الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٣٥ من سورة الواقعة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٥ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ) جرى الضمير على غير مذكور .
لكن لما دل السياق ، وهو ذكر الفرش على النساء اللاتي يضاجعن فيها ، اكتفى بذلك عن ذكرهن ، وعاد الضمير عليهن ، كما في قوله : ( إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ) [ ص : 31 ، 32 ] يعني : الشمس ، على المشهور من قول المفسرين .
قال الأخفش في قوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) أضمرهن ولم يذكرهن قبل ذلك .
وقال أبو عبيدة : ذكرن في قوله : ( وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ) [ الواقعة : 22 ، 23 ] .
فقوله : ( إنا أنشأناهن ) أي : أعدناهن في النشأة الآخرة بعدما كن عجائز رمصا ، صرن أبكارا عربا ، أي : بعد الثيوبة عدن أبكارا عربا ، أي : متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة .
وقال بعضهم : ( عربا ) أي : غنجات .
قال موسى بن عبيدة الربذي ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال : " نساء عجائز كن في الدنيا عمشا رمصا " .
رواه الترمذي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم .
ثم قال الترمذي : غريب ، وموسى ويزيد ضعيفان .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا آدم - يعني : ابن أبي إياس - حدثنا شيبان ، عن جابر ، عن يزيد بن مرة ، عن سلمة بن يزيد قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في قوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) يعني : " الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا " .
وقال عبد بن حميد : حدثنا مصعب بن المقدام ، حدثنا المبارك بن فضالة ، عن الحسن قال : أتت عجوز فقالت : يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة .
فقال : " يا أم فلان ، إن الجنة لا تدخلها عجوز " .
قال : فولت تبكي ، قال : " أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ، إن الله تعالى يقول : ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا ) وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن عبد بن حميد .
وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا بكر بن سهل الدمياطي ، حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي ، حدثنا سليمان بن أبي كريمة ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة قالت : قلت : يا رسول الله ، أخبرني عن قول الله : ( وحور عين ) [ الواقعة : 22 ] ، قال : " حور : بيض ، عين : ضخام العيون ، شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر " .
قلت : أخبرني عن قوله : ( كأمثال اللؤلؤ المكنون ) [ الواقعة : 23 ] ، قال : " صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف ، الذي لم تمسه الأيدي " .
قلت : أخبرني عن قوله : ( فيهن خيرات حسان ) [ الرحمن : 70 ] .
قال : " خيرات الأخلاق ، حسان الوجوه " .
قلت : أخبرني عن قوله : ( كأنهن بيض مكنون ) [ الصافات : 49 ] ، قال : " رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشر ، وهو : الغرقئ " .
قلت : يا رسول الله ، أخبرني عن قوله : ( عربا أترابا ) .
قال : " هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصا شمطا ، خلقهن الله بعد الكبر ، فجعلهن عذارى عربا متعشقات محببات ، أترابا على ميلاد واحد " .
قلت : يا رسول الله ، نساء الدنيا أفضل أم الحور العين ؟
قال : " بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين ، كفضل الظهارة على البطانة " .
قلت : يا رسول الله ، وبم ذاك ؟
قال : " بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله عز وجل ، ألبس الله وجوههن النور ، وأجسادهن الحرير ، بيض الألوان ، خضر الثياب ، صفر الحلي ، مجامرهن الدر ، وأمشاطهن الذهب ، يقلن : نحن الخالدات فلا نموت أبدا ، ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا ، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ، ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا ، طوبى لمن كنا له وكان لنا " .
قلت : يا رسول الله ، المرأة منا تتزوج زوجين والثلاثة والأربعة ، ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها ، من يكون زوجها ؟قال : " يا أم سلمة ، إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا ، فتقول : يا رب ، إن هذا كان أحسن خلقا معي فزوجنيه ، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة " .
وفي حديث الصور الطويل المشهور أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشفع للمؤمنين كلهم في دخول الجنة فيقول الله : قد شفعتك وأذنت لهم في دخولها .
فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " والذي بعثني بالحق ، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم ، فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة ، سبعين مما ينشئ الله ، وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله ، بعبادتهما الله في الدنيا ، يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة ، على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ ، عليه سبعون زوجا من سندس وإستبرق وإنه ليضع يده بين كتفيها ، ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها ولحمها ، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت ، كبده لها مرآة - يعني : وكبدها له مرآة - فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله ، ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء ، ما يفتر ذكره ، ولا تشتكي قبلها إلا أنه لا مني ولا منية ، فبينما هو كذلك إذ نودي : إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل ، إلا أن لك أزواجا غيرها ، فيخرج ، فيأتيهن واحدة واحدة ، كلما جاء واحدة قالت : والله ما في الجنة شيء أحسن منك ، وما في الجنة شيء أحب إلي منك " .
وقال عبد الله بن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن دراج ، عن ابن حجيرة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال له : أنطأ في الجنة ؟
قال : " نعم ، والذي نفسي بيده دحما دحما ، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا " .
وقال الطبراني : حدثنا إبراهيم بن جابر الفقيه البغدادي ، حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيق الواسطي ، حدثنا معلى بن عبد الرحمن الواسطي ، حدثنا شريك ، عن عاصم الأحول ، عن أبي المتوكل ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا " .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا عمران ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في النساء " .
قلت : يا رسول الله ، ويطيق ذلك ؟
قال : " يعطى قوة مائة " .
ورواه الترمذي من حديث أبي داود وقال : صحيح غريب .
وروى أبو القاسم الطبراني من حديث حسين بن علي الجعفي ، عن زائدة ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قيل : يا رسول الله ، هل نصل إلى نسائنا في الجنة ؟
قال : " إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء " .
قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي : هذا الحديث عندي على شرط الصحيح ، والله أعلم .
وقوله : ( عربا ) قال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : يعني متحببات إلى أزواجهن ، ألم تر إلى الناقة الضبعة ، هي كذلك .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : العرب : العواشق لأزواجهن ، وأزواجهن لهن عاشقون .
وكذا قال عبد الله بن سرجس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وأبو العالية ، ويحيى بن أبي كثير ، وعطية ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وغيرهم .
وقال ثور بن زيد ، عن عكرمة قال : سئل ابن عباس عن قوله : ( عربا ) قال : هي الملقة لزوجها .
وقال شعبة ، عن سماك ، عن عكرمة : هي الغنجة .
وقال الأجلح بن عبد الله ، عن عكرمة : هي الشكلة .
وقال صالح بن حيان ، عن عبد الله بن بريدة في قوله : ( عربا ) قال : الشكلة بلغة أهل مكة ، والغنجة بلغة أهل المدينة .
وقال تميم بن حذلم : هي حسن التبعل .
وقال زيد بن أسلم ، وابنه عبد الرحمن : العرب : حسنات الكلام .
وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن سهل بن عثمان العسكري : حدثنا أبو علي ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( عربا ) قال : " كلامهن عربي " .
وقوله : ( أترابا ) قال الضحاك ، عن ابن عباس يعني : في سن واحدة ، ثلاث وثلاثين سنة .
وقال مجاهد : الأتراب : المستويات .
وفي رواية عنه : الأمثال .
وقال عطية : الأقران .
وقال السدي : ( أترابا ) أي : في الأخلاق ، المتواخيات بينهن ، ليس بينهن تباغض ولا تحاسد ، يعني : لا كما كن ضرائر [ في الدنيا ] ضرائر متعاديات .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، عن عبد الله بن الكهف ، عن الحسن ومحمد : ( عربا أترابا ) قالا : المستويات الأسنان ، يأتلفن جميعا ، ويلعبن جميعا .
وقد روى أبو عيسى الترمذي ، عن أحمد بن منيع ، عن أبي معاوية ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن النعمان بن سعد ، عن علي رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن في الجنة لمجتمعا للحور العين ، يرفعن أصواتا لم تسمع الخلائق بمثلها ، يقلن : نحن الخالدات فلا نبيد ، ونحن الناعمات فلا نبأس ، ونحن الراضيات فلا نسخط ، طوبى لمن كان لنا وكنا له " .
ثم قال : هذا حديث غريب .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا إسماعيل بن عمر ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن فلان بن عبد الله بن رافع ، عن بعض ولد أنس بن مالك ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الحور العين ليغنين في الجنة ، يقلن نحن خيرات حسان ، خبئنا لأزواج كرام " .
قلت : إسماعيل بن عمر هذا هو أبو المنذر الواسطي أحد الثقات الأثبات .
وقد روى هذا الحديث الإمام عبد الرحيم بن إبراهيم الملقب بدحيم ، عن ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، عن عون بن الخطاب بن عبد الله بن رافع ، عن ابن لأنس ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الحور العين يغنين في الجنة : نحن الجوار الحسان ، خلقنا لأزواج كرام " .
وقوله: ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا ) يقول تعالى ذكره: إنا خلقناهن خلقا فأوجدناهنّ؛ قال أبو عبيدة: يعني بذلك: الحور العين اللاتي ذكرهنّ قبل، فقال ( وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ) ، وقال الأخفش: أضمرهنّ ولم يذكرهنّ قبل ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ) قال: خلقناهنّ خَلقا.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن جابر الجُعفي، عن يزيد بن مرّة، عن سلمة بن يزيد، عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في هذه الآية (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ) قال: " مِنَ الثَّيِّب والأبكارِ".
إنا أنشأناهن إنشاء أي خلقناهن خلقا وأبدعناهن إبداعا .
والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا ، وقد قال تعالى : هن لباس لكم .
ثم قيل : على هذا هن الحور العين ، أي خلقناهن من غير ولادة .
وقيل : المراد نساء بني آدم ، أي خلقناهن خلقا جديدا وهو الإعادة ، أي أعدناهن إلى حال الشباب وكمال الجمال .
والمعنى أنشأنا العجوز والصبية إنشاء واحدا ، وأضمرن ولم يتقدم ذكرهن ، لأنهن قد دخلن في أصحاب اليمين ، ولأن الفرش كناية عن النساء كما تقدم .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : إنا أنشأناهن إنشاء قال : منهن البكر والثيب .
وقالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا فقال : يا أم سلمة هن اللواتي قبضن في الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء أسنده النحاس عن أنس قال : حدثنا أحمد بن عمرو قال : حدثنا عمرو بن علي قال : حدثنا أبو عاصم عن موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك رفعه إنا أنشأناهن إنشاء قال هن العجائز العمش الرمص كن في الدنيا عمشا رمصا
{ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً } أي: إنا أنشأنا نساء أهل الجنة نشأة غير النشأة التي كانت في الدنيا، نشأة كاملة لا تقبل الفناء.
دليل هذا التأويل قوله في عقبه : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) خلقناهن خلقا جديدا .
قال ابن عباس : يعني الآدميات العجز الشمط ، يقول خلقناهن بعد الهرم خلقا آخر .
( فجعلناهن أبكارا ) عذارى .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي عن الهيثم بن كليب الشاشي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا عبد بن حميد ، أخبرنا مصعب بن المقدام ، أخبرنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال : أتت عجوز النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة فقال : " يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز " ، قال : فولت تبكي قال : " أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ، إن الله تعالى يقول : " إنا أنشأناهن إنشاء"
«إنا أنشأناهن إنشاءً» أي الحور العين من غير ولادة.
إنا أنشأنا نساء أهل الجنة نشأة غير النشأة التي كانت في الدنيا، نشأة كاملة لا تقبل الفناء، فجعلناهن أبكارًا، متحببات إلى أزواجهن، في سنٍّ واحدة، خلقناهن لأصحاب اليمين.
والضمير فى قوله - تعالى - : ( إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً .
.
.
) عائد إلى غيره مذكور ، إلا أنه يفهم من سياق الكلام .
لأن الحديث عن الفرش المرفوعة يشير إلى من يجلس عليها ، وهم الرجال ونساؤهم ، أى : نساؤهم من أهل الدنيا أو الحور العين ، ويرى بعضهم أنه يعود إلى مذكور ، لأن المراد بالفرش النساء ، والعرب تسمى المرأة لباسا ، وإزارا ، وفراشا .والإنشاء : الخلق والإيجاد .
فيشمل إعادة ما كان موجودا ثم عدم ، كما يشمل الإيجاد على سبيل الابتداء .أى : إنا أنشأنا هؤلاء النساء المطهرات من كل رجس حسى أو معنوى ، إنشاء جميلا ، يشرح الصدور .
وفي الإنشاء مسائل: المسألة الأولى: الضمير في: ﴿ أنشأناهن ﴾ عائد إلى من؟
فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى ﴿ حُورٌ عِينٌ ﴾ وهو بعيد لبعدهن ووقوعهن في قصة أخرى ثانيها: أن المراد من الفرش النساء والضمير عائد إليهن لقوله تعالى: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ ﴾ ، ويقال للجارية صارت فراشاً وإذا صارت فراشاً رفع قدرها بالنسبة إلى جارية لم تصر فراشاً، وهو أقرب من الأول لكن يبعد ظاهراً لأن وصفها بالمرفوعة ينبئ عن خلاف ذلك.
وثالثها: أنه عائد إلى معلوم دل عليه فرش لأنه قد علم في الدنيا وفي مواضع من ذكر الآخرة، أن في الفرش حظايا تقديره وفي فرش مرفوعة حظايا منشآت وهو مثل ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ قاصرات الطرف ﴾ و ﴿ مقصورات ﴾ فهو تعالى أقام الصفة مقام الموصوف ولم يذكر نساء الآخرة بلفظ حقيقي أصلاً وإنما عرفهن بأوصافهن ولباسهن إشارة إلى صونهن وتخدرهن، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنشأناهن ﴾ يحتمل أن يكون المراد الحور فيكون المراد الإنشاء الذي هو الابتداء، ويحتمل أن يكون المراد بنات آدم فيكون الإنشاء بمعنى إحياء الإعادة، وقوله تعالى: ﴿ أبكاراً ﴾ يدل على الثاني لأن الإنشاء لو كان بمعنى الابتداء لعلم من كونهن أبكاراً من غير حاجة إلى بيان ولما كان المراد إحياء بنات آدم قال: ﴿ أبكاراً ﴾ أي نجعلهن أبكاراً وإن متن ثيبات، فإن قيل: فما الفائدة على الوجه الأول؟
نقول: الجواب من وجهين: الأول: أن الوصف بعدها لا يكون من غيرها إذا كن أزواجهم بين الفائدة لأن البكر في الدنيا لا تكون عارفة بلذة الزوج فلا ترضى بأن تتزوج من رجل لا تعرفه وتختار التزويج بأقرانها ومعارفها لكن أهل الجنة إذا لم يكن من جنس أبناء آدم وتكون الواحدة منهن بكراً لم تر زوجاً ثم تزوجت بغير جنسها فربما يتوهم منها سوء عشرة فقال: ﴿ أبكاراً ﴾ فلا يوجد فيهن ما يوجد في أبكار الدنيا الثاني: المراد أبكاراً بكارة تخالف بكارة الدنيا، فإن البكارة لا تعود إلا على بعد.
وقوله تعالى: ﴿ أَتْرَاباً ﴾ يحتمل وجوهاً أحدها: مستويات في السن فلا تفضل إحداهن على الأخرى بصغر ولا كبر كلهن خلقن في زمان واحد، ولا يلحقهن عجز ولا زمانة ولا تغير لون، وعلى هذا إن كن من بنات آدم فاللفظ فيهن حقيقة، وإن كن من غيرهن فمعناه ما كبرن سمين به لأن كلاً منهن تمس وقت مس الأخرى لكن نسي الأصل، وجعل عبارة عن ذلك كاللذة للمتساويين من العقلاء، فأطلق على حور الجنة أتراباً ثانيها: أتراباً متماثلات في النظر إليهن كالأتراب سواء وجدن في زمان أو في أزمنة، والظاهر أنه في أزمنة لأن المؤمن إذا عمل عملاً صالحاً خلق له منهن ما شاء الله ثالثها: أتراباً لأصحاب اليمين، أي على سنهم، وفيه إشارة إلى الاتفاق، لأن أحد الزوجين إذا كان أكبر من الآخر فالشاب يعيره.
المسألة الثانية: إن قيل ما الفائدة في قوله: ﴿ فجعلناهن ﴾ ؟
نقول: فائدته ظاهرة تتبين بالنظر إلى اللام في: ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ فنقول: إن كانت اللام متعلقة بأتراباً يكون معناه: ﴿ أنشأناهن ﴾ وهذا لا يجوز وإن كانت متعلقة بأنشأناهن يكون معناه أنشأناهن لأصحاب اليمين والإنشاء حال كونهن أبكاراً وأتراباً فلا يتعلق الإنشاء بالأبكار بحيث يكون كونهن أبكاراً بالإنشاء لأن الفعل لا يؤثر في الحال تأثيراً واجباً فنقول: صرفه للإنشاء لا يدل على أن الإنشاء كان بفعل فيكون الإنعام عليهم بمجرد إنشائهن لأصحاب اليمين: ﴿ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ﴾ ليكون ترتيب المسبب على السبب فاقتضى ذلك كونهن أبكاراً، وأما إن كان الإنشاء أولاً من غير مباشرة للأزواج ما كان يقتضي جعلهن أبكاراً فالفاء لترتيب المقتضى على المقتضى.
<div class="verse-tafsir"
السدر: شجر النبق.
والمخضود: الذي لا شوك له، كأنما خضد شوكه.
وعن مجاهد: الموقر الذي تثنى أغصانه كثرة حمله، من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب.
والطلح: شجر الموز.
وقيل: هو شجر أم غيلان، وله نوار كثير طيب الرائحة.
وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل.
وعن علي رضي الله عنه أنه قرأ: ﴿ وطلع ﴾ (فقال)، وما شأن الطلح، وقرأ قوله: ﴿ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ [ق: 10] فقيل له: أَوَ تُحوِّلها؟
فقال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحوّل.
وعن ابن عباس نحوه.
والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه؛ فليست له ساق بارزة ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) ﴾ ممتدّ منبسط لا يتقلص، كظلّ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ﴿ مَّسْكُوبٍ ﴾ يسكب لهم أين شاؤوا وكيف شاؤوا لا يتعنون فيه.
وقيل: دائم الجرية لا ينقطع.
وقيل: مصبوب يجري على الأرض في غير أخدود ﴿ لاَّ مَقْطُوعَةٍ ﴾ هي دائمة لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا ﴿ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ لا تمنع عن متناولها بوجه، ولا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا.
وقرئ: ﴿ فاكهة كثيرة ﴾ ، بالرفع على: وهناك فاكهة، كقوله: ﴿ وحور عين ﴾ [الواقعة: 22] ﴿ وَفُرُشٍ ﴾ جمع فراش.
وقرئ: ﴿ وفرش ﴾ بالتخفيف ﴿ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ نضدت حتى ارتفعت.
أو مرفوعة على الأسرة.
وقيل: هي النساء، لأن المرأة يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك.
قال الله تعالى: ﴿ هُمْ وأزواجهم فِي ظلال عَلَى الارائك مُتَّكِئُونَ ﴾ [يس: 56] ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنشأناهن إِنشآءَ (35) ﴾ وعلى التفسير الأول أضمر لهنّ، لأنّ ذكر الفرش وهي المضاجع دلّ عليهن ﴿ أنشأناهن إِنشَاء ﴾ أي ابتدأنا خلقهن ابتداء جديداً من غير ولادة، فإما أن يراد.
اللاتي ابتدئ إنشاؤهن؛ أو اللاتي أعيد إنشاؤهن.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّ أمّ سلمة رضي الله عنها سألته عن قول الله تعالى: ﴿ إِنَّا أنشأناهن ﴾ فقال: «يا أم سلمة هنّ اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا، جعلهنّ الله بعد الكبر» ﴿ أَتْرَاباً ﴾ على ميلاد واحد في الاستواء، كلما أتاهنَّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا؛ فلما سمعت عائشة رضي الله عنها ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: واوجعاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس هناك وجع» وقالت عجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: «إنّ الجنة لا تدخلها العجائز» ، فولت وهي تبكي، فقال عليه الصلاة والسلام: «أخبروها أنها ليست يومئذٍ بعجوز» وقرأ الآية ﴿ عُرُباً ﴾ وقرئ: ﴿ عربا ﴾ بالتخفيف جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أَتْرَاباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهنّ أيضاً كذلك.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً بيضاً جعاداً مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين» واللام في ﴿ لأصحاب اليمين (38) ﴾ من صلة أنشأنا وجعلنا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴾ رَفِيعَةِ القَدْرِ أوْ مُنَضَّدَةٍ مُرْتَفِعَةٍ.
وقِيلَ: الفُرُشُ النِّساءُ وارْتِفاعُها أنَّها عَلى الأرائِكِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ أيِ ابْتَدَأْناهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ إبْداءً أوْ إعادَةً.
وَفِي الحَدِيثِ: «هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في دارِ الدُّنْيا عَجائِزَ شُمْطًا رُمْصًا، جَعَلَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الكِبَرِ أتْرابًا عَلى مِيلادٍ واحِدٍ، كُلَّما أتاهُنَّ أزْواجُهُنَّ وجَدُوهُنَّ أبْكارًا».» ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ ﴿ عُرُبًا ﴾ مُتَحَبِّباتٍ إلى أزْواجِهِنَّ جَمْعُ عَرُوبٍ، وسَكَّنَ راءَهُ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ مِثْلُهُ.
﴿ أتْرابًا ﴾ فَإنَّ كُلَّهُنَّ بَناتُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ وكَذا أزْواجُهُنَّ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّا أنشأناهن إِنشَاء} ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة فأما ولادة أن يراد اللاتي ابتداىء نشاؤهن او اللاتى اعيد انشاؤهن وعل غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش وهي المضاجع دل عليهن
وأُيِّدَ إرادَةُ النِّساءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ لِأنَّ الضَّمِيرَ في الأغْلَبِ يَعُودُ عَلى مَذْكُورٍ مُتَقَدِّمٍ ولَيْسَ إلّا الفُرُشُ ولا يُناسِبُ العَوْدُ إلَيْهِ إلّا بِهَذا المَعْنى والِاسْتِخْدامُ بَعِيدٌ هُنا، وعَلى القَوْلِ في الفُرُشِ الضَّمِيرُ لِلنِّساءِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْها فَهو تَتْمِيمٌ بَيانًا لِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ كَأنَّهُ قِيلَ: وفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ ونِساءٌ أوْ وحُورٌ عِينٌ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ وصْفُهُنَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ ﴾ تَتْمِيمًا لِلْبَيانِ زِيادَةً لِلتَّرْغِيبِ لا لِتَعْلِيلِ الرَّفْعِ، وقِيلَ: إنَّ المَرْجِعَ مُضْمَرٌ وتَقْدِيرُ المَنزِلِ وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ لِأزْواجِهِمْ أوْ لِنِسائِهِمْ فَإنّا إلَخِ اسْتِئْنافُ عِلَّةٍ لِلرَّفْعِ أيْ وفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ لِأزْواجِهِمْ لِأنّا أنْشَأْناهُنَّ، والأوَّلُ أوْفَقُ لِبَلاغَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ، والمُرادُ بِأنْشَأْناهُنَّ أعَدْنا إنْشاءَهُنَّ مِن غَيْرِ وِلادَةٍ لِأنَّ المُخْبَرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ نِساءَكُنَّ في الدُّنْيا.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وآخَرُونَ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ : في الآيَةِ إنَّ المُنْشِئاتِ اللّاتِي كُنَّ في الدُّنْيا عَجائِزَ عُمْشًا رُمْصًا»» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ الجُعْفِيِّ قالَ: ««سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ الثَّيِّبُ والأبْكارُ اللّاتِي كُنَّ في الدُّنْيا»» وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في الشَّمائِلِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الحَسَنِ قالَ: ««أتَتْ عَجُوزٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ فَقالَ: يا أُمَّ فُلانٍ إنَّ الجَنَّةَ لا تَدْخُلُها عَجُوزٌ فَوَلَّتْ تَبْكِي قالَ: أخْبِرُوها أنَّها لا تَدْخُلُها وهي عَجُوزٌ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ إلَخْ»، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ العِينِ فالمَعْنى إنّا ابْتَدَأْناهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ ولا خَلْقٍ أوَّلَ ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ تَفْسِيرٌ لِما تَقَدَّمَ، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، ( وأبْكارا ) مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ بِمَعْنى الخَلْقِ و«أبْكارًا» حالٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، والكَلامُ مِن قَبِيلِ ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ، وفي الحَدِيثِ ««إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا جامَعُوا نِساءَهم عُدْنَ أبْكارًا»» أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ والبَزّارُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ يعني: السابقين إلى الإيمان، والجهاد، والطاعات السَّابِقُونَ يعني: هم السَّابِقُونَ إلى الجنة.
فذكر الأصناف الثلاثة.
أحدها أصحاب اليمين، الثاني أصحاب الشمال، والثالث السابقون.
ثم وصف كل صنف منهم بصفة، فبدأ بصفة السابقين فقال: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ يعني: المقربين عند الله في الدرجات فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يعني: في جنات عدن ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: إن السابقين تكون جماعة من الأولين.
يعني: من أول هذه الأمة مثل الصحابة، والتابعين وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: إن السابقين في آخر هذه الأمة يكون قليلاً.
وقال بعضهم: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني جميعاً من الأمم الخالية، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: من هذه الأمة.
فحزن المسلمون بذلك حتى نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فطابت أنفسهم.
والطريق الأول أصح.
وروي عن النبيّ أنه قال: «كِلْتَا الثُّلَّتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي» .
وروي عن عبد الله بن يزيد قال: قال رسول الله : «أَهْلَ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةَ صِنْفٍ هذه الأُمّةِ مِنْهَا ثَمَانُونَ صِنْفاً» .
ثم قال: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ يعني: إن السابقين في الجنة على سرر منسوجة بالدر والياقوت.
وقال مجاهد: مَوْضُونَةٍ بالذهب.
وقال القتبي: مَوْضُونَةٍ أي: منسوجة.
كأن بعضها أدخل في بعض، أو نضد بعضها على بعض، ومنه قيل للدرع مَوْضُونَةٍ.
ثم قال: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ يعني: ناعمين على سرر متقابلين في الزيادة.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعمين.
وقال مجاهد: مُتَقابِلِينَ يعني: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
ثم قال عز وجل: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ يعني: في الخدمة وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ يعني: غلماناً خلدوا في الجنة.
ويقال: على سن واحد لا يتغيرون، لأنهم خلقوا للبقاء ومن خلق للبقاء، لا يتغير.
ويقال: مُخَلَّدُونَ يعني: لا يكبرون.
ويقال: هم أولاد الكفار لم يكن لهم ذنب يعذبون، ولا طاعة يثابون، فيكونون خداماً لأهل الجنة.
قوله تعالى: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ هي التي لها عرى.
ثم قال: وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ يعني: خمراً بيضاء من نهر جار لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها يعني: لا يصدع رؤوسهم بشرب الخمر في الآخرة وَلا يُنْزِفُونَ يعني: لا تذهب عقولهم، ولا ينفد شرابهم.
ثم قال: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يعني: ما يتمنون، ويختارون من ألوان الفاكهة وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يعني: إن شاء مشويّاً، وإن شاء مطبوخاً.
ثم قال عز وجل: وَحُورٌ عِينٌ قرأ حمزة، والكسائي وَحُورٌ عِينٌ بالكسر عطفاً على قوله: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ والباقون وَحُورٌ عِينٌ بالضم.
ومعناها: ولهم حور عين، والحور: البيض، والعين: الحسان الأعين كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ يعني: اللؤلؤ الذي في الصدف، لم تمسه الأيدي، ولم تره الأعين، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: هذه الجنة مع هذه الكرامات، ثواباً لأعمالهم.
ثم قال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً يعني: في الجنة حلفاً، وكذباً، وَلا تَأْثِيماً يعني: كلاماً فيها عند الشرب كما يكون في الدنيا ويقال ولا تأثيماً يعني: ولا إثم عليهم فيما شربوا إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً يعني: إلا قولاً وكلاماً يسلم بعضهم على بعض، ويبعث الله تعالى إليهم الملائكة بالسلام، فهذا كله نعت السابقين.
ثم ذكر الصنف الثاني فقال: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ يعني: ما لأصحاب اليمين من الخير، والكرامة، على وجه التعجب.
ثم وصف حالهم فقال: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني: لا شوك له كالدر الذي يكون في الدنيا.
وقال قتادة: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني: كثير الحمل.
أي: ليس له شوك.
وقال القتبي: كأنه نضد شوكه.
يعني: قطع.
وروي في الخبر: أنه لما نزل ذكر السدر، قال أهل الطائف: إنها سِدْرنا هذا.
فنزل مَخْضُودٍ يعني: موقر بلا شوك.
ثم قال: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وقال مقاتل: يعني: الموز المتراكم بعضه على بعض.
وقال قتادة: هو الموز، وهذا روي عن ابن عباس.
والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره.
ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قرأ: وطلع مَّنْضُودٍ كقوله تعالى: طَلْعٌ نَضِيدٌ كقوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ يعني: دائماً لا يزول.
وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة : قال: في الجنة شجرة يسير الراكب، في ظلها مائة عام، ما يقطعها اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ.
ثم قال: وَماءٍ مَسْكُوبٍ يعني: منصباً كثيراً.
ويقال: يعني منصباً من ساق العرش وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ يعني: الفاكهة كثيرة لاَّ مَقْطُوعَةٍ يعني: لاَّ مَقْطُوعَةٍ يعني: لا تنقطع عنهم في حين كما يكون في فواكه الدنيا، بل توجد في جميع الأوقات وَلا مَمْنُوعَةٍ يعني: لا تمنع منهم، والممنوعة أن ينظر إليها، ولا يقدر أن يأكلها كأشجار الدنيا.
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ بعضها فوق بعض مرتفعة.
ثم قال عز وجل: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً يعني: الجواري، والزوجات.
يقال: نساء الدنيا خلقناهن خلقاً بعد خلق الدنيا.
ويقال: إنهن أفضل، وأحسن من حور الجنة، لأنهن عملن في الدنيا، والحور لم يعملن.
وعن أنس بن مالك، قال النبيّ : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «إنَّ مِنَ المُنْشِآتِ الَّتِي كُنَّ فِي الدُّنْيَا عَجِائِزَ عُمْشاً رُمْصاً زُمْناً» .
ثم قال: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً يعني: خلقناهن أبكارا عذارى.
<div class="verse-tafsir"
دخول الجنة هو برحمة اللَّه وفضله، لا بعمل عامل كما جاء في الصحيح «١» .
وقوله تعالى: إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً قال أبو حيان «٢» : «إلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً» الظاهر أَنَّ الاستثناءَ مُنْقَطِعٌ لأَنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في اللغو والتأثيم، وقيل مُتَّصِلٌ، وهو بعيد، انتهى، قال الزّجّاج «٣» : وسَلاماً مصدر، كأَنَّهُ يذكر أَنَّهُ يقول بعضهم لبعض: سلاماً سلاماً.
ت: قال الثعلبيُّ: والسِّدْرُ: شجر النبق ومَخْضُودٍ أي: مقطوع الشوك، قال- عليه السلام «٤» : ولأهل تحرير النظر هنا إشارةٌ في أَنَّ هذا الخضد بإزاء أعمالهم التي سلموا منها إذ أهل اليمين تَوَّابُونَ لهم سلام، وليسوا بسابقين، قال الفخر: وقد بان لي بالدليل أَنَّ المراد بأصحاب اليمين: الناجون الذين أذنبوا وأسرفوا، وعفا اللَّه تعالى عنهم بسبب أدنى حَسَنَةٍ لا الذين غلبت حسناتُهُم وكَثُرَتْ، انتهى.
والطلح (من العِضَاهِ) شَجَرٌ عظيم، كثيرُ الشوك، وصفه في الجنة على صفة مباينة لحال الدنيا، ومَنْضُودٍ معناه: مُرَكَّبٌ ثمره بعضُه على بعض من أرضه إلى أعلاه، وقرأ علي- رضي اللَّه عنه- وغيره: «وَطَلْعٍ» «٥» فقيل لعليِّ: إنَّما هو: «وطَلْحٍ» فقال: ما للطلح والجنة؟!
قيل له: أَنُصْلِحُهَا في المصحف؟
فقال: إنَّ المصحفَ اليومَ لا يهاج ولا يغيّر.
وقال عليُّ أيضاً وابن عباس «١» : الطلح الموز، والظل الممدود: معناه: الذي لا تنسخه شمس، وتفسير ذلك في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادُ المُضَمَّر في ظِّلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ لاَ يَقْطَعْها» «٢» ، واقرؤوا إنْ شِئْتُمْ: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، إلى غير هذا من الأحاديث في هذا المعنى.
ت: وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ في الجَنَّةِ شَجْرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ لاَ يَقْطَعُهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوْ تَغْرُبُ» »
انتهى.
وَماءٍ مَسْكُوبٍ أي: جارٍ في غير أُخْدُودٍ.
لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ أي: لا مقطوعة بالأزمان كحال فاكهة الدنيا، ولا ممنوعةٌ بوجه من الوجوه التي تمتنع بها فاكهةُ الدنيا، والفُرُشُ: الأَسِرَّةُ وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ «٤» : إنَّ في ارْتِفَاعِ السَّرِيرِ مِنْهَا مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ.
ت: وهذا إنْ ثبت فلا بُعْدَ/ فيه، إذْ أحوال الآخرة كلها خَرْقُ عادة، وقال أبو عبيدةَ وغيره: أراد بالفرش النساء «٥» ، ومَرْفُوعَةٍ معناه: في الأقدار والمنازل، وأَنْشَأْناهُنَّ معناه: خلقناهن شيئاً بَعْدَ شيء وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في تفسير هذه الآية: «هنّ
عّجائِزُكُنَّ في الدُّنْيَا عُمْشاً رُمْصاً جَعَلَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ أَتْرَاباً» «١» ، وَقَالَ لِلْعَجُوزِ: «إنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا الْعَجُوزُ، فَحَزِنَتْ، فَقَالَ: إنَّكِ إذَا [دَخَلْتِ الْجَنَّةَ أُنْشِئْتِ خَلْقاً آخَرَ «٢» » .
وقوله سبحانه: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً قيل: معناه: دائمة البكارة، متى عاود الوطء] «٣» وجدها بكراً، والعُرُبُ: جمع عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زوجها بإِظهار محبته قاله ابن عباس «٤» ، وعبر عنهنَّ ابن عباس أيضاً بالعواشق «٥» ، وقال زيد: العروب: الحسنة الكلام «٦» .
ت: قال البخاريُّ: والعروب يسميها أَهْلُ مَكَّةَ العَرِبَةَ، وأهل المدينة: الغَنِجَة، وأَهل العراق: الشَّكِلَة، انتهى.
وقوله: أَتْراباً معناه: في الشكل والقَدِّ، قال قتادة «٧» : أَتْراباً يعني: سِنًّا واحدة، ويُرْوَى أَنَّ أَهل الجنة هم على قَدِّ ابن أربعةَ عَشَرَ عاماً في الشباب، والنُّضْرَةِ، وقيل: على مثال أبناء ثلاثٍ وثلاثين سنةً، مُرْداً بيضاً، مُكَحَّلِينَ، زاد الثعلبيُّ: على خَلْقِ آدَم، طولُه ستون ذراعا في سبعة أذرع.
وَقَدْ شَرَحْنا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أصْحابُ اليَمِينِ: أطْفالُ المُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ المُسْلِمِينَ نَظَرُوا إلى وجٍّ.
وهو وادٍ بِالطّائِفِ مُخْصِبٌ.
فَأعْجَبَهم سِدْرُهُ، فَقالُوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ هَذا؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ.
وَفِي المَخْضُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي لا شَوْكَ فِيهِ، رَواهُ أبُو طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقُسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّهُ خُضِدَ شَوْكُهُ، أيْ: قُلِعَ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ في المَدِينَةِ: «لا يُخْضَدُ شَوْكُها" .» والثّانِي: أنَّهُ المُوقَرُ حِمْلًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُوقَرُ الَّذِي لاشَوْكَ فِيهِ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ.
وَفِي الطَّلْحِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْزُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، [والحَسَنُ]، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ عِظامٌ كِبارُ الشَّوْكِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا هو الطَّلْحُ عِنْدَ العَرَبِ، قالَ الحادِي: بَشَّرَها دَلِيلُها وقالا غَدًا تَرَيْنَ الطَّلْحَ والجِبالا فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في الطَّلْحِ؟
.
فالجَوابُ أنَّ لَهُ نَوْرًا ورِيحًا طَيِّبَةً، فَقَدْ وعَدَهم ما يَعْرِفُونَ ويَمِيلُونَ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَقَعِ التَّساوِي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في الدُّنْيا.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَعْجَبُونَ بِـ "وَجٍّ" وظِلالِهِ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ.
فَأمّا المَنضُودُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الَّذِي قَدْ نُضِدَ بِالحَمْلِ أوْ بِالوَرَقِ والحَمْلُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، فَلَيْسَ لَهُ ساقٌ بارِزَةٌ، وقالَ مَسْرُوقٌ: شَجَرُ الجَنَّةِ نَضِيدٌ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ أيْ: دائِمٌ لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ.
﴿ وَماءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ أيْ: جارٍ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا مَقْطُوعَةٌ في حِينٍ دُونَ حِينٍ، ولا مَمْنُوعَةٌ بِالحِيطانِ والنَّواطِيرِ، إنَّما هي مُطْلَقَةٌ لِمَن أرادَها، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
ولَخَّصَهُ بَعْضُهم فَقالَ: لا مَقْطُوعَةٌ بِالأزْمانِ، ولا مَمْنُوعَةٌ بِالأثْمانِ.
والثّانِي: لا تَنْقَطِعُ إذا جُنِيَتْ، ولا تُمْنَعُ مِن أحَدٍ إذا أُرِيدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لا مَقْطُوعَةٌ بِالفَناءِ، ولا مَمْنُوعَةٌ بِالفَسادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الحَشايا المَفْرُوشَةُ لِلْجُلُوسِ والنَّوْمِ.
وفي رَفْعِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَرْفُوعَةٌ فَوْقَ السُّرُرِ.
والثّانِي: أنَّ رَفْعَها: زِيادَةُ حَشْوِها لِيَطِيبَ الِاسْتِمْتاعُ بِها.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالفِراشِ: النِّساءُ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي المَرْأةَ: فِراشًا وإزارًا ولِباسًا؛ وفي مَعْنى رَفْعِهِنَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُنَّ رُفِعْنَ بِالجَمالِ عَلى نِساءِ أهْلِ الدُّنْيا، والثّانِي: رُفِعْنَ عَنِ الأدْناسِ.
والثّالِثُ: في القُلُوبِ لِشِدَّةِ المَيْلِ إلَيْهِنَّ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ يَعْنِي النِّساءَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اكْتَفى بِذِكْرِ الفُرُشِ لِأنَّها مَحَلُّ النِّساءِ عَنْ ذِكْرِهِنَّ.
وفي المُشارِ إلَيْهِنَّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُنَّ نِساءُ أهْلِ الدُّنْيا المُؤْمِناتُ؛ ثُمَّ في إنْشائِهِنَّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ إنْشاؤُهُنَّ مِنَ القُبُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إعادَتُهُنَّ بَعْدَ الشَّمَطِ والكِبَرِ أبْكارًا صِغارًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ الحُورُ العِينُ، وإنْشاؤُهُنَّ: إيجادُهُنَّ عَنْ غَيْرِ وِلادَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والصَّوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ الإنْشاءَ عَمَّهُنَّ كُلَّهُنَّ، فالحُورُ أُنْشِئْنَ ابْتِداءً، والمُؤْمِناتُ أُنْشِئْنَ بِالإعادَةِ وتَغْيِيرِ الصِّفاتِ؛ وقَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ مِنَ المُنْشَآتِ اللّاتِي كُنَّ في الدُّنْيا عَجائِزَ عُمْشًا رُمْصًا" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ أيْ: عَذارى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَأْتِيها زَوْجُها إلّا وجَدَها بِكْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُرُبًا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ: بِإسْكانِ الرّاءِ؛ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى "عُرُبًا" خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُنَّ المُتَحَبِّباتُ إلى أزْواجِهِنَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ العَواشِقُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والمُبَرِّدُ؛ وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: الحَسَنَةُ التَّبَعُّلِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
والرّابِعُ: الغَنِجاتُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والخامِسَةُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَأمّا الأتْرابُ فَقَدْ ذَكَرْناهُنَّ في [ص: ٥٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ هَذا مِن نَعْتِ أصْحابِ اليَمِينِ.
وفي الأوَّلِينَ والآخِرِينَ خِلافٌ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [الواقِعَةِ: ١٣] .
وقَدْ زَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ وجَدَ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ وجْدًا شَدِيدًا حَتّى أُنْزِلَتْ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَنَسَخَتْها.
ورُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ نَحْوُ هَذا المَعْنى.
قُلْتُ: وادِّعاءُ النَّسْخِ ها هُنا لا وجْهَ لَهُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّ عُلَماءَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ لَمْ يُوافِقُوا عَلى هَذا.
والثّانِي: أنَّ الكَلامَ في الآيَتَيْنِ خَبَرٌ، والخَبَرُ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ، [فَهُوَ ها هُنا لا وجْهَ لَهُ] .
والثّالِثُ: أنَّ الثُّلَّةَ بِمَعْنى الفِرْقَةِ والفِئَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُما مِنَ القِطْعَةِ، والثَّلُّ: الكَسْرُ والقَطْعُ.
فَعَلى هَذا قَدْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثُّلَّةُ في مَعْنى القَلِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ ﴿ وَطَلْحٍ مَنضُودٍ ﴾ ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ ﴿ وَماءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ ﴿ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ ﴿ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ ﴾ ﴿ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴾ ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ ﴿ عُرُبًا أتْرابًا ﴾ ﴿ لأصْحابِ اليَمِينِ ﴾ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ.
و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟
فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟
فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ.
وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ.
و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ : « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ.
و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ ، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا.
و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.
<div class="verse-tafsir"
لما جرى ذكر الفُرش وهي مما يعد للاتكاء والاضطجاع وقت الراحة في المنزل يخطر بالبال بادئ ذي بدء مصاحبة الحُور العين معهم في تلك الفرش فيتشوف إلى وصفهن، فكانت جملة: ﴿ إنا أنشأناهن إنشاءً ﴾ بياناً لأن الخاطر بمنزلة السؤال عن صفات الرفيقات.
فضمير المؤنث من ﴿ أنشأناهن ﴾ عائد إلى غير مذكور في الكلام ولكنه ملحوظ في الأفهام كقول أبي تمام في طالع قصيدة: هُنّ عوادي يوسفٍ وصواحبه *** ومنه قوله تعالى: ﴿ حتى توارت بالحجاب ﴾ [ص: 32].
وهذا أحسن وجه في تفسير الآية، فيكون لفظ ﴿ فرش ﴾ [الواقعة: 34] في الآية مستعملاً في معنييه ويكون ﴿ مرفوعة ﴾ [الواقعة: 34] مستعملاً في حقيقته ومجازه، أي في الرفع الحسي والرفع المعنوي.
والإِنشاء: الخَلق والإِيجاد فيشمل إعادة ما كان موجوداً وعُدم، فقد سمّى الله الإِعادة إنشاء في قوله تعالى: ﴿ ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ﴾ [العنكبوت: 20] فيدخل نساء المؤمنين اللاءِ كُنّ في الدنيا أزواجاً لمن صاروا إلى الجنة ويشمل إيجادَ نساء أُنُفاً يُخلقن في الجنة لنعيم أهلها.
وقوله: ﴿ فجعلناهن أبكاراً ﴾ شامل للصنفين.
والعُرُب: جمع عَروب بفتح العين، ويقال: عَرِبه بفتح فكسر فيجمع على عَرِبات كذلك، وهو اسم خاص بالمرأة.
وقد اختلفت أقوال أهل اللغة في تفسيره.
وأحسن ما يجمعها أن العَروب: المرأة المتحببة إلى الرجل، أو التي لها كيفية المتحببة، وإن لم تقصد التحبّب، بأن تكثر الضحك بمرأى الرجل أو المزاحَ أو اللهو أو الخضوع في القول أو اللثغ في الكلام بدون علة أو التغزل في الرجل والمساهلة في مجالسته والتدلل وإظهار معاكسة أميال الرجل لعِباً لا جِدًّا وإظهار أذاه كذلك كالمغاضبة من غير غصب بل للتورك على الرجل، قال نبيه بن الحجاج: تلك عريسي غضبى تريد زيالي *** أَلَبيْننٍ أردتتِ أم لدلال الشاهد في قوله: أم لدلال، قال تعالى: ﴿ فلا تَخْضَعْن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً ﴾ [الأحزاب: 32]، وقال: ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يُخفِين من زينتهن ﴾ [النور: 31].
وإنما فسروها بالمتحببة لأنهم لما رأوا هاته الأعمال تجلب محبة الرجل للمرأة ظنوا أن المرأة تفعلها لاكتساب محبة الرجل.
ولذلك فسر بعضهم: العَروب بأنها المغتلمة، وإنما تلك حالة من أحوال بعض العروب.
وعن عكرمة العروب: الملِقة.
والعروب: اسم لهذه المعاني مجتمعة أو مفترقة أجرَوْه مجرى الأسماء الدالة على الأوصاف دون المشتقة من الأفعال فلذلك لم يذكروا له فعلاً ولا مصدراً وهو في الأصل مأخوذ من الإِعراب والتعريب وهو التكلم بالكلام الفحش.
والعِرابة: بكسر العين: اسم من التعريب وفعله: عَرَّبت وأعربتْ، فهو مما يسند إلى ضمير المرأة غالباً.
كأنهم اعتبروه إفصاحاً عما شأنه أن لا يفصح عنه ثم تنوسي هذا الأخذ فعومل العَروب معاملة الأسماء غير المشتقة، ويقال: عَرِبَة.
مثل عروب.
وجمع العَروب عُرُب وجمع عَرِبة عَرِبات.
ويقال للعروب بلغة أهل مكة العَرِبة والشَّكِلَةُ.
ويقال لها بلغة أهل المدينة: الغَنجَة.
وبلغة العراق: الشّكِلة، أي ذات الشَّكَل بفتح الكاف وهو الدلال والتعرُّبُ.
والأَتراب: جمع تِرْب بكسر المثناة الفوقية وسكون الراء وهي المرأة التي ساوى سنها سنّ من تضاف هي إليه من النساء، وقد قيل: إن الترب خاص بالمرأة، وأما المساوي في السن من الرجال فيقال له: قرن ولدة.
فالمعنى: أنهن جُعلن في سن متساوية لا تفاوت بينهن، أي هن في سن الشباب المستوي فتكون محاسنهن غير متفاوتة في جميع جهات الحُسن، وعلى هذا فنساء الجنة هن الموصوفات بأنهن «أتراب» بعضهن لبعض.
وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم وخلفُ ﴿ عرْبا ﴾ بسكون الراء سكون تخفيف وهو ملتزم في لغة تميم في هذا اللفظ.
واللام في ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ يتنازعها ﴿ أنشأناهن ﴾ و ﴿ جعلناهن ﴾ لإِفادة توكيد الاعتناء بأصحاب اليمين المستفاد من المقام من قوله: ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ﴾ [الواقعة: 27] الآية.
واعلم أن ما أعطي لأصحاب اليمين ليس مخالفاً لأنواع ما أعطي للسابقين ولا أن ما أعطي للسابقين مخالف لما أعطي أصحاب اليمين فإن الظل والماء المسكوب وكون أزواجهم عُرباً أتراباً لم يذكر مثله للسابقين وهو ثابت لهم لا محالة إذ لا يَقْصرون عن أصحاب اليمين، وكذلك ما ذكر للسابقين من الولدان وأكوابِهم وأباريقهم ولحم الطير وكون أزواجهم حوراً عيناً وأنهم لا يسمعون إلا قيلاً سلاماً سلاماً، لم يذكر مثله لأصحاب اليمين مع أن لأهل الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
وقد ذكر في آيات كثيرة أنهم أعطوا أشياء لم يذكر إعطاؤها لهم في هذه الآية مثل قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ [يونس: 10]، فليس المقصود توزيع النعيم ولا قصره ولكن المقصود تعداده والتشويق إليه مع أنه قد علم أن السابقين أعلى مقاماً من أصحاب اليمين بمقتضى السياق.
وقد أشار إلى تفاوت المقامين أنه ذكر في نعيم السابقين أنه جزاء بما كانوا يعملون للوجه الذي بيناه فيها ولم يذكر مثله في نعيم أصحاب اليمين وجُماع الغرض من ذلك التنويه بكلا الفريقين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أصْحابُ الحَقِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهم دُونَ مَنزِلَةِ المُقَرَّبِينَ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.
الثّالِثُ: أنَّهم مَن أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، قالَهُ يَعْقُوبُ بْنُ مُجاهِدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ مِمَّنْ لَمْ يُدْرِكِ الأنْبِياءَ مِنَ الأُمَمِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: ما رَواهُ أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ اللَّهَ تَعالى مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ فَمَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُمْنى فَأخْرَجَ ذَرِّيَّةً كَهَيْئَةِ الذَّرِّ بَيْضاءَ فَقالَ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ولا أُبالِي، ومَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى فَأخْرَجَ ذُرِّيَّةً كَهَيْئَةِ الذَّرِّ سَوْداءَ، فَقالَ لَهُمُ ادْخُلُوا النّارَ ولا أُبالِي، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ ، وقَوْلُهُ ﴿ وَأصْحابُ الشِّمالِ ﴾ السّادِسُ: ما رَواهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (أصْحابُ اليَمِينِ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ثُمَّ تابُوا بَعْدَ ذَلِكَ وأصْلَحُوا).» ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ والسِّدْرُ النَّبْقُ، وفي مَخْضُودٍ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اللَّيِّنُ الَّذِي لا شَوْكَ فِيهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقالَ غَيْرُهُ لا عُجْمَ لِنَبْقِهِ، يُقالُ خُضْدَتِ الشَّجَرَةُ إذا حَذَفَتْ شَوْكَها.
الثّانِي: أنَّهُ المُوَقَّرُ حِمْلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: المُدَلّاةُ الأغْصانِ، وخَصَّ السِّدْرَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ ثَمَرَهُ أشْهى الثَّمَرِ إلى النُّفُوسِ طَمَعًا وألَذَّهُ رِيحًا.
﴿ وَطَلْحٍ مَنضُودٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الطَّلْحَ المَوْزُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ تَكُونُ بِاليَمَنِ وبِالحِجازِ كَثِيرًا تُسَمّى طَلْحَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ، وقِيلَ إنَّها مِن أحْسَنِ الشَّجَرِ مَنظَرًا، لِيَكُونَ بَعْضُ شَجَرِهِمْ مَأْكُولًا وبَعْضُهُ مَنظُورًا، قالَ الحادِي بَشَّرَها دَلِيلُها وقالا غَدًا تَرَيْنَ الطَّلْحَ والأحْبالا الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّلْعُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وحَكى أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: وطَلْعٍ مَنضُودٍ، وفي المَنضُودِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَصْفُوفُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: المُتَراكِمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ أيْ دائِمٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّهُ التّامُّ.
﴿ وَماءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ أيْ مُنْصَبٍّ في غَيْرِ أُخْدُودٍ.
وَيَحْتَمِلُ آخَرَ: أنَّهُ الَّذِي يَنْسَكِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصُّعُودِ والهُبُوطِ بِخِلافِ الدُّنْيا، قالَ الضَّحّاكُ: مِن جَنَّةِ عَدْنٍ إلى أهْلِ الخِيامِ.
﴿ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ ﴿ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا مَقْطُوعَةٍ بِالفَناءِ ولا مَمْنُوعَةٍ مِنَ اليَدِ بِشَوْكٍ أوْ بُعْدٍ.
وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: لا مَقْطُوعَةٍ بِالزَّمانِ ولا مَمْنُوعَةٍ بِالأشْجارِ.
﴿ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الحَشايا المَفْرُوشَةُ لِلْجُلُوسِ والنَّوْمِ، مَرْفُوعَةٌ بِكَثْرَةِ حَشْوِها زِيادَةً في الِاسْتِمْتاعِ بِها.
الثّانِي: أنَّهُمُ الزَّوْجاتُ لِأنَّ الزَّوْجَةَ تُسَمّى فُرُاشًا، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ : «الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
فَعَلى هَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَرْفُوعاتٌ في القُلُوبِ لِشِدَّةِ المَيْلِ إلَيْهِنَّ.
الثّانِي: مَرْفُوعاتٌ عَنِ الفَواحِشِ والأدْناسِ.
﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ يَعْنِي نِساءَ أهْلِ الدُّنْيا، وفي إنْشائِهِنَّ في الجَنَّةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إنْشاءَهُنَّ في القُبُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: إعادَتُهُنَّ بَعْدَ الشَّمْطِ والكِبَرِ صِغارًا أبْكارًا، قالَهُ الضَّحّاكُ، ورَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَذارى بَعْدَ أنْ كُنَّ غَيْرَ عَذارى، قالَهُ يَعْقُوبُ بْنُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: لا يَأْتِيها إلّا وجَدَها بِكْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أبْكارًا مِنَ الزَّوْجاتِ، وهُنَّ الأوائِلُ لِأنَّهُنَّ في النُّفُوسِ أحْلى والمَيْلُ إلَيْهِنَّ أقْوى، كَما قالَ الشّاعِرُ أتانِي هَواها قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوى ∗∗∗ فَصادَفَ قَلْبًا فارِغًا فَتَمَكَّنا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ عُرُبًا أتْرابًا ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ العُرْبَ المُنْحَبِساتُ عَلى أزْواجِهِنَّ المُتَحَبِّباتُ إلَيْهِمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُنَّ المُتَحَبِّباتُ مِنَ الضَّرائِرِ لِيَقِفْنَ عَلى طاعَتِهِ ويَتَساعَدْنَ عَلى إشاعَتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: الشَّكْلَةُ بِلُغَةِ أهْلِ مَكَّةَ، والغَنْجَةُ بِلُغَةِ أهْلِ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ وفي الخِباءِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَّوادِفِ يَعْشى دُونَها البَصَرُ الرّابِعُ: هُنَّ الحَسَناتُ الكَلامِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
[أيْضًا] الخامِسُ: أنَّها العاشِقَةُ لِزَوْجِها لِأنَّ عِشْقَها لَهُ يَزِيدُهُ مَيْلًا إلَيْها وشَغَفًا بِها.
السّادِسُ: أنَّها الحَسَنَةُ التَّبَعُّلِ، لِتَكُونَ ألَذَّ اسْتِمْتاعًا.
السّابِعُ: ما رَواهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (عُرُبًا كَلامُهُنَّ عَرَبِيٌّ)» ﴿ أتْرابًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي أقْرانَ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
وَقالَ الكَلْبِيُّ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، يُقالُ في النِّساءِ أتْرابٌ، وفي الرِّجالِ أقْرانٌ، وأمْثالٌ، وأشْكالٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أتْرابٌ في الأخْلاقِ لا تَباغُضَ بَيْنَهُنَّ ولا تَحاسُدَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن حبان وابن جرير وابن أبي حاتم والروياني وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في قوله: ﴿ وفرش مرفوعة ﴾ قال: ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة ما بينهما خمسمائة عام» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرش المرفوعة قال: لو طرح فراش من أعلاها لهوى إلى قرارها مائة خريف» .
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن أبي أمامة في قوله: ﴿ وفرش مرفوعة ﴾ قال: لو أن أعلاها سقط ما بلغ أسفلها أربعين خريفاً.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رفعه في الفرش المرفوعة «لو طرح من أعلاها شيء ما بلغ قرارها مائة خريف» .
وأخرج هناد عن الحسن في قوله: ﴿ وفرش مرفوعة ﴾ قال: ارتفاع فراش أهل الجنة مسيرة ثمانين سنة، والله أعلم.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وهناد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إنا أنشأناهن إنشاء ﴾ قال: إن من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز شمطاً عمشاً رمصاً» .
وأخرج الطيالسي وابن جرير وابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه وابن قانع والبيهقي في البعث «عن سلمة بن زيد الجعفي سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: ﴿ إنا أنشأناهنّ إنشاء ﴾ قال: الثيب والأبكار اللاتي كنّ في الدنيا» .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي في الشمائل وابن المنذر والبيهقي في البعث عن الحسن قال: «أتت عجوز فقالت يا رسول الله: ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، فولّت تبكي، قال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله يقول: ﴿ إنا أنشأناهنّ إنشاء فجعلناهن أبكاراً ﴾ » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن عائشة قالت: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليّ وعندي عجوز، فقال: من هذه؟
قلت: إحدى خالاتي، قال: أما إنه لا يدخل الجنة العجوز، فدخل العجوز من ذلك ما شاء الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا أنشأناهن خلقاً آخر» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ إنا أنشأناهنّ إنشاء ﴾ نخلقهن غير خلقهن الأول.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتته عجوز من الأنصار، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: إن الجنة لا يدخلها عجوز، فذهب يصلي، ثم رجع، فقالت عائشة: لقد لقيت من كلمتك مشقة، فقال: إن ذلك كذلك إن الله إذا أدخلهن الجنة حوّلهنّ أبكاراً» .
وأخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إنا أنشأناهنّ إنشاء ﴾ قال: أنبتناهن.
وأخرج الطبراني عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة إذا جامعوا النساء عُدْنَ أبكاراً» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس في قوله: ﴿ فجعلناهن أبكاراً ﴾ قال: عذارى.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: عواشق ﴿ أتراباً ﴾ يقول: مستويات.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿ عرباً ﴾ قال: عواشق لأزواجهن وأزواجهن لهن عاشقون ﴿ أتراباً ﴾ قال: في سن واحد ثلاثاً وثلاثين سنة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: العرب الملقة لزوجها.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: العرب المتحببات المتوددات إلى أزواجهن.
وأخرج هناد من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: العرب الغنجة، وفي قول أهل المدينة الشكلة.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: هي الغنجة.
وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: هن المتغنجات.
وأخرج سفيان وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: الناقة التي تشتهي الفحل يقال لها: عربة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن بريدة في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: هي الشكلة بلغة مكة، المغنوجة بلغة المدينة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: العربة التي تشتهي زوجها.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ عرباً أتراباً ﴾ قال: هن العاشقات لأزواجهن اللاتي خلقن من الزعفران، والأتراب المستويات قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول: عهدت بها سعدى وسعدى عزيزة ** عروب تهادى في جوار خرائد وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ فجعلناهن أبكاراً ﴾ قال: عذارى ﴿ عرباً ﴾ قال: عشقاً لأزواجهن ﴿ أتراباً ﴾ قال: مستويات سناً واحداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: المغنوجات، والعربة هي الغنجة.
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عبيد بن عمير أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿ عرباً ﴾ قال: أما سمعت أن المحرم يقال له: لا تعربها بكلام تلذ ذهابه وهي محرمة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن تيم بن جدلم، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: العربة الحسنة التبعل وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل: إنها العربة.
وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: يشتهين أزواجهن.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: العرب المتعشقات.
وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: عواشق لأزواجهن ﴿ أتراباً ﴾ قال: مستويات.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: المتعشقات لبعولتهن، والأتراب المستويات في سن واحد.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: العرب المتعشقات، والأتراب المستويات في سن واحد.
وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: المتحببات إلى الأزواج، والأتراب المستويات.
وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: متحببات إلى أزواجهن ﴿ أتراباً ﴾ قال: أمثالاً.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: العرب المتحببات إلى أزواجهن، والأتراب الأشباه المستويات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: العربة هي الحسنة الكلام.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ عرباً ﴾ قال: عواشق ﴿ أتراباً ﴾ قال: أقراناً.
وأخرج وكيع في الغرر وابن عساكر في تاريخه عن هلال بن أبي بردة رضي الله عنه أنه قال لجلسائه: ما العروب من النساء؟
فماجوا، وأقبل إسحاق بن عبد الله بن الحرث النوفلي رضي الله عنه فقال: قد جاءكم من يخبركم عنها، فسألوه فقال: الخفرة المتبذلة لزوجها وأنشد: يعربن عند بعولهن إذا خلوا ** وإذا هم خرجوا فهن خفار وأخرج ابن عدي بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير نسائكم العفيفة الغلمة» .
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن أبي سفيان أنه راود زوجته فاختة بنت قرطة فنخرت نخرة شهوة ثم وضعت يدها على وجهها، فقال: لا سوأة عليك فوالله لخيركن النخارات والشخارات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ عرباً ﴾ قال: كلامهنّ عربي» .
وأخرج عبد بن حميد عن ميمون بن مهران رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ قال: كثير من الأولين وكثير من الآخرين.
وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ قال: هما جميعاً من هذه الأمة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن عدي وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هما جميعاً من أمتي» .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ قال: الثلتان جميعاً من هذه الأمة.
وأخرج الحسن بن سفيان وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إني لأرجو أن يكون من اتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبرنا، ثم قال: إني لأرجو أن يكون من أمتي الشطر ثم قرأ ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ » .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: تحدثنا ذات ليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ألرنا الحديث، فلما أصبحنا غدونا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «عرضت علي الأنبياء باتباعها من أممها فإذا النبي معه الثلة من أمته، وإذا النبي ليس معه أحد، وقد أنبأكم الله عن قوم لوط، فقال: أليس منكم رشيد، حتى مر موسى عليه السلام ومن معه من بني إسرائيل، قلت: يا رب.
فأين أمتي؟
قال: انظر عن يمينك، فإذا الظراب ظراب مكة قد سد من وجوه الرجال، قال: أرضيت يا محمد؟
قلت: رضيت يا رب، قال: أنظر عن يسارك فإذا الأفق قد سد من وجوه الرجال قال: أرضيت يا محمد؟
قلت: رضيت يا رب، قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، فأتى عكاشة بن محصن الأسدي رضي الله عنه فقال يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام رجل آخر فقال يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة، ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إن استطعتم بأبي أنتم وأمي أن تكونوا من السبعين فكونوا، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أصحاب الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أصحاب الأفق، فإني قد رأيت أناساً يتهارشون كثيراً، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، فكبر القوم ثم تلا هذه الآية ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ فتذاكروا من هؤلاء السبعون ألفاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ﴾ فعادت الكناية إليهن ولم يجر لهن ذكر، فبان أن المراد بالفرش النسوة.
وعلى القول الأول كنى عنهن وإن لم يجر لهن ذكر؛ لأن الفرش محل النساء فاكتفى بذكر الفرش (١) قال قتادة، وسعيد بن جبير: خلقناهن خلقًا جديدًا (٢) (٣) (٤) ويؤكد هذا التفسير ما روى أنس أن النبي - - قال: "هن عجائزكن العمش الرمص" (٥) (٦) (١) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 449.
(٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 271، و"معالم التنزيل" 4/ 283.
(٣) انظر: "جامع البيان" 27/ 107، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 291.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 335، و"تفسير مقاتل" 138 أ.
(٥) رواه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 107، والترمذي في "سننه"، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الواقعة 5/ 375 وابن أبي حاتم: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 291، وقال الترمذي: غريب، وموسى ويزيد ضعيفان.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 138 أ، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 112.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ ﴾ الضيمر لنساء الجنة، فإن سياق الكلام يقتضي ذلك، وإن لم يتقدم ذكرهن، ولكن تقدّم ذكر الفرش وهي تدل على النساء وأما من قال: إن الفرش هي النساء فالضمير عائد عليها وقيل: يعود على الحور العين المذكورة قبل هذا وذلك بعيد، فإن ذلك في وصف جنات السابقين، وهذا في وصف جنات أصحاب اليمين، ومعنى إنشاء النساء أن الله تعالى يخلقهن في الجنة خلقاً آخر في غاية الحسن، بخلاف الدنيا فالعجوز ترجع شابة والقبيحة ترجع حسنة ﴿ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً ﴾ جمع عروب وهي المتوددة إلى زوجها بإظهار محبته، وعبَّر عنهن ابن عباس بأنهن العواشق لأزواجهن، وقيل هي الحسنة الكلام ﴿ أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ اليمين ﴾ أي مستويات في السن مع أزواجهن، وروي أنهن يكونون في سن أبناء ثلاثة وثلاثين عاماً ولأصحاب اليمين يتعلق بقوله: ﴿ أَنشَأْنَاهُنَّ ﴾ على ما قاله الزمخشري: ويحتمل أن يتعلق بأتراباً، وهذا هو الذي يقتضيه المعنى أي أتراباً لأزواجهن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.
الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.
الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.
الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.
﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.
﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.
الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.
التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.
يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.
واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.
ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.
وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.
وقالت له: إنك تطيقه.
فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.
وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.
وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.
والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.
ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.
روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا .
قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.
﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.
قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد .
جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.
وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.
قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.
وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.
وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله أعلم بمراده.
ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.
قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.
وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.
قال جار الله: روي هذا عن علي .
والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.
والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.
ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.
ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.
والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.
قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.
قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.
وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.
ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.
والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.
وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.
وفي الكشاف أن علياً أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟
قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.
قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.
والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.
ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.
والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي .
وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.
والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.
ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.
روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.
وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.
ثم عجب من أصحاب الشمال.
ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.
والحميم الماء الكثير الحرارة.
واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.
ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.
قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.
قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.
ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.
وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.
وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".
واعلم أنه ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.
وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.
أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.
ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.
فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله أعلم بمراده.
ثم أمر نبيه بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.
ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.
والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.
وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.
ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.
ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.
ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.
يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.
ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.
فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.
يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.
والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.
وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.
ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.
ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.
وفي الكشاف عن رسول الله " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.
وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.
ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.
وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.
من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.
ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.
ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.
والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.
ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.
وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.
ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".
وأعلم أنه بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.
ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.
وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.
ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.
أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.
وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.
وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.
ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.
ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.
وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.
ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.
أو كرمه نفعه للمكلفين.
أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.
ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.
وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.
ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.
ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.
وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.
وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.
ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.
ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.
ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.
فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟
ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.
ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.
ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.
وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.
ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.
هذا قول كثير من المفسرين.
وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.
وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".
"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.
أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.
هذا ما قاله أكثر المفسرين.
وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.
ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.
ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله في شأن الأزواج الثلاثة.
وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.
ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.
روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟
قال: ذنوبي.
قال: ما تشتهي؟
قال:رحمة ربي.
قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني.
قال: افلا نأمر بعطائك؟
قال: لا حاجة لي فيه.
قال: تدفعه إلى بناتك.
قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ...
﴾ الآية: أصحاب اليمين هم المؤمنون على ما ذكرنا.
ثم اختلف في ذكر شجر السدر لهم، وما ذكر من الطلح، وغير ذلك.
فمنهم من قال: إنما ذكر هذا لهم لتفضيل المقربين على أصحاب اليمين؛ لأنه قال في المقربين: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر من عظيم الكرامات التي ذكر لهم، ثم ذكر لأصحاب اليمين دون ذلك؛ ليعلم تفضيل المقربين على أصحاب اليمين.
ومنهم من قال: إن قوما من العرب ينتفعون بذلك؛ لأن لها ثمرة، لكن ليست بمرغوبة، ولها شوك، فأخبر الله أن لهم في الجنة ذلك بلا شوك ولا أذى؛ بل رغب فيه، وهو كما وعد لهم من الخمور، ثم نفى عن خمورها الآفات؛ فعلى ذلك جائز أن يكون شجر السدر فيها بغير آفات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ ، منهم من قال: هو طلع منضود متراكم؛ كما ذكر في آية أخرى ﴿ طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ ذكر في إحدى الآيتين فعيل، وفي الأخرى مفعول، وذلك جائز في اللغة.
وقيل: طلح: بالحاء: هو الموز.
وذكر أن عليا - - سمع قارئا يقرأ: ﴿ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ ، فقال علي - -: ما شأن الطلح؟
إنما هو طلع؛ فقيل له: إن في المصحف ﴿ وَطَلْحٍ ﴾ أفلا نغيره؟
فقال: إن المصحف لا يغير اليوم؛ وهذا يؤيد التأويل.
وقال أبو معاذ: الطلح في كلام العرب: شجر عظام، كثير الأغصان، وأحدها: طلحة، وقال مخضود: أي: مقطوع الشوك؛ خلقت هنالك هكذا بلا شوك، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - في شجر الحرم: "لا يخضد شوكها، ولا يعضد شجرها" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ﴾ يصف أنه ليس فيها شمس يؤذي حرها، ولا برد يؤذي، بل ظل؛ لأن الظل شيء لطيف لا أذى فيه، ولا شيء يثقل على الأبدان؛ بل هو شيء يوافق البدن، ويخف عليه.
وقيل: ممدود؛ لأنه لا شمس فيها فتنسخه، وبالشمس يعرف الظل هاهنا، وظل الآخرة ممدود أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ ﴾ قيل: جار غير منقطع؛ وهو قول القتبي.
وقال أبو عوسجة: أي: مصبوب.
والأول كأنه أقرب؛ أي: جار أبدا، ليس كمياه الدنيا؛ إلا أن يراد بالانصباب صبه من الأعلى إلى الأسفل، وذلك مما رغب إليه في الدنيا.
ثم قوله: ﴿ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ ﴾ جائز أن يكون ذكر هذا لأصحاب اليمين، وما ذكر من قوله : ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ ؛ فيكون للمقربين قوله: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ ﴾ ، ولأصحاب اليمين ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ ، وكذلك ما ذكر من ﴿ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ للمقربين يكونون في العليين، وتكون الأنهار تحتهم، وما ينسكب وينصب من الأعلى لأصحاب اليمين؛ لأنهم يكونون دونهم في الدرجة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ ﴾ فواكه الدنيا، يخبر أنها لا تنقطع في الجنة في وقت من الأوقات، وأنها كلما قطعت مرة خرجت أخرى مكانها بهيئة الأكل من غير أن يحتاج فيه إلى وقت النضج كما في الدنيا تنقطع من وقت خروجها إلى وقت نضجها، وبعد النضج والإدراك تنقطع إلى وقت وجود حمل آخر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ أي: لا آفة بها تصير ممنوعة؛ كفواكه الدنيا، إذ هي ربما تمتنع بآفة تصيبها.
وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ لاَّ مَقْطُوعَةٍ ﴾ أي: لا تحبس، كما يمنع في الدنيا بعضهم من بعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ أي: مرفوعة القدر والمنزلة، أو مرفوعة بنفسها في القيامة، وهو ما ذكرنا في قوله : ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا ﴾ ، وقيل: ﴿ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ مرفوعة النساء، يقال: امرأة فريش ونساء فرش.
وقوله عز وجل: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً ﴾ قال: الأصم وغيره: إن هذا صلة قوله: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ﴾ كأنه قال على أثره.
وقال القتبي: إنه لما ذكر على إثر قوله: ﴿ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ : ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ ﴾ دل أن الفرش كناية عن الأزواج؛ إذ هن اللؤلؤ يفرش وواحدة الفرش: فريش.
وقيل: قد استفرشت الناقة إذا اشتهيت العمل.
والأشبه أن يكون هذا على صلة ﴿ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ﴾ ، إذ ذكر في قوله ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ على أثر ذكر أثر المجالس والزوجات لا معنى لذكرهن في هذا الموضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً ﴾ أي: أنشأهن في الابتداء على هيئة الاستمتاع ليس كنساء الدنيا، وهو كما ذكرنا في قوله في صفة الفواكه: إنها غير مقطوعة ولا ممنوعة؛ أي: إنها تخرج أول ما تخرج على هيئة الأكل، لا كثمامر الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً ﴾ قيل: أي: خلقناهن كذلك، ويكن أبدا كذلك، كلما ذهبت عذريتهن عادت؛ فيكن أبدا على تلك اللذة؛ لأنهن أنشئن هكذا، والله أعلم.
وقال عامة أهل التأويل في قوله : ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ﴾ أي: خلقنا نساء الدنيا من الثيبات والأبكار خلقا جديدا سوى الخلق الذي كان في الدنيا، ﴿ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ﴾ ، وكن في الدنيا عجائز وثيبات، وروي على ذلك خبر عن النبي - إن ثبت - أنه قال في قوله: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً ﴾ : "الثيب والبكر".
وفي بعض الأخبار قال: "إن العجوز لا تدخل الجنة".
ثم قوله: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ﴾ من قال: هو صلة قوله: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ هو لسِنِّ نساء الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عُرُباً أَتْرَاباً ﴾ بجزم الراء مخففة ومضمومة.
وقال أبو عبيد: تقرؤها بالضم لوجهين: أحدهما: التفخيم.
والثاني: أنها أقيس في العربية؛ لأن واحدها: عروب، مثل صبور وصبر، وشكور وشكر.
وأما الوجه الآخر التخفيف.
وقيل في تأويل: ﴿ عُرُباً ﴾ : عاشقات لأزواجهن.
وقال أبو عوسجة: العروب: المراحة.
وقال القتبي: هي المتحببة إلى زوجها.
وقيل: الغنجات لأزواجهن.
وقيلأ: إن أهل مكة يسمونها: العربة، وأهل المدينة الغنجة، وأهل العراق: الشكلة.
وقال سعيد بن جبير: عربا: ضبعات، والضبعات: هي التي تعرض للزوج من الشهوة، ويقال للناقة إذا اشتهت الضراب: ضبعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتْرَاباً ﴾ ، أي: مستويات الأسنان.
وقال القتبي: الترب واللذة واحد، وهو بالفارسية: همزاد.
وأصله: أنهن أنشئن بلا ولاد يتقدم ويتأخر كما يكون في الدنيا يتفاضلن في الأسنان؛ فصرن في الآخرة أترابا.
ثم قال: ﴿ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ قد ذكرنا تأويله: أنه يخرج على الوجهين: وروي عن ابن عباس - - عن النبي أنه قال: "هما جميعا من أمتي" ، وكذلك تأويل قوله : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إنا أنشأنا الحور المذكورات إنشاءً غير مألوف.
<div class="verse-tafsir" id="91.98D14"