدا، وقالوا: لن يدخل الجنة منا إلا قليل؛ فنزل قوله  : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ  ﴾ .

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه خبر، ولا يرد في الأخبار نسخ، وما قالوه لا يصحن والوجه فيه ما ذكرنا.

ويحتمل قوله  : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ  ﴾ هم أصحاب اليمين من الأولين والآخرين، وهم جماعة كثيرة من الأولين، وجماعة كثيرة من الآخرين في في المقربين خاصة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ  ﴾ ، والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: منسوجة؛ والوضن - هو النسج - لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج، كما يكون في الدنيا، لكن موصولة بعضها ببعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: على السرر التي ذكر أنها مصفوفة موضونة.

وقوله: ﴿ مُتَقَابِلِينَ ﴾ ، أي: يقابل [بعضهم] بعضا، ولا يعرضون، ولا ينظر بعضهم إل بعض باحتقار كماي جعل أهل المجالس في الدنيا يعرض بعضهم على بعض ويحقر بعضهم بعضا يخبر أنهم يكونون في الآخرة خلاف ما في الدنيا، لا يتأذى بعض من بعض بوجه ما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ فيه أنهم يعطون في الجنة ما يستحبون في الدنيا من الشرف وطواف الولدان، وكذلك ما ذكر من السرر والفرش، وغير ذلك من أنواع ما ترغب أنفسهم فيه.

ثم ذكر أنهم ولدان، وإن لم يكن في الجنة ولاد؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكونوا على هيئة الولدان وإن لم يولدوا.

والثاني: سماهم: ولدانا؛ لولادهم في الدنيا وإن لم يولدوا في الجنة؛ لأن التولد في الدنيا لحاجة البقاء وأهل الجنة باقون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّخَلَّدُونَ ﴾ قال بعضهم: أي: المقرطون، والخَلَدَة: القرط، وجمعه: الجِلَدَة.

قال بعضهم: هو من الخلود، كقوله  : ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا  ﴾ ، أي: باقون.

وقيل: مسورون من السوار.

وقوله: ﴿ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ﴾ \[الأكواب\]: هي الكيزان المدورة الرءوس التي لا عرى لها، والأباريق التي لها عرى وخراطيم، وهم يسمون الأكواب: القداح التي يشربون بها؛ لأن في الدنيا يكون لأهل الأباريق والأقداح يصبون من الأباريق في القدح، ويشربون ولا يشربون من الأباريق، فعلى ذلك وعدوا في الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ : الكأس: هو القدح المملوء من الشراب.

وأما المعين: قال بعضهم: هو الظاهر من الماء، يقع عليه البصر، فوعد لأهل الجنة ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ ، قرئ بكسر الزاي ونصبه؛ أي: لا تصدع خمورهم في الجنة رءوسهم كما تصدع خمور الدنيا أهلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ قيل بكسر الزاي: لا ينفد شرابهم، وبالفتح: لا يسكرون؛ فيه أنه ليس في خمورهم الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، والصداع والنفاد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ جميع فواكه الجنة مختارة، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أن جميع فواكهها مما يتخيرون.

والثاني: العرف في الفواكه أن تقدم من أجناس مختلفة وألوان، لا من لون واحد ونزع واحد، فيتخيرون من أي نوع اشتهوا أو شاءوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ إن أهل الجنة إنما يتناولون ما يتناولون على الشهوة، لا على الحاجة وسد الجوع، وهو كما ذكر: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ﴾ يحتمل تشبيه الحور العين باللؤلؤ وجهين: أحدهما: لما لا شيء أصفى من اللؤلؤ والياقوت، فضرب مثلهن بذلك؛ لصفاته وبياضه، وإلا ما خطر اللؤلؤ حتى يشبه أن الموعود في الجنة من الجواري به؟!.

والثاني: أن للؤلؤ فضلا ومنزلة عند العرب، وليس الخطر لغيره من الأشياء، فيشبه ضرب مثلهن به لفضل خطر ذلك عندهم، ليس ذلك لغيره، وهو كقوله  : ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ضرب مثل من يشرك بالله بالذي يخر من السماء، والشرك بالله أعظم مما ذكر، لكن ليس شيء أعظم وأبعد من الخر من فوق السماء السابعة؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ إن الله  ذكر للأعمال جزاء كأنهم عملوا له فضلا منه وكرما في حق عباده، وإن كانوا في الحقيقة عاملين لأنفسهم؛ كقوله  : ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ  ﴾ ، وكذلك ما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم، وما ذكر من الإقراض في قوله  : ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً  ﴾ وإن كانت أنفسهم وأموالهم له، وإن كان عام عباده في أنفسهم وأموالهم كأنها ليست له، فضلا وكرما؛ فعلى ذلك [ذكر] لأعمالهم جزاء؛ كان منهم إلى الله -  - صنعا وإحساناً، وإن كانوا عاملين لأنفسهم ومنافع أعمالهم ترجع إليهم بفضله وكرمه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ هذا يرجع إلى وصف خمور أهل الجنة؛ أي: ليس فيها الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، وقول اللغو، والهذيان، مثل ما يجري على ألسنتهم في الدنيا حين يشربون الخمور، وما يأثمون به، وذكر لهم هذه الخمور في الجنة؛ لأن قوما يرغبون فيها في الدنيا، فوعد لهم؛ ليرغبوا فيها فيطلبوها بالامتناع عن شربها في الدنيا من الخمور المحرمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إلا كلاما فيه سلامة عن جميع الآفات التي ذكر.

والثاني: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام؛ كقوله  : ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك هم المقربون عند الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.G5zLK"

مزيد من التفاسير لسورة الواقعة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله